
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثالث والعشرون 23 ج 2 بقلم ليله عادل
الاسكندرية، 1:00 ظهرا.
منزل مصطفى.
كان مصطفي يجلس علي السفرة، يحتسي قهوته على مهل، ويتفقد هاتفه بين رشفة وأخرى.
ساد المكان هدوء دافئ، يشي بروتين صباحي معتاد
خرجت عائشة من المطبخ، تمسح يديها في طرف المريلة، وما إن وقعت عينا مصطفى عليها حتى رفع رأسه وناداها بنبرة مألوفة: شوشو…
التفتت نحوه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، واقتربت قائلة: نعم؟
ترك الفنجان، وأسند ظهره إلى الكرسي قليلا، ثم قال بجدية هادئة: بصي، أنا ورايا حاجات كتير النهارده، وكنت عايز اطلب منك طلب.
أومأت برأسها وهي تتابعه باهتمام، فأكمل وهو يفتح محفظته: عايزك تطلعي لآلاء لبس من عندك انتِ وماما، وانزلى معاها اشتريلها الحاجات اللى نقصاها، هي مش معاها اي حاجه خالص.
أخرج مبلغا من المال ومده نحوها: امسكي دول، هاتيلها لبس للبيت ولبس خروج، ليها ولمامتها، وأي حاجات تانية تحتاجها.
تناولت المال من يده برفق، وقالت بابتسامة مطمئنة: حاضر، هظبط كل حاجة، متقلقش.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف لكنها مشحونة بالاهتمام: وحاولي تكلميها وتخففي عنها شوية.
تنفست عائشة بعمق، وترددت قليلا قبل أن تقول: ماشي، بس أنا مش عارفة أكلمها أزاى.
نظر إليها، وقال بهدوء: زي ما عملتي مع ماسة، مفرقتش كتير عن آلاء، بس هتحتاجي وقت أكتر.
ثم أكمل بنبرة عارفة بطباعها: هي حساسة أوي، ووجعها مش سهل.
توقف مصطفى وقال: أنا نازل، السلام عليكم.
ثم خرج، وما إن أُغلق الباب خلفه حتى اقتربت نبيلة بخطوات متوترة، ونظرت إلى عائشة بحدة: هتطلعيلها؟
عائشة، بصوت خافت وطيبه: أه يا ماما، حرام.
ارتفعت نبرة نبيلة فجأة: حرام إيه وزفت إيه؟!
تنفست عائشة بعمق، محاولة تمالك نفسها: يا ماما، اللي حصل حصل، وقصتها صعبة، اكيد مكانش في حل تاني.
لوحت نبيلة بيدها بانفعال: أنتم هتجننوني؟! إيه الهبل ده؟! أنا مش موافقة تتعاملي معاها، ملناش دعوة مش هنعيد قصه ماسة تاني..
ثم اضافت بحسم: اسمعي، مفيش مراوح في حته معاها فاهمه.
اقتربت عائشة خطوة، وقالت بإصرار هادئ: مش هينفع يا ماما أنا وعدت مصطفى، هروح أكمّل الرز باللبن، وبعدين أطلعلها.
أدارت نبيلة وجهها في ضيق، وقالت ببرود متعب: براحتك أنا تعبت منكم، بس البت دي مش هتدخل هنا، ولا ليا أي علاقة بيها.
توقفت عائشة عند كلماتها، ونظرت إليها بصمت طويل، ثم استدارت ببطء، وتحركت نحو الداخل، وعادت لما كانت تقوم به، بينما ثقل الكلمات ظل معلقا في صدرها.
جلست نبيلة بتعب على أقرب مقعد، وأسندت ظهرها وكأن ثقل البيت كله هبط فوق كتفيها.
تمتمت وهي تستغفر الله، لكن نبرتها كانت مشوبة بضجر واضح، وضيق لم تحاول إخفاءه.
حركت رأسها بإنكار، وقد امتلأ صدرها بالاستياء مما فعله مصطفى.
🌹_________بقلمي_ليلةعادل________🌹
قصر الراوي، 1:30ظهرا.
جناح عزت وفايزة
جلس عزت على الأريكة، يحدق في الفراغ بشرود، يفكر في المكالمه التى أجراها سليم معه، وما قاله عن رشدي، قاطع شروده دخول فايزة وهي ترتدى ملابس رياضية، وتمسح وجهها بالمنشفة.
توقفت تنظر إليه باستغراب وتساءلت: قاعد كده ليه يا عزت.
وقبل أن يجيبها، دخلت الخادمة لإعداد الحمام، بينما بقيت فايزة تنظر لعزت بتركيز: مالك يا عزت؟ في ايه؟
أجابها بهدوء: جاتلي مكالمة من سليم غريبة شويه.
فايزة بتعجب: مكالمة إيه؟ قالك ايه سليم؟
نظر لها بصمت، حتى أنهت الخادمه عملها وخرجت تقول: الحمام جاهز يا فايزه هانم، تؤمري بحاجه تانيه
هزت رأسها: لا روحي دلوقتي.
غادرت الخادمه واغلقت الباب خلفها، فاقتربت فايزة من عزت، وقد ظهر القلق على وجهها: في إيه بقي؟
تنهد وأجابها بتعجب: من شوية، سليم كلمني وقال إن رشدي رجع يشتغل تاني في تجارة الأعضاء، حاولت اكلم رشدي وافهم الموضوع، بس تليفونه مقفول، فبعتله رسالة وقولتله أول ما ينزل ترانزيت يتواصل معايا ضروري.
علقت فايزة بصدمة: اتجنن ده ولا إيه؟ إحنا مش قفلنا الموضوع ده قبل كده، وهو وعدنا إنه مش هيفكر يشتغل في الشغل ده تاني، وبعدين هو مش بقالى فتره عامل مؤدب علشان مي ترضي عنه؟
مد عزت شفتيه بعدم معرفه، وقال مفسرا: يمكن علشان المشروع الجديد اللي دخله، علشان يعجب الأستاذة مي، ويبين لها قد إيه إنه راجل خيّر، أو يمكن علشان الفستان اللى عملهولها لحد دلوقتي معرفش جاب كل الألماظ دى منين.
علقت فايزة بضجر: معرفش ناوى يعقل امتي بجد، بس لو الكلام إللي قاله سليم صح، تبقي مشكلة كبيرة.
عزت باستهجان: تبقي مصيبه، سليم حلف إنه مش هيسكتله.
نظرت فايزه في ساعتها، وقالت: عموما، كلها تقريبا ساعتين ويوصل الترزنيت، هروح آخد حمام، ونتغدى وبعدين نتصل بيه تاني.
❤️________بقلمي_ليلةعادل________❤️
فندق الهرم
جناح سليم وماسة 2:00 ونصف مساءً
كان سليم ما يزال بين أحضان ماسة، وهي تربت على ظهره برفق، تحاول أن تخفف من أنينه ووجعه ولو قليلا.
كان يضع رأسه على كتفها، كطفل رضيع يسند رأسه على كتف أمه، مستسلما للأمان بعد انهيار طويل.
في تلك الأثناء، تعالي صوت طرق الباب، فابتعد سليم عنها قليلا، ومسح دموعه براحة يديه، مسحت ماسة دموعها هي الأخرى، وتساءلت بصوت خافت: ممكن يكون مين؟
قال وهو يحاول أن يستعيد تماسكه: هقوم اشوف مين.
تقدم نحو الباب، وما إن فتحه حتى وجد مكي أمامه ومعالم القلق ترتسم على وجهه، وهو يتساءل بقلق واضح: في إيه يا سليم؟ إيه اللي حصل؟
لم يرد، وتركه وتحرك إلى الداخل في صمت زاد من قلق مكي، فدخل خلفه وأغلق الباب، وهو يكرر: في إيه يا سليم مالك؟ فهمني! أنا جاي سايق زي المجنون خضتني.
جلس سليم على المقعد، وأشار بيده نحو ماسة وقال بصوت مبحوح: قوليله كل اللي حصل.
نظرت ماسة إلى مكي بعينين متعبتين، وهزت رأسها بإيجاب، ثم قالت: اقعد يا مكي وأنا هفهمك.
جلس على الأريكة، فبدأت تسرد له كل ما حدث، كان مكي يستمع في صدمة، وملامحه تتبدل مع كل جملة، وكأن ما يسمعه أثقل مما يحتمله عقله !
وبعد أن انتهت، كانت عينا مكي متسعتين بشدة، وكأن ما سمعه يفوق قدرته على الاستيعاب، قال بصوت مشدود: أنا مش مصدق اللي بسمعه، مش قادر أستوعب أزاي يا ماسة تخبي علينا كل ده.
خفضت رأسها، وقالت بصوت مهزوز: كنت مشوشه وخايفه.
كاد مكي أن يرد، ولكن قاطعه انفجار سليم بصوت خرج حادا مرتجفا، كأنه لم يعد يحتمل تصريحها بالخوف في وجودة أكثر من ذلك: مش مبرر يا ماسة مش مبرر! أزاي تسيبيهم يعملوا فيكي كده؟ وتخليهم يكسروكي! أنتِ استضعفتيني يا ماسة، استضعفتيني زيهم! لو كنتِ قولتيلي، مكانش كل ده حصل.
حاولت التبرير، فخرجت الكلمات منها بصعوبة كأنها تنتزع من صدرها: كنت عايزني أقولك إيه؟ أقولك إنهم هددوني؟
صرخ فيها بغضب موجوع: أيوه تقوليلي، أنتِ فاكرة إني مكنتش هقدر أحميكي؟ ولا إنتِ أصلا صدقتي إني ممكن أكون فيا كل ده؟
هزت رأسها بعنف، والدموع تنهمر من عينيها: أنا مصدقتش عنك كده يا سليم، حتي ولو كنت صدقت شوية، كان غصب عني، ومقولتش مش علشان استضعفتك زى ما بتقول، لكن علشان أنا جبانة وخوفت.
هز رأسه برفض موجوع، وقد شعر بوجع ثقيل يستقر في صدره، وجع رجل أدرك فجأة أن زوجته لم ترَ فيه يوما ملجأ ولا حماية، فقال بصوت مبحوح، منخفض لكنه قاسي: لا يا ماسة أنتِ مشوفتينيش راجل، مشوفتينيش قادر أحميكي هي دي كل الحكاية...
وضعت يديها على فمها، وانفجرت بالبكاء، كانت شهقاتها مكتومة، وهي تهز رأسها وتقول بصوت متقطع مبحوح: أقسم باللة أبدا يا سليم حاول تفهمني...
نهضت من مكانها واقتربت خطوة، وخاطبته بعينان متوسلتان: أنا بس كنت مكسورة وخايفة، الخوف عمى عيني، مش قلة ثقة فيك والله العظيم بس كنت خايفه، فكرة إن أنا احكيلك وسط كل الرعب إللي كانوا معيشينى فيه، أنت ممكن تشوفه حل بسيط بس وقتها كان قرار مش سهل خالص، كان كأنه بيقطع في قلبي بسكينه تلما.
أدار وجهه بعيدا، وكأن الكلمات لم تصل إليه، أو ربما وصلت متأخرة أكثر مما يحتمل.
تدخل مكي بسرعة، محاولا كسر حدة الموقف: اهدوا يا جماعة، مش وقت زعل ولوم دلوقتي، يا سليم الموضوع أكبر بكتير مما كنا متخيلين، أنت ناوي تعمل إيه؟
نظر له، وصدره يعلو ويهبط، وعيناه تقدحان شررا، وقال بصوت مخيف هادئ أكثر من اللازم: أعمل إيه؟ هروح أولع القصر بيهم هحرقهم.
قال مكي بهدوء حازم وهو ينظر في عينه مباشرة: وبعد ماتولع القصر بيهم، هتستفيد إيه؟
رد بانفعال مكبوت: هستفيد كتير، على الأقل هشفي غليلي من النار اللى قايده في قلبي دلوقتي ..
هز مكي رأسه نافيا، وقال بنبرة أقرب للتفكير العميق:
لا مش هتستفيد ولا حاجة، الموضوع شكله أكبر بكتير من اللي ماسة حكيته، وحاسس إن لسه في حاجات ناقصه، في لغز متحلش لسه علشان الصوره تبان كامله!
ثم وجه نظراته إلي ماسة، وسألها بتركيز: ماسة هو حد فيهم عملك حاجة بعد ما رجعتي؟
نظرت له بتوتر وقبل أن تفتح فمها، اقترب سليم منها وصوته انخفض وهو يتساءل بهدوء خطر: لما مامتك كانت بتقولك قولي لسليم على رشدي، كان قصدها على إيه بالظبط؟
ارتبكت ماسة، وترددت، ثم قالت: كانت تقصد الموضوع ده، كانت عايزاني أعرفك يعني..
قاطعها بحدة: ولما دخلت عليكم المكتب، وحورتوا أنتِ وهو، كان عايز إيه؟
مسحت دموعها بيد مرتعشة، وحاولت التحدث بهدوء، وهي تتحاشى النظر في عينيه خوفا من غضبه: كان بيهددني ..
اتسعت عينا سليم بشكل مخيف، واسود بؤبؤ عينيه من شدة الغضب، وصوته خرج كزئير مكتوم: ابن الكلببب، عمل إيه تاني؟!
تجمدت ماسة في مكانها، بينما تحرك مكي سريعا خطوة للأمام، مدركا أن ما كُشف الآن أخطر مما كانوا يتوقعون، وساد الغرفة صمت ثقيل، صمت يسبق العاصفة.
تراجعت ماسة خطوة إلى الخلف بخوف، وصوتها خرج مهتزا، يكاد لا يُسمع: مش بالظبط، بس يعني كان بيقولي لو حكيتي لسليم أي حاجة هقتله، وهقتل إخواتك.
جز على أسنانه بعنف، وغضبه انفجر دفعة واحدة، كأن النار اشتعلت في صدره، فصرخ بصوت غليظ: وحياة ربنا لأقتله! وهخليها صباحية سودا عليه وعلى دماغه!
اندفع مسرعا نحو الباب كالوحش السائر، فتحرك مكي بسرعة ووقف أمامه، مانعاً طريقه: استنى بس يا سليم أهدى...
صاح بنبرة جهورة غاضبه: أوعي من وشي يا مكي ومتقوليش أهدى، أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي.
وقف مكي حائلاً بينه وبين الباب وهو يحاول تهدئته: طب فهمني بس هتعمل إيه..
قال سليم وهو يحاول دفعه: لما تشوف اللي هعمله هتعرف، ابعد!
ثبت مكي قدميه، وصوته جاء حازما عقلاني وهو يدفعه بيده للخلف: لا يا سليم مش هبعد، المرة دي الموضوع مش محتاج غضب ولا عصبية الموضوع محتاج عقل، أنت المرة دي سابقهم بخطوة متضيعهاش..
صاح سليم بغضبٍ أجشّ، ببحّة رجولية غاضبة تشقّ المكان: خطوات إيه؟! خطوات إيه؟! بتقولك هدّدها تاني! أنا بقى هروح أجيب لها رشدي ده، اللي كان رعّبها، وهوريها إن اللي عامل نفسه أسد… بيبقى فار قدّامي! والله لأقتله! إبعد عن وشي يا مكي!
تقدّم مكي خطوة وهو يتنهد بضجر، ثم قال محاولًا كبح اندفاعه: لا، مش هبعد..
ودفعه برفقٍ للخلف: اقعد بقى… مش كل حاجة بالعصبية دي.
التفت إليه سليم بعينين تشتعلان بالغضب: إنت مش حاسس بالنار اللي جوايا!
رد مكي بصوتٍ منخفض لكنه حازم: لا… حاسس بيها، وصدقني أنا كمان متعصّب ومضايق
ثم أضاف وهو ينظر إليه بثبات:
بس لما تقتل دلوقتي وتحرق القصر، هتستفيد إيه؟
ولا حاجة..
صمت لحظة، ثم قال بنبرة أعمق:
خُد حقك بحِرفة…مش إنت اللي معلّمني الكلام ده؟
توقف سليم ينظر اليه للحظة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، فأكمل مكي بسرعة محاولا اقناعه: في حاجات لازم نفهمها الأول، مين كان بيساعدهم؟ ممكن يكونوا هما اللي ورا الحادثة، في تفاصيل أخطر بكتير من اللي كنا شايفينها، ولازم نفهم دى كله الأول يا سليم.
لم يهدأ غضب سليم وبدا عليه عدم الاقتناع، فتابع مكي بهدوء: طب أنا لو سبتك دلوقتي، هتروح تعمل ايه، هتضربه؟! هتفرج الاوتيل كله عليكم! طب وبعدين هتستفيد إيه من دى!! بالعكس هتبقي كشفت ورقك ليهم وبدل ما تبقي أنت اللى مسيطر على اللعبة هيبقي اللعب على المكشوف، وهنرجع تاني نلف في دايره ملهاش آخر.
اقتربت ماسة بخطوات مترددة، وأمسكت يده بقوة، كأنها تتشبث به من الضياع، وقالت بصوت باكي لكنه ثابت: مكي عنده حق يا سليم، إحنا لازم نفكر كويس، وبعدين أنت وعدتني إنك هتاخد حقي بس من غير ما تقتل حد
نظر إلى يدها الممسكة به، ثم إلى عينيها الممتلئتين خوفا وتوسلا، كان الصراع واضحا على ملامحه بين رجل يريد أن يحرق الدنيا، ورجل وعد أن يحمي وألا يدمر.
سحب كفه من بين يديها، ومسح وجهه بيده، وهز رأسه بإيجاب، ثم قال وهو يحاول أن يستعيد هدوءه: عندك حق يا مكي، لازم أهدى وأفكر، لأن القذارة دي أكيد عملت أكتر من اللي نعرفه.
التفت إلى ماسة وقال بنبرة أهدأ، لكنها حازمة: تعالي احكيلي كل حاجة من الأول تاني بالتفصيل، أنا محتاج أركز.
هزت رأسها بإيجاب، وتحركوا معا وجلسوا على الأريكة، أخرج سليم سيجارة وأشعلها، وبدأ يدخن ببطء، اما ماسة فأخذت تروي ما حدث، وتسرد كل شيء دون انقطاع...
وهذه المرة، كان سليم يستمع بعقله قبل أذنيه، ومكي بجانبه يستمع وعقله يعمل هنا وهناك بلا هوادة، كأن الخيوط المتناثرة بدأت أخيرا تقترب من بعضها.
وبعد أن انتهت، فتح سليم درج الطاولة بجانبه، أخرج ورقة وقلم، وبدأ يكتب وهو يتحدث: يعني رشدي هو اللي كان بيهددك وهو الشخص اللي دايما بيتكلم معاكي، وصافيناز وفايزة كانوا مش بشكل مستمر.
هزت رأسها بإيجاب، فرفع عينيه وسأل بتركيز: في الهروب التاني، حد من الحراس ساعدك؟
قالت بسرعة مفسرة: لا خالص رشدي كان دايما يقولي اتصرفي، بس بيفهمني أعمل إيه، وأنا اللي كنت بفكر في طريقة الهروب، زي اللي بشوفها في الأفلام.
ضيق عينيه وتساءل فجأة: طب يوم ما ضربتك، كان النور قاطع وقتها؟
حركت عينيها كأنها تحاول التذكر: مش فاكرة اوي، أنا كنت منهارة وقتها وخايفه، مش قادرة افتكر
اقترب منها قليلا تسأل: طب مين اللي ساعدك تخرجي بره الفيلا؟
رمشت بعينها لوهله، ثم قالت بارتباك: أنا هربت لوحدي، الباب كان مفتوح.
ثبت عينيه عليها، نظرته كانت حادة، كأنه متأكد أنها لا تقول الحقيقة: بصيلي، أنتِ بتكذبي، مين اللي هربك؟
قالت بسرعة وهي توزع نظراتها في المكان بعيدا عن مرمي عينيه تخاف ان تاذي عثمان لا تعرف الحقيقه انه خائن: محدش.
صرخ فجأة، وصوته دوى في الغرفة فهو في وقت لا يسمح له بالمراوغه او بالكذب فهو متاكد ان هناك احد ساعدها: قولتلك مين هربك؟!
انتفضت، ورفعت يديها بخوف: يا سليم لو سمحت، متزعقش، قولت محدش.
تدخل مكي بهدوء حاسم: ماسة لو سمحتي قولي الحقيقة، دلوقتي مش وقت نخبي حاجة على بعض حتى لو تفصيلة صغيرة.
انخفض صوتها، وكأنها تخشى حتى الاعتراف قال بتوتر: هو بصراحه في حارس ساعدني، بس هو ملوش ذنب، هو شافني يومها وصعبت عليه، ففتحلي البوابة.
نظر إليها سليم طويلا، ثم قال بنبرة باردة: أنا معنديش حارس قلبه حنين كده، اللي ممكن يحن عليك أوي كده يا إما اللي قاعد قصادك ده، يا عشري والاتنين مبيعملوش حاجة من غير ما يكونوا عارفين هيوصلوك لفين، يعنى كبيرهم كانوا هياخدوكي ويحطوكي في حته أمان مش يفتحولك الباب ويسبوكي!
ساد الصمت، وكان واضحا أن اللغز بدأ يتكشف لكن الحقيقة الكاملة مازلت أبعد وأخطر.
ماسة بصوت متردد: أنا وعدته إني مش هقولك علشان متأذيهـوش.
حاول سليم أن يمتلك غضبه، فتنفس بعمق، وقال بمهاودة: أوعدك يا ماسة لو عرفت إنه ساعدك بس عشان صعبتي عليه مش هعمله حاجة، وهبقي ولا كأني عرفت، قولى مين بقي..
ترددت قليلا ثم قالت: أنا معرفش اسمه، بس ممكن توريني شكله.
من دون تفكير، نظر سليم بطرف عينه صوب مكي وقال: وريها عثمان.
أخرج مكي هاتفه، لعب فيه قليلا، ثم مده لها، أمسكت الهاتف، وما إن وقعت عيناها علي الصورة حتى قالت بسرعة: أيوه هو ده فعلا.
ضحك سليم ضحكة قصيرة خالية من أي مرح، وقال بسخرية مظلمة: والله اللعبة حلوة اوي.
ثم التفت إلى مكي بعينين مشتعلتين: تروح تجيبهولي، وفي ظرف ساعة يكون متعلق في المخزن، وأياكي تقولي اصبر وندور وراه، والكلام الفارغ ده.
قال مكي محاولا تهدئته: لا مش هقول، وهعملك اللي عايزة حاضر.
نظرت إليهما ماسة، وتساءلت بقلق: هو في إيه؟
تنهد مكي وقال موضحا: أصل عثمان شغال مع عماد، واكتشفنا ده من فترة، سليم وقتها اتعصب وكان عايز يوديه المخزن، بس قولت نصبر لحد ما نتأكد، ودلوقتي بعد ما اتاكدنا إنه هو اللي خرجك عرفنا اللي فيها.
قالت ماسة بسرعة: بس مش شرط ممكن يكون..
قاطعها سليم بحدة: ماسة، متدخليش في الشغل ده.
رفعت صوتها لأول مرة: لا هدخل طبعا! أنت وعدتني إنك مش هترجع تاني لأي حاجة غلط، ولا هتأذي حد.
لكن سليم بدا كأنه لم يسمعها، وقال وهو يفكر بصوت عالي: كل المقابلات اللي كانت معاكي كانت فين.
ردت ماسة بسرعة: في أوضة ياسين، وحطوا مايكات في أوضتنا علشان يضمنوا إني هفضل ساكته، بس شالوها لما عرفوا إنك هتمسحها.
سألها سليم بنبرة دقيقة: كنتي بتكلميهم إزاي؟ وأنا كنت مهكر تليفوناتهم وقتها ؟!
قالت موضحة، بترقب واضح: مهو رشدي جابلي تليفون مخصوص، وقالي ده الرقم اللي هنتكلم بيه، بس أنا خلصت منه لما كنا في مرسى مطروح، يوم ما إسماعيل لقاني.
ابتسم سليم ابتسامة خطيرة: لا جميل أوي كده، والله وبقيت تعرف تشغل دماغك يا رشدي.
ضحك ضحكه موجوعه ممزوجه بوعيد: بقي كل المسرحية دى كانت بتتلعب عليا وأنا مغفل للدرجه دى؟! بس ورحمه بنتي لأوريهم..
ثم نظر الى مكي وقال بحسم: أوضهم كلها عايزك تحطلي فيها مايكات، الحمام نفسه يبقى في مايكات، أنا مش عايز خرم في القصر من غير ما يكون متراقب حتى الأوض المقفولة تتحط فيها مايكات، وكل الحراس يتكشف عليهم.
ثم أضاف بنبرة باردة: بس دي محتاجة تفكير وخطة محكمه، لازم نعرف لو في خاين تاني بعد عثمان، كل حاجة دلوقتي بقت متوقعة.
ثم نظر إلى ماسة وأضاف بسخرية: تعرفي إن حتى عثمان طلع ممثل كبير ولعب عليا صح، أصل استحالة اتوقع إن اللى فداني بحياته مرتين يطلع في الآخر هو الخاين؟!
قالت ماسة برجاء وطيبه: طب مادام كدة بلاش تتهوروا ما دام فداك قبل كده، يمكن في حاجة إحنا مش فاهمينها.
تنفس سليم بعمق: طيب يا ماسة، انا وعدتك هجيبه وهعرف ازاي اقرره، بس لو اكتشفت انه خاني فعلا وقتها يا ويله مني..
سأل مكي بحيرة: طب أنت ناوي تعمل إيه معاهم فيه في دماغك خطه؟!
أجاب وهو يضغط السيجارة بين أصابعه: عايز أمسك ورق عليهم، أي حاجة أي معلومة صغيرة ممكن تنفعني، ولازم أعرف هما اللي ورا الحادثة ولا لأ..
صمت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر بعيدا بتفكير: أنا مكنتش رايح الاجتماع ده، بس الهانم هي اللي فضلت تلح عليا أروح لحد ما وافقت، وغيرت رأي في آخر لحظة وكلمت ياسين، مش بعيد يكونوا هما اللي ورا الحادثة علشان يخلصوا منها.
قال مكي بتفكير: بس الحادثة دي من زمان أنا وانت حاسين إنها متقسمة على اتنين.
أجاب سليم وهو يشعل سيجارة جديدة: وعلشان كده لازم نفهم.
راقبته ماسة بقلق، عيناها لا تفارقان السيجارة بين أصابعه: سليم كفاية بقي، دي خامس سيجارة!
قال وهو يشيح بوجهه عنها، وصوته منخفض لكنه مشحون بالغضب: ماسة سيبيني دلوقتي، أنا مش قادر أتكلم ومش طايق حد.
ثم أضاف من بين أسنانه بضجر: لازم أراجع كل الورق اللي معايا ضدهم، لازم أجمع كل معلومة، وأفهم الصورة كاملة، وبعدين هشوف إزاي هنتقم منهم.
وأضاف بقلب يحمل غضبا، وعينان تشتعلان بوعيد معتم لا يعرف الرحمة: ورحمة بنتي لأندمهم على كل لحظة طعنوني فيها، وهوريهم مين هو سليم.
تبادل مكي وماسة نظرة حائرة، لا يعرفان ما الذي ينبغي عليهما قوله، فما يفعله سليم، رغم الغليان الذي يشتعل بداخله، يفاجئهما بهدوئه الظاهر، هدوء يفوق بكثير ما اعتاداه من عاصفته المتوقعة.
مال بجسده نحو مكي، وقال بنبرة حاسمة لا تحتمل جدالا: بُكره هجمعهملك في المجموعه علشان تعرف تعمل اللي قولتلك عليه، وكلهم يتحطوا تحت المراقبه مفيش استثناءات.
صمت لوهله ثم أضاف وكأنه يضع خطه محكمة: وهتبلغ الحراس إن عندنا مهمة، تقسمهم مجموعات،
وتدي كل واحد خطة مختلفه واللي هيقع فيهم يتجاب على المخزن مع عثمان.
اومأ مكي، وقال بهدوء حازم: ماشي يا سليم، بس مش كده، الانتقام من غير عقل هيوديك في حتة هما مستنيينك فيها.
رمقه سليم بنظرة خاطفة، ثم قال بلهجة قاطعة، وصوته كالسكاكين: هو أنا عملت إيه؟ شوفتنى روحت جبت الندل اللي جنبنا من رقبته؟ وفضحته قدام مراته؟ ولا مسكته وفرغت رصاص مسدسي في قلبه؟ أنا قاعد جنبكم أهو، بس كله هياخد حسابه بالدور والله ما هرحم واحد فيهم.
ثم أضاف بنبرة مليئه بغل: أما رشدي، فأنا عارف هوجع منين سيبوه يتمتع له يومين تلاتة، علشان يستعد لأسود أيام في حياته، أما الباقيين؟ هعرف أوجعهم واحد واحد، بس لما أفكر صح..
رفع عينه نحوهم، وقال بنبرة تحذيرية: وأياكوا حد فيكم يقول كلمة اهدى دي تاني وإلا قسما بالله لو سمعتها هدخل أفرغ رصاص مسدسي في رشدي، وبعده صافيناز، واحسر الباشا والهانم عليهم..
تنفس مكي بعمق، ثم قال بثبات: وأنا مش عايز منك أكتر من كده، إنك تفكر وتتصرف بهدوء من غير اندفاع، واذا كان على الحراس أنا هفلترهملك وهشوف لو في خاينين تانيين من الحراس وهجيبلك عثمان، بس كل اللي بطلبه منك متبقاش أسد جريح وبس، خليك اسد بيراقب فريسته وعارف امتى هينقبض عليها ومش هنقول لك ايه اهدى يا عم.
هز سليم رأسه بإيجاب، ثم قال بإنهاء قاطع: ماشيء خلونا نمشي يلا.
وقفت ماسة مكانها، صدرها يعلو ويهبط، الخوف عليه يسبق خوفها من كل شيء لم تلحقه، فقالت بصوت مكسور لكنه ثابت: سليم أنا مش طالبة غير حاجة واحدة، خد بالك من نفسك.
توقف لحظة عند الباب، كأن الكلمات أصابت نقطة عميقه داخله، لم يلتفت، لكن قبضته اشتدت، وقال بصوت أقرب للهمس: إن شاء الله.
خرج الثلاثة معا، واتجه سليم وماسة إلى الفيلا، بينما اتجه مكي في طريقه ليبدأ عمله القادم، لم يكن مجرد انتقام كان إعصارا سيأخذ كل شيء في طريقه، لكن هذه المرة بعقل، لا بتهور.
❤️ __________بقلمي_ليلةعادل_________❤️
القاهرة، 3:00 عصرا
قصر الراوي
غرفة صافيناز وعماد.
جلست صافيناز على الأريكة، ترفع فنجان القهوة إلى شفتيها ببطء، مدت يدها إلى العلبة الموضوعة أمامها، أخرجت قرصا وابتلعته دون تردد.
كان عماد جالسا قبالتها، ممسكا بالتابلت، منشغلا بشيء ما، ملامحه جامدة، مركزة.
رفعت عينيها إليه وقالت بابتسامة خفيفة: شوفت؟ الفرح امبارح كان لذيذ أزاى.
أجاب دون أن يرفع نظره: فعلا، واللي عملته لوجين بصراحة إدى للموضوع طعم.
مالت برأسها قليلا، وقالت بنبرة ساخرة: ويا ترى خدت بالك من ست الحسن على رأي رشدي، والأمير الصغير؟
أغلق التابلت ووضعه أمامه، ونظر اليها قائلا: طبعا خدت بالي.
تنهدت بضيق، ونبرة صوتها تغيرت: مفيش أي حاجة حصلت يا عماد، ولا أي اهتزاز في علاقتهم!! كأنهم متحصنين بإزاز مضاد لأي اختراق.
شد عماد فكه، وقال ببرود: أنا قولتلك اللي كنت بعمله ده مجرد تهويش، جس نبض يعني، لكن خلاص اللعب اللى بجد خلاص هيبدأ، مش هينفع أي تأخير تاني.
مالت صافيناز للامام، وتساءلت والقلق يطفو على ملامحها: ليه؟
تنهد وتابع بخبث: علشان علاقتهم اللي رجعت قوية بالشكل ده تخوف، ممكن تاخدها الجرأة وتتكلم، عموما أنا هتكلم مع الباشا علشان ننفذ اللى اتفقنا عليه في أسرع وقت.
صمتت لحظة، ثم سألت: طب ودي هتعملها إزاي؟
ابتسم ابتسامة جانبية باردة: أعرف بس إنها خرجت لوحدها، وكل شيء بعدها سهل، أنا كلمت عثمان علشان يظبطلي الموضوع ده، وكمان ممشي ناس وراها ينقلوا لى كل تحركاتها.
وضعت يدها على رأسها، وعقدت حاجبيها: أما نشوف، أنا لازم أروح للدكتور، بقيت بصدع اوي الفترة دي، وحاسة إني دايما مهزوزة وبنسى.
نظر إليها بتركيز، وقال بسرعة محاول تتويه الحديث: المهم لازم تعمليلي التوكيل.
استدارت إليه باستغراب: توكيل إيه؟ ما أنا عاملالك توكيل تدير كل حاجة.
هز رأسه نافيا: لا، مش هينفع في شوية حاجات واقفة، لازم توكيل عام أعمل بيه كل حاجة، ولا أنتِ مش واثقة فيا؟
ترددت لحظة، ثم قالت: طيب ماشي، أنا أصلا عايزة أكلم الباشا في حوار الأسهم بتاعتي، ولازم يرجعك للمجموعة.
ثم أخرجت سيجارة من علبتها، وأشعلتها بيد مترددة، ثم قالت وهي تزفر الدخان ببطء: بس أنا لازم أروح لدكتور.
رفع عينيه نحوها، ونبرته جاءت هادئة لكنها خبيثه: أنتِ بس اللي ضغطي نفسك الفترة دي في الشغل، ومع التفكير في مشكلة ماسة واللي حصل، خصوصا لما اعتذرتيلها، كل دى ضاغط على أعصابك.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة مطمئنة مصطنعة: إنما أنتِ كويسه وزى الفل، مش أنتِ بتاخدي الفيتامينات اللي الدكتور كاتبها، وبتاخدي المهدئ؟
هزت رأسها بخفة، وصوتها خرج مترددا: أيوه، أنا ماشية على الفيتامينات، وباخد المهدئ لما بحس إني تعبانة، بس مش عارفة، حاسة إني مش مظبوطة.
اقترب منها محاولا أن يقود الفكرة إلى حيث يريد، وقال بثقة مقصودة: صدقيني نخلص من ماسة، والصداع اللي عندك ده هيهدى لوحده.
تنهدت، وهزت رأسها بإيجاب، وكأن كلماته وجدت طريقها إلى داخلها وأقنعتها، أو على الأقل أسكتت شكها مؤقتا.
أما هو، فنظر إليها بابتسامة شيطانية هادئة، ابتسامة من يشعر بالرضا والارتياح، وكأن خطوة جديدة قد أنجزت بنجاح.
الاسكندرية، 3:00 عصرا
المركز الطبي
الكافيتريا.
كان مصطفى يجلس إلى طاولة جانبية في الكافيتريا، أمامه دفتر صغير، يعد النقود ويحسبها بدقة، يحاول ترتيب ما يحتاجه لتلك الفترة.
أمسك كوب الشاي وارتشف منه على مهل، كأن الدفء وحده هو ما يربطه بالمكان في تلك اللحظة، اقترب محمد، وسحب الكرسي وجلس أمامه بعصبية مكبوتة.
محمد بحدة: أنت إيه اللي نيلته ده؟
رفع مصطفى عينيه ببطء، ونظر إليه بهدوء متعب:
عملت إيه؟
مال محمد للأمام قائلا: أزاي تتجوز بالطريقه دى؟! هو جنانك وصل للدرجة دي؟
عقد مصطفى حاجبيه، وقال بنبرة متجمدة: مين اللي قالك؟
ضحك محمد بسخرية: دى اللى فارق معاك؟
أعاد مصطفى سؤاله بنبرة رجولية مقتضبة: مين اللى قالك يا محمد؟
زفر محمد بضيق: أمك اتصلت بيا تشتكيلي من جنانك.
صمت مصطفى لحظة، ثم قال بنبرة منخفضة لكنها حادة: كان مفروض أعمل إيه؟
لوح محمد بيده بانفعال: متعملش! أنت مالك أصلا، تدخل نفسك في حوارات مع واحد بالشكل دى ليه، مش كفايه ماسة؟
زفر مصطفي بضيق، وقال باقتضاب: محمد لو سمحت...
قاطعه محمد بسخرية، وصوته صار أكثر قسوة: لو سمحت إيه بس؟ أنت مبقتش طبيعي بجد، محتاج تروح تتعالج مع ندى شكلك.
ثم أضاف بهجوم: انت لازم لازم تطرد البنت دي، ان شالله تولع، أنت مالك؟ وبطل العبط بتاعك ده بقي.
اشتدت نبرة مصطفى لأول مرة: محمد، حاسب على كلامك.
رد عليه محمد بنبرة حادة: أحاسب إيه؟ واحدة وقعت في مشكلة ووقفت معاها ماشي، إنما تبوظ سمعتك وتتجوزها؟ لا كده أنت محتاج دكتور نفسي، لأن واضح إن العقدة اللي عندك دي لازم تتعالج.
توقف مصطفى عند تلك الكلمة، وقال باستغراب: عقدة! أنا معقد يا محمد؟!
اومأ برأسه، وخرجت الكلمات منه دفعه واحده دون رحمه: أيوة عقدة أبوك وأمك، أي واحدة تشوفها في مشكلة بتشوف فيها أمك، واللي معرفتش تعمله زمان بتحاول تعمله دلوقتي، أنت عندك مشكلة وبقت واضحه ولازم تفوق بقى وتتعالج من العقدة دى.
أضاف بنبرة لازعه: أنت طلعت أجنن من ندى، نحجزلك أوضة جنبها؟
تجمد مصطفى في مكانه، ثبتت نظرته على محمد، غير مصدق ما سمعه، لم يتوقع أن تقال له هذه الكلمات، ولا أن يضرب في أكثر نقطة يعرف أنها تؤلمه.
وبرغم الغضب الذي كان يغلي داخله كالنار المحبوسة، إلا أن وجع الكلمات كان أثقل من أي دفاع، وأقسى من أي صراخ.
قبض على يده محاولا التماسك، وسواد عينيه كان كافيا ليقول كل ما لم ينطق به، ثم نهض فجأة، ودفع الكرسي للخلف، وقال بهدوء صلب: أنا علشان خاطر العشره اللي مابينا مش هرد عليك، بس كلمة كمان، وصدقني علاقتي بيك هتنتهي للأبد.
فتح محمد فمه ليتحدث، ولكن مصطفى قاطعه بنظرة حاسمة: أقسم بالله، كلمة واحدة بس وكل اللي بينا هتنتهي.
صمت محمد وابتلع غصته بصعوبة، وشعر أن الكلمات التي اندفعت من فمه لم تكن مجرد انفعال، بل سكاكين خرجت بلا حساب.
بينما كان مصطفى يلم متعلقاته في صمت ثقيل، لا ينظر إليه، لا يبرر، ولا يدافع، استدار وقبل أن يغادر التفت إليه وقال بازدراء: وعلى فكره مسمهاش عقده، اسمها رحمه اشك إنك تعرف حاجه عنها.
قال كلماته ورحل في صمت، بينما ظل محمد جالسا في مكانه، يتابع أثره بنظرات شاردة، ثم مسح وجهه بيده، وبدأ الندم يتسلل إليه ببطء موجع، متأخرا كعادته.
أما مصطفى، فما إن دخل مكتبه حتى انفجر غضبه المكتوم، جز على أسنانه بقسوة وكلمات محمد اخذت تردد في أذنه كنغز متتابع يخترق قلبه بلا رحمة.
💞_______________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة القديمة، 4:00 عصرا.
هبط سليم من السيارة أولا، ثم تبعته ماسة، تنظر من حولها باستغراب واضح، فالفيلا بدت صامتة، كأنها مهجورة، لا حياة فيها.
تساءلت ماسة بقلق: إحنا هنا ليه؟
أجابها دون أن ينظر إليها: هتعرفي، تعالي بس.
تقدم بخطوات ثابتة حتى دخلا الفيلا.
نظرت ماسة حولها، ولاحظت الفراغ: شكل الناس اللي مصطفى جابهم مشيوا.
هز رأسه بإيجاب: أه، مشيوا من امبارح.
اتجه إلى مكتبه، وماسة خلفه، وعلامات الاستفهام لا تفارق وجهها، أضاء الأنوار، فتوقفت ماسة في منتصف الغرفة تراقبه.
انحنى سليم وأزاح السجادة،ثم توجه إلى أحد الأرفف، سحب بعض الكتب، وأعاد ترتيبها بطريقة معينه، ثم دفع الرف للداخل.
فتحرك السيراميك فجأة، حتى انشق وانفتح باب خفي كأنه سرداب.
اتسعت عينا ماسة بذهول، فقال سليم بهدوء: متخافيش، تعالي.
تقدم ونزل الدرج، ضغط زرا فاغلق الباب خلفهما، نظرت ماسة للأعلى بخوف خافت، أمسك سليم بيدها: متخافيش.
تحركا للداخل، ثم أضاء المكان تلقائيا
كانت غرفة محصنة، ليست كبيرة ولا صغيرة،
إضاءتها قوية، وتوجد بيها أسلحة متطورة على الجدران، وخزنة ضخمة في المنتصف.
اقترب سليم من الخزنة، أدخل كلمة السر، ففتحت، كان
داخلها: أموال، وأوراق، وقطع ألماس نادرة، وملفات كثيرة، لكنه اختار مجموعة ملفات محددة، بلون واحد، اخذها ثم أغلق الخزنة مرة أخرى.
ماسة، بصوت مرتبك: هو إيه ده؟ وإيه المكان ده؟
التفتت اليها موضحا: ده مكاني السري، المكان إللي بخبي فيه أسراري كلها، والخزنة دي فيها كل حاجة مهمة، الملفات اللي فيها حاجات ماسكها على أعدائي...
نظر إلى الملفات وكأنها جزء من تاريخه: كنت دايما أحب ألعب اللعبة دي، كل شخص يدخل حياتي بدور على نقط ضعفه أو أي حاجه يعملها غلط واعملها ملف، يمكن تنفعني في المستقبل..
هز الملف بين يده وقال: ده بقي ملف العيلة؟ بس مشكلتي مكنتش دايما مركز معاهم أوي، بس في نفس الوقت عمري ما سيبت فرصة حلوة تضيع.
صمت لحظة، ثم أضاف بصوت أخفض: مره فكرت
اتخلص منهم كلهم، علشان مينفعش امسك حاجه على عيلتي؟! بس حاجة جوايا كانت دايما بتقولي لأ.
أمسكت ماسة الملفات من يده، نظرت إليها ثم رفعت عينيها له، بعينين ممتلئتين رجاء: سليم أنا مش عايزة منك غير حاجة واحدة، متعملش حاجة تندمك، ومتأذيش حد بريء.
اقتربت أكثر، وصوتها ارتجف: عشان خاطري يا سليم، ورحمة حور، إوعى تعمل حاجة غلط، ولا تبقى زيهم...
وضعت يدها على صدره، وركزت النظر داخل عينه: أنت مش زيهم، بلاش تلوث إيدك بالدم، متخليش غضبك يرجعلك للضلمه تانى، متنساش إنك توبت!
لم يرد، كأنه لم يسمع كلماتها من الأساس، اكتفى فقط بهز رأسه بهدوء غامض، وقال بنبرة مقتضبة: ماشي، خلينا نمشي.
تمسكت بيده، أوقفت خطوته: أوعدني الأول إنك مش هترجع لأي حاجه حرام تانى؟
سحب يده برفق، دون أن ينظر إليها: مش هرجع يا ماسة، بس يلا خلينا نمشي.
أمسكت يده مره أخري، وقالت بحزن: طب مش عايز تبصلي ليه زعلان مني؟!
تنهد وقال: قولتلك يلا يا ماسة، مش هينفع نفضل هنا كتير.
أومأت برأسها في صمت، وتحركت خلفه نحو الخارج كانت تعرف جيدا أنه ما زال منزعجا منها، وأن في قلبه وجعًا وزعلا لم يقل، ليس لأنها تحدثت بل لأنها لم تقل ما عاشته منذ زمن..
شعرت أن صمتها جرحه أكثر من أي كلمة، لكنها اختارت الصمت الآن، عله يهدأ، وعل اللحظة القادمة تحمل فرصة أصدق للكلام
عند خروجهم، أعاد سليم الكتب إلى أماكنها كما كانت، سحب الرف، وفرش السجادة فوق الأرضية، واختفى السرداب كأنه لم يكن، كل شيء عاد لطبيعته…
غادرا الفيلا، وصعدا السيارة دون حديث، ادار المحرك واتجه نحو فيلاتهم الجديدة، والصمت بينهما كان أثقل من أي كلام، صمت يحمل بداخله قرارا لم يُنطق بعد.
الإسكندرية، 4:00 عصرا.
منزل آلاء
صعدت عائشة إلى الشقة، تحمل شنطتين في يديها كما طلب منها مصطفي، فتحت لها أنهار الباب، فقالت عائشه بابتسامه هادئة: السلام عليكم.
أنهار بابتسامة طيبة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضلي يا بنتي، أهلا وسهلا.
دخلت عائشة وهي تقول بلطف: عاملين إيه في الجو ده؟
أنهار بابتسامة: الحمد لله.
خرجت آلاء من غرفتها في تلك اللحظة، كانت عيناها حمراوين بوضوح، آثار البكاء لم تختفِ بعد، انتبهت لها عائشة، لكنها تجاهلت الأمر عمدا حتى لا تتسبب في إحراجها.
وضعت الأكياس على طاولة السفرة وقالت بخفة: أنا جبتلكم شوية لبس من عندي ومن عند ماما، وعملت رز بلبن وجبتلكم تدوقوا عمايل أيديا، بس أوعوا تتريقوا، أنا لسه سنة أولى مطبخ.
أنهار بتأثر: تسلمي يا بنتي، كتر خيرك.
عائشة بتهذيب: مفيش حاجة، آلاء زي أختي وحضرتك في مقام ماما.
آلاء بصوت هادئ: متشكرة يا أستاذة عائشة.
اقتربت منها عائشة بابتسامه مرحه: إيه أستاذة دي؟ قوليلي عائشة أو شوشو.
ابتسمت آلاء ابتسامة باهتة، بينما قالت أنهار بود: أنا كنت هعمل شوية سحلب علشان ندفي، اقعدي واعملك معانا.
عائشة بابتسامة: ماشي.
دخلت أنهار إلى المطبخ، بينما اقتربت عائشة من آلاء وقالت بهدوء: تيجي نقف في البلكونة شوية؟
أومأت آلاء برأسها: ماشي اتفضلي.
وقفتا في الشرفة، البحر أمامهما، وصوت الموج يملأ الصمت.
نظرت عائشة إليها جانبا: مالك؟ زعلانة ليه كده؟
تنهدت آلاء بمرارة: أنتِ شايفة مش من حقي أزعل بعد كل اللى حصلي؟
هزت عائشة رأسها بتفهم ثم قالت بحكمه: حقك تزعلي طبعا، بس الزعل لو فضل جواكي مش هيغير حاجة! فكري في حلول مش في البكاء.
ضحكت آلاء ضحكة خالية من الفرح: مفيش حلول يا عائشة، خلاص أنا انتهيت.
نظرت لها عائشة بثبات، وقالت بهدوء صادق: بالعكس، يمكن دي بداية! أنا فهمت من مصطفى إن أخوكي كان أكبر مشكلة في حياتك، وأهو اتشال من طريقك، أحيانا اللي بنشوفه شر بيطلع خير مستخبي صدقيني.
خفضت آلاء رأسها وقالت بصوت مكسور: وسمعتي اللي راحت؟ وطريقة جوازي من أخوكي، دى أنا حتى مش عارفة أقول عليها جوازة ولا لعبة، ولما أطلق هقول للي هتجوزه ايه؟! وأصلا دلوقتي المفروض اتعامل مع دكتور مصطفى أزاى؟!
اقتربت عائشة منها خطوة وقالت بلطف محاولة تهون الأمر عليها: أهدي يا حبيبتي، إن شاء الله كل شيء هيبقي تمام وسمعتك هترجع، أنا واثقة في مصطفى، وبالنسبة لطريقة جوازك، عادي ده مجرد حل مؤقت، ومصطفي مش طالب منك أي حاجه، فاتعاملي عادي، كأنه اخوكي أو دكتورك كدة، ولما تتطلقي ياستي كأنها خطوبه وفشكلت.
رفعت آلاء عينيها وقالت بنبرة محشرجه: وأنتم؟!
عقد عائشة حاجبيها بتعجب: احنا ايه؟!
ابتلعت الاء غصتها، وقالت بوجع بعينين ترقرق بدموع:
نظرتكم ليا إيه؟ أنتم مش قابليني وأنا فاهمة دى، أنا مش عبيطة.
ابتسمت عائشة بهدوء: بصي احنا أكيد اتضايقنا، ومازلنا شايفين إن مصطفى أخطأ في الطريقة، مش عشانك، والله العظيم أنتِ قمر ومحترمة مش هتمنى لأخويا واحده أحسن منك، بس لما قعدت وفكرت، قولت أكيد لو كان في حل تاني كان عمله، إحنا بس لأننا متعصبين دماغنا مقفلة، وصدقيني ماما طيبة خالص صدقيني ومع الوقت هتحبك، وايهاب كمان، بس هما محتاجين وقت يستوعبوا فيه اللى حصل.
آلاء بصوت مخنوق: أنا حاسة إني خربت حياتكم مع حياتي.
هزت عائشة رأسها بحزم لطيف: متقوليش كده والله كل حاجة هتتحل، وهتبقي زى الفل.
ثم ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت: تعالي بقى نأكل رز بلبن، وشوفي الحاجات اللي جبتها، علشان ننزل نجيبلك أي حاجة ناقصاكي، جوزك سايبلك فلوس للشوبينج..
أنهت كلماتها بضحكه مرحه، فنظرت لها آلاء بتوتر.
عائشة بمزاح لطيف: متبصيش كده، ده شرعا وقانونا جوزك، وأنا عمتك يعنى تقوليلي يا أبلة عائشة من دلوقتي.
ضحكت آلاء رغما عنها، فقالت عائشة وهي تبتسم: أيوة كده، اضحكي وروقي.
صمتت آلاء، وعيناها معلقتان بالبحر، كأن كلمات عائشة لم ترفع الوجع، لكنها خففت ثقله قليلا.
فيلا سليم الجديدة، 4:00 عصرا
هبط مكي من السيارة، وأخذ يدور بعينيه في المكان، ثم اقترب من أحد الحراس، وتساءل: عثمان فين؟
أشار الحارس إلى الجهة الخلفية، فهز مكي رأسه واتجه حيث أشار.
كان عثمان يقف هناك شاردا غير منتبه، توقف مكي على بعد خطوات، مرر عينيه عليه من أعلى لأسفل، كأنه يزن فكرة ما في رأسه، ثم تحرك فجأة، وضع يده على كتف عثمان وقال: عثمان.
انتفض عثمان لوهلة، ثم التفت قائلا بابتسامه: إيه يا عم فيه إيه خضتني.
ابتسم مكي ابتسامه جانبيه ورد بهدوء مصطنع: لا سلامتك من الخضة، كنت عايزك في موضوع مهم، بس سر بيني وبينك، تعالى نتمشى في الجنينة شوية، عاشان محدش يركز.
قطب عثمان حاجبيه: في إيه؟
شده مكي بخفة: تعالى بس.
بدأ الاثنان في التحرك، ثم قال مكي بصوت منخفض:
تخيل طلع في خاين وسطنا.
توقف عثمان فجأة، وارتبك: خاين! أزاي يعني؟
نظر له مكي بجدية: لا ده موضوع يطول شرحه، أنا وأنت وعشري سليم استأمنا على السر ده، وعايزنا نكشف على باقي الرجاله ونحطهم تحت الميكروسكوب.
هز عثمان رأسه: طبعا..طبعا.
أضاف مكي بتمثيل: إحنا لازم نقف جنب سليم يا عثمان، سليم مش بيثق غير فينا.
بلع عثمان ريقه، وقال بنبرة رجوليه بتمثيل: طب وفين ابن الكلب ده؟
رد مكي بايتسامه ماكرة: في المخزن، هنروق عليه.
تساءل عثمان: أمال سليم باشا فين؟
أجاب مكي على نفس ذات الابتسامه: مستنينا في المخزن، وأنا جاي آخدك معايا، يلا نروحله علشان يرسملنا الخطة اللي هنعملها على الرجالة.
قال عثمان: يلا.
وبالفعل، استقلا معا سيارة مكي وتوجها إلى أحد المخازن.
في أحد المخازن
كان رجال سليم يطوقون المكان بأسلحتهم، في تنظيم صارم.
دخل مكي يتبعه عثمان.
أخذ عثمان يتلفت حوله، وتساءل بقلق: أمال فين سليم؟ وفين الخاين؟
فجأة، انقلبت ملامح مكي، والتفت له بعينين باردتين: بجد أنت بجح.
وقبل أن يستوعب عثمان، باغته بلكمة قوية في وجهه، كادت تكسر أنفه، فسقط أرضا.
صرخ عثمان وهو يمسك أنفه: في إيه يا مكي؟!
اقترب منه مكي: في إنك خسيس وكلب، بس إحنا هنعرف نعلمك إن الإيد النجسة لما تتكشف، بيحصل فيها إيه.
أشار برأسه، فاندفع الحراس نحو عثمان، قيدوه بسرعة، ثم علقوه من قدميه، رافعين جسده للأعلى، حتى أصبحت رأسه للأسفل، كان عثمان يصراخ فهو حتى الآن لم يستوعب أنه انكشف حقا !!
جلس مكي على مقعد أمامه، ينظر إليه بهدوء قاتل: ليه عملت كده يا عثمان؟ ليه الخيانة؟ سليم عمل معاك إيه علشان تخونه؟
تخبط عثمان، محاولا الإنكار: أنا معملتش حاجة، خيانة إيه؟ أنا أخون سليم؟ ده أنا في ضهره لآخر عمري.
قال مكي ببرود: أنت لسه هتمثل، مخلاص كل حاجه اتكشفت، وشوفناك وأنت واقف مع عماد، كنت بتعمل إيه؟
هز عثمان رأسه بعنف: معملتش حاجة، والكلام ده محصلش.
تنهد مكي: آه يا عثمان شكلك هتتعبنا، مع إنك عارف إحنا بنعرف ننطق اي حد إزاي.
أشار برأسة لأحدهم الحراس، فاحضر دلو كبير مليء بالماء، أنزل الحبل قليلا، وبدأوا في غمر رأس عثمان بالماء ثم رفعه.
صرخ مكي: قولي ايه اللى بينك وبين عماد!
قال عثمان بصوت متقطع، وهو يلهث محاولا أخذ أنفاسه: قولت أنا معرفش حاجة.
هز مكي رأسه مرة أخرى، فأعادوا إنزاله، ثم إشارة أخري فرفعوا رأسه عن الماء قليلا، فقال مكي بهدوء مريب: كنت بتعمل إيه مع عماد يا عثمان؟
ارتبك عثمان: عماد مين؟
نهض مكي بابتسامة باردة، واقترب منه، أخرج هاتفه، ورفعه أمام عينيه وقال: والصورة اللي أنت واقف فيها مع عماد دي إيه؟
ارتعش عثمان: ده أنا كنت واقف معاه عادي، شوفته صدفه
ضحك مكي ضحكة ساخرة: صدفه، أنت لسه هتحور.
عثمان بتمثيل: انا مش بحور، انت بعد كل السنين دي بتشك فيا.
اختفت الابتسامة من وجه مكي: أنت مصر تحور يا عثمان وتلف وتدور...
أومأ مكي برأسه، فغمره الحراس بالماء مرة أخرى، ثم أخرجوه وهو يلهث، لكن مكي لم ينتظر، أومأ ثانية فعاد رأسه تحت الماء.
ظل الأمر يتكرر، دون أن يعترف عثمان بشيء، فاقترب مكي منه، وأمسك بوجهه بقوة، وقال بنبرة مخيفة: دي آخر مرة هسألك، كنت بتعمل إيه مع عماد؟
لهث عثمان: قولتلك قابلته صدفه.
ضحك مكي، وفجأة أمسك بيده، وبحركة عنيفة كسر أصابعه، ثم نزع أحد أظافره بآله حديديه، فدوت صرخة عثمان في المكان، صرخة مدوية كسرت سكون المخزن.
مكي بهدوء مرعب: لسه مصر إنها كانت صدفه!
عثمان من بين أنفاسه المتسرعه: معنديش كلام اقوله تاني.
ابتسم مكي: بسيطه ننشطلك الذاكره يمكن تفتكر.
وفجأة اندفع نحوه، وأخذ ينهال عليه باللكمات بعنف متتابع، ضربات سريعة وقاسية، لا تحمل غضبا أعمى بقدر ما تحمل إصرارا باردا على الكسر.
تلقى عثمان الضربات بصدره ووجهه، يتأوه، وتختنق أنفاسه، جسده يتمايل وهو معلق، والدم يختلط بالماء المتساقط من شعره، ورغم ذلك، ظل صامتا.
توقف مكي أخيرا، يلهث هو الآخر، نظر إليه لحظة طويلة، ثم قال بنبرة هادئة أخطر من الضرب نفسه:
يعني مش هتتكلم؟ تمام ..
نظر بطرف عينه وقال لأحد الحراس ببحه جوليه: أنا همشي، نزلوه الزنزانة، وممنوع عنه أكل ولا المية والحمام؟ وأنتم عارفين هتعملوا إيه كويس؟
أوما أحد الحراس: متقلقيش يا باشا؟
رمق مكي عثمان للحظة بنظرة حادة، ثم تحرك للخارج، بينما كان عثمان فقد وعيه من شدة الضرب.
في مطار إحدى الدول، 5:00 مساءً
جلس رشدي ومي في أحد المقاهي داخل المطار، يحتسيان الشاي ويتناولان بعض الكعك في صمت هادئ.
حاول مي كسر الصمت بابتسامة خفيفة، وهي تقول: مينفعش نلف في البلد شوية؟
رفع رشدي هاتفه وفتحه وهو يزفر: أنتِ عارفة الترانزيت بتاعنا ساعة واحدة بس، مش هنلحق..
ثم أضاف وهو ينظر إلى الشاشة: ده بابا باعتلي رسالة، استني أما أشوف..
وضع السماعات في أذنيه، وما إن استمع إلى الرسالة حتى ارتسمت على وجهه ملامح دهشة مشوبة بالقلق.
نظر إلى مي وقال: معلش يا مشمش هعمل مكالمة وجاي، هبعد شوية بس علشان الزحمة والصوت..
ابتعد قليلا، وضغط زر الاتصال، لم ينتظر عزت طويلا، وجاء صوته غاضبا، حادا: إيه اللي إنت هببته ده؟!
رد رشدي بطريقه المعتادة: هي دي مبروك يا حاج؟! ماشي، الله يبارك فيك!
صاح عزت بغضب: مش وقت خفة دم واستظراف
تنهد رشدي باستغراب: في ايه طيب، أنا عملت إيه دلوقتي؟!
زاد غضب عزت: أنت ناوي تعقل امتي؟ فهمني، كل مرة بتثبتلي إنك فعلا فاشل!
قلب رشدي عينيه بملل، وقال بضجر: ولازمته إيه الكلام ده دلوقتي؟
رد عليه عزت بحدة: إحنا مش كنا قفلنا موضوع تجارة الزفت الأعضاء ده؟ ايه اللي رجعك ليه تاني؟
ارتسعت عينا رشدي، ورد بسرعة: أنا معملتش حاجة، ولا رجعت لحاجة.
رد عزت بشدة: متكدبش يا رشدي!
رد رشدي بتهكم: أنت عارف إني مبكدبش، ولو عملت حاجة بقول، هو أي مشكلة يبقى رشدي؟
حاول عزت ضبط غضبه: جالي خبر إنك داخل صفقة أعضاء.
اجابه بجمود: أنا مش شغال في حاجة! والمعلومة دي غلط، شيلوا رشدي من دماغكم بقى.
ساد صمت قصير، ثم قال عزت ببرود مريب: ماشي يا رشدي، عموما أنا هدور، ولو وصلت لحاجة واتأكدت إن الكلام دى صح، مش هرحمك.
تشبث رشدي بحديثه، وقال بعدم اكتراث: دور، أنا معملتش حاجه.
ثم أغلق الهاتف بعصبية، وجز على أسنانه محاولا كتم غضبه يشعر بالمرارة فكل مشكلة تحدث يكون هو أول من يتهموه بها !
لم يلتفتوا لأمره، ولم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عنه، ولا حتى تكلفوا إظهار الفرح أو مباركة زواجه، كل ما شغلهم كان غضبهم منه بسبب مشكلة لم يكن طرفا فيها من الأساس، وربما لو لم تقع تلك المشكلة، لما تواصلوا معه قط، ولو برسالة نصية عابرة يطمئنون بها على أحواله.
ابتسم بسخرية؛ فمنذ متى كان ينتظر اهتمامهم؟ ألم يعقد عهدا مع نفسه منذ زمن بعيد ألا ينتظر منهم اهتماما لن يأتي، وها هو اليوم لم يعد بحاجة إليهم، فقد أصبح في حياته من يهتم لأمره حقا، ومن يكفيه عن العالم بأسره " مي "
وما إن مر اسمها بخاطره حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، فتنفس بعمق، ثم ارتدى ابتسامته المعتادة، وعاد إليها من جديد، وكأن شيئا لم يكن.
—
علي اتجاه اخر عند عزت
كانت فايزة تنظر إليه بعينان تلمعان بالقلق والريبة: قالك ايه؟!
أجابها وهو يتمتم بشرود: نفي، وقال معملش حاجه!
هز رأسه وقال بحسم: بس أنا لازم أتأكد.
أمسك هاتفه واجري مكالمة: شاكر عايزاك تدورلي ورا رشدي من غير ما حد يحس، عايز اعرف لو دخل في أي شغل كده ولا كده الفتره اللى فاتت، عايز المعلومات تكون على مكتبي بكره بالكتير.
اغلق الهاتف وقال: خلينا نشوف أخرتها معاك يا رشدي.
تساءلت فايزة: طب هتعمل ايه ف موضوع ماسة
عزت بهدوء: مستينين اللحظه اللى تكون فيها لوحدها ونخلص
هزت رأسها بإيجاب، وساد الغرفة صمت ثقيل يعكس ثقل نواياهم.
ورشة الحاج شاهين، 5:00 مساءً
كان محمود جالسا أمام المكتب، بينما شاهين يقف مقابله، عينه تتابع كل حركة بحذر.
تساءل شاهين، وهو يرفع حاجبه: يعني أختك طفشت؟
هز محمود رأسه سريعا، وهو يبتلع ريقه: لا يا حاج، متقولش كده، أنا بس تقلت إيدي شوية، فعلشان كده مشيت مع أمي، بس هترجع، هي بس قاعدة مع حد قريبنا في الأقصر وهروح اصالحها واجبها.
مد شاهين وجهه بعدم اقتناع، وقال: طب هتعمل إيه؟ مش النهارده آخر يوم محددهولك الزعيم علشان تسدد اللى عليك؟!
ابتلع محمود ريقه بتوتر: ما أنا جاي طمعان في كرمك يا حاج إنك تسلفني المبلغ ادفعه.
حك شاهين خد ومال عليه قائلا باستغلال: بص يا أبو نسب، الحوار ده حله زي ما قولتك، اختك تكتب كتابي عليها، ووقت مترجع اخدها، غير كدة انسى يا حواا.
هز محمود رأسه بسرعه فهو لا يهمه الا نجاته: لا خلاص هعملك اللي عايزة وهجوزك اختي، شوف اللي عايز تعمل ايه وانا معاك.
ضحك شاهين بخبث وقال: كده تبقي حبيبي يا حودا، العقود جاهزة عند المحامي ومش فاضل غير إمضتك عليها، محتاحين بس بطاقه العروسه.
اومأ محمود بسرعه: هجبهالك.
ابتسم شاهين بانتصار: ماشي، تعالي لي الساعة ٨ في المكتب علشان نخلص.
محمود بابتسامة متفهمة: ماشي يا حج.
وبالفعل توجه محمود إلى شقته، وكان الغضب يكسو ملامحه، وعيناه تتفحص كل زاوية وكأن كل شيء قد يخفي مفاجأة.
بدأ يقلب الشقة بحثا عن بطاقة آلاء، لكن لم يجدها في أي مكان.
لم ييأس، شد على فمه، وبدأ يقلب مكتبها، أوراقها، كل شيء حوله بعين دقيقة ومصممة.
وأخيرا وقع بصره على صور بطاقة خاصة بها، مع صور شخصية وصور وشهادة ميلادها، ابتسم ابتسامة عريضة، كأن انتصارا صغيرا تحقق في قلبه، وأخذ الأوراق كلها بين يديه، متأكدا أن كل شيء أصبح في قبضته الآن.
فيلا سليم وماسة، 5:00 مساءً.
دخلا الفيلا بعد عودتهما، الهدوء كان يخيم على المكان، لكنه هذه المرة لم يكن مريحا.
قال سليم وهو يخلع جاكته: أنا هدخل المكتب.
ماسة بقلق: مش هتاكل؟ أنت مفطرتش حتى!
رد دون أن يلتفت: مش جعان.
ثم رفع صوته: سحر!
اتت سحر سريعا: حمد الله على سلامتكم، ألف مبروك للبهوات.
سليم بلهجة جافة: اعمليلي قهوة سادة، وهاتيهالى على المكتب.
اقتربت ماسة خطوة: بس يا سليم…
نظر إليها نظرة واحدة فقط، نظرة كانت كافية لتفهم،
فتوقفت الكلمات على شفتيها، وأدركت أنه لا يريد الحديث الآن، وأن وجعه في تلك اللحظة، أكبر من أي شرح وأثقل من أي عتاب، انسحب إلى مكتبه، وبقيت هي واقفة مكانها، تراقب ظهره وهو يبتعد، بقلب مثقل بالقلق والصمت.
مكتب سليم
دخل المكتب، وعقله كالنار يغلي، فما سمعه وعرفه كان أقسى من أي شيء تخيله، لم يتوقع يوما أن يصل إجرام عائلته إلى هذا الحد.
كان يعلم أنهم لا يحبونه، ولا يتمنون له الخير،
لكن أن يكون كل ما حدث له وكل ما جرى مع زوجته بعلم والدته؟ كانت صدمة تشبه صاعقة كهربائية ضربت قلبه مباشرة.
ألقى الملف فوق المكتب بقوة، ثم جلس على الأريكة أو بالأحرى سقط عليها، قدماه لم تعودا قادرتين على حمله، تساقط كما تتساقط أوراق الخريف، حين تفقد الشجرة قدرتها على المقاومة.
الاختناق يطبق على صدره، وعيناه تبرقان بدموع حاول عبثا كبحها.
فقد تلاعبوا به ودمروا حياته لسنوات، جعلوه لا يعرف النوم، ويعيش أسير العذاب والقلق، لم تكن الضربات عادية بل خيانه لم يتوقعها أبدا.
داخله نارا لو اشتعلت في غابة، لأحرقتها وحولتها لرماد.
جز على أسنانه بعنف، حتى كاد يحطمها، وقعت عيناه على طفاية السجائر، أمسكها بعصبية، وقذفها أرضا، كأنه يتوهم أن الانفجار الخارجي قد يطفئ ما يشتعل داخله لكن بلا جدوى.
تحطمت الطفاية، لكن ما تحطم في داخله كان أشد
وأعمق، وأقسى، ولا يرمم.
وأكثر ما أوجعه أن ماسة أخفت عنه كل تلك الحقيقة لسنوات، خوفها منه، وعدم ثقتها أنه قادر على حمايتها هي وعائلتها، وأنها لا ترى فيه الأمان كانت قاتلة بالنسبه له.
رقرقت عيناه بالدموع، نظر للإمام بتفكير كأنه يبحث عن إجابة أو مخرج أو حتى ذرة هدوء، لكنه لم يجد إلا أفكارا تتصارع داخله، وتفكيرا لا يتوقف، وسؤالا واحدا ينهشه "كيف سينقم؟!"
على إتجاه اخر في الحديقة
جلست ماسة وحدها، أمام النيل تفكر، والعذاب يأكل قلبها لأجله، كانت تعرف أن تلك الحقائق قد تكون مدنرة عن كشفها، وكان صمته أكثر ما آلمها، تخشي أن يفكر في شيء قد يؤذيه، أو أن يعود للطريق الذي ابتعد عنه، وأن يجره جرحه وغضبه إلى أن يلوث يديه بالدم من جديد.
💞_________________بقلمي_ليلةعادل
إسكندرية، 5:00 مساءً
منزل آلاء.
كانت آلاء تجلس إلى جوار أنهار، وبجوارهما عائشة، يتناولن الرز باللبن في هدوء بسيط.
عائشة بابتسامة لطيفة: ها إيه رأيكم؟
اومأت انهار برضا: جميل، تسلم إيدك يا حبيبتي، انتِ بقى في إيه؟
عائشة بابتسامه: أنا في رابعة أسنان.
أنهار بإعجاب صادق: ما شاء الله، ربنا يوفقك
وضعت عائشة الملعقة، ونهضت وهي تمسح يديها: طب يلا بينا ننزل نجيب لكم الحاجات اللى نقصاكم.
أنهار بتعب: لا معلش مش هقدر، روحوا أنتم.
نظرت لها عائشة باستغراب: ليه كده؟ ده الجو جميل.
هزت رأسها بأسف: مش بقدر يا بنتي والله، أنتم شباب، روحوا أنتم، يلا يا آلاء، روحي البسي.
توقفت عائشة عند الباب، والتفتت وهي تقول: هلبس واكلمك لما اخلص، انتِ معاكي رقم مصطفى صح؟
خفضت آلاء رأسها، وقالت بسرعة وكأنها تريد إنهاء الحديث: متتعبيش نفسك، والله مش مهم، كفاية البيجاما والبنطلون والقميص اللي جبتيهم، أنا مش هروح في حته.
اقتربت منها عائشة وقالت بحزمٍ هادئ: آلاء، بلاش الكلام ده، انتِ محتاجة غيار داخلي ولبس بيت، وطنط كمان، يلا هننزل علشان نلحق نرجع قبل ما الجو يليل.
وبالفعل نزلت عائشة لتبدل ملابسها، بينما اقتربت أنهار من ابنتها، وربتت على ظهرها بحنان موجوع: يا بنتي انتِ فعلا محتاجة اللبس ده، ولما ربنا يكرمك نردهمله.
زفرت آلاء بقلة حيلة، ثم تحركت لتبديل ملابسها، وما إن اتصلت بها عائشة، حتى هبطت إليها، وذهبا معا في هدوء بسيط.
كان الخجل واضحا على ملامح آلاء؛ لا تختار شيئا، فقط تظل صامتة كلما أمسكت عائشة بقطعة وسألتها، كانت ترد بخفوت: موافقة.
لاحظت عائشة ذلك، وشعرت بأنها تتعمد اختيار الملابس الأرخص، لا لأنها لا تريد الأفضل، بل لأنها لا تريد أن تكون عبئا.
تنقلتا بين محلات الملابس المنزلية وملابس الخروج، كانت عائشة تحاول التخفيف عنها بالكلام العابر، بابتسامة، بتعليق بسيط، والخجل ما زال ظاهرا في عيني آلاء، لكنها وافقت مرغنة لأنها حقا تحتاج لهذه الأشياء.
لم يشترين الكثير، لكن ما اشترته عائشة رغم بساطته أفضل من لا شيء.
بعد الانتهاء، أخذتها عائشة إلى البحر.
جلستا على السور، والهواء البارد يلامس وجهيهما، اشترت عائشة كوبين من حمص الشام، وناولتها واحدا.
عائشة بابتسامة: خدي ده بيهون أي حاجة.
ابتسمت آلاء ابتسامة خجولة، وهي تمسك بالكوب بكلتا يديها.
تساءلت آلاء بنبرة ودودة: أنتِ مخطوبة؟
أومأت عائشه برأسها بابتسامة: آه مخطوبة لدكتور محمد، صاحب مصطفى.
الاء بابتسامة صادقة: ربنا يسعدكم.
عائشة: يا رب.
صمتت عائشة لحظة، ثم مالت نحوها قليلا: طب ما تحكيلي عن نفسك شوية يا لولو، بتحبي إيه؟ هدفك إيه؟ سمعت إنك من أوائل جامعتك.
تنهدت، وحدقت في البحر، وقالت بقهر: والله كان نفسي أكون معيدة، بس خلاص بقى.
عائشة بتعجب: خلاص ليه؟!
آلاء بصوت مهموم: اديكي شايفه اللى حصل، الدنيا اتهدت فوق راسي فجأة، هذاكر أزاي؟ وهروح الجامعه أزاى بعد ما جيت هنا؟ حتى لو رجعنا القاهره خايفة أنزل الجامعة يكون حصل حوار هناك كمان، انا كان فاضلي ترم واحد واحقق حلمي، بس دلوقت كل حاجة انتهت في لحظه.
هزت عائشة رأسها بحزم لطيف: بطلي تشاؤم، بإذن الله مصطفي يلاقي حل، وخلي حلمك قدام عينك، واجري وراه مهما حصل، مفيش حاجه ضاعت من أيدك لسه.
ثم ابتسمت بخفة، وحاولت تغير مجرى الحديث: وبعدين بقى خلينا نسيب الكلام ده، ونتكلم في حاجات مفرحة.
خفضت آلاء رأسها: أنا آسفة بجد.
لوحت عائشة بيدها: متتأسفيش، قوليلي بقى، مين مطربك المفضل؟ وبتشجعي مين لو بتشجعي الريال هحدفك من هنا، اها أنا برسا.
ابتسمت آلاء، وبدأ الحديث يسري بينهما بسلاسة، كانت عائشة تحاول قدر الإمكان إخراجها من طاقة الحزن، حيث كانت تجرها إلى تفاصيل تافهة، ضحكة خفيفة، ذكريات صغيرة، حتى عادتا إلى البيت، فقد كان البرد قد اشتد.
وأثناء صعودهما السلم، كانت نبيلة تفتح الباب لتخرج كيس قمامة.
رفعت عينيها بضجر، ووقعت نظرتها مباشرة على آلاء.
عائشة بتلقائية: ماما بتعملي إيه؟!
قاطعتها نبيلة بحدة: زى ما أنتِ شايفة، برمي الزبالة، يلا اتحركي، الجو برد وأنا راشة عشان دبان الشتا رخم.
شعرت آلاء بإحراج شديد، وأن الحديث عليها، فقالت بسرعة: شكرا يا عائشة على وقتك، بعد إذنكم.
ثم صعدت مسرعة، وقفت عائشة مكانها، ونظرت إلى والدتها بحدة مكتومة: كده يا ماما؟
دخلت نبيلة وهي تقول ببرود: أنا قولت حاجة؟
أغلقت عائشة الباب خلفها: ينفع اللى قولتيه دى؟! احرجتيها..
قاطعتها نبيلة بضجر: وانا قولت ايه؟! منضفة وخايفة من الدبان، فيها حاجه دى؟!
تنهدت عائشة بتعب: الله يهديكي يا نبيلة.
تركتها وذهبت إلي غرفتها، بينما جلست نبيلة على الاريكه، وساد المكان صمت أثقل من الكلام.
على جانب آخر، منزل آلاء.
دخلت آلاء شقتها، وذهبت إلي غرفة النوم وجلست على الفراش إلى جوار انهار، التي أخذت تفتح الأكياس، وتخرج الملابس قطعة تلو الأخرى.
تأملت أنهار ما في يدها، وقالت بإعجاب صادق: والله جميل، تسلم إيدها، لازم نشكر الدكتور، كتر خيره، فعلا كنت عايزه لبس داخلي ..
لكن عينيها توقفتا عند ملامح آلاء، التى كانت تجلس بوجهه متجمد، لاحظت شرودها الذي لم تستطع إخفاؤه، فسألتها أنهار بقلق: في إيه يا بنتي؟ مالك؟
ترددت آلاء لحظة، ثم قالت بخفوت: أمه دي شكلها صعبة أوي.
أنهار باستغراب: ليه حصل ايه؟
تنهدت آلاء: وأنا طالعه على السلم كانت بترمي الزبالة وقالت الدبان شتا رخم، وطريقتها مكانتش حلوه، كأنها تقصدني!
لوحت أنهار بيدها محاولة التهوين: يا بنتي كبري دماغك، هي برضو من حقها تضايق، ابنها سافر ورجعلها متجوز، لازم تتجنن.
زفرت آلاء بعمق، وكأن الكلام لا يخفف عنها: ماما، إحنا لازم نشوف حل، مش هينفع نفضل كده، ولا نفضل قاعدين هنا، أنا لازم أشتغل.
نظرت إليها انهار بقلق: هتشتغلي إزاي بإيدك اللي لسه مجبسة ووشك ده؟
قالت آلاء بإصرار هادئ ممزوج بعزة نفس: أنا كويسه، ممكن أقف في صيدلية أو أي حاجه، هدور يا ماما إحنا محتاجين فلوس نأكل بيها ونجيب دوا.
ثم رفعت رأسها بعناد موجوع: أنا مش هطلب منهم جنيه تانى، من بكرة هنزل وأدور على شغل.
صمتت أنهار لحظة، ثم أومأت باستسلام ثقيل: ماشي يا بنتي، ربنا يعينك.