رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثالث والعشرون23 ج 3

فيلا سليم وماسة، 8:00 مساءً.
مر الوقت سريعا دقائق؟ ساعات؟ لم تعد تدري.
حاولت ماسة أن تتمالك نفسها واتخذت قرارها بأن تدخل له، فتحت باب المكتب دون استئذان، وقالت بنبرة حنونة، مكسورة: سليم…
لم يلتفت اليها، وظل ينظر أمامه، صوته خرج باردا، متعبا: أنا عايز أبقى لوحدي يا ماسة، من فضلك.
هزت رأسها برفض، واقتربت خطوة: لا إحنا لازم نتكلم.
رفع عينيه إليها بنظرة مثقلة، وصوته خرج محشورا: ماسة أنا مش عايز أتكلم.
وقعت عينيها على الزجاج المدثر على الأرض بحجم الغضب الذي داخله، فتنهدت، ووقفت أمامه مباشرة وقالت بحسم: لا، هنتكلم.
شد على كلماته بعصبية مكبوتة: أنا قولت مش عايز أتكلم، عايز أفكر، واستوعب، واشوف هعمل ايه.
اقتربت خطوة أخرى، ثم جلست على الطاولة المقابلة له، وقالت بنبرة لطيفه: مينفعش اسيبك، إحنا لازم نفكر سوا، ونعدي اللي جاي سوا، ونمشي الطريق سوا...
نظرت له بثبات، واضافت: أكيد مش الحل إنك تفضل ساكت وتبعدني عنك وتتعذب لوحدك ، ولو هنتعذب يبقى نتعذب سوا.
نظر إليها طويلا، كأن كلماتها اصطدمت بجدار داخله، ثم مال للأمام، وقال بمرارة: وإيه المشكلة؟ ما أنتِ قعدتي سنين ساكتة، وسيبتيهم يستغلوكي، ويوجعوكي، ويخوفوكي، ويخسرونا بعض.
صوته اشتد بلوم مبطن يحمل الف معنى: مجتيش قولتيلي علشان نمشي الطريق سوا ونحلها سوا ونمسك في إيد بعض، وعيشتي كل ده لوحدك؟! فيها ايه لما أنا بقى اعيش كل ده لوحدي، افكر لوحدي وامشي الطريق لوحدي.
هزت رأسها نفيا بعنف، وصوتها خرج مرتعشا، وعيناها تلمعان بالدموع: الموضوع مختلف…
قاطعها بنبرة جافة معارضا: لا، مش مختلف.
ارتفع صوتها قليلا: لا مختلف.
صمتت لحظة، ثم أشارت إلى نفسها، وصوتها انكسر باهتزاز وضعف ودموع: أنا خوفت، كنت ناوية أقولك، وأواجهك بالحقيقة بس خوفت..
ابتلعت دموعها، وأكملت: بقولك ضربوا بابا بالعربية، كنت عايزني أعمل إيه وأنا شايفة أبويا مرمي على الأرض؟
تسارعت أنفاسها وتابعت: وكل واحد من إخواتي، كان محطوطله قناصة، كلمة واحدة من رشدي كانت كافية تقتلهم.
سقطت دمعة على وجنتها، وقالت بضعف: ده وراني رجالته محاوطين أختي وكلمة واحدة منه وكانوا هيخطفوها ويغتصبوها...
رفعت عينيها له، وصوتها خرج واهنا: خوفت، أوعى تكون فاكر إن التهديد وقف عند اليوم ده؟!
هزت رأسها بأسى واضافت: كل يوم كان تهديد جديد، مش من رشدي بس، منهم كلهم.
رد سليم بصوت مبحوح، والغضب مخلوط بوجع معاتب: لو كنتي جيتي وقولتيلي، مكانوش كملوا كل السنين دي يا ماسة.
تنفس بعمق، كأن صدره اختنق، ووقف وتحرك قليلا في الغرفه، وقال وهو يعطيها ظهرة: وبعدين مش ده موضوعنا الأساسي.
التفت لها فجأة، ونظرته كانت مباشرة وقاسية: موضوعنا أكبر من كده بكتير، أنتِ صدقتيهم، صدقتي اللي قالوه عليا...
اقترب خطوة: صدقتي إني قوّاد، وإني بتاجر في الأعضاء، وكل القرف اللى قاله دى..
كادت أن ترد، ولكنه قاطعها وهو يشير بأصبعه باتهام: أوعي تنكري، علشان انت اثبتي ده، لما طلبتي من أهلك مياخدوش مني فلوس، وعلشان كده كنتي بتبعدي عني.
صوته انكسر وأضاف: كل مرة كنت بقرب أحضنك،
أو أمسك إيدك، كنتي بتقرفي مني، وتروحي ترجعي، كنتي قرفانة مني يا ماسة؟!
صمت لحظة، ثم قال بصوت منخفض: قرفانة علشان أهلي مهددينك؟ ولا علشان صدقتيهم؟
نهضت، وهزت رأسها بسرعة عددة مرات، بدموع تتساقط من عينيها: لا أنا مصدقتش.
ابتسم بسخرية موجوعة قال بيقين: صدقتي يا ماسة صدقتي اللي شوفتيه وسمعتيه، وكذبتي حبي ليكي وعشرتنا سنين !!
أكمل بمرارة: حتى لو بعد كده قعدتي مع نفسك
وبدأتي ترتبي الحكايات، وتقولي في خلط، وفي كذب محطوط مع الحقيقة، بس في الأول صدقتي.
تنفست ماسة بصعوبة واقتربت منه وهي تحاول أن تزيل الاتهام من عليها: أنا كنت خايفة، ومضطربة، مكنتش فاهمة حاجة..
رفعت عينيها اليه، وصوتها خرج حائرا: يمكن للحظة صدقت! بس عقلي كان تايه، بيخليني أعمل حاجات مش فاهماها..
اقتربت خطوة: بعد كده صدقت إنك ممكن تكون بتتاجر في سلاح، أو آثار، أو ألماس…
رفعت يدها وكلماتها خرجت صادقه: بس قواد؟
لا والله العظيم ما صدقتها، وقولتله أنت اللى كده سليم مستحيل يكون كده.
أضافت بسرعة: حتي اسأله وهو يقولك.
اقتربت منه، وأمسكت يديه وواصلت: أنا آسفة يا سليم،
بجد آسفة.
صوتها انكسر: مكانش قصدي أصدق، ولا أخبي، بس حط نفسك مكاني بلاش تبقي قاضي وجلاد.
سحب يديه ببطء، وقال بلوم: أنتِ كمان كنتي قاضية وجلادة يا ماسة، مدتنيش حتى فرصه ادافع عن نفسي، حكمتي ونفذتي علطول؟!
صوته بقى أهدى لكن أعمق: عايزاني احط نفسي مكانك؟! أنا لو اتحطيت مكانك، مكنتش هصدق لو وروني ايه..
نظر لها بثقل وهو يضيف: كان قدامك فرص كتير تقولي فيها، حتى لما روحنا الفيلا، وقبل ما تهربي في الهروبين اللي هربتيهم، كان في وقت..
قرب وجهه من وجهها هو ينظر داخل عينيها: بس أنا فاهم إنك خوفتي و إللي اتعرضت ليه شيء قاسي وصعب..
قرب وجهه من وجهها أكثر هو يدقق النظر داخل عينيها، وصوت انخفض في عتاب وخذلان: بس اللي مش قادر أعديه، إنك صدقي عني ده، لدرجة تطلبي من أهلك مياخدوش مني فلوس؛ علشان حرام، وتروحي تاخدي فلوس من عمار علشان تجيبي أكل!!
ضرب صدره بكفه بوجع: هو ده اللي كسرني بجد، أنا زعلان منك اوووي يا ماسة، معقوله بعد كل السنين دى بينا تصدقي عني كده؟!
هز رأسه وهو ينظر بعيدا بوجع كأنه يحاول تمالك دموعه وتابع: أنا عمري ما كنت هصدق عليكي أي حاجة وحشة، مهما جابوا صور، أو فيديوهات…
عاد ينظر لها: كنت هكذب عيني، وأصدق قلبي اللى حبك.
كانت دموعها تغرق وجهها، وقالت بنبرة مكتوم: أنا آسفة، كنت تعبانة ومكتئبة، معرفتش افكر..
نظرت له بصدق: وبعدين يا سليم، أنت كنت بتجارة في السلاح، والآثار، والألماس، ودي برضو مش حاجه بسيطه.
صوتها ارتجف: أنا بشوفهم في الأفلام، ناس بتموت، حتى لو دفاع عن النفس اسمها قتل.
شهقت بلوم: وأنت كذا مرة جيتلي مضروب بالرصاص،
وصاحبك كمان، وأنا اتخطف وخسرت بنتي وكنت هخسرك، بسبب شغلك.
اقتربت منه وقالت بنبرة موجوعه: كنت عايزني أعمل إيه؟ وأنا أصلا تعبانة، وهما عرفوا يدخلولي منين ويوجعوني أزاي؟!
هزت رأسها بتوضيح: مش ببرر انا غلطت، وغلط كبير إني سكت..
رفعت عينيها برجاء: بس والله ما صدقت، ولو صدقت لحظة، كان طبيعي في حالتي..
مدت يدها امسكت يده ونظرت له بابتسامة صغيرة وحب: خلينا ننسى، ونبتدي من جديد، زي ما اتفقنا امبارح ووعدنا بعض..
ابتسمت بدموع: مش احنا اتفقنا منخبيش حاجة تاني وأنا قد وعدي، وعد مش هخبي اي حاجة عنك تاني، أنا خلاص كبرت، وفهمت.
اشتدات يدها على يده: سليم، متخليش الزعل يكبر بينا ويبعدنا عن بعض، احنا بنفرح خمس دقايق، والباقي كله وجع، خلينا نزعل خمس ثواني والباقي كله فرح
نظرت داخل عينه برجاء: وحياتي خلاص، انا اسفة.
كان يستمع اليها وقلبه يدق وجعا، يشعر بصدق كلامها، لكنه ما زال يشعر بالحزن والوجع لاخفائها عنه كل ذلك
نظر لها طويلا، بعيون ملئيه بالعتاب، وقال بصوت منخفض مكسور: خليتيهم يسرقوا مننا سنين يا ماسة، سنين...
هزت رأسها بابتسامة أمل، ورفعت يدها بهدوء وضعتها على خده: مش مهم اللي فات، المهم إننا مع بعض في اللى جاي..
نظرت في عينيه بثبات: هم حاولوا وفشلوا، وأنا وأنت لسه ماسكين في إيد بعض، وهنفضل...
ابتسمت بخفة: خلينا نبص على الحلو، ونبتدي بقى..
تنفس بعمق، وظل ينظر لها طويلا، ثم مسح وجهه بكفه كأنه يحاول مسح التعب نفسه، وقال بصوت منخفض: خلاص يا ماسة، أنتِ عندك حق.
توقّف، وزفر بثقل: بس قلبي موجوع، موجوع اووي.
وضعت يدها على قلبه فورا: بعد الشر على قلبك من الوجع..
أبعد يدها بلطف: طب سيبيني لوحدي شوية معلش، محتاج أفكر...
اقتربت منه أكثر، وقالت برفض وابتسامه مداعبه: لا، نفكر سوا، على فكرة أنا عندى أفكار حلوة سارقاها من الأفلام، هبهرك.
ابتسم رغما عنه، لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية، بل كانت كأنها محاولة فاشلة للتماسك، وقال بصوت متعب: طب سيبيني لوحدي شوية بجد.
أدار وجهه: مش قادر أتكلم، ولا أعمل أي حاجة، عايز أفضل ساكت، أستوعب..
ابتلع ريقه: أستوعب إنهم كانوا شايفيني إزاي؟! كانوا شايفيني مش راجل، هلهولة!!
اقتربت بسرعة: لا يا سليم، متقولش كده على نفسك..
هز رأسه بمرارة وحزن: دي الحقيقة، لو كانوا بيخافوا مني وعاملين لى حساب زى ما مفهمني، مكانواش عملوا اللي عملوه، مكانواش استهانوا بيا كده.
ثم قال ببطء، بنبرة مظلمة: بس أنا هوريهم، ورحمة بنتي لأندمهم واحد واحد.
ثم التفت لها، وقال: من فضلك يا ماسة سيبيني لوحدى.
ماسة بخوف: بس يا سليم..
صرخ فجأة: يا ماسة سيبيني لوحدي قولت!
ارتبكت، وقالت بسرعة: حاضر.
مسحت دموعها: هسيبك شوية، وأجيبلك أكل أنت مأكلتش من امبارح.
تحركت نحو الباب، بينما ظل هو ينظر أمامه بلا تركيز،
وفجأة توقفت، وعادت إليه، وضمته بقوة وأخذت تمسح على ظهره محاولة التهوين عليه، لكنه بقي جامدا؛ فالوجع كان أكبر من أي تماسك.
ابتعدت قليلا، وقالت بهدوء: أنا بره، وهدخل أطمن عليك كل شوية.
خرجت وبقي وحده، فأخرج نفسا عميقا، كأن صدره ينهار من الداخل، ثم جلس مرة أخرى غارقا في أفكاره.
💞___________________بقلمي_ليلةعادل
المالديف، 12صباحا ( بتوقيت المالديف )
مظهر عام للمالديف ليلا؛ حيث تتعانق الجبال مع الشلالات، وتنساب المياه الصافية في هدوء ساحر،
وتتوهج الرمال في قلب الظلام كأنها نور خفي، وتتدلى النجوم من السماء لتكمل اللوحة إبداعا.
وصل رشدي ومي إلى المالديف، كانت مي تشعر بسعادة كبيرة؛ فهذه أول مرة تزور فيها بلدا بهذا الجمال، منذ لحظة خروجها من المطار، ظلت تنظر من نافذة السيارة، تتأمل المناظر الطبيعية الخلابة، البحر الممتد، الخضرة، والسماء بنجومها، برغم ظلام الليل الذي أحاط المكان ولكنه لم يخفِ جمال تلك المدينه حتى وصلا إلى الفندق الخاصة بهم ثم توجهه الى الكوخ.
الكوخ.
كان الكوخ قائما في وسط البحر، تحيط به المياه الصافية من كل اتجاه، وما إن دخلت مي تحركت ووقفت في التراس الذي يطل على البحر مباشرة وكأنها داخله، توقفت أمام المشهد تحدق في الأفق بدهشة صادقة، وقالت بفرحه طفولية: يا خرابي علي الجمال، إيه الحلاوة دي؟ طب الجنة عاملة إزاي يا رب؟
اقترب رشدي ووقف بجانبها، وتساءل بابتسامة لطيفه: عجبتك؟
التفتت له بحماس: دي تحفة يا رشدي، اكيد بكره لما الدنيا تنور هيكون أحلى وأحلى.
قال وهو يغمز: طب إيه رأيك نغير وننزل نسهر على البحر؟ ولا أنتِ تعبانة؟
تابع بنبرة مزاح ساخر: مع إنك قضيتيها نوم في الطيارة، مش فاهم جبتي النوم ده كله منين.
ضحكت وقالت: أنا قولت أنام علشان بخاف من الطيران.
ابتسم بسخرية خفيفة: هحاول أصدق إنك كنت خايفه ومش خم نوم.
ثم تابع متسائلا: طب ايه ننزل؟!
هزت رأسها بإرهاق، وهي تزفر بتعب: لا خليها بكره، بس أطلبلنا عشا أنا هموت من الجوع.
وتابعت وهي تنظر من حولها ابتسامه: ممكن ناكل هنا؟ الجو جامد.
هز رأسه بإيجاب، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة: ماشي يا مشمتشي، أنت تؤمري وأنا انفذ.
ثم مال بجسده نحوها، ووضع قبله خفيفة على خدها بدون سابق إنذار، فاتسعت عيناها بخجل وقبل أنا تنطق، رفع رشدي أحدي حاجبيه وقال مداعبا: فيه إيه مالك دى بوسة أخوية بريئة خالص..
ابتلعت ريقها وقالت بتوتر وخجل: علي فكرة، أنت قليل الأدب.
ضحك بخفة: قليل الأدب ببوسة على الخد يا مي؟
تابع بنبرة ناعمه واحتواء: يا بنتي أنا جوزك، في ايه يا مي!! المفروض تكوني واخده عليا أكتر من كده، إحنا مش لسه عارفين بعض أول امبارح يعني.
قالت بتلعثم، وهي تشد أطراف فستانها بتوتر: يا رشدي أنا بتكسف، أنا متعاملتش مع ولاد قبل كده غير بابا وأخواتي، واحنا في خطوبتنا مكانش فيه تجاوز، فصعب عليا اتقبل التحول دى فجأة، اديني شويه وقت.
ابتسم علي خجلها وفطرتها التي تجذبه إليها أكثر وتزيد من رغبته فيها، ولكنه أشفق عليها وهو يراها مثل الطفله الوديعه التي تبرر لوالدها ذنب ليس ذنبها !
فاقترب منها خطوة، ونبرة صوته خرجت حانيه على غير عادته: ليه كل الكسوف دى يا مشمش، مش أنا رشروش حبيبك؟! وأنتِ بتحبيني وبتثقي فيا؟!
هزت رأسها بخفة وهي تنظر لأسفل بخجل: أيوة بحبك وبثق فيك، بس صدقني دي حاجه ودى حاجة تانية يا رشدي.
ضحك بخفوت، وناداها بدلال: وحياتك أنتِ الحاجتين واحد يا ميوشي، وأنا مستحيل أعمل حاجة أنتِ مش عايزاها، بس برضو لازم تفكي شوية.
وأكمل بنبرة مرحة: يعني كل الكسوف دى وأحنا لسه في مرحلة المداعبات البريئة، اومال كمان خمس أيام هتعملي إيه بقي هتسيحي مني..
فهمت مقصده، فتلعثمت، وضربته على كتفه بخفة: دماغك دى هتفضل قذرة مفيهاش إلا قلة الأدب وبس، يلا روح اطلب العشا، ودخل الشنط جوه.
قهقه عاليا، وقال مشاكسا: ما أنا لما يبقي قدامي فرولاية عسولة كده كل ما أكلمها تحمر، لازم يبقي دماغي مفيهاش إلا قلة الأدب يا مشمش.
احمرت وجنتها، وقالت بنرفزه مصطنعه تخفي وراها ابتسامتها الخجوله: طب يلا ندخل نغير هدومنا علشان نتعشي.
حمل الحقائب وادخلها، ووقفوا في منتصف الكوخ، فقالت مي بسرعه وهي تفتح الحقائب: أدخل أنت غير في الحمام وأنا هغير في الأوضة.
ضيق عينيه: اوضه تانى!! لا يا حببتى مش هتخم مرتين، متهزريش بقي.
ضحكت رغما عنها وقالت وهي تعطيه بيجاما اخرجتها له: لا متخافش مش هقفل الباب والله، هغير واجي ناكل، بقولك هموت من الجوع.
نظر إليها من أعلي لأسفل بشك: هحاول اصدقك، بس يكون في علمك هنا والله ما هيهمني وهكسر الباب بجد، أنا ظهري اتقطم امبارح من نومة الكنبه.
نظرت إليه نظرة وديعه، ومدت شفتيها لأسفل بحركة طفوليه: ما أنت اللى خوفتني امبارح، أنا مالى.
تنهد وابتسم على أفعالها الطفوليه، وقال وهو يأخذ منها الملابس: أمري لله يا مشمش هدخل اغير في الحمام ماشي، شكلك هتطلعي عليا القديم والجديد، واللى بعمله في الناس هيطلع عليا.
ووضع قلبه على وجنتها بمرح قبل أنا يغادر للحمام سريعا، أما مي فلم تسطيع منع ابتسامتها الخجوله من الظهور وهي تلمس بيدها موضع قبلته على خدها، وتتنهد بخجل وحب، كان داخلها خجل كبير لا تعرف إن كان خوفا أم طمأنينة.
تحركت وأخرجت بيجاما منزليه مريحه، واتجهت إلي الغرفة، أغلقت الباب خلفها باحكام، ودخلت إلي الحمام لتأخذ حماما سريعا، ثم خرجت وبدأت ترتدي ملابسها بهدوء
وبعد أن انتهت خرجت تبحث عنه، وجدته ما زال في الحمام، يأخذ دوش، وصوته يصلها وهو يغني بلا اكتراث، ابتسمت رغما عنها، ثم دخلت وأغلقت الباب على نفسها.
دخلت الحمام مرة أخرى، توضأت بسرعة، وخرجت وارتدت الإسدال، وفتحت هاتفها نظرت إلى وقت الصلاة والقبله، ثم وضعته جانبا.
وقفت، وكبرت، وبدأت تصلي، فهي كذبت عليه حين أدعت أنها تعاني من تعبها الشهري، لم يكن ذلك صحيحا، ولكن قالتها فقط لتضع بينهما مسافة آمنة ولو لبضع أيام، ولكنها مسافة تحتاجها بشدة لكي تعتاد عليه وتتخلص من خجلها المفرط عند اقترابه منها.
بينما كانا رشدي قد انتهى من الحمام، وارتدى ملابسه، خرج طرق على الباب بخفة.
كانت مي مازلت تصلي، فاسرعت، تحاول أن تنهي صلاتها بهدوء دون أن يشعر.
في الخارج، ظن أنها ما زالت تأخذ حماما، فأخرج هاتفه، واتجه بعيد قليلا، ثم بدأ بعمل مكالمة قصيرة، بصوت منخفض: كيف حالك؟ آمل أن تكون بخير، اسمعني، أنا الآن في المالديف، هل تعرف أحدا يمكنه أن يجهز لي كوك للاستعمال شخصي؟
توقف لحظة ليستمع، ثم تابع: حسنا، أريد كمية تكفيني لأسبوع...
صمت ثانية، ثم أضاف بثقة: أتتِ بها إلى الفندق الخاص بنا، أنت تعرفه جيدا...
أنهى المكالمة بهدوء: حسنا، إلى اللقاء..
أنهى المكالمة، ثم عاد إلى الداخل، وحين هم أن يضع يده على الباب، فتح فجأة، وخرجت مي بوجه هادئ بعد أن أنهت صلاتها و كأن شيئا لم يكن.
مي باستغراب: كل ده؟
علق بابتسامة: أنا اللي كل ده؟
ثم أكمل وهو يتحرك: أنا طلبت العشا، عشر دقايق ويكون موجود، تعالي نقعد بره شوية لحد ما ييجي.
خرجت معه حتى التراس وهي تتمطى بتعب: يا ريت ييجي بسرعة، أنا هموت وأنام.
نظر لها من أعلى لأسفل باستغراب: يا بنتي أنتِ بتجيبي كل النوم ده منين؟ دى أنت طول الطريق نايمه!؟
ضحكت بخفوت: يا رشدي، إحنا جايين من سفر سبع ساعات، أنت اللي غريب.
ضحك وهو يتحرك معها: ماشي يا مشمش.
دخل التراس، وجلسا أمام البحر، الهواء منعش، وصوت الموج يخفف ثقل اليوم.
سألها فجأة: هو أنتِ عمرك سافرتي بره مصر قبل كده؟
هزت رأسها: سافرت قطر عشان بابا كان شغله تبع شركة بترول قطرية، وروحت روما ولبنان ودبي..
نظر لها بابتسامة دافئة: أوعدك يا ميوشتي هلففك العالم كله، عارفه نفسي أعمل بيكي رحلة زي اللي سليم عملها مع ماسة في أول جوازهم، أصله خدها ولف بيها دول العالم سنة وكام شهر.
تابع بحماس: أنا نفسي أعمل زيه، بس الوقت مش مساعد، هو كان عنده مشاريعه بيصرف منها، ويخلص كل حاجة في التليفون، شاطر وثعلب طول عمره، إنها أنا لسه بشق الطريق.
ابتسمت وهي تنظر اليه بحب: مش مهم نسافر فين المهم إننا مع بعض يا رشدي، وبعدين لسه العمر قدامنا، وبكره تكبر ويبقي عندك مشاريع كتير ونسافر براحتنا.
نظر إليها بعيون لامعه بالعشق، وقبل أن يتحدث دوى جرس الباب، فابتسم وقال وهو ينهض: دى أكيد العشا.
ذهب وفتح الباب، فوجد العامل يقف بعربة عليها الطعام، فاعطاه بعض النقود وسحب العربة للداخل وأغلق الباب.
ورفع صوته، قائلا: يلا يا ميوشي العشا جه.
دخلت مي، وبدأ يضعا الطعام على الطاولة، وجلسا يأكلان.
رشدي وهو يمضع الطعام: الأكل اللي طلبته ده هيعجبك اوي، محبتش اطلب حاجة تقيلة، علشان نعرف ننام.
مي وهي تلتهم أول لقمة: أنا جعانة موت، لو حاطط قدامي أي حاجة هاكلها.
ابتسم لها وتناولا الطعام وسط أجواء لطيفه، والبحر يحيط بهما بصمته الهادئ.
بعد أن انتهت، أسندت ظهرها على الكرسي بتعب: شبعت، أنا هقوم أنام بقي، علشان خلاص مش قادرة.
نظر إليها بابتسامه وقال مشاكسا: يلا يا باندا يا كسولة ننام.
وبالفعل، توجه الاثنان معا نحو الفراش، القي رشدي بجسده على الفراش براحه، بينما وقفت مي تنظر إليه بترقب، ففهم نظرتها وقال بمزاح لطيف: فيه ايه يا مشمش هو أنا هاكلك، ما إحنا نمنا جمب بعض في الفندق وقومتي لقيتي اعضائك كلها كامله مش ناقص منها حاجه اهو، وطول الطريق كنتي مرميه في حضني لحد ما كتفي خدل ومحصلكيش حاجه.
ابتسمت رغما عنها، وقالت بخجل: اتلم يا رشدي، ما أنا فهمتك..
قاطعها بابتسامة دافئة: يا مي يا حبيبتي لازم تتعودي عليا، ونتجاوز الكسوف دى، قولتلك مش هعمل حاجة تزعلك، ولا هعمل حاجه أنتِ مش عايزاها، تعالي بقي.
ترددت لحظه، ثم تقدمت وأخذت نفسا عميقا تحاول به كبح توترها، وتمددت بجانبه، ففتح ذراعه لها وقال: تعالي…
مدت شفتيها: لازم
هز رأسها ضاحكا: أه لازم، علشان نقضي على الكسوف دى.
ترددت بخجل، ثم وضعت رأسها ببطء على صدره، فأحاطها بكلتا ذراعيه، فشعرت برعشة خفيفة تجتاح جسدها، بين خجل وحيرة في الوقت ذاته.
ابتسم لها، ثم نظر إلى شعرها بغزل قال: تعرفي إن شعرك جميل، أزاي عشت أول ليلة من غير ما أقولك ده؟ ريحتك وكل حاجة فيكي جميلة وتتاكل، عامله زي المارشميلو.
همست بخجل: بجد عجبك؟!
تابع بهدوء: أه شكلك عسول بيه أوى، بصراحة مكنتش متوقع شكلك يبقى كده من غير الطرحة، بس شعرك قصير يا مي ابقي طوليه شويه، أنا بحب الشعر الطويل.
ابتسمت بخجل وقالت بمزاح: مبنقولش كده يا رشدي.
ضحك وهو يربت على شعرها بمداعبة، فكل ما أراده مشاكستها لكي يجعلها تنسى خجلها: الحق عليا يعنى إني بغششك كل ثغراتي.
ضحكت بخفة: والله أنت مجنون.
ابتسم لها: أيوه اضحكي كده، أنا بحبك كل على بعضك، طويل قصير، إن شالله تكوني قرعه هحبك برضو.
ضحكت بخفة: لا مش لدرجه قرعه.
ثم تنهدت بخجل: يلا بقى ننام.
هز رأسه بإيجاب وقال: ماشي، تصبح على خير يا ميوشي.
ووضع قبلة خفيفة على جبينها، وادار وجهه نحوها قائلا: بوستي بقى…
نظرت بتوتر، وقالت بتلعثم: لازم؟
هز رأسه باصرار: أيوه، لازم.
قالت بخجل متلعثم: طب غمض عينك
رفع احد حاجبيه مستنكرا بمزاح: اغمض عيني ليه؟ أنا مش مكسوفة.
برجاء طفولي: وحياتي يا رشدي.
تنهد بغلب: حاضر.
أغمض عينيه، فاقتربت بخفة ممزوجه بتردد، ووضعت قبلة رقيقة على خده.
فتح عينيه، وارتسمت ابتسامة مشرقة على شفتيه، فنظرت له بخجل للحظة، وعضت أسفل شفتيها.
ظل يحدق بها بعينين لا ترمش، تفيضان بالعشق، فرفعت عينيها إليه، ودقات قلبها بدأت تدق بعنف خلف صدرها.
تبادلا النظرات لثواني طويلة، قبل أن يتجرأ معها قليلا ويمد أطراف أصابعه برفق، ويمررها على شفتيها ووجنتيها بنعومة، وكأن كل لمسة تقول ما تعجز الكلمات عن قوله، كانت نظراته لها مليئة بالدفء والحب الحقيقي، بلا رغبة دنية، بل برغبة صافية في حبيبته…
كان يريد أن يتذوق تلك الشفاه، لكنه كان يخشى أن تنزعج، ومع ذلك، كانت رغبته بها أقوى من خوفه، لم يستطع التحمل أكثر، فاقترب منها شيئا فشيئا، حتى وصلت شفته برفق إلى شفتيها وقبلها برقة، كأن كل شيء من حولهما توقف للحظة، تاركا قلبيهما يتحدثان بلغة الصمت والحنين.
في البداية، اتسعت عينيها من الصدمة، لكنها بعد لحظة استسلمت لحنان القبلة، وشعرت بالرقة والمحبة تتغلغل في قلبها.
لم تستطع مبادلته القبلة، لكنها لم ترفض، وكان ذلك كافيا ليشعر بها بشكل كامل، مما دفعه لإطالة قبلته برفق، كأن الزمن توقف لحظة بينهما، وبعد قليل، ابتعد ونظر إليها بعينين تفيضان بالعشق، بينما اشاحت هي بنظراتها إلى الأسفل ودفنت وجهها في صدره بخجل، وخفق قلبها بسرعة، محتفظة بكل أحساسيس تلك اللحظة في أعماقها.
ابتسم متفهما شعورها، ولم يرغب في أن يشعرها بالمزيد من الخجل، فضمها إليه أكثر، وهو يقول: تصبحي على خير يا ميوشي.
أجابت بخجل: وانت بخير.
وغاص في نومه العميق، لكن هذه المرة كانت مي أكثر تقربا منه، أكثر دفئا وحميمية مقارنة باليوم السابق، وذلك جعل رشدي يشعر بالسعادة
🌹________بقلمي_ليلةعادل_______🌹
مصر
مكتب شاهين، 8:00 مساءً
كان محمود جالسا على الأريكة، ظهره مشدود ويداه متشابكتان بتوتر واضح.
أمامه وقف رجلان مجهولا الملامح، بدا من هيئتهما أنهما الشهود، وإلى جوارهما رجل ثالث، أنيق المظهر، يحمل حقيبة جلدية يبدو أنه المحامي
أما شاهين، فكان يجلس خلف مكتبه، يراقب المشهد بعين باردة.
مد المحامي يده، متسائلا: فين البطاقة؟
أخرج محمود صور بطاقة آلاء بسرعة، وناولها له قائلا، انا ملقيتش البطاقه جبت الصوره.
شاهين بابتسامة: عادي، المهم اي حاجه فيها بيانات، ولا ايه يا متر.
هزه المحامي رأسه بإيجاب دون أن يرد، أخذها، وفتح الملف، وبدأ يملي البيانات بصوت رتيب، ويكتب عقد الزواج، ثم بدأ محمود بالتوقع حيث يشار له، وأخيرا أمضى الشهود واحدا تلو الآخر.
مد المحامي يده بوصلات الأمانة، وقال بنبرة جافة: امضي على الخمس وصولات دول.
ارتبك محمود، ابتلع ريقه، وتوقف القلم بين أصابعه: بس يعني...
قاطعه شاهين ببرود، دون أن يرفع عينيه: ده ضمان حقوق يا حودة، لحد بس ما العروسة بتاعتنا ترجع من سفرها.
تردد محمود لحظة، نظر إلى الأوراق، ثم إلى وجه شاهين، كان في عينيه شيء من القلق، شيء يشبه الخوف..
مال شاهين للأمام قليلا، ونظر له نظرة مباشرة: يلا يا حودة، علشان تلحق تروح للزعيم وتديله الفلوس وتنقذ رقبتك.
ازدادت دقات قلب محمود، وتجمدت يده ثانية، ثم زفر بقوة، كأنه يستسلم للأمر الواقع.
أمسك القلم أخيرا، وبدأ يوقع على وصلات الأمانة واحدة تلو الأخرى، توقيعات سريعة، مهزوزة قليلا، كأن كل اسم يكتبه كمسمارا جديدا يدق في مصير شقيقته.
رفع القلم في النهاية، ونظر إلى الأوراق لحظة صامتة،
ثم دفعها للأمام، فابتسم شاهين ابتسامة جانبية، ابتسامة رجل أغلق الباب خلف ضحيته.
رفع المحامي رأسه وقال بهدوء مهني: وكده خلصنا.
أومأ شاهين: تشكر يا متر.
تحرك المحامي ومعه الشهود، وأغلقوا الباب خلفهم،
لم يتبقَّ في الغرفة سوى شاهين ومحمود.
نظر شاهين إليه بابتسامة وقال: كده مبروك علينا يا أبو نسب…
ثم أخرج رزمة الأموال من جيب جاكيته الداخلي، وألقاها أمام محمود على الطاولة: دول أربعين باكو، روح ادفع دينك يا حودة.
لمع شيء في عيني محمود، سعادة طفيفة، ممزوجة براحة أن نجاته باتت قريبة.
التقط المال، وابتسم ابتسامة خفيفة: شكرا يا حج، ومن النجمة، هروح أجيبلك أختي.
ارتسمت على وجهه ابتسامة من يعتقد أنه أنقذ نفسه أخيرا، حتى لو كان الثمن شقيقته! لم يكن يعنيه سوى شيء واحد "النجاة" أما آلاء، فلم تكن تعلم أنها في تلك اللحظة أصبحت زوجة لرجل آخر من دون علمها؟!
💞________________بقلمي_ليلةعادل
منزل القلج، 8:00 مساءً
غرفة جنة
كانت الغرفة غارقة في سكون ثقيل، لا يقطعه سوى صوت سعال متقطع يخرج من صدر جنة الصغيرة، تمددت فوق فراشها، ووجنتاها محمرتان، وحرارتها المرتفعة جعلت أنفاسها متلاحقة ومتعبة.
جلست إسعاد إلى جوارها، عيناها لا تفارقان وجهها الشاحب، بينما وقفت رحمة قرب السرير، تُبدل الكمادات على جبينها بعناية، ثم مدت يدها بمعلقة الدواء، وقالت بصوت حنون: يلا يا حبيبتي، خدي الدوا.
عبست جنة وأدارت وجهها قليلا: خلاص بقى! زهقت، طعمه وحش.
إسعاد بحزم هادئ: مفيش حاجة اسمها زهقت، لازم تاخديه، يلا.
جنة، وهي تكاد تبكي: يا تيتا طعمه مر ويع!
ابتسمت رحمة وربتت على يدها الصغيرة: معلش يا قلبي، علشان تخفي وتعرفي تلعبي تاني.
تنهدت جنة، ثم وضعت يدها على أنفها وأخذت الدواء دفعة واحدة، فارتجف جسدها الصغير: خلاص بقى، طعمه يع!
ثم قالت بنبرة متعبه: أنا عايزة أرجع ألعب تاني، وأروح عند مس فاطمه.
نهضت إسعاد من مكانها: لما تاخدي دواكي وتخفي، وتشربي الشوربة اللي رحمة عملتها.
تمتمت جنة بضيق وهي تنكمش تحت الغطاء: مش بحبها…
توقفت إسعاد عند الباب، والتفتت إليها بنظرة صارمة: مش عايزين دلع يا جنة.
انحنت رحمة لتكون في مستواها، وصوتها أكثر لينا: اسمعي الكلام يا جنة.
بعد تردد قصير، أومأت جنة برأسها بخضوع، ثم سألت بصوت خافت: هو رشدي مسألش عليا؟
تبادلت أسعاد ورحمة نظرة صامتة: رشدي مسافر يا حبيبتي.
عادت جنة تسأل بإلحاح: طب كلميه وقوليله إني تعبانة.
تنهدت إسعاد، وقالت بصراحة موجوعة: مش هينفع نكلمه دلوقتي؛ علشان هو مع عروسته.
وضعت جنة يدها على صدرها، ونظرت إلى رحمة بعينين ممتلئتين توسلا قالت بصوت واهن: علشان خاطري، كلميه وقوليله جنة عيانة، خليه يكلم ماما وبابا ويقولهم.
تنهدت رحمة، ثم أمسكت هاتفها وحاولت الاتصال به أكثر من مرة، لكن وجدت هاتفه مغلق، نظرت إلى الشاشة، ثم رفعت عينيها نحو جنة بأسف: تليفونه مقفول، هكلمه بكرة إن شاء الله.
أومأت جنة برأسها في استسلام: طيب.
إسعاد: أنا هروح أعملك الأكل.
لم ترد جنة، فقط رفعت عينيها إلى أعلى، وشفتيها تتحركان بدعاء خافت: يا رب خففني، وخلي بابا وماما يجوا بقى.
ابتسمت رحمة ابتسامة باهتة، ممزوجة بمرارة لا تخطئها العين، وانحنت تمسح على شعرها بحنان صامت.
الإسكندرية، 9:00 مساءً
منزل مصطفى.
عاد مصطفى من عمله بعد يوم شاق، وما زال يحمل أثقال ما قاله له محمد، رغم أنه حاول نسيانه والتركيز في عمله، إلا أن كلمات محمد كانت ثقيلة جدا عليه ولم يستطع تجاوزها بسهولة.
وجد نبيلة تجلس على الأريكة تحتسي الشاي وهي تشاهد فيلما، فاغلق الباب ودخل قائلا: السلام عليكم.
أجابته بهدوء: وعليكم السلام.
تحرك وجلس على المقعد المجاور بارهاق، فنظرت له نظره ذات معنى، وقالت بتهكم: يا تري جايبلنا مصيبة إيه تانى معاك النهارده؟
تنهد بتعب قائلا: في ايه يا ماما، مالك الفترة دي؟
قالت بتهكم لتعبر عند انزعاجها: هيكون مالي يعني بعد اللى أنت بتعمله دى.
تنهد وقال برجاء: ماما أبوس إيدك أنا جاي تعبان، قسما بالله مش قادر حتى أتكلم.
اشفقت عليه فالارهاق بادي على ملامحه بالفعل، فتساءلت بدهشة: انت أصلا إيه إللى وداك الشغل النهارده؟ مش النهارده الجمعة وبتاخده أجازه؟
أجابها موضحا: طلبت شغل زيادة، علشان محتاج فلوس الفترة دي.
ردت بتهكم ساخر: طبعا لازم تحتاج فلوس، بقي عندك زوجه ومسؤوليتاتك كترت بقي.
ضحك مصطفى بخفة، وقال محاولا تلطيف الأجواء بينهما: بقولك ايه يا بلبلة أنا راجع تعبان وهموت من الجوع، مش ناويه تعمليلي حاجه أكلها من أيديكي الحلوين دول.
تنهدت وقالت باستسلام: هقوم أعملك، حاضر.
التفت حوله وتساءل: هي شوشو رجعت ولا لسه؟
أجابته بهدوء: رجعت من بدري، وقاعدة جوه بتذاكر.
نظرت إليه طويلا، ثم قالت وهي تربت على صدره بحنان؛ فهي لا تلومه جحودا، بل خوفا عليه: أنا مش قصدى أضايقك يا مصطفي، أنا بخاف عليك يا حبيبي، أنا مليش في الدنيا غيركم يابني، ربيتك تكون جده وتقف مع الناس، وتنصر المظلوم خصوصا الوليا، بس متضرش نفسك، كل حاجة في حدود يا مصطفى…
هم أن ينطق، لكنها سبقته، وأشارت بإصبعها بحزم: و متقولش إنه مكانش عندك اختيار تاني، أكيد كان في ألف حل غير ده، افرض كنت راجل متجوز كنت هتعمل إيه؟ كنت هتخش على مراتك بيها؟ أكيد لأ، كنت ساعتها هتدور وتلاقي حل تاني غير جوازك منها..
تنهدت بأسى، وقالت بنبرة حنونة: على أي حال، اللي حصل حصل، بس لازم تلاقي حل للموضوع دى، علشان الوضع كله من أوله لآخره مش عاجبنى، أعمل محضر، أو أي حاجه تحافظ عليها، وسيبها تروح لحال سبيلها يا ابنى، متدخلش نفسك في دوشه أنت في غني عنها.
قالت كلماتها، ثم نهضت وتوجهت نحو المطبخ، تاركة مصطفى ينظر لآثارها بشرود، مسح وجهه بيده وزفر بتعب يفكر في حديثها، ربما كانت محقة، فبالتأكيد لو كان متزوجا، لما خطر بباله الزواج من آلاء، لكنه كان صادقا تماما حين قال أنه لم يكن يرى أمامه خيارا آخر.
زفر باختناق، ونهض وتوجه نحو غرفة عائشة، وطرق الباب بخفة، فجاءه الرد من الداخل: أدخل.
دخل مبتسما: شوشو عاملة إيه؟
وضعت الكتاب على الطاولة، والتفت اليه بابتسامه: الحمد لله.
جلس على المقعد الأمامها وتساءل: أخبار المذاكرة إيه.
أجابته بتنهيده: اهو خلاص فاضل امتحان واحد وارتاح
ابتسم قائلا: ربنا معاكي يا شوشو، أنا كمان هظبط الأمور في القاهرة بسرعة، علشان ننزل نقعد هناك بقى.
صمت لحظه وتساءل: قولي لي صحيح خرجتي مع آلاء زى ما قولتلك؟
اومأت وقالت بابتسامه: آه وجبتلها كل حاجة متقلقش، بس ما شاء الله عليها محترمة اوي، وعندها عزة نفس فظيعة، تصور مكانتش راضيه تشتري أي لبس غالي وعماله تختار من الرخيص بس علشان متقلش عليك، بس أنا زعقتلها، وجبتلها حاجات كتير، والفلوس اتفرتكت الصراحة.
ابتسم بخفوت وقال مطمئنًا: يا ستي مش مشكلة، المهم إنها خرجت معاكي وجابت اللى ناقصها، هي فعلا حساسه ونفسها عزيزة أوى، ياريت تحاول تقربي منها يا شوشو وتخرجيها من اللى هي فيه، اللى حصل برضو مش سهل عليها
أومأت برأسها: حاضر متقلقش، أنا أصلا حبتها أوى، أخلص بس امتحانات ومش هحلها، دى أنا ما صدقت ألاقي حد اقعد معاه ويسليني.
ثم تابعت بتلقائية مستاءة: بس أمك عملت موقف وحش اوي معاها واحرجتها، خلت البت طالعة وقالت عندنا زبالة كثير لازم أرميها عشان بتلم الدبان، عمري ما تصورت إن ماما كده.
زم شفتيه بضيق، وتنهد قائلا: ادعي لها ربنا يهديها، ويحنن قلبها عليها شويه، هي والله غلبانه خالص واللي فيها مكفيها.
ربت عائشه على كتفه مطمئنه: متقلقش ماما قلبها طيب، هي بس متعصبه لسه، لكن يومين وهتهدى وتحبها خالص لما تتعامل معاها.
اومأ برأسه، ونهض قائلا: طب هسيبك بقي تكملي مذاكرتك، وهقوم أكل وأنام بقي لاني راجع هلكان خالص.
هزت راسها بإبتسامة: ماشي تصبح على خير.
💞_________________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة، 10:00 مساء.
مرت الساعات ثقيلة بطيئة، والحال كما هو، فسليم مازال حابسا نفسه داخل الغرفة، وماسة في الخارج، تطرق الباب بين الحين والآخر، تحاول، وتتوسل أن تجعله يتحدث معها، لكنه أصر على الانعزال وعندما انزعج من تكرر طلبها بالجلوس معه أغلق الباب بالمفتاح من الداخل.
وظل على حاله، جالسا في الداخل لا طعام، ولا حديث فقط سجائر لا تنتهي، وقهوة تلو الأخرى، بينما صداع عنيف يضرب رأسه بلا رحمة، وأفكاره تغلي داخل رأسه، ولا يترك له عقله لحظة هدوء.
تعبت ماسة، ولم يعد قلبها يحتمل هذا الصمت القاسي، الذي يشبه هدوء ما قبل العاصفه، تخشي عليه من أفكاره، وتخشي صمته وهدوؤه بشده أكثر مما تخشي أنفجاره.
زفرت باختناق، ورفعت الهاتف أخيرا وقامت بالاتصال بالطبيب لعله يعطيها حل لهذا الوضع.
ماسة بنبرة متوترة: أيوه يا دكتور، أزي حضرتك؟
صمتت لحظه ثم قالت بخفوت: أنا قولت لسليم كل حاجة الصبح.
جاءه صوت الطبيب هادئا: كويس جدا يا ماسة، برافو عليكي، ده قرار شجاع.
تنفست بقلق: بس هو زعلان مني، علشان خبيت عليه.
الطبيب: طبيعي جدا، يومين وكل حاجة تهدى وترجع زي الأول، بس خليكي معاه بالراحة.
هزت رأسها، وتابعت: المشكلة مش في الزعل بس، أنا عارفة أعتذر وأصالحه..
ترددت لحظة ثم قالت بخوف: المشكلة في سكوته، من ساعة ما رجعنا، وهو قافل على نفسه في المكتب، مش عايز يأكل ولا يشرب، وعمال يشرب في سجاير وقهوة وبس.
صوتها انكسر: حاولت أدخل، واتكلم معاه، خرجني ورافض بشكل تام أي كلام، لدرجة قفل الباب على نفسه بالمفتاح
سألها الطبيب بتركيز: لما عرف، كان في غضب؟
يعني حسيتي إنه ممكن يعمل حاجة متهورة؟
إجابته بتأكيد: أيوه، بس بعدها هدي واللي مخوفني أكتر سكوته ده، حاسة إنه بيدبر لحاجه، وأنا مش عايزاه يرجع للسكة دي تاني.
جاء رد الطبيب هادئا: لو كان ناوي يعمل حاجة، كان عملها في نفس اللحظة، كونه قاعد وبيفكر، حتى وهو غضبان، ده مؤشر كويس، وبعدين خايفه ليه كده ما أنتِ قدامه اهو ولو فكر يخرج هتعرفي تمنعيه، أما بالنسبه لسكوته فدى منطقي، اللي عرفه مش سهل، سبيه يستوعبه بالراحه، وكويس اوي انه متهورش وراح قتل حد منهم.
ضحكت بمرارة: هو يا يبقى هادي اوي يا يكسر الدنيا؟ صدقنى سكوته وقفلته على نفسه تخوف أكتر من جنونه
حاول الطبيب إقناعها بهدوء: إحنا بنتكلم في ساعات يا ماسة، مش أيام، سيبي عقله يستوعب.
صمتت لحظة، وتساءلت: يعني، محاولش أدخله تاني؟
اجاب بهدوء: لا سيبيه براحته.
تنهدت وقالت: تمام يا دكتور، شكرا.
ثم أضافت برجاء: بس معلش ممكن متقفلش موبايلك؟علشان لو حصل أي حاجة، أكلمك.
أجابها مطمئنا: حاضر.
أغلقت الهاتف، لكن قلبها لم يهدأ، كان هناك شيء يرعبها في هذا الصمت، اقتربت من باب المكتب مرة أخرى، وطرقت بخفة: سليم، أنت كويس؟
جاءها صوته من الداخل: أنا كويس.
في تلك اللحظة، اقترب حارسان يحملان سبورة مقاسها متوسط، فنظرت لهم باستغراب، طرق أحدهم الباب: سليم بيه، جيبنا لحضرتك اللى طلبته.
فتح الباب، وأشار: حطوها هناك.
نظرت له ماسة، وتساءلت بقلق: إيه ده؟
أجابها بهدوء: حاجة محتاجها، يلا روحي شوفي بتعملي ايه؟!
اقتربت، وأمسكته من كتفه: سليم...
نظر لها بانزعاج، ثم قال بهدوء قاطع: في إيه يا ماسة هو كل شوية هكرر كلامي، قولتلك عايز أفكر بهدوء، مش هقطع شرايني جوه متخافيش.
أبعد يدها، ودخل، وأغلق الباب مرة أخري، فوقفت ماسة مكانها تتنفس بصعوبة، كأن الهواء لا يكفي.
تحركت للخارج، وجلست في الحديقة، ولا تعرف ماذا ينبغي عليها أن تفعل.
مرت الساعات، حتى حل الليل.
وبعد وقت، وقفت أمام باب المكتب، تحاول للمرة التي لا تعرف عددها أن تجعله يفتح.
في تلك اللحظة، جاء مكي: مساء الخير، واقفه كده ليه؟
التفتت إليه بسرعة، وكأنها تتعلق بقشة نجاة: كويس إنك جيت، تعالى شوف صاحبك.
قطب حاجبيه بقلق: ماله؟
تنفست بعمق، والغضب والخوف يتصارعان في صوتها: من ساعة ما رجعنا وهو حابس نفسه جوه، مش راضي يفتح، ولا ياكل، ولا حتى يسمعني، كلمت الدكتور، قالي أسيبه بس لا، مينفعش أسيبه دلوقتي هو محتاجنا جنبه نخفف عنه، ده قافل الباب على نفسه بالمفتاح! والله لأكسره لو ما فتح.
رفع يده محاولا تهدئتها: طب أهدى، أنا داخله أصلا، علشان محتاجه في حاجه مهمه، بس بالراحة اللي عرفه مش سهل، وسكوته ده رغم إنه يخوف، لكن أحسن من انفجاره بكتير.
نظرت إليه بعينين مرهقتين: صاحبك لما بيسكت بيخوف أكتر، على الأقل لو اتعصب بنكون فاهمين أوله من آخره، إنما دلوقتي الله أعلم بيدبر لإيه.
قال بثبات: متقلقيش، أنا معاه، وأنتِ كمان، مكانوش كام ساعة يعني اللى انفرد بنفسه فيها، بلاش توتر.
أومأت على مضض بعدم اقتناع: طيب…
كاد يتحرك، ولكنها نادته فجأة بصوت متردد: مكي..
التفت إليها، فقالت بسرعة، وكأنها تخشى أن تتراجع: أنا آسفة...
نظر إليها باستغراب، فبادرت بالتوضيح: أنا آسفه، إني كنت السبب إنك تبعد عن سلوى وجوازتكم تبوظ، بس والله ما كان قصدى، أنا بس خوفت عليها بعد اللى حصل فيا.
نظر اليها بصمت والوجع تجلي في عينيه رغم محاولته لإخفائه، لكنها تابعت بلهفه: بس والله أنا هكلمها وهفهما كل حاجه، وهقولها إن دى كلها كانت فيديوهات مفبركه وكدب، وهصلح كل حاجه زى ما بوظتها.
تنهد، وقال بألم حاول اخفاؤه: الموضوع دى انتهي خلاص يا ماسة، سلوي في الأساس محبتنيش..
قاطعته بلهفه: لا، والله العظيم كانت بتحبك وبتموت فيك، بس تخيل واحدة تعرف إن اللي بتحبه وخلاص هتتجوزه، طلع مجرم وبيشتغل في كل حاجه حرام، صدقنى ده إحساس وحش، واللي اتعرضت ليه بعدها من رشدي مش بسيط، أنا بجد آسفة.
هز رأسه بهدوء: متعتذريش، أنتِ كنتِ خايفة على أختك، وسلوى صدقت، ومحاولتش حتي تواجهني على لاقل، سلوى كان عندها الفرصه تتكلم عنك، كانت المفروض تكون صوت العقل اللى يوجهك ويقولك تهديدهم لينا دليل على كدبهم، لكن هي اختارت تصدق اللى سمعته، وكدبت حاجات كتير بينا..
قالت بإصرار: أنا هكلمها وزي ما بوظت علاقتكم، هصلحها، بس أتمنى تقبل اعتذاري.
نظر إليها مطولا، ثم قال: اعتذارك مقبول يا ماسة، بس متتعبيش نفسك وتحاولي في حاجه مفيش منها رجا.
ثم أضاف بنبرة خفيفة: وبعدين سيبيني بقى ادخل أشوف المجنون اللي جوه.
اومأت وقالت بخفوت: ماشي…
تحرك وطرق الباب بهدوء، فجاؤه صياح سليم من الداخل بضجر: يا ماسة قولتلك كذا مره مش عايز اتكلم، سبيني لوحدي قولت.
قال بهدوء: أنا مكي يا سليم مش ماسة.
ساد صمت قصير قبل أن يسمع صوت لف المفتاح في الكالون، ثم انفتح الباب، فدخل وأغلق الباب خلفه.
في مكتب سليم
دخل سليم وجلس خلف مكتبه، بينما وقف مكي ينظر للمكان بدهشه!!
كان المكتب هادئا، لا يقطعه سوى دخان السجائر المتكاثف الذي يملأ المكان، وإضاءة خافتة لا هي ظلام كامل ولا نور كافي.
كان هناك سبورة بجانب المكتب، معلق عليها صور العائلتة، أو بالأحرى أعداؤه في الوقت الراهن "فايزة، صافيناز، عماد، عثمان، رشدي"
كل اسم تحيط به دائرة، وعلامات وأسهم تربط بينهم في شبكة معقدة.
كان عماد، وفقا لخطوط سليم المرسومة، يحتل معظم الدوائر، متربعا على رأس المثلث وتتفرع منه الأسهم نحو صافيناز، وعثمان، ورشدي، وكأنه مركز الثقل والمحرك الخفي.
على طاوله مكتب خلفه، كانت تنتشر ملفات كثيرة، كتبت على أغلفتها أسماء جميع أفراد العائلة دون استثناء؛ حتى ياسين وفريدة، لا أحد خارج دائرة الشك.
اقترب مكي وهو يقول بدهشه: ايه اللى أنت عامله ده؟!
نهض سليم ووقف أمام السبورة، وقال ببرود وهي يشير اليها: دى حائط الإنجازات، بس لسه محققتش فيه أي إنجاز !
اقترب منه مكي حتي توقف بجواره متسائلا بحيرة: أنت ليه حاطط دايرة على كل واحد؟ أنا مش فاهم حاجة، أنت ناوي تعمل ايه؟!
اخذ سليم نفسا عميقا نظر له، وقال بنبرة هادئة ولكن مليئة بالدهاء وهو يدخن سيجارة: ناوي ألفههم حوالين نفسه، واطير النوم من عينهم، واخليهم مش عارفين الضربه جيالهم منين.
أخذ يركز النظر في الصور واحدة تلو الأخرى، كأنه يحاول اختراق الوجوه، وقراءة ما وراءها، وفهم كيف يمكنه الانتقام من كل منهم بطريقة لا تلوث يديه، لكن الإعصار في داخله لم يكن يهدأ، بل كان يلتهمه ببطء.
وفجأة توقفت عيناه عند صورة عماد، فتحدث وكأنه يفكر بصوت عالي: أنا متأكد إن عماد هو اللي ورا كل اللى حصل أو هو المحرك؛ لأنه من ساعة ما دخل العيلة وهو نفسه يكون الوزير المفضل للملك، وأحيانا طمعه كان بيعميه ويخليه نفسه يبقى ملك.. فاتجوز بنته عشان يطير الأمراء، بس اكتشف إن في أمير صعب فيهم لازم اللعب معاه يكون بتكتكه..
مرر عينه علي الصور مره أخري، حتي توقفت عيناه عند صورة رشدي، فتبدلت نظراته وصارت موحشة وقاسية: أما رشدي فأنا عارف إنه بيكرهني من زمان، وأي محاولة أذى ليا، أو حتى تهديد لماسة، طالعة من كره قديم، ومن سواد شايله في قلبه من سنين.
مد كفه، ووضعها على الصورة كأنه يخنق صاحبها، ثم التقط قلما، ورسم فوقها علامة (×) حادة، في وعدا صامتا، لا رجعة فيه، وقال بفحيح خطر: بس رشدي أنا عارف كويس هوجعه منين..
مرر عينه على الصور مره أخري، حتى استقرت عيناه علي صورة فايزه، فابتلع ريقه وقال بألم: أما الملكة فايزة هانم، فدي كان هدفها واضح، إن ماسة تبعد عني، لأنها لحد دلوقتي مش قابلة فكرة جوازي بيها، وهم لعبوا على النقطة دي واستغلوها صح.
صمت لحظة، ثم تابع وهو يضع يده على صورة صافيناز: صافيناز بقي، فطول عمرها غلاويه وتعمل اي حاجه علشان خاطر مصلحتها.
توقفت يده عند صورة عثمان، واستقرت عليها بحيرة: بس عثمان ده بالذات اللي هموت وأعرف ليه عمل كده؟! ده فداني مرتين بحياته!! مستحيل تكون فلوس، حتي لو فلوس لو طلب مني أكتر من اللي عماد بيديهوله، كنت أديته من غير تردد .. بس اكيد في سبب وهوصله.
التفت إلى مكي متسائلا: عملت إيه مع عثمان صحيح؟
أجابه مكي بنظرة شرسه: متلقح في المحزن، بس لسه مش عايز ينطق، بس أنا وراه.
قلب سليم وجهه بضجر بعينين حادة: قولتلك مش هينطق غير باللي قولت عليه.
مكي بتردد: بس يا سليم…
قاطعه سليم، وصاح بغضب: بلا يا سليم، بلا بتاع انت تعمل اللي أنا بقولك عليه وبس، فاهم.
تنهد مكي وقال: ماشي هعملك اللى أنت عايزه، المهم فكرت هتعمل معاهم ايه؟
ابتسم سليم ابتسامة شيطانية: أفكاري متلخبطه، بس في حاجه بفكر أعملها بس متردد ولازم تتم من غير أي غلط، هي ممكن تكون بسيطه! بس أنا متأكد إنها هتشد حاجات كتير وراها وهتوصلنا للحقيقة، كأنها طرف خيط، لو اتشد هيجر كل شيء وراه ....
تساءل مكي باستغراب: حاجه ايه؟! ومتردد فيها ليه؟
نظر له بجدية: متردد علشان هتحتاج إني ادخل ماسة فيها، وأنا مش عايز أدخل ماسة في أي حاجة ممكن تضرها.
تساءل مكي بحيرة: يعني إيه؟ مش فاهم.
تنهد سليم: هقولك…
استووووب؟!
دلوقت الكل بدأ يلعب على بعض، عماد والباشا عايزين ينفذوا خطتهم، وسليم دلوقتي خلاص بقت كل الأوراق قدامه، وعنده فكره متردد يعملها، وبردوا هيستخدم فيها ماسة، تفتكروا مين هيوقع مين ؟!