
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الخامس والعشرون 25 ج 2 بقلم ليله عادل
كانت مي نائمة فوق صدر رشدي، تمرر أطراف أصابعها بكسل رقيق على صدره، بينما كان هو يطوق ظهرها العاري بذراعيه، ويربت عليه بأنامل هادئة تبعث الطمأنينة.
نظر لها، وقال بمزاح خفيف: بقولك إيه، ما تقومي ترقصيلي؟
رفعت عينيها له بكسل: مبعرفش.
زم شفتيه بأسف، لاحظت تغير ملامحه قليلا، فتسألت بحزن لطيف: أنت زعلت؟
نظر لها من طرف عينه موضحا: لا يا حببتي، بس اتعلمي، لما ننزل مصر هخليكي تشتركي في مدرسه رقص وتتعلمي، أصلي بحب الرقص.
ابتسمت برقه: إمم، أول مره اعرف؟
ضحك بخفة موضحا: كان نفسي في مشهد كده؛ أقعد على الأرض، وقدامي طبق حمام وشيشة، وانتِ بالبدلة وترقصي على شيك شاك شوك.
نظرت له، وعلقت ضاحكة: ودى شوفتها في أنهي فيلم؟
اومأ بنظرة ذات معنى: مشوفتهاش، بس بحب الأجواء دي، بتحركني.
صمت لحظة، ثم قال فجأة بنبرة أكثر جدية: بقولك صح، بتاخدي مانع حمل؟
رفعت حاجبها بدهشة: آخد ليه؟
قال بهدوء: علشان البيبي.
نظرت له بتركيز وقالت وهي تضيق عينيها: أنت مش عايز ولاد؟
صمت لحظة ونظر لها مطولا، لا يعرف من أين يبدأ، ولا كيف يضع كلماته بطريقة تجعلها تفهم دون أن تنكسر.
تنفس بعمق، كأنه يجمع شتات نفسه، ثم قال مفسرا بصوت منخفض: لا عايز، بس لسه بدري، خلينا نستمتع ببعض شوية.
رمشت بعينيها، وقالت بنبرة رقيقه وكأنها تترجاه من بين كلماتها: بس أنا بحب الأولاد، ونفسي أخلف بسرعة.
أطال النظر إليها، لا يعرف ماذا يقول؟! لم يكن رفضه نابعا من عدم الرغبة، بل من خوف قديم يتوارى في أعماقه؛ خوف من أن يعيد أخطاء الماضي، ويُنجب أبناء يحملون في صدورهم ما حمله هو وإخوته من ضغينة لبعضهم البعض، أو أن يصبح صورة أخرى من والديه، ويعجز عن منحهم ما يكفي من الاهتمام، فينشأوا نُسخا مشوهة مثله.
فهمت نظرته، فهي تعلم أن علاقته بالأطفال معقدة بسبب تربيته القاسية، فرفعت جسدها قليلا، ونظرت له بجدية دافئة: بص، أنا فاهمة أسبابك، بس إحنا غير أهلك، أحنا نقدر ناخد بالنا ونربي صح، أنا فعلا نفسي أخلف بدري يا رشدي بليز...
رد موضحا بنبرة متأثرة: وأنا كمان حابب أحققلك أمنيتك، بس بلاش استعجال.
ابتسمت بخفة وهي تمسح على خده: مفيش استعجال، بص أنا مش هاخد حاجة ومش هنروح لدكتور، لو حملت يبقى نصيب وربنا عايز كده، لو محملتش نستنى ست شهور ونكشف.
تأملها طويلا، وعجز عن انتقاء كلمات مناسبة، فشوقها للأمومة كان صادقا وواضحا، ورفضه لن يكون سوي أنانية صريحه منه، ومع ذلك... كان الخوف ينهش قلبه!
لم يشأ أن يعكر صفو أيامهما، فأجبر نفسه على ابتسامه وداعة، وأومأ موافقا دون أن ينطق بكلمه، فابتسمت بسعاده، واقتربت منه، ووضعت قبلة رقيقة على خده، ثم عادت تستلقي بين أحضانه براحه واطمئنان، فجذبها إليه أكثر.
كفر الشيخ، 2:00 ظهرا.
سرايا منصور
كان الصمت يعم المكان كغطاء ثقيل، جلست سعدية إلى جوار مجاهد، تمسك هاتفها وتحدق في شاشته وكأنها تنتظر معجزة.
ملامحها مشدودة، وصدرها يعلو ويهبط بعصبية، قالت بقلق مكتوم: الواد مبيردش عليا، أعمل إيه دلوقت؟ ليكون جري له حاجه؟!
رد مجاهد وهو يحاول التماسك: متقلقيناش يا سعدية، كلمي سلوى، خليها تيجي تكتبله رسالة، وتقول له يرد بدل ما أبوك يقسمك نصين.
تنهدت سعدية وهي تحرك الهاتف بين يديها: استنى بس، هكلمه تاني.
توقفت لحظة ثم تمتمت: ولا أقولك استنى، هكلم مكي الأول سليم خلاه يروح وراه.
رفعت الهاتف واتصلت بمكي، لكنه لم يجيب، فأغلقت المكالمة بقلق أكبر: مبيردش…!!
قال مجاهد بحدة خفيفة: يا وليه، روحي خلي سلوى تبعتله رساله
هزت رأسها بعصبية: هو أنا لسه هستنى لما يشوف الرسالة.
رفعت الهاتف مرة أخرى، وهذه المرة اتصلت بعمار، رن ثم جاء الصوت أخيرا
عمار: ألو؟
سعدية بسرعة ولهفة: أنت فين يا ابني؟ مبتردش على التليفون ليه؟ حرام عليك نشفت دمنا.
عمار بهدوء مصطنع: كنت في المحاضرة.
مد مجاهد يده وانتزع الهاتف منها: اسمع يا واد أنت، العوج اللي أنت ماشي فيه ده مينفعش، حرام عليك اللي بتعمله فينا دى، احنا ناقصين حرقة قلب.
عمار بنبرة ضيق: بقولك إيه يا بابا، أنا كويس، ومفيش حاجة.
اشتد صوت مجاهد: اسمع يا عمار، أنت هترجع دلوقتي، إحنا مش ناقصين مشاكل أكتر من كده.
عمار بثبات: مشاكل إيه؟ أنا مبعملش مشاكل، ومش هوقف حياتي علشان حد.
تدخلت سعديّة بصوت مرتجف: يا ابني أنت ممكن تكون في خطر…
رد عمار بمرارة واضحة: والله كلنا في خطر طول ما إحنا مع سليم.
شهقت سعدية: يا ابني قلبي قلقان عليك، طب أنت فين؟ بتاكل إيه؟ عايش إزاي؟
عمار بعد صمت قصير: قاعد في فندق كده.
انفجر مجاهد غاضبا: يعني اللي أنت بتاخده من شغلك تضيعه في الفنادق؟!
قال عمار بهدوء قاطع: مش مهم، المهم معملش حاجة أنا مش عايزها، وبعدين متقلقوش أنا كويس.
ارتعش صوت سعدية، وحاولت تبتلع غصتها: طيب يا ابني براحتك.
ثم أضافت بحزن ثقيل: المهم خد بالك من نفسك، واعرف إن أنا مش راضية عنك يا عمار، طول ما أنت ماشي عوج كده، ومزعل أختك منك وكاسر قلبها الله يسامحك يا ابني ويهديك.
لوّح مجاهد بيده في الهواء وهو يتمتم بضيق: سيبك منه، الجحش ده.
رفعت سعدية صوتها محذرة: بس المهم يا ابني تكلمني وتطمني عليك علطول، ولما أرن عليك ترد، بدل ما قسما بالله يا عمار أدعي عليك وأنت عارف دعوتي.
أغلقت الهاتف بعصبية، وساد الصمت لحظة ثقيلة، نظرت سعدية إليه وعيناها تلمعان بالدموع: شوفت يا مجاهد، أنا معرفش العيال دى بقت جاحدة كده ازاي؟
تنهد مجاهد بحدة، وهو يهز رأسه: عيالك اتدلعوا قوي ولازم نشد عليهم، قبل ما يفلتوا من إيدينا خالص.
سعدية بدعاء وحزن: ربنا يهديكم يا ولادي يارب
وساد الصمت من جديد، صمت أثقل من الكلام، وكأن الخطر صار أقرب مما يحتمل القلب.
قهوة شيكو، 2:00 ظهرا.
جلس محمود وتوتو على طاولة جانبية، ودخان الشيشة يلف المكان، وصوت الكوتشينة مختلط بدوشة القهوة. كان محمود شاردا، وعيناه ثابتتان في فراغ بعيد.
صاح توتو بضجر: أنت جايبني علشان تقعد تبحلق في الأرض، ما تقول يا عن ناوى تعمل إيه في المصيبة دي؟
محمود بإنهاك: مش عارف يا توتو، دماغي واقفة.
سحب توتو نفسا طويلا من الشيشة، ثم قال وهو ينفث الدخان: بص، أنا من رأيي تروحله إسكندرية، مش معاك عنوانه هناك..
هز محمود رأسه بإيجاب، فتابع توتو: خلاص يبقي روحله واتكلم مع أمه وأبوه، واعمله مشكلة هناك.
ضحك محمود بمرارة: يا عم وحتى لو عملت مشكلة وفضيحة، هستفيد إيه؟ ما خلاص اتجوزها !
رد عليه بدهاء: تستفيد إنك تضغط عليه، تخليه يطلقها.
صمت لحظة قبل ما يكمل بنبرة جادة: الحاج مش هيسمي عليك لو عرف، لما تعمل مشكله هناك امه وابوه هيقولوله احنا مش عايزين مشاكل وهيخلوه يطلقها، ومجرد ما يطلقها خلاص.
نظر له طويلا، يفكر فيما يقول، ثم اومأ برأسه قائلا: ماشي نجرب .
ثم ضرب الطاولة بقبضته فجأة: الله يحرقك يا آلاء!
تنفس بعصبية: مش فاهم إيه المشكلة لو كانت اتجوزت الحاج، داهية تاخدها بت وش فقر!
ثم التفت لتوتو بعينين مشتعلتين: بقولك إيه أنت هتيجي معايا.
هز توتو رأسه بلا تردد: ماشي.
صمتا لحظة، والدخان ما زال يعلو، بينما القرار بدأ يتشكل، قرار قد يجر خلفه الكثير..
القسم، 2:30 ظهرا.
خرج سليم أولا من السيارة، ومد يده نحو ماسة التي كانت تنظر إليه بعينين محمرتين من شدة البكاء، مترددة، خائفة من النزول.
قالت بصوت منكسر، رافضة: مش عايزة أنزل…
ابتسم سليم ابتسامة هادئة، مطمئنة:متخافيش أنا معاكي، خايفة وأنا معاكي؟
انهمرت دموعها بحزن، فانحى ودخل بنصف جسدة للداخل ومسح على شعرها بحنان: يلا يا حبيبتي، متخافيش.
تبادلا نظرة طويلة؛ هي ممتلئة بالخوف والتردد،
وهو يمنحها الأمل والقوة والحماية والثقة.
بدأت تمد يدها نحوه ببطء، وضعت كفها في كفه، فاخرج سليم جسده وانتصب في وقفته، وبدأت تترجل هي من السيارة.
أحاطها ظهرها بذراعه الأخرى، يضمها اليه، كأنه يصنع لها ملجأ من العالم كله، ثم تحرك بها إلى الداخل.
مكتب الضابط
جلس الضابط خلف مكتبه، بينما جلس سليم وماسة متجاورين على المقاعد الأمامية، ومصطفى أمامهما، ومكي واقفا إلى جوارهما.
قال الضابط بهدوء رسمي: إحنا ممكن دلوقتي نسمع لأقوالهم.
ثم نظر إلى سليم مباشرة: أنا عارف يا سليم بيه إن الوضع صعب، وعارف حضرتك كويس، انت مين وابن مين ومكانتك إيه، بس أنا قدامي حالة تلبث، وقضية فيها إثباتات وأدلة.
رد سليم بثبات: وأيه المشكلة؟ حضرتك عارف إن الكلام ده كله ولا أي حاجة بالنسبة لي، أنا ممكن أخرج مراتي بمكالمة تليفون، وأنت عارف ده...
ثم أضاف بنبرة حاسمة: بس أنا مش هخرجها من هنا وهي في نظرك ونظر الناس اللي كانوا موجودين وقت دخول الشقة متهمة.
تنهد بثقه: مش علشان فارق معايا نظراتكم، لكن علشان عارف إن ده هيفرق معاها هي، ولولا إن هي اللي طلبت ده أنا مكنتش دخلتها هنا، وأنا همشي معاك رسمي..
تنفس بعمق، ثم أكمل: أنا بعت الراجل بتاعي يجيب الإثباتات، والمحامي بتاعي جاي في الطريق، فشوف عايز تعمل إيه لحد ما الناس دي توصل.
هز الضابط رأسه بتفهما: تمام، أنا هكمل شغلي، وهاخد أقوال باقي المتهمين اللي كانوا موجودين في الشقة، لحد ما الناس توصل، هسيبلكم المكتب تقعدوا براحتكم، وأنا هكون في المكتب التاني.
نهض الظابط من مكانه وأغلق الباب خلفه..
تنفس مكي بهدوء، ثم اقترب وجلس بجوار مصطفى.
نظر إلى سليم وقال بنبرة منخفضة: ما تكلم أي حد يا سليم.
قلب سليم عينه بحده وهو يقول من بين اسنانه: كلمتهم ومحدش بيرد، وتليفوناتهم مقفولة.
نظرة مكي كانت مليئة بالاستغراب، وهو يضيق عينيه معلقا: غريبة!! ده من إمتى؟
حدق سليم في نقطة ما بشرود عميق؛ فهو يعلم أن لا أحد من أشقائه يملك القدرة على إصدار أوامر من هذا النوع لمثل تلك الشخصيات، أو إلزامهم بعدم الرد وإغلاق هواتفهم. لا بد أن الأوامر صدرت من رأس كبير.
حتى لو كانت فايزة معهم فهي لا تملك تلك السلطة، وحده عزت هو القادر على فعل ذلك !!
لكن عقله كان يرفض تصديق أن يفعل به والده ذلك، وأن ظنونه تلك ما هي إلا بسبب الضغوط التى يعيشها الآن.
كانت نيران الشك تتقد في عقله، وهو لا يعرف ماذا ينبغي عليه أن يفعل، فهو كل ما أراده أن ينهي الأمر سريعا دون مط أو تطويل، فماسة كانت تريد أن تخرج وهي بريئة في أعين الجميع، ولأجل ذلك فقط وافق على أن تذهب إلى القسم.
كان يستطيع إنهاء الأمر بسهولة، غير أن ما بدا واضحا أن هؤلاء الضبّاط قد تلقوا تعليمات بإحضار ماسة إلى هنا، وعدم الاكتفاء باسم سليم لإنهاء المسألة، ذلك ما جعل الشك يتسلل إلى قلبه بقوة، ويُضفي على كل شيء مزيدا من التعقيد.
نظر إلي ماسة، وسألها: متأكدة إن بابا مكانش بيهددك معاهم؟
هزت رأسها، وقالت بصوت مبحوح: لا.
مكي بقلق: انت شاكك في إيه؟
رفع سليم عينه نحوه، بابتسامة مشوشة: في اللي انت فهمته بس لازم نتاكد، اتصل بعشري شوف اتأخر ليه هو والمحامي الزفت ده.
نظرت ماسة له، وقالت بخوف وبراءة: سليم هو أنا هتحبس؟ وهنزل تحت مع المسجونات؟ يعني أنا كده بقيت شمال زي ما محمد قالي؟
اتسعت عين سليم وقال ببحه رجولية: يعني محمد اللي قالك إنك شمال أهو؟
رمشت بعينيها، وقالت إرهاق: هو دى وقته يا سليم.
مسح وجهه بيديه وقال: لا يا ستي، مش هتتسجني طبعا، أنتِ عبيطه ولا ايه؟ بقي ابقي معاكى واسيبهم يسجنوكي؟ يا عشقي متقلقيش كلها ساعه بالكتير وهنروح بيتنا سوا.
تابع بنبرة مليئه بالثقه: ولو عايزة تمشي دلوقتي حالا همشيكي.
مسحت دموعها وقالت باهتزاز: لا يا سليم أنا مش همشي من هنا غير لما كل اللى كانوا موجودين يعرفوا إني كنت مظلومة ومخطوفة بجد، مش بقول كده وخلاص.
سليم بابتسامة حنونة: خلاص ما دام انتِ عايزة كده يبقى اصبري.
نظر مصطفى إلى ماسة مطمئنا: متخافيش يا ماسة، ربنا مبيضيعش حق مظلوم، وانتِ مظلومة.
اومات برأسها، لكنها لم تستطع أن تنظر في عينه، كانت تخجل وتتجنب النظر إليه، فالوضع الذي وجدت نفسها فيه عند استيقاظها كان صعبا عليها للغاية.
في نفس الوقت، على اتجاه آخر، في المكتب المجاور
كان خيرت (الضابط الذي تلقى الضرب من سليم) جالسا على الأريكة، يضع قطعة ثلج على وجهه، ملامحه متورمة، وعيناه مشتعلة بالغضب، فيما كان الألم يضغط على فكه بقسوة.
دخل الظابط الآخر (وليد) بعد أن ترك سليم وماسه في المكتب المجازر، وحينما لمحه خيرت قال بغضب: عملت ايه معاه، انا متعصب وحاسس إن عايز اولع فيه بعد اللى عمله معايا في الشقة.
دخل وليد، وهو يجر كرسيا ويجلس قبالته، ثم قال بنبرة محذرة: احمد ربنا إنه مقتلكش، ده سليم الراوي يا خيرت، احمد ربنا إننا واخدين أوامر نقوله «لأ» وإحنا ورانا حماية، وأنت عارف كويس اوي إن اللي قاعد جوه ده لو حب يقلعك البدلة في ثانية هيعملها.
ضرب خيرت المكتب بكفه بعصبية: احنا متفقناش معاهم على كده! والله هتكلم!
اقترب منه وليد قائلا بتهكم ساخر: اتكلم علشان يقتلوك، وتبقي ظابط توفي أثناء تأدية عمله، احنا مش اد الناس دى يا خيرت، خلينا نخلصها زى ما بدأناها بأقل أذي لينا.
ثم تابع بجدية: الموضوع كبر عن اللي اتفقنا عليه، وهو بيقول إن معاه حاجات ممكن تطلعها من الموضوع كله رسمي..
ثم قال وهو يهم بالنهوض: عموما أنا هروح اشوف التحقيقات، وابلغ المأمور باللي بيحصل، واشوف الدنيا هتمشي لفين وأنت اوعى تدخله، خليك هنا، علشان هو لو شافك هيدفنك.
ثم خرج وأغلق الباب خلفه، فزفر خيرت بعصبيه، وركل المقعد الذي أمامه عله يفرغ شحنه الغضب التي بداخله، ولكن شعوره بالإهانة بعد ما فعله سليم معه لم يخمد فرفع هاتفه واجري اتصالا: ألو إيه يا باشا، بقولك إيه؟ إحنا متفقناش على كده!
جاءه صوت عماد هادئا على الطرف الآخر: يا خيرت أنت اتجننت؟! بتكلمنى وهو عندك؟ إيه إللى حصل؟!
أجابه بتأكيد: أنت قولتلي أطول وأراوغ لحد ماييجي ويشوفها كده، ولما جه ضربني وعمل مشكلة كبيرة،
وقال هيقلعني بدلتي! احنا متفقناش على كده!
ضحك عماد ضحكة قصيرة باردة: يا عم ميقلعهالك ماسك لنا فيها كده ليه؟! أنا هلبسك أحسن منها، وهعملك شركة حراسات، وهدفعلك خمسة مليون جنية، لو اشتغلت طول عمرك في الداخلية مكنتش هتجيب ربعهم..
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر جدية: المهم خلي بالك، وأي جديد يحصل بلغني بيه.
وقبل أن يغلق تساءل عماد بفضول: بقولك صحيح، الظابط اللي معاك ده اسمه إيه؟
أجابه: وليد.
تساءل عماد: وهو فين دلوقتي؟ مع سليم؟
ضحك خيرت وهو يهز رأسه بخبث: لأ، ده مع المأمور بيسبك التمثيلية.
هز عماد رأسه: ماشي.
على اتجاهٍ آخر، داخل مكتب الضابط وليد.
كانت ماسة تجلس منكمشه داخل أحضان سليم، جسدها يرتجف لا إراديا وهي تنظر إلي الباب وكأنها تنتظر حكما قد يعيدها إلى الحياة من جديد.
كان سليم يجلس إلي جوارها، يربت على ظهرها بيد ثابتة، وفجأة تعالى طرق الباب، ودخل عشري يتبعه المحامي (مازن)
تقدم مازن للداخل، وهو يقول بقلق صريح: ايه يا سليم في إيه؟ إيه اللي حصل بالظبط؟
أشار له سليم بيده: اقعد وأنا هفهمك.
بدأ سليم يروي له ما حدث، واختصر التفاصيل، لم يذكر الرسائل ولا الوضع التى كانت فيه ماسة، واكتفى فقط بالخطف ووضعهم في أحد بيوت الدعارة، وما فعله الظابط معهم، كي يجعل القضيه كاملة الأركان، كان صوته متماسكا، لكنه مشحون.
هز المحامي رأسه باطمئنان: تمام، دي سهلة نطلب تحليل لدكتور مصطفى، لأن تحليل مدام ماسة مش هيبان فيه حاجة لانها اتخدرت استنشاق، إنما دكتور مصطفى حقن وهيبان فورا، ومع الفيديوهات الموضوع هيخلص.
ثم أضاف بجدية: أنت شاكك في حد يا سليم نتهمه في الموضوع دى.
رفع سليم عينه بثقل، فبالطبع لا يستطيع أن يقول له الحقيقه المره، فكيف يخبره أن عائلته من فعلوا بزوجته ذلك، وأن غرضهم كان أن يكون الأمر أكثر سوءا.
خرجت كلماته من بين أنفاس عميقه: أنت عارف أعدائي كتير يا مازن، أنا كل اللى عايزه تخرج ماسه بسرعه.
ثم نظر أمامه واستوحشت عيناه: إنما بقي اللى عمل كده، أنا هعرفه، وهدفعه التمن غالى، أهم حاجة عندي دلوقتي إن مراتي تخرج من هنا.
ثم التفت إلى عشري: روح نادي الضابط، وعايزك بعدها تجيبلى دكتور تحاليل بمعرفتك يكون ثقه يعمل تحليل لدكتور مصطفي، علشان يشوف نسبه المخدر في دمه، علشان هما أكيد هيجيبوا دكتور تبعهم ولا يمكن هيطلع النتيجه في صالحنا، فأنا عايزه نتيجتنا قصاد نتيجتهم.
ثم أشار بيده بنبرة تحذيرية: وهي ربع ساعه بس معاك يا عشري تقب وتغطس ويبقي قدامي هنا.
اومأ عشري سريعا: أمرك يا ملك.
وبالفعل خرج عشري، وعاد بعد دقائق ومعه الضابط، ثم انصرف لينفذ ما أمره به سليم.
جلس وليد في مكانه، فمد مازن يده بالتليفون الذي اخذه من عشري قائلا: يا فندم ده تسجيل للكاميرات على الطريق اللى كانت ماسة هانم سايقه عليه من أول ما ركبت العربية لحد المستشفى، وبعدها اختفت!!!
تدخل سليم بهدوء محسوب: مراتي جالها رسالة بتقول إني في المستشفى، والرسالة دى اتحذفت من تليفونها، واعتقد دي سهلة أنكم ترجعوها.
ثم تابع بهدوء، وهو يشدد ذراعيه حولها بدعم: أعتقد كل دى دلائل كافيه تثبت إن مراتي اتخطفت فعلا، وبالنسبه للدكتور أنا عايز يتعمله تحليل، وأعتقد ظهور مخدر في دمه كافي لإثبات براءته.
اومأ وليد براسه: مفيش مشكله يا سليم بيه، هبعت دلوقتي للمعمل الجنائي، واسحب منه عينه، ونشوف النتيجه.
اومأ سليم بابتسامه ساخرة، وقال متهكما بخبث: تمام، وأنا كمان بعت الراجل بتاعي يجيب دكتور تانى يعمل تحليل لدكتور مصطفي، زيادة تأكيد، أصل أنت عارف شغل التحاليل دى ساعات بيبقي فيه أخطاء وبيخلى الموضوع يطول، وأنا الحقيقه مش فاضي اقعد في الموضوع دى أكتر من كده، وأظن انتم كمان مش فاضيه ووراكم قضايا كتير، بلاوي البلد مبتخلصش الله يعين الدخليه وإحنا برضو في خدمتهم.
نظر إليه وليد من أعلى لأسفل وفهم ما يلمح به، فما كان منه سوي أن اومأ برأسه صامتا، وقال بارتباك: تمام يا سليم بيه، ولحد ما كل دى يحصل أنا عايز أخد أقوالهم.
شدد سليم ذراعيه هو ماسه وقال ببرود: اتفضل.
فرفع وليد عينيه نحو مصطفي وقال بارتباك حاول جاهدا ألا يظهر عليه: احكيلي يا دكتور اللي حصل بالظبط.
فبدأ مصطفى يروي كل شيء.
ثم نظر وليد إلى ماسة: وأنتِ يا فندم، إيه اللي حصل معاكي؟
فنظر إلي سليم بارتباك وخوف، فاومأ لها مطمئنا وهو يربت على ظهرها بحنان: قولى يا عشقي اللى حصل.
فقالت بصوت مكسور، وهي تنكمش داخل أحضان سليم أكثر وكأن أحضانه درع حمايتها أمام كل ما يحدث لها: جتلي رسالة وأنا مروحه بالعربية بتقول إن سليم في حالة خطر في المستشفى، روحت ودخلت، ولما طلعت الاوضه حد جه من ورايا وخدرني.
سألها وليد مصطنعا التركيز: طب سألتي في الاستقبال قبل ما تطلعي؟
اومأت من بين دموعها: أيوه، زقالولي في أوضة كانت رقمها حاجة وسبعتاشر، مش فاكرة.
قال سليم فورا: أعتقد كده يا حضرة الضابط كل حاجه وضحت، وبان إن فيه حد عايز يلبس مراتي القضيه دي..
هز وليد رأسه وقال بنبرة مختلفة: مش بالظبط يا سليم بيه، لأن للأسف في دليل تاني.
نظر له سليم باستغراب حاد: دليل إيه؟
أشار وليد للعسكري: هات عزيزة.
ثم التفت إليه وتابع مفسرا: عزيزة دي قوادة، والشقه اللى كانوا فيها بتاعتها، مشغلها في الدعارة واعمال مشبوهة، ولأسف في التحقيقات اتعرفت على مدام ماسه ودكتور مصطفي وقالت إنهم مش أول مرة يجوا عندها..
شهقت ماسة: نعم أنا؟!
في تلك اللحظه دخلت عزيزة، والعسكري يمسك بها، فسألها وليد: قولي يا عزيزة، هي دي ماسة اللي بتتكلمي عنها؟
نظرت اليها عزيزة بطرف عينها: أيوه يا باشا، ومش أول مرة تيجي.
ثم اشارت نحو مصطفى: والراجل دي كان بيجي معاها ديما.
صاح مصطفى باستهجان: أنا؟!
عزيزي بتأكيد: أيوه أنت، جيتوا عندى يجي خمس مرات ولا ست مرات.
صرخت ماسة باختناق: إنتِ كذابة! حرام عليكي!
والله العظيم كدابه متصدقهاش يا سليم، والله العظيم ما أعرفها..
شدد سليم على يدها بقوة وهمس: هششش اصبري..
ثم نهض من مكانه بهدوء، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة، حتى وقف أمامها مباشرة، ونظر لها من أعلى لأسفل، وقال بابتسامة جانبية باردة: بقى أنتِ شوفتيها قبل كده؟
اومأت برأسها: أيوه يا بيه.
هز رأسه عدة مرات بابتسامة جانبية باردة، وفي لحظة خاطفة دون إنذار، صفعها على وجهها صفعة دوت في أرجاء المكان، وأمسكها من شعرها، قائلا بصوت جهوري مرعب: أنتِ مين حفظك الكلام ده يا بت؟ ها؟ انطقي وإلا قسما بجلال الله لتشوفي سواد عمرك ما شوفتيه في حياتك، مين يا بت قالك تقولي الكلام ده؟ انطقي!
صرخت عزيزة بذعر، وهي تحاول الفكاك: أنا في حماية الحكومة! والله ما عملت حاجة! أنا قولت اللى حصل.
صاح سليم بانفعال: اللى حصل يا قذرة.
وفجأة، انقبضت يده حول رقبتها، وضغط عليها بقوة حتى كاد يقطع أنفاسها، وعيناه تشتعلان بجنون: انطقي وقولى مين باعتك تقولي الكلام ده؟
وفي هذه الأثناء، انكمشت ماسة على نفسها أكثر، وكأنها تحاول الاختباء داخل جسدها، تسلل الخوف إلى عروقها بعنف، فارتجف جسدها، وانفجرت تبكي، بكاءً مكتوما مشبعا بالفزع، وهي تضم نفسها بذراعين مرتعشتين كطفل فقد الأمان.
بينما نهض وليد بسرعة، وأمسك بذراع سليم وهو يصرخ: أهدي يا سليم بيه مينفعش كده!!
ثم صاح في العسكري: خدها واطلع بره فورا!
سحبها العسكري وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، فوقف سليم ينظر إلي الباب التى خرجت منه بعينان متوحشتان، وأنفاس متسارعة. مسح وجهه بيده، ثم التفت إلى مازن، وقال بحدة: مازن إطلع بره أنت واستناني.
نظر إليه مازن بارتباك، ولكنه لم يستطيع الاعتراض أمام عاصفته الغاضبه، فأومأ برأسه وخرج، وبقي في الغرفة مصطفى ووليد وسليم ومكي وماسة فقط.
كانت النيران تشتعل في صدر سليم، وهو يرى محاولاتهم اليائسة لإحكام خيوط القضية حول زوجته، لانتزاع اعتراف كاذب يجعله يصدق الرواية التي تلصق بزوجته، لكن صبره نفد ولم يعد قادرا على التمسك بالهدوء أكثر من ذلك.
انتهي الهدوء، وانتهى المنطق، ولم يعد هناك مجال إلا لظهور وجهه الآخر، ذلك الوجه القديم، الذي لا يخاف، ولا يتفاوض، ويسحق كل من يقف أمامه.
نزع سليم يد وليد من عليه بعنف، ورفع عينيه إليه، بعينان غامقتان، كأن السواد اشتعل فيهما، وقال بصوت منخفض، لكنه حاد كالنصل: أنا فاهم إنك واخد أوامر وفاهم إن التليفونات اللي مبتردش دي جزء من اللعبة.
ثم اقترب خطوة، حتى صار على بُعد نفس واحد، وتابع بنبرة أخطر: بس صدقني الأوامر دي مش هتنفعك، ولو مخترتنيش دلوقتي، حتى لو واعدينك بفلوس كتير…
توقف لحظة، ثم أكمل ببطء متعمد: أوعدك إنك مش هتلحق تستمع بيهم، وهبقي كابوس حياتك..
وأضاف بنبرة هادئة لكنها حادة: مراتي هتخرج دلوقتي، ومش هتروح نيابة، والقضية دى هتتقفل وكأن مفيش حاجة حصلت.
ثم أضاف بصوت أكثر حدة، والدم يتصاعد في عينيه: لأن الموضوع بقى دمه تقيل اوى، وبدأت أضايق، فانهي الموضوع دلوقتي، واتصل باللي مديك أوامر وفهمه أن الموضوع انتهى بالطريقه اللى هو عايزها.
ثم اقترب منه وقال بخفوت خطر: هتكلمه وهتقوله اللى هبلغهولك، حرف زيادة غير اللى أنا عايزه، صدقني هتندم، فمن مصلحتك تلعب على الناحيتين منها تنول رضا اللى معاك، وفي نفس الوقت متعادنيش، قولت ايه يا وليد...
ثم تحرك ببطء، وجلس على مقعد المكتب، وضع قدما فوق الأخرى، بهيبه وكأنه ملك المكان: فكر بسرعه وشوف هتختاري مين، دقائق لو سمعتش اجابه يبقي أنت اللى جنيت على نفسك، واعتقد إنك لو مش خايف على نفسك، فأكيد عندك أسرة تخاف عليها....
نظر لوليد وتابع بنبرة قاطعه: فكر كويس لأن اللي جاي جحيم فبلاش يطولك.
شعر وليد بالتوتر، وأن الأمر خرج تماما من نطاق سيطرته، فهو يعرف سليم الراوي جيدا، ويعلم أن هذا الرجل لا يهدد، بل ينفذ فورا.
فقد انتهت اللعبه والآن حانت اللحظه الحاسمة: إما أن يختار جانب سليم الآن بعد كشفه للعبة، أو أن يواجه تبعات قراره بنفسه.
بلع ريقه وقال بإبتسامة مرتبكة: يا سليم باشا أنا متأكد إن عزيزة بتحور، وماسة هانم مستحيل تعمل حاجة زي دي، الهانم طبعا فوق مستوى الشبهات، والفيديوهات لوحدها تثبت كل حاجة، وإحنا هنعرف مين اللي لعب اللعبة القذرة دي..
وقبل أن يكمل كلامه، تعالى رنين هاتفه فجأة، فنظر للاسم بتوتر.
رفع سليم عينه وقال بهدوء آمر: رد وقوله إن ماسة خارجة، وإن سليم هو اللي طلب منك تقفل الموضوع بعد طلب شخصي منه، وافتح الإسبيكر عايز أسمع.
هز وليد رأسه متوترا وفتح السماعة، فجاء صوت عماد من الطرف الآخر وهو يضحك بسخرية: إيه الأخبار عندك يا وليد، خيرت قالي إنك بتعمل التحقيقات لسه، قدامك قد ايه؟! اوعى بس يكون جنبك.
فور أن وصل الصوت إلى مسامع سليم، تعرف عليه على الفور، وارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية، مزيج من الفهم واليقين؛ لقد تحولت شكوكه السابقة إلى حقيقة، وأدرك الآن من يقف وراء تلك المؤامرة القذرة.
أما مكي فاتسعت عيناه من الصدمة، رغم أنه كان متوقعا، ولكن عندما ترى الحقيقة تصبح اصعب، جز على أسنانه بضجر، ورفع عينه نحو سليم ليطمئن على حاله، فوجده هادئا على غير عادته، وكأن هدوءه يحمل سرا أكبر من كل كلمات العالم.
قال وليد وهو يراقب سليم بعينه: لا مش جنبي، الموضوع خلص، سليم الراوي كلمني بنفسه وعرض عليا فلوس علشان نقفل القضية على إنها خطف، مراته قالت إنها اتخطفت، واللي كان معاها قال نفس الكلام..
جاءه الرد مستغربا: وهو صدق؟!
نظر سليم إليه، وحرك شفتيه هامسا: في الأول بس..
أكمل وليد بتمثل: في الأول شوية، بس لما عزيزة جت وقالت اللي اتفقنا عليه، من صدمته ضربها لحد ما كان هيموتها في ايده، وخرجتها بالعافية.
جاء صوت عماد مرددا ببرود: يموتها ميموتهاش مش مهم، المهم عندي إن سليم يمشي وهو مصدق الرواية دي.
ضحك وليد بتمثيل: لا يا باشا من الناحيه دى أطمن، هو شكله مصدق جامد ومصدوم، بس عامل نفسه مصدق مراته قصادنا علشان شكله يعني قدامنا.
جاءه الرد راضيا عبر الهاتف: تمام يا وليد الخمسة مليون هيوصلولك أول ما الموضوع يكمل، سلام.
أغلق وليد الهاتف بيد مرتجفة، ورفع عينيه إلى سليم.
ابتسم له سليم ابتسامة جانبية، وقال معلقا بسخرية: لا والله يا وليد تنفع ممثل، أنا من رأي سيب الشرطة، أنت ممثل هايل، هيدفعلك خمسة مليون؟ تمام.
ثم أضاف وهو يميل للأمام: عشرة مني فوق الخمسة اللي هتاخدهم، والمسلسل الحلو اللي عملته ده هتعمله تاني قدام صاحبك، لما يدخلك هنا..
صمت لحظة، ثم قال بنبرة باردة تقطع النفس: وقسما بالله اللي حصل بينا ده، لو خرج بره الأوضة دي، لتبقي أنت الجاني على نفسك، اتفقنا يا وليد؟!
ابتلع وليد ريقه وقال بتوتر: اتفاقنا يا سليم بيه، بس اديني الأمان.
رد سليم بثبات، كأنه يمنحه وعدا لا تهديدا: طول ما أنت معايا فأنت في أمان يا وليد.
ثم أشار بيده: يلا بقى روح ناديلي صاحبك، قبل ما أطلع قدام الناس كلها وأعلن إن ماسة براءة.
اومأ وليد بطاعة: حاضر يا باشا.
ثم تحرك مسرعا للخارج، فنظر مكي ومصطفى إلى سليم، وقال مصطفى بخفوت: الموضوع شكله لعبة كبيرة بس مين اللي وراها؟
رد سليم دون أن يلتفت: مش مهم دلوقتي يا مصطفى، المهم نمشي من هنا.
كانت ماسة تجلس على المقعد، تبكي بصمت، وقالت بصوت مخنوق: هم هيستفيدوا إيه لما يعملوا فيا كده؟
نظر إليها سليم، وعيناه مظلمتان: علشان يخلوني أقتلك بإيدي وفي نفس الوقت أتفضح.
سأل مصطفى بقلق: هم مين دول؟
تدخل مكي سريعا: بعدين يا مصطفى، نتكلم بعدين.
في تلك اللحظة، دخل وليد ومعه خيرت، فنهض سليم وتقدم خطوة، ووقف أمامه: شوفت بقى؟ مراتي طلعت بريئة، وأنت كنت ظالمها.
رد خيرت بنبرة دفاعية حادة: أنا كنت بعمل الصح، كل اللي بنقفشهم في الشقق دى بيقولوا نفس الكلام، وأنا مش هصدق كل البنات يعني.
ثم أضاف بفظاظة: اللي شوفته بعيني واحدة لابسة نص فستانها، والتاني قالع قميصه، وهي على السرير، وفي القضايا دي أي محامي بشلن يطلعهم بالمنظر ده، فاحنا بنحب نطلعهم ملط مش حاجة جديدة عليهم.
اقترب سليم أكثر، وصوته ازداد حدة: واهي طلعت براءة، وكانت متخدرة واتخطفت فعلا، قالتلك وأنت مسمعتش.
ثم ابتسم ابتسامة باردة: عموما أنا خدت حق مراتي، وبكرة الصبح استني تليفون برفدك، وابقي خلي بدلتك ذكري علشان تفرح بيها.
ثم أضاف بتهديد صريح: بس لسه لينا عندك قلمين متاخدوش..
مد يده فجأة وأمسك خيرت من ياقة قميصه، ونظر لماسه وقال بحدة: خدي حقك واديله القلمين اللى ادهاملك.
نظر اليه خيرت مذهولا، وصاح باحتجاج: هي مين دى اللي هتديني قلمين، انا ظابط انت اتجننت
رد سليم بهدوء مرعب: الظاهر انت اللي نسيت أنا مين، خليها هي تديهملك، بدل ما أديهملك أنا، وساعتها هتزعل قوي.
ثم التفت إلى ماسة: اديله القلمين يا ماسة.
تمسكت ماسة بذراعه، وقالت بصوت مرتجف: أنا عايزة أمشي من هنا وبس...
صاح بها لأول مرة، بنبرة رجولية قاسية: أنا قولت اديله القلمين.
انتفضت بفزع، رفعت يدها تلقائيا وصفعت خيرت بقوة، فنظر لها سليم بفخر قائلا: كده بقى أنتِ مرات سليم الراوي، دول شغالين عندك متخافيش منهم، حتى لو غلطتي، تقفي قدامهم وتقوليلهم أيوه غلطت ولو تعرفوا تعملوا حاجة اعملوها.
كاد خيرت يكاد ينفجر من الغضب، لكن وليد تدخل سريعا، وأمسك به قائلا: خلاص كفاية يا خيرت.
ثم تابع بتمثيل متقن: نتائج التحليل بتاع الدكتور وصلت وبان إن فيه نسبه مخدر في دمه فعلا.
نظر له سليم بابتسامه مستخفة، فهو حقا بارع بالتمثيل.
تابع وليد وهو ينظر إلى سليم: كده القضيه تعتبر خلصانه يا سليم بيه، وتقدر تتفضل أنت والمدام، وإحنا آسفين يا ماسة هانم على كل اللي حصل حقك علينا، بس كنا بنشوف شغلنا.
نظر اليها سليم بابتسامة هادئة، وعيونه مليئة بالحنان والقوة في الوقت ذاته: عشقي أنتِ كده تمام؟ ولا تحبي أخليهم كلهم يعتذرولك؟!
هزت رأسها وقالت بصوت خافت: لا، أنا عايزة أمشي.
اومأ لها، واقترب منها بخطوات هادئة، ووضع قبله على رأسها، ثم شبك كفها في كفه بابتسامته واثقه تعكس قوته وهيبته، كأنه أسد في مملكته، وكل حركة منه تحمل سلطة لا تقاوم.
وخرجا معا إلي الخارج فوجدوا مازن بانتظارهم، ومعهم عشري والدكتور الذي أمر سليم بإحضاره، وفور أن رأوه، انتصب عشري في وقفته قائلا: جبتلك الدكتور زى ما أمرت يا ملك.
فأشار له سليم بيده: خلاص يا عشري اديله حسابه ومشي، الموضوع خلص خلاص.
سأل مازن بقلق: إيه اللي حصل يا سليم؟
رد سليم وهو يتحرك للأمام دون أن يتوقف: فكرتهم إني سليم الراوي علشان كان شكلهم ناسيين.
تابع وهو ينظر لماسه ويهم بالتحرك: يلا يا عشقي، خلينا نمشي.
لكن مصطفى وقف، متردد: أنا محتاج أفهم حاجه، هو الموضوع كده خلص فعلا؟
أومأ سليم برأسه بثقة: أيوه خلاص، كله متلفق، بس أنت هتيجي معايا.
تساءل مصطفي باستغراب: ليه؟
رد سليم بهدوء: هقولك لما نوصل.
ثم التفت إلى مازن قائلا: شكرا يا مازن الموضوع خلص، تقدر تمشي أنت.
وبدأ الجميع بالخروج، لكن بدا على ماسة عدم الاتزان، الخوف والهلع مازالا يحاصرها وهي تتشبث بذراع سليم كأنها تخاف أن ينفلت منها، فساعدها سليم بحنان حتى صعدوا إلي السيارة، وتوجهوا إلى الفيلا.
كانت ماسة طوال الطريق تبكي بصمت، وجسدها يرتجف كأن كل عظمة فيها تهتز وهي تتشبث بذراع سليم كطفلة خائفه أن تتوه من ولدها..
نظرة سليم لها لم تفارقها طوال الطريق، عدل جسده في زاويتها، ومسح على وجهها بحنان: بتعيطي ليه عشقي، أنتِ خلاص خرجتي براءة قدامهم كلهم زى ما كنتي عايزة، وأنا أصلا مكنتش محتاج الكلمه دي في حاجه، مش أهم حاجه أنتِ في نظري ايه؟!
هزت رأسها مرترا، وشفتيها ترتجفان، وعيونها تكاد تنطق بالخوف، لكنها لم تصدر صوتا، فشعورها بالعجز والانكسار من ما مرت به كان واضحا في كل حركة صغيرة لجسدها.
اغرورقت عينه بدموع القهر عليها، وجذبها إلي أحضانه، ضاغطا على كتفيها ليحميها: والله لحرقهم، اقسم بالله لأندمهم على الساعه اللى فكروا يعملوا فيكي كده فيها، مكي وقف على جنب وروح انت مع ماسة.
رمقه مكي بقلق، وتساءل: هتروح فين دلوقتي؟
رد سليم بنظرة حازمة، وعيناه تلمعان بالغضب: هروح أولعلها فيهم واجيبلها حقها..
ارتجفت ماسة وتشبثت به اكثر، وأحاطت كلتا ذراعيها حول خصره بقوة، وهي تقول بخوف: لا متسبنيش لوحدي، علشان خاطري يا سليم متيبنيش، أنا خايفة!
اتسعت عينا سليم بصدمه ممزوجة بالجرح، والعضب اشتعل داخله كالنيران، لكنه لم يستطع تركها فهي بالفعل تحتاجه الآن أكثر من أى وقت مضي، ابتلع غضبه موقنا بأن حنانه هو ما تحتاجه الآن.
ضمها لصدره بحنان شديد، ورفع يده ليربت على ظهرها برفق، وهمس في أذنها بصوت منخفض لكنه حازم: طيب خلاص، أنا جنبك، ومفيش حاجة هتحصللك، وأنا معاكي ومش همشي.
تنهدت أخيرا، شاعرة بلحظة من الراحة الكاذبة، أسندت رأسها على ذراعه، تحاول تهدئة أنفاسها المتقطعة، لكن الرعشة لم تغادر جسدها، فأحاط سليم ظهرها بذراعيه، ضامما إياها إلي صدره، محاولا بث الطمأنينة في قلبها، كلمسة صامتة تقول "أنا هنا، وكل شيء سيكون بخير".
الإسكندرية، 5:00 مساءً
أمام منزل مصطفى.
وقف محمود وتوتو أمام العمارة، وقال محمود وهو يشير نحو العمارة: هي دى العمارة اللى في العنوان يا واد يا توتو.
توتو بحسم: طب اسأل حد وشوف هو ساكن في أنهي شقة
لف محمود بعينه، فوجد رجل يقف بجانب المدخل، فاقترب منه وتساءل: بقولك ايه يا حاج، هو دكتور مصطفى ساكن في انهي شقة؟
الرجل: في الدور التالت، الشقة اللى على اليمين.
سأله توتو: هو فوق دلوقتي؟
رد الرجل: مش عارف والله.
شكره، وصعد الدرج حتى وصلوا أمام الشقة، طرق محمود الباب بعصبية، ففتح الباب وقالت نبيلة بضجر: أيوه؟ مين؟ أنتم مين؟
محمود بابتسامة سمجه: مساء الخير يا حاجة، مصطفى هنا؟
ثم مد رأسه للداخل وهو يتفحص المكان بعينه بوقاحة، فشدت نبيلة الباب بعصبية: أنت رايح فين؟ أنت اتجننت؟ مدخل راسك زي البهيمة كده ليه؟ هو أهلك معلموكش إن البيوت لها حُرمة؟!
توتو، بصوت عالي وخشن: يا حاجة، إحنا بندور على أختنا اللي ابنك خطفها!
نبيلة بدهشة: ابني؟!
رد محمود بسوقية: أيوه ابنك يا حاجة، ينفع كده؟
نبيلة بارتباك واضح: ابني مخطفش حد!
صاح محمود بغلظة: لا خطفها واتجوزها من غير علمنا!
ثم هدأت نبرته قليلا: وأنا مش جاي أعمل مشاكل، أنا جاي آخد أختي وبس، هي فين بقى؟
ثم صاح فجأة: يا آلاء! بت يا آلاء! أنتِ فين يا بت؟!
في اتجاه آخر بالداخل، كان إيهاب جالسا في غرفته، والتقط أذنه الأصوات في الخارج، فعقد حاجبيه ونهض مسرعا ليري ما الذي يحدث.
خرج إيهاب من غرفته وهو يتساءل بقلق: في إيه يا أمي؟ مين دول؟!
رفعت نبيلة كتفيها باضطراب: مش عارفة يا ابني، بلاوي وبتتحدف علينا.
تقدم إيهاب خطوة، ونظر إليهم بنبرة رجولية حادة: أنتم مين؟ وعايزين إيه؟!
أجابه محمود بسوقية: عايز أختي اللي مصطفى خطفها.
حاول هو وتوتو اقتحام المكان، لكن إيهاب دفعهم بخشونة قائلا: أنت رايح فين انت وهو، اطلع بره! أنت عبيط؟!
محمود بغضب: أنا عايز أختي اللي مصطفى خطفها واتجوزها من ورايا! ومش همشي من هنا ولا ههدى غير وهي معايا!
صاح إيهاب بعصبية: بقولك إيه ياض أنت، الشغل ده تروح تعمله عندكم! خد اللي أنت جايبه معاك ده وامشي من هنا، وإلا قسما بالله أبلغ البوليس!
قال محمود ببرود متحدي: بلغ! مفيش مشكلة، وأنا هقول إنه خاطفها.
إيهاب متصنعا عدم الفهم: أخويا مخطفش حد، ومنعرفش أنت بتتكلم عن مين.
رد محمود بشدة: لا أخوك خطفها، وأنت عارف وأمور الاستعباط دي متدخلش علينا!
فجأة أخرج مطواة ولوح بها في وجهه، فابتلعه ايهاب ريقه واهتز لوهله، بينما صرخت نبيلة برعب: يا لهوي يا ناس! الحقونا!
توتو بسوقية: اسكتي يا ست إنتِ!
صرخ يهاب بغضب: اتكلم باحترام يلا! وخلي كلامك معايا!
ثم التفت إلى نبيلة، وسحبها من كتفها للداخل: ادخلي جوه يا أمي!
وفي نفس اللحظة، جاءت عائشة مرتعبة: في إيه يا ماما؟!
وقعت عيناها على المطواة، فصرخت: يا لهوي!
صاح إيهاب بحزم، خائفا أن يفعلوا شيئا بأمه و أخته، وهو بمفرده أمامهم: ادخلوا جوه قولت!
سحبت نبيلة إيهاب من كتفه وهي ترتجف: ادخل جوه يا ابني!
ثم صاحت: بلغي البوليس يا عائشه!
قلب محمود عينيه وقال ببحة رجولية: لا بوليس ولا دياولوا، اسمعوا الكلمتين دول وبلغوهم لمصطفى، قولوا له محمود بيقولك طلق البت ورجعها وإلا هيندم.
ثم أضاف بتهديد أوضح: وبلغوه إن أنا مش هخاف من المحضر اللي اتعمل ده، ولا إني أباتلي في القسم يوم ولا اثنين ولا حته عشرة، بس أعتقد يا حاجة عندك عيال تخافي عليهم.
تابع توتو بنبرة أخطر: لو خايفة على عيالك يا حاجه، خلي مصطفى يرجع آلاء ويطلقها من سكات، خلصانة يلا يا حودة.
نظر محمود في عيني إيهاب، الذي كان ثابتا أمامه بعينين حادتين مليئتين بالرجولة، وربت بالمطوة على خده كرساله تهديد صامت: أظن الرسالة وصلت.
قال كلماته، ثم تحرك هو وتوتو مبتعدين تاركين خلفهما صمتا ثقيلا، اختنق به المكان، وزرع الخوف في قلوب الجميع.
في تلك اللحظة صاحت نبيلة: يا نهار إسود! أنا واقفة قدام عيال سوابق، ورافعين المطواة على ابني، علشان خاطر الداهية اللي جايباها! اتصليلي بأخوكي!
حاولت عائشة تهدئتها: يا ماما أهدى.
صاحت نبيلة بغضب: اسمعي الكلام يا بت، محدش يقولي اهدى، اتصلي بأخوكي بقولك، هو أنا لاقياكم في كيس الشيبسي ولا إيه؟! هو يسافر ويسيبلي النصايب دي؟!
نظرت لعائشه وصاحت بغضب: أتصلي بأخوكي يا بت قولت.
أمسكت عائشه هاتفها بيدين مرتجفتيش، وقامت بالإتصال به، لكنها وجدت هاتفه مغلقا بالطبع، كما طلب منه سليم.
نبيلة بضجر: مقفول، ماشي خليه مقفول!
ثم سحبت طرحتها وركضت للخارج، وركض إيهاب وعائشة خلفها: يا أمي! رايحة فين؟
صاحت نبيلة بضجر: سبوني ملكوش دعوة.
صعدت الدرج مسرعه بطاقة مرعبة، فأي أم مثلها بالطبع ستصاب بالجنون حين تشعر أن أبناءها في خطر.
أخذت تضرب على الباب بقوة.
في الداخل، كانت آلاء تجلس تشاهد التلفاز مع والدتها وحين سمعوا طرق الباب، شعروا بالخوف والقلق، وظنت آلاء أنه محمود، فانتفضت بفزع وهي تقول: محمود؟!
حاولت أنهار تهدئتها قائله: وهيعرف مكاننا منين يا بنتي؟ استنى افتح أشوف مين.
نهضت انهار كي تفتح الباب، فأمسكتها آلاء وهي تبكي بخوف: لا يا ماما بالله عليكي متفتحيش!
ربت أنهار على يدها مطمئة: يا بنتي اهدي، متخافيش.
تحركت أنهار، وخلفها آلاء تتشبث بملابسها من الخلف، فتحت أنهار الباب ففوجئت بنبيله أمامها، والغضب يكسو ملامحها، وإيهاب وعائشة بجوارها.
فقالت انهار بابتسامة مرتبكة: ست الحاجة، أهلا وسهلا، اتفضلي، البيت بيتك.
نبيلة بانفجار: ولا أهلا ولا سهلا! بصي يا حاجة، أنتِ عندك بنت وبتخافي عليها، أنا كمان بخاف على عيالي، أنا معنديش غيرهم وحاربت الدنيا عشانهم، وطفحت التراب عشان أخليهم رجالة كويسة، لكن على آخر الزمن ييجي ابنك الشمام يفضحني في العمارة، ويهددني بالعيال؟! كل إلا ده لأ!
ثم تابعت وهي تيشير بيدها بحسم وقسوة: اسمعي يا بنتي، أنتِ تاخدي أمك ومع السلامة من هنا، معلش أنا مش هخسر عيالي عشان خاطرك.
ثم تابعت بتهكم: عندك مشكله روحي يا حببتى للحكومه تحميكي، إحنا مش فاتحينها سبيل هنا
حاول إيهاب تهدئة والدته بحرج: يا أمي ميصحش اللى بتقوليه دى، عيب!
صاحت به نبيلة بغضب: لا، مش عيب! ابنك يا ست جالي دلوقتي، وهددني بالعيال، وكان معاه واحد معرفش جايبه أنهي مصيبة، ورافع مطواة على ابني! وأنا مش هستنى لما يموتلي ابني في مرة، ابني وقف جنب بنتك جدعنة، وأنا مكنتش راضية من الأول ولا راضية النهارده، بس يرضيكي ابني يتقتل بسبب بنتك؟!
أنهار بانكسار: أنا آسفة يا حاجة، حقك على رأسي والله، أنا هاخد بنتي ونمشي دلوقتي.
آلاء باكية: أنا آسفة والله العظيم، أنا معرفش إزاي محمود جه هنا.
صاحت نبيلة بقسوة: اهو، جه يا حبيبتي، أنا مش عايزة حد يعتذرلي، لو فعلا عايزين تصونوا الجميل اللي ابني عمله معاكوا، سيبونا في حالنا وخلي ابني يطلقك، وشوفي بقى هتعملي إيه في حياتك.
قال ايهاب بشده حازمه: بس يا أمي، أيه اللى أنتِ بتقوليه ده، انزلي يا ماما من هنا، وكفاية بقي
صاحت به: اسكت يلا ملكش دعوة!
رد بحزم: وأنا بقولك لو سمحتي انزلي، يا عائشة خدي ماما وانزلي.
سحبت عائشة نبيلة ونزلت بها للأسفل، فيما جلست آلاء تبكي بقهر وعجز، وانهار أيضا كانت تبكي بخجل وانكسار.
إيهاب بحرج: أنا آسف على الكلام اللى ماما قالته، صدقيني والله ماما طيبة جدا، بس طبيعي لما تشوف واحد جاي لحد بيتها بيرفع مطواة على أولادها وبيهددها، هتخاف وتعمل كده.
انهار بقهر: كتر خيركم يا ابنى، وأحنا آسفين على المشاكل اللى عملناهلكم، وحقكم على رأسنا، أنا هاخد بنتي وامشي، ومش هتعرفوا لنا طريق تانى.
رد إيهاب باعتراض: مفيش الكلام ده! مش هيحصل، البيت بيتكم، والحوار خلص خلاص.
آلاء بحسم: لا، أنا هلم هدومي أنا وماما ونمشي من هنا، لا يمكن نقعد هنا دقيقة واحدة تاني.
إيهاب بحزم: مش مشي من هنا، لما ييجي مصطفى اتكلمي معاه وشوفي هتعملوا إيه، لكن دلوقتي أنتِ أمانة في رقبتي لحد ما ييجي مصطفى.
أنهار بخجل: يا ابني، مش هينفع مش عايزين نعملكم مشاكل أكتر من كده.
إيهاب بهدوء: مفيش مشاكل ولا حاجه، أنا دلوقتي هنزل أعمل محضر، وصدقيني ده جبان وهيخاف، أنا عارف الأشكال دي كويس، بس مش هينفع تمشوا.
ثم نظر لآلاء: لو سمحتي يا أستاذة آلاء، ومتحاوليش تمشي، ولما مصطفى ييجي، شوفوا هتعملوا إيه سوا، لكن مش هينفع تمشي من هنا من غير علمه، الله أعلم لو نزلتى من هنا ممكن يحصل ايه، ممكن يبقي مستنيكم تحت والمشكلة تكبر أكتر ما هي كبيرة.
حاولت آلاء التحدث باحتجاج: بس يا أستاذ إيهاب…
قاطعها إيهاب بحزم: بعد إذنك، الموضوع انتهى وأنا آسف على الكلام اللي ماما قالته، أنتِ قاعدة هنا في شقتك، تمام، بعد إذنكم.
خرج إيهاب وأغلق الباب خلفه، تاركًا إيّاهم يبكون.
ربطت انهار على ظهر آلاء وهي تبكي بقهر: قدر يا بنتي… قدره مكتوب هنعمل إيه؟ حسبي الله ونِعم الوكيل…حسبي الله ونِعم الوكيل.
في اتجاه آخر… داخل شقة مصطفى، دخل إيهاب الشقة، بينما كانت نبيلة وعائشة تجلسان على الأريكة، وعائشة تحاول تهدئة نبيلة.
نبيلة بعصبية: عملت إيه؟ طردتهم ولا قعدت تطبطب عليهم؟
جلس إيهاب بتعب قال بعقلانية: يا أمي… يا أمي، اللي إنتِ عملتيه ده ما ينفعش هما ذنبهم إيه؟
مش شايفة الأشكال اللي جات؟
صاحت به بتعب: وأنا ذنبي إيه يا ابني لما أخسركم؟!
قال بهدوء عقلاني: تخسري في إيه يا أمي؟
أنا هنزل أعمل محضر، وهشوف واحد صاحبي ظابط كده وأتكلم معاه حرام يا أمي، دول ستات غلابة.
يقعدو في الشارع ويقفوا مع العيال السوابق دي؟!
نبيلة بانهيار: أنا شحتكم من الدنيا…أعمل إيه يعني لو عمل فيكم حاجة؟!
رد مهدئا إياها: مش هيعمل حاجة يا أمي، ماتقلقيش، وبعدين إنتِ أكتر واحدة مفروض تحسي بآلاء،
عشان إنتِ اتعرضتي لحاجات كتير شبه اللي حصل معاها.
نبيلة بحزن: تحسّوا بيا غير لما تبقوا مخلفين…ساعتها تعرفوا الضنا غالي قد إيه.
إيهاب بهدوء موجوع:أنا فاهم يا أمي كل اللي بتتكلمي فيه بس اللي فوق دول غلابة، ستات لوحدهم وابن الست اللي فوق دي، وأخو البنت اللي ابنك اتجوزها، هو اللي عرّاهم زي بابا بالظبط.
سكت لحظة، ثم أكمل: تصدقيني؟ دي مسكينة، يوم ما كان عايز يتجوزها كانوا عايزين يبيعوها إنتِ عارفة يعني إيه يبيعوا لحمهم؟ لو مشيت من هنا…الله وأعلم هيحصل فيها إيه؟! أنا مش مبسوط إن مصطفى حطّنا في حاجة زي دي،
بس اتحطّينا فيها، ولازم نحلها.
عائشة تدخلت بهدوء: وزي ما إنتِ بتبرري للأستاذ محمد كل غلطة وغلطه عملها فينا، وشتمته ماسة ووقفوا ضدد آلاء واللي قاله لمصطفى.
نبيلة بحدة: ندخل الكلام ده دلوقتي؟!
عائشة بصوت أهدى: أنا بس بفهمك، أوعي تعملي زي محمد وتبقي قاسية القلب يا أمي.
نبيلة بعد تنهيدة طويلة: طب اتصلي بأخوكي…اتصلي لي بأخوكي وشوفوه فين،خليه ياخد باله.
رفع إيهاب هاتفه واتصل…لكن الهاتف ما زال مغلقًا.
نبيلة تهمس بوجع: أستغفر الله العظيم…يا رب… يا رب هوّنها علينا إحنا غلابة والله… غلابة.
في الشارع..
كان توتو يسير على كورنيش النيل، وخطواته واثقة، وبجواره محمود الذي لم يخفِ توتره، عيناه تتحركان في كل اتجاه وكأن الخطر يتربص به.
قال محمود وهو يكتم قلقه: بقولك إيه يا ولا توتو… إنت متأكد إن النمرة اللي عملناها فوق دي هتجيب نتيجة؟
ابتسم توتو ابتسامة جانبية، فيها خبث أكثر مما فيها ثقة: أيوه طبعًا… وهتجيب نتيجة ونص كمان، إحنا كنا عايزين إيه أكتر من كده؟ خلّينا الست امه تولّع وتخاف على عيالها.
محمود بتردد: طيب أفرض ما خافتش؟
وقف توتو فجأة، ونظر له باستخفاف:
ما خافتش إزاي؟ ده انت اول فتحت المطوة على الواد ابنها، الست رقعت بالصوت.
توقف محمود هو الآخر، حكّ لحيته بعصبية: مش عارف… قلبي مش مطمن.
ضربه توتو على كتفه بقوة: يا ابني اجمد كده، إنت خايف من إيه؟ ما تبقاش زي معتصم. اسمعني بس… أنا متأكد إن الست دي هتعمل مشكلة، وهتمشي البت، وهتقول له: وديها في داهية أنا مش ناقصة مصايب.
سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة أخطر:
ولو ما عملوش كده، مش مهم. إحنا بايتين فيها يومين، ونروح نعمل نفس النمرة عند أخوه نراقبه، نشوف شغله فين، ونطلع عليه بنفس الأسلوب..
ابتلع محمود ريقه تابع توتو بابتسامة باردة: كل ده ما جابش نتيجه نخطف واخته، نخليهم يفهموا إن الموضوع جد، ومش هزار، ومش مجرد نمر...
صاح محمود بحدة وهو يضرب صدره: إنت اتجننت؟! إنت عارف القضايا دي بتاخد كام سنة؟
رد توتو بلا مبالاة:
إيه يعني؟ ما إحنا مش هنأذيها. نقعدها معانا مكرّمة، اختك قصاد اخته. مفيش حاجة. وبعدين أنا بقولك، الموضوع مش هيوصل لكده. الناس دي شكلها غلابة، ومش بتوع مشاكل.
تنهّد محمود باستسلام: ماشي… نعمل كده.
تحركا معًا من جديد، وتوتو يقول بنبرة حاسمة:
تعالى بقى نشوف شقة عشان نشوف هنعمل ايه وانا كلمت كده كم واحد من حبايبنا يا يجلنا عشان الموضوع ده مش هينفع فيه لوحدنا
وبالفعل، واصلا تحرّكهما على امتداد الكورنيش،
يبتلعهما ضجيج الشارع،
تاركين خلفهما صدى مؤامرةٍ دنيئة، لم تولد بعد…
لكنها كانت تشق طريقها بثبات،
وتستعد لأن تنفجر في وجوه الجميع
فيلا سليم وماسة، 6:00 مساءً
دخل سليم الفيلا وهو يسند ماسة إلى جانبه، كانت متشبثة بذراعه بقوة، جسدها يرتجف، وكأنها التصقت به خوفًا من أن يتركها إن أفلتت يدها.
رأسها مستندة إلى ذراعه، أنفاسها متلاحقة، وعيناها زائغتان كأن الخوف يطاردها حتى داخل البيت.
كان مكي ومصطفى يسيران خلفهما بصمت.
توقف سليم فجأة، التفت إليهما بنبرة حازمة: خليكوا هنا، هطلعها فوق وراجع لكم.
ثم نظر إلى ماسة، صوته خفّ قليلًا: تعالي يا عشقي… نطلع فوق بيتنا.
أومأت برأسها بصعوبة، حاولت أن تصعد الدرج، لكن خطواتها كانت متثاقلة، وكأن قدميها تجبرانها على الحركة رغم عنها.
تعثرت خطوة، فمد سليم يده فورا، ثم دون تردد حملها بين ذراعيه.
شدت على عنقه بذعر، أخفت وجهها في صدره، وهو يصعد بها الدرج خطوة تلو الأخرى، حتى وصل إلى غرفتهما.
وضعها برفق على الفراش، وعدّل الوسادة خلف ظهرها: ارتاحي بقى… إنتي في بيتك.
همّ أن يبتعد خطوة، لكنها أمسكت بذراعه فجأة، أصابعها تنغرز فيه بقوة قالت بهلع: رايح فين؟!
التفت إليها فورا: هروح أجيبلك لبس.
هزّت رأسها بعنف: هاجي معاك.
ابتسم بحنان موجوع: تيجي معايا فين يا ماسة؟
أنا رايح هنا.
لكنها شدّت عليه أكثر، وبدأ صوتها يرتعش: لا… ما تسيبنيش… لو سمحت.
نظر إليها بتأثر وغضب مكبوت، تنفّس بعمق، ثم جذبها إليه قليلًا: حاضر… حاضر.
توجّه إلى الخزانة وهي ما تزال متشبثة به، لا تتركه لحظة، كأنها تخشى إن أفلتت يده أن يضيع منها إلى الأبد، أخذ الملابس، ثم عاد بها إلى الفراش.
بدأ يبدّل لها ملابسها بحنانٍ شديد، حركاته بطيئة، حريصة، كأنها طفلته لا زوجته، يتجنّب أي حركة قد تُفزعها.
كانت ممسكة به بقوة، أصابعها متشنجة في قميصه، عيناها تدوران في المكان بذعر طفل يبحث عن الأمان.
انحنى قليلًا أمامها، حاول أن يبتسم، صوته خرج هادئًا لكنه مثقل بالوجع: يا روحي خلاص اهدي
في إيه يا ماسة؟! ما تبقيش كده، ثم أضاف بنبرة أحنّ: خليكِ قوية… علشان نعرف ناخد حقك.
هزّت رأسها بعنف، ودموعها تتساقط بضعف: بس أنا مش قوية أنا ضعيفه.
أمسك وجهها بين كفيه، أجبرها برفق أن تنظر إليه قال بنبرة حاسه حنونه: وليه متبقيش قوية؟ إنتِ مراتي يا ماسة، اللي حصل حتى لو كان قاسي هو انتهى، كابوس وانتهى، إنتي دلوقت معايا… المهم عندي أنا شايفك إزاي؟!
ارتعش صوتها، وانهار ما كانت تحاول التمسك به توقفت امامه وهي تيشير الى نفسها قالت بنبرة محشرجه: إنت فاكرني موجوعة كده علشانك او عشان أنت شايفني إزاي بس؟!
زاظ ارتعاش صوتها بانكسار: إنت متعرفش أنا صحيت لقيت نفسي إزاي ؟!
قالتها بصعوبه وكانها تجبر نفسها على نطق: أنا ... أنا مش عارفة أحط عيني في عين مصطفى، مكسوفة منه اوي، مش عارفه إزاي هتعامل معاه تاني بعد إللي حصل،
تابعت من بين قهرها: بعدين انا كل متخيل أن لو كنت اتاخرت شوية كان ممكن يحصل فيه ايه
بعدين أفرض ما كنتش لحقتني؟
اختنق صوتها، كأنها تغرق بشعور بالعار: إنت متعرفش الإحساس اللي حسّيته… إحساس وحش… وحش اوووي؟!
انفجرت في البكاء، بكاءً حارقًا، شدّها إلى صدره بقوة، جسدها يهتز بين ذراعيه، يده تربت على رأسها، وصوته خرج مبحوحًا لكنه ثابت: لا… لا. بصّيلي، إنتِ ما عملتيش حاجة غلط، فاهمة؟ لو الدنيا كلها بصّتلك، أنا الوحيد اللي يهمك بصته ليكي.
رفع ذقنها قليلا، جبينه يلامس جبينها قال بوعد بعينين ترقرق بدموع والغضب معا: ووالله لحرقلك قلبهم، والله لاخليهم يجي لحد عندك يغسلو رجلك بدموع عينهم...
نظر داخل عينيها وكأنه يحاول ان يبث فيها القوة: خلاص انسي، انسي اللي حصل وخليه هدف، هدف قصادك عشان تقدري تخدي حقك وتكملي.
هزّت رأسها بقوة، وصوتها خرج مبحوحا منكسرا: انسى؟! انسي ايه ولا ايه بس؟!
ثم صاحت فجأة، بنبرة هستيرية ممزوجة بوجع حارق: دول قلعوني هدومي…حطوني على سرير راجل تاني يا سليم!
شدّت على شعرها، ودموعها تنهمر بغزارة: حطّوني على سرير راجل غريب… أباح شرفي عادي، هما بيعملوا فيا كده ليه؟! بيعملوا فيها كدة ليه يا سليم؟!
اقترب سليم أكثر بعينين اغرورقت بدموع الالم من أجلها، حاول أن يلمس وجهها بين كفيه، لكنها دفعت يديه بعصبية، وكأن اللمس يعيد إليها كل شيء.
صرخت بانكسار بقهر: أنا عملت فيهم إيه؟! غير إني حبيتك… واتجوزتك؟!
صوتها انهار، وتحول إلى بكاء مرير: إنت عملت فيهم إيه عشان يعملوا فيا كده؟!
ضربت صدرها بيد مرتجفة: مكفهمش كل ده، كمان بلغوا البوليس عشان يبان إني ست مش كويسة؟!
عشان أبقى إنسانة رخيصة في نظرك.. مكفهمش انهم حاولو يقتلو بابا زمان، وهددوني باهلي، وعيشوني برعب سنين، كمان يلبسونى قضيه كدة، انا عملت ايه؟! عملت ايه لكل ده عشان انا خادمة، انا لو قتلهم حد مش هعملوا فيها كدة... والله حرام مابقتش قادره..
انهارت انهيار تام: تعبت تعبت.
ثم خرجت منها صرخة موجوعة: آااه…
، كادت ان تخونها ركبتها وتقع أرضا وهي مازالت تصرخ بوجع بخرج من نياط قلبها: اااااه
فسحبها سليم بسرعة إلى صدره قبل أن تسقط،
لف ذراعيه حولها بقوة، وكأنه يحاول أن يحميها من الذكريات نفسها.
صوته خرج مخنوقا لكنه ثابت، فيه غضب مكبوت ووعد: بصيلي… بصيلي يا ماسة.
رفع وجهها إليه، إبهامه يمسح دموعها بعنف حنون: اللي حصل ده مش ذنبك، ولا عيبك ولا ليه أي علاقة بيكي هو انتقام مني انا فيكي يا ماسة..
ثم همس، وصوته يرتجف لأول مرة: بس اقسملك أن محدش هيلمسك تأتي، محدش هيقربلك تاني، ومل اللي فكر يعمل فيكي كده، هخليه يتمنى الموت ومايطولوش...
هزت رأسها بجنون، الرعب ينهش ملامحها، وقالت بصوت مكسور متلاحق: أنا مش عايزة أخرج تاني،
مش عايزة أروح أي مكان، إنت صح، إنت على طول صح، أنا اللي غلطانة، أنا آسفة.
تشبثت به أكثر، كأنها تحتمي بجسده من العالم: خليني هنا.. مش همشي، لبسني أسوار، خلي حراس يمشوا ورايا، يركبه العربيه معايا، مش هروح جامعه ولا عند ماما، هفضل هنا، ماتسبنيش لوحدي تاني، أنا مش عايزة منهم حاجة، أنا خايفة منهم أوي، دول وحشين… وحشين أوي.
انهارت فجأة، انفجرت بالبكاء، بكاءً حارقا، خرج من أعماقها، حتى اختنق صوتها، وتقطعت أنفاسها، كأن الهواء لم يعد يكفي صدرها.
وقف سليم أمامها عاجزا ينظر إليها ولا يعرف ماذا يفعل وهو يرى زوجته مكسورة ومشوة بهذا الشكل
الألم كان يعصر قلبه، وفي الوقت نفسه كانت النيران تشتعل داخله غضب أعمى، ورغبة قاتلة في الذهاب إليهم الآن… لإحراقهم واحدا واحدا.
لكنه لم يستطع تركها لم يستطع الابتعاد، انحنى نحوها، أمسك وجهها بين يديه وقال بصوت مبحوح، وعد لا يحتمل التأجيل: والله لأجيبلك حقك… والله ما هسيبهم
لكنها لم تكن تسمع كانت نوبة الهلع قد سيطرت عليها بالكامل.
أنفاسها تسارعت بجنون، صدرها يعلو ويهبط بعنف، أصابعها تشنجت في ملابسه، وعيناها فقدتا التركيز، تدوران في الفراغ كمن يغرق ولا يجد سطحًا يتشبث به.
همست بصوتٍ مخنوق، بالكاد يُسمع: أنا بردانة…
أنا خايفة…
شدت أصابعها في قميصه أكثر، كأن الهواء بدأ ينفد من حولها..
أنفاسها تسارعت، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها اتسعتا في فراغٍ مخيف: سليم…مش قادرة اخد نفسي.. مش قادرة اخد نفسي..
خرج اسمه مكسورا، بالكاد مسموع، تجمد جسدها بين ذراعيه، ثم بدأت ترتعش، رعشة غير طبيعية. لاحظ تغيّرها فورا.
شدها عليه أكثر، قلبه انتفض: ماسة؟ بصيلي… خدي نفس… ماسة!
لكنها لم تكن تسمعه. يدها تشبثت به بعنف، كأنها تغرق، شفتيها ترتجفان، والهواء يخرج من صدرها متقطعا، مؤلما. أنا… مش قادرة… نفسي مقطوع…مش قادرة اتنفس..
ضم سليم كتفيها بكفيه، انحنى أمامها، وعيناه لا تفارقان وجهها المرتعب، كان يحاول أن يضبط أنفاسه قبل أن يضبط أنفاسها، وقال بصوت ثابت قسريا: بصيلي… خدي نفس براحة…اسحبيه واحدة واحدة… وطلعيه بالراحة… يلا؟
لكنها لم تكن تسمع كانت في حالة انهيار كامل،
صدرها يعلو ويهبط بعنف، أنفاسها متقطعة، وكأن الهواء يُسحب منها قسرا.
صرخت فجأة بصوتزمبحوح: مش قادرة، مش قادرة آخد نفسي!
ارتعب سليم، فرفع صوته وهو ينادي: مكي!
مصطفى! مكي !
وفي لحظات، اندفع مكي إلى الغرفة، يتبعه مصطفى. قال مكي بقلق: في إيه يا سليم؟!
أشار سليم إليها، وصوته مختنق: ماسة… مش عارف مالها! فضلت تعيط وهي منهارة وفجاه قالت ان هي مش قادره تاخد نفسها وبتاخذ نفسها بصعوبه.
اقترب مصطفى فورا، جلس أمامها، يراقب تنفسها الصعب، وقال بحسم طبي: دي نوبة هلع وممكن تكون مؤقتة… بس محتاجة تهدئة فورا.
رفع عينه نحو سليم وقال بتعليمات حازمة: خليك معاها… خليها تحاول تاخد نفسها. احضنها وحاول تهمس لها… هتديها طمأنينة.
رد سليم باعتراض: اتكلم ايه؟ دي مش قادره تاخد نفسها، افتح الشباك يا مكي.
مصطفى تدخل بهدوء: مش محتاجة كل الكلام ده… صدقني، كلمها وخدها في حضنك يلا.
كانت ماسة تبكي بصمتٍ مخيف. جسدها يهتز، دموعها تنساب بلا توقف، وأنفاسها ما زالت مكتومة، كأن صدرها ضاق فجأة عن الحياة.
لم يفكر أستمع لحديث مصطفي، ضمّها إلى صدره، وراح يربّت على ظهرها بحنانٍ ثابت، يتمسّك بها وكأنه السور الأخير الذي يمنعها من السقوط ماسة اهدي انا جنبك خلاص مش هسيبك متخافيش.
قال مصطفى بلهجة حاسمة وهو يراقب حالتها: لازم دكتورها ييجي… بس لحد ما يوصل، أكيد هيأخد وقت.
التفت إلى سليم بسرعة: كلمه يا سليم، وقوله حالتها بالظبط خليه يكتب لنا أي حقنة مهدية لحد ماييجي، نديها لها فورا.
قاطعهم مكي وهو يخرج هاتفه من جيبه: لا، سيبها عليا… أنا هكلمه.
وبالفعل بدأ يتصل بياسر، صوته منخفض لكن متوتر، يشرح له الحالة بدقة. كان ينظر إلى ماسة بين الحين والآخر، جسدها المرتجف لا يهدأ، ودموعها لا تتوقف. أنهى المكالمة وقال: كتب لنا اسم الإبرة… تهديها لحد ما يوصل.
اندفع مكي خارج الغرفة. في تلك الأثناء، جلس مصطفى إلى جوار ماسة، بينما كان سليم يحتضنها، ذراعه مشدودة حولها كأنها آخر ما يربطه بالعالم.
كانت ما زالت في حالة ارتجاف شديد. بكاء هستيري مكتوم، أنفاسها محبوسة في صدرها، كأن الهواء يرفض الدخول. صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها زائغتان، وكأنها تُصارع نوبة اختناق حقيقية.
قال مصطفى بهدوءٍ مدروس، وهو يشير لسليم: خليك كده… خليك ثابت… حاول تخليها تركز على صوتك.
انحنى سليم عليها، يهمس قرب أذنها: أنا هنا…
اسمعيني… نفس صغير… واحد بس…
حاول سليم أن يكسر حاجز الألم الذي يعتصرها، وهمس بصوتٍ مكتوم لكنه حنون: بقى لي كتير… ما قولتليش… ما تستصغرنيش… قوليها… قوليها كده.
رفعت عيناها إليه، ضعيفة، مليئة بالدموع والانكسار، لم تستطع حتى النطق.
هز رأسها بخجل وحزن، والدموع تملأ عينيها بلا توقف.
لم يتحمل سليم رؤيتها هكذا، فضمها بقوة أكبر إلى صدره، كأن حضنه وحده قادر على حمل كل ما يثقل قلبها، ورفع يده ليطبطب على ظهرها بلطف، يحاول نقل شعور الأمان إليها: هشش… كل حاجة هتعدّي… أنا هنا… أنا معاك… ما فيش حاجة هتحصلك انتي مش لوحدك،
همس لها وهو يضغط على كتفها بخفة، محاولة تهدئتها دون كلمات كبيرة.
مسح دموعه عينها بهدوء، ونظراته كانت تقول أكثر مما تستطيع الكلمات: أنا جنبك… ومش هسيبك أبدًا.
مرت دقائق ثقيلة كأنها دهر. ثم عاد مكي مسرعًا، يلهث، والحقنة في يده. ناولها لمصطفى دون كلام.
أخذ مصطفى الحقنة، بدأ يجهزها بعناية، ثم نظر إلى ماسة وقال بصوتٍ مطمئن: هتحسي بوخزة بسيطة… خلاص… ثواني وتعدّي.
أدخل الإبرة في ذراعها برفق، بينما سليم ما زال يحتضنها، يهمس قرب أذنها: عشقي أنا هنا متخافيش..
وبدأت ماسة تهدأ تدريجيًا. أنفاسها انتظمت شيئًا فشيئًا، ارتجاف جسدها خفّ، ودموعها هدأت. وبعد دقائق، ثقلت جفونها، واستسلمت للنوم بين ذراعيه.
ظل سليم ممسكًا بها، لا يتحرك. عيناه معلّقتان بوجهها الشاحب.
والنار… ما زالت مشتعلة داخله. لكن الآن… دورها الأول هو الأمان، والانتقام… له وقت آخر
وحين تأكّد أنها غرقت في نومٍ ثقيل، نومٍ يشبه الهروب أكثر مما يشبه الراحة، أنزلها برفق على الفراش، وسحب الغطاء عليها بحذرٍ وكأن أي حركةٍ خاطئة قد تعيدها إلى جحيمها من جديد.
انحنى عليها، طبع قبلةً خفيفة على رأسها، قبلة طويلة، كأنها وعد صامت بالحماية واعتذار عن ما حدث معها بسبب…
تراجع خطوة، وعيناه لا تفارق ملامحها، امتلأ صدره بدموعٍ حارقة لم يسمح لها بالسقوط، لكنه شعر بها تحرقه من الداخل.
كان يعرف… يعرف جيدًا…أنه السبب.
لو لم يتزوجها…لو لم يدخلها هذا العالم…
ما كانت وصلت إلى ما وصلت إليه
شدّ على أسنانه بعنف، كأن الألم يحاول أن يشقّ فكه.
الندم ينهشه، لكن الغضب كان أقوى… أقسى… وأخطر.
الآن لم يعد هناك وقت. لا خطط طويلة، ولا ألعاب، ولا انتظار حتى يضربوا بعضهم ببعض.
انهيارها… رعشتها… صراخها… ما فعلوه بها تجاوز كل شيء.
الغضب اشتعل داخله كحريقٍ بلا سقف.
استدار فجأة، واتجه إلى غرفة الملابس بخطواتٍ ثقيلة.
توقف أمام أحد الأرفف، رفعه بعنف، فانكشف خلفه ممرٌ ضيق، مظلم، كأنه سرّ لم يُفتح منذ زمن.
دخل.
اشتعلت الأنوار تلقائيا، كانت الغرفة مليئة بالأسلحة الثقيلة.
تجوّل بنظره بينها لحظة واحدة فقط، ثم امتدت يده دون تردد.
أمسك بالرشاش. فتح الخزنة، ملأها بالرصاصات، صوت المعدن وهو يحتكّ بالمعدن كان كفيلًا بإشعال ما تبقّى من عقله.
جزّ على أسنانه. عينيه غام عليهما خطرٌ بارد، قاتل، لا رجعة فيه. أغلق الخزنة بقسوة…
وتحرّك للخارج. الانتقام لم يعد خيارًا. بل ضرورة