
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم ليله عادل
العودة (عناق الدم)❞
بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ
✧❀༺༻❀✧
{ لا تشبههم، فالأشرار بلا مبدأ، وانتقم… لكن بميزان العقل لا بوحل الغضب. كن ظلا لا يرى، شبحا أسود يسرق الطمأنينة من عيونهم، دون أن تفقد نفسك في الطريق.}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل الرابع والعشرين🤫♥️
[ بعنوان: العقل المظلم ]
نظر إليه سليم بجدية ثقيلة، وكأن الفكرة نفسها تُرهقه قبل تنفيذها، ثم قال بصوت خافت لكنه حاسم: متردد علشان الخطة دي هتحتاج إني أدخل ماسة فيها، وأنا مش عايز ادخل ماسة في أي حاجة ممكن تضرها.
قطب مكي حاجبيه، وقال بعدم فهم: يعني إيه؟ مش فاهمك؟!
تنفس سليم بعمق، ومال بجسده إلى الأمام، مفسرا بدهاء: بفكر أوصلهم للي هما عايزينه؛ إن أنا وماسة بينا مشاكل، وعلى وشك الطلاق.
توقف لحظة، ثم أكمل بصوت أثقل وأكثر دهاء: عايز نأرجع القصر، وأتعمد أطلعها قدامهم بصورة وحشة، أزعق، وأضرب، وبين إن العلاقه ما بينا وصلت للنهاية، واني رجعت زي زمان مش بتعامل غير بايدي، لحد ما تضطر تطلب منهم المساعدة.
ضيق مكي عينه بعدم استعاب، وتساءل: تطلب منهم المساعدة أزاى؟!
أجابه بلا تردد بإبتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه: إنهم يهربوها هي وأهلها..
ثم أضاف بتركيز شديد ببريق يلمع بيعينه: وساعتها، علشان يبقى في تواصل، هيدوها موبايل، الموبايل ده بقى هو مفتاح اللعبة كلها..
رفع مكي حاجبه باهتمام: أزاي؟
اجاب بنبرة واثقة وكأنه يحكم خطته: الأرقام اللي هيتواصلوا بيها مع بعض لازم تبقى معانا، لأن حتى لو هكرت كل تليفوناتهم بكرة، ولا كأنك عملت حاجه؛ لإن مش هي دي الارقام الحقيقية بيتعاملوا فيها مع بعض لما بيبقوا بيدبروا لحاجه.
تساءل مكي بقلق: وهتوصل لإيه لما تمثل أنت وماسة قدامهم انكم مش طايقين بعض.
تنفس سليم بعمق، ثم رفع عينيه نحوه، وفي صوته هدوء ثقيل يخفي تحته عاصفه ودهاء: أول حاجة هعمل لهم اللي هما عايزينه، واعرف هما عايزين يوصلوا لايه من الموضوع ده، غير الحاجات اللي فهموها لماسة، وهعرف كمان كل واحد دوره إيه في اللعبة دي، ومين عمل إيه، مين بيحركها، ومين بينفذ، ومين بيتفرج، ومين رأس الافعى..
ثم شدد صوته، هو يعود بظهره للخلف بإبتسامة شيطانيه: وأهم خطوة إن المكالمات كلها هتبقى معانا ساعتها هنسمع اللي محتاجين نسمعه، لحد ما أمسك على كل واحد فيهم شوية حاجات تنهيه.
هز مكي رأسه متسائلا باستغراب: طب ما أنت ماسك على عماد إنه متجوز سارة، ودي لوحدها كفيلة تنهيه، صافيناز هتقتله بإيدها من غير ما توسخ إيدك.
هز سليم رأسه رافضا تلك الفكرة، قال بنبرة حاسمة: مش هحرق نفسي بدري، لو عملت كده دلوقت، مش هستفيد حاجة! ورقة سارة دي هتبقى آخر ورقة ألعب بيها، بعد ما أعرف كل اللي محتاج أعرفه وأوصل لكل حاجة..
توقف لحظة ثم تابع بنبرة أعمق وأقسي: وزي ما أنت قولت، صافيناز لو عرفت اكيد هتقتله، وقتل صافيناز ليه مش هيشفي غليلي يا مكي...
رفع عينيه وفيهما نار مكبوتة، وخرجت كلماته بكرهيه: أنا مش عايز موتهم يجي بسرعة، أنا عايزهم يدوقوا من العذاب إللي أنا دوقته، وزي ما هما داسوا على نقطة ضعفي، أنا كمان هعرف أزاى أوجع كل واحد فيهم من نقطه ضعفه.
أبتسم إبتسامة خالية من أي دفء: ولما استكفي من عذابهم، يبقوا يقتلوا بعض، مش فارقلي..
استوحشت عيناه وتابع: لكن الموت دى راحه، هخليهم بيتمنوها ومش طايلنها.
صمت مكي لوهلة، كأنه يزن الخطة في عقله، شعر أن سليم على صواب؛ فحرق كل شيء دفعة واحدة لن يفيده في شيء، نعم، سيتخلصون من عماد وصافيناز، لكنهم لن يحصلوا على جميع المعلومات التي يبحثون عنها، خصوصا عن ما يخص الحادثة، تلك النقطة التي يشكون أنها المفتاح الحقيقي لكل ما يحدث.
هز رأسه، وقال مؤيدا بنبرة هادئة لكنها محسوبة: عموما، الفكرة حلوة بس لازم تتعمل بالمظبوط، علشان يصدقوا إنكم فعلا عندكم مشكلة كبيرة وإن الطلاق هيبقى حقيقي..
ثم نظر له بترقب، وتساءل: طب أنت اتفقت مع ماسة؟
أشاح بوجهه إلى الجهة الأخرى، والحزن يثقل ملامحه، حتى الآن لم يستطع مسامحتها؛ قلبه يئن وجعا لأنها لم تصارحه طوال تلك السنوات، صحيح أنها كانت محقة في خوفها، لكن ذلك لم يخفف من انزعاجه ولا من مرارة ما يشعر به.
رد سليم بجمود، ممتزج بمرارة واضحة: متكلمتش معاها من ساعة ما جينا، زعلان ومتعصب منها جدا.
تنهد مكي ومال للامام، قائلا بهدوء وعقلانية: طب بالعقل كده، أنت مستني منها تقولك أزاى بعد كل اللى عاشته دى؟
انتفض سليم بانفعال، وحدق فيه بنظرة حادة: يعني إيه هتقولي أزاي؟ أنت كمان هتعصبني؟
رفع مكي يده مشيرا لتهدئته، وصوته أصبح أهدأ: طب أهدي، أنا كمان اتضايقت، بس لما فكرت شوية وأنا برا، حسيت إنها عندها حق.
رفع سليم عينيه نحوه بضجر، ولكن مكي لم يتوقف وأكمل مفسرا بنبرة آسفة: جابوها من نقطة ضعفها يا سليم، وأنت عارف كويس، نقطة الضعف دي بتعمل إيه في أي إنسان، مهما كان جبروته.
تابع بهدوء يحمل معرفة طويلة: أنت نفسك يا سليم يا راوي، معرفتش توصل للحاجه بعد الحادثة، لأنك مش عارف تدور الا بالطريقة اللي ممكن تخليك تستخدم طرق زمان، اللي بسببها ممكن تخليك تخسر ماسة.
صمت لحظة، ثم تابع: زمان كنت بتدخل أي حاجة بقلب جامد، لأن مكانش عندك حاجة تخاف تتوجع عليها، بس بعد ما ماسة دخلت حياتك، بقيت بتحسب كل خطوة ألف مرة.
نظر له بثبات، وأضاف: فتخيل بقى ماسة وهي أصلا ضعيفة من جواها وخبرتها قليلة في الحياة، هتعمل إيه لما تتحط في نفس الموقف؟
نظر إليه سليم بصمت للحظة، وكأن الكلمات غرست في قلبه، كان يعرف معنى أن تكون للمرء نقطة ضعف، فيُضرب منها بلا رحمة، لكنه، كأي زوج، كان يتمنى أن تراه زوجته حصنا لها تستمد منه القوة لا وهنًا، ولا تسمح لأحد بأن يتجرأ عليها مثلما فعلوا.
تنفس سليم بعمق، وكأنه يحاول كبح نار مشتعلة داخله، مرّر يده على وجهه، ثم قال بصوت مثقل: أنا عارف وفاهم ده كله، بس كان نفسي تقولي، كان نفسي مراتي تكون قويه بيا ومتخافش، واللي يقولها كلمه ترد عليه ب10 ويخافوا منها ويعملوا لها حساب، كان نفسي تقولي، كنت هقدر أحميها..
صمت لوهله ثم قال: بس أنت عندك حق هما جابوها من نقطه ضعفها..
رفع عينيه قليلا، نظرة فيها مرارة واعتراف موجع:
وفعلا طلعوا أقوى بكتير ما كنت متوقع، وأنا غروري وكبريائي كانوا عاميني، وخلوني متوقعتش إنهم يوصلوا للقذارة دي...
ضغط على أسنانه، وعض شفته السفلى بعصبية وهو يهز راسه: بس هي مش قوة ولا جمدان منهم إنهم يأذوا ماسة كده لا، هما بس لعبوا لعبة مستحيل تيجي في دماغي، لعبة قذرة، اللي يدخل للست من خوفها، ويكسرها بالطريقة دي، ده واحد ضعيف مش قوي..
وقف فجأة، تحرك خطوتين في المكان ثم استدار بعينين تقدحان شررا: إنما أنا بقى هوريهم القوي بيعمل إيه، وهلاعبهم بلعبتهم وأدوقهم من نفس الكاس، بس بمعلمة..
نهض مكي توقف أمامه ونظر له بثبات، وقال وهو يربت على كتفه: هنعمل كل اللى أنت عايزه، بس إهدى على ماسة هي غصب عنها برضو..
صمت سليم لحظة، ثم أومأ برأسه ببطيء، كأنه يجبر نفسه على الهدوء.
وفجأة رفع صوته، بنبرة فيها شيء من السخرية الخفيفة: ادخلي يا ماسة، أنا شايفك من تحت عقب الباب…
كانت ماسة بالفعل واقفة، تتصنت عليهم خلف الباب، وحين استمعت لصوته ارتسمت إبتسامة واسعة على وجهها، فتحت الباب، ودخلت وهي تقول بخفه: على فكرة مسمعتش حاجة، صوتكم كان واطي.
نظر لها سليم نظرة طويلة، فيها بقايا غضب، وحب، ووجع لم يهدأ بعد، ثم قال بهدوء مقصود: طب تعالي اقعدي..
جلس على المقعد بينما جلست هي على الأريكة متشابكة الأصابع، وعيناها معلقتان بوجهه بحذر، وجلس مكي على المقعد أمام سليم.
انحنى سليم قليلا للأمام، وأسند كوعه على ركبتيه، وقال بنبرة جادة: قولي لي ايه رأيك في الخطه اللي أنا قولتها لمكي، أنا فعلا محتاج مساعدتك.
نظرت له وحاولت تصنع عدم الفهم، وقالت بمرواغه: انا مسمعتش حاجه، خطة إيه.
تنهد بضجر ونظر لها: متحوريش يا ماسة أنا عارف انك سمعتي، ايه رأيك، موافقة؟!
نظرت إليه، وقالت بتردد: أننا يعني هنمثل عليهم؟ نبان قدامهم إننا مش طايقين بعض؟
ابتسم إبتسامة خفيفة، وقال بثقة: بالظبط، وأنتِ طبعا بتحبي التمثيل، و أكتر واحدة هتعرف تلعب الدور ده.
صمتت لحظة، ثم رفعت عينيها نحوه وهي تزم شفتيها بأسف: أنا موافقة أعمل اللي إنت عايزه، والفكرة عجباني، بس مش هتنفع، في حاجة تايهة عنك.
نظر لها سليم ومكي باستغراب وهما يعقدان حاجبيهما، سألها مكي متعجبا: ليه؟ مش هتنفع؟!
شبكت أصابعها بتوتر، وقالت موضحة بإبتسامة صغيرة مترددة: علشان ببساطة، هما شافونا كذا مرة كويسين مع بعض، وقت ما كنت فاقدة الذاكرة، وفي حفلة خطوبة رشدي، ولما روحت معاه المجموعة، وفي الفرح امبارح كمان، فأزاي بقى فجأة كده هنروحلهم ونقنعهم إننا مش طايقين بعض؟
ضرب مكي بكفه على فخذه: صح! أزاي نسينا الموضوع ده؟!
لكن سليم كان له رأي آخر، ملامحه لم تتغير، وكأنه واثق تماما من الخطة التي وضعها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية خفيفة: هتنفع عادي جدا.
نظرت إليه ماسة باستغراب، ثم اندفعت كلماتها بقلق واضح: أزاي يا سليم؟! رشدي شافني وأنا خايفة عليك! أنا وقفت قدامه وقولتله تفتكر إيه اللي يخليني مناديش لسليم وأقوله على كل القرف اللي أنت بتعمله ده؟
صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت أخفض: قالي هقتله، ومش هعز رصاص مسدسي عليه.
اسودت عيناه: بقي هو قالك كده، ماشي، هنبقي نشوف مين فينا اللى مش هيعز رصاص مسدسه على التانى.
نظرت إليه بارتباك وقلق: لا يا سليم أنت مش كده، أنت وعدتني مش هتعمل حاجه حرام ولا هتقتل حد تانى، وسليم مش بيخلف وعوده.
أشاح بنظره وقال بهدوء محسوب وهو يهز رأسه، كأنه يلقي حكما نهائيا: خلينا في موضوعنا، قوليلهم إنك كنتي بتمثلي، وأني كنت مهددك بأهلك، وبالمعاملة اللي هعاملهالك قصادهم اللي هتوصل أحيانا للضرب، هيصدقوا.
اتسعت عيناه بصدمة: ضرب؟!
هز رأسه بخفة: كده وكده يعني يا ماسة، مش هضربك بجد، هنظبطها سوا.
تدخل مكي وهو يفرك ذقنه بتفكير: هو الموضوع على قد ما هو حلو، بس فعلا لازم يتعمل صح.
أكمل سليم، ناظرا إلى ماسة بثبات: زي ما قولت يا ماسة، إحنا هنرجع القصر، وأنتِ تبقي هتكوني مكشرة، هما أكيد هيستنوا اللحظة اللي أكون مش موجود فيها، ويستفردوا بيكي، وقتها هنسمع كل حاجة وأنا هبقى معاكي.
تنفست بعمق، ثم قالت محاولة إخفاء قلقها بابتسامة خفيفة: أنت مش قلقان؟
نظر إليها بجدية: ماسة أنا مش بجبرك علي حاجه لو خايفه ومش عايزه خلاص، ونشوف أي حل تانى.
هزت رأسها نافيه وقالت بثقه وهي تنظر داخل عينيه بثبات وعشق: لا مش خايفه طول ما أنت معايا يا سليم، ومتأكده إنك مش هتسمح إن حد فيهم يعملي حاجه، أنا بس محتاجة أظبط الموضوع علشان أمثل صح ويقتنعوا.
ضحكت بخفة محاولة كسر حدة الأجواء: بس متقلقش عليا، هتفرج على كام مسلسل وفيلم قبلها، وهبهرك.
ضحك سليم، وهو يهز رأسه: لا، مادام هتتفرجي على مسلسلات، أنا منبهر من دلوقتي.
سألته ماسة، وقد عاد القلق يطل من عينيها: طيب وأنت ناوي تعمل إيه معاهم؟ يعني بعد ما تعرف كل حاجة؟
سكنت ملامحه فجأة، وخفتت ابتسامته، وصار صوته أثقل وهو يقول: بصي رشدي أنا خلاص عرفت هعمل فيه إيه.
توقف لحظة، كأن الفكرة تستقر داخله، ثم قال ببرود قاتل بعينين تشتعل بغل: هحرقه بمي، زي ما حرقني بيكي.
لكن صوته انخفض أكثر قائلا بشيطانيه: بس أنا مينفعش أروح لمي وإيدي فاضية، لازم أروح وأنا معايا كتير، وحقيقي مش مزور..
زفر بحدة، وهو يعض على شفتيه: مشكلتي إني مكنتش قذر زيه، ولا فكرت أمسك عليه صور وفيديوهات بكل القرف اللى كان بيعمله زمان..
صمت لحظة، ورفع عينيه بثقة مظلمة: بس عمومًا هدور في الدفاتر القديمة، وهو كده كده مش هيمشي عدل كتير، ده نجس...
ثم أضاف ببرود: أما عماد وصافيناز؟ معايا ورقة تخليهم يخلصوا على بعض..
رفعت حاجبيها بدهشة: ورقة إيه؟
رد سليم بلا تردد: عماد متجوز على صافيناز صاحبتها الانتيم.
اتسعت عينا ماسة: ينهار أبيض! أمال الحب اللي بينهم ده إيه؟
ابتسم ابتسامة جانبية باردة: تمثيل يا حبيبتي.
ثم أكمل بجدية: المهم نروح ونمثل، ونجمع كل المعلومات اللي محتاجينها، وبعدين نشوف هنعمل معاهم ايه.
قالت ماسة بصوت مكسور بطيبه: أنا مي صعبانة عليا أوي..
نظروا إليها باستغراب، كيف لها أن تقول ذلك بعد كل ما فعله رشدي معها؟ فهي تملك قلبا أبيض، لا يحتمل فكرة الانتقام من أشخاص لم يرتكبوا الذنب كاملا.
ردت على نظراتهم بسرعة، وكأنها تدافع عن نفسها: متبصوليش كده..
تنهدت بعمق موضحه بنبرة مريرة: بجد صعبانة عليا، شكلها بتحبه، وبجد حرام، متستاهلش اللي هيحصل ده..
سليم بجمود واضح: ميصعبش عليكي غالي.
هزت رأسها، ومالت نحوه وقالت برجاء يملؤه الطبيبه: لا يا سليم، بجد حرام بلاش، بلاش مي، هي ملهاش ذنب حاجة.
تدخل مكي بدهشة: أنتِ اللي بتقولي كده؟
أومأت بقوة بعينين تترقرق بالدموع موضحه بنبرة متأثر: أيوه، لأني أكتر واحدة فاهمة الإحساس ده وعارفاه كويس..
رد سليم بنبرة أبرد، كأنه يبرر لنفسه قبلهم: أنت كمان مكانش ليكي ذنب، هو اللى بدأ، وبعدين أنا مش وسخ زيه، أنا مش ههددها..
ثم أضاف موضحا بنبرة باردة: أنا بس هعرفها تاريخه الاسواد، هي بقي تسامح متسامحس مليش دعوه..
ابتلعت ريقها، وقالت بصوت موجوع: بس برضو إحساس إنك تتخذل في اللي بتحبه ده إحساس بشع..
نظرت له في عينيه مباشرة وهي تشير نحو قلبها بوجع: بيسكر القلب صدقني..
صمتت لحظة، وكانها تتذكر ما عشته من وجوع وخوف وخذلان وانكسار، وقالت بمرارة: أنا جربته وعشته..
دمعت عيناها: وبيقتل ألف مرة أكتر من أي تهديد.
تنحنح مكي وقال بواقعية قاسية: يا ماسة، لازم تفهمي الدنيا دي لازم تعيشي فيها قرش.
هز كتفيه كأنه يجعلها أن تتدرك قساوه الحياه: لو فضلتي فيها سمكة هتتاكلي..
ردت بشمئزاز وضيق: دي قوانين غابة.
رفع سليم رأسه، وصوته خرج منخفضا لكنه واقعيا وهو ينظر داخل عينيها: هي فعلا غابة، سبق قولتك كتير الدنيا مش فستان بورد مليان فراشات..
نظراته اسودت وهو يضيق: هو مرحمنيش، ولا رحمك.
مال نحوها أكثر، ونبرته تقطر غضبا: كان ممكن يوجعني من أي حتة باي طريقه تانيه..
ثم شد على كلماته بقرار لا راجع فيه: بس هو اختار يوجعني بيكي، يبقي يتحمل نتيجه اختياره، العين بالعين والسن بالسن والبادي اظلم، الموضوع منتهي عقاب رشدي هو اللى اختاره بأيده، مش ناقص بس غير إني أجمع شويه صور وفيديوهات علشان تصدق.
تبادلت معه النظرات للحظة طويلة، كانت تعرف أنه محق، لكن قلبها كان يرفض أن يظلم أحد آخر كما ظلمت هي، أرادت أن تأخذ حقها لكن بطريقة أخرى، أقل قسوة ووجعا لإنسانة بريئة لا ذنب لها، غير أن الواقع بدا كجدار مصمت، لا يترك لها خيارا ثالثا تعرف سليم جيدا لم يغير قرارة مهما حدث.
تنهدت بعمق، ثم هزت رأسها بإيجاب بطيء، ونظرت إليه بنظرة تحذير صادقة: المهم، أوعى تظلم، أو تتحول من مظلوم لظالم.
رد بهدوء مختصر، وكأنه يحسم الأمر: متقلقيش.
تنفست بعمق، ثم قالت بخفة وقد عاد الحماس لعينيها: طيب هنبدأ إمتى؟ أنا متحمسة أوي..
نظر لها بصرامة مشوبة بالقلق: مش هتدخلي القصر غير وأنتِ لايف معايا على التليفوني، أمانك أولا.
ثم أضاف: واعملي حسابك هتلبسي إسورة تتبع.
هزت رأسها بثبات: ماشي..
تابع سليم بعملية وهو يشير بيدها نحو: مكي يوم الأحد هيركب المكرفونات والكاميرات في القصر، ومن بعدها هنبدأ.
قالت ماسة باستغراب: طب ليه مش بُكره؟
تنهد موضحا: علشان بُكره مش كلهم بيروحوا المجموعة، إنما يوم الأحد هيبقوا كلهم هناك علشان اجتماع مصنع البترول الجديد فخلينا بعد بكرة، علشان يبقي القصر فاضي ومكي يقدر ينفذ بهدوء من غير ما حد يحس بحاجه.
نظر إلى مكي وقال: زي ما قولت يا مكي، يوم الأحد تنفذ في وقت الاجتماع، مش عايز خرم ابره في القصر مش متراقب، وأنا هحاول اقعدهملك في الاجتماع على قد ما أقدر.
قاطعته ماسة برجاء: طب طالما هنروح بعد بكره، ممكن بكره نروح عند ماما؟
نظر لها باستغراب، فنظرت له برجاء وقالت موضحه: لازم نروح ونفهمهم أنا ليه وديتهم هناك..
رد سليم بسرعة، بنبرة حاسمة: يا ماسة مش وقته، وبعدين أنا بُكره ناوي أروح أشوف عثمان ونقرّره..
مالت نحوه، وقالت بإصرار ورجاء: مفيهاش مشكلة يعني لما نروح لماما بدري، ولما نرجع تبقي تروح تعمل اللي أنت عايزه مع عثمان ده..
ابتسمت بحنية تحاول اقناعه وهي تمسك يده: يا سليم يا حبيبي أنا إمتى هروح لأهلي وأفهمهم وأطمنهم؟ مش إحنا أول ما مكي يزرع الميكروفونات المفروض نروح القصر عشان نمثل؟
نظرت له وكانه وتفسر له: وأنت طبعا هتحبسني زي زمان، والله أعلم هنخلص إمتى..
اوما برأسه إيجابا بصمت، فقالت بهدوء وعقلانية: طيب واللي هناك دول مش لازم يفهموا إيه اللي بيحصل، خصوصا إخواتي، أنت عارف دماغهم عاملة إزاي؟!
نظر لها طويلا، وصدى كلامها انعكس في عينيه لكنه مازال متردد.
تنهد، مكي ثم أمال رأسه موافقا وهو يشير بيده: ماسة بتتكلم صح، بُكره أنسب وقت، أنا أصلا بُكره هبدأ أشتري وأظبط موضوع المايكات مع المهندس، وأشوف كل اللي هنحتاجه بالكميات، فعلي ما أخلص تكون أنتم رجعتوا
هز سليم رأسها فورا وقال بحسم: لا، أنت هتيجي معايا..
أومأ مكي موافقا: مش مشكلة، أنا هظبط مع المهندس، وأبقى أروح أشوفه، وبعدين نطلع سوا عند عثمان..
ابتسمت ماسة فجأة، وبنبرة لعوب قالت: بقولك إيه يا سالوملوم، ما تيجي نقوم نمثل مشهد من اللي هيحصل في القصر؟
تنهد سليم بزهول، من أفعالها الطفوليه: شوفي بتقول إيه، وإحنا في إيه..
نهضت وجلست على ذراع المقعد، تميل ناحيته بعينين لامعتين: إيه المشكلة يعني؟ هو إحنا مش هنمثل؟ نجرب، ومكي يقيم.
رفع حاجبيه باستنكار: يا ماسة، بطلي لعب، إحنا في مصيبة..
ضحكت بخفة، لكن صوتها خرج صادقا: على فكرة، أنا حاسة بالمصيبة دي وعايشاها بقالي سنين..
نظرت له برجاء: اسمعني والله دي فكره حلوه لازم نجرب.
ابتسمت بمكر: خليك معايا، نجرب كده، نشوف الضرب هيبقى عامل إزاي.
أضافت بمزاح: صوتك وطريقتك! وحوار الضرب ده بالاخص، لأن أنت إيدك طرشة بصراحه.
اتسعت عيناه قال معلقا: طرشة؟! ايه اللفظ ده تدني في اللغة فظيع!
ضحكت وهي تهز كتفيها، وقالت بطريقة الاستقراطيه مازحه: خلاص إيدك بتوجع جامد، كده حلو؟
ضحك رغما عنه، وضرب كفا بكف: حاضر يا ماسة، هنمثل مع بعض في أوضتنا، براحتنا.
ثم أضاف وهو يتنهد: ممكن بقي تسبينا نركز في اللى إحنا فيه.
قرصته من خده وهي تضحك: والله إحنا هنبقي كابلز تحفة، المنتجين هيتخانقوا علينا..
ابتسم مكي، وهو ينهض: طيب، أنا هسيبكم تكملوا بورفات، وهقوم أشوف الحاجات اللى ورايا، في حاجة تانية عايزها مني يا سليم؟
نظر إليه بابتسامه، وهز برأسه: لا، تمام.
هز مكي رأسه بإيجاب، وربت على كتف سليم بدعم وغادر، بينما ماسة أمسكت يد سليم، ونظرت داخل عينيه بعشق صادق: حبيبي، أنا هعمل عشا لازم تاكل.
شدت على يده: وحياتي يا سليم، إنت من امبارح مكلتش، وأنا مستنياك وجوعت أوي.
أدار وجهه قليلا: مش قادر مليش نفس، كلي إنتِ.
اقتربت أكثر، وقالت بإصرار حنون: لا، هناكل سوا.
ثم سألت بخوف خفي وهو تمد يدها على وجهه: وحياتي، ولا أنت لسه زعلان مني؟
تنهد ونظر لها وهو يمد وجهه باسف موضحا: مش زعلان، بس واخد على خاطري.
أضاف بعتاب: مكنتش أتمنى تبقي ضعيفة ومش واثقه فيا كده بعد كل السنين دي.
خفضت رأسها: أنا آسفة.
رفع وجهها بين كفيه، صوته خرج أهدى لكنه حاسم وهو ينظر داخل عينيها: ماسة إنتي مينفعش تخافي
ثم قالها بعمق: مراتي مينفعش تخاف من حد
اقترب أكثر: لازم تستقوى بيا، وتعرف إن وراها جيش يقدر يحميها.
نبرته كانت وعدا: أوعي تخافي من حد تانى، وثقي فيا مستحيل أسمح أن حد ياذيكي او يأذي اهلك تاني.
هزت رأسها بإيجاب، وابتسامة مرتعشة عبرت دموعها: أنا بثق فيك يا سليم.
اقتربت منه، ووضعت قبلة عميقة على شفتيه، تبادلاها بحب، كأن كلا منهما يسحب من الآخر قوة ودعم.
وبعد لحظات، ابتعدت ماسة ببطء: هروح أحضر العشا.
هزّ رأسه بإيجاب، فنهضت وهي تتحرك ببطء، تتطلع إليه بنظرة دافئة، ثم مازحته: حضر نفسك للمشهد.
ابتسم لها ابتسامه صغيرة، بينما ألقت قبلة في الهواء بخفة، محاولة أن تخفف عنه ثقل قلبه، ثم استدارت ومضت.
وبقي جالسا مكانه، يراقبها وكأن قلبه هدأ قليلا،
لكن العاصفة لم تنتهِ بعد.
على اتجاه آخر، لم ينتظر مكي طويلا.
ضيق الوقت لم يكن في صالحه، وأي تأخير قد يكلفهم ما لا يحتمل، لذلك بدأ فورا بتنفيذ أولى خطواته
فوضع جميع الحراس، بلا استثناء، تحت المراقبة الدقيقة تم اختراق هواتفهم، وتتبع تحركاتهم الرقمية، وفحص حساباتهم البنكية وحسابات عائلاتهم، بحثا عن أي مال مشبوه أو أثر لا يليق بحياتهم الظاهرة.
ففي نظر مكي، الخيانة قد لا تقال لكنها دائما تترك رقما خلفها وبالطبع ذلك الامر يستغرق وقتا طويلا لذلك فكر أن يقوم بعمل اختبار لخمسه من الحراس، مستهدفا أكثرهم قوة ونفوذا، وأولئك الذين بدوا ـ ظاهريا ـ الأكثر مصداقية.
❤️________________ليلةعادل
قصر الراوي10:00 مساءً
الجست هاوس
كانت نالا تجلس على الأرض تمسك التابلت بيديها الصغيرتين، وتتحدث عبر الشاشة مع لوجين وياسين، اللذين بدا أنهما في محل ملابس.
كانت الابتسامات بينهما مشرقة وبريئة، وقالت لوجين وهي تمسك فستانا بحماس: اجبلك الأحمر ولا الأصفر؟
نالا بتفكير طفولي: مش عارفة، الاتنين حلوين.
ثم ذمت شفتيها قبل أن تسمع رد لوجين: خلاص، هجبلك الاتنين، وهجيب واحد بينك ليا وليكي نفس الموديل علشان نبقي نلبسهم سوا.
نالا بفرحة واضحة: ماشي.
ياسين مبتسما: نونو حبيبتي، هقفل دلوقتي وأكلمك تاني، أوكيه؟
نالا: ماشي، باي يا جوجا.
أغلقت نالا التابلت، وفي تلك اللحظة دخلت هبة تحمل بين يديها كوب شوكولاتة ساخنة.
هبة بحماس: عملتلك الهوت شوكلت.
نالا ببراءة: ميرسي يا مامي.
جلست هبة أمامها، تتصنع الهدوء: كنتي بتكلمي مين؟
نالا وهي تعبث بالتابلت: كنت بكلم بابي وجوجا، جابتلي بلوزة صفرا وحمرا، وفستان بينك زيها نلبسه مع بعض، أنا بحبها أوي.
رفعت هبة حاجبها ببطء، ومرت الغيرة في عينيها كوميض خاطف: وانتِ ليه بتحبي لوجين؟
نالا بطفولة صافية: علشان عسولة.
صمتت هبة لحظة، كانت تعرف أن الوقت قد حان، إن أرادت إخراج نالا من القصر، فعليها أن تبدأ من هنا، من قلب الطفلة، ومن مشاعرها تجاه لوجين، وحين يعود ياسين ستكون الكراهية قد زُرعت جذورها.
هبة بنبرة هادئة تحمل خبثا ناعما: أمم، بس أنا عايزة أقولك حاجة، بلاش تحبيها أوي؛ علشان هي مش بتحبك.
نظرت اليها نالا باندهاش، وهزت رأسها باصرار: لا جوجا بتحبنى، وبتجيب لى لعب ولبس وحاجات حلوه كتير.
واصلت هبة بسم مغلف: كانت بتعمل كده علشان عايزة بابي يحبها، وتاخده منك وبس، هي بتعمل كده قدامه، لكن لو عملتي حاجة غلط هتحبسك في أوضة ضلمة،
وتكسر لعبك كلها.
اعترضت نالا بسرعة، بملامح مرتبكة: لا جوجا بتحبني يا مامي، مش هتعمل كده.
نزعت هبة التابلت من يدها بحزم خفيف: لا يا نالا، مش بتحبك، وهتعمل كده، وأنا جيت هنا عشان مخليهاش تعملك حاجة، واحميكي منها.
نالا ببراءة مترددة: بس هي بتجبلي لعب كتير.
ابتسمت هبة ابتسامة جانبية خبيثة: ما قولتلك كانت بتعمل كده علشان تضحك على بابي وتفهمه إنها بتحبك، وتاخد بابي منك زي ما أخدته مني، هي حرامية.
نظرت نالا لها بخوف خفيف: بس بابي بيحبها يا مامي، وهي طيبة خالص.
اقتربت هبة وهمست بتحذير: المهم خدي بالك، وأوعى تعملي حاجة غلط، علشان متحبسكش في أوضة ضلمة.
نالا بصوت خافت مرتعب: حاجة غلط زي إيه؟
عدت هبة على أصابعها: يعني تنامي جنب بابا زي زمان،
تخرجي معاهم، تكسري حاجة، تلعبـي بمكياجها…
ثم أضافت بابتسامة قاتمة: ساعتها هتحبسك في أوضة ضلمه، وتكسر لعبك.
ارتجف قلب نالا قليلا، بينما ابتسامة هبة باتساع، وشعرت أنها دقت أول مسمار في النعش.
تساءلت نالا بارتعاش: طب واعمل ايه يا مامي؟!
ضمتها هبة بحنو وقالت ابتسامه ماكرة: متخافيش يا روحي، أنا طول ما أنا معاكي لا يمكن أخلي حد يعملك حاجه ابدا.
صمتت قليلا ثم تابعت بمكر: بس يا نونو، عايزاكي لما بابي يكلمك تانى عيطي وقوليله إنك مش عايزه تعيشي هنا، وإنك عايزه تيجي معايا ونعيش عند نانا سامية وجدو زيدان، ماشي ؟
هز نالا رأسها بخفوت وخوف وهي داخل أحضانها: حاضر يا مامي.
ربتت هبة عليها بابتسامه منتصره وقالت: شطوره يا روحي.
فيلا سليم وماسة، 11:00 مساءً
كانت ماسة انتهت من تحضير الطعام، ثم وضعته على السفرة، ونادت سليم ليتناول العشاء.
جلس أمام الطبق، لكن يده كانت ثقيلة، يعبث بالشوكة دون شهية واضحة، لم يغب ذلك عن عيني ماسة، التي راقبته في صمت لحظة، ثم قالت بنبرة حنونة: سليم أنت لازم تاكل.
رفع عينيه إليها، ثم عاد ينظر إلى الطبق وهو يحرك الشوكة ببطء: والله يا ماسة ما قادر.
اقتربت منه أكثر، وقالت بإصرار لطيف: لا، هتقدر علشان خاطري.
نهضت من مكانها، وجلست على قدمه، وأحاطت ذراعيها برقبته، ثم نظرت إليه بدلال واضح: هناكل سوا، وهتأكلني بإيدك كمان.
أمسكت بالشوكة، وضعت قطعة جبن فيها، ثم أدخلت الشوكة بين أصابعه وهي تبتسم: اكلني.
ابتسم رغم تعبه وأطعمها فضحكت بخفة، ثم قطعت قطعة لانشون وقدمتها له بنفس الطريقة، تردد لحظة، ثم أكلها، وقال وهو يزفر بتعب: خلاص بقى، بجد مش قادر.
رفعت حاجبيها بتحدي مصطنع: هو إيه اللي مش قادر؟ هتاكل يعنى هتاكل، أنا عامله حاجات خفيفه، يلا كل بدل ما أنيمك على الأرض والجو برد.
وبإصرار ممزوج بالدلال، بدأت تطعمه؛ مرة بالتحايل، ومرة بالضحك، ومرة بنظرة دافئة لا تقاوم، حتى انتهى الطبق أخيرا.
بعدها، نهضا معا، وصعدا إلى غرفتهما، وقد خفّ عن قلبه بعض ما كان يثقله.
غرفة سليم وماسة
دخلا الغرفة معا، وفور دخولهما ذهبت ماسة لتجلب له بيجامة وقالت بابتسامة خفيفة: تعالى الأول خد حمام، أنت من الصبح مغيرتش هدومك.
رد بوجه شاحب: لا، أنا مش قادر دلوقتي، هلبس علطول وأنام.
مسحت ماسة جبينه وقالت بلهجة حازمة: وأنا قولت هتاخد حمام علشان تهدى شويه، يلا.
أمسكت يده ورافقته إلى الحمام، فتحت الصنبور وملأت البانيو بالمياه الدافئة، ثم اخذت تساعده في خلع ملابسه، ثم ساعدته في التمدد لكي يسترخي وكان مستسلما لها بشدة..
أخذت تسكب المياه على شعره وجسده بلطف، تحاول أن تخفف عنه ثقل اليوم وضعت الشامبو على شعر وأخذت تمسح على شعر وجسده بيدها برفق بعينين تحمل حبا خالصا، لكن سليم كان علقه بعيدا تمام، لم يتبادلون أي حديث.
وبعد الانتهاء، ساعدته على ارتداء ملابسه، ثم قامت بتمشيط شعره ورش عطره، كأنها أم تهتم بابنها بحب وحنان.
بعد الانتهاء قالت بمغازل: بقينا قمرات.
ثم وضعت قبله على خده.
رفع عينه عليها و تحدث أخيرا بامتنان: تسلم ايدك يا حبيبتي.
توقفت أمامه بابتسامة مرحة: بص احنا أكلنا، وأخذنا الحمام، ولبسنا، يلا نعمل بقي المشهد يا كراميل.
جلس على الفراش بابتسامة مثقلة: يا بنتي، بطلي عبط واقعدي بقي.
رفعت ماسة حاجبها باستنكار: هو إيه اللي عبط؟ لازم نتدرب بجد، مش هينفع نروح كده مرة واحدة.
رفع سليم قدمه وتمدد على الفراش، وشبك يديه خلف رأسه، وهو ينظر للأعلى: والله يا ماسة ما قادر على شقاوتك دلوقتي خالص.
نظرت له بعينين مملوءتين بالفضول والحرص، لكنه نظر لها بطرف عينه، وكأنه يترجاها ألا تثقل عليه: وحياتي بلاش النهارده، دمي مش خفيف، وممكن أعمل حاجة تزعلك.
رمشت بعينيها، شاعرة به ومتفهمة لما يمر به، لكنها في الوقت ذاته كانت تشعر بمسؤولية تجاهه، لم تكن تريد سوى أن تخفف عنه ما يثقله، ومع ذلك لم تزح ابتسامتها عن وجهها، وقالت بلطف ودلال: هسيبك ترتاح النهارده بس بكرة هنبدأ بروفات فاهم.
سليم بهدوء متعب: آه، بكرة، بس دلوقتي ننام.
ابتسمت بهدوء وذهبت لتبديل ملابسها، لكنها كانت تتابعه بعينين حذرتين، تشعر أنه لا يزال غارقا في أفكاره ونيران قلبه مازالت تشتغل داخله، بعد أن انتهت، تمددت على الفراش بجانبه، ومازال ينظر للسقف بعينين مشوشتين.
وضعت يدها على قلبه وكأنها تربت عليه: اهدى، علشان خاطري، اهدى.
نظر لها بعينين متعبتين: مش عارف يا ماسة، روحي وجعاني اوي.
رفعت جسدها واقتربت منه، ومالت بجسدها عليه، وقبلته بخفة: سلامة روحك يا حبيبي، يا احلى كراميل، سليم احنا لسه مع بعض، وده كفايه.
نظر في عينيها لوهلة، وكأنه يتوسلها بصمت، قال بحب، وعيناه وقد غامت بدموع حبيسة، وهو يضع كفه على وجنتها برفق: ماسة، أوعديني مهما حصل ومهما عملوا، تكوني قوية، وتحمي نفسك، ومتخليش حد يستغلك كده تاني.
ابتسمت وهي تهز راسها بإيجاب: وعد، مستحيل أغلط الغلطة دي تاني، بس علشان خاطري، ريح قلبك شويه، إحنا خلاص بقينا كاشفينهم.
تنهد تنهيدة طويله مريرة: مش قادر.
ابتسمت بتشجيع: لا هتقدر، سلوملوم حبيبي قوي ويقدر علي أي حاجه.
تبادلا النظرات للحظه، وشعرت أنه يحتاج إلى ما هو أعمق من الكلام، وأكبر من النظرات، وأصدق من أي طبطبة عابرة؛ شيئا يخفف عنه ثقل ما عرفه ذلك اليوم، ويسكن نارا تشتعل في صدره، راودها شعورا بأن قربهما في تلك اللحظة قد يهون عليه ولو قليلا، فاقتربت منه، ووضعت قبلة دافئة على شفتيه، قبلة امتدت في صمت حنون، لا رغبة ولا اندفاعا، بل دعما وطمأنينة.
أخذت تطيل قبلتها بحرارة، وراحت قبلاتها تهبط إلى عنقه، ثم شرعت تفتح أزرار بيجامته وهي ما تزال تقبله، ثم بدأت تمسح على صدره وجسده بيدها بحركات انثوايه لتحرك رغبته وتذيب رجولته، تريد أن تذيبهما معا في تلك اللحظة؛ ليس بدافع الرغبة أو الشهوة، بل كان هدفها أن تهدئ غضبه، وأن تطفئ ما يتأجج داخله.
لم يتجاوب معها في البداية؛ وظل متصلبا، وغارقا في ألمه، ثم شيئا فشيئا لانت ملامحه، واستسلم لذلك القرب، كأن روحه وجدت أخيرا من يحمل عنها بعض الثقل.
وبعد وقت، نرى ماسة نائمة على صدره وهو عاري الصدر ويغطيان جسدهما بالغطاء، بينما كان هو يدخن سيجارة، ويبدو عليهما أثر ملحمة من العشق.
قال سليم مبتسما بنبرة مازحة: اتعلمتي فين الكلام ده؟ إوعي تقولي شوفتيه في فيلم، علشان هديكي بظهر إيدي.
رفعت عينيها إليه بصدمة: إيه ده اشمعنا.
رد موضحا وهو يخرج دخان سيجارة: لا، ما هو ده بالذات مش هينفع أبقى كيوت معاكي، ولا تقوليلي شفتيه ف فيلم، يلا قولي اتعلمتي منين؟
ضحكت وقالت موضحه: مشوفتوش في فيلم، مش بيجيبوا الكلام ده عيب، اتعلمت منك، عملت معاك زي ما بتعمل معايا، أنا بس فكرت فيه وحسيته، علشان أنت لما بيحصل بينا ده، بتبقى مبسوط بعدها وتنسى أي توتر.
ابتسم لها، وقبلها من جبينها قائلا بحنو عاشق: أنا مبسوط عشان أنتِ معايا، وأخيرا زيحتي اللي في قلبك وقولتي
ثم تابع وهو يمرر يده على ظهرها العاري: وشاطرة أنك عملتي كدة، فعلا فرق معايا.
قالت بمزاح: طب بما إن مزاجكك راق، قوم بقي نعمل مشهد، وحياتي.
رد بهدوء وهو يمرر انامله على وجنتيها: والله خلصان دلوقتي خالص يا قطعة السكر، وعد، بكرة لما نرجع من عند مامتك العب معاكي براحتك.
قالت بلهجة مؤكّدة: أنت وعدت.
أجابها: وسليم قد وعده.
تبسمت وقبلته من خده: طب يلا ننام، اقفل السيجارة دي.
تبسم ومد يده أطفأ سيجارته، ثم ضمها بين ذراعيه، وقبلها بعضهما في خدهمها، ثم غرقا معا في سبات عميق.
فقد نجحت ماسة أن تخرج سليم من ضيقه ونيرانه، حتى لو بشكل بسيط، صباح هادئ
وعلى اتجاه آخر.
استأجر مكي عددا من الأشخاص المجهولين، لا رابط بينهم ولا ملامح تثير الشك، وحرص على أن يظهروا بمظهر مرتب وهادئ، يوحي بالثقة والمال والنفوذ، زودهم بمعلومات دقيقة عن أماكن تواجد بعض أفراد الحراسة؛ أحدهم كان يجلس في مقهى، بينما الأربعة الآخرون حصلوا على أرقامهم مباشرة، وتلقى كل واحد منهم اتصالا منفردا يطلب مقابلة خاصة في مكان محايد.
كان صبحي أول من تلقى الاتصال، لم يتجاهله، لكنه لم يطمئن له كذلك، وافق على اللقاء وهو متأهب لكل الاحتمالات، عرض عليه هناك مبلغ خيالي "خمسة ملايين دولار" مقابل معلومة واحدة فقط عن سليم أو نقطة ضعف له، لم يتردد صبحي في الرفض، بل كاد يفتك بالرجل لولا أنه فر هاربا، ليعود بعدها ويبلغ مكي بكل ما جرى، تفصيلا لا نقص فيه.
الأمر ذاته تكرر مع البقية، كل حارس تعرض لمحاولة استدراج، سواء عبر اتصال أو لقاء مباشر، لم يحتفظ أحدهم بالأمر لنفسه، الجميع دون استثناء أبلغوا مكي، حتى الحارس الذي جرى التواصل معه داخل المقهى، والذي تعامل مع الموقف بحذر شديد، وأوصل كل التفاصيل فورا.
بذلك، اعتبر مكي أن المجموعة اجتازت الاختبار الأول بنجاح، لكن هذا لم يكن سوى البداية.
بدأ على الفور بمراقبة هواتفهم، فتم تهكيرها وتفتيشها بدقة، كما خضع الرجال أنفسهم لمراجعة أمنية غير مباشرة، دون أن يشعروا بأنهم تحت المجهر، وفي الوقت نفسه، بدأ مكي بنشر إشاعة محسوبة بينهم: أن هناك خائنا داخل دائرة الحراسة، وأن الحذر واجب، وأن أي تصرف مريب يجب الإبلاغ عنه فورا.
لم يكتفِ بذلك، بل بدأ يزرع الشك بينهم ببطء مدروس، وجعل كل واحد منهم يشعر أن الآخر محل ريبة، دون اتهام صريح، فقط إشارات، ولمحات، وتلميحات كفيلة بإشعال القلق.
هكذا صار كل رجل يراقب زميله، وكل خطوة محسوبة، وكل تصرف محل تحليل.
كان الهدف واضحا: إن وُجد خائن، فسيسقط وحده، أو سيدفع غيره للسقوط معه.
ومع اقتراب اليوم التالي، كان مكي بحاجة إلى تقرير سريع، حتى وإن كان مبسطا، لم يكن مطلوبا كشف الجميع، بل تحديد ثلاثة أو خمسة على الأكثر، يمكن الوثوق بهم مؤقتا، هؤلاء فقط هم من سيبدأ سليم بالتعامل معهم في المرحلة القادمة، ريثما يتم التفرغ لكشف بقية الحراسة لاحقا، الوقت لم يسمح بأكثر من ذلك، لكن الخطة كانت قد وضعت وبدأت تؤتي ثمارها.
المالديف 12:00 ظهرا بتوقيت المالديف.
كان الصباح ساحرا؛ المياه صافية والمناظر خلابة، داخل الكوخ، كانت مي نائمة بين أحضان رشدي، وهما في ثبات عميق.
بدأ رشدي يحرك جفونه ببطء، ونظر إلى جانبه، وجدها مستغرقة في النوم، فتأملها للحظات بعشق صامت، ثم نهض متوجها إلى المرحاض، أخذ حماما سريعا، ثم خرج إلى الخارج وهو يلف منشفه حول خصره.
كانت مي لا تزال مستغرقة في نومها، فتوقف يتأمل انعكاسها في المرآة بابتسامة ترتسم على شفتيه.
في تلك اللحظة رن هاتفه، فدخل الحمام مرة أخري وأجاى: ألو، تمام، ربع ساعة وهكون عندك.
وبالفعل بدأ في تبديل ملابسه بسرعة، ثم نزل إلى بهو الفندق، التقى بشاب وأخذ منه اكيس الكوك التي يحتاجها، ثم عاد إلى الكوخ.
كانت مي قد استيقظت تتوقف في منتصف الكوخ ويبدو عليها القلق، وحين وقعت عيناه عليها قال بإبتسامة وبطريقة المعتادة: صباح الورد يا مشمشة، صحيتي امتي؟
نظرت له بقلق، وتساءلت: كنت فين؟
اجابها مبتسما: كنت بطلب فطار.
رفعت حاجبها بتعجب: ومطلبتوش بالفون ليه؟
رد موضحا: عادي، حبيت أتفرج على الشروق.
اومأت براسها: طيب.
هم رشدي بالتحرك قائلا: هدخل أخد شاور واغير هدومي، علشان ننزل البيتش.
مي متعجبة: ماشي، مش هنفطر لأول؟
رشدي باستعجال: هنفطر على البحر؟ يلا اللبسي…
أومات بالموفقة.
وبالفعل، دخل رشدي مسرعا، وهو يشعر بشيء من الشوق ينهش جسده؛ فقد مرت الليلة دون أن يأخذ جرعته، ويبدو أنه لم يعد قادرا على الصبر أكثر.
أغلق الباب خلفه وشغل الدش حتى لا يثير شكوكها، ثم فتح أحد الأكياس، ووضع كمية على يده، واستنشقها بسرعة، وسرعان ما شعر براحة مؤقتة تسري في أوصاله، كأن جسده التقط أنفاسه أخيرا.
أخرج علبة الدواء من جيب بنطاله، وألقى ما بها في الحمام وغسلها جيدا، ثم بدأ يُفرغ الأكياس في الزجاجة الخاصة بالدواء، ثم شد السيفون.
فتح الرف المخصص للأدويه، وجده فارغا، فوضع الزجاجة في الرف الاخير من الداخل، ثم أخذ يضع أمامها الشامبو، ومزيل العرق، وبعض متعلقاته الشخصية، كأن كل شيء في مكانه الطبيعي، حتي لا يلفت الانتباه.
في تلك الأثناء، كانت مي قد دخلت حماما آخر، توضأت بسرعة وخرجت تؤدي صلاتها سريعا قبل أن يشعر بها رشدي، ثم بدلت ملابسها وارتدت مايوها شرعيا.
وبعد لحظات، خرج رشدي، وقد ارتدى مايوه وتيشيرت، مستعدا للنزول إلى البحر، وكأن شيئا لم يكن.
رمقها بعينيه بإعجاب صريح، وقال بغزل دافئ: إيه الجمال ده؟
نظرت إلى نفسها بتلقائية، ثم إليه بابتسامة خجولة:
بجد؟ شكلي حلو؟
اقترب منها خطوة، وصوته صار أهدى وأكثر دفئا: قمر يا مشمش، يلا بينا.
ابتسمت، وضعت البرنيطة على رأسها، ثم تحركت معه، ويدها في يده، نحو يوم جديد على البحر.
❤️________________ليلةعادل
مصر
فيلا سليم وماسة، 10:00صباحا.
استيقظت ماسة مع أولى خيوط النهار، بينما كان سليم لا يزال غارقا في نومه، تحركت بحذر، ووقعت عيناها على جاكيت بيجامته الملقى علي الأرض قرب السرير، فالتقطته وارتدته، قبل أن تتجه إلى الحمام لتأخذ حماما ينعش جسدها ويصفي ذهنها.
وبعد قليل، خرجت ترتدي برنصا ، وتلغ شعرها بمنشفة، اتجهت إلي المرآه ووقفت أمامها تجفف شعرها بالاستشوار، وما إن انتهت حتى ثبتت عينيها على انعكاسها، وفكرة عابرة تسللت إلى رأسها.
قررت أن تدرب نفسها على التمثيل، وأن تختبر ردود أفعالها.
ابتسمت ابتسامة مشرقة، وبدأت تستعرض ملامح مختلفة أمام المرآة؛ مرة بالبكاء، وأخرى بالضجر، ثم انتقلت إلى الحزن، لم تتوقف، بل راحت تسخر من نفسها، تكرر المحاولات، حتى أدركت أن معظم ردود أفعالها خرجت مبالغا فيها أكثر مما ينبغي.
أثناء ذلك، بدأ سليم يتململ في نومه، مد يده إلى جواره فلم يجدها، فتح عينيه على مهل، ووقعت عيناه عليها واقفة أمام المرآة، فانعقد حاجباه باستغراب مما تفعله تلك الطفلة التي يعشقها.
ابتسم بخفوت، وجلس على السرير مسندا ظهره، وأخذ يتأملها بابتسامة صافية، لكن مع أحد ردود أفعالها المبالغ فيها، لم يستطع كبح ضحكته، فانفجر ضاحكا رغما عنه.
التفتت ماسة إليه بابتسامة: أنت صحيت؟ صباح الخير يا سلوملوم.
رد بابتسامة: صباح النور، بتعملي إيه يا مجنونة، واقفة قدام المرايا بتكلمي نفسك!
ضحكت بخفة وقالت: كنت بتدرب يا سلوملوم علشان أشرفك.
ثم جلست أمامه ومررت يدها على وجنته بحنان: قوم يلا خد شاور على ما أعملك الفطار.
أومأ برأسه وهو يتمطى: ماشي.
وبالفعل، ذهب إلى الحمام لأخذ حمام سريع، بينما توجهت ماسة إلى المطبخ وأحضرت فطورا خفيفا، وضعته على صينية وصعدت به إلى الأعلى.
في الغرفة.
أنهى سليم حمامه وخرج مرتديا برنصا، ويجفف شعره بالمنشفه، وفي هذه الأثناء دخلت ماسة حاملة صينية الطعام فلما رآها، صفر بإعجاب قائلا: فطار في الأوضة كمان؟ دي إيه الدلع ده كله!
ردت بابتسامة وهي تضع الصينية على الطاولة: هو أنا لو مدلعتش الكراميل بتاعي، أَدلع مين يعني؟
ثم سحبته من يده قائلة: تعالي يلا نفطر، أنا هموت من الجوع.
ضيق عينيه بمشاكسة: مش ملاحظة إنك بقيتي تجوعي الفترة دي كتير؟ الشهية ما شاء الله!
اتسعت عيناها، وذمت شفتيها بحزن مصطنع: أخص عليك يا سليم، أنت هتعد عليا الأكل؟ دي بدل ما تقولي ألف هنا على قلبك يا حبيبتي.
وضع قطعة جبن في فمها بمداعبة: ألف هنا على قلبك يا حبيبتي.
شرعا بعد ذلك في تناول طعامهما وسط جو من الود والمشاكسات الطريفة من ماسة، التي كانت تحاول بالضحك والمرح التهوين عليه.
بعد انتهائهما من الفطور، نظرت إليه بجدية وقالت: يلا بقى ندرب على المشهد، أنت قولتلي بكره احنا بقينا بكره اهو.
هز رأسه بقلة حيلة: ندرب على إيه يا ماسة؟ الله يهديكي!
أمسكت بيده بحماس: يا سليم، صدقني لازم ندرب، علشان نبقى مقنعين، وبعدين أنا لازم أعرف هتعمل الضرب أزاي.
ثم رفعت إصبعها أمامه محذرة: والله يا سليم، لو سوقت فيها وضربت بجد أو وجعتني، لأفضحك قدامهم واخاصمك تلات أيام!
نظر لها بدهشه: أنتِ مجنونه والله، فاكره هضربك بجد؟!
اقتربت منه بجدية مصطنعة: طب قولي هتضربني أزاي؟
رفع يده ملوحا بخفة، كأنه سيصفعها، وسرعان ما سقط الألم على ملامحها بشكل مدروس، ووضعت يدها على خدها واتسعت عيناها: أنت بتضربني يا سليم؟ أنت اتجننت؟
ثم صاحت، ببكاء مصطنع ومبالغه: أنا بكرهك!
رد ببرود مفتعل: أنتِ اللى بتكرهيني؟! ده أنا مش طايقك.
هزت رأسها بسرعة: لا، زعق أكتر من كده.
قال وهو يدير وجهه بعيدا: أنا مش طايق أبص في وشك.
ابتسمت بخفة: أيوه كده حلو، شطور يا سلوملوم.
أمسكها من ذراعها مندمجا في التمثيل: يلا ادخلي جوه غوري.
ودفعها بخفة، فتأوهت وهي تضحك: أنت بتوجعنى على فكرة بالراحة!
تنهد قائلا بمزاح: لا تمثيلك ضعيف، أنتِ محتاجة تدريب جامد.
لوحت بيدها: معلش ركز معايا، كشر وشدني كده، واعمل كده بعينك، وامسكني من دراعي وزقني، بس زقة خفيفة.
نفذ ما تطلبه، فتراجعت خطوة ثم ابتسمت بحماس وطفولة: شاطر يا كراميل، كده حلو، والله أحنا دوتو يجنن.
ثم تراجعت للخلف: تعالي نبدأ المشهد من الأول علشان نحفظه.
ضحك عاليا وهو يهز رأسه بغلب وقلة حيلة: يا بنتي أنتِ مش عايزة تروحي عند مامتك؟
وضعت يدها على صدرها بإلحاح طفولي: طب نعمل المشهد ده وخلاص، وحياتي.
بدأت تقلب ملامحها فجأة، وصاحت بانفعال: أنا بكرهك، عارف يعني إيه بكرهك؟ يا أخي طلقني بقى وسيبني!
اقترب منها فجأة، وأمسكها من ذراعها بقسوة محسوبة: مش هطلقك وهسيبك كده، تتمني الموت ومتلاقيهوش مش عايز أسمع حسك، فاهمة؟
ثم دفعها بعيدا، تراجع خطوة وسأل: إيه رأيك؟
صفقت بحماس: لا، جامد! هيبقى حلو قوي بجد، إحنا لو منتج شافنا هيخطفنا نعمل فيلم عن قصة حياتنا، ابن الناس الغني اتجوز البنت الفقيرة الخدامة، وتتصارع الأحداث بوم بوم!
ضحك معلقا: بوم بوم إيه بس؟ يلا يا بوم بوم، البسي، علشان منتأخرش، النهارده يوم طويل.
اقتربت منه مبتسمة: طيب خد بوسة.
قبلته، وأخذ يبتسم على طفولتها التي تروق له دوما.
المالديف.
في الطعم.
جلسا رشدي ومي في مطعم مطل على البحر، يتناولان الفطور ويحتسيان الشاي، بينما تمتد أمامهما المياه الصافية بلا نهاية.
تساءل رشدي: ايه رايك في المكان؟
نظرت حولها بإعجابٍ صادق: تحفة بجد، حبيت المكان اوي، بس هو مفيش أماكن خروجات؟
ابتسم وهو يشير بيده نحو البحر: لأ فيه، بس هنركب قارب كده وبصراحة الجزيرة هنا جميلة، مش محتاجين نروح المدينة ولا الزحمة، خلينا هنا نعمل مرة دايفينج، نشوي، نخيم، ونبات في اليخت، سيبي نفسك بس ليا وأنا هبسطك يا مشميشواا.
مي بابتسامة مطمئنة: ماشي.
أكملا فطورهما بهدوء، ثم توجها نحو الشاطئ، وقد بدأ اليوم يعدهما بالكثير.
عند شاطئ البحر
خلع رشدي التيشرت وجلس معها على المقاعد المنفردة على الشاطئ، يتابعان الشمس، يحتسيان عصير الأناناس وظل هكذا لوقت، ومي كل بضع دقائق
تخطف نظره إليه بتردد يبدو انها تريد ان تقول شيئا لكن لا تعرف كيف، وفجاه ابتلعت ريقها ونظرت إليه، ثم قالت وهي تشير له: بقولك إيه، ما تلبس التيشرت بتاعك.
نظر لها وهو يشرب من الشاليمو، وعينه عليها: ألبس ليه؟
ضحكت وهي تهز رأسها: مش حلو كده، قاعد تستعرض عضلاتك.
رفع حاجبه بدهشة مصطنعة: يا سلام! أنا كده عندي عضلات؟ مشفتنيش زمان! ده أنا خسيت النص.
تنهد بحسرة مازحة: فكرتيني بالذي مضى، وبعدين إحنا على البحر يا مي، المطلوب مني ألبس إسدال يعني؟ عجيبة دي!
ضحكت وهي تلوح بيدها: يا سيدي مقصدش، خلاص اقعد براحتك.
وفي تلك اللحظة، مرت مجموعة الفتيات يرتدن مايوهات ذات قطعتين يظهرن أكثر مما يخفين، فنظر لهم رشدي لا إراديا…
انتبهت مي لنظراته وذمت شفتينا بضجر، وضغطت على اسنانها الاماميه، وفجأة عدلت جلستها، ومدت إيدها وضربته بقوة على صدره: اتلم!
صرخ وهو يمسح على موضع الضربة متعجبا: انت اتجننتي يا مي! إيه ده!؟
مي بغيظ: اه اتجننت وهفقعلك عينك الاتنين! لم نفسك!
رشدي متأوها: حرام عليكي، كسرتي قفصي الصدري! ايه ايدك دي، مرزبة!
رفعت حاجبها بشدة وتوقفت: ده أنا هموتك، ما تحترم نفسك شوية!
توقف أمامها باستغراب مدعيا البراءه: أنا عملت إيه؟!
نظرت إليه بغيظ: يعني مش عارف؟
اقترب منها قليلا، وصوته بقى ناعم: لا مش عارف، أنت اللى قارشه ملحتي معرفش ليه.
تساءلت بضيق: يعنى مقعدتش تبص للبنات اللى لابسين من غير هدوم بعنيك اللى عايزه تتخزق دى؟!
هز رأسه قائلا ببراءه مصطنعه: أنا يا مشمش ابص!! استغفر الله، يارب اطس في نظرهم إن كنت بصيتلهم ولا عيني لمحتهم.
ابتسمت رغما عنها، وقالت ساخرة: يا سلام.
ضحك واقترب منها قائلا: وحياة عبدالسلام، وبعدين هو أنا يعنى لقيت اللى يلبس لى من غير هدوم زيهم وقولت لا، ما أنت مقعدانى جمبك زي أختك اهو خليني ساكت.
نظرت إليه بارتباك وخجل وصاحت بضجر وهي ترفع أحدي حاجبيها: يعنى بصيت اهو!
فقال باستعباط: إيه!
زغرت له قائلة: رشدي! متستعبطش.
ضحك واقترب منها محاولا تغير الحديث: بقولك إيه يا مشمش ما تيجي ننزل الميه؟
هزت رأسها برفض: لا، أنا عايزة أفضل قاعدة كده، وبعدين أنا مش طايقاك دلوقتي.
تنهد بملل وهو يضم بكفيه كتفيها: خلاص بقى يا مي، وبعدين بقالنا ساعة ونص قاعدين، لا نزلنا ميه ولا عملنا حاجة.
قالت بهدوء هي تنظر أمام البحر بتأمل: سيبني، أنا بحب أتفرج على الميه واستجم..
ابتسم بحماس وهو يشدها: يلا يا مي ننزل.
ردت بإصرار: مش عايزة..
رفع جاجبه وكأنه ينوي على شيء: يعني مش هتنزلي؟
هزت رأسها برفض: لا انزل أنت.
قال بهدوء سابق للعاصفة: تمام.
وفجأة، ومن دون أي إنذار، حملها بين ذراعيه متجها نحو البحر، فصرخت وضربته بيديها: رشدي! نزلني!
قذقها في الماء في مكان عميق قليلا، ووقف يضحك.
بدأت مي تطوف بارتباك، تصعد وتهبط، وهي تصرخ: الحقني يا رشدي بغرق.
ضحك أكثر: بتمثلي، لامسه الأرض.
صرخت: مبعرفش اعوم الحقني!
نظر لها بجدية مفاجئة: أنتِ بتغرقي بجد؟.
قفز مسرعا وأمسكها من خصرها، فضربته على كتفه وعضته، صرخ: آه!
وقال بضجر: أقسم بالله أكتر حاجة بكرهها في حياتي حد يعضني! بس
ردت عليه بغضب: أنت اللي جزمة! حرام عليك!
قال وهو يضحك: أنتِ لو فردتي رجلك هتلمس الأرض والله
أمسك بيدها، وقال بتشجيع: امسكي في إيدي واهدي.
وقفت، واكتشفت فعلا أن الماء يصل فقط الى اعلى خصرها، نظرت له بغيظ: برضو أنا مكنتش عايزة أنزل الميه.
قال وهو يقترب منها: ده شهر عسل يا مي، يعني نستمتع.
ثم أضاف ضاحكا: وبعدين إحنا كرجالة الجواز بالنسبة لنا هو شهر العسل بس، بنبقى فيه عسل على الآخر، فالحقيني بقى قبل ما اتغير.
قالت وهي تبتسم: لا والله، ناوي تتغير يعني؟
ضحك وهو يقرب منها خطوة: شوفتي؟ أنا صريح معاكي إزاي.
وفجأة، بحركة طفولية، غرفت مي كفها من الماء ورشته عليه.
واتسعت عينيه بدهشة، ثم ضحك وقال: آه كده؟ تعالي
وردها برشة أقوى، فضحكت بصوت عالي، وبدأ الاثنان يقذفان الماء على بعضهما، ويضحكان ويلعبان كالأطفال.
كانت ضحكتها هذه المرة مختلفة؛ أخف، وأصدق؛ فخفة دم رشدي وطريقته في الهزار كسرت جزءا من الحواجز التي كانت بداخلها في ليلة أمس، فشعرت لأول مرة منذ ليلة زفافهم أنها مرتاحة، أن الجو آمن.
بعد أن تعبا، خرجا من الماء، وجلسا قليلا يلتقطان أنفاسهما، فقالت وهي تمسح الماء عن وجهها: خلاص، كفاية لعب، تعبت.
ابتسم وهو ينظر لها: ماشي يلا.
وجلسا مرة أخرى على الشاطئ، يستمتعان بالأجواء الهادئة ونسيم البحر المنعش، ثم طلب رشدي طاولة، وأخذا يلعبان معا، ويتبادلان الضحكات واللحظات الخفيفة، وقضيا وقتا ممتعا، كأن العالم كله قد توقف عند تلك اللحظة
علي اتجاه آخر في اسكتلندا
خرج ياسين ولوجين من الفندق، والهواء بارد قليلا، لكنه منعش، كانت الجبال الخضراء والضباب الخفيف يملأ المكان، والأنهار تتلألأ تحت الشمس الباهتة.
اخذ يتحركان في شوارع المدينة، تتنقل أعينهما بين المباني العالية والقديمة، وكأنهما دخلا رواية تاريخية، أو عادا إلى أساطير قديمة مليئة بالغموض والجمال، التقطا الصور في كل زاوية، ضحكاتهما تتناغم مع صوت المدينة، واخذ يتوقفا عند عربات الطعام المنتشرة، ويتذوقا الأطعمة الشعبية المختلفة بابتسامات عريضة.
ثم اخذ يتميلان بخفه، على انغام الموسيقى الاسكتلندية الشهيرة التى تعلو في الشوارع، وكأن العالم كله توقف من أجلهم للحظة، كانت الجولة في منتهى الجمال، والسعادة غمرت قلبيهما بشدة، وجعلت كل لحظة لا تنسى.
وفي نهاية الجولة، جلسا في أحد المطاعم لتناول الغداء، أمام بعضهما، يتبادلان النظرات، والضحكات، وكأن كل ما سبق مجرد إعداد للحظة هادئة من الراحة والتمتع ببعضهما.
امسكت لوجين يده وهي ترتجف من البرد: ايدك سقعه خالص، تحب نرجع الفندق.
فابتسم لها وضغط على يدها بلطف: مش مهم البرد، المهم إن أنا معاكي.
تطلعت إليه، وابتسمت بخجل: ياسين أنا جيت هنا كتير، ويمكن اكلت كل الاكلات دي، ورحت كل الاماكن دي، واتصورت كل حاجه هي هي، بس الاحساس المره دي مختلف تماما.
أمسك يدها، ووضع قبله عليها: وأنا كمان فرحان أوى، وحاسس بسعاده بقالي سنين محستش بيها، يمكن من ساعه ما خلفت بنتي.
لوجين بابتسامه حب: وانا اوعدك كل اللحظات الجايه في حياتنا هتكون سعاده وبس.
وأثناء ذلك، جاء النادل بالطعام، فأخذا يتناولان طعامهما، وقالت لوجين: الاكل ده هيعجبك اوي.
ياسين بابتسامه: أنا واثق فيكي، في زوقك.
وبعد أن تناولت طعامهما، أكمل سيرهما حتي وقفا عند جسر صغير يطل على نهر، وأخذ ياسين يلتقط لها العديد من الصور، ثم مد يده لتضع رأسها على كتفه.
ضحكت لوجين بخفة، وقالت: عارف حاسه أننا في فيلم رومانسي او في روايه من روايات اللي بحبها، الجو، والضباب، وإنت معايا والسعاده اللي احنا فيها
ضحك ياسين، وقبل جبينها برفق: بس ده حقيقي وإحنا مع بعض، مفيش رواية ولا فيلم يقدرو يخلونا أسعد من كده.
ابتسمت له، وقالت بصوت خافت مليء بالحب: أنا بحبك أوي يا ياسين.
ضمها بقوة إلى صدره: وأنا بموت فيكي.
أخذها يدور بها برفق وسعادة، كأن العالم كله توقف للحظة، والفرح يتدفق منهما بلا قيود.
ثم تقدما في الممر الحجري، وجلسا بجوار بعضهما أمام النهر، وتبادلا الحديث بحب.
مصر
سيارة سليم، 11:00 صباحا.
كانت ماسة وسليم يجلسان في المقعد الخلفي، بينما تولى مكي القيادة، لم يكن في السيارة سواهم؛ يحيط بهم صمت ثقيل يقطعه صوت الطريق فقط.
التفتت ماسة إلى سليم، وقالت باستغراب: أشمعنا المرة دي مخلي مكي اللي يسوق؟ فين السواق؟
أجابها بهدوء محسوب، وكأنه يزن كلماته: قولت نخلينا براحتنا، عشان لو حبينا نتكلم في أي حاجة محدش يسمعنا، اي حاجه هتحصل الفترة الجايو لازم تفضل بينا إحنا التلاتة وبس.
ثم نظر إلى ماسة نظرة سريعة قال: هنقعد معاهم شوية، وبعدين أنتِ هتروحي، وأنا أروح على عثمان.
تشنجت ملامحها فورا: لا أنا عايزة أجي معاك.
التفت إليها بحزم: مش هينفع.
ارتفع صوتها، وقبل أن تكمل اعتراضها، رن هاتفها، فقالت: استنى أرد على صاحبتي.
رفعت الهاتف بسرعة: ألو؟ إيه يا روحي عاملة إيه؟
صمتت لحظة، ثم اتسعت عيناها: أمتى ده؟! بكرة؟! يا نهار أبيض بكرة أزاي؟! ده دكتور مجنون! وعليه درجات؟! طيب خلاص ماشي، ابعتيلي كل حاجة على الواتس، أنا في مشوار دلوقتي مع جوزي، لما أرجع هكلمك، يلا باي.
أغلقت الهاتف ونظرت إلى سليم بوجه شاحب: تصور بكرة عندي امتحان!!
رد ببرود مقصود: وإيه المشكلة!
انفجرت متذمرة: إيه المشكلة ايه بس؟ أنا بقالى يومين مسحولة في اللى أنا فيه دي ومفتحتش كتاب، وده تقييم عليه درجات كبيرة! والدكتور دى أصلا رخم.
ثم أضافت بنبرة مزاح: حظك حلو وفلت مني يا سلوملوم، هبقي أرجع أذاكر فعلا، علشان المصييه اللى مستنياني بكره دى.
حدق فيها فجأة: وأنتِ متصورة إني هخليكي تروحي الجامعة بكرة أصلا؟
رفعت ذقنها بعناد: أيوه هروح، بقولك عندى امتحان!
قال ببرود: هبقي اكلم الدكتور يعديكي.
ضحكت بمرارة مازحه: مش كفاية عديتنى سنة كاملة، هو أنا مش مكتوبلي أكمل في الجامعة دي خالص؟! حاسة إنها نحس، مبكملش فيها شهر على بعضه! ويحصلي مصيبه.
ثم تابعت بنبرة استهجان: وبعدين أنت ايه مشكلتك دلوقتي؟ ولا حد خاطفني، ولا حد مهددك! أحنا عارفين كل حاجة خلاص، إيه اللي يمنعني أروح؟
رد ببرد وهو ينظر لها: وأنا ابررلك ليه؟! أنا مش عايزك تروحي.
اقتربت أكثر، بعينين مشتعلة: لا، حبيبي كلمة مش هبرر دي تقولها للناس التانية، مش ليا.
شد على فكه بحسم: خلصنا يا ماسة قولت مفيش مرواح في حتة، اكبري بقي وبطلي عند، واتحملي مسؤولية المصيبة اللي إحنا فيها شوية بقي.
انفجرت بعصبيه وعناد: المصيبة دى، لولا أني حكتلك عنها امبارح، مكنتش هتعرف عنها حاجة! وكنت هعيش حياتي عادي، وبعدين الحراس هيبقوا معايا، وبعد كده أصلا لما نرجع القصر مش هعرف أخرج ولا اروح إلا على الامتحانات، يعني بكرة ومش هروح تاني!
حدق فيها بحدة: هو مفيش سمعان للكلام ليه أنا عايزة افهم؟
قبل أن ترد، رفع مكي عينه في المرآة، وقال بهدوء: بصراحة يا سليم هي عندها حق، أنت لولا انك عرفت السر امبارح، كنت هتسيبها تروح.
رد سليم بضيق: بس دلوقتي بعد ما عرفت لا.
حاول مكي إقناعه: هي هي يا سليم صدقني، وبعدين أنا هبقى معاها.
سخر سليم: أنت معاها إزاي؟ أنت ناسي إنك بكرة هتروح تركب المكرفونات؟
تنفس مكي ثم قال: اه صح، خلاص عشري وراوية يبقوا معاها، خليها تروح بكرة، وبعدها نشوف الدنيا هتمشي أزاي.
أمسكت ماسة يديها معا، بنبرة رجاء صافي: آه والنبي يا سليم، وحياتي سيبني أروح.
ظل صامتا للحظة، صدره يعلو ويهبط، ثم زفر بعمق، وكأن القرار ينتزع منه انتزاعا: روحي.
ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بحماس طفولي: أنت أحلى كراميلا في الدنيا!
ثم التفتت إلى مكي وضحكت: وأنت كمان أحلى صديق في الدنيا.
مالت للأمام ناحيته قليلا، وقالت بعينين لامعتان: وعد لما نرجع هعملك أحلى كاستر، ورز بلبن، وطاجن وورق عنب بالكوارع!
ثم رفعت حاجبها بثقة: وأنا لما بعمله بيطلع خطير، حتي اسألوا.
ضحك مكي بخفة، بينما ابتسم سليم رغما عنه، لم يعرف من أين جاءه هذا الهدوء، وسط كل ما يحيط بهم من مصايب، لكنه قال بنبرة نصف مازحة: أقسم بالله محسساني إننا رايحين نلعب في المراجيح بكرة، ولا في أي إحساس بالمسؤولية!
هزت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة: مش هقولك تاني، أنا عايشة في الحوارات دي من سنين يا حبيبي.
تنهدت بخفة: علشان كده جالي تبلد.
ثم اقتربت منه أكثر، وعلقت ذراعها بذراعه، وقالت بدلال أنثوي واضح، وهي تبتسم بخبث لطيف: وبعدين أخاف لية؟ وسالوملوم حبيبي معايا وجنبي.
ثم التفت لأمام قائلة: صح يا مكي؟
ابتسم مكي وهو يثبت عينيه على الطريق: صح.
ابتسم سليم، ثم مد يده ببطء، وأحاط ذراعيه حول ظهرها، يجذبها إليه قليلا، لم يتكلم اكتفى فقط بأن يضمها إليه، وكأن هذا العناق اعتراف صامت بأنها رغم كل الفوضى ما زالت نقطة أمانه الوحيدة.
الإسكندرية، 11:00 صباحا.
كانت آلاء تتحرك في شوارع المدينة المختلفة، لكنها لم تبتعد كثيرا عن محيط المنزل، كانت تدخل المحال الصغيرة، والبقالات، والصيدليات، تسأل عن أي فرصة عمل، فهي لم تكن تتقبل فكرة أن تعيش عالة على مصطفى، لا هي ولا والدتها، أرادت أن تعمل حتى لو لم يكن المقابل سوى مبلغا صغير، بالكاد يكفي لشراء الخبز.
وبعد بحث شاق، وجدت سوبر ماركت يوافق على تشغيلها، غمرها شعور كبير بالسعادة، وعادت إلى المنزل وقلبها أخف مما كان، لكن أثناء عودتها، تصادفت فجأة بصوت كلكس ومصطفي ينادي بأسمها.
وقفت أمام سيارته، فنزل هو الآخر ونظر لها باستغراب، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة: كويس إنك عرفتي تخرجي لوحدك وتتمشي، بس كنتي فين كده؟
عدلت حقيبتها، موضحة: لا أنا مكنتش بتمشي، كنت بدور شغل.
عقد حاجباه باستغراب: شغل إيه؟
آلاء بهدوء: شغل يا دكتور هو له معنى تاني؟
مصطفى معلقا: وشغل إيه ده بقي، وليه؟
تنهدت آلاء وهي ترفع كتفها: لقيت سوبر ماركت في آخر الشارع هشتغل فيه.
مصطفي بتنهيده: ليه يا آلاء، هو أنتِ ناقصك حاجه؟!
هزت رأسها، وردت بعزة نفس: لا يا دكتور، بس كتر خيرك لحد كده، أنا لازم انزل واشتغل واصرف على نفسي وعلى ماما.
مصطفي بنبرة معاتبه: ليه حاطه فرق ما بينا كده يا آلاء، مكنتش متوقع إنك حساسه للدرجه دى.
آلاء بخجل: مش حوار فرق والله، بس أنا كده هبقي مرتاحه أكتر، أنت كتر خيرك على اللى عملته، وإنك مقعدنا في بيتك، وكفايه المشاكل اللى سببتهالك في الشغل وكمان مع عيلتك، فمش هزود حملك بمصاريفنا كمان.
هز رأسه بقلة حيلة: طب وهتشتغلى ازاى بمنظرك ودراعك دي؟
لمست زراعها، وابتعلت غصتها وقالت: أنا متعوده على كده يا دكتور متخافش عليا هعرف اتعامل.
تنهد وقال: طب يلا على البيت يا آلاء، وشيلي حوار الشغل دى من دماغك خالص، أنتِ دلوقتي مراتي على فكرة وملزمه مني، يعنى مش بتصدق عليكي، دى حقك.
هزت رأسها بارتباك: لا يا دكتور، إحنا عارفين كويس إن اللي بينا ده مسمهوش جواز، حتى لو في نظر القانون جواز، بس احنا عارفين إنها مجرد لعبة لعبناها علشان الموقف اللى اتحطينا فيه.
هز مصطفى رأسه: صح لعبة، ولحد ما اللعبة دي تخلص أنتِ ملزمة مني، وزي ما بتقولي في نظر القانون وفي الشرع، أنتِ مراتي.
ثم تنهد بضيق وقال بنبرة تمزج بين الانزعاج والضجر: بطلي الحساسية دي بقي! وبعدين هتسيبي والدتك لوحدها إزاي؟
آلاء موضحة: عادي أنا طول عمري بسيبها.
قاطعها مصححا: بس اللي فهمته، إن عمتك والجيران كانوا بياخدوا بالهم منها وأنتِ في الشغل، هنا بقي مين هياخد باله منها؟
قالت بهدوء: هقدر أخد بالي، وهتصرف متقلقيش عليا.
زفر مصطفي باختناق، ومسح بيده على وجهه بتعب وارهاق: يا آلاء بالله عليكي أنا عندي مليون حاجة تانيه أركز فيها، وحياتي اتقلبت فجأة، فارجوكي متبقيش انتِ والمشاكل عليا.
تنهد وقال برجاء: الله يهديكي بطلي الحساسية دي، لو حاسة إنك متضايقة قوي كده، يا ستي اعتبري اللي بتاخديه مني ده سلفة، وبعدين ابقي رضيهالي لما تتعيني في الكليه وتقبضي علي قلبك اد كده.
ثم أضاف بمزاح لكسر حدة الأجواء: أنا نفسي مش هسيبك وهاجي اقولك هاتي الفلوس اللى عليكي.
اتسعت عيناها بصدمه، ورمشت بعينيها تحاول استيعاب ما يقول، فعن أي تعين يتحدث؟! شعرت بكلماته تنزل عليها بوجع شديد، وكادت دموعها تنهمر، فحلم تعينها بعد أن كان قاب قويسين أو أدني منها فجأة تبخر من بين يديها وأصبحت تراه حلم بعيد المنال.
تحمحمت تجلى حنجرتها وقالت بخفوت وابتسامه متحسرة: تعين ايه بقي، ما خلاص!
عقد حاجبيه ونظر لها باستغراب: خلاص ايه؟ مش أنتِ كنتي بتتطلعي من الأوائل السنين اللى فاتت، وخلاص دى آخر سنه!؟
هزت رأسها بمرارة: أيوه، بس أنت شايف اللي حصل، هروح أزاي؟!
ابتسم مصطفى محاولا التخفيف عنها: هتروحي زى الناس ما بتروح تحضر المحاضرات وتمتحن وتطلع من الأوائل وتتعين.
خفق قلبها بفرحه خافت من تصديقها، فتساءلت بارتجاف: أنت بتتكلم على الموضوع كأنه بسيط!
اومأ لها وتابع ببساطه: علشان هو بسيط فعلا، أنا نازل النهارده القاهره وهروح أعمل محضر واخوكي مش هيعرف يتعرضلك بعده، وبكره هروح الكليه اجيبلك محاضراتك علشان تذاكري، وكده كده احنا الفتره الجايه كنا هنسيب اسكندريه ونرجع القاهره يعنى هترجعي لحياتك عادى جدا.
ثم تنحنح، وأشار بيده بحزم لطيف: واسمعي بقي يا أستاذة آلاء، أنتِ من النهارده مفيش وقت للدلع، فيه مذاكره وتركيز وبس، علشان أنتِ لو مجبتيش الأولى السنه دى هيكون عقابك عسير معايا، وقد اعذر من أنذر، اتفقنا؟
كانت آلاء تستمع إليه وقلبها يخفق فرحا، وعيناها تلمعان بسعادة نادرة، لم تعتد يوما تلك المعاملة الهادئة الدافئة التي يغمرها بها مصطفى، فشعرت أخيرا بقيمتها وبأنها تستحق هذا الاهتمام، خاصة بعد عمر طويل عاشت معظمه بين الخوف والقلق والعذاب.
نظرت له بابتسامة وهزت رأسها بإيجاب: اتفقنا.
مصطفى بنبرة مرحة: طب تعالي بقي يا أستاذة اليسا، نتمم على اتفاقنا واعزمك علي آيس كريم يجري وراكي في الحلم من تأنيب الضمير، لو مجبتيش الأولى.
ابتسمت بخفوت، ونظرت إليه باستغراب: اليسا!
اومأ ضاحكا: ايوه اليسا، علشان مرهفة الحس زيها، بتحبي الأيس كريم ايه؟
قالت بخجل: بالشوكولاتة.
مصطفى: طيب يلا!
وبالفعل تحركا معا نحو البحر، وجلسا على المقاعد. جلب لها مصطفى الآيس كريم كما تحب.
كفر الشيخ.
سرايا منصور، 2:00 ظهرا.
دخل سليم وماسة السرايا، بينما توقف مكي في الحديقة ينتظر مع عشري.
بعد ترحيب ومصافحات سريعة، جلس الجميع في الهول، كان الصمت مسيطرا على الوجوه إلا من ملامح عمار، الذي لم يخفِ استياءه لحظة واحدة.
تساءل مجاهد بقلق وهو ينظر بارتباك لسليم: خير بقى يا بنتي؟ فهمينا إيه حصل.
تنفست ماسة بعمق، ثم قالت بثبات: خلاص يا بابا، أنا حكيت لسليم كل حاجة.
تنهدت سعدية براحة واضحة، وقالت وهي تهز رأسها: الحمد لله يا بنتي إنك حكيتي له أخيرا، وسمعتي الكلام، هو دى الصح واللى كان المفروض يتعمل، المهم أنت ناوي على ايه يا سليم؟
مال سليم لأمام قليلا، وقال بصوت هادئ لكن حاسم: ناوي أنا اللى اسوق اللعبه المره دى، هعمل نفسي كأني لسه معرفش حاجة، ونرجع القصر وهنمثل عليهم إننا مش طايقين بعض وإن هي عايزة تمشي، وأنا زهقت منها، ونشوف بقى هيعملوا إيه، وهنقدر نطلع منهم إيه وبعدها يبدأ الشغل.
صمت لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: أهم حاجه أنتم تفضلوا هنا الفتره دي، علشان كده أأمن ليكم.
هزت سعدية رأسها موافقة: ماشي يابني ربنا يقويك، أحنا معاك في أي حاجه عايزها.