رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الخامس والعشرون 25 
بقلم ليله عادل



العودة (عناق الدم)❞ 
بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ
✧❀༺༻❀✧
{ كُسرت مرارا، حتى ظننت أنني اعتدت الانكسار،
لكن هذا لم يكن كسرا، بل ذبحا بطيئا، يا الله، أتألم كطائر مذبوح، لا يصرخ بل يرتجف من الألم، وأنا بريئة من كل ذنب، ومع ذلك لم يرحمني الألم.}
                             ليلةعادل✍️🌹

         الفصل،الخامس والعشرين🤫♥️

             [ بعنوان: ذبح بلا ذنب ]

سقط الهاتف من يده دون أن يشعر، وظل جلسا مذهولا، كأن الصدمة قتلته وهو على قيد الحياة، صوته خرج مبحوحا، مكسورا، كأنه ينتزع من بين أضلاعه: ماسة…!

كان مكي جلسا أمامه، ينظر إليه بقلق وحيرة لا يفهم ما أصابه، قال ببحه: سليم في إيه؟ الرسائل دي فيها إيه؟

مد مكي يديه والتقط الهاتف الذي سقط فوق المكتب ونظر إلى المحادثة، فاتسعت عيناه بصدمة جارحة وهو يقرأ ما بين السطور، تحرك إصبعه بتردد خانع وكأنه يخشى الحقيقة، حتى وقعت عيناه على تلك الصورة اللعينة، فأغمض عينيه بقسوة وخجل خانق ووجع فاض عن احتماله.

أغلق الهاتف بسرعة، كأن مجرد لمح المنظر أصابه هو الآخر بالذعر.

رفع نظره إلى سليم، الذي كان لا يزال شاردا، غائبا عن العالم، وحاول أن يهون الأمر: أكيد في حاجة غلط يا سليم، ماسة مستحيل تعمل كده، احنا لازم نكلم عشري ونفهم في إيه.

لكن سليم لم يكن يستمع له، كأن أذنيه قد أُغلقتا عن العالم كله، فلا شيء يصل إليه، كأنه في عالم آخر .. عالم اختنق فيه الهواء، وتسارع فيه نبض قلبه حتى كاد يخرج من بين أضلاعه.

أنّ بألم خافت، لا لأنه صدق ذلك على ماسته بل لأنه صدم بالصور التى رأها، والتي اخذت تعاد أمام عينيه مرارا وتكرارا بلا رحمة.

أمسك رأسه بين كفيه وأخذ يضرب على جبينه، وصوته الداخلي يصرخ في إنكار موجع: مستحيل، ماسة متعملش كده، في حاجة غلط، اوعى تخلي صدمتك تخليك تصدق.

في تلك اللحظة اندفع الباب بعنف، واقتحم عشري المكان وهو يلهث، كأن أحدا كان يطارده.

توقف بالكاد ليستعيد أنفاسه، وعيناه تجولان في الوجوه بقلق ظاهر، لم يمنحهم فرصة للسؤال، وصاح وهو يلهث: مبتردوش عليا ليه؟!

وفي تلك اللحظة، عاد سليم من شروده حين اخترق صوت عشري سكونه، كأن عقله انتزع فجأة من غيبوبة ثقيلة، تحركت عيناه ببطء، وكأن الروح عادت إليه في لحظة واحدة. 

نهض فجأة، واقترب من عشري حتى كاد يلتصق به، وتساءل بضعف وهوان ممنيا نفسه بأن يطمئنه عشري عليها وينهي ذلك الكابوس، فخرجت صوته مبحوحا، ممزقا: عشري، ماسة فين، روحتها صح؟

رد عشري بارتباك من بين انفاسه المتلاحقه: لا، شكلها اتخطفت.

اتسعت عينا سليم فور أن استمع إلى تلك الكلمات، وترنح قليلا وكأن قدماه لم تعودا قادرتين على حمله، وخرج صوته واهنا، مبحوحا: أنت بتقول إيه؟!

وفجأة اندفع نحو عشري، وأمسكه من ياقة قميصه بعنف: وأنت كنت فين وهي بتتخطف؟!

ثم قال، وصوته يختنق بالغضب والخوف: هي مش شكلها اتخطفت، هي فعلا اتخطفت، علشان أنا مشغل معايا شوية بهايم وجودهم زى قلتهم.

تدخل مكي سريعا، وأمسك بسليم محاولا جذبه للخلف: اهدي يا سليم بس، خلينا نفهم اللي حصل.

استدار إليه سليم بعينين مشتعلتين: نفهم إيه؟!

نظر مكي إلى عشري بحدة: احكي إيه اللي حصل بالظبط؟

أخذ عشري يلتقط أنفاسه، ثم قال وهو يحاول ترتيب كلماته: من ساعة كده كنا ماشيين بالعربية وراها، وفجأة وقفت، قولت أنزل اشوف مالها، واول ما قربت من العربيه فجأة طارت، طبعا طرت وراها بس فيه عربيه قطعت علينا الطريق وخلتها تاهت مني، كلمتها افهم هي فين لقيتها منهاره ومفهمتش منها حاجه غير إن سليم في المستشفي، بس لما سألت صبحي قالى إنك لسه في الاجتماع، ساعتها فهمت إن الموضوع مش صدفه وفيه حاجه غلط، حاولت اكلمك انت ومكي كتير محدش رد، فاتصرفت وشوفت الكاميرات لحد ما وصلت للمستشفي، بس ملقتش ليها اي أثر هناك، ولما سألت على الكاميرات قالولي عطلانة بس حسيت إن الموضوع شمال، وفضلت ادور حوالين المستشفي يمكن اوصل لحاجه بس كل الكاميرات متعطله، فجيت بسرعه علشان أبلغكم ونشوف حل في المصيبه دى.

تابع عشري بنظرة خجل أسفه وهو يتحاشي النظر إلي عينيه، وقال بصدق: والله يا سليم أنا ما قصرت وحاولت على قد ما أقدر، ولو كنت أطول افديها بروحي مكنتش هتردد لحظه، بس الموضوع شكله متخططله صح. 

كان سليم لا يستمع إلى كلمات عشري بقدر ما كان عقله يربط الأحداث ببعضها، الصور القديمة التي أُرسلت إليه، إنسحاب صافيناز من الاجتماع في الوقت التي خُطفت فيه ماسة تقريبا، الصورة التي ظهرت فيها ماسة بين أحضان مصطفى، الرسائل، كل شيء كان يتشابك ليؤكد له أن ما حدث مدبر بإحكام، كان يعلم ذلك لكن الصدمه أوقفت عقله عن العمل للحظه.

فجأة جز على أسنانه، وخرج صوته حادا مشحونا بالغضب: يا ولاد الكااااالب….

وفجأة اندفع إلى الخارج، وملامحه مشدودة، وعيناه تلمعان بخوف وغضب متشابكين، يلتهمانه دفعة واحدة.

تحرك مكي وصوته يرتفع خلفه: رايح فين يا سليم.

لكن سليم لم يجب، وركض بخطوات سريعة، كأن شيئا يطارده أو كأن قلبه سبق جسده إلى مكان لا يعرفه بعد، توجه مباشرة إلى المصعد، ضغط الأزرار بعصبية، كان مكي وعشري يهرولان خلفه يحاولان اللحاق به، فهما يعرفان أنه أصبح الآن خارج نطاق السيطرة وأن عاصفته بدأت تشتعل في الأجواء.

قال مكي وهو يهرول خلفه: يابني فهمني بس هتعمل ايه؟!

عشري وهو يصيح خلفه: سليم.

لحقا به عند باب المصعد، لكن الأبواب أُغلقت في وجههما تماما.

لكم مكي الباب بكفه، وصر على أسنانه بقسوة، لم ينتظر أكثر؛ واندفع نحو الدرج يهبط مسرعا، وخطواته تتردد في الفراغ كطبول إنذار.

أما سليم، فكان في اتجاه آخر داخل  المصعد، عيناه محمرتان من شدة الغضب، وأنفاسه متسارعة كأن صدره يضيق به، وتلك الصور، وذلك الفيديو أخذا يتراقصان أمام عينه، وسؤالا واحدا كان ينهش رأسه بلا رحمة: ماذا فعلوا بها؟!

ظل يتوسل إلي الله في داخله أن يحفظها له، وأن يلحق بها قبل أن يطولها المزيد من الأذي.

خرج من المصعد في اللحظة نفسها التي اندفع فيها مكي وعشري وهما يلهثان من شدة الركض.

صاح مكي متسائلا من بين أنفاسه المتقطعة: سليم، اصبر يا سليم، رايح فين؟!

لكنه لم يلتفت إليه، وتقدم بخطوات واسعة نحو الخارج، فتح سيارته بعنف، وجلس خلف المقود، امسك هاتفه وفتح الرساله لكي يري اللوكيشن المرفق بها.

في نفس اللحظه، صرخ مكي وهو يهم بفتح باب السياره: عشري خليك ورانا.

فتح مكي الباب بسرعة وجلس بجواره، وصوته خرج مضطربا: بالراحه يا سليم وفهمني هتعمل ايه طيب؟!

رفع عينه نحوه بنظرة اقتلاعية، وقال وهو يصيح ببحه رجولته جهور خرجت من قلب رجل يشعر بالقهر: بالراحه ايه؟! أنت مشوفتش الصوره؟! 

قال كلماته تلك واشغل المحرك وضغط بنزين، وبدأ يقود كمن يركض نحو الهاوية، لا يهتم بالسرعة ولا بما يتركه خلفه.

حاول مكي أن يهدوئ من روعه قليلا: قولى طيب رايح على فين نكلم الرجاله يروحوا يأمنوا المكان الأول، ممكن يكون كل دى كمين معمولك، ويكون مرواحك هناك خطر عليك..

رفع سليم عينه نحوه وصرخ بيه: أنا مش هستنى ثانيه واحده، كمين مش كمين مش مهم، مراتي في خطر يا مكي، ماسه معرفش عملوا فيها إيه.. 

نظر له مكي لا يعرف ماذا يقول، فهو محق فأي رجل مكانه من الطبيعي أن يفقد عقله.

كان سليم يقود سيارته بسرعة جنونية، عينيه تتقد شررا، وعقله يركض أسرع من السيارة نفسها، أفكار وسيناريوهات لا حصر لها تتزاحم داخل رأسه، والصور والفيديوهات التي رأها تلاحقه كأشباح، وتدفع قلبه إلى الخفقان، وتجعل أسنانه تصطك ببعضها من شدة القلق والغضب.

لم يفهم كل التفاصيل بعد، ما رآه كانت مجرد مشاهد متقطعة لا تفسر إلا خيانة مزعومة أو فخ محكم، كان في قلبه يقين غريب: ماسة لا يمكن أن تخونه، وهذه الصور لعبة، لكن من وراء هذه اللعبة؟

حاول ربط الخيوط معا، ففي البداية كان يظن أن مصطفى هو الذي يبعث له مثل تلك الصور والرسائل خلال الأيام الماضية، لكن سرعان ما أدرك أن مصطفى وقع في الفخ هو الآخر.

الأسئلة كانت تدور في رأسه كشرارات كهربائية: من وراء كل ذلك؟ فايزة؟ رشدي؟ ولكن لماذا يفعلون هذا؟ هل وصلت بهم الوقاح إلى أن يضعوا زوجته بين أحضان رجل غريب بهذا الشكل؟ أم أنها صافيناز؟ التي خرجت من الاجتماع، أم جميعهم مشتركون؟

فجأة، اسودت عيناه، وكأن فكرة مظلمة سيطرت عليه: ربما فعلت صافيناز ذلك انتقاما لاعتذارها لماسة وتقبيل يديها، فزوجها عماد وله أفكار سوداء، وربما وضعوا لمصطفى شيئا؛ ليسقطوا ماسة ضحية له؟! تماما كما فعلوا به من قبل عندما اعطوه تلك الحبة.

هذه الفكره كانت قاتلة بالنسبه له كسم يسري في عقله، فهو يعرف تلك الحبة جيدا، ويعرف كيف تطفئ الوعي، وتترك الإنسان فريسة بلا إرادة، وربما يفعل مصطفى بماسة مثلما فعل بها من قبل...

فادمعت عيناه من شدة القهر، لا يحتمل فكرة أن تتأذي بسببه مره أخري، فطفرت الدموع من عينيه وهو يسابق الزمن للحاق بها، واقسم داخله أن لن يكفيه حرقهم أحياء إن مسها أي مكروه.

سيطر عليه مزيج من الخوف والغضب، ونبض قلبه بسرعة، وضربت الأفكار رأسه كالصواعق، فقبض على الكلاكس بعنف، وضغط على البنزين أكثر فأكثر، والسيناريوهات تتوالى في ذهنه بلا توقف، وهو عاجز عن إدراك حقيقتها.
❤️_________________بقلمي ليلةعادل

على اتجاه آخر عند مصطفى وماسة.

بدأت خيوط المأساة تنكشف ببطء، وكل ثانية كانت تزيد من حدة التوتر.

بدأ مصطفى يتململ في مكانه، شعر وكأن رأسه مثقل بشدة، غير واعي تماما بما حدث من مأساة.

فتح عينيه وأغلقهما أكثر من مرة، نظر بجانبه ليجد فتاة نائمة على صدره، صدمته ارتسمت على وجهه؛ فانتفضت من مكانه حتى جلس، ومسح على وجهه براحة يده، كان يشعر بالصداع وعيناه محترقتان..

مد يده بتوتر ممزوج بالتردد ليعرف من تلك الفتاة التي بجانبه، رفع شعرها عن وجهها، وهنا كانت الصدمه حينما أدرك أنها ماسة، فتوسعت عيناه بشدة حتى كادتا علي وشك الخروج من محجريهما، وانفتح فمه من هول الصدمة.

ارتجفت شفتيه، ورفع البطانية، ليجد نفسه بملابسه الداخلية فقط!! ازداد توتره، لكنه لم يجرؤ على رفع البطانية أكثر، وأدرك أن هناك كارثة حدثت.

بدأ يتمتم بنبرة مرتجفه مصدومه: يا نهار أسود، يا نهار أسود، إيه اللي حصل؟

اغمض عينيه بشدة وضرب رأسه براحتيه، محاولا تذكر أي شيء، وفجأة ضربت الذاكرة رأسه قبل فقدانه للوعي.

فلاش باااك
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل.

عند المستشفي التى يعمل بها مصطفي.

خرج يحمل حقيبته بهدوء متجها نحو سيارته، وفجأة اقتربت منه سيدة مسنة بسرعه، تتوسله بدموع وخوف: دكتور مصطفى، الحقني، أبوس إيدك!

نظر لها بقلق: في إيه يا حاجه؟ اهدي.

حاولت التحدث من بين شهقاتها المصطنعه: بنتي عيانة وتعبانة أوي، ابوس ايدك تعالي شوفها، أنت مش عارفني؟ أنا ام خلود! والنبي يابني ..

أمسكت يده لتقبلها: ابوس ايدك انجدني.

ربت على كتفها باحترام: اهدي يا امي، معلش اعذريني مش واخد بالي منك، بس أنا هاجي اكشف عليها، وإن شاء الله تكون بسيطه متقلقيش، تعالي معايا.

دخل السيارة وبعد أن فتح الباب بمفتاح الأوتوماتيك صعدت بجواره، وفجأة اقتحم شابين السيارة من الخلف 

انتفض مصطفى بخضه: إيه داا، أنتم مين؟!

لكن قبل أن يكمل كلمته، غرزوا له حقنة في رقبته بسرعه، ولم تمر سوا ثواني، حتي فقد وعيه.

أشار أحد الشابين للسيدة: يلا انزلي!

خرجت السيدة بسرعة، بينما جلس أحد الشابين مكانها، أما الآخر فبدأ يسحب مصطفى بحذر، بمساعدة زميله، حتى وضعوه في المقعد الخلفي ليستلقي على الكنبة.

ثم نزل وجلس على طارة القيادة، وبدأ يقود السيارة بسرعة، بينما بقي الشاب الآخر يراقب مصطفى في الخلف، ليتأكد أنه فقد وعيه تماما.

(في الحاضر)

ضرب مصطفى جبينه، وغمرت دموع الصدمة عينيه.

اقترب من ماسه بتردد، يده تذهب وتعود بخجل وهو يقول: يا ماسة… ماسة

بدأ يخبطها على وجهها، ويصرخ: يا نهار أسود! ايه اللي حصل بس؟!

كانت رأسه تتحرك بسرعة، يفكر ماذا يفعل، وفجأة وقعت عيناه على حقيبته، فركض نحوها مسرعا، فتحها وأخذ منها كحولا، ثم عاد واقترب منها ورش على وجهها، ثم أخذ زجاجه الماء وبلل بها وجهها.

فبدأت تستعيد وعيها قليلا، فتنهد مصطفى: فوقي يا ماسة، فوقي..

رش الكحول مرة أخرى على وجهها: أيوه يا ماسة، فوقي… فوقي
  
بدأت تفتح عينيها بصعوبة، ورأسها ثقيل كأن عليه أحجار.

اجلسها مصطفى على ظهر الفراش، واسندها من كتفها، وأخذ يطرق بكفه على وجهها وهو يحاول رفع الغطاء عليها من أجل سترها: يا ماسه، فتحي عينيكي! ابوس ايدك..

أخذ الماء مرة أخرى ورشه على وجهها، صارخا بتوتر: يا ماسة.

بدأت تستوعب قليلا، فقالت بنبره متكسره تشبه السكاره: مصطفى.... أنت هنا.... أزاي؟... سليم فين؟! 

قال وهو يهز رأسه: مش مهم أنا هنا أزاي، المهم قومي.

نهض من  مكانه، جلب بنطاله وأخذ يقوم بارتداءه بسرعة، لكن ماسة كانت لا تزالت بين الوعي واللاوعي، جسدها غير متزن، ورأسها تترنح وهي تحاول فتح عينيها.

صوتها خرج ثقيل: سليم... المستشفى… إيه اللي حصل… مصطفى… فين سليم؟

كانت عينا مصطفى تتبع كل حركة لها، وهو يضغط على شفتيه الأماميتين بضجر وخوف، لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله.

كان الغطاء يسقط من عليها بين الحين والآخر، ليظهر صدرها، فأسرع مصطفى وأغلق سوستة بنطاله، ثم عاد إليها وحاول تغطيتها، إلا أن بطء وعيها جعل الغطاء يسقط مرارا.

لفت نظره فستانها الذي كان ملاقي على الأرض، فاندفع نحوه بسرعة، جلبه وعاد إليها، وحاول أن يلبسه لها بعناية، حيث ادخل رقبتها أولا ثم يديها الاثنين فقط.

كانت ماسة مستسلمة له تماما، بلا وعي كافي لتساعد نفسها، فقال مصطفى بحزم وقلق: يلا بقى قومي كملي لبسك، أنا مش هعرف ألبسك  اكتر من كدة.

على اتجاه آخر، في الشارع.

توقفت سيارات الشرطة أسفل المبنى تباعا، وانطلقت صافراتها تشق السكون بعنف، ترجل العساكر منها على عجل، أسلحتهم مشدودة إلى صدورهم، وخطواتهم السريعة ترتطم بالأرض وهم يندفعون نحو العمارة، باندفاع حاد، كأن الزمن يضغطهم من الخلف ولا يسمح لهم بالتباطئ لحظة واحدة.
                        
في الأعلي.

كانت ماسة لا تزال تتأرجح بين اليقظه والهذيان، جسدها مستسلم تماما لمصطفى، غير قادرة على التحكم في نفسها، كان الفستان موضوعا عليها بشكل غير مكتمل، فقط رقبته عند عنقها، واكمامه في منتصف ذراعيها، وهي جالسة في مكانها، تحاول بصعوبة أن تستوعب ما حولها.

كان مصطفى يراقبها بقلق شديد، يحاول أن يضبط وضعها ويحافظ على سترها قدر الإمكان، ومع كل حركة كان الفستان يقع أو يتحرك قليلا، مما زاد من توتره وخوفه عليها.

جز على أسنانه، وأمسك بزجاجة الماء والقها بأكملها على وجهها، وصرخ بها بقله حيله: فوقي بقى.

شهقت فجأة، وأخذت نفسا عميقا، كأنها أخيرا استعادت شيئا من وعيها، وهمست بصوت متقطع وهي تحاول فتح عينيها: في إيه؟

وضعت يديها على رأسها تحاول استيعاب ما حدث: إيه ده ... مصطفى!! أنت ايه اللي جابك هنا، وسليم فين؟

نظرت حولها، غير قادرة على استيعاب ما يحدث، لكن عيناها اتسعتا عندما رأت مصطفى عاري الصدر أمامها، وسرعان ما أدركت بصدمه، أنها لا ترتدي شيئا سوي ملابسها الداخليه هي الأخري.

شهقت وهي ترفع البطانية بسرعة لتغطي جسدها، وبدأت دموعها تتدحرج على وجهها، وقالت برعب: هو في ايه يا مصطفى، أنا مش فاهمة حاجة…

أجابها بسرعة، وهو يعدل قميصه: مش وقته تفهمي، البسي بسرعة، لازم نمشي من هنا، حاولي تقومي بس!

حاولت الاعتدال في جلستها، وهي تتشبث بالبطانية لتداري بها عري جسدها، وهي لا تزال تترنح بعدم اتزان. 

في نفس اللحظة في الخارج.

اقتحمت الشرطة الشقة، وهنا اتضحت الحقارة كاملة، وانكشف الفخ الذي نصب لماسة، كان المشهد صادما رجال وسيدات يجلسون في الصالة في أوضاع مخلة،  وما إن داهمتهم الشرطة حتى عمت الفوضى؛ صرخات متداخلة، محاولات يائسة للتبرير، وأيدي تُسحب بقسوة نحو الخارج.

دوي صوت أحد الضباط: شوفوا اللي في الأوض! بسرعه.

بدأوا يقتحمون الغرف واحدة تلو الأخرى، يسحبون منها رجالا ونساء في أوضاع شنيعه، وحقائق لا تحتاج إلى شرح، لم تكن شقة عادية بل كانت وكر دعارة كاملة الأركان.

في الغرفة.

حاول مصطفى أن يُمسك بيدها ليساعدها على النهوض، وأدار ظهره متعمدا ألا يرى شيئا من جسدها، كأن حياءه كان خط الدفاع الأخير لها وسط هذا الخراب.

قال بصوت متوتر، منخفض لكنه حازم: البسي يلا بسرعة.

انزلقت البطانية عن كتفي ماسة، وتعثرت وهي تحاول أن ترفع فستانها نصف الملبوس، يداها ترتجفان، وأنفاسها متقطعة، وعيناها تائهتان بين الصدمة والخوف والمهانة.

كانت اللحظة أثقل من أن تُحتمل، لحظة انكشاف لا ذنب لها فيه، بينما الزمن يضغط، والخطر يقترب، والفخ يطبق أنيابه بوحشية.

قالت ماسه بخوف وصوت يخرج بصعوبه كالمخدر: أنا سامعه صوت دوشه بره.

رمش مصطفي بعينه، ونظر نحو الباب كأن اذنه هو الآخر التقطت الأصوات، لكن قبل أن يستوعبا شيئا، اقتحمت الشرطة المكان فجأة، وصرخ أحدهم: مكانكم، زي ما أنتم!

ارتفعت أصوات أفراد الشرطة، وهم مصوبون أسلحتهم نحوهم، مضيفين صدمة جديدة وتهديدا واضحا للموقف.

تجمدت عينا مصطفى على الظابط وهو يمسك قميصه بين يديه، وذراع ماسة لا يزال معلقة في قبضته الأخرى، صدره يخفق بقوة، وأنفاسه تخرج متقطعة كمن يسابق لحظة انهيار. 

ظلت ماسة تنظر إليهما بصدمة، لم تفهم من هؤلاء وما الذي يحدث؛ كان قلبها على وشك الانفجار من الخوف، وجسدها يرتجف من هول الموقف حتى كادت تصاب بأزمة قلبية.

هزت رأسها بلا وعي كالمجنونة، والدموع سالت على وجهها، وهي تفتح فمها وتغلقه دون أن يخرج منها كلمه واضحه كأن أصابها البكم أو كأنها نسيت الكلام تماما. 

كانت لحظه فقط لكنها مرت كالدهر..

صرخ الظابط بصوت قاسي: زي ما أنتم، يا امين.. لملي الهدوم دي كلها وحرزها، ويلا انت وهي معايا بالزوق كدة، يلا..

تحدث مصطفى بنبرة متقطعه بصدمه: انتم مين؟!

اجابه الظابظ باستهزاء: بوليس الآداب يا روح أمك؟

اتسعت عينا ماسة، وشهقت شهقه قويه وكادت أنفاسها أن تتوقف..

حاول مصطفى الدفاع عنهما، وتبرير ما يحدث: حضرتك احنا مظلومين، احنا اتخطفنا واللي خطفنا جابنا هنا!

أجاب الظابط بسخرية: يا سلام، وهو كمان اللي قلعكم كده.

ثم تحرك واقترب من مصطفى، ووضع أصابع يديه على رقبته وهو يقول بتهكم: وهو برضو اللي حط الروج ده على رقبتك، وغرق جسمك بريحه حريمي كده يا روح أمك؟

تنفس مصطفى فجأة، وحاول أن يرد بحدة تداري رهبة قلبه: احترم نفسك! وملكش دعوه بأمي.

رد الظابط مهددا، يقرع كلماته بصوت ثقيل: احترم نفسي؟ ده أنا هوريك الاحترام لما نوصل القسم  وحياتك أمك لعلقك يلا، يلا قدامي، وانتِ يا بت، يلا!

لكنها كانت متجمدة مكانها، وتحيط نفسها بكلتا زراعيها بشده، وهي تبكي، وتغمض عينيها بشده علها تستفيق من الكابوس الذي تحياه الآن.

مرر عينه عليها وتسأل وهو يضيق عينه: انتِ ليكي ملف يا بت، ولا جايبك منين؟

لم ترد ماسة، واكتفت بالصمت، وهي تبكي بحرقة، وجسدها يهتز بعنف، ولا تزال عاجزة عن فهم الشيء الذي وقعت فيه، أو كيف تحولت لحظة واحدة إلى هذا الجحيم.

عيناها شاردتان، وعقلها تائه، كأن الصدمة شلت قدرتها على الاستيعاب، وتركتها غارقة في خوف لا اسم له.

صرخ الضابط بها بنبرة فظة، وهو يقترب خطوة منها، وعينيه تمسحان جسدها بوقاحة: ماتنطقي يا بت؟! شغالة مع مين، ولا شغالة مع نفسك؟! جايبك من أنهي داهية؟!

كانت تنظر إليه بعينين متسعتين، وصوتها خرج واهنا، مخنوقا بالبكاء، والدموع تهبط بلا توقف، وجسدها يرتجف من شدة الخوف والذل: أنا… أنا مش فاهمة، حضرتك بتتكلم عن إيه…

قالتها بصعوبة، وكأن الكلمات تُنتزع من صدرها.

فانفجر الضابط ضاحكا، ضحكة خالية من أي إنسانية، وقال بسخرية جارحة: آااه ! شكلك لئيمة وهتتعبينا.

ثم أمال رأسه قليلا، ونبرته صارت أكثر تهديدا: بس وحياة أمك، لأَنفخك لو متعدلتيش!

الأمر تصاعد بسرعة، وقال لأمين بجانبه: يلا يا أمين هاتهم.

وبين هذا الصخب، بقيت يد مصطفى تمسك بالقميص كما لو أنه الخيط الأخير الذي يربطه بالواقع، ودمعة واحدة نزلت من زاوية عينه، تحمل خوفا من القادم.

شد الأمين كتف ماسة بقسوة، لكن عندما سحبها من على فراش، انزلقت الفستان على جسدها، واصبح كأنها ترتدي لكن بطريقه عشوائيه، وسوستتها كانت مفتوحة. 

بينما قام الأمين الآخر بدفع مصطفى للأمام وهو عاري الصدر بقسوة.

لم يتجاوزا الا خطوتين، وانتبه الظابط لارتدائهم ملابسهم رغم عدم تناسقها، فتوقف وصرخ بصوت صارم: بس .. بس وقفهم كده! مش هينفع، دول لابسين، استنى، لو كدة القضية هتبقى فيها ثغرات ومحامي بقرشين هيطلعهم، هات القميص والبنطلون منه ! وقلعلي البت دي الفستان اللي عليها! ولفهملي الاتنين في ملايات يلا.

فور أن استمع مصطفى إلى ذلك، اندفع دون تردد محاولا حمايتها، وصاح بغضب وذعر: شيل إيدك من عليها! اوعي تقربلها.

لكن الأمناء أسرعوا بالإمساك به، فراح يصرخ وهو يحاول الإفلات منهم، وصوته خرج محتجا بقهر: اللي أنت بتعمله ده مش قانوني!

التفت إليه الضابط بحدة، وقال بسخرية تهكمية: قانون إيه يا أبو قانون، دى أحنا جايبنكم من شقة دعارة!

لم يكد مصطفي يستوعب الكلمه، حتي صرخ الظابط فجأة بصوت آمر: مطراوي! ظبطهولي!

وفي لحظة واحدة، انهال عليه الأمناء بالضرب، بأياد قاسية، وصراخ يملأ المكان، بينما سقط مصطفى تحت وطأة العنف، والفوضى تبتلع كل شيء.

اتسعت عينا ماسة بصدمة مرعبة، وانكمشت على نفسها كغزالة محاصرة، جسدها يهتز بعنف، وصرخت من أعماقها: محدش يقرب مني!

زمجر الضابط بصوت خشن يشق المكان: يلا يا أمين!

تقدم الأمين محاولا أن يمسك بالفستان، فانفجرت مقاومة بكل ما تبقى لها من قوة؛ أصابعها تشبثت بالقماش كأنه آخر ما يربطها بالحياة، جسدها يرتجف، والدموع تنهمر على وجهها، وقلبها يخبط بجنون يكاد يمزق صدرها، صرختها خرجت مبحوحة، مكسورة: ابعد عني! حرام عليك..

في نفس اللحظه، على اتجاه آخر 

هبطت سليم من سيارته مسرعا وخلفه مكي وعشري،  وعندما وقعت عينه على سيارات الشرطه المتوقفه، وانتبه إلى العساكر وهم يسحبون الرجال والنساء من العمارة، ملفوفين بالملاءات، وقد ارتسم الرعب في أعينهم، وبين الزحام والوجوه المكدودة، كان الضغط الهائل يثقل الجو، كأن الجدران نفسها توشك أن تنهار فوقهم.

اتسعت عينا سليم بصدمه، وأدرك أخيرا الفخ الذي نصبوه لماسة ومصطفى، فقد كان كل شيء معدا بدقة ليجعله يشاهد الموقف ويقع في رد فعل خاطئ، قد يدفعه لارتكاب جريمة قتل دفاعا عن الشرف، وفي الوقت نفسه يورطه في فضيحة أخلاقية تتحول إلى قضية آداب ضدها.

ركض بسرعة نحو الداخل، وكل خطوة يخطوها كأنها مواجهة مباشرة مع القدر، يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يخرجوا ماسة في ذلك الوضع المروع.

قلبه يرفرف بعنف، الأدرينالين يملأ عروقه، وكل ثانية تمر كانت كأنها ساعة من العذاب، كل لحظة تشعره بالعجز، لكنه لم يتوقف ولم يتراجع، وكانت خطواته حربا ضد الوقت، وضد المصير، وكلما اقترب منها، زاد يقينه أن أي لحظة تأخير قد تكلفه الكثير.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

عند ماسة ومصطفى.

كان الأمين لايزال يحاول نزع فستانها بالقوة، وهي تصرخ وتقاوم بكل ما أوتيت من قوة، صرخاتها تقطع الصمت، وجسدها يرفض الانكسار، في مواجهة الغطرسة والعنف.

حاول مصطفي التملص من بين يدي الرجال الذين قيود يده إلي الخلف بالأغلال الحديديه، فقال متوسلا بصوت مقهور: حرام عليك! أنت معندكش أخوات بنات؟ بقولك مظلومين!

لكنه لم يستطيع الافلات من بيت قبضتهم، فنظر لها بدموع وقلة حيلة وعجز وهو يراها تسحق أمام عينيه.

نظر الضابط إليه بسخرية باردة وقال: أختي محترمة مش شمال زيها !

عاد الظابط يحاول الاقتراب منها، فدفعته بيدين مرتجفتين، وهي تبكي بحرقه، وصوتها خرج ممزوجا بالخوف والضعف: حرام عليك، أنا مظلومة، والله العظيم مظلومة!

صرخ فيها، وغضبه يتفجر: مظلومة مين يا روح أمك؟ ده أنا جايبك من على السرير!

حاول أن يشد الفستان من عليها  فصرخت وهي تدفعه بقوة: قولتك ابعد عني!

اتسعت عيناه بدهشة غاضبة: أنتِ بتزقيني؟!

وفي لحظة خاطفة، اقترب منها وصفعها صفعتين قاسيتين على وجهها، فانفجرت ماسة صراخا، تبكي بحرقة وألم.

امسكها الظابط من شعرها بقسوة: طب وحياة امك لعمل عليكي حفلة النهاردة.

صرخ مصطفى، وهو مقيد بين أيدي الأمناء، يحاول الإفلات والدفاع عنها: متمدش إيدك عليها! ابعد عنها!

التفت الضابط نحوه بابتسامة باردة، ثم دفع ماسة بقسوة حتى ترنحت واتجه نحوه، وفجأة وجّه لمصطفى لكمة عنيفة في وجهه، وقال بسخرية لاذعة:  عاملي فيها حبيب؟ يا روح أمك! أنا هطلع عين أهاليكم أنتم الاتنين.

صرخت ماسة بصوت واهنا مكسورا مختنق بين الدموع: أنا متجوزة يا فندم، والله مظلومين، أنا اتخطفت، حد خطفني وخدرني وجابني هنا، أنا ودكتور مصطفى، والله العظيم إحنا مظلومين، عايز تقلعني هدومي ليه حرام عليك.

في تلك الأثناء، تدخل ضابطٌ آخر بنبرةٍ باردة يغلبها الملل: ما خلاص يا خيرت، لم الدور، وخلينا نمشي، جيبهم باللي عليهم وخلاص.

التفت خيرت إليه بعينين تقدحان عنادا، ورد بحدة فظة: لا والله! لأقلعهم وملط كمان!

ثم صاح بصوت آمر، قاطع: يلا يا مطراوي!

ارتفعت شهقات ماسة كصرخات ضائعة في فراغ مظلم، تراجعت للخلف، تحاول أن تدافع عن نفسها بكل ما أوتيت من قوة، فأخذت تدفعه بكلتا يديها، وقلبها يكاد يتوقف من الرعب، وكل ما حولها بدا قاتما، مهزوما، وهي تصرخ بارتجاف: ابعدوا عني، محدش يقربلي.

وفي قلب مصطفى، كان الوجع يمزق الصدر تمزيقا؛
وجع العجز حين ترى مظلوما يُسحق أمامك
ولا تملك يد مساعدة تمدها له.

كان يراها تهتز، وتبكي، وتتقلص على نفسها كطفلة ضائعة، تحاول أن تقاوم وتصرخ، وهو يراقب المشهد بعينين موجوعتين، وقلب يصرخ دون صوت، لا لأنها تُهان فحسب، بل لأنه وللمرة الأولى شعر بعجز كامل عن حمايتها.

ادمعت عيناه بشده، وخرج صوته مكسورا ومتوسلا بيأس: حرام عليك، طب اعمل فيا اللى أنت عايزه بس سيبها هي..

ولكن الظابط كان جامد القلب أصما، ولم يرؤوف قلبه بحالها، فصاح بخشونة فظة، حينما رأي الأمين لا يستطيع الاقتراب منها بسبب مقاومتها المستميته: إيه يا مطراوي؟! مش عارف تقلعها؟! 

جز الأمين علي اثنانه، وقال: علوي امسكهالى.

تقدم اثنان من الرجال يحاولان السيطرة على حركة يديها قسرا، فامسك أحدهم بيديها المرتجفتين أمام صدرها بينما وضع الآخر بها أغلالا حديدة تعوق حركتها، ليسهل عليهم اتمام مهتهم دون مقاومه، فوقفت ترمقهم بعينان تفيضان رعبا، وهي تقول بتوسل يائس: حرام عليك! أبوس أيدك ارحمني، أنا مظلومة، والله ما عملت حاجة!

كانت تخشى أن تنطق باسمه، وأن تقول إنها زوجة سليم الراوي، خوفا من أن تزج باسمه في هذا الجحيم.

ومع صوت أغلاق القيود خمدت مقاومتها قسرا، لا عن رضا، بل لأن الجسد خذلها بعد أن استُنزفت كل قوتها، سكنت يداها، بينما كانت عيناها ما تزالان تصرخان.

مد الأمين ذراعه وأمسك بطرف فستانها، وكاد أن ينزعه من عليها، وهي تصرخ بلا فائدة، ولكن فجأة توقف كل شيء، حينما اقتحم سليم الغرفة بخطوات سريعة حادة، وعيناه تلمعان بمزيج قاتل من الغضب والرعب على زوجته حينما استمع لصراخها من الخارج.

دخل مكي وعشري خلفه، ووجوههما مشدوهة، كأن عقولهم ترفض تصديق ما تراه أعينهم.

كلمه واحده خرجت من فمه، واهتز صوته وهو يقولها مكسورا رغم قوته: ماسة!

تجمد الزمن لوهلة، وتلاشت الصرخات، وصمتت التهديدات، وكل الأنظار اتجهت نحوه في اللحظة التي انقلب فيها كل شيء.

وفي اللحظة نفسها اتسعت عينا ماسة، ودق قلبها بجنون مؤلم، شعرت بوجع حاد يخترق صدرها، كأن خنجرا غُرس في منتصف قلبها دون رحمة، الخجل سحقها أكثر من الخوف.

فسليم جاء ليراها في الحالة التي كانت تتمنى الموت قبل أن يراها فيها، حاولت أن تحمي جسدها بيديها، وهي تمتمت بصوت مكتوم، ضعيف، يكاد لا يُسمع: سليم… لا… لا… 

تراجعت للخلف بلا وعي، وهي تشد الفستان على صدرها بارتجاف، وتهتز رأسها نافيه كمن أصابها المس، حتى اصطدم ظهرها بزاوية الحائط، محاصرة بينه وبين نظراته، فانفجرت بالبكاء، وشهقت شهقة حارقة خرجت من صدرها، كسرت السكون، وكسرت قلبه معها.

بينما كانت عينا سليم تجولان عليها من أعلى إلى أسفل، غارقتين بدموع حارقة لم يستطع حبسها.

لم يتوقع ولم يتخيل، حتى في أسوأ كوابيسه، أن يرى زوجته بتلك الحالة، كان يظن نفسه مستعدا، ظن أن العقل قد يهيئ القلب لو حدث الأسوأ، لكن الحقيقة حين تواجهك عارية من الرحمة، تسحق كل استعداد.

رؤية ماسة مكسورة، مرتجفة، تحاول أن تحمي نفسها، كانت أقسى عليه مما يحتمل، فاندفع نحوها دون تفكير، كأن الأرض تُسحب من تحته، قلبه يكاد يتوقف من هول المشهد.

وضع يده على كتفها برفق مرتعش، وصوته خرج واهنا، مليئا بالحنان والألم: ماسة… حبيبتي.

هزت رأسها بلا وعي، وتمتمت بجنون وخوف، من بين شهقاتها المتقطعة، وصوت يتكسر: والله العظيم ما عملت حاجة يا سليم ... والله العظيم! معملتش حاجة… هما… هما قالولي… قالولي إنك… إنك في المستشفى… والله ما عملت حاجة!

في اللحظة نفسها، قال مصطفى بصوت مبحوح، مشوش من هول ما يحدث: سليم أقسم بالله العظيم مراتك شريفة، إحنا اتخطفنا، والله ما عارف أنا جيت هنا إزاي ولا ليه.

لكن سليم لم يكن ينتظر دفاعا، ولا شرحا، ثقته بها كانت أعمق من الكلمات، ثقه راسخة حتى النخاع، لا تهزها مشاهد، ولا تصرخ في وجهها الأكاذيب.

كل ما رآه أمامه لم يكن ذنبا بل جريمة ارتُكبت بحقها.

بينما كانت ماسة تبكي بحرقة، رأسها منحني، كتفيها يهتزان، تتمنى لو تختفي من عالم لم يعد آمنا ولا رحيما، فرؤيه سليم لها في ذلك الوضع قاتله بالنسبه لها.

شعر بخجلها ووجعها، قبل أن تنطق بشيء آخر، مد يده ومسح علي شعرها بلطف بالغ، ثم شدها إلى صدره وضمها بقوة حامية، كأن ذراعيه صارتا جدارها الأخير.

خرج صوته ثابتا، عميقا، مغمورا بالطمأنينة: هشش، بس اهدي، أنا فاهم كل حاجة، فاهم كل حاجة، خلاص.

أبعدها قليلا، وضم وجهها بين كفيه، وأجبرها برفق أن تنظر إليه، وعيناه مغروقتان بالوجع لكنهما حازمتان، تحدث وهو ينظر داخل عينيها: ارفعي راسك، متوطيش راسك أبدا، أنتِ معملتش حاجة، أوعي توطي راسك تاني، فاهمة؟

لكنها كانت تبكي بدموع محملة بالوجع والانكسار والقهر، ذلك القهر الذي يكسر شيئا عميقا داخل أي امرأة تُدفع إلى هذا الوضع القاسي.

شدها سليم مرة أخرى إلى أحضانه، وراح يربت على رأسها وظهرها، كأنه يحاول أن ينتشلها من الغرق، ويمنحها نفسا إضافيا للحياة.

وفي المقابل كان الضابط يراقب المشهد، وعيناه تتبعان يدي سليم التى تتحرك على ظهر ماسة بابتسامة باردة تتسلل إلى وجهه، كأن ما يراه مجرد مشهد من فيلم رخيص.

وفجأة قال بنبرة تهكمية ساخرة: وأنت مين بقى ياللي عامل تحسس كده؟ ودخلت هنا أزاى أصلا؟

ما إن وصلت الكلمات إلى أذن سليم، حتى أبعد ماسة قليلا، وثبت جسدها خلفه، ثم استدار ببطء قاتل، ورفع أحد حاجبيه، وعيناه انغرستا في الضابط كحد السكين، وصوته خرج هادئا مخيفا: بحسس؟!

اقترب الضابط حتى توقف امامه، وقال بنبرة ساخرة: اه بتحسس، ايه كنت مستني دورك؟!

امسكه سليم من ياقة قميصه، وصوته خرج جهوريا، قاطعا المكان: احترام نفسك، دي مراتي!

انفجر الضابط ضاحكا بسخرية فجة، وقال وهو يميل برأسه باستهزاء: طب ومالك فخور أوي ليه كده وانت بتقول أنا جوزها؟ إيه؟ فرحان بقرونك؟ ولا كنت بتظبط لها المواعيد؟

انغرس الغضب في صدر سليم كجمر مشتعل، عض على أسنانه، وعيناه احترقتا بغضب أسود، وفي لحظة بلا إنذار اندفع بلكمة قوية خاطفة، كأن كل ما كُتم في صدره انفجر دفعة واحدة.

ترنح الضابط وسقط على الأرض، والصمت انشق كزجاج مكسور، وفي ثانية واحدة، ارتفعت الأسلحة، عساكر وضباط يوجهون فوهاتها نحو سليم.

رفع مكي وعشري سلاحهما فورا، لكن سليم لم يتراجع، ورفع عينيه بهدوء مهيب، نظرة ثابتة، مسيطرة، لا خوف فيها ولا تردد، وأشار لمكي وعشري بيده دون أن يلتفت لهم كي ينزلون أسلحتهم لكنهم لم يستجيبا لأمره.

اقترب أحد الأمناء، بوجهه محتقن، وصوته مليء بالتهديد: بتمد إيدك على الباشا؟! وحياة أمك هتتعلق أنت كمان!

حاول الأمين التدخل وضرب سليم، لكنه التقط يده في لحظة خاطفة بقبضة من حديد أوقفت الضربة قبل أن تكتمل، وعيناه تشعان بوعيد بارد: اتعلق…!!!

ثم اقترب خطوة، ونبرته صارت أخطر: اهو اللي هيتعلق دى هيخليها آخر ليلة ليك أنت واللي معاك في الداخلية،
أنا سليم الراوي يلاا، عارف مين سليم الراوي؟! وأقسم بجلال الله لو الأسلحة دي منزلتش دلوقتي، ساعتين بالكتير وكلكم هتبقوا مرفودين وهتخرجوا بفضيحه!

ساد صمت ثقيل، الأسلحة ترددت في الهواء، والوجوه تغير لونها، فالاسم وحده كان كافيا ليقلب الموازين.

في تلك اللحظة، اندفع الظابط الآخر مسرعا، ونظرة معرفة صاعقة ارتسمت على وجهه، وقال بلهجة مرتبكة: سليم باشا اللى ما يعرفك يجهلك؟!

لم يجيب سليم، وشد ماسة خلفه أكثر، كأن جسده صار درعا، وعيناه لم تفارقا من أهانها، أما هي فأخذت تتشبث بطرف قميصه، وتخبر نفسها أنها لم تعد وحدها وأن وجوده بجانبها كان كافيا لطمئنتها.

رد سليم عليه بعينين تقدحان شررا، وصوته خرج كأمر لا يحتمل نقاشا: قول لرجالتك ينزلوا سلاحهم.

رفع الضابط يده بإشارة سريعة، وفي لحظات انخفضت الأسلحة بالفعل، وتراجع التوتر خطوة، لكن النار لم تنطفئ بعد.

تقدم ضابط آخر محاولا تدارك الموقف قبل أن يتفاقم، وقال بصوت هادئ متصنع يحاول تبرير ما رُسم بعناية: يا سليم باشا أحنا لقينا مرات حضرتك على السرير، وهي عريانة مع الراجل ده في وضع يعني....

قبل أن يكمل الجملة، خرج صوت مصطفى صارخا  بدفاع، يحاول إنقاذ الحقيقة بسرعة: محصلش، والله يا سليم كانت لابسة فستانها زي ما هو كده، ومخدناش من على السرير، أنا كنت واقف مكاني، وهي كانت قاعدة على السرير علشان كانت لسه مش مركزة، إحنا الاتنين كنا لابسين هدومنا.

ارتعش صوت ماسة وهي تتحدث، لكن عينيها كانتا صادقتين حد الألم: والله العظيم بيكدبوا يا سليم،
واللي هناك ده…

وأشارت بعينها نحو الضابط الذي ضربها: هو اللي كان عايز يقلعني الفستان بالعافية، وفضلت أتحايل عليه ومرضيش، وضرب مصطفى، وضربني أنا كمان.

التفت إليها بعيون متسعة، كأن كلماتها هبت عليه كعاصفة قال: نعم ضربك، وعايز يقلعك بالعافيه؟!

وفي تلك اللحظة وقعت عيناه على آثار أصابع واضحة على خدها، لم يكن قد رآها حين دخل، كأن خوفه عليها قد أعماه عن التفاصيل.

انقلبت ملامحه فجأة إلى شيء آخر شيء مخيف، وكأنه تحول إلى إعصار، فاندفع نحو الضابط الذي أشارت عليه، وانهال عليه باللكمات بيديه الاثنتين، يضرب وهو يصرخ بوحشية موجوعة: بتضرب مراتي وعايز تعريها كمان يا قذر يا خسيس؟! أنت اتجننت؟! والله لأقتلك! والله ليكون آخر يوم في عمرك..

حاول الأمين والعساكر التدخل لإبعاده، لكن الضابط الذي يعرفه صرخ فيهم بحدة قاطعة: نزل سلاحك أنت وهو! محدش يعمل حاجة!

كان سليم لا يزال يضربه بغضب أعمي، ووجعه أعمق من أي سيطرة.

وقبل أن يجرؤ أحد على الاقتراب، اندفع مكي، وتوقف أمامهم مباشرة وفوهة مسدس موجه لهم، بعينان ثابتتان، وصوت دوى في أرجاء المكان: محدش يقرب! أنا هوقفه، فاهمين؟ احنا مش لوحدنا ومش عايزينها تبقى مجزرة !

التفت الضابط إليه بتوتر: طب اتصرف!

هز مكي رأسه وقال لعشري: خد بالك!

ثبت  عشري في مكانه سلاحه مرفوع، وعيونه مترقبة، جاهزا لأي لحظة تنفلت فيها الأمور.

التفت مكي ببطء للخلف مترقبا اي غدر، واقترب من سليم الذي كان لا يزال يسدد لكماته للظابط حتى كاد يلاقي حتفه بين يديه، وضع مسدسه في خصره، وقال وهو يحاول سحب سليم من كتفه بقوة: سليم كفاية، خلاص الرجل هيموت في ايدك.

لكن سليم، كان كالمجنون ينهال عليه بالضرب وهو يصرخ بصوت خرج من صدره لا من حنجرته: يمووت، بتقولك ضربها! وحاول يقلعها بالعافية!

حاول مكي أن يسحبه مرة أخرى وهو يقول بتوتر: طب خلاص كفاية!

لكن سليم لم يستمع اليه، وظل يهبط على الضابط بلكمات متتالية بكلتا يديه: لا! مش كفاية! لازم يدفع تمن أيده اللى اتمدت على مراتي واهانها!

عجز مكي عن سحبه بمفرده، فسليم كان في حالة انفلات كامل، اومأ مكي برأسه بإشارة سريعة، فاقترب ضابط آخر وعدد من العساكر، وبقوة محسوبة انتزعوه من فوق الضابط الملقى أرضا.

الضابط بنبرة بها تهديد خفيف وهو يسحبه: سليم بيه كدة مينفعش، انت كدة بتأذي نفسك.

دوى صوت سليم وهو يحاول الإفلات من قبضاتهم،  يتلوى بعنف: اوعى! أنت وهو! سبوني! اوعى! لازم اقتله..

ثم خرج صوته مبحوحا، متفجرا، وعيناه معلقتان بالضابط الذي ينزف على الأرض:  فاكرها مين يا حيوان؟! بتستقوى عليها ببدلتك؟! أقسم بالله لأقلعهالك!

اقترب مكي منه محاولا تهدئته: خلاص يا سليم أهدي، انت ضربته كفاية، أكتر من كده هيموت في إيدك.

التفت له سليم بعينين حمراوين، وصاح فيه بحدة: يموت ولا يغور في ستين داهية! مدام معندوش عقل، وعايز يلبس أي حد أي تهمة القذر!

في تلك اللحظة، أشار أحد الضباط للعساكر بعجلة، فحملوا زميلهم المصاب واندفعوا به خارج المكان، خوفا من أن يعود سليم ويفتك به مرة أخرى.

تابعهم سليم بنظرات متوعدة، وصوته يلاحقهم كالسوط: هتروح مني فين؟! مش هسيبك! والله لأندمك عمرك كله!

ثم نفض يديه بعنف، كأنه يتخلص من أثرهم، وصاح بمن حوله: خلاص بقى! سبني انت وهو!

أشار لهم مكي بيده بإشارة حاسمة أن يبتعدوا، وبالفعل رفعوا أيديهم عن سليم، بينما بقي مكي واقفا أمامه مباشرة، جسده مشدود، يمنع أي اندفاع جديد منه، وصوته خرج ثابت رغم القلق الذي بداخله: خلاص يا سليم… خلاص.

مسح سليم وجهه بكفه بعصبية، وصدره يعلو ويهبط بعنف، أنفاسه متقطعة، والغضب ما زال يغلي في دمه كالنار.

وفي الركن، كانت ماسة تقف وحدها تبكي بصمت موجع، وتضم يديها المقيدتين إلي صدرها، كأنها تحاول حماية روحها قبل جسدها، وكل ارتجاف صغير يخرج من جسدها يعكس الرعب الذي بداخلها.

ما إن وقعت عينا سليم عليها حتى انكسر غضبه فجأة، فتقدم نحوها بخطوتين سريعتين، وجذبها إلى صدره بقوة، وهو يهمس بصوت مبحوح: خلاص يا عشقي، خلاص كابوس وخلص، اهدي أنا جنبك، متخافيش.

ضمها إليه أكثر، كأن العالم كله اختفى، ولم يبقى سواها بين ذراعيه.

تجمدت الأنفاس في الغرفة، والتوتر طغي على كل من بها، بينما سليم وقف بكل قوة ينقل إحساسا بالسيطرة والحماية لماسة، والضباط مشوشون بين الخوف والغضب.

رفع سليم عينه نحو الظابط بحزم، صوته ثابت وواثق: مراتي هتكمل لبس هدومها هي ودكتور مصطفى، وهيجوا معايا لحد القسم.

رد الظابط مترددا، يحاول اقناعه: مش هينفع يا سليم بيه، دول ممسوكين متلبسين، والشقه دي متبلغ عنها، حضرتك عايز تتنازل عن حقك براحتك، انما أنا عندي واقعه واثبات حاله، ده القانون.

ابتسم سليم ابتسامة صارمة، وصوته ملؤه الحزم: أنت عارف كويس إن القانون دى متعملش لينا، قولت مراتي هتلبس باقي هدومها هي ودكتور مصطفى، ومش هيركبوا البوكس، هيجوا معايا في عربيتي معززيين مكرمين لحد القسم، أما بقي بالنسبه لحقي فأنا واثق إن مراتي بريئة، والموضوع ده في لعبه وانا هثبتها، فخليك ذكي، ويلا متأذيش نفسك.

ساد صمت رهيب، والهيبة في نظرة سليم جعلت أي معارضة تبدو مستحيلة، فاستسلم الظابط أخيرا أمام قوة رجل لا يخطئ أبدا في حماية من يحب، فرفع يده قائلا: سيبهم يا أمين، واتحركوا يلا استنوني برا. 

وبالفعل بدأ الرجال في المغادرة، وكاد الظابط أن يتبعهم لكن أوقفه صوت سليم الحازم: استنى، فك الكلبشات دي.

ارتبك الظابط للحظة، ورمش بعينه، لكن سليم كرر بنبرة حاسمة: فكلها الكلبشات، مراتي مش مذنبة علشان تلبس كلبشات، ومتخافش مش هتهرب، لأنها صاحبة حق، وأصحاب الحق مبيهربوش.

أطال الضابط التحديق في سليم، محاولا أن يستشف ملامح اللحظة القادمة، كان يدرك في قرارة نفسه أن أي اعتراض قد يوقعه عاقبة لا تحتمل؛ فالرجل الواقف أمامه ليس شخصا عاديا، بل سليم الراوي، الاسم الذي يعرف الجميع وزنه وحدود وما يستطيع فعله، أما هو، فلم يكن سوى ضابط صغير، ويمكن لسليم أن يمحو مستقبله بإشارة واحده.

ابتلع ريقه وأومأ برأسه ثم اقترب منها وفك قيودها، وما إن انتهي على صوت سليم بجمود: ودكتور مصطفي كمان..

تقدم نحو مصطفي وفك قيوده هو الآخر دون أن ينطق بكلمه، وحينما انتهي قال: أنا هنزل تحت استناكم لحد ما الهانم تلبس.

خرج وقال: استنى هنا معاهم لحد ما يلبسوا، والباقي يلا معايا على تحت.

وبالفعل خرج الجميع من الشقة، ولم يبقي سوي جندي واحد على باب الغرفة من الخارج.

اقترب سليم من مصطفى وقال له بهدوء: مصطفى روح البس هدومك يلا.

اقترب مصطفى من سليم بصوت مرتجف: والله العظيم يا سليم…

رفع يده بإشارة وهو يقول بهدوء حاد ممزوج بثقه: مش محتاج تحلف، أنا فاهم وواثق في ماسة، خلينا نخلص الموضوع دى، وبعدها نقعد سوا ونتكلم، عايز أفهم الفخ ده اتنصب ازاي.

أشار مكي لمصطفى وهو يقول: تعالي معايا يا دكتور علشان تكمل لبس هدومك.

خرج مكي وعشري مع مصطفى بعد أن أخذ ملابسه، تاركا سليم وماسة وحدهما بالغرفة.

كانت ماسة مازالت تتوقف  في الزاوية، تبكي بحرقة، ويدها ترتجف كأن البرد اخترق عظامها. 

اقترب سليم منها بخطوات بطيئة، حتى صار أمامها مباشرة، مد يده ومسح على كتفها بلطف وقال بصوت خافت: هشش…

رفعت وجهها نحوه ببطء، بملامح غارقة بالدموع، وتحدثت بصوت متقطع بين شهقاتها: والله… والله ما عملت حاجة… هما… هما بعتولي رسالة، قالولي إنك في المستشفي، والله ما كنت فاهمة… صحيت لقيت نفسي هنا، والله مظلومة يا سليم…

مد يده يمسح على وجهها وشعرها، ثم جذبها إليه بقوة وضمها إلى صدره، وصوته اختلط بالحنان والطمأنينة وهو يقول: متحلفيش!! تفتكري إني ممكن أشك فيكي أصلا يا ماسة؟! دي أنا اللى مربيكي علي أيدي وعارفك أكتر من نفسي، أهدي يا حببتى أهدي وخدى نفسك بالراحة

ولكن كلماته المطمئنة لم تصل إلي عقلها المرتعب، وظلت شهقاتها تتعالى حتى كادت تخنقها، بينما أخذ هو  يربت على ظهرها، كأنه يحاول أن يطرد عنها كل الخوف الذي يعتريها.

ابعدها قليلا وهو يضم وجهها بكفيه، وقال بصوت خافت وهو يركز النظر داخل عينيها: اهدي بقي، أنا واثق فيكي، وهجيبلك حقك قدام عنيكي، مش بتثقي فيا؟

هزت رأسها إيجابا والدموع ما زالت تسيل على وجهها.

قال بهدوء: خلاص ظبطي هدومك، يلا.

بدأ يساعدها في تعديل فستانها وشعرها، بينما كانت النار تشتعل في داخله ويكاد ينفجر من الغضب، ولكن ملامحه ظلت متماسكة وحازمة، كأنه يخوض صراعا مع نفسه ليبقى ثابتا أمامها. 

كان يعلم أنها ضحية لذلك الفخ الملعون، ولا يدري كيف نصب لها، ولكن في تلك اللحظة لم يكن قادرا على سؤالها أو الغضب منها؛ لا بد عليه أن يكون حنونا ويحتويها فحسب، رغم أنه هو الآخر كان في أمس الحاجة إلى من يحتويه.

بينما هي كانت مسكينة وضعيفة في موقف بالغ الصعوبة، لا تكف عن البكاء، وتعلو شهقاتها على نحو مخيف، حتى بدت على وشك الدخول في نوبة هلع، وأنفاسها تتلاحق بعنف شديد.

أخذها في حضنه مرة أخرى، كأن بذلك الحضن يستطيع أن ينسيها كل ما حدث، ثم همس قرب أذنها: هششش انا جنبك خلاص، متخافيش، يلا نخلص من الليلة دي.

قالت بصوت خافت وهي ترتعش: أنا خايفة…

رد عليها وهو يمسك بيديها: خايفة وأنا معاكي؟

ماسة بضعف وشعور بالعجز والخجل: والله ما عملت حاجة يا سليم…

تبسم وهو ينظر لها: وأنا مصدقك وده اللي يهم، صح؟

هزت رأسها بنعم وهي تمسح دموعها بسرعة، فهز رأسه بابتسامة خفيفة وقال: وهو ده المهم، يلا بينا.

صمت للحظة، ثم أكمل: لو مش عايز، روحي مع مكي وأنا هخلص الموضوع دى واجيلك.

هزت رأسها برفض قاطع، وقالت بنبرة مستهجنه:  لا يا سليم… أنا مش عايزه الموضوع ده ينتهي باسمك، أنا عايزة أتبرأ رسمي ويمشوا بالإجراءات الصح، مش عايزة الناس تقول إني خرجت عشانك، انا مظلومة وهاجي معاك وهات محامي ونعمل كل الإجراءات القانونية اللى تثبت إني بريئة أنا ومصطفي، عايزه كل اللى كانوا موجودين يعرفوا إني بريئة فعلا يا سليم علشان خاطري.

نظر إليها لحظة وشعر بوجعها وبالمهانة التي تعرضت لها، فهم مشاعرها جيدا؛ فهي تريد العدالة، وأن تبرأ قانونيا لا بالمراوغة أو التلاعب، فهي لم تخطئ لكي يقوم بذلك.

مد وجهه بأسف ثم قال بهدوء: حاضر يا عشقي، هعملك كل اللي انتِ عايزاه. يلا نمشي.

ثم خرجا معا، كان مصطفى ومكي بانتظارهما في الممر، هبطوا الدرج معا بهدوء ومعهم الجندى الذي بقي في الخارج.

في الشارع

نظر لهم الظابط قائلا: هتمشوا ورانا بالعربيه تمام.

أومأ سليم برأسه إيجابا، وفتح باب سيارته، وأدخل ماسة برفق، ثم صعد إلى جوارها، وأشار إلى مكي ومصطفى أن يركبا، فتحرك الموكب ببطء نحو القسم، بينما كانت سيارات الشرطة تحيط بهم.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل.

قصر الراوي، 1:30 ظهرا

دخلت هبة وابنتها القصر، بخطوات بسيطة بعد أن فتحت لهما إحدى الخادمات الباب.

توقفت هبة لحظة، ونظرت حولها بعين فاحصة، وتساءلت: فايزة هانم هنا؟

أجابت الخادمة باحترام: لا يا فندم.

هزت هبة رأسها بهدوء: طيب، أنا هطلع نالا أوضتها شوية.

رفعت نالا رأسها فجأة، بعفوية طفولية: مامي، عايزة عصير فراولة.

ابتسمت الخادمة: حاضر.

ثم التفتت إلى هبة: وحضرتك يا هانم تؤمري بأيه؟

اومأت هبة برأسها: لا مش عايزة.

صعدت هبة مع ابنتها إلى الطابق العلوي، فتحت باب الغرفة وأدخلت نالا، التي ما إن لمست قدماها الأرض حتى اندفعت نحو ألعابها، غارقة في عالمها الصغير الآمن البعيد تماما عما يدور في رأس والدتها.

جلست هبة على الأريكة، تقلب في هاتفها، وتجري بعض المكالمات الخاصة بالعمل بنبرة منخفضة ومحسوبة، وعيناها شاردتين في عالم آخر أكثر مما هما على الشاشة.

وبعد وقت قصير، طرقت الخادمة الباب ودخلت، فسألتها هبة وهي ترفع عينيها بهدوء: هو مفيش حد هنا ولا إيه؟

أجابت الخادمة: لا يا هانم، كلهم في الاجتماع.

تمتمت هبة، وكأنها تحدث نفسها: اممم بس برضو حاسة الدنيا هادية أوي، حتى أنتم مختفيين.

ابتسمت الخادمة بخجل: أصلنا ماصدقنا إن الكل يبقى بره، وقولنا نقعد نعمل قعدة شاي، بس والنبي يا هانم متقوليش للهانم الكبيرة.

لوحت هبة بيدها بلا مبالاة: هقول ليه؟ مليش دعوة، عموما براحتكم اتعاملوا كأني مش هنا اتفضلي انتِ.

خرجت الخادمة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، بينما ظلت هبة جالسة مكانها، والصمت يحيط بها، وعقلها شارد في فكرة واحدة كانت تدور في رأسها بإلحاح "دلوقتي الوقت المناسب"

نهضت ببطء، وقفت عند الباب، راقبت نالا لثواني، تتأكد أنها غارقة في لعبها، آمنة، بعيدة، وقالت بصوت دافئ: نونو أنا هنزل أجيب كتاب من المكتبة وجاية.

ردت نالا المستغرقه في اللعب دون أن ترفع عينيها: ماشي يا مامي.

أغلقت الباب خلفها، ونزلت الدرج ببطء، ومع كل درجه كان يزداد خفقان قلبها مما هي مقدمه عليه.

نزلت لأسفل، وتوقفت أمام مكتب عزت تلك الغرفة مظلمة، ثقيلة الرائحه وكأنها مشبعة بالأسرار، دخلت وأغلقت الباب خلفها وأضاءت النور، ثم بدأت تفتش؛ فتحت الأدراج واحدا تلو الآخر وجدت أوراق عادية، فواتير ملفات بلا معنى.

قلبها بدأ يضرب بعنف، وقالت في نفسها: أكيد في حاجة، مستحيل ميكونش سايب وراه حاجة.

نظرت حولها، إلى أن وقعت عيناها على الخزنة، فاقتربت منها، ووضعت يدها على سطحها البارد، ثم أخذت نفسا عميقا، واخذت تفكر في رقم يمكن أن يضعه عزت رقما سريا لها، جربت أول ما خطر في بالها، "تاريخ ميلاد فايزة"  أدخلته بيد مرتعشة فوجدته خطأ.

شدت على أسنانها: طيب جوازهم.

أدخلت الرقم فوجدته هو الآخر خطأ، فبدأ الغضب يزحف إلى صدرها، وقالت بخفوت: مطلعتش سهل يا عزت.

في اللحظة نفسها.

دخلت فايزة إلى القصر، توقفت عند المدخل، وألقت نظرة سريعة علي المكان من حولها، وقالت للخادمة التى أتت لاستقبالها بلهجة آمرة: اعمليلي قهوة، وهاتيهالى على المكتب

أجابت الخادمة فورا: أمرك يا هانم…

ثم أضافت تخبرها بعفوية: هبة هانم فوق في أوضة نالا.

ارتفع حاجب فايزة ببطء، نظرة جانبية خاطفة مرت في عينيها، قبل أن تقول: طيب روحي أنتِ.

ذهبت الخادمة، وبقيت فايزة وحدها، أخذت نفسا عميقا، وجزت على أسنانها، وتحركت نحو الدرج حتى صعدت غرفة نالا، فتحت الغرفة، فلم تجد بها سوي نالا تلعب بالدمي الخاصه بها.

فاقتربت منها وتساءلت: اومال مامي فين يا نالا؟

رفعت نالا رأسها وأجابت ببراءة طفولية: نزلت تجيب كتاب يا نانا.

هزت رأسها، وابتسمت داخلها بسخرية، فهي ظنت أن هبة خشت أن يراها أحد عند عودتهم، فعادت إلي الاستراحة سريعا، رفعت رأسها بغرور واغلقت الغرفة وتوجهت إلي المكتب.

على اتجاه اخر عند هبه 

كانت لا تزال تحاول فتح الخزنه، حاولت بتاريخ ميلاد عزت نفسه فوجدته خطأ، ضحكت ضحكة قصيرة وقالت: كنت متوقعة.

توقفت لحظة، ثم مر اسم سليم في عقلها بلا استئذان، ترددت ثم أدخلت تاريخ ميلاده ثانية ... ثانيتان… وأيضا وجدته خطأ.

سحبت يدها بعنف، وضربت الخزنة بقبضتها المكتومة، وقالت بغيظ: أومال هيكون ايه، ولا واحد فينا..

ووقفت ثابتة، أنفاسها متسارعة، وقررت أن تذهب الآن قبل أن يعود ويراها أحد، وعزمت على أن تأتي وتحاول في وقت آخر، اغلقت الأنوار واتجهت إلي الباب.

وفي اللحظة نفسها، التي كانت فايزة تمد يدها لتلمس المقبض، فتحت هبة الباب من الداخل، وحين وقعت عينا هبه عليها اتسعتا، وخفق قلبها بعنف، وشعرت بالبروده تزحف إلي أطرافها.

تجمدت لجزء من الثانية، بينما تساءلت فايزة بنبرة جامدة: كنتي بتعملي إيه هنا؟

حاولت هبة أن تلتقط أنفاسها وتبدو ثابتة، فقالت ببرود: كنت بدور على كتاب اقرأه، أصل الباشا عنده كتب كتير ممتعة، بس لأسف ملقتش حاجه تشدنى..

قالت كلمتها وحاولت أن تفر هاربة، ولكن فايزة أعاقت طريقها بخطوة واحدة حاسمة: اعرفي حدودك كويس يا هبة واوعى تتخطيها، حدودك هي الاستراحة وبس فاهمه، ولو بنت حبت تدخل هنا، يبقى أوضتها وبس
أوعى تعدي حدودك تانى.

ابتسمت هبة ابتسامة باردة: تمام عن إذنك.

ثم تحركت بخطوات محسوبة، رأسها مرفوع، بينما ظلت فايزة تتابع آثارها بنظرة ضجر مشوبه بالشك.

صعدت هبة الدرج، ومع كل درجة كانت أنفاسها تعود ببطء، وتحمد الله أن اللحظة مرت بسلام مؤقت.

ورشة الحاج شاهين، 1:30 ظهرا.

كان شاهين يمر بين العمال، يتابع سير العمل بعينه الخبيرة، وسبحته لا تفارق يده، وبعد قليل، دخل محمود الورشة.

رفع شاهين عينيه نحوه وقال بنبرة معتادة: حمد الله على السلامة يا حودة، تعالى.

تحرك محمود خلفه بخطوات بطيئة وثقيلة، ثم جلس أمام المكتب، لا يعرف ماذا يقول، ولا من أين يبدأ، فهو الآن في وضع لا يُحسد عليه.

تساءل شاهين بخبث: أيه يا أبو نسب العروسة فينها؟ لسه مجتش من الأقصر؟

حاول محمود أن يبدو ثابتا: بكرة هروح أجيبها هي وأمي، متقلقش يا حاج، الموضوع خلصان.

هز شاهين رأسه برضا نسبي: ماشي يا حودة، شوف الموضوع وخلصه، صحيح دفعت الفلوس اللي عليك؟

أومأ براسه وهو يبتلع ريقه: أيوه دفعتها، أنا هروح أشوف شغلي بقى.

شاهين بنبرة ذات معني: ماشي يا حودة، ومتنساش تنجز، أنا مش هصبر كتير.

اومأ بارتباك وهو يتحاشي النظر اليه، ثم تحرك مبتعدا، بينما ظل شاهين يراقبه بعينيه، وشعور غامض داخله يخبره أن هناك شيء ليس على ما يرام؟! 

عاد محمود إلى عمله، لكن رأسه لم تكن معه، أفكاره كانت مشتعلة كأن نيرانا تلتهم عقله، لا يعرف ماذا يفعل، يشعر كأنه محبوس داخل صندوق بلا أبواب، يتحرك فيه كالفأر المذعور.

أين آلاء؟ وأين يمكن أن تكون الآن؟ كيف سيحل هذه الورطة بعد زواج مصطفى منها؟

المحضر لم يكن أكثر ما يخيفه، الخطر الحقيقي كان زواج شقيقته، والمشكلة التي وقع بها مع شاهين الآن، عقله كان مشوشا، وأفكاره تتصارع بلا نظام.

أخرج هاتفه، وتردد لحظة قبل أن يضغط زر الإتصال: بقولك إيه، عايز أقابلك على القهوة ضروري، سلام.

أغلق الهاتف، وعاد ينظر أمامه بلا تركيز، بينما القلق ينهش صدره ببطء.

4:30 بتوقيت المالديف.

كان رشدي ممدا على جانبه، يتأمل مي النائمة بجواره، مد يده ببطء، وراح يمرر أنامله على وجهها وشعرها بنعومة حذرة، كأنه يخشى أن يوقظ حلمها، ارتسمت علي شفتيه ابتسامة خفيفة لم يفهم سببها !!

لا يعرف لماذا يشعر بكل هذه السعادة، ولا لماذا هو في هذه الحالة تحديدا، فهو اعتاد العلاقات، واعتاد القرب، لكن هذه المرة مختلفة، فلأول مرة يشعر أن ما يعيشه حلال.

كان يظن أن النساء جميعهن سواء في اللذة، لكنه أدرك الآن أن مشاعره مع مي ليست كذلك، لا يعرف أهو يشعر بذلك لأنها مي؟ أم لأن اقترابه منها بصفته زوجا؟ وليست علاقه محرمه؟! لكن كل ما كان يعرفه أنه سعيد، ويشعر بسعادة صافية لم يختبرها من قبل.

رفع عينيه إلى السقف، كأن فكرة ما بدأت تتشكل في ذهنه، أراد أن يفعل لها شيئا رومانسيا يسعدها، ويليق ببدايتهما معا، لكنه لم يكن بارعا في مثل هذه الأمور، لم يعرف من أين يبدأ، ولا ماذا يفعل..؟!

أمسك هاتفه، وكتب في محرك البحث «كيف أقوم بعمل مفاجأة لزوجتي؟» 

وعلى الفور انهالت عليه الاقتراحات، فأخذ يقرأها واحدا تلو الآخر، يضيق عينيه باستخفاف خفيف أحيانا، واحيان أخري يشعر أنها اقتراحات مبالغ فيها «أوفر» كما اعتاد أن يصفها.

لكن اقتراحا واحدا جذب انتباهه، كان بسيطا، ويمكن تنفيذه، وقريب منه، فابتسم وأجرى اتصالا بخدمة الغرف؛ طلب الإفطار وكل ما أراده من تفاصيل صغيرة شعر أنها تليق بالصباح الأول لهم.

لم يطل الانتظار ووصل الإفطار سريعا، ومعه صندوق كرتوني صغير، أخذه وأخرج منه باقة الورد التي طلبها، ثم عاد ليجلس بجوار مي.

انحنى قليلا، وراح يوقظها بابتسامة هادئة: ميوشي حبيبي، يلا قومي.

تحركت جفونها ببطء، وارتسمت ابتسامة خجولة على وجهها وهي تفرك عينيها، وتقول بخفوت: صباح الخير…

لم تستطع أن ترفع عينيها إليه، وفهم هو خجلها، فانحنى وقبل خدها قبلة سريعة: صباح الخير ايه بقي قولى مساء الخير، يلا قومي علشان تفطري.

ساعدها على النهوض حتي جلست، ووضع صنية الطعام برفق فوق ساقيها، ثم ناولها باقة الورد.

نظرت إليه بدهشة حقيقية، وقالت معلقه: أنا كنت بسمع عن موضوع الفطار على السرير والورد ده، بس متوقعتش إنك تعمل كده.

ابتسم بثقة خفيفة: ليه يعني؟ فكراني عديم الإحساس؟ لا يا ستي، محسوبك بيفهم.

مي ضاحكة: محسوبك؟

أومأ براسه: أيوه، قولي بقى، إيه رأيك في الورد؟

تبسمت وهي تستنشق رائحته: تحفة جميل خالص، ميرسي يا رشدي.

هز رأسه معارضا، واقترب أكثر: لا قوليلي يا حبيبي.

تبسمت بخجل، وصوتها خرج منخفض وناعم: ميرسي يا حبيبي وروحي كمان.

ابتسم وأمسك يدها برفق ووضع قبلة دافئة في باطنها، ثم قال بحماس خفيف: يلا نفطر بقى، علشان نبدأ شهر العسل يا وردتي.

أومأت برأسها فراح يطعمها بيده بدلال واضح، ضحكت بخفة وخجلت، لكنها تركته يفعل ذلك وكأنها استسلمت للحظة، أثناء ذلك نظرت إليه بعينين لامعتين وتسألت بدلال: هو أنت كده علطول؟ ولا ده دلع مخصوص للنهارده؟ أصل كده هتعود وده دلع جامد!

رشدي مازحا: ممكن مخصوص لشهر العسل.

ضحكت بصوت عالي: ييييه! كتير والله ده أنا هحط خرزة زرقا بقى.

ضحك وقال موضحا بنبرة مازحه لكنها مليئه بالحب؛ بصي، أوعدك كل ما اصحي قبلك، أبقى اعاملك الفطار.

تنهدت وكأنها تعرف أن ذلك لن يحدث فرشدي يستيقظ متأخرا: كده يبقى هتعمله كل سنة مرة!

رد عليه معلقا بمزاح: احمدي ربنا إنها مرة غيرك مش لاقي ربعها.

ضحكت، وهزت رأسها باستسلام: عندك حق.

رشدي: طب يلا نكمل أكلنا علشان ننزل.

مي: ماشي بس المرة دي كل معايا.

أومأ برأسه، فأمسكت قطعة خبز وقربتها من فمه، لكنه بدلا من أخذ قطعه الخبز عض أطراف أصابعها بدلال، فشهقت ضاحكة وسحبت يدها بسرعة، ضحكا معا، وواصلا تناول الطعام بهدوء وسط أجواء حب بسيط، ودلع صادق، وصباح بدأ كما يجب أن يكون.

وبعد الانتهاء من الإفطار ارتديا ملابسهما، وأخذها في جولة قصيرة بالجزيرة، صعدا التلفريك وكانت مي متحمسة لكن الخوف لم يفارقها، فتعلقت بذراعه بقوة.

كان ينظر إليها بين الحين والآخر، ويضحك، ويصورها وهي في تلك الحالة.

مي بضجر وهي تتحدث من بين أسنانها: والله يا رشدي أنت معندكش دم!

رد عليها ضاحكا وهو يمسك هاتفه ويقوم بالتقاط صور لها: أنتِ اللي شكلك عسل اوي، وأنتِ خايفة كده.

ضمت شفتيها بتزمر وهي تتشبث في قميصه: بتتريق على خوفي؟

نظر لها وهو يضحك:  لا يا ستي بس لازم آخد صورة للذكرى.  

ثم نظر الى تشبثها بقميصه معلقا: وبعدين يا مي، أنتِ قفشاني كده ليه؟ هو أنا حرامي؟

ضربته على كتفه بخفة: خايفة يا عديم الإحساس!

ضحك قائلا: ما أنا قولتلك بلاش، أنتِ اللي صممتي.

ردت بتزمر طفولي: ما أنا لازم أتحدى خوفي… 

حاول أقنعها: اومال خايفه ليه، أوعي سيبي.

هزت رأسها بلا وهى تتشبث به اكتر: لا افرض وقعنا!

رفع حاجبه معلقا: ده أنتِ بومة! حد يقول كدة

ضربته مرة أخرى، وصاحت وهي تضحك: اتلم اهو أنت! االلي بومة وعرسة وصرصار!

انفجر ضاحكا من قلبه على طريقتها التي كانت تروقه دائما، وقبل خدها، وضمها إلى صدره بحنان واضح: طب يا قلب الصرصار متخافيش أنا معاكي.

لكنها لم تشعر بالراحة تماما، وظلت متشبثة بذراعه طوال الرحلة، وعينيها لا تكفان عن الترقب.

وبعد الهبوط، بدأ يتحركان معا في أرجاء الجزيرة، لم يكن هناك أماكن كثيرة للتنزه؛ فقط ممر مائي ضيق، وجسر صغير، ومطعم واحد، والبحر يمتد صامتا من حولهما لا أكثر، ومع مرور الوقت، وجدا نفسيهما يعودان إلى الكوخ، 

في الكوخ.

جلست مي على الأريكة، تتنفس بملل واضح، وقالت: على فكرة، أنا محبتش المالديف خالص، مفيش خروج، مفيش حاجة، الغردقة أحلى منها.

تابعت بضجر: لو كنت أعرف كده، كنت قولتلك نروح سينا مليانة أماكن؛ طابا، وعيون موسى، ورأس محمد، وأماكن تحفة، إنما هنا؟ جزيرة وخلاص!

اقترب منها، ونظر إليها بنظرة ذات معنى: مهو الجزيرة دي معمولة لشهر العسل بس.

رفعت حاجبيها باستهجان: أيوه يعني إحنا مش هنعمل حاجة غير مطعم وبحر بس؟ ده ملل!

انحنى أكثر، وصوته صار أهدأ ونظراته كانت تحمل شيء من العبث: هو انتِ فاكرة العرسان بيبقوا مشغولين في فسح وخروجات؟ هما لأنهم عارفين إن العرسان بيقوا مشغولين في حاجات تانية مهتموش إنهم يعملوا أماكن للتنزه.

نظرت إليه بفضول ممزوج بالبراءة: مش فاهمه، مشغولين في ايه؟!

خلع ساعته ووضعها جانبا، ونظر لها بإبتسامة خبيثة: حاضر هقولك حالا وعملي.

وفجأة ضمها إليه، وحملها بخفة واتجه بها نحو الفراش، فصرخت وهي تضحك، فضحك معها، وأُغلق الباب ليشهد على حب وعشق من نوع خاص..

سيارة سليم، 2:00 ظهرا.

كانت ماسة متشبثة به كطفلة تتعلق بكتف والدها، تهتز وتبكي بحرقة، فاحتواها سليم بذراعيه، محاولا أن يبث فيها الأمان ويهدئ من روعها.

بينما جلس مصطفى في الأمام، ومكي يقود السيارة خلف سيارة الشرطة، وخلفهم سيارة أخرى، كان جسدها يرتجف بين ذراعيه، ودموعها تهبط بصمت على خدها، فحاول سليم تهدئتها، وهمس لها بحنان: حبيبي قلبي… خلاص كفاية، أهدي أنا معاكي اهو..

لكنها لم تهدأ، بكت، وخوفها يملئ قلبها، كأنه أصبح جزء منها.

أخرج سليم أنفاس ساخنه بضجر، ورفع عينيه نحو مصطفى متسائلا بنبرة حادة: أنا عايز أفهم إيه اللي حصل بالظبط؟

رد مصطفى، موضحا: واحدة وقفتني وقالتلي عايزاك تيجي معايا تشوف بنتي العيانه، وأول ما دخلنا العربيه واحد اداني حقنه وخدرني، وصحيت لقيت نفسي في الشقة.

نظر له مكي: يعني إيه يعني؟ ما تفهمنا بالراحة بالتفاصيل؟

هز مصطفى رأسه بالإيجاب، وبدأ يروي له كل شيء من البداية، وبعد أن انتهى من السرد، رفع سليم نظره نحو مكي الذي كان يراقبه في المرآة، وكأنهما بدأوا يفهمون اللعبة.

ثم عاد ينظر الى ماسه المرتجفه بين يديه بعينين ملئتين بالحنان والحماية والحزن أيضا: يا حبيبتي خلاص متخافيش، أنا جنبك، ومفيش حد هيقرب منك،  إحنا هنروح علطول، والله العظيم كام ساعة وهتبقي في بيتك، ده وعد، اهدي بقي.

لكن انهيارها كان خارج نطاق السيطرة، وظلت تتشبث به، وتبكي بحرقه، غير قادرة على الكلام.

تنفس باختناق، ورفع هاتفه وبدأ يقوم بعمل اتصالات لكل من يعرفهم داخل الشرطة، لكن لم يجيب أحد...!!
بعض الأرقام كانت مغلقة، والأرقام الأخرى لم ترد على أي من اتصالاته، وكأن هناك مؤامرة كونية محكمة مع القدر؛ جعلت الجميع في هذا التوقيت لا يجيبون عليه، وهواتفهم مغلقة، تلك الأرقام نفسها التي، حين كانت ترى اسم سليم، كانت تهتز فورا الآن اختفوا جميعا ؟!

شرد قليلا، وفكرة ما كانت تترسب في عقله، هنا شيء ناقص، شيء لم يكتمل بعد!!

لكن الوقت لم يكن يسمح بالتفكير، رفع هاتفه مسرعا، واتصل بعزت لعله يجد عنده حل، غير أن جميع ارقامه كانت مغلقه أيضا، وكل محاولاته باءت بالفشل !!

مال برأسه في حيرة، ثم تفكيرة اتجه إلى شاكر ذراع عزت الايمن، اتصل به وجاءت الإجابه "بأن عزت في اجتماع الآن مع وزير الطاقه" لكنه يعرف والده جيدا، فهو لا يغلق هاتفه الخاص بالطوارئ!!

أغلق سليم الهاتف، وعيناه تزدادان قتامة وشك، والظنون تعصف به ولكنها لم تتأكد بعد؟! 

أيعقل أن يكون لوالده يد فيما حدث؟! وأن تلك الأرقام التى أغلقت فجأة لم تغلق بمحض الصدفه ولا بمعاندة القدر له، بل اخذوا أوامر ألا يجيبوا عليه، حتى يظل بمفرده، وتتحول القضية إلى فضيحة، من دون يد تمتدّ لمساعدته؟

أدرك سليم أن ما يحدث ليس صدفة، وأن الصمت الذي يحيط به أخطر من أي اتهام، ولكنه لم يفقد الأمل، وظل يتمسك بماسة ويطمئنها.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة