
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الرابع والعشرون 24 ج 2 بقلم ليله عادل
ولكن الصمت لم يدم، اعتدل يوسف في جلسته، وقال معترضا بصوت خرج حادا: يعنى ايه نفضل هنا الفتره دى؟! وشغلنا وحياتنا نعمل فيهم ايه؟! وبعدين أمان من إيه؟ ومن مين؟! أنتم بتتكلموا بالألغاز كده ليه، ما تفهمونا إيه إللى بيحصل.
دخل عمار على الخط، وقال: بالظبط إحنا مش تحت أمرك يا سليم بيه، تعالوا هنا نروح واقعدوا هنا نقعد؟! خطة إيه دي اللي تحبسنا بيها هنا وتمنعنا نعيش حياتنا؟
تبادل سليم نظرة سريعة مع ماسة، ثم عاد بعينيه إليهما، ونبرته لم تفقد هدوءها: ده مش حبس دي حماية ليكم، وماسة هي اللى طلبت كده.
رفعت ماسة يدها قليلا، تحاول تهدئة الجو: عمار، يوسف، علشان خاطري اتحملوا شوية بس لحد ما نشوف هنعمل إيه...
يوسف باعتراض: بس يا ماسه إحنا من حقنا نفهم إيه إللى بيحصل، مش معقول هنفضل زى الأطرش في الزفة كده؟!
تبادلت ماسة وسليم النظرات من طرف أعينهما، أومأ لها سليم برأسه إيماءة خفيفة، فهزت رأسها بإيجاب، ثم تنهدت وقالت: حاضر، أنا هفهمكم كل حاجه.
وبدأت تروي لهم كل شيء، بدايه من تهديدات رشدي لها، إلي اللحظه التي أخبرت فيها سليم بكل شيء، وعقب انتهائها انتفض عمار وصاح بغضب وغير تصديق: أنتِ بتقولى إيه يا ماسه، يعنى طول الفتره دى أنتِ متهدده واحنا كمان حياتنا مهدده وأحنا منعرفش!!
ثم أشار نحو سليم قائلا بحدة جارحه: والبيه اللى عاملنا فيها تسعين راجل في بعض، ومسيب كلابه علينا يبهدلوا فينا طول الفتره اللى فاتت دى كان فين وهما بيعملوا فيكي كده وأنتِ في بيته؟ ولا هو شاطر بس يرفع مسدساته علينا إحنا ويعمل علينا راجل وأخواته مدينه على قفاه.
نهضت سعديه بغضب وضربته على كتفه قائلة بضجر: اسكت يا قليل الأدب قطع لسانك، إيه اللي بتقوله ده؟ عيب تقول على جوز أختك كده.
في تلك اللحظة، شعر سليم بوخزة حادة في قلبه، انعكس أثرها على ملامحه، لكنه حاول إخفاءها، لم تغفل ماسة عن ذلك لحظة؛ تعرف أن كلمات عمار لمست جرحا عميقا داخله، فنهضت وصاحت به بحدة: احترم نفسك يا عمار ومتقولش على سليم كده، هو مكانش يعرف حاجه، هما ضحكوا عليا ولعبوها صح.
ضحك عمار بسخرية جارحة، وقال باستخفاف: ومقولش عليه كده ليه إن شاء الله، مش دى اللى حصل؟! أنتِ كنتي في حضنه وفي بيته، وأخواته كانوا بيدخلوا لحد أوضة نومه ويهددوكي! يبقى هو لا عرف يحافظ عليكي، ولا عرف يحمينا! ومن دلوقتي إحنا هنأمن نفسنا بنفسنا.
نهض سليم وتحرك سليم خطوة للأمام، وصوته خرج ثابتا لكنه مجروح: أنت حق يا عمار، بس مين في الدنيا ممكن يفكر إن اخواته يعملوا فيه كده، حتى لو هو عارف إن الدم اللي بيجري في ايديهم كله حقاره وخسه، بس مهما كان ذكائك خارق عمرك ما هتفكر إن أمك واخواتك اللي بتاكل معاهم عيش وملح، يوصل بيهم الجحود للدرجه دى، ويعملوا في مراتك كده!
صمت لحظه، يحاول ابتلاع غصته، وقال محاولا التماسك: بس صدقني الوضع دلوقتي مختلف، أنا دلوقتي اللى ماسك بذمام الأمور وقادر إني أضمنلكم أمانكم.
ضحكه عمار باستخفاف، وقال متعمدا التقليل منه: والنبي متفردش نفسك أوي كده، أنت لو قادر تأمن على نملة، مكانش حصل لماسة كل ده، ولا كانت حياة أبويا وأمي، وأنا، وأخويا، وأختي، اتقلبت على كف عفريت!
ثم تابع وهو ينظر أليه باحتقار وتقليل: لا وكمان عايز تاخدها ترجعها في وسطهم تانى بعد ما عملوا فيها كل دى، كده أنت راجل يعنى وبتعرف تجيب حقك!!
نهض مجاهد وتدخل بحزم: عمار خف، إيه إللى أنت بتقوله لجوز أختك دى، اتلم شويه.
رد عمار بعصبية: هي كلمة الحق دلوقتي بتزعل؟
وقفت سلوى وقالت بارتباك: مش حق يا عمار، هما فعلا ضحكوا علينا، وهددونا وفي الآخر طلعوا كدابين، والفديوهات مش حقيقية!
قالت ماسة بصوت مختنق: يا عمار بطل الجنان ده والنبي، وافهم حجم المصيبه اللى أحنا فيها بقي.
ضحك عمار ضحكة قصيرة بلا روح: المصيبة اللي أنا مش قادر أفهمها إنك أزاى قبلتي على نفسك، تفضلي على ذمته بعد اللى بيقوله دة.
التفت إليه سليم فجأة، وعقد حاجبيه: يعني إيه؟ تقصد ايه؟
اقترب عمار منه خطوة حتي وقف أمامه مباشرو، وقال استهزاء ممزوج بالازدراء: يعني لو راجل غيرك، كان يخاف على مراته! مش يتفق معاها ويرجعوا القصر
كأن ولا حاجة حصلت!
قاطعتهم ماسة بسرعة: على فكرة أنا اللي طلبت من سليم.
اتسعت عينا عمار بدهشة ممزوجه بالسخرية: أنتِ؟ أنتِ اللي طلبتي؟! وهو وافق؟ مخافش عليك؟ هو من إمتى كلام الستات بيمشي في مصايب زي دي؟
ثم تابع بنبرة لازعه: أنا أصلا مش فاهم أنتِ ازاى مأمنه على نفسك معاه بعد كل اللى حصلك، واللى عرفناه دى؟!
تدخلت سعدية بعصبية: في إيه يا واد يا عمار عامل شبه الديك الشركسي ليه وعمال تتني وتتفرد علينا؟ ما قولنا جوز أختك مكانش يعرف حاجة!
رد عمار بحدة: ده سبب ادعي يخلينا منثقش فيه!
فضل عامل نفسه الجامد، وفي الآخر طلع واخد على قفاه!
في تلك اللحظة، هوي مجاهد بيده علي وجه عمار بصفعة قوية شقت أجواء المكان، دون إنذار.
تجمد الجميع في أماكنهم، صدمة لم يتوقعها أحد، وكأن الزمن توقف لثواني ثقيلة.
وضع عمار يده على خده، و اتسعت عيناه بذهول، وقال بصوت مخنوق: أنت بتضربني يا بابا علشانه؟!
صرخ مجاهد، وصدره يعلو ويهبط بغضب مكبوت: أيوه هضربك وأكسر عظمك كمان! علشان أنت مش محترم!ولا عامل حساب لحد؟!
كانت كلماته كالسياط، لا تقل ألما عن الصفعة نفسها، بينما ظل عمار واقفا، يحدق فيه، عاجزا عن الرد تتصارع في داخله الصدمة والغيظ معا.
صاح عمار بحرقه: وأنا قولت ايه يعنى لكل دى، مش هي دى الحقيقة، رد يا أستاذ سليم! واحد غيرك بدل ما يقولها اخدك ارجعك وسطهم تانى كان فرغ رصاص مسدسه في دماغهم واحد واحد، ولا أنت مبتعرفش تطلع مسدساتك إلا علي الغلابة وبس؟
صرخت فيه سعدية: بس يا واد بقي اتلم، كفاية!
تحرك سليم للأمام ونظر داخل عينه، وقال بصوت هادئ لكن قاتل: أنا قادر اعمل فيهم كده فعلا يا عمار، قادر اجيب مسدسي وافرغه فيهم واحد واحد، بس هل ده هيجيب حقكم؟
هز رأسه: لا، القتل سهل وبيريح، لكن إنك تعيش الانسان في وجع وهو مش عارف الضربة جاية له منين هو ده اللي صعب، وهو ده اللي أنا ناوي اعمله معاهم، لأن زي ما قولت أنا شاكك إنهم ممكن يكونوا ورا الحادثه اللى حصلتلنا، بس محتاج اتأكد.
نظر إليه من أعلى إلى أسفل، ثم أطلق ضحكة قصيرة ساخرة، مليئة بالاستهزاء، وقال ببرود جارح: هو ده بقى الكلام؟ اللي بتضحك بيه عليها؟ وبتحاول بيه تبرر ضعفك قدامها؟ بعد ما داسوك برجاليهم زي الصرصار؟
اقترب خطوة، ونبرته ازدادت احتقارا: الكلام ده يخيل علي ماسة، مش عليا، وقعاد هنا، مش قاعد.
ساد صمت ثقيل للحظة، كانت كفيلة بأن تجعل الإهانة أعمق من أي ضربة.
تقدمت ماسه وتساءلت باختناق، وعيناها تترقرق بالدموع من شعورها بالضغط: والله العظيم حرام عليك اللى بتعمله دى، يعنى مش قاعد هنا ؟
رفع رأسه قائلا بجمود: يعنى أنا مليش دعوة بأهله، وكل القرف بتاعه دى، أنا مش هوقف حياتي علشانه، وهنزل حالا القاهره اشوف ورايا ايه ومش قاعد هنا ثانيه كمان.
صاحت سعدية: بطل جنان يا عمار!
تنفس بعنف ثم قال موجها كلامه لماسة: اما أنت يا ماسه مش قدامك غير حل واحد.
سألته وهي ترتعش: اللي هو إيه بقي؟
قال ببرود قاتل: تختاري، يا أحنا يا هو!
نظرت إليه بصدمه وعينان دامعتان، وخرجت الكلمات من شفتيها بصعوبه: يعنى ايه؟!
عمار بجمود: يعني تطلقي ونرجع نعيش حياتنا الطبيعيه من غير خوف ومشاكل وحراس بنتحامي فيهم، وسبيه هو بقي يحلها مع أهله، إن شالله يولعوا في بعض.
صرخت سعدية: اسكت! كتك داهية!
لكن عمار لم يسمع أحدا: جوزك ده رفع مسدسه عليا قبل كده، وأهله هددوكي بينا، وضربوا بابا بالعربية
وكان ممكن يموت، وحطوا سم لسلوى، ووقفوا قناص ليا وليوسف ولأمي، ولسه لحد دلوقتي بيهددوكي!
اقترب خطوة: إحنا مش هنعيش تحت رحمتهم، هو معرفش يحميكي، ولا يأمنك في بيته، يبقى العيشة معاه ملهاش لازمة، يا إحنا يا هو.
نظر إليها بتحذير قاسي، ورفع إصبعه قائلا: بس خدى بالك قبل ما تختاري، لو اختارتيه تاني، يبقي تنسي إن ليكي أخ أسمه عمار.
صرخ مجاهد: عماااار كفاية!!
تدخل يوسف حين شعر أن عمار بالغ في الأمر كثيرا: مش للدرجه دى يا عمار، أهدى، دى برضو ماسه.
رد عمار بعناد: لا مش ههدي، أنا كمان متهدد! واللى حصل لأبوك وأمك وحصلها مش شوية.
قالت سعدية: إحنا قابلين، ملكش دعوة.
نظر إلى ماسة، وقال وهو يركز النظر في عينيها: قولتي ايه يا ماسه، يا أنا يا سليم.
انفجرت ماسة في البكاء:حرام عليك ارحمني، ايه اللي بتقوله ده!
قال سليم بهدوء موجوع: عمار أهدي بس، وحاول تبطل اندفاع، وخلينا نتكلم بهدوء.
قاطعه عمار بجمود: أنا قولت اللي عندي، يا أنا يا أنت!!
شعر سليم بغصة قاتلة تعتصر قلبه، ذلك الاختيار كان أقسى من أي رصاصة عرفها يوما؛ فهو يعرف تماما قيمة عمار وعائلتها بالنسبة لها، فهم يمثلون لها الحياه.
تردد القرار في صدره كطبل حرب؛ قلبه يدق بعنف، وأنفاسه تتسارع حتى كادت تفضحه، ورغم ذلك، أجبر نفسه على الثبات من الداخل، منتظرا ردها بخوف..
أما ماسة، مسحت دموعها بسرعة مرتعشة، محاولة استعادة سيطرتها قبل أن تنهار أمامهم جميعا، ثم دون تفكير ودون كلمة واحدة تراجعت خطوة إلى الخلف وشبكت أصابعها في يد سليم بقوة، فنظر إليها وتلاقت عيناهما، بنظرة قالت كل ما عجزت الكلمات عن قوله.
شدت ماسه على يده، ورفعت رأسها، وعيناها لا تزالان تلمعان بالدمع، وقالت بصوت لا يحتمل النقاش: يبقى سليم يا عمار.
وما إن استقر قرارها في أذنيه، حتى خفق قلب سليم بسعادة جارفة، شعر بالأمان يتسلل إلى صدره لأول مرة منذ بدأ هذا الكابوس، وكأن ثقل العالم انزاح عن كتفيه فجأة.
أدرك في تلك اللحظة أن حبهما لم يهتز ولم تكسره المخاوف، ولم تضعفه الاختيارات القاسية، بل ازداد صلابة لأنهما اختارا بعضهما، مهما كان الثمن.
لكن الحزن وخزه في اللحظة نفسها؛ لأنه أدرك أنها اضطرت للاختيار، وهو يعرف جيدا ثمن هذا القرار عليها.
تجمد عمار في مكانه، ثم قال ببرود صادم: تمام، أنتِ اللى اختارتي، وأنا من اللحظه دى لا أنتِ أختي ولا أعرفك.
قال عمار كلماته والتفت مغادرا بخطوات سريعه غاضبه، ركض سليم خلفه، وهو ينادى: يا عمار استنى بس!
لكن عمار لم يلتفت اليه، واندفع إلى الخارج بعصبية، ويوسف كان هو الآخر يركض خلفه وهو يحاول أن يوقفه
يوسف: يا عمار، استنى ميصحش اللى بعمله دى.
توقف عمار فجأة، واستدار بعينين مشتعلة: خلاص هي اختارت.
اقترب سليم خطوة، وتساءل: طب أنت رايح فين؟
عمار بحدة: أنت بالذات ملكش دعوة، سامع؟ محدش يجي ورايا سامعين، خليكم معاه.
قال كلماته وأكمل تحركه للخارج، هم يوسف بالتحرّك خلفه، لكن سليم أمسك ذراعه: سيبه.
يوسف بقلق: اسيبه ازاي يعني؟
سليم بهدوء: متقلقيش عليه؟
رفع هاتفه واجري اتصال بمكي: عمار هيخرج دلوقتي، روح وراه أنت وكام واحد من الحراس وشوف هيوصل لفين، وخدوا بالكم منه كويس ميغيبش عن عينكم لحظة.
هزّ مكي رأسه بإيجاب واغلق هاتفه، وتحرك خلف عمار مسرعا ومعه اثنان من الحراس.
داخل السرايا
اقتربت سعدية من سليم وتساءلت بقلق: سليم هو عمار كده في خطر؟
هز رأسه يطميئنها: لا، متقلقيش.
اقتربت ماسة، أمسكت بذراعه وعيناها دامعتان: أنا عايزة أمشي.
نظر إليها، شعر بوجعها: حاضر.
تدخلت سلوى بتوتر: طب وهنعمل إيه؟ ماسة إحنا مش هينفع نفضل هنا فعلا، لازم نشوف حل تاني.
ماسة بتعب: سلوى أرجوكي بلاش ضغط، أنا مش ناقصه ارحموني.
سلوى بتوضيح: يا ماسة إحنا عندنا حياتنا؛ امتحانات وشغل، مش هينفع نفضل محبوسين هنا، وبعدين هيعرفوا منين إنك حكيتي أصلا، بالعكس اختفائنا دى ممكن يشككهم أكتر.
ماسة بغضب: افرضي عملوا حاجة، اخاطر بيكم ليه؟! مش قادرين تتحملوا شويه!!
يوسف بهدوء: مش كدة بس، مش هينفع ننحبس هنا فعلا، طب نروح ونيجي.
زفرت ماسة بضجر: يييوه.
شعر سليم بالضغط الواقع عليها، فتدخل بهدوء: ماسة بتثقي فيا.
نظرت إليه طويلا، ثم هزت رأسها بإيجاب، فقال بحنو وهو يربت على ظهرها: خلاص، سيبي الموضوع عليا.
ثم التفت موجها حديثه للجميع: ممكن بس يا جماعه تستحملوا وتستنوا يومين؟ أكون ظبطت الأمور.
اومأت سلوى: ماشي معاك لحد آخر الأسبوع، أكتر من كده مش هقدر.
تساءل مجاهد بقلق: طب وعمار؟
سليم باطمئنان: متقلقش هيكون تحت عيني.
تمتمت سعدية بغيظ: أخص عليك يا عمار، والله دى ما تربيتي ابدا!
شدت ماسة يد سليم بوجع، فما فعله عمار مازال يثقل قلبها بشدة: يلا بينا.
اوما سليم: طيب عند إذنكم يا جماعة.
وبالفعل تحركا نحو الخارج، وعندما اقترب من السيارة، نظر لماسة بلطف ومسح على شعرها: عشقي، ادخلي استنيني في العربية لحد ما أتكلم مع عشري.
هزت رأسها بإيجاب ودخلت.
عشري: خير يا ملك؟
سليم موضحا: عرفان هيبعت رجالة هما دلوقت جايين في الطريق، أمن معاهم، وبعد ما تخلص معاهم أرجع القاهرة علشان تكون مع ماسة بكره، فاهم؟
اومأ برأسه: تمام يا ملك.
رفع سليم هاتفه واتصل بمكي قال: مكي انت ورا عمار.
جاه صوت مكي من الطرف الآخر: اها.
سليم منتبها: خليك ورا، سيبه براحته، بس ركب جاهز تتبع في العربية اللي معاه، وخلي وراه حراسة، أنا راجع القاهرة دلوقتي، هروح ماسه واطلع على المخزن عند عثمان خلص مع عمار وتعالى على هناك.
مكي بايجاز: تمام.
صعد سليم إلى السيارة وهو يقول لعشري: خد بالك.
هز عشري رأسه بثقة: متقلقش يا ملك.
تحركت السيارة، وماسة تحدق أمامها، وعينيها تمتلئ بالدموع وقلبها يؤلمها، لا تزال غير قادرة على استيعاب ما فعله بها عمار، وضغط عائلتها الذي أثقل قلبها.
مسح سليم علي كتفها برقة، كأنه يذيب كل توترها بلمسة بسيطة: قطعة سكر أنتِ كويسة؟
نظرت له، والحزن يكسو وجهها: أمم، بس متوقعتش إن عمار يعمل كده.
ابتسم سليم بهدوء محاولا تهدئتها: كلام، مجرد كلام لحظة عصبية صدقيني.
قالت برجاء: خد بالك منه وحياتي، خلي الحراس يركزوا كويس.
سليم مبتسما: متقلقيش.
اقترب منها، أخذها بين أحضانه، وقبل يدها برقة، مستندا برأسه إلى رأسها ظل هكذا للحظات ثم قال: عارفة، خوفت؟ متختارنيش.
نظرت له بعينين مشبعتين بالقلق والثقة المترددة: مش بتثق فيا ولا ايه؟!
أجابها وهو يؤمي برأسه: بثق طبعا، بس عارف إن أهلك…
قاطعتها بابتسامة: متكملش، أنتِ متعرفيش قيمتك عندي يا سليم.
ابتسم بحب: لا عرفت خلاص.
ثم وضع قبلة طويلة على جبينها، وضمها إليه بحب صامت، بينما أسندت هي رأسها على كتفه، كأنها وجدت فيه الأمان الذي فقدته في كل شيء حولها.
المالديف، 5:00 مساءً بتوقيت المالديف
في أحد المطاعم.
كان المطعم مفتوحا على البحر مباشرة، طاولات خشبية بسيطة، شموع صغيرة تتحرك نيرانها مع النسيم، وصوت الموج ينساب كأنه جزء من الموسيقى الهادئة التي تعكس روح المكان السماء صافية، والنجوم متناثرة كحبات لؤلؤ، والجو يحمل دفئا مريحا لا يمل.
كانت مي تجلس أمامه، عيناها لا تستقران، تدوران حول المكان بانبهار صادق.
مالت قليلا للأمام وقالت وهي تبتسم: المكان حلو أوي يا رشدي بجد، بصراحة متوقعتش إنك تجيبني حتة زي دي، قولت هتوديني مكان مطرقع كده.
ضحك بخفة، وهو يعدل جلسته: لا ما هو أنا عارف إنك ملكيش في الطرقعة،فقولت نيجي مكان على مزاجك.
نظرت له بشيء من الفضول: هو أنت أصلا عارف المكان؟ ولا أول مرة تيجي؟
قال بثقة هادئة: لا، جيت هنا كذا مرة، المكان ده بتاعنا، ملكنا.
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية: بجد؟
هز رأسه مبتسما: أيوه، إحنا لينا سلسلة فنادق في أماكن كتير في العالم.
قالت وهي تنظر حولها مرة أخرى: طب حلو، المكان جميل اوى بجد، وذوقه رايق، عجبني.
وصل الطعام، وضعه الجرسون ورحل، وكان السمك هو الطبق الرئيسي.
نظر رشدي إلى طبقها ثم رفع حاجبه مازحا: ها؟ تحبي انضفلك السمك زي المرة اللي فاتت؟ ولا اتعلمتي؟
ضحكت بخفة: لا متعلمتش، تعالى علمني.
ابتسم، ونهض من مكانه وجلس بجانبها، قرب الطبق وبدأ يشرح لها بهدوء كيف تقطع السمكة، بحركات واثقة وبسيطة، وكانت هي تتابعه بانتباه حقيقي، بعد أن انتهى، علقت وهي تضحك: برغم جنونك بس ابن ناس برضو.
ضحك عاليا وقال: في شوية قواعد كده ماشي عليهم، يعني مشطحتش اوي.
نظرت إليه نظرة طويلة ثم قالت بصدق: اقولك لك على حاجة؟ برغم جنانك وتمردك ده، أنت بتعجبني أكتر واحد في إخواتك.
رفع حاجبه متفاجئا: أنت بتقولي كده بس علشان أنا جوزك.
هزت رأسها نافية: لا والله، بكلمك جد، أنا بحب فيك إنك عايشها ببساطة، من غير قناعات ولا تزييف، آه جنانك ساعات بيزيد بس في نفس الوقت مقبول وحلو.
مد يده، أمسك يدها برفق، ووضع قبلة خفيفة عليها، وقال بنبرة دافئة: والله مفيش غيرك إنت اللي حلو يا حلو.
ضحكت برقه، فقال رشدي بمداعبة: امتي بقي والأربع أيام دول يعدو..
نظرت له باستغراب: أربع أيام ايه؟
ابتسم ابتسامة جانبية ذات معنى: اللى احنا فيهم اخوات، ومن بعدهم مفيش مهرب.
احمر وجهها قليلا، وفهمت قصده، فأدارت وجهها بعيدا بارتباك، قائلة: أقسم بالله أنت قليل الأدب.
ضحك وقال وهو يميل ناحيتها: بس بتحبيني.
نظرت له بتهديد مصطنع: طب يلا كل وأنت ساكت، علشان مقلبش عليك، واوريك محمود.
ضحك، وبدأ يتناول طعامه، بينما كانت الأمواج تواصل عزفها الهادئ، والنجوم تشهد على بداية ألفة لم تكن مخططة لكنها كانت حقيقية.
❤️_______________بقلمي_ليلةعادل
الإسكندرية، 4:00 عصراً.
منزل مصطفي
كان مصطفى يجلس مع عائشة ونبيلة وإيهاب، يتبادلون الحديث في جو يغلفه القلق.
تساءل إيهاب بقلق: يعني أنتِ خلاص هتستلم الورق وتسافر؟
اومأ مصطفي براسه موضحا: أيوه، عايز أخلص، وأحط النقط على الحروف، وأرجع سمعة آلاء.
تنهدت نبيلة وهي تشبك يديها: : ربنا يستر طريقك يا ابني.
نظر إليه إيهاب متسائلا: طب أنت كده غيرت رأيك بخصوص قعدتنا في القاهرة؟
هز مصطفي رأسه موضحا: لا لا، هنروح عادي، بس لما أخلص من موضوع أخو آلاء الأول.
نبيلة بقلق: طب ما تخلي أخوك يروح معاك؟
اشاره مصطفى بيدة: لا، خليه هنا.
شدت نبيلة على كلماتها: لحسن أخوها دى يعمل فيك حاجة وأنت لوحدك.
مصطفى بثبات: مش هيعمل حاجه متخافيش، ولو حصل، هعمل محضر علطول.
إيهاب بقوة: عموما، لو حصل أي حاجة كلمني ابعتلك ناس لحد ما أجيلك.
ابتسم مصطفى ابتسامة خفيفة، ثم قال بلهجة رجاء: إن شاء الله خير متخافوش، المهم خدوا بالكم من آلاء، ويا ماما علشان خاطري اهدي على البت شويه.
رفعت نبيلة حاجبها بضيق: في إيه يا مصطفى؟ حد قالك إني أمنا الغولة؟
مصطفى بنبرة مازحة: لا بس مش عارف مالك يا بلبلة الفترة دي، بقيتي صعبة.
نبيلة بصدق: أنا بس خايفة عليك، بس متقلقش سافر يا ابني، وربنا معاك.
في تلك اللحظة، طرق الباب، فنهض إيهاب وفتحه، فوجد محمد يقف عند العتبة، فقال مرحبا: حموز تعال عاش من شافك
دخل محمد قائلا: السلام عليكم.
ما إن رآه مصطفى حتى تجهمت ملامحه، ونهض قائلا بجمود: طب أنا هقوم أجهز؛ علشان ألحق أسافر.
اقترب محمد منه خطوة: استنى يا مصطفي نتكلم.
مصطفى بحدة: لا معلش مش فاضي، سلام.
قال كلماته وخرج مسرعا، واغلق الباب خلفه، فساد الصمت للحظة، وشعر الجميع أن هناك شيئا ثقيلا انكسر في الهواء.
شد محمد فكه بضيق، فنظر إليه إيهاب وتساءل بقلق: انتم متخانقين ولا ايه؟ تعالي احكيلي إيه إللى حصل.
اومأ محمد برأسة وجلس يروي لهم ما حدث، ومع كل كلمة، كانت ملامح الاستياء ترتسم على الوجوه.
محمد بتبرير: أنا عارف إني غلطان ومكانش ينفع اكلمه كده على النقطه دى بالذات لانه حساس ليها، بس والله ما كنت أقصد، أنا كنت متعصب من تصرفاته علشان بيدخل نفسه في مشاكل على الفاضي.
وضعت نبيلة يدها على صدرها بأسف: أنا اللي غلطانة عشان كلمتك واشتكتلك، وخليتك تعمل اللي عملته.
عائشة بحدة: هو ده مبرر؟ علشان تقول على مصطفى الكلام ده.
خفض محمد رأسه قليلا: أنا آسف والله، بس اعمل إيه؟ مصطفى دايمًا بيدخل نفسه في مشاكل مش قدها، أنا اتصلت بالمستشفى، وسمعت كلام زعلني عليه، وعلى اللي بناه طول سنين، سمعته بجد بقت وحشه.
لم يعرفوا ماذا يقولون، ربما كان في بعض ما قاله حق، لكن الطريقة والكلمات التي اختارها كانت قاسية أكثر مما تحتمل.
إلا أن عائشة لم تكن مثلهم عقلها كان يسير في اتجاه آخر، رمقته من أعلى إلى أسفل بنظرة باردة، شعرت أن قلبه غليظ، وأن اعتذاره لا يشبه الندم بقدر ما يشبه التبرير.
تابع محمد موضحا بنبرة تحمل في طياتها الندم: أنا من امبارح بحاول أكلمه، ومش بيرد، فجيت علشان أعتذر له، أنا ميهنش عليا اسيبه زعلان مني، أنا عارف اني غلطان.
قال إيهاب بهدوء يطمئنه: اصبر عليه شوية، لحد ما يهدى، وكلمه تاني مصطفى قلبه طيب.
تنهدت نبيلة بأسف: بس أنت غلطت لما فتحت موضوع زمان يا محمد.
أجابها بصوت خافت: والله ما كان قصدي، أنا بس خايف عليه.
رد إيهاب بعقلانية: حصل خير، دلوقتي هو محتاجنا جنبه أكتر من أي وقت تاني، مش محتاج حد يقف ضده لحد ما يخرج من الأزمة اللي هو فيها.
هز محمد رأسه موافقا: عندك حق.
ثم التفت إلى عائشة قائلا بابتسامة: عاملة إيه يا شوشو؟
أجابت بهدوء: تمام، هقوم أعمل حاجة نشربها.
ودخلت إلى الداخل، لكنها لم تتجه لإعداد مشروب، بل انسحبت هربا من الحديث معه، فما فعله مع مصطفى جعلها تدرك أشياء كثيرة، أشياء شعرت أنها لم تعد تحتمل التأجيل، وأن عليها أن تتخذ بشأنها قرارا حاسما.
❤️_______________بقلمي_ليلةعادل
المخزن، 7:00 مساءً.
أصوات صراخ حادة تمزق المكان، صوت رجل يصيح بالألم، يتداخل معه صوت ضرب عنيف يملأ المخزن.
ومع الاقتراب، يتضح المشهد: نرى عثمان مقيدا إلى عمود حديدي، يداه مرفوعتان إلى أعلى ومشدودتان بقيود قاسية تزيد من ألمه، وجسده مغطى بالكدمات الزرقاء، وجهه متورم، وآثار الضرب المبرح واضحة على كل شبر فيه.
كان مكي ينهال عليه بالضرب بلا رحمة، وهو يصرخ فيه ويمسكه من ياقة قميصه: انطق كنت بتعمل إيه مع عماد؟!
لكن عثمان، رغم الألم، ظل ثابتا على كذبته، يهز رأسه بعناد: معملتش حاجة، والله ماعملت حاجة!
ثم صاح بأعلى صوته باستنجاد: فين سليم؟! أنا عايز سليم، فين سليم؟!
في تلك اللحظه، دخل سليم بهيبة باردة، وتوقف أمامه مباشرة، نظر إليه بهدوء قاتل، وابتسامة أبرد من الجليد ارتسمت على شفتيه: أنا جيتلك أهو يا عثمان.
رفع عثمان رأسه بصعوبة، يلهث، وصوته يرتجف: أنت .. أنت بتعمل فيا كده ليه؟
ثم تابع بانكسار مصطنع: أنا عثمان يا سليم، الراجل بتاعك المخلص، انت أكتر واحد أنا بحبك أزاى.
اقترب قليلا وهو يبكي بتمثيل: دى أنا فديتك بحياتي مرتين، معقوله تشك فيا؟!
كان سليم يستمع إليه بصمت، وعينيه متسعتين بدهشة ممزوجة بالاشمئزاز من كذبه، وهو يمرر أصابعه على لحيته ببطء مريب، ثم قال ببرود قاتل: وايه كمان؟
شعر عثمان أن سليم عاد لشخصيته القديمة؛ فهو يعرف تلك النظرة جيدا، لكنه أبى أن يعترف، وقرر أن يواصل التمثيل ربما يقنعه: سليم بيه، أنت مش مصدقني؟ أنا مستحيل أخونك.
ضحك سليم ضحكة عالية، رنانة، لكنها مليئة بالسخرية وقال بنبرة خافضه باردة: عثمان أنت لسه فيك نفس تكذب وتمثل؟
هز عثمان رأسه بعناد: أنا مبكدبش أنا..
وقبل أن يكمل، نزلت لكمة سليم على وجهه بقسوة، أدارت رأسه جانبا..
قال سليم بصوت منخفض مخيف بعينين غامت بسواد خطر: أكتر حاجة بكرهها الكذب والتحوير، هات من الآخر يا عثمان..
ثم أضاف وهو يحدق في عينيه: عملت كده ليه؟ خونتي ليه؟
رد عثمان وهو ينظر داخل عينه بحسم: أنا مخونتكش، والله قابلته بالصدفة!
تساءل مكي باستهجان: والتليفونات اللي لقيناها معاك؟
نظر له عثمان وأجاب بنبرة مستفزة: تليفونات شخصية عادية!
هز سليم رأسه ببطء، كأنه يحاول كبح غضبه المتصاعد، ثم اقترب منه فجأة، وأمسك وجه بين كفيه بقسوة، حتى اختلطت أنفاسهما، وحدق داخل عينيه مباشرة كأنه يمنحه الفرصة الأخيرة.
كانت نظرته حادة، مشتعلة بشرر ما قبل العاصفة، وقال بنبرة هادئة، لكنها محملة بكل ما هو أخطر من الغضب: عثمان أنت وقعت خلاص، صدقني الحقيقة هتنجيك مش من الموت بس من العذاب، ليه مصمم تحميه؟
ثم صرخ بنبرة موجوعة: خنتني ليييييه يا عثمان؟
قال عثمان بثبات: مخنتكش.
ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة خفيفة لا تشبه الضحك في شيء، ابعد يديه من على وجهه، وهو يهز رأسه وكأنه حسم أمره، ثم ابتعد خطوات للخلف وقال: طيب أنت مسيبتليش حل غير الحل ده.
وفجأة أشار بيده، فدخل أحد الحراس، ومعه امرأة وولدان في سن المراهقة، وفتاة صغيرة، مكبلين ويضعون ملصق على فمهم ويبكون.
اتسعت عينا عثمان، وصرخ بجنون وتوسل: لااا! عيالي! مراتي، لا يا سليم أبوس إيدك!
اقترب منه سليم وقال ببرود قاتل: ليه لا؟ هي مراتك أحسن من مراتي؟ لما هربتها وهي بالمنظر دي في نص الليل، وقفت قدامي وقولتلي أنا معرفش حاجة، وسبتيني ست شهور عايش متعذب، كان عادي!!
ابتلع عثمان ريقه بارتباك، وقال بصوت مهتز: أنا معملتش كده، النور كان قاطع وقتها ومشوفتهاش.
ابتسم سليم ابتسامة باردة، وفجأة انقلبت ملامحه، واقترب منه، ووجه له لكمة قوية وهو يقول بحدة: قولتلك مبحبش الكذب، ماسة حكتلى كل حاجه واتعرفت على صورتك.
تهدج صوت عثمان: أنا أنا عملت كده عشان خوفت عليها، بس.
ضحك سليم ضحكة قصيرة خالية من أي رحمة: يا حنين!
اقترب أكثر وأضاف بقسوة: وسيبتني ست شهور متعذب علشان خايف عليها؟ طب ومخوفتش عليها وأنت بتهربها بالمنظر دى في نص الليل من غير حتى ما تسترها.
ثم صرخ: خونتني ليه يا عثمان؟! كنت بتعمل إيه مع عماد؟
هز رأسه متمسكا بادعاؤه الواهي: قولتلك شوفته صدفه والله شوفته صدفه.
تنفس سليم ببطء، ثم قال بنبرة أخطر من الصراخ: طيب، مادام أنت مصمم، انا هعرف انطق..
وأشار برأسه إشارة خفية، فتقدم أحد الحراس وأخرج المسدس وأشهره على رأس زوجه عثمان وأولاده، فدوى صوت صراخهم المكتوم من خلف الملصق الذي على فمهم.
فصرخ عثمان بذعر وتوسل: سليم بيه ابوس رجلك، متدخلش مراتي في الموضوع! لو عندك حساب صفيه معايا أنا متصفيهوش مع مراتي ولا ولادي أبوس ايدك! هما ملهمش ذنب.
اقترب سليم منه، وصوته خرج هادئا لكنه قاتل: يا سلام؟ وأنت لما صفيت حسابك مع مراتي كان ليها ذنب؟
توقف لحظة ثم قال: ليه أنت كمان محاسبتنيش أنا؟ ليه دخلت ماسة في الموضوع؟
اقترب أكثر، وصرخ: انطق كنت بتعمل إيه مع عماد.
ثم أضاف بتهديد: وإلا وحياة ربنا وحياة ربنا لأحسرك عليهم قدام عينك دلوقتي، وأنت عارف كويس سليم اللي أنتم صحيتوا شخصيته القديمة ممكن يعمل إيه.
اقترب منه سليم وتساءل بوجهه مظلم: انطق، كنت عايز تاذي ماسة ليه؟!
رفع عثمان عينيه فجأة، وانفجر كل ما كان يخفيه، من الغل، والكره، والحقد دفعة واحدة، وهو يقول بصوت مبحوح، مشحون بالسم: أنا لو بإيدي ابعد ماسة عنك علشان بس أحرق قلبك عليها وأشوفك متعذب هعملها، لو بأيدي امسك قلبك ده وأحطه بين إيديا وافتته؟ هعملها ومش هتردد لحظة...
توقف ثواني، ثم أكمل بضحكة مريضة: زمان كنت غبي لما اتفقت على خطفها مع محمود وعماد، وزعلت اوي إن محمود مقتلهاش، ولما سقطت كنت بتمنى تموت، بس للأسف محمود طلع خرع ومعرفش يموتها، وكل مره مكانتش بتموت وكانت بسبع ترواح وبتفضل عايشه.
اقترب برأسه للأمام رغم القيود: بس لما شوفت دموعك، وشوفت قد إيه أنت منهار ومتعذب بعد ما هربت، عرفت إن أنا كنت حاسبها غلط، موتها كان رحمة ليك، على الأقل كنت هتبقى عارف قبرها فين، وتروح تعيط هناك..
ضحك بسخرية قاتلة: إنما إنها تعيش معاك في حضنك، وهي متعذبة، وأنت متعذب، ومش عارف تديها أمان، بتنام مغمض عين وفاتح عين، كده أنا آخد حقي أكتر وأكتر...
خفض صوته، كأنه يتلذذ بالاعتراف: أنا كنت بعيش أسعد لحظات حياتي يا سليم، وأنا شايفك متعذب وهي بعيدة عنك.
ثم قال ببرود صادم: ولعلمك بقى أنا اللي حرقت الفيديوهات، وأنا اللي كنت عارف من أول لحظة إنها مسافرة فين ومع مين، شوفتها وهي بتركب عربية مصطفى، وشلت كل حاجة علشان متوصلهاش..
تابع بلا توقف: جبت رقم العربية، وعرفت مكانها، وكل مرة تحاول توصل، أنا اللي كنت بقضي على أي خيط، وأنا اللي كنت ببلغ العلايلي والصياد وكل أعدائكم بمواعيد التوزيع، وخط سير الشحنات، وأماكن الحراس، وعددهم، وقوتهم، وسلاحهم.
رفع ذقنه بتحدي: يعني لو بإيدي أحرق قلبك أنت وأبوك وأمك؟ مش هتأخر لحظة..
وقف سليم مذهولا، بؤبؤ عينيه متسع، أنفاسه ثقلت، لا يفهم من أين جاء كل هذا الكره!! فهو لم يفعل له شيئا ومع ذلك، كان هذا الجحيم كله ينتظره.
تابع عثمان، وقد ازدادت نبرته وقاحة: ولما أخدت رصاصتين مكانك؟عملت كده علشان أكسب ثقتك،
علشان أبقى من الحراس اللي معلهمش العين، أصلي عارف إن ثقتك مش سهلة، حتى لما حصل هجوم محمود.
ثم قال ببرود مروع: أنا متضربتش بالرصاص، أنا اللي ضربت الرصاصة لنفسي وقتلت نجاتي، نجاتي معملش حاجة أنا اللي سلمته، أصل كان لازم خروف أضحي بيه علشان المسلسل يتصدق.
تابع بنبره اكثر غلا بكراهيه تخرج من عينه دون ندم: ولو رجع بيا الزمن هعمل كده ثاني والثالث وألف.
ظل سليم ينظر إليه طويلا، كأنه يحاول استيعاب حجم ذلك الغل والكراهية!! كان الذهول يقيد ملامحه، والكلمات تخرج من فمه بصعوبة: إيه كل الكره ده؟
سكت لحظة، ثم أعادها بصوت مبحوح: ليه كل الكره ده؟ كل ده شايله في قلبك ليا، ليه؟! أنا عملتلك ايه لكل دى؟! بلاش أنا، ماسه مالها بكل الغل دى؟!
وفجأة انقض عليه كوحش أفلت من قيوده، وبدأ ينهال عليه باللكمات بكلتا يديه، يضربه بعنف أعمى، وهو يصرخ في وجهه: ليه عملت كده؟! ليه عملت كل ده؟! ليه كل الكره ده يا حقير؟! يا ابن الكلب! ليه؟! كل السنين دي بتخوني وأنا معرفش.
حاول الحراس التدخل، تجمعوا حول سليم، يشدونه بعيدا عنه قبل أن يفتك به.
كان يدفعهم بعنف، ويضرب بقدميه، وعينيه تقدحان جنونا، كأنه وحش مفترس فقد السيطرة.
دخل مكي بينهم، ممسكا بسليم بكل قوته: خلاص يا سليم! هيموت في إيدك!
صرخ سليم وهو يحاول الإفلات: يموت في ستين داهيه!
احكم قبضته على سليم يحول بينه وبين عثمان: مش قبل ما نعرف منه اللى عايزين نعرفه.
ثم التفت بوجهه لعثمان صارخا: عملت كده ليه يا عثمان؟! انطق بدل ما أقسم بالله وأفرغ رصاص مسدسي في دماغك حالا قدام عيالك، عمل معاك ايه سليم لكل دى يا كلب؟ وماسة ذنبها إيه؟! عملت كده ليه؟!
كان عثمان يلهث، صدره يعلو ويهبط، وقال بصوت متقطع: علشان ادوقه من نفس الكاس، واعيشه نفس العذاب اللي أنا عيشته.
نظر له سليم ومكي باستغراب، فأضاف وهو يضحك بمرارة: عملت في مراتك زى اللى عملته في جميله، هي أه ملهاش ذنب، بس جميلة كمان مكانش ليها ذنب علشان تعمل فيها اللى عملته!
تجمد سليم في مكانه، ونظر إليه بذهول: جميلة؟ جميلة مين؟!
رفع عثمان رأسه بصعوبة، ونظر إليه بنظرة حاقدة تحترق بالكراهية وقال وهو يلهث: جميلة! لحقت تنساها؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة سخرية موجعة، وقال بمرارة: جميلة اللي أنتم قتلتوها بعد ما اغتصبتها بدم بارد وسافرت.
اقترب صوته من الانكسار، وعيناه تلمعان بالدموع: إيه؟ نسيت؟
هز رأسه ببطء: بس ذنبك ميتنسيش.
ارتعشت نبرته، وخرج الوجع دفعة واحدة: أنا كنت هتجوزها، كانت هاخدها وابعد
ثم صرخ، كأن قلبه ينتزع: بس أنت قتلتها! قتلتها بعد ما أخدت شرفها بالغصب كأنها ولا حاجة! بتدوسوا علينا عادي، علشان إنتم كبار، فاكرين نفسكم فوق كل البشر.
رفع رأسه بتحد: بس أنا وريتك إنك ولا حاجة، فضلت سنين بضحك عليك ومستغفلك، وخد بالك أنت مجبتنيش هنا ولا خليتني أتكلم، غير لما استخدمت حيلك الجبانة زيك..
تدخل مكي بصوت متماسك: كنت تعرف جميلة منين؟
نظر إليه عثمان، وصوته هادئ لأول مرة: كنت بحبها وهتجوزها، بس صاحبك اغتصبها وقتلها.
سرح سليم لثواني، كأن المشهد كله مر أمام عينيه،
ثم فجأة، ضحك، ضحكة قصيرة جافة، وقال ببرود مستفز: كل ده عملته علشان جميلة؟
اقترب خطوة، وقال بنبرة ثابتة: بس أنا مغتصبتهاش، هي عملت كده معايا بمزاجها، تقدر تقول كانت بتدور على صيده تقيله.
صرخ عثمان بانفعال: كداب!
رفع سليم حاجبه باستخفاف: وهكدب عليك ليه! هخاف منك!!
ثم قال بوضوح قاتل: هي اللي جتلي بمزاجها لحد اوضة نومي.
ابتسم بسخرية: ضحكت عليك يا مغفل..
وأشار إليه بإصبعه: وأنت صدقتها يا غبي، هي اللي جتلي لحد عندي وسلمتني نفسها بمزاجها، والهانم هي اللي طردتها تاني يوم، وأنا أصلا مكنتش موجود وقتها.
اقترب أكثر وهمس: حتى قتلها كان بسبب غبائها، ومعرفتش إلا بعدها.
((فلاش باك…))
قبل خمسة عشر عاما.
💕_______________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي – غرف الخدم، 2:00 بعد منتصف الليل.
كانت جميلة تقف أمام المرآة، تلك الفتاة التي رأيناها من قبل، تصفف شعرها الطويل بعناية، وتضع مساحيق التجميل بجرأة، أحمر ناري يعلو شفتيها، وكحل داكن يحيط بعينيها، يمنحهما نظرة جريئة لا تخلو من الطموح.
كانت ترتدي قميص نوم خفيفا، تلف فوقه روبا وتتركه مفتوحا قليلا.
خلفها جلست فتاة أخرى، قريبة من عمرها، تراقبها بقلق واضح، وقالت بنبرة خائفة بعدم رضا: والله العظيم اللي أنتِ بتعمليه ده هيوديكي في ستين داهية.
التفتت اليها جميلة، وهي تمسك أحمر الشفاه بين أصابعها بثقة ساخرة: هيوديني في ستين داهية ليه بس؟
ردت عليها بتهكم: علشان اللي في دماغك ده مش هيحصل.
ثم اشارت بيديها وكانها توقظها من حلم كبير: سليم بيه، يخرب بيتك!
ثم أضافت بسرعة: طب ما تشوفي رشدي؟ ده حتى بيروح مع أي واحدة!
ابتسمت جميلة نصف ابتسامة، وهي تضع الروج بدقة: ما هو عشان بيروح مع أي واحدة ملوش لازمة يا ماما.
ضحكت بسخرية وتابعت بنظره بها طمع: وبعدين ده مهزأة البيت، ولو حصل بيني وبينه أي حاجة، أول ما أمه ولا ابوه يشخط فيه، هيعملها على روحه ويقولي أمك في العش ولا طارت.
وتابعت بعينين تلمع بالمكر والدهاء: إنما سليم بيعرف يقول لأ، وبعدين أنا بسمع الباشا دايما يقول إنه هو اللي هيبقى الكبير.
تنهدت الفتاة بسخرية: وأنتِ فاكرة لما يبقى الكبير هيفكر يتجوزك؟
هزت رأسها بأسى: يابنتي عيشي عيشة أهلك، عمره ما هيبصلك.
ثم همست: آخرك تبقي من حريمه.
زفرت جميلة وهي تغلق صباع الروج، وجلست امامها ثم قالت بهدوء مريب، كأنها تحدث نفسها: أنتِ متعرفيش أنا ناوية أعمل إيه، وحياتك لهخليه يتجوزني..
نظرت لها تلك الفتاة نظره مستنكره غير راضيه، فردت جميلة على تلك النظرة وهي تقول بثقه غريبه: أنتِ مش هتصدقي غير لما تلاقي نفسك شغالة عندي.
ترددت الفتاة، ثم سألت: طب وعثمان؟ هتعملي معاه إيه؟
نهضت جميلة، وارتدت عباءتها بإهمال: عثمان؟
ابتسمت بسخرية خفيفة: أبويا وأمي موافقين عليه، شايفينه أمله، معرفش على ايه؟
ضحكت باستهزاء: ال ايه؟ حارس وبياخد قرش كويس، بس في الآخر اسمه حارس.
نهضت تلك الفتاه واقتربت منها، وضربت على كتفها بخفة، صوتها يرجف بقلق: يا جميلة فوقي، اللي إنتِ ماشيه فيه ده طريق خطر، انا خايفه عليكي، انت بس اللي هتداسي.
ابتسمت جميلة ابتسامة واسعة، مملوءة بالغرور: متخافيش عليا يا غادة.
اقتربت منها أكثر: بكرة هبقى ست البيت ده كله.
ثم غمزت لها: بس متخافيش يا بنت هنفضل اصحاب، وهخليكي المساعدة بتاعتي، وهخلي سليم يجوزك لمكي صاحبه.
ثم التفتت نحو الباب وهي تقول بلهجة آمرة: يلا، اخفي بقى، روحي نامي..
فتحت الباب وأضافت: أنا هطلع بره أستناه.
خرجت جميلة من الغرفة بخطوات واثقة، دون أن تلتفت خلفها.
بينما ظلت صديقتها واقفة مكانها، تنظر إلى الباب المغلق بقلق ينهش صدرها، ثم ضربت كفّا بكف، وهمست بخوف حقيقي: ربنا يسترها عليكي يا جميلة…
ابتلعت ريقها وأضافت بصوت مرتعش: أنتِ بترمي نفسك في النار والله.
وساد صمت ثقيل، كأن الغرفة نفسها كانت تشهد على ما سيأتي.
بعد ساعه
كانت جميلة متوقفه امام نافذة مطله على الحديقة تنظر سليم وهي ترتدي عبايا سوداء وترمي طرحه على شعرها تظهر أكثر مما تخفي.
بعد قليل، جاءت سيارته وتوقفت أمام القصر، فارتسمت على شفتيها إبتسامة واسعه وتحركت لاستقباله.
وبعد لحظات ترجل سليم من السيارة، ودخل القصر، وفور دخوله اقتربت منه مسرعة لتنفيذ خطتها: سليم بيه…
رفع عينيه نحوها وقال بصوت متعب: جميلة!
كان يبدو عليه أثر الشراب، فقالت بدلال: حمد الله على السلامة يا سليم بيه، أعملك حاجة؟
هز رأسه وهو يتحرك: متشكر.
تحرك وبدأ يصعد السلم، لكنه كاد أن يتعثر، فركضت نحوه وأمسكته بسرعة: تعالي، أوصلك.
كانت نظرتها تحمل شيئا غامضا، ساعدته حتى وصل إلى غرفته، وأجلسته على الفراش.
قال سليم بفتور: متشكر يا جميلة.
ولكنها جلست إلى جواره، وراحت تمسح على كفه المستند إلى الفراش، وقالت بنبرة مملوءة بدلال مقصود: متشكرتنيش يا سليم بيه، إنت متعرفش غلاوتك عندى ولا ايه، دى أنت غالي عليا أوى.
نظر بطرف عينه على يدها ثم نظر لها وتبسم بخفة:
عارف…
ثم أنتبه لما ترتدي وعلق: بس أنتِ لابسة كده ليه؟
أجابته بدلال مثير: كنت مستنياك علشان أستقبلك، أنت متعرفش غلاوتك عندي، ده انا بحبك اوي والله يا سليم بيه، وبزعل اوي لما بتسافر، ما تاخدني معاك
تبسم متعجبا: أخدك معايا فين؟
قالت وهي تمرر أصابع يدها على عنقه، بنظرات حارة تحاول بها أن تذيب صلابته: أمريكا، علشان اخد بالي منك، هو انت متعرفش غلاوتك عندى؟
اقترب أكثر وقال بنبرة واهنة: ما قولتلك عارفاها.
ابتسمت إبتسامة صغيرة لكنها انثوايه لعوب، تبادل النظرات للحظه، واقتربت منه وطبعت قبله عميقه علي شفتيه، وأخذا يتبادلها للحظه.
ثم ابتعدت عنه بطريقه تشعل النيران به أكثر، ثم نهضت وخلعت العباءة بطريقة مثيرة، كاشفة عن ثوب نوم عاري
قال سليم بمغازله: أوووه ده احنا طلعنا جامدين.
ابتسمت وهي تميل عليه بانوثه وتلقي عليه العبايه: أنت لسه شوفت حاجة اصبر.
ثم غمزت له.
تقدمت وشغلت الموسيقى، وربطت طرحتها على خصرها، ثم بدأت تتمايل على أنغام الأغنية بحركاتٍ تشعل فيه نيران الرغبة، كان يحرك رأسه وهو يغني منسجم مع حركتها والانغام، كما كان يبدوا عليه الآثارة من حركتها، مدت يدها فجأه جذبه إليها، وشرعا يرقصان معا، كانت تعتمد أن تقوم بوضع لمسات لعوبة محسوبة على جسدة لتثيرة، وعندما شعرت ان الوقت قد حان، دفعته برفق إلى الخلف ليستقر على الفراش، واقتربت منه بخطوات واثقة، تعرف تماما ما تفعل، وتدرك أثر كل حركة ونظرة، حتى غمره ذلك الإحساس وأسدلت الستارة على اللحظة.
في اليوم التالي
كان سليم نائما على بطنه في ثبات عميق، ظهره عاري، وجسده مغطّى من الأسفل بغطاء. كانت تمام جميلة بجانبه، ظهرها عاري جزئيًا لكنها تغطي نصف جسدها بالغطاء. بعد وقت، بدأ سليم يتململ من النوم، واستيقظ، نظر بجانبه فرأى جميلة مسح على وجهه بنوعٍ من الندم والضيق ثم تحرك نحو الحمام، مرتديًا سرواله الداخلي فقط.
أخذ حمّامه، ثم بدأ يرتدي ملابسه على مهل.
كانت هي ما تزال غارقة في سباتٍ عميق، ساكنة كأنها منفصلة عن العالم.
ومن حينٍ لآخر، كان يرفع عينيه نحوها يسرق نظرة أثناء ارتدائه،
لكنه توقّف فجأة…ما لفت انتباهه تلك البقعة الحمراء.
تحرّك نحو الفراش ببطء، وهو يغلق أزرار قميصه عند معصمه، ثم أزاح الغطاء قليلًا.
وهنا كانت الصدمة اتّسعت عيناه للحظة، واستقرت الحقيقة في صدره ثقيلة؛كانت عذراء.
زفر باختناق، كأن الهواء ضاق من حوله، لكن ملامحه سرعان ما تماسكت.
لم يسمح للفكرة أن تطول…أعاد الغطاء إلى مكانه، واستدار دون كلمة.
تحرّك إلى الخارج، تاركًا خلفه كل شيء كما هووكأن ما حدث لا يعنيه.
بعد وقت – حديقة القصر
دخلت سيارة فخمة الحديقة، واستقبلها الحراس عند الباب ترجلت فايزة، كانت اصغرا سنن، لكنها تحرّكت بخطوات محسوبة وواثقة.
استقبلها رشدي في الهول بابتسامة خبيثه: حمد الله على السلامة.
ردّت باقتضاب وهي تخلع نظارتها الشمسية: الله يسلمك…
نظره من حوله: امال فين بابا واخواتي
موضحه: الباشا في المجموعه واخواتك حفله هناك كده المطرب مش عارفه اسمه ايه كده وهيحضروها ويجوا بكره .. فين سليم؟ سافر؟
قال رشدي بنيرة مكر ساخر: لا، بس عمل لك مفاجأة جامدة جدًا.
ارتفعت حواجبها بدهشة: مفاجأة إيه يا رشدي؟
ضحك رشدي بخفة شيطانيه قال بنوع من الشامته والكرهيه: الأستاذ اللي بتقولي عليه… ما فيش منه. قضى ليلته امبارح مع الخادمة.
تجمّدت فايزة: انت اتجننت؟ فاكرة زيك؟
رشدي بهدوء، بنبرة ماكرة تحمل في طياتها شياطين الخبث، كأنه يريد أن يطعن سليم أمام عائلته، ويخرجه من ثوب الفضيلة الذي يرتديه في نظر الجميع
قال كانه يبخ سم: مش مصدقة؟ اطلعي شوفي على الأقل أنا بعمل كده بره… مش في القصر.
قالت بحدة: لو بتكدب…
قاطعتها مبتسما: اطلعي شوفي جميلة… وهي على سريرٍ في حضن الأمير.
جزت فايزة على أسنانها حتى تآكل صريرها في قلبها، ثم اندفعت الدراجة صاعدة بسرعة، الهواء يصفع وجهها، بينما وقف رشدي مبتسمًا بشماتة،
كأنه أخذ بثأره.
صعد خلفها يراقب، ليرى سليم وهو يُوبخ كما يفعلون به عادة، يريد أن يروي غله من الفخ الذي وقع فيه، غلٌّ مختلط بالانتقام والصمت.
غير مدرك أن سليم قد غادر القصر منذ ساعات، تاركًا الفراغ والغضب يتجمع في صدره.
غرفة سليم
فتحت فايزة الباب بهجوم، وما إن وقعت عيناها على جميلة النائمة، حتى اشتعلت النيران داخلها، وكس الغضب ملامحها القت حقيبتها بغضب، ثم اندفعت نحوها وهي تصرخ: بتعملي إيه على سرير ابني يا قذرة!
صحّت جميلة بخضه: الهانم!
سحبتها فايزة من شعرها، وقالت بغضب: تعالي هنا يا حقيرة! فاكرة نفسك إيه عشان تنامي على سرير اسيادك؟
صفعتها على وجهها، بينما كانت جميلة تصرخ تتوسلها: أبوس إيدك يا هانم… سبيني، ده سليم بيه!
قاطعتها فايزة وهي تهوي على جسدها ضربًا، تصرخ بانفعال: سليم! إيه يا حشرة؟!
ثم سحبتهاوفايزة من على الفراش من شعرها بقسوة.
كانت جميلة لا ترتدي سوى قميص نومها العاري
صاحت فايزة بغضب: إنتِ مش هتفضلي هنا لحظة بعد كده… يا قذرة، يا رخيصة!
بكت جميلة متوسلة: أبوس إيدك، ما تعمليش كده… سيبيني ألبس طيب!
صرخت فايزة بازدراء: لا، هتخرجي كده، عشان تعرفي إزاي تتعدّي على أسيادك، يا رخيصة! يا زيالة.
تعالت صرخات جميلة: أبوس إيدك، يا هانم خليني استر نفسي.
لكت فايزة كانت مجرد من الإنسانية صخرجت بجبروت بطوقسوة وهي تجرها على الارض: لا هتنزلي كدة زي مجبتك من على سرير سيدك يا مجرمه يا منحطه يلا.
صرخت جميلة تحاول ان تستنجد بسليم لا تعرف انه خرج:… سليم! يا سليم، الحقني!
ردّت فايزة بحدة قاتلة:اسمه سليم بيه، انتي نستي نفسك يا حشرة !
أخذت تجرّها على الأرض بعنف، غير عابئة بصراخها أو توسلاتها.
كانت جميلة تحاول، بيأس، أن تمسك بأي شيء يستر جسدها، لكن فايزة كانت بلا رحمة؛ تنتزع من يدها كل ما تقع عليه أصابعها، وكأنها تتعمّد تجريدها قبل طردها.
قبضت على يدها بقسوة، ثم دفعتها بعنف حتى كادت تسقط، وهي تصرخ فيها: هاتي هنا!
شدّت ذراعها بقوة أكبر وهي تسحب من يدها طرحتها.. سيبي من إيدك!
ثم دفعتها نحو الخارج وهي تزأر:… يلا برّه!
كانت فايزة تمتلك قوة جبارة لا تستطيع تلك الفتاه أن تصدها.
التفتت جميلة إليه برجاءٍ يائس، عيناها مغرورقتان بالدموع: رشدي بيه… أبوس إيدك… الحقني!
لكنّه أشاح بوجهه عنها ببرودٍ تام، كأنها لا تعنيه، وقال بلا اكتراث: أنا مالي.
صرخت فايزة، وصوتها يشقّ المكان: يلا من هنا يا مجرمة!… يلا!
واصلت جرّها بعنف عبر الممرات ثم الدرج، غير عابئة بتعثّرها أو توسلاتها، حتى هبطت بها إلى الأسفل.
وفي منتصف الحديقة، دفعتها بقوة فجائية.
سقطت جميلة أرضًا سقوطًا مهينًا، منكفئة على نفسها، عارية من كل ستر…
أمام أعين الحراس والخدم جميعًا.
ساد صمتٌ ثقيل، وارتفعت أيدٍ إلى الأفواه بذهولٍ وصدمة، بينما بقيت جميلة ملقاة على الأرض، مكسورة… لا أحد يجرؤ على الاقتراب.
ثم التفتت إلى الحراس وقالت بصرامة:
البنت دي تترمي في الشارع زي ما هي كده، فاهمين؟ ومحدش يدخلها هنا تاني.
ثم بصقت بازدراء: اتفّوا.
تحرّكت فايزة إلى الداخل بخطوات حادّة، بينما ظلّت جميلة ملقاة على الأرض، تحاول بيدين مرتعشتين أن تغطّي صدرها، تبكي بصوتٍ مخنوق.
كانت آثار أصابع فايزة واضحة على جسدها ووجهها؛ كدمات حمراء، وصفعات لم تُمحَ بعد.
تقدّم اثنان من الحراس، تردّد واضح على وجهيهما: لازم تمشي… ما ينفعش تفضل كده.
حاولا جرّها، لكن فجأة ظهر عثمان، صوته حاسم:
سيبوها… أنا اللي هطلّعها.
تردّد أحد الحراس: بس يا عثمان…
التفت إليه بحدّة: هو إيه اللي بس؟! أنا هخرجها، وأودّيها عند أهلها.
أومأ برأسه إيجابًا، ثم انحنى نحوها، خلع جاكيته بسرعة وغطّاها به تحرّكت معه وهي تبكي، جسدها يهتز من شدّة الانهيار.
فتح لها باب السيارة، وأدخلها برفق.
ثم دخل السياره وانطلق، الصمت ثقيل، لا يُقطعه سوى شهقاتها.
كان ينظر إليها بطرف عينه بصدمة، ثم يعيد بصره إلى الطريق.
وفجأة، ضغط على الفرامل وأوقف السيارة.استدار نحوها، صوته منخفض لكنه مشدود:أنا عايز أفهم اللي حصل…
تابع بلوم: إنتِ يا جميلة… إنت تعملي كدة؟!
رفعت عينيها إليه فجأة، عيناها محمرّتان، وصوتها خرج مكسورًا: أنا إيه؟
ثم صرخت بانهيار: إنت فاهم إيه؟!
تنفّست بصعوبة وأضافت: سليم… سليم اغتصبني.
اتّسعت عينا عثمان بذهول: سليم؟
هزّ رأسه ببطء: سليم مشي من بدري
ابتلعت ريقها، وتدفّقت الكلمات من فمها وهي تبكي:
امبارح بالليل طلب قهوة… أنا اللي طلعتها له كان شارب اغتصبني..
صوتها انكسر أكثر: لما حاولت أشتكي للهانم لما رجعت الصبح عملت فيّ كل ده
سألها بحذر: إنتِ متأكدة إن سليم… مش رشدي؟
نظرت إليه وكأن السؤال طعنة جديدة: يعني إيه متأكدة
اقترب صوتها من الصراخ: يعني إنت مش مصدّقني ليه يا عثمان؟!
ثم انهارت تمامًا، وضعت كفّيها على وجهها:
انا ضعت ضعت
شهقت: أهلي لو عرفوا… هيموتوني.
"وظلت تبكي وتمثل عليه أنها اغتصبت، ولم يحدث ذلك على أرض الواقع كما رأينا في المشهد في حلقات المسابقة عندما حاولت إقناع عثمان أن سليم اغتصبها.
على اتجاه اخر في سيارة سليم
كان سليم يقود السيارة بسرعة، والأغاني الصاخبة تتدفق من الراديو، لكنها لم تلهيه عن ما يجول في رأسه.
تذكر ليلة أمس… ما حدث مع جميلة. شعور بالضيق اجتاحه، خصوصًا عندما تذكر أنها كانت عذراء.
رغم ذلك، حاول أن يبرّر لنفسه ما حدث، مذكرًا نفسه أنها جاءت بقيادتها، هي من فرضت نفسها، وهي من أغوته.
واصل القيادة، متجهًا نحو المطار، حيث استقبله مكي، ثم سافر إلى أمريكا.
لم يتحدث عن الموضوع أبدًا، تاركًا كل شيء خلفه.
عند هبوط الطائرة للتَّرانزيت، جلس سليم في الكافيه، ومرت ساعات وهو ينتظر الطائرة الأخرى.
الثقة في نفسه لم تفارقه، حتى جاءه اتصال هاتفي من عزّت.
رن الهاتف، رفعه: ألو…؟
سمع صوت عزّت من الطرف الآخر، مشحون بالغضب:
إيه اللي عملته ده، جميلة يا سليم؟ ما لقيتش غير جميلة!
تنهد سليم ببرود، محافظًا على هدوئه: حضرتك متصل بيا عشان تقول الكلام ده؟
رد عزت بضجر: أكيد متصل… عشان أقولك الكلام ده، وإحنا بنعيب على رشدي.
صمت سليم للحظة، ثم أجاب: هي اللي جات عندي
عزت بتهكم ممزوج بلوم: انا مش متصل بيك عشان اسالك عشان واعرف البدايه عند مين، انا بتصل عشان اقول لك وصلت بيكي للخدامه
رد سليم بسخرية جامدة: هو انت مشكلتك ان هي خدامه لكن لو حد اني كانت عادي
رد عزت بشدة: هو انت شايف
قاطعه سليم بنبرة قاطعة، لا تتحمل النقاش: اللي حصل… حصل خلاص.
ثم أضاف ببرود: سلام دلوقتي… أنا مش فاضي.
نظر مكي إليه بدهشة، محاولًا فهم الموقف:
نظرك ليه؟… إيه اللي حصل؟
أجاب سليم باختصار… هقول لك بعدين.
على اتجاه آخر، في القصر مكتب عزت
رفعت فايزه عينيها وقالت بسخط:
طبعا قفل وما اداكش اي مبرر ولا اعتذر حتى.
ظفر عزت وهو يضع هاتفه على المكتب: خلاص يا فايزة… الموضوع انتهى هي… مشيت من هنا.
فايزة بضجر، افترض بقى إنها عملت حاجة كانت عذراء. احنا خلصنا من موضوع صفاء بالعافيه.
رد عزت بجبروت: لو عملت حاجة تتخرّس يا فايزة ايه جميله دي اللي انا هعمل لها حساب او افكر فيها خلاص موضوع انتهى.
وخلال الأيام التالية
تقدّم عثمان لخطبة جميلة، محاولًا أن ينهي الموضوع ويستر عليها، لكنّها لم تكن راضية.
لم يكن عثمان ما تريده، ولم يكن زواجهما تعويضًا عمّا خسرته.
عائلتها لم يعرفوا الحقيقة؛ كل ما وصلهم أنّها طُردت من القصر لأنها «لا تسمع الكلام» وتشاجرت، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
لم يسأل أحد، ولم يبحث أحد خلف القصة.
لكن جميلة لم تستطع الاقتناع بذلك المصير.
حاولت مرارا أن تذهب إلى القصر، أن تتحدث إليهم، أن تُجبرهم على الاعتراف، أن تفرض زواجها من سليم بحجة أنّه اغتصبها…
لكنهم لم يصدّقوها، وطردوها مرة أخرى دون تردّد.
ومع كل مرة، كان الإهانة تتضاعف.
سئم عزت منها، أراد أن يتأكد من نقطة واحدة فقط:
هل اغتصبها سليم فعلًا؟ اتصل به وسأله مباشرة.
أكد له سليم، دون تردد، أنه لم يفعل شيئًا غصبًا عنها، وأنها هي من جاءت إليه بإرادتها.
وصدّقه عزّت، لأنه يعرف أن سليم لا يكذب، حين علم سليم بما ينوي والده فعله، حاول منعه:
اقترح أن يعطوها مبلغًا كبيرًا من المال، وأن يُنهوا الأمر بهدوء، معتبرًا أن دافعها الأساسي كان المال
وأنه سقوم للاتصال به ويحاول معها وافق عزت في البداية لكن قبل ان يعود سليم لمصر لكي يتحدث معها بيوم واحد فقط
كانت جميلة لم تعد قادرة على القبول بعثمان، ليس بعد كل ما حدث، وليس بعد الفضيحة التي لحقت بها بين الخدم وأهل القصر.
عندها فقط، شعرت أن كل الأبواب أُغلقت.
وأن ما خسرته لن يعود. فقررت أن تجرب آخر ما تملك…أن تفضحهم. أن تهددهم.
كان ذلك هو جرس الإنذار الأخير.
في يوم تفاجأ القصر بدخول جميلة، تقتحم المكان كالعاصفة، وجهها مشدود بالغضب، وصوتها يعلو وهي تصرخ:
أنا هفضحكم!
لوّحت بيدها بجنون:! هكتب في كل الجرايد… اغتصبني وسافر، وهربتوه!
اقتربت منها فايزة بسرعة، عيناها تقدحان شررًا:
إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ اتجننتي؟!
صرخت: ارموها برّه!
اندفعت الخادمات والحراس يدفعونها، لكنها كانت تقاوم وتصرخ: ارموني!
ثم صاحت بتهديد: بس والله لأخرج من هنا وأروح كل الجرايد وأقولهم إن سليم الراوي اغتصبني… وإنكم هربتوه
اقتربت فايزة أكثر، ورفعت يدها وصفعتها بقوة، صفعة دوّت في المكان: اخرسي!
اقتربت منها وواصلت بسمّ: إنتِ عارفة كويس أنا جايباكي من على سرير ابني، وكنتِ عاملة إزاي!
ردد بتمثيل مصطنع مقنع: كان عمل عملته وهرب زي ما رشدي كده مغتصب صفاء.
في تلك اللحظة، تدخّل عزّت، صوته خرج هادئًا… هدوء صارم مخيف: بصّي يا جميلة انت بتلعبي بالنار..
مال براسه قليلا تساءل كانه يفهمها
عايزة كام؟
نظرت إليه بعينين مشتعلتين: كام ايه ده شرفي، انا عايزة ابنك يصلّح غلطته يا باشا!
ارتسمت ابتسامة باردة على وجه عزّت:
ابني يصلّح غلطته؟ إنتِ عارفة كويس إن ابني ما عملش حاجة غير بمزاجك.
ضحكت بمرارة: وهو إنت صدقته؟
تقدّمت فايزة خطوة، صوتها خرج منخفضًا لكنه مرعب: إنتِ بتتناقش مع مين يا عزت
اقتربت منها أكثر: نظرت في عينيها مباشرة:
اسمعي اللي في دماغك ده ما تحلميش بيه.
ثم همست بتهديدٍ صريح:
لو فكرتي بس ترجعي القصر تاني، أو تفتحي بقك بكلمة…
توقفت لحظة وأضافت: هقتلك.
ابتسمت ابتسامة باردة: شوفي بقى… عايزة تكمّلي باقي عمرك وتستمتعي بجمالك؟
أشارت بيدها: ولا تقضي الباقي في المقبرة؟
ثم صرخت: يلا… ارموها برّه!
وبالفعل، بدأ الحراس والخادمات في إخراجها بالقوة، وهي تصرخ وتهدد.
كان عثمان غير موجود، وكأن القدر تعمّد غيابه.
لكن عند باب القصر، خرجت خلفها صديقتها غادة، وهي تهتف بوجع: مش قلت لك؟! اللي إنتِ بتعمليه ده غلط… وهتدفعي تمنه غالي!
صرخت جميلة وهي تمسح دموعها بعنف:
إنتِ فاكراني هسكت؟! أنا هروح لعبد الحليم الشواف!
تجمدت غادة: مين عبد الحليم الشواف ده؟
جميلة موضحه سمعت الباشا قبل كده وهو بيتكلم…
راجل أعمال كبير، وبينافسهم هروح أحكي له، وأخليه يقف جنبي ويفضحهم!
ضربت غادة كفًّا بكفّ بخوف: يخرب بيتك! إنتِ بتجيبي الأفكار دي منين؟!هتضيّعي نفسك يا مجنونة! دول كبار اوي… وإحنا شوية تراب. يدوسونا برجليهم ومحدش يقول لهم تلت التلاتة كام!
ثم قالت برجاء: هو إنتِ مش قلتي إن عثمان هيستر عليك ويتجوزك؟ خلاص… احمدي ربنا عليه.
وأضافت بحزم: وكويس إن أهلك ما عرفوش حاجة.
صرخت جميلة بعناد: أنا مش هطلع من المولد بلا حمص!
نظرت لها غادة بحزن: اشتري حياتك يا جميلة.
قالت جميلة بحدّة: مالكيش دعوة.
ثم ترددت وأضافت: بس لو حصل حاجة… عرفيني. خلي الكلام واحد: طلب قهوة وأنا طلعتها له… وبعدها ما تعرفيش عني حاجة.
تنهدت غادة: محدش سألني أصلًا… بس عموماً طيب:
نظرت حولها بخوف: أنا همشي… أحسن يستعوقوني
دخلت غادة وتركت جميلة، دون أن تعلم الاثنتان أن أحد الحراس كان يقف غير بعيد، يستمع إلى كل ما دار بينهما.
انتظر حتى ابتعدتا، ثم توجّه مباشرة إلى عزّت وأخبره بكل شيء سمعه.وهنا، اتخذ عزّت قراره.
رأى أن جميلة تجاوزت حدّها، وأن تهديدها لم يعد مجرد كلام، بل خطر حقيقي.
فهي فكرة أن تفضحهم أن تلجأ إلى أعدائهم ليقفوا في صفّها كانت، بالنسبة له، خطًا لا يُسمح بتجاوزه.
حاول سليم إيقافه، لكن عزّت كان قد حسم قراره
من وجهة نظره، من تفكر في التهديد، تفكر في كل شيء. تلجأ للأعداء تصبح خطرًا لا يمكن تركه حيًّا.
بالفعل. نادى شاكر، وأعطاه أوامره بقتلها، تمّ خطف جميلة وقتلها، كما رأينا من قبل.
سليم لم يكن يعلم شيئًا عن هذا كله غير عندما تم قتلها...
وهكذا… انتهت قصة جميلة.
كذبت على عثمان، لتبدو أمامه فتاة شريفة مظلومة، ونجحت في خداعه فطمعها قادها إلى ما هو أكبر منها.
أرادت أن تصل إلى سليم، أن تصبح زوجته، أن تقفز فوق واقعها دفعة واحدة…فكانت النهاية أقسى مما تخيّلت وقتلت..
باااك
كان عثمان يستمع بصدمة، وملامح متيبسة، عيناه ثابتتان، لكن الواضح أنه لم يصدق كلمة مما سمع.
بينما ضحك سليم فجأة، ضحكة ساخرة خالية من أي ندم، وقال باستهزاء: شوفت بقى؟
اقترب منه خطوة، وصوته ازداد قسوة: طلعت حمار وغبي وبعتني علشان واحدة شمال، ومدياك على قفاك، ومش بعيد دمها اللى شوفته دى كان عمليه عملاها علشان تلبسني فيها.
هز رأسه وهو يضحك أكثر، ثم قال بنبرة لاذعة: عارف؟أنا كان نفسي تفضل عايشة بس علشان أشمت فيك أكتر وأكتر، وأشوفك وأنت مضحوك عليك ومسلم اسمك لوحده زي دي...
ظل عثمان صامتا لثواني، صدره يعلو ويهبط، ثم قال بصوت منخفض، متماسك رغم الوجع: أنا أصلا مش مصدقك، جميلة لا يمكن تكون كده، إنت كدّاب.
ابتسم سليم بسخرية باردة: عنك ما صدقت، وبعدين ما تروح تسأل صحبتها، هي كان اسمها إيه؟
قال مكي مذكرا: غادة…
أومأ سليم برأسه: اها غادة دور عليها واسألها، لما كانت واقفة على باب القصر قالتلها ايه علشان كدة الباشا قتلها..
ضغط عثمان على فكه وقال بعناد: وحتى لو قالت كده من غلبها؟ لما ملقتش معاك حل راحت لحد يساعدها..
ضحكة قصيرة خرجت من سليم، ثم قال ببرود: عموما ده مش موضوعنا، ومش فارق معايا تصدق أو لا، خلينا في المهم.
رفع حاجبه وقال بصوت أخفض، وأخطر: كنت بتعمل إيه مع عماد…
توقف لحظة وأضاف بتهديد ووعيد: وتعالي دوغري ولا أنت عارف كويس أنا ممكن أعمل ايه؟! أنا كدة كدة هقتلك بس تموت لوحدك ولا احسرك على اولادك قبل ما تموت؟! واعيشك العذاب
صمت عثمان، وعيناه انزلقتا نحو زوجته وأولاده، الذين كانوا يبكون في صمت مذعور.
ابتلع ريقه بصعوبة، وصوته خرج مكسورا: بلاش تأذي ولادي ومراتي، وهقولك كل اللي أنت عايزة
ابتسم سليم ابتسامه جانبية، وقال ببرود قاتل: طول ما أنت مؤدب وبتسمع الكلام كده، ولادك في الأمان، سامعك.
تنفس عثمان بارتجاف، ثم قال كمن يسلم آخر ما لديه: كنت بقوله تحركاتك وتحركات ماسة.
اقترب سليم خطوة، وصوته منخفض: وإيه كمان؟
هز راسه نافيا: مفيش حاجة تاني.
ابتسم سليم ابتسامة جانبية لا تحمل طمأنينة: متأكد؟
ارتجف عثمان: والله انا كنت مجرد بنقل أخبار، إنكم كويسين، بينكم مشاكل، خط سيركم، امكان الحراسة وعددها، بس كده.
تساءل سليم: وفين رقمه اللي بتتواصل معاه بيه؟
هز رأسه سريعا: مافيش رقم هو مش بيكلمني من خط ثابت
سأله وهز يعقد حاجبيه: ولما تحب تكلمه أنت؟
اجابه بتوضيح: متفقين على طريقة، بجيب رقم جديد، وأبعت رسالة مشفرة، "مستنيك في الاستاد" فبيعرف إني محتاجه، ونتقابل في المقطم في نفس المكان دايما.
سليم ببطء: اممم…
وسكت لحظة، ثم رفع عينيه فجأة: والحادثة؟
اتسعت عينا عثمان: حادثة إيه؟
رد ببحه رجوليه قالته: عثمان…
هز راسه باستسلام: والله ما أعرف! أنا قولتله خط سيرك عادي زى ما بعمل ديما، وحياة عيالي ما أعرف حاجه تانية غير كده.
التفت سليم فجأة وقال ببحة رجولية: صبحي خد المدام والولاد.
صرخت زوجة عثمان، لكن الحراس سحبوها بهدوء قاسي.
اقترب سليم من عثمان حتى التصق وجهه بوجهه، وصوته خرج همسا مخيفا: ولادك هيبقوا عندي، لحد ما تنفذ اللي هقولك عليه، بس لو غدرت هحرقلك قلبك عليهم واحد واحد.
ابتلع عثمان دموعه، وهز رأسه بخنوع: حاضر
تابع سليم بنظرة مرعبه: قولي بقى ولاءك لمين؟ لعماد؟ ولا انتقامك لجميلة؟ ولا المدام والعيال؟
رمش عثمان، وصمت لحظة، ثم قال بصوت خافت: ولادي…
ضحك سليم ضحكة قصيرة بلا روح: كده اخترت صح.
اقترب خطوة، وانحنى قليلا، ونبرته صارت أخطر: اسمع بقى، من اللحظة دي، أنت هتنفذ اللى بقولك عليه وبس، هتكلم عماد، وتقوله اللي أنا عايزه بالحرف، حرف زيادة غير اللى أنا قايل عليه، ولادك هما اللي هيدفعوا التمن، مفهوم؟
هز عثمان رأسه بعنف، وصوت متكسر: حاضر والله حاضر.
التفت سليم إلى مكي: فكه، وخليهم يعالجوه، عايزه لما يقابل اللي مشغله ميشوفش عليه بصماتي.
أومأ مكي: تمام.
تردد عثمان لحظة، ثم رفع عينيه بصعوبة: سليم…
كاد سليم أن يتحرك لكن توقف حين استمع له، فتابع عثمان متسائلا بارتجاف موجوع: أنت بجد مغتصبتش جميلة؟
رفع سليم عينه ببطء، ونظر إليه نظرة ثابتة بلا انفعال: لا يا عثمان.
قالها وغادر، لكن عثمان مازال لا يصدق ويكذب القصه التي استمع لها.
تحرّك مكي خلفه، وتساءل بصوت منخفض: أنت متأكد من اللي بتعمله؟ ده خاين.
التفت له سليم: عارف، بس عياله معانا.
رد مكي منبها: برضو مش مضمون، أنت بتلعب بالنار يا سليم!
ابتسم سليم ابتسامة باردة: النار دي أنا هحرقهم بيها واحد واحد، متقلقش.
سأله مكي: طب وهتستخدمه في إيه؟
رد سليم موضحا: هيوصل لهم إن أنا وماسة بينا مشاكل، وهعرف منه اللي ناويين عليه، ولما آخد اللي أنا عايزه، نبلغ عماد إنه ناوى يبيعه ليا، وساعتها عماد اللى هيقتله بنفسه
اومأ مكي برأسه: ماشي.
ثم التفتوا وغادروا سويا، وعينا سليم تحملان عاصفة، لا أحد يعرف متى ستنفجر.
❤️_______________بقلمي_ليلةعادل
القاهرة، 8:00 مساءً
وصل مصطفى بعد أن أنهى كل الإجراءات القانونية، وحصل على وثيقة إثبات الزواج من آلاء، تمهيدا لاستخراج قسيمة الزواج الرسمية.
لم يتردد لحظة واحدة، وأول محطة توجهه لها كانت المستشفى، دخل مكتب المدير بخطوات ثابتة، ووضع الوثيقة أمامه دون مقدمات.
رفع المدير عينيه ببطء، وقلب الورق بين يديه، ثم قال بنبرة هادئة ثقيلة: مصطفى، أعتقد إنت فاهم.
رد مصطفى ببرود قاطع: فاهم، بس ياريت المستشفى كلها تعرف الخبر ده.
ابتسم المدير ابتسامة مهنية: أكيد، وآلاء ممكن تيجي لو حابة.
قاطعه مصطفى فورا، دون أن يرفع صوته: لا مراتي هتركز في دراستها وبس.
توقف المدير لحظة قبل أن يسأل: طيب هتعمل إيه مع أخوها؟
اقترب مصطفى خطوة، ونبرته ازدادت حدة، وكأنه يذكره بجملته: أعتقد دي أمور خاصة، مظبوط؟
ثم التقط الوثيقة وأضاف: عن إذنك.
خرج وكانت العيون كلها عليه، همسات مكتومة، دهشة واضحة، وصمت ثقيل.
وفجأة…
توقف مصطفى في منتصف الردهة، واستدار ببطء، رفع وثيقة الزواج عاليا، وصاح بصوت أجش ملأ المكان: آلاء مراتي! فاهمين؟ أي حد عنده كلمة يوفرها لنفسه، علشان ميندمش.
ثم أكمل طريقه دون أن يلتفت خلفه، لكنه لم يكتفِ بذلك.
توجه أولا إلى عمارته، ثم إلى الرجل الذي تجرأ وتحدث عن آلاء، وادعى أن الأمر يمس سمعت المكان، أراه الوثيقة وغادر دون كلمة.
وفعل الشيء نفسه مع كل من شهد المشاجرة.
وحين تأكد أن الحقيقة اتضحت أمام الجميع، وأن آلاء أصبحت زوجته رسميا في نظر الكل، توجه مباشرة إلى القسم برفقة المحامي.