
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الرابع والعشرون 24 ج 3 بقلم ليله عادل
فيلا سليم وماسة، 9:00 مساءً
ترجلا مكي وسليم من السيارة، فوقف أمامه مكي قائلا: أنا امبارح عملت اختبار كده على صبحي وكام واحد من الحراس الكبار، والباقي هعملهم بعدين، بس قولت أبدأ وأنجز مع دول.
مد يده في جيبه وأخرج ورقة مطوية: دى ورقة بأسماء الرجاله اللى كشفت عليهم، ولقيتهم تمام لحد دلوقتي.
اخذ منه سليم الورق وقال بتحذير: ماشي، بس بلاش تديهم بالأمان.
طمأنه مكي: متقلقش.
فهز سليم رأسه بامتنان: شكرا يا مكي، أنا هطلع لماسة بقي، تصبح على خير.
مكي بابتسامه: وأنت بخير.
تحرك سليم مبتعدا، بينما وقف مكي في الحديقه يتابع ابتعاده بنظرات آسفه على كل ما عرفه وكل الخيانه التي اكتشفها في اليومين السابقين، وأثناء ذلك رن هاتف مكي، فنظر إلى الاسم ووقعت عيناه عليه بصدمه حينما رأي اسم سلوي، عقد حاجبيه للحظة، ثم رد مسرعا بقلق ظنا منه أنه ربما حدث لهم شيء: الو؟
أتاه صوت سلوى من جهة الأخرى، من غرفتها في سرايا: أزيك يا مكي؟
خفق قلبه للحظة، فهو يشتاق لها رغم أنه يظهر غير ذلك، حاول أن يتماسك، وقال بجمود: الحمدلله، خير!
أجابته بمرواغة: مفيش كنت بسأل على عمار.
أجاب بجمود: هو تمام، في فندق، متقلقيش عليه.
صمتت للحظة ثم حاولت فتح حديث يبدو انها تريد اصالح الماضي: ماسة حكتلنا وعرفت إن..
قاطعها قبل أن تكمل، محاولا إغلاق باب الماضي القديم الذي يريد نسيانه: سلوي أنا مشغول دلوقتي معلش، لازم أقفل.
قالت بسرعة: طب أنت فاضي إمتى؟ محتاجة أشوفك.
رد بتعجب: ليه؟!
إجابته بنبرة ناعمه: لما أشوفك هتعرف.
رد بجمود: هشوف كده، يلا سلام.
أغلق الهاتف مسرعا، ونظر أمامه، وقلبه يخفق بسرعة، مسح وجهه، وحاول نسيان الموقف، ثم تابع عمله.
بينما كانت سلوى تمسك هاتفها بين يديها، تضغط على أسنانها الأمامية بحزن، وعيناها تترقرق بالدموع، نهضت وفتحت خزنه ملابسها، وأخرجت صندوقا خشبيا صغيرا، وجلست مرة أخرى على الفراش، وفتحت الصندوق، لتجد بعض الهدايا الصغيرة التي أحضرها لها.
ابتسمت إبتسامة حزينه، والتقطت صورة له، ونظرت إليها بعينين دامعتين، مليئتين بالندم والحسرة
يبدو أن سلوى قد استفاقت أخيرا من غفلتها، وأدركت حجم خطأها فيما فعلته، خصوصا بعدما برأت ماسة سليم من موضوع الفيديوهات، مما جعلها تشعر بالندم الشديد وتراجع نفسها.
على اتجاه آخر في غرفة النوم
كانت ماسة مستلقية على الفراش، الغطاء يلف جسدها حتى صدرها، والكتاب مفتوح بين يديها، الصفحات تتحرك، لكن عقلها لم يكن هنا، كان هناك مع عمار الذي ابتعد فجأة، وتركها أمام خيار قاسي، خيار جرح قلبها قبل أن ينطق.
عيناها امتلأتا بدموع حارقة، لم تسقط، لكنها أثقلت صدرها.
لم تندم لحظة على اختيارها لسليم، لكنها حزينة؛ لأن شقيقها أجبرها علي الاختيار من الأساس!
لم تمر دقائق حتى انفتح باب الغرفة.
دخل سليم بخطوات هادئة، يحمل في يده كيس أبيض في الأخرى، وقال بابتسامة مشرقة ونبرة دلال: قطعة السكر اللي محلية حياتي؟
رفعت ماسة عينيها نحوه، وابتسمت ابتسامة خفيفة لا تخلو من التعب، فاقترب منها، وجلس إلى جوارها، ومرر يده على شعرها بحنان، ثم طبع قبلة طويلة على جبينها: عاملة إيه؟
ردت بنبرة لا تخلو من الحزن: الحمد لله.
ابتسم ثم أشار إلى الكتاب بين يديها: بتعملي إيه كده؟
نظرت إلى الصفحات وهي تقلبها بلا تركيز: بحاول أذاكر أي حاجة، بس مش قادرة.
صمتت لحظة، ثم قالت بقلق ممزوج بضيق: متضايقة من موضوع عمار، هو عامل إيه؟
تنفس بعمق، ونبرته صارت جادة لكن مطمئنة: نزل في فندق دلوقتي، ورجالتي وراه خطوة بخطوة، وخلتهم يركبوله جهاز تتبع في العربية، وهكرت تليفونه.
هزت رأسها ببطء، والحزن يزداد في عينيها: عمري ما توقعت إن عمار يحطني في موقف زي ده، انا مش ندمانه ولا هندم إني اختارتك، بس ليه كده..!؟
تابعت بضجر: ولا اخواتي كمان اللي عايزين يخرجوا دول، رغم إني فكرت في كلام سلوى، إن ممكن حد يحس إن في حاجة متغيرة فعلا ودى يخليهم يشكو، بس برضو ممكن اي حاجه تحصل، بعد الشر عليهم.
زفرت باختناق: خايفة عليهم اوي يا سليم غصب عني، واللي واجعني إن أنا خايفه عليهم وهما مش حاسين أنا بعمل ايه وعملت ايه عشانهم.
اقترب منها أكثر، وأمسك يدها وضغط عليها بلطف هو ينظر داخل عينيها: كلهم تحت عيني متخافيش استحالة اسمح إن حد فيهم يحصله حاجه، بس هما عندهم حق فعلا يا ماسة مينفعش يتحبسوا.
اشتعل الغضب في عينيها، واندفعت الكلمات من فمها قبل أن تلحق بها أنفاسها قالت بغضب: ليه مينفعش؟!ما أنا اتحبست سنين!
رفع كفه في محاولة لتهدئتها، وصوته جاء منخفضا، ثابتا، بلا انفعال: اهدي بس من غير عصبية، الوضع غير، وحبسك وقتها كان غلطة.
نظرت إليه لثواني طويلة، كأنها تحاول أن تقنع نفسها، لكن القبول لم يجد طريقه إلى قلبها.
رفع يده ومسح على خدها برفق، حركة صغيرة محملة بكل ما لم يُقل، ثم أكمل بنبرة ألين: و اللي قاله عمار؟ دي لحظة عصبية، هو عمره ما يقدر يستغنى عنك.
زفرت باختناق: لا أنا زعلانة منه، وزعلانة اوي كمان.
ثم قالت بسرعة: بقولك إيه يا سليم؟ مش عايزة أتكلم في الموضوع ده دلوقتي.
نظرت للكيس بشك خفيف، وقالت محاولة تغيير الحديث: إيه اللي في الكيسة البيضا دي؟
مسح على خدها بحنان: حاجات ليكي، تفتكري جبتلك إيه؟
رفعت حاجبها، وابتسمت ابتسامة خفيفة: لاين بالكاتشب، بقالك زمان مجبتليش.
ابتسم ليخفف الجو، ورفع الكيس الأبيض: مظبوط، وشوية حاجات حلوة من اللي بتحبيها.
أخذت منه الكيس، فتحته، نظرت إلى ما بداخله، ثم أغلقته بهدوء: تسلم ايدك، بس مش قادرة آكل دلوقتي.
سليم معارضا: لأ هنتعشى سوا، أنا قولت لسحر تجهز العشا وتطلعه هنا.
هزت رأسها بالإيجاب دون حماس.
مسح على شعرها، وقبل خدها، ثم نهض وبدأ يخلع بدلته متجها إلى الحمام، بينما بقيت ماسة وحدها، وحاولت العودة للقراءة مرة أخري، لكن الكلمات ظلت جامدة، لا معنى لها.
وبعد قليل، خرج سليم، وفي اللحظة نفسها كانت سحر قد حضرت بالطعام.
جلسا معا يتناولان العشاء بصمت دافئ، كانت ماسة تتناول الطعام ببطء، تقطع لقمتها كأنها تفكر أكثر مما تأكل، رفعت عينيها إليه فجأة وتساءلت بفضول: قولي عملت إيه مع عثمان؟
تناول رشفة ماء واجابها بهدوء متعمد: لا، ده موضوع كبير اوي نخلص أكل وبعدين أحكيلك.
هزت رأسها باستسلام: ماشي.
وبالفعل، أنهيا طعامهما في صمت قصير مشحون بأسئلة مؤجلة، صعدا إلي الأعلي وتمددا على الفراش، جذبها سليم إلى حضنه، وأسند رأسه قليلا على ظهر الفراش، بينما استقرت هي قرب صدره.
نظرت إليه، عيناه تطالبه بالكلام: يلا بقى احكي، عملت إيه؟
تنفس بعمق، وبدأ يروي لها كل شيء دون استثناء حتى ما حدث بينه وبين جميلة.
أنصتت ماسة حتى النهاية، ثم قالت بهدوء مفاجئ: بس على فكرة ده راجل مسكين.
اعتدل سليم فجأة، ونظر لها باستغراب واضح: مسكين؟!
رفعت يدها في إشارة تهدئة: أيوه، متزعقش كده، هو افتكر إنه بياخد حق البنت اللي كان بيحبها واتقتلت واتغتصبت على ايدك، كنت عايزه يعمل إيه؟ أنت لو مكانه كنت هتعمل كده وأكتر.
شد فكه، وصوته صار أكثر حدة: اسمه خاين يا ماسة.
هزت رأسها نفيًا: لا، مش خاين هو بينتقم.
نظر لها سليم وهو يفسر لها ظلام قلب عثمان: أنت لو كنت شوفت نظرته وهو بيقول: «أنا نفسي أعذبك بماسة» لو شوفتي نظره الحقد والكره، كنتي قتلتيه، كان ممكن ياخد حقه مني ويأذيني بأي طريقه تانيه إلا دى.
ردت بتفهم: أنا فاهمة اللي بتقوله، بس قصدي إن عنده سبب، مش زي إخواتك مثلا معندهمش أي سبب غير الطمع، هو فهم غلط فاتصرف على الأساس ده، المهم اوعدني انك متاذيش أي حد من ولاده.
تنفس ببطء، وكأنه يبتلع جدالا كاملا، وقال بهدوء: لا انا جبتهم بس طعم علشان انطقه، لكن المسدس كده كده كان فاضي.
تنهد ثم قال: عموما، بكرة اعملي حسابك، بعد ما تخلصي جامعتك، وأنا أخلص الاجتماع، ومكي يكون زرع المكرفونات هنروح القصر.
رفعت حاجبيها بارتباك خفيف: علطول كده؟
اوما بتأكيد: آه خلينا نخلص، مش عايز أستنى كتير.
هزت رأسها بالموافقة، وقالت بنبرة ساخرة حزينة: ماشي أنا أصلا حزينة، فالتمثيل هيطلع حقيقي.
ابتسم رغما عنه، فنظرت له ماسة مطولا، ثم قالت: مالك؟
اجابه بمرارة وهو يمد وجهه: تصدقي دي أول مرة أخد بالي من معنى كلمة«أنت عملت زيهم».
نظر اليها متسألا: مين فيهم اللي قالهالك؟
تنفست، وصوتها خرج مثقلا: رشدي، قالي لو جيتي قدام مصلحة سليم، أو عملتي حاجة ضد أي حاجة هو عايزها هيوجعك من نقطة ضعفك، وأنا مكنتش مصدقة.
نظر لها وقال بخجل: وأنا خذلتك؟
مدت يدها، ولمست خده بحنان وقالت بابتسامة: سليم يا حبيبي، بلاش نتكلم في الموضوع دى، ركز بقى في اللي جاي، وخلينا ننسي اللى فات.
نظرت إليها بعينين ثابتتين: هسألك سؤال واحد.
إجابته سريعا وكأنها فهمت السؤال: لا متسألش.
ابتسم بخفة: ليه؟
اجابت: علشان أنا عارفه.
اقتربت أكثر، قبلته على خده: والله العظيم من قلبي مسامحة ونسيت كل حاجة، أنا اختارتك.
ضمها بقوة، فبادلت العناق، ذراعاها تحيطان به.
أسند رأسه إلى صدرها، بينما راحت تمسح على شعره برفق، وقالت بهمس: بكرة نبتدي يوم جديد أنا وأنت، إيدنا في إيد بعض وهناخد حقنا سوا.
هز رأسه بالإيجاب، وقبل رقبتها بخفة قائلا: وأنا أوعدك، مش ههدى غير لما عمار يرجع تاني ليكي.
ابتسمت ووضعت قبله على رأسه، وظل هكذا، بين ذراعيها، ورأسه على صدرها، وكأنه طفلي ينسى ثقل اليوم بين احضان امه، بينما هي تواصل المسح شعره بحنان، حتى استسلم لنوم عميق.
داخل أحد الأقسام، 9:00 مساءً
جلس الضابط خلف مكتبه، بينما جلس مصطفى وأحمد على المقاعد الأمامية.
كان الضابط يمسك هاتف أحمد، يشاهد أحد مقاطع الفيديو التي تظهر محمود وهو يتشاجر مع مصطفى في المستشفى، وأخرى في المنزل.
قال أحمد بمكر محسوب: زي ما حضرتك شايف، عمل مشاكل تضطر سمعة الدكتور..
وتابع وهو يضع التقرير الطبي أمامه: دى غير اللى عمله في زوجة الدكتور؛ كسر مضاعف، كدمات، وضرب في القفص الصدري، يعني كان ممكن يقتلها، غير إن سمعته سيئة جدا في المنطقة، فإحنا طالبين تعهد رسمي أنه ميقربش من الدكتور وعائلته زوجته، وان اي ضرر يحصلهم يكون هو المتم الأول فيه.
قال الضابط وهو يوقع بعض الأوراق: أنا بعت أجيبه وهظبطلك أمه، متقلقش.
رد مصطفى بصرامة: أهم حاجة عندي ميتعرضش تاني لمراتي.
تدخل أحمد بنبرة محامي يستثمر اللحظة: الحقيقة هو عمل مشاكل كبيرة، وهدد الدكتور ومراته قدام ناس، وقال هيشوه سمعته، وفي شهود حضرتك تقدر تشوفهم.
رفع الضابط رأسه: سيبهولي، الفيديوهات كفاية، أنا بعرف أتعامل مع الأشكال دي.
وفي تلك اللحظة دخل محمود بصحبة أمين شرطة، وما إن رأى مصطفى حتى صرخ بانفعال: وديت أختي فين؟! انطق!
ضرب الضابط المكتب: اظبط نفسك يلا! واقف مكانك!
صرخ محمود باستجداء: خطف أختي يا باشا.
رد الضابط بحدة: هيخطف مراته؟!
تجمد محمود، واتسعت عيناه ونظر إلى مصطفى بصدمة: مراته؟!
مصطفى بهدوء قاتل: أيوه مراتي.
انفجر محمود: من ورايا؟!
اعتدل الضابط في جلسته: اختك في نظر القانون كبيرة، ومن حقها تتجوز.
ثم راقبه من أعلى لأسفل بتقييم بارد: ولا أنت ليك سوابق؟
تردد محمود قائلا بخفوت: هي سابقة واحدة يا باشا.
سأله الظابط بغلظة: سابقة إيه؟
ابتلع محمود ريقه: خناقة، واخدت فيها تلات شهور.
ابتسم الضابط بسخرية: الله! يعني بتاع مشاكل؟
ثم مال للأمام، وصوته صار تهديدا صريحا: اسمع بقى، أنت هتمضي على المحضر دى لو قربت للدكتور أو لأي حد يخصه بما فيهم أختك، هجيبك هنا، وهعلق أمك، فاهم؟
شعر محمود أنه في مأزق لا مفر منه، خاصة بعدما قام هو الاخر بزواجها دون علمها عرفيا.
خفض رأسه وقال بخفوت: حاضر يا باشا همضي، المهم البت استترت.
مد الضابط له قلم وقال بغلظة: طب تعالي وقع.
تقدم وانحني يضع امضته على الورقه بيد مرتجفة، وانتهت الإجراءات سريعا، وخرج، لكنه توقف عند باب القسم، ينتظر خروج مصطفي وحين لمحه يخرج برفقه المحامي، قال بنبرة متكسرة، يغلي تحتها الغيظ: ملحوقة يا دكتور، بس متطملنيش.
تقدم أحمد خطوة، وابتسم ابتسامة باردة: شكلك عايز تبات في القسم.
صمتت محمود قليلا، ثم تمتم: لا يا شبح، بس هي مخلصتش كده، سلام.
غادر وهو يشعر بنار تأكل رأسه، فقد أصبح في ورطة حقيقية، ولو علم الحاج بالأمر، ستكون المصيبة مضاعفة، عليه أن يخفي أمر زواجها بأي ثمن، على الأقل حتى يجد حلا، وما يهم الآن أنه دفع المبلغ للزعيم وأصبح في أمان مؤقت.
نظر مصطفى إلى أحمد وسأله: هو ممكن يعمل حاجة؟
أجابه أحمد بثقة: لا أي كلام، متقلقش.
تنهد مصطفى: تمام، شكرا يا أحمد تعبتك معايا، أن شاء الله اقبض وهديك اتعباك.
قاطعه أحمد: عيب يا مصطفى انت أخويا، أنا آخد أتعاب منك؟
ثم ضحك: أنت بس لما ترجع القاهرة، خلي الحاجة تعزمنا على محشي من إيدها.
ابتسم مصطفى: من عينيا، تعالى نشرب حاجة.
ضحك أحمد: يلا ونلعب دومنا كمان، واغلبك زى زمان.
ضحك مصطفى: يلا.
فيلا سليم ماسة، 8:00 صباحا.
في الصباح...
استيقظت ماسة من نومها، فوجدت سليم ما زال يضع رأسه على صدرها، كطفل يحتمى بأمه من قسوة العالم، ابتسمت بعينين غارقتين بالحنان، ومدت يدها تمسح على شعره برفق، ثم انحنت تزرع قبلة هادئة على جبينه، بينما كانت أناملها تمر بخفة على خديه.
بدأت تتحرك بحذر حتى لا توقظه، وضعت رأسه فوق الوسادة برفق شديد، ونهضت من الفراش، واتجهت إلى الحمام، أخذت دشا سريعا، ثم ارتدت ملابسها لكي تذهب للجامعة.
قبل أن تغادر، اقتربت منه مرة أخرى، كان سليم غارقا في نوما عميقا كأنه لم يعرف الراحة منذ زمن طويل.
مالت نحوه وهمست بصوت خافت: حبيبي أنا نازلة.
لكنه لم يتحرك، ظل أسير نومه الثقيل، تأملته بعطف، وأشفق قلبها عليه أن توقظه من نومه، فاتجهت نحو الدرج فتحته وأخرجت ورقة صغيرة، كتبت فيها أنها نزلت للجامعة، وطلبت منه أن يتصل بها حين يستيقظ، وضعت الورقة إلى جواره، وبجانبها وردة، ثم غادرت بهدوء، تاركة خلفها دفئها معلقا في المكان.
في المالديف…
كان الكوخ غارقا في سكون عميق، لا يقطعه سوى همس الأمواج وهي ترتطم بالشاطئ القريب.
كان رشدي في المرحاض، وكعادتها اغتنمت مي فرصة غيابه، ووقفت تؤدي صلاتها في هدوءٍ خاشع.
لكن تلك المرة لم يتأخر رشدي كما توقعت.
فتح الباب فجأة، فتجمّد في مكانه، وقد وقعت عيناه عليها وهي قائمة في صلاتها، غارقة في خشوعها، غير منتبهة لوجوده خلفها، توقف مصدوما، يده تنزلق تلقائيًا إلى جيبه، وعيناه تمران عليها باستغراب مشوب بالحيرة، كيف لها أن تصلي في ذلك الوقت؟! مر السؤال في رأسه كصفعة، لكنه لم يتحرك، فقط ظل ينظر إليها.
وحين انتهت، سلمت بصوت خافت، فقال بنبرة جامدة، قصيرة وكأنه الاقي القبض عليها: حراما.
اتسعت عيناها حتي كادتا تخرجان من مكانهما، وابتلعت ريقها بصعوبة، فلقد انكشف أمرها.
تحرك خطوتين، ثم توقف أمامها مباشرة، وعيناه معلقتان بها، بنظرة قاسية لا تحمل سؤالا واحدا، بل ألف اتهام.
همست، وصوتها يرتجف وهي تحاول أن تتمسك بأي مبرر: استنى بس، هفهمك.
قطب حاجبيه، وخرج صوته مشدودا: تفهميني إيه؟
ترددت، انفرجت شفتاها ثم أُغلقتا من جديد، كأن الكلمات خانتها، بدت كطفلة تحاول تبرير خطأ فادح:
أصل… هو… أا…
اتسعت عيناه أكثر، وقاطعها مستنكرا: أصل إيه وفصل ايه بس؟! بقي بتضحكي عليا يا مي؟ دي آخرتها؟
قالت بسرعة، بتبرير طفولي مهزوز: أنا خوفت…
رمقها بنظرة جانبية، ثم قال بنبرة ساخرة يحاول أن يخفي الغضب بالمزاح: خوفتي ليه؟ حد قالك إني بقلب شبح بعد الساعة 12؟
ثم أضاف بمرارة خفيفة لكنها مشوبه بالمزاح: بقي أنا تخليني يومين عايش زي أختك يا مي؟!
انكمشت على نفسها وهي تيشر بيدها لكي ينتظر: استنى، هقولك..
هز رأسه: لا، ده أنتِ اللي هتستنى، وأنا اللي هقولك.
وفجأة، حملها بين ذراعيه دون سابق إنذار، فصرخت وهي تتشبث بثيابه: بس يا رشدي، نزلني!
لكنه لم يفعل، ودخل بها الغرفة وألقاها على الفراش، واقترب منها بخطوات بطيئة، وعيناه تلمعان بنظرة أربكتها؛ خليط غامض من الرغبة والحدة، كنظرة أسد يقترب من فريسته.
قالت وهي تحاول أن تتماسك، بصوت خرج مهتزا: ما هو نظراتك دي هي اللي خلتني أخاف منك، وأضحك عليك.
اقترب أكثر، وحاصرها بذراعيه من الجانبين، دون أن يلمسها، فانكمشت على نفسها، وهمست سريعا: يا رشدي، استنى بس.
توقف، ونظر في عينيها مباشرة: هو مش أنتِ بتحبيني؟
هزت رأسها بايجاب ممزوج بالتوتر والخجل: أكيد بحبك، بس استنى ناخد على بعض أكتر.
اتسعت عيناه بزهول: كل ده، وناخد على بعض!! أنا مش هستنى دقيقه تاني.
قالت برجاء: يا رشدي والنبي علشان خاطري.
مرر يده برفق على خدها، وصوته انخفض محاولا طمأنتها وكسر خوفها: أنتِ مش واثقة فيا؟
هزت راسها بإيجاب وهي تتحاشى النظر داخل عينه: أيوه بثق فيك، بس..
اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه القريبة تربكها، واجتاحت القشعريرة جسدها.
همست باسمه، بالكاد مسموعة: رشدي…
طبع قبلة خفيفة على خدها، ثم قال بنبرة مطمئنة: متخافيش.
ثم بدأ يوزع قبلات خفيفة على وجنتيها، انسابت ببطء حتى عنقها، ارتجفت قليلا، وقبضت على الملاءة بتوترٍ واضح، فالتقط يدها ووضعها بين كفيه، يشبك أصابعه بأصابعها في طمأنة صامتة، وبيده الأخرى لمس وجنتيها برفق، ثم قبلها وهو ينظر في عينيها بنظرة امتلأت حبا: متخافيش، بحبك.
اقترب أكثر، والتقت شفتيهما في قبلة عميقة، مختلفة عن كل ما سبقها، كانت مي مترددة في البداية؛ نعم، اعتادت قربه، لكن هذه اللحظة كانت جديدة، فهي تعرف في قرارة نفسها أن رشدي لن يتوقف عند هذا الحد.
كانت تخجل، وترتبك، كأي فتاة تخطو نحو شيء تعرفه لكنها تخجله بقلب يخفق.
أما هو، فكان حبه ورغبته يقودانه بصبر ممزوج بالشوق، لا بالعجلة.
فرغم جنون رشدي المعروف، إلا أنه كان حذرا معها، فهو كان يعرف طبيعتها الخجولة جيدا، ويدرك أنها ليست كالفتيات اللواتي عاشرهن من قبل، لذلك كان لا بد أن تكون طريقته معها مزيجا من الحنان والرغبة؛ شوقا يحتويها لا يربكها، وقربا يطمئن قلبها قبل أن يلهب مشاعرها.
زادت قبلته دفئا، ودنا منها بشوق واضح، كأنما ينهل من قربها، ثم بدأ يهبط بقبلاته إلى عنقها، ويداه تحيطان بها بحذر وحنان.
شعرت مي بحرارة تداهم جسدها، فبادلته القرب دون وعي، إحساسا خالصا، شعر بذلك بوضوح، فابتسم وكأنه فهم أنها بدأت تتقبل هذا القرب.
ابتسم ابتسامة فهم واحتواء، ومضى خطوة خطوة، ينزع عنها ملابسها بهدوء، وشفتيه لا تفارقان شفتيها، لم تبعده، بل قابلت قربه بشوق وعشق كبير؛ تبادلت معه القرب، لا بالكلمات، بل بالإحساس، حتى ذاب التوتر شيئا فشيئا، فقد استطاع رشدي أن يهزم خجلها، ذلك الحائط الذي كان يقف بينهما، وانساقا معا في موجة عشق هادئة، انتهت عند لحظة فاصلة، لحظة صارت فيها زوجته حقا، روحا وقلبا، قبل أن تكون عقدا واسما.
ليبدأ بينهما فصل جديد، فصل لا يكتب بالتفاصيل،
بل بالوعد.
وبعد وقت
ابتعد رشدي وهو يلهث، ويتصبب عرقا، ثم تمدد على ظهره، كانت هي تبتسم بخجل شديد، شعرها مبعثر على وجنتيها، وشفتيها محمرتان من جنون قبلاته.
فتح ذراعيه وسحبها إليه بخشونة محببة، وقال ضاحكا: شوفتي يا مشمشتي؟ الموضوع طلع بسيط أزاي، شكه دبوس.
ضربته على كتفه بخفة، ودفنت رأسها في صدره: بس يا رشدي بقى، متكسفنيش.
نظر إليها بطرف عينه مبتسما: لا، إحنا لازم نكسر الكسوف ده، نقتله، أنا بحب الجرأة
أضاف بمداعبة: نعدي بس الليلة دي، وبكرة عايزك تبقي جريئة أكتر، تغتصبيني..
ضحكت رغما عنها، ودفنت رأسها في صدره أكثر: بس بقى بجد!
ضحك على خجلها، وعدّل وضعه لينام على جانبه مقابلها، يحدق في ملامحها طويلا، كانت نظرته خليطا من التأمل والعشق، نظرة أربكت قلبها وجعلته يخفق بقوة، خفضت عينيها قائلة: متبصليش كده.
ابتسم بنبرة عاشقه: لو مبصتلكيش كده، هبص لمين؟
عضت شفتيها السفلية بخجل، وهبطت عيناها إلى الأسفل، لكنه مد يده ورفع ذقنها برفق، ليجبرها أن تنظر إليه، قائلا بنبرة دافئة: بصيلي خليني أشوفك، وأشوف عينيكي الحلوين دول..
رفعت عينيها ببطء، وارتسمت ابتسامة رقيقة على وجنتيها..
فقال بغزل صريح: أنتِ حلوة اوي يا مي..
تبسمت بخجل: يعني عايز تفهمني إني أجمل من البنات اللي عرفتهم؟
هز رأسه بابتسامة واثقة: ايوه، وبعدين الجمال مش شكل وبس، ده روح قبل أي حاجة، وأنتِ في عيني أجمل من كل البنات اللي عرفتها.
نظرت إليه مترددة: بجد؟ ولا بتقول كده وخلاص؟
اقترب أكثر وقال بصدق: لا والله بجد، والدليل إني ملفتش ورا ولا واحدة فيهم، أنتِ الوحيدة اللي لفيت وراها، الوحيدة اللي خلت رشدي يحب، وقلبه يدق، ويحس بمشاعر عمره ما حسها قبل كده..
مد يده مبتسما ومرر أنامله على وجنتيها بعينين لا ترمش: أنا بحبك أوي يا مي، عمري ما قولتها ولا حسيتها قبل كده، انتِ اول وآخر حب ليا بجد، بحبك اوي..
ابتسمت بخجل: وأنا كمان بحبك يا رشدي.
سألها بهدوء: كنتي مبسوطة معايا؟
احمرت وجنتاها، وهزت رأسها بإيجاب.
اقترب منها أكثر: وأنا كمان كنت مبسوط اوي معاكي، وهبقى مبسوط أكتر لما أحس ده معاكي تاني.
همست بخجل : يا رشدي…
لم تكمل كلمتها؛ اقترب منها، ضمها إليه، وقبل شفتيها برفق، ثم انسدل الغطاء عليهما، ليغرقا معا في دفء جديد.
نعم، لم يكن رشدي رومانسيا بطبعه، لكنه مع مي تعلم أشياء لم يعرفها من قبل؛ فالعشق، يا سادة، قادر أن يعلم الحجر.
فيلا سليم وماسة، 11:00 صباحا
بدأ يتحرك ببطء، جفونه تثقل كأن النوم لا يريد أن يفارقه، تقلب في الفراش، ثم فتح عينيه بتثاقل ونظر حوله فكان الفراغ أول ما استقبله.
اعتدل جالسا وهو يتمطي، مرر يده على شعره، ثم التقط المنبه من فوق الكومودينو ونظر إليه باستغراب: الحادية عشرة صباحا !!
وقعت عيناه على الورقة والوردة.
تناول الوردة أولا، قربها من أنفه واستنشق عبيرها بعمق، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة لم يستطع منعها.
بعدها فتح الورقة، قرأ ما كُتب فيها وسكنت ملامحه لحظة، ثم التقط هاتفه واتصل بماسة.
من الرنة الأولى جاءه صوتها المرح، وهي تخرج من قاعة المحاضرات: صباح الخير يا سالوملوم.
ابتسم وهو يغمض عينيه نصف إغماضة: صباح النور، إيه يا عشقي، خلصتي؟
أجابته: آه، خلصت وجاوبت حلو أوي الحمد لله.
تنفس براحة، وكأن حملا أزيح عن صدره: كويس، يلا بقى تعالي.
مطت شفتيها بدلال واضح، صوتها تغير: طب سليم، ممكن أطلب منك طلب؟
جاء رده قاطعا، وكأنه قرأ الفكرة قبل أن تقال: لا، مش موافق، يلا تعالي.
ضحكت وقالت بتوسل: وحياتي، والله العظيم هقعد مع أصحابي شوية صغيرين، كوباية نسكافيه بس ونتكلم شوية، أنا أصلا مش هعرف أنزل الجامعة الفترة الجاية كلها، عشان المفروض نبدأ المسلسل مع بعض، وحياتي!
تنهد بضيق خفيف: يا ماسة، بطلي طفولة بقى، هو ده وقته؟
أجابته بسرعة، وكأنها تحتاج أن ترتاح قبل الدخول في اللعبة التي اتفقا عليها: مش طفولة! بس أنا بجد محتاجة أفصل، محتاجة أقعد شوية مع أصحابي خمس دقايق، بص، نص ساعة بس.
ضحك رغم ضجره: خمس دقايق فجأة بقوا نص ساعة؟ بيولدوا!
توقف لحظة، يعرف في داخله أنها فعلا تحتاج هذا الهروب القصير، تنهد وقال بحزم محسوب: طب يا ماسة، نص ساعة مش أكتر، الساعة دلوقتي كام؟
أجابته فورا: 11:05.
رد بنبرة أمر: 11:35 تكوني في عربيتك، فاهمة؟
زفرت بامتعاض خفيف: حاضر.
ثم سألته بفضول: أنت هتعمل إيه دلوقتي؟
أجابها ببساطة: هلبس بسرعة وأنزل علشان الاجتماع.
ردت بإبتسامة: ماشي، خد بالك من نفسك.
ثم أضافت بنبرة ناعمه باحتواء وتنبيه: حبيببي، وحياتي امسك نفسك لما تشوفهم اوعي تتعصب، فكر نفسك ديما انت دلوقت اللى ماسك اللعبه.
أومأ بالموافقة: حاضر، خدي بالك من نفسك.
ماسة بابتسامه: حاضر، بحبك اوي.
ابتسم وكانه يأخذ منها طاقته: وأنا كمان، سلام.
أغلقت الهاتف، واتجهت مع أصدقائها إلى كافيه داخل الجامعة، أما سليم فرفع هاتفه مرة أخرى واتصل بمكي.
سليم بنبرة عملية: مكي، أنت فين؟
جاءه صوت مكي من داخل حديقه الفيلا: أنا تحت في الجنينة مستنيك، واستلمت اهو كل الأجهزة اللي إحنا محتاجينها.
نهض وقال بتنبيه: تمام، طب اطلع أنت على القصر، بس خليك واقف بعيد، واستنى مني إشارة أول ما الاجتماع يبدأ، تدخل وتشتغل بسرعة، قدامك ساعة مش أكتر، وسحر كمان كلمها وخليها تحضر نفسها.
مكي بثقة: متقلقش.
أنهى حديثه مع مكي، وأخذ نفسا عميقا، كأنه يحاول أن يطرد ثقلا جاثما على صدره، ثم دخل الحمام، اخذ حماما سريعا، وخرج يرتدى ملابسه بعناية محسوبة،
وقف أمام المرآة للحظة، أطال النظر إلى انعكاسه بنظرة ذات معنى، لم يرَ ملامحه فقط، بل رأى ما انكسر داخله، وكل ذلك الغضب الذي عاشه وهو يظن أنه يملك السيطرة عليهم.
شد فكه، وقست عيناه، غير أن في أعماقهما وجعا مكتوما لم يجد طريقه إلى الخروج بعد.
كان يدرك أن الطريق الذي أقبل عليه ليس سهلا، ولا نظيفا، ولا آمن من العواقب، لكنه كان على يقين من أمر واحد: لن يسمح لما حدث أن يمر دون حساب، ولن يترك من أحبهم يتحولون مرة أخرى إلى نقطة ضعف.
دقق النظر في ملامحه مره أخري، كأنه يودع نسخة قديمة من نفسه؛ نسخة كانت تثق أكثر مما ينبغي، وتمنح قلبها في غير موضعه.
استنشق نفسا عميقا، وكأنه يدفن تردده مع الزفير، ثم استدار، وغادر الفيلا بخطوات ثابتة متجها نحو المجموعه، مستعدا لتنفيذ خطته، مهما كان الثمن.
مجموعة الراوي، 11:45 ظهرا.
مكتب عزت
كانت صافيناز وفايزة وعزت، يجلسون، يسود المكان صمت مشحون لا يقطعه سوى نظرات متبادلة تحمل الكثير من الترقب.
قال عزت بنبرة شيطانية، وهو يتكئ إلى الخلف بثقة: هي راحت الجامعة النهارده، أول ما تخرج المهمة هتتنفذ، وجود سليم هنا معانا في المجموعة فرصة لازم نستغلها.
نظـروا إليه بابتسامات خفيفة، كأن حديثه يروق لهم، لكن لم يعلق أحدا
تابع عزت، وهو يميل إلى الأمام قليلا، وعيناه تلمعان بمكر واضح: إحنا لازم نحاول نطول الاجتماع على قد ما نقدر، لحد ما يخلصوا المهمة، أنا بلغت عماد وهو هيتابع معايا.
أومأت فايزة برأسها بثبات: تمام يا باشا.
في تلك اللحظة، فتح الباب ودخلت إحدى السكرتيرات، وقالت باحترام: عزت باشا، سليم باشا وصل.
لوح بيده: تمام بلغي الكل يجهزوا، عشر دقايق وهنبدأ.
انسحبت السكرتيرة سريعا، وما إن أغلق الباب حتى تبادل الثلاثة نظرة واحدة، ثم انطلقت إبتسامة خافتة مشبعة بالخبث، كأنهم أخيرا بلغوا اللحظة التي انتظروها طويلا.
قالت فايزة وهي تبتسم بثقة: مش مصدقه إن كلها دقائق والخطة هتتنفذ فعلا ونخلص من كابوس ماسة ده للأبد.
على اتجاه آخر، في مكتب سليم.
كان يجلس على المقعد الأمامي، ملامحه هادئة على غير العادة، غير أن خلف ذلك الهدوء عاصفة مكتومة، لا يعرف كيف سيواجههم في الداخل، ولا كيف سيتمكن من تمالك غضبه، فبداخله نيران تتأجج، يتمنى لو يفتك بهم لينتزع حقه وحق زوجته، لكنه كان يعلم أن عليه أن يتريث، حتى يأخذ حقه بالطريقة التي تليق به.
زفر باختناق، محاولا كبح ما يشتعل داخله، ثم رفع هاتفه واتصل بمكي، انتظر لحظه ثم تحدث بنبرة محسوبة: أنا خلاص دقائق بالظبط وهبقى جوه الاجتماع، أول ما أدخل هبعتلك رسالة، تدخل فورا.
توقف لحظة، ثم أضاف بحزم: كلم سحر دلوقتي خليها تعمل إللي اتفقنا عليه.
جاءه صوت مكي من داخل سيارته، وعيناه لا تفارقان بوابة القصر: تمام، كله جاهز.
أنهى سليم المكالمة، وأسند ظهره إلى المقعد، وعيناه تحدقان في الفراغ ببرود قاتل.
نهض من مكانه، وتقدم بخطوات هادئة نحو طاولة الشطرنج، مد يده، وبدل أماكن بعض القطع، كما كان يفعل في الأيام الخوالي، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ثقة باردة، ابتسامة من يعرف أن خصمه بات داخل اللعبة، وأنه يمسك بالخيوط، ثم استدار وتوجه مباشرة إلي قاعة الاجتماعات.
الكل كان يظن أنه داخل المصيدة، لكن لم يدرك أحد، أن الصياد قد بدل مكانه مع الفريسة.
غرفة الاجتماعات
دخل سليم الغرفة، وما إن خطا إلى الداخل حتى جال بنظره على الوجوه واحدا تلو الآخر، الجميع حاضر، دون استثناء.
العاصفة داخله كانت أعتى مما توقع؛ صدره يضيق، أنفاسه تتثاقل، وغضبه يطرق ضلوعه بعنف، جز على أسنانه، وقبض علي يده حتى كادت أظافره تنغرس في كفه، لا لشيء سوى ليمنع نفسه من الانفجار، فهو لم يعد يراهم كما كانوا من قبل.
لم يعودوا عائلته، كان يراهم أفاعي تتلوى في ثياب البشر، شياطين تبتسم في وجهه.
وقعت عيناه على والدته بنظرتها الثابتة الباردة، غص قلبه للحظه، لكنه تماسك.
انتقلت عيناه إلى صافيناز، كانت تنظر إليه بابتسامة خفية، نظرة غريبة، كأنها سعيدة بوجوده أو بانكساره، لا يدري، لم يكن يعلم أن تلك الابتسامة لم تكن سوى شماتة بما سيحدث مع ماسة وهو لا يدري.
تلك النظرة أشعلت داخله نارا جديدة، لكنه تماسك، وأخبر نفسه أن هذه المعركة لا تدار بالغضب، بل بالبرود وسيتعامل معهم كما يستحقون كأعداء لا كعائلة.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وجلس في مقعدة، ثم أنزل هاتفه أسفل الطاولة وأرسل رسالة مقتضبة إلى مكي: نفذ.
سيارة مكي
ارتسمت ابتسامة سريعة على وجهه وهو يجلس في سيارته، نزل من سيارته واتجه بخطوات حذرة نحو القصر، ثم أجرى اتصالا سريعا.
مكي، بنبرة حاسمة: سحر يلا، حالا!
جاءه صوت سحر من الطرف الآخر: حاضر.
اغلقت معه، ثم تحركت فورا إلى مكان معين بالقصر، ورفعه سكينة الكهرباء، لتتعطل الكاميرات لحظة دخول مكي القصر، ثم اتجهت إلى المطبخ، ورفعت صوتها وهي تنادي: رقية، اماني يلا يا بنات، تعالوا نفطر سوا!
بدأت الخادمات يتجمعن داخل المطبخ واحدة تلو الأخرى، جلوس متعمد، وضحكات خفيفة، وكل شيء يبدو عاديا، بينما الهدف الحقيقي كان إبعادهن تماما عن رؤية مكي، حتى ينتهي من مهمته.
أحد الخادمات، بتوتر: أنا خايفة، الهانم تعرف.
سحر بلا مبالاة: هتعرف منين؟ الحمدلله كلهم النهارده خرجوا، خلونا نتنفس شوية.
أحد الخادمات: فعلا، عندك حق يا سحر.
على اتجاه آخر، خارج القصر.
استطاع مكي التسلل إلي الداخل دون أن يراه أحد من الحراس، معتمدا على معرفته الجيدة بأماكن تمركزات الحراس، ثم أخذ يتقدم إلي الداخل بخطوات حذرة.
مجموعة الراوي.
قاعة الاجتماع.
قال سليم وهو يقلب في الملفات: يلا نبدأ.
وبالفعل، بدأ الحديث يتشعب بين الحضور، لكن فجأة، وضعت صافيناز يدها على بطنها، وخرج منها تأوه حاد: آه...
التفتت الأنظار كلها نحوها، وقالت فريدة بقلق: مالك يا صافي؟!
أجابت وهي تتصنع الألم: مش عارفة، فجأة بطني وجعتني.
ثم وضعت يدها على فمها، وكأن الغثيان باغتها: مش قادرة، معلش أنا همشي، سوري يا سليم.
رفع سليم طرف عينه بنبرة باردة، وقال: تفتكري يعني أنا هيهمني؟! أنا أصلا مش طايقك، مع السلامة.
نهضت على عجل وخرجت من القاعة، وأغلقت الباب خلفها.
أخذت تتحرك في الممر وهي مازالت تضع يدها على بطنها، وما إن ابتعدت عن الأنظار، حتى اختفت ملامح الألم، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة.
أخرجت هاتفها سريعا واتصلت بعماد: عماد بقولك إيه، في حاجة محتاجاها منك حالا...
على اتجاه اخر، داخل قاعة الاجتماع.
شعر سليم بتوتر طفيف بسبب تصرف صافيناز، فهو يعرف جيدا أنها إذا عادت إلى القصر، فسيكشف أمر مكي وما يقوم به.
أنزل هاتفه أسفل الطاولة، وكتب بسرعة رسالة إلى مكي: صافيناز تعبت وسابت الاجتماع، ممكن ترجع القصر في اي لحظه، خلص بسرعه وخد بالك.
عند مكي.
كان قد دخل المكتب أولا حتى يتأكد من أن المكان آمن ويمكنه الصعود لأعلي، أخرج المايك الأول من جيب الجاكيت ومرر عينه حول المكان بعناية، وحين وجد الموقع المناسب، وضعه بحذر شديد، ثم شغل الجهاز وفتح هاتفه ليتحقق أن الصوت مسموع وواضح.
وأثناء ذلك وصلته الرسالة على هاتفه، قرأها وتنهد ببطء قبل أن يتخذ قراره بالبدأ بغرفة صافيناز وعماد أولا قبل أن تأتي، فالطابق الذي تمكث فيه لا أحد غيرها يسكن معاها فيه.
تحرك بحذر إلى الطوابق العليا عبر المصعد لكنه لم ينساه هو الآخر فوضع داخله مايك، وصل الطابق الثالث، دخل غرفة صافيناز، مرر عينه مسرعا على المكان، وبدأ بوضع المايكات في نقاط استراتيجية بحركه سريعه جدا، واحد في الحمام، واحد بالقرب من السرير، في الشرفه، وآخر في مكان الجلوس.
لم يستغرق الأمر إلا دقائق، ثم خرج مسرعا، وانتقل من غرفة إلى أخرى وهو يزرع المايكات بدقة متناهية.
لم يترك أي غرفة دون مراقبة، بما في ذلك الحمام،
حتى غرفه فريده وياسين، لم يستثني أحد، حتي الغرف المغلقة، كانت حركته سريعة ومتيقظة، يختار كل مكان بعناية ليزع فيه المايكات، ليضمن تغطية كاملة دون أن يلفت انتباه أحد، حتى الممرات لم ينساها، وظل هكذا ينتقل من مكان لمكان..
على اتجاه آخر عند سحر، استأذنت من الخادمات لدخول الحمام ثم اتجهت إلي سكينه الكهرباء ورفعتها مره أخري، حتى لا يشك الحراس في أمر انقطاع الكهرباء، ثم عادت إلى الخادمات مرة أخرى، فجلسن يتناولن الطعام ويحتسين الشاي، ويتبادلن الأحاديث بود وألفة.
وكلما حاولت إحداهن النهوض، أوقفتها سحر بحجة أنهن لم يجلسن معا منذ فترة، وأنه ينبغي استغلال غياب جميع افراد العائلة، وأن العمل لن يضيع.
كل ما ترغب فيه الآن هو بعض الوقت، ليتمكن مكي من الانتهاء من زرع الميكروفونات بهدوء دون أن يراه أحد.
على اتجاه آخر، في الجامعة الأمريكية.
كانت الجامعة تعج بالحركة والطلاب يتنقلون بين القاعات والكافتيريا.
جلست ماسة مع أصدقائها، يتحدثون ويضحكون، كان الوقت يمر سريعا دون أن تشعر به ماسه، وأثناء اندماجها في الحديث معهم أمسكت بالهاتف لتري الساعه فوجدتها تشير إلي ال12:00، فاتسعت عيناها وتمتمت في داخلها: يا نهار أبيض، سليم لو عرفت إن النص ساعه ولدت لساعه هينفخني.
قامت بلم متعلقاتها سريعا، وقالت وهي تنهض: معلش يا بنات مضطرة أمشي.
نظرت إليها إحدى صديقاتها: لسه بدري اقعدي معانا شويه، أنتِ بتقولى مش هتيجي إلا على الامتحانات.
ابتسمت ماسة وقالت موضحه: معلش أصلي متفقه مع جوزى نروح مشوار مع بعض وكان المفروض اتحرك من نص ساعه، لو كلمني وعرف إني لسه هنا، هيزعقلي! يلا باي باي، ومتنسوش، بالله عليكم تظبطولي الملخصات.
صافحتهم وألقت التحية عليهم، ثم بدأت تتجه نحو الخارج، حيث كان عشري وراويه ينتظرها مع باقية الحراس.
ماسة بلطف: يلا بينا نرجع على الفيلا، ولو سليم سألكم روحت امتي قولوا مشينا 11 ونص بس الطريق كان زحمه، داروا عليا.
ابتسم عشري قائلا: عايزانا نكدب على الملك؟!
قالت ماسه بابتسامه وهي تتجه نحو سيارتها: كدبه بيضا بقي يا عشري متبقاش قفوش.
دخلت ماسة سيارتها، وقبل أن تشغلها، حاولت الاتصال بسليم لتخبره أنها انطلقت، لكنه لم يرد، فقد كان منشغلا في الاجتماع، بدأت القيادة، بينما كانت سيارة الحراس تلاحقها عن كثب، تحافظ على مسافة آمنة من الخلف.
لكن، في نفس اللحظة، ظهرت سيارة أخرى تتحرك خلفها، تراقب كل تحركاتها بدقة، وكأنها تحدد كل خطوة من خطواتها.
على اتجاه اخر، في مجموعة الراوي.
مازال سليم يباشر الاجتماع، وعلى الرغم من الثقة التي يحملها بداخله، كان شعوره بالغضب يكاد يطفو على السطح حاول السيطرة عليه، ومثل الرزانة أمامهم، وحاول قدر الإمكان أن يخوض الاجتماع بكل تركيز حتى ينتهي.
كان هاتفه على الطاولة على وضع الصامت، فهو لم يرغب في الانشغال بالهاتف أمامهم، حتى لا يلاحظ أحد شيئا، فلم ينتبه لمحاولة ماسة لاتصال به.
قال عزت بعمليه: المصنع ده هينقلنا نقلة كبيرة جدا، هنبقى من أكبر مصانع البترول والغاز الطبيعي في الشرق الأوسط، هننافس دول الخليج، المصنع ده مشروع العمر بالنسبة لي، ومش عايز فيه اي غلط.
رفع سليم عينه نحوه: متقلقش يا باشا.
كان عزت متحمسا للغاية، وأشار إلى أهمية الحفل: فايزة، الحفلة دي هيحضرها وزراء ورئيس الوزراء بنفسه هيجي لحضور الافتتاح.
ابتسمت فايزة وقالت بغرور: متقلقش يا باشا، أنا هعمل حفلة على أعلي مستوى.
في تلك اللحظة، وصلت رسالة إلى عزت بأن ماسة خرجت، وأنهم خلفها الآن، نظر إليها سريعا، ثم رفع عينيه نحو الحضور واستكمل الاجتماع كأن شيئا لم يكن.
على اتجاه اخر، في سياره ماسة بالطريق.
كانت تقود سيارتها، والاغاني تنساب من السماعات، تحاول أن تخرج نفسها من التوتر الذي لازمها في الفترة الأخيرة، أصابعها تتحرك بخفة على عجلة القيادة وتغني وعيناها على الطريق.
اهتز هاتفها فجأة، فمدت يدها إليه ظنا منه أنه سليم، نظرت للشاشة، وما أن وقعت عيناها على الرساله حتى تسمرت ملامحها، واتسعت عيناها بصدمه، فكان محتواها "سليم اتصاب إصابة كبيرة وفي المستشفي دلوقتي، وحالته خطيره، ده اللوكيشن"
فرملت فجأة، ثم وضعت يدها على فمها، ودموعها سالت بلا وعي بصدمه، خرج كلمتها مرتعشة: سليم..!!
رفعت هاتفها مسرعة واتصلت به، لكنه لم يرد، فأخذت تبكي بحرقة، وتلوم نفسها بصوت محشرج بندم: أكيد عملوا فيه حاجة علشان أنا حكيتله، ياريتني ما حكيت حاجة! اكيد معرفش يمسك نفسه في الاجتماع.
ضربت على الدركسيون: انا غبيه، أنا السبب.
وأخذت تبكي بحرقه.
في تلك اللحظة، لاحظ الحراس توقفها المفاجئ، فتساءلت راوية: هي، ماسة هانم وقفت مرة واحدة كده ليه؟
عشري وهو يهم بفتح الباب: هخرج أشوف...
خرج مسرعا وخلفه روايه، فالمسافة بينهما لم تكن كبيرة.
ولكن فى اللحظة نفسها، مسحت ماسة دموعها، وابتلعت ريقها وضغطت على دواسة البنزين، وانطلقت بأقصى سرعة نحو الموقع الذي ارسل اليها.
ارتسمت على ملامح رواية وعشري، علامات الاستغراب لوهله، ثم اسرعوا نحو السياره.
صاح عشري في السائق: اطلع وراها بسرعه.
لكن بعد بضع أمتار، قاطعتهم شاحنة ضخمة من الحارة الجانبية فجأة، فاضطروا للتوقف، بينما اختفت سيارة ماسة تماما في الزحام.
صرخ عشري: اضرب كلاكس! يلا!
ضغط السائق على الكلاكس بشدة، خرج عشري مسرعا والقلق يكسو ملامحه، أخذ يصرخ في سائق الشحنه لكي يتحريك بسيارته.
تحركت السيارة أخيرا، فصعد مسرعا مرة أخرى، لكن كانت سيارة ماسة ابتعدت للغايه، فقد اختفت تماما ولم يصبح لها أي أثر على الطريق.
عشري وهو ينظر من النافذة باضطراب: هي فين؟! وقف... وقف!
ترجل من السيارة بعجلة، يتبعه راويه وحارس آخر، أخذ يدور بعينيه في كل اتجاه، ولكن لم يجد لسيارتها أي أثر وكأن الطريق ابتلعها !
قال بغضب: اختفت راحت فين بس؟! من أنهي اتجاه؟!
رفع هاتفه وأجرى اتصالا بماسة، وظل يحدق فيه لثواني، متمنيا أن ترد.
عند ماسة بالسيارة.
كانت تقود بسرعة مهولة، يداها ترتجفان فوق المقود، وعيناها معلقتان بالطريق، بعيدا عن إدراكها لأي شيء حولها، أنفاسها متقطعة، وصورة سليم لا تفارق عقلها، كانت منهارة تماما، ووجهها مغطى بالدموع.
استمتعت لصوت الجرس، فنظرت نحو الهاتف، أمسكته بالهفه معتقدة أنه سليم لكنه كان عشري.
اتاها صوت عشري قائلا: ماسة، أنتِ فين؟
ردت من بين شهقتها، متلعثمة بسبب انهيارها: سليم… يا عشري، سليم… المستشفى… حالته خطرة… سليم…
وقع الهاتف من يدها في الدواسة لكنها لم تهتم، فقد انهارت تماما.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تنحرف فجأة نحو مدخل المشفى، كانت أقرب مما توقعت، كأن الطريق قادها إليها دون وعي، ضغطت على الفرامل بعنف، فتوقفت السيارة أمام البوابة الرئيسية، ترجلت مسرعة، تكاد قدماها لا تحملانها، واندفعت إلى الداخل وهي تلهث وتبكي توقفت امام الإستقبال، وقالت بكلمات متقطعه من بين أنفاسها: لو سمحت..، سليم الراوي! أوضة كام؟
الموظف بسرعة: الدور الثاني، أوضة 712 يا فندم.
ركضت نحو المصعد، والدموع تملأ وجهها، وقلبها ينبض بسرعة كاد أن يتوقف.
في اللحظة نفسها، عند مكتب الاستقبال.
خلع الموظف الذي سألته ماسه الزي الرسمي بسرعة، وألقاه أرضا، ثم تحرك إلى الخارج خلال ثواني قليلة.
وفي التوقيت ذاته، تقدم شاب آخر، جلس مكانه بهدوء، وبدأ يعد مبلغا من المال، وكأن شيئا لم يكن.
على بعد، كان يقف رجل تبدو من ملابسه وملامحه انتماؤه لجماعات المافيا، يراقب المشهد بعينين ثابتتين لا ترمشان، ابتسم ابتسامة باردة، ثم رفع هاتفه وقال بصوت خافت: الفار وقع في المصيدة يا باشا.
جاءه الرد من الطرف الآخر ببرود قاتل: تمام يلا بسرعة، المهمة B.
أنهى ذلك الرجل المكالمة وهو ينظر باتجاه الطريق، حيث كانت السيارة متوقفة وعلى مقعدها الخلفي يجلس مصطفى، رأسه مائل إلى الجانب، وغائب عن الوعي!
على اتجاه آخر عند عشري.
بعد أن انقطع الاتصال بدا مرتبكا وغير فاهم لما يحدث، أعاد الاتصال بها ثانية فلم تجيب.
اقتربت رواية متسائلة: قالتلك هي فين؟
لم يستطع عشري فهم شيء، فنظر لها متحيرا: بتقول في المستشفي، راحه لسليم!!!
عقدت حاجبيها: ليه سليم بيه ماله؟
هز رأسه: معرفش، مش فاهم حاجه!
ثم أمسك هاتفه، واجري اتصال بأحد حراس سليم، انتظر قليلا، ثم قال: أيوه يا صبحي أنتم فين؟
أتاه الصوت من الاتجاه الآخر: في المجموعه، الباشا لسه مخلصش الاجتماع.
عقد حاجبيه بدهشه، ثم تساءل: يعنى الأمور عندك تمام؟
أجابه: أه، كله تمام.
عشري: طب اقفل اقفل.
أغلق هاتفه، وتغلغل داخله شعور بالريبه، وأن هناك شيء ما يحدث، وربما تكون ماسه بخطر الآن ولابد أن يعلم سليم، فرفع هاتفه فورا وأجرى اتصال بسليم، ولكنه لم يجيب، أعاد الاتصال لمرات عديدة، وكان يقابله نفس الرد " رنين متواصل ثم ينقطع الاتصال دون إجابة"
زفر باختناق، وقرر مهاتفه مكي عله يستطيع الوصول لسليم، لكن لم يجيب هو الآخر، أعاد الاتصال مرة أخرى: يا مكي رد!
لكن بلا جدوى، لم يرد مكي، فقد وضع هاتفه على الصامت حتى لا يفتضح أمره، منشغلا بزرع الميكروفونات، يعمل في هدوء دون أن ينتبه لشيء.
تبادلت معه راويه نظرة قلقة، وقالت بصوت مرتجف: سليم بيه هيبهدلنا لو حصل لها حاجة...
رد بعصبية مكتومة: راويه! اسكتي شوية، خليني أفكر واشوف هتصرف أزاى!
ضرب على كبوت السيارة بقبضته، وأنفاسه تتلاحق، وعقله مشلول، لا يعرف ماذا ينبغي عليه أن يفعل.
رفع رأسه وهو يتشبث بآخر بصيص من الأمل: يلا نراجع الكاميرات اللي حوالين المكان بسرعة، يلا.
التفت حوله، وعيناه وقعتا على سوبر ماركت قريب، تحرك نحوه على الفور، وما أن دخل، سأل البائع: بقولك يا برنس، هو مستشفيات قريبة من هنا؟
أجابه البائع: أه حوالي ثلاث.
ذم شفتيه، وشعر أن الامر يزداد تعقيدا، زفر باختناق، وتساءل: طب ينفع أراجع كاميرات الطريق الرئيسي من الساعة 12 وربع.
صمت البائع لوهله ثم اومأ: طيب
وبالفعل بدأ يراجع عشري الكاميرات بتركبز وما إن وقعت عينه على سيارة ماسة تابعها حتي اختفت عن كاميرات، شكره وخرج.
تحرك في الاتجاه التي ذهبت فيه ماسه، وفتح ال GPS للبحث عن أماكن المستشفيات المجاورة، فوجد الثلاثه على ثلاث محاور مختلفه! أكمل الطريق حتى وصل الي مفترق الطرق، ترجل من السيارة وذهب إلي بنزينه على الطريق، وطلب مراجعه الكاميرات ليعرف في أي طريق اتجهت، رفض العامل في بادئ الأمر لكنه سرعان ما رضخ لطلبه ووافق حينما أعطاه مبلغا من المال، اطلع علي الكاميرات وعلم الطريق الذي سلكته ماسة فهز رأسه وخرج وانطلق نحو ذالك الاتجاه مسرعا.
وظل هكذا يكمل الطريق الذي وقعت بيه تصوير ماسة، وحين يأتي مفترق طرق يراجع كاميرا أخري في مكان آخر ليعرف في أي اتجاه ذهبت.
في المستشفي
خرجت ماسه من المصعد مسرعة، ووجهها يقطر دموعا، تلتفت في كل اتجاه بعينين زائغتين، تتحرك كمجنونه تبحث بين الغرف وتقرأ أرقامها بتوتر.
ضربات قلبها متسارعة، وبكاؤها حارق، حتى توقفت أمام باب الغرفة المكتوب عليه (712).
دفعت الباب بعنف، وهي تصرخ من بين شهقاتها: سليم!
لكن وجدت الغرفة خالية، عقدت حاجبيها بدهشه، وتقدمت خطوتين مرتبكتين، وصوتها خرج بصعوبة: سليم؟!.. فين سليم؟
لم يجبها سوى صوت أنفاسها المتقطعة.
وفجأة، وقبل أن تدرك ما يحدث، شعرت بيد قوية تطبق على فمها من الخلف، ومنديل برائحة غريبة يضغط على أنفها.
حاولت أن تصرخ، أن تقاوم، لكن جسدها خذلها، وبدأ العالم من حولها يتلاشى ببطء، وفي لحظة مال رأسها وفقدت وعيها تماما.
حملها الرجل الذي كان يرتدي بالطو أبيض كأنه طبيب، على ذراعيه بخفة مدربة، ووضعها على الفراش، غطاها بغطاء أبيض كأنه ينقل مريضة، ثم خرج بها من الغرفة بهدوء.
مر عبر الممر الطويل بثقة، دون أن يلتفت لأحد، الممرضات والمارة ظنوه طبيبا ينقل حالة طارئة.
دخل المصعد، ونزل إلى الطابق الأرضي، ثم خرج من باب الطوارئ الخلفي، حيث كانت سيارة إسعاف في انتظاره.
فتح الباب الخلفي، وكان هناك رجلان آخران بانتظارها تسلموها منه بسرعة، صعد معهم وأغلق الباب، ثم انطلقت سيارة الإسعاف وكأنها لم تكن هنا أبدا.
وفي اللحظة نفسها، صعدت فتاة تشبه ماسة في بنيتها من بعيد إلى سيارتها، وأدارت المحرك، ثم انطلقت تقود خلف سيارة الإسعاف دون أن تلفت الانتباه.
وكأنهم أرادوا استكمال المسرحية، ليبدو المشهد وكأن ماسه هي من كانت في السيارة، لا مجرد فتاة تشبهها.
في تلك اللحظة، داخل قصر الراوي.
كان مكي قد أنهى زرع المايكات بالكامل، فقد أصبح القصر كله، من الطوابق الثلاثة حتى الدور الأرضي ملغما بالأجهزة، كانت خطواته في الدور الأرضي محسوبة بعناية فائقة، يتحرك بحذر، ويتفادى أن تقع عليه عين أي شخص أثناء مروره.
بعد أن وضع آخر جهاز، خرج إلى الخارج، وتسلل بحذر ثم انزل سكينة الكهربا، وهذا كان كافيا ليخبر سحر بأن المهمه قد تمت، ولا بد أن تعيد تشغيلها مره أخري بعد بضع دقائق، حتى يكون تمكن من الرحيل.
تسلل مكي إلي خارج القصر دون أن يشعر به أحد كما دخل، صعد سيارته وانطلق متجها نحو المجموعة، مستعدا لتنفيذ الخطوة التالية في الخطة.
لم يلتفت إلى هاتفه، لم يرَ اتصال عشري، ولم يكن يعلم أن ماسه قد اختفت.
وفي نفس اللحظة، وصل عشري إلى المستشفى، أول ما فعله كان التوجه مباشرة إلى غرفة المراقبة؛ كان متأكدا أن هناك شيئا ما يُخفى، قال للرجل المسؤول: بقولك إيه، محتاج أشوف كاميرات المكان من نص ساعة كده.
رد الرجل بتلعثم: لا والله يا باشا، الكاميرات فصلت من الصبح.
كرر عشري بعدم تصدق: لا والله؟
هز الرجل رأسه بإيجاب، بنبرة بدت مصطنعة: آه والله، عندنا عطل فني، بتحصل أحيانا.
تأمله عشري بعينين حادتين؛ إحساسه أكد له أن الرجل يكذب ويتلاعب به، حك أنفه بتوتر، ثم ابتعد خطوة، يفكر في خطوته التالية.
في تلك الأثناء، اقتربت راوية وهمست: الواد ده بيحور يا عشري.
رد بصوت منخفض: ما أنا حاسس بكده…
ثم قال بحزم، وعيناه تجولان في المكان: اسمعوني، لازم نتحرك بسرعة، قلبي مش مطمن، لازم نفترق وندور في كاميرات الأماكن اللى حوالين المستشفي من كل الاتجاهاه.
التفت إليهم محددا الأدوار: حسين، أنت راجع كل كاميرات المنطقة الشرقية، وأنتِ الغربي، وأنا هتابع الباقي.
وبالفعل، ابتعد كل واحد منهم في اتجاهه، وبدأوا البحث بكل جدية. لكن دون جدوى، فجميع الكاميرات المحيطة بالمكان كانت متوقفة في التوقيت نفسه، وكأن هناك من تعمد قطعها.
تسارع خفقان قلب عشري، وشعر أن ما يحدث ليس طبيعيا على الإطلاق، ساوره إحساس غريب بأن هناك كارثة توشك على الوقوع، وأن عليه مواصلة العمل ومحاولة إنقاذ ماسة منها بكل ما أوتي من جهد، فقد ائتمنه سليم عليها، وكان واجبا عليه أن يحميها، ولو كلفه الأمر زهق روحه.
علي اتجاه آخر، في مجموعة الراوي
كان الاجتماع لا يزال قائما، وكان كل من عزت وسليم ينتظران الإشارة التي ستنهيه، شعرا كل منها وكأنه يمسك بخنجر خلف ظهره مستعدا به لطعن الآخر ولكن ينتظران اللحظه الحاسمه، لكن بدا أن خنجر عزت كان أكثر سمًا.
عندما كان يشعر سليم أن الاجتماع يوشك على الانتهاء، كان يفتح المجال للكلام، وفعل عزت بالمثل.
وفجأة، تعالي طرق الباب ودخل مكي قائلا: أسف يا جماعه، بس سليم أنا جبتلك الحاجات اللى طلبتها، وأسف بجد على التأخير.
ابتسم سليم، وفهم على الفور أن الوقت قد حان لإنهاء الاجتماع، فقال بمكر: مفيش مشكله، استناني في المكتب..
أومأ مكي بايجاب وخرج للخارج.
قال سليم بهدوء، بشعور الانتصار: أعتقد أننا ناقشنا كل شيء، ومفيش حاجة تانية ممكن نتكلم فيها.
هز عزت رأسه بإيجاب، ولكنه حاول فتح مجال للكلام حتى تصله الإشارة التي ينتظرها: تمام أنا بس مش عايز غلط، لازم افتتاح المصنع يكون في اليوم المتفق عليه.
طه بابتسامة: متقلقش يا باشا بكره هروح أنا ومراد، ونتأكد من كل حاجة، ونعمل زي اختبار كده نجرب المكن وكل حاجة، علشان يوم الافتتاح.
مدت منى يديها تمسح على خدي ابنها مراد: متقلقش يا باشا، مراد دلوقتي بقى شاطر جدا، زي عمو سليم بالضبط، مش كده يا سليم؟
سليم بابتسامة حقيقية: فعلا مراد أثبت وجوده الفترة دي.
وفي هذه اللحظه اهتز هاتف عزت بالرسالة المنتظره، نظر لها بطرف عينه، وابتسم ابتسامة ماكره، ثم تساءل: طب حد عنده أي أسئلة تانية؟!
هز الجميع رأسه بلا، فقال بابتسامه منتصره مبطنه: طيب كده اقدر اقول الاجتماع خلص، ويلا كل واحد على مكتبه.
تبادلت معه فايزة النظرات الخبيثه وهي تعبث بخصلة من شعرها باستمتاع، فقد فهمت أن المهمه اكتملت، ولم يبقَ أمامها سوى أن تجلس وتستمتع بلحظة انتصارها.
في أحد الشقق المجهولة، 1:00 ظهرا.
كان الصمت يخنق المكان، إلا من أصوات خطوات الحراس المتقطعة.
دخل الحارس الأول، يحمل ماسة بين ذراعيه، جسدها بلا حراك، كأنها مجرد دمية تساق إلى مصير مجهول، خطواته كانت ثقيلة، وصوته يختلط بأنفاسه المتقطعة.
هنا ظهرت صافيناز، وفي عينيها نظرة خبيثة شيطانية كالحية السامة قالت بحده: يلا بسرعة، دخلوهم في الأوضة اللي هناك دي.
تقدم بها الحارس حتى وصل إلى غرفة النوم، ووضعها برفق على الفراش، ثم ظهر حارسان آخران، يحملان مصطفى، وهو فاقد الوعي، ووضعاه بجانبها.
لم يكن هناك وقت للحديث؛ كل شيء كان محسوبا بدقة، بدأ الحراس بتحريك الأجساد بعناية، يضبطون الوضع بحيث تبدو الغرفة وكأنها مشهد مسرحي متقن.
كانت صافيناز تتوقف هناك، تراقب ما يحدث بابتسامة خبيثة وباردة، كأنها تستعيد حقها الذي ضاع عندما أجبرها سليم على تقبيل يد ماسة والاعتذار لها.
عيناها كانت تلمعان بشر خالص، نظراتها حادة كأفعى سامة تترقب اللحظة المناسبة لتسمم الجو حولها.
حتى الهواء بدا يثقل من حولها، وكأن الشر نفسه يسير معها في كل خطوة.
رفع أحد الحراس عينه نحوها، وقال: نعمل إيه تاني يا هانم؟
صمتت للحظة، وظلت تحدق نحو ماسه ومصطفى وهما نائمان بجانب بعضهما، كأنها تخزن كل التفاصيل في رأسها، تفكر في كل فكرة ترغب في تنفيذها.
وفجأة ارتسمت على شفتيها ابتسامة شيطانية، كما لو أنها وجدت الفكرة التي كانت تبحث عنها، فرفعت حاجبيها بحدة وقالت: قلعوه هدومه.
هز الحارس رأسه بإيجاب: أمرك يا هانم.
بدأوا في تنفيذ الأوامر دون تردد، أمسكوا بمصطفى ونزعوا عنه القميص والبنطال، وتركوه بملابسه الداخلية فقط.
في تلك الأثناء، مدت صافيناز يدها بهدوء نحو حقيبة ماسة، فتحتها وأخرجت هاتفها، رفعت عينيها ببطء نحو أحد الرجال، وقالت: فين تليفونه؟!
أخرج الهاتف من جيبه وناوله لها.
حاولت فتح الهاتف، لكن كلمة المرور أوقفتها.
ذمت شفتيها بضيق لوهله، ثم اقتربت وأمسكت أصابعه بقوة خفيفة، وضغطت بها على الشاشة ففتح الهاتف.
كررت الفعل نفسه مع هاتف ماسة، دون تردد
ثم فتحت تطبيق الواتساب، على هاتف مصطفى بحثت عن اسم ماسة، ثم بدأت تكتب: حبيبتي أنتِ فين؟
ومن هاتف ماسة، كتبت الرد بسرعة وثقة مصطنعة: أنا أهو، جايلك يا حبيي وحشتيني أوي.
لم تتوقف، بل كتبت من جديد: طب يلا بسرعة بقى، أنا مستنيكي في الشقة، انتِ قولتي لجوزك ايه؟!
كتبت عند ماسة: قولتله إني في جامعة، بس خلاص كلها ربع ساعه وابقي في حضنك، سلام.
ما إن أرسلت الرسائل حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، وضحكة منخفضة خرجت منها ببرود وقسوة، كضحكة أفعى وجدت فريستها أخيرا.
وضعت الهاتفين على الكومودينو ببطء متعمد، وكأنها تغلق فصلا وتفتح آخر.
وفي الخلفية، كان الحارسان قد انتهيا من مهمتهما مع مصطفى، بينما ظلت صافيناز تراقب المشهد بعينين خاليتين من أي رحمة.
تساءل احد الرجال: تؤمري بأيه تاني يا هانم؟
لم ترفع نظرها إليهم إطلاقا، وقالت ببرود: اطلعوا برا، وهاتوا التليفون اللي الباشا قالك هتبعت الرسالة منه.
اعترض أحدهم: بس يا هانم...
رفعت نظرها اليه بحدة بنظرة كافية لإسكاته، فأومأ برأسه موافقا، وأشار بيديه للباقية ليخرجوا فورا من الغرفة.
توقفت صافيناز لحظة، وعيناها تتلألأان وهي تحدق في ماسة ومصطفى من أعلى إلى أسفل، ارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية خبيثة، وكأنها تخبئ نوايا ماكرة في صدرها.
تقدمت ببطء نحو ماسة، وبدأت تنزع عنها فستانها، وتجردها من ملابسها، تاركة إياها بملابسها الداخلية فقط، ثم غطت جسدها بملاءة خفيفة، لكن لم يكتفِ شرها بذلك، حملت رأس ماسة ووضعتها على صدر مصطفى، واخذت تفرد شعرها على صدره، وكأنها لوحة عبثية من الحب والخيانة!
قبضت على ذراع مصطفى المستلقي على ظهره، ولفت ذراعيه حول جسدها، وكأنهما يحتضنانها، ثم ابتعدت خطوة، تمرر عينيها عليهم، لتتأكد من الوضعية، وابتسامتها العريضة لم تفارق وجهها.
وعقلها المظلم لم يتوقف عند هذا الحد؛ وقعت عيناها على حقيبة ماسة، فتحتها، أخرجت أحمر شفاه ومسحت منه على رقبة مصطفى، ثم مررت يدها على وجه ماسة لتبعثر المكياج، كأنها تحول اللحظة إلى فوضى صاخبة.
ثم أخرجت عطر ماسة وبدأت ترشه على مصطفى، ثم ضحكت ضحكة غريبة مزيج من السعادة والشر، وكأن قلبها لم يعرف الرحمة يوما.
لم تتوقف عند هذا الحد، فقد التقطت زجاجة ماء صغيرة ورشت القليل منه على جسد مصطفى ووجنتيه، لتجعل المشهد يبدو كما لو أنه بعد علاقة حميمية مجنونة.
ثم أمسكت ملابسهما وأخذت تلقي بالملابس في كل زاوية من الغرفة.
ابتعدت صافيناز قليلا، وتوقفت في منتصف الغرفة، بعينان مليئتان بالخبث والشر، تحدق بما فعلته كما لو كانت تقيم جريمتها، تتحسس النواقص وتطمئن أن كل شيء في مكانه الصحيح.
حين تأكدت أن كل شيء تم على أبهى صوره، ابتسمت ابتسامة جانبية مليئة بلانتصار، وقالت بصوت خافت يمزج بين الغضب والخبث والحقد: تعالي بقي نوري حبيب قلبك، وأنتِ في حضن راجل تاني، وبتخونيه، علشان يبقى يخليني أنا صافيناز الراوي أبوس إيد خدامه ويضربني ويطردني من القصر، ويعمل فيا كل اللي عمله...
تابعت بشماته: كان نفسي اوي أشوف منظره لما يشوفك في المنظر ده بس مش مهم، هنشوف منظره بعد كدة هيبقي عامل ازاي، أنا لو منه أموت نفسي.
ثم أخرجت الهاتف وبدأت في تصوير كل شيء: الغرفة، موضع الملابس، وضعية ماسة ومصطفى، ثم صنعت فيديو قصير.
بعدها نادت بصوت منخفض: انت تعالي هنا.
دخل أحدهم، سلمته الهاتف وقالت: أنا صورت كل حاجة، الفيديو والصور، شوف هتعمل فيها إيه.
نظر الرجل إلى الصور والفيديو، لتأكيد من زاوية التصوير ابتسم وقال بفخر: تصوير جامد يا هانم.
رفع الهاتف وأجرى مكالمة سريعة: خلاص يا باشا، صورنا، وهنبعت الفيديو دلوقتي لسليم بيه، آه يا باشا متقلقش أنا مديهم مخدر ربع ساعة وهيفوقوا، لا يا باشا، قبل ما البوليس يوصل، وسليم بيه، أكيد هيكونوا صحيوا، أيوه، سلام.
أنهى المكالمة، ثم قالت صافيناز: أنا همشي بعد دقيقة واحدة، ابعتو الصور لسليم.
هز الرجل رأسه بإيجاب، وهمت هي بالتحرك، غير أنها قبل أن تغادر، مررت نظرة باردة على ماسة من أعلى إلى أسفل، نظرة امتلأت بالشماتة، ثم خرجت دون أن تلتفت.
بينما ضغط الرجل على زر إرسال الصور والفيديو، تبادل نظرة سريعة مع زميليه، ثم خرجوا من الشقة بهدوء، تاركين وراءهم مشهدا من خديعة كاملة الصنع، ينتظر أن ينفجر في وجه الجميع.
في مجموعة الراوي
دخل سليم المكتب، وكان مكي يجلس على المقعد المواجه له، ينتظره بابتسامه منتصره.
ابتسم سليم بدوره وقال: طمني، كله تمام؟
رد مكي بابتسامة عريضة بثقه: فوق التمام كمان القصر كله بقى بث مباشر، حتى الجناين مسبتش مكان، ووصلتلك كل حاجة على اللابتوب والتليفون، عشان لو عايز تسمع أي حاجة لايف في أي وقت، وكل يوم بالليل هقعد أسمع إيه اللي بيحصل واديك تقرير بيه، وسحر كمان بعد ما الخدم يناموا، هتزرع الميكروفونات حتى في أوض الخادمات..
هز سليم رأسه إيجابا وجلس على المقعد أمامه، أخرج سيجارة وأشعلها، وأعطى واحدة لمكي.
قال سليم بهدوء، وهو يخرج نفسا من السيجارة باختناق: الخطوات الجاية دي مهمة جدا.
سأل مكي بقلق: طب، عملت إيه جوه لما شوفتهم؟
قال سليم و هو يضغط على سيجارته بتفكير بضجر:
والله العظيم كنت قاعد جوه وأنا جوايا نار بتاكل في قلبي، كان نفسي اولع فيهم كلهم ومعاهم الكلب اللي مسافر، بس أعمل إيه؟ لازم أهدى وافضل وراهم لحد ما اجيب اخرهم.
جز على اسنانه واضاف بندم: إحنا غلطنا يا مكي، إننا استضعفناهم اوي كده.
هز مكي رأسه، وقال وكأنه يعطيه الشجاعه: صح، بس برضو شويه الحاجات اللي أنت بتفكر تعملها واللي عملتها كويسه، أنا شايف إن لما نوقعهم في بعض، كل واحد هيقول اللي عنده.
سليم وهو يشير باصابعه بتأييد: هو ده اللي مصبرني إن أنا شاكك إن هما اللي ورا الحادثه بنسبه 90% غير كده كان زماني ولعت فيهم القصر بس اقسم بالله ما هسيبهم.
فجأة، اهتز هاتف سليم على المكتب، رفع عينه على الشاشة، وجد رسالة، كلماتها كاللسعات: سليم بيه، شكلك كبرت وعجزت ومش مالي عين المدام، نصيحة روح شوف المدام وهي في حضن واحد تاني في عش العشاق اللي بتقابله فيه وبيستغفلوك، ومدينك على قفاك.
تصارعت دقات قلب سليم بشدة، وشرارة غضب حمراء بدأت تتوهج في عينيه.
لاحظ مكي التغير في ملامحه فتساءل بقلق: في إيه يا سليم، الرساله فيها ايه؟
وقبل أن يستوعب تلك الرسالة الوقحة، وصلته صورة، فتحها تلقائيا، بلا وعي، كمن يفتح بابا وهو لا يدري أن خلفه هاوية.
وما إن وقعت عيناه عليها، حتى تبدل كل شيء وانهار كل ما كان يظنه ثابتا، وتوقف الزمن.
دق قلبه بعنف مؤلم، كأن أحدهم قبض عليه بيده وعصره بلا رحمة، اتسعت عيناه حتى كادتا تخرجان من محجريهما، لا من الدهشة فقط بل من الوجع.
الصورة كانت لماسة بين أحضان مصطفى ولا يستر جسديهما سوا غطاء خفيف!! كانت قريبه منه إلى حد لا يترك مجالا للشك، ولا يمنح العقل فرصة للاختباء خلف الإنكار.
كانت الصورة تظهر ما هو أبعد من كونها بين أحضان مصطفى؛ أثر احمرار شفتيها كان واضحا على رقبته،
ومكياجها مبعثر، كأنها خرجت لتوها من فوضى لا تخفى معاناها عليه!
تلك اللقطة الملعونة التي التقطتها صافيناز، لا لتُريه حقيقة، بل لتغتال يقينه بدم بارد.
اجتاح جسده برودة قاسية، تشبه مغادرة الروح الجسد عند الموت.
عقله صرخ رافضا: لا، ماسه لا يمكن أن تخونه، ماسته الغاليه الذي كان يناديها بقلبه قبل شفتاه، عشقه الأول، والأخير، والوحيدة الذي لم يسمح قلبه أن يسكنه غيرها، والتي تربت على يديه لا يمكن أن تخونه بهذا الشكل ولا بهذه القسوة.
لكن عينيه كانتا ترى، والرؤية كانت أقسى من أي صوت لقلبه، وقبل أن يلتقط أنفاسه المقطوعة، جاءت الضربة الثانية "الرسالة"
تلك الرسالة المريضة، الطعنة الحقيقية التي لم تمر على القلب، بل استقرت فيه.
صور للمحادثات، كلمات متبادلة بينها وبين مصطفى، كلمات كتبتها صافيناز بيدها، لكنها بدت له حقيقية حد القتل.
مرت عيناه على الكلمات يقرأ ما بها، وهو لا يشعر بدموعه التي تجمعت في عينيه بصدمة حارقة، كأن أشواكا تغرز فيهما مع كل كلمة.
اهتز الهاتف بين يده المرتجفة، ووجعه فاق قدرته على الاحتمال لم يتخيل يوما أن يرى ما يراه الآن، ولا أن يقرأ كلمات كهذه باسمها.
تسارعت أنفاسه، وصدره يعلو ويهبط بعنف، ونغزة حادة استقرت في منتصف قلبه، لا تشبه الألم بل تشبه الكسر، كشوكة مغروسة، لا تنتزع، ولا تحتمل.
وقبل أن يفيق من هذا النزيف الصامت جاءه الفيديو،
وكانت تلك هي الطعنة الأخيرة، والضربة التي لم تترك شيئا حيا بداخله.
كان مكي يراقب تغيرات ملامحه، وشحوب وجهه، وارتجاف يده، وكأن سليم يختفي أمام عينيه، فقال بقلق حقيقي: سليم مالك فيه ايه؟ فيها إيه الرسايل دى؟!
لكن سليم كان في مكان آخر، في عالمه الذي انهار فوقه دفعة واحدة دون سابق إنذار، عيناه ترمشان بلا وعي، جسده متجمد، وروحه معلقة بين الصدمة والوجع.
ضغط على الفيديو، فرأى ما لم يكن مستعدا له، ملابس مبعثرة يعرفها جيدا، وتفاصيل صغيرة، لكنها قاتلة، حرقت روحه، وكسرت ما تبقى داخله كزجاج مهشم.
سقط الهاتف من يده دون أن يشعر، كان مزهولا كأن الصدمة قتلته وهو واقف.
خرج صوته أخيرا، مبحوحا، مكسورا، كأنه ينتزع من بين أضلاعه: ماسة…!!
استووووب.