
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الخامس والعشرون 25 ج 3 بقلم ليله عادل
هبط سليم إلى الأسفل، السلاح بين ذراعيه، وعيناه غائمتان بسواد كثيف، سواد لم يكن مجرد غضب بل خطر صافي يكسو ملامحه حتى كاد يخفيها تماما.
خطواته كانت ثابتة، لكنها ثقيلة، كأن الأرض نفسها تشعر بما يحمله داخله.
كان مكي ومصطفى في الأسفل، وما إن وقعت أعينهما عليه، حتى تجمد المكان من حولهما.
التفت مكي نحو الدرج حين استمع إلى خطواته، وسرعان ما اتسعت عيناه بصدمة صريحة لم يستطع إخفاءها؛ فهو يعرف هذا الوجه جيدا، ويعلم أن ظهوره على هذا النحو لا يعني سوى أمر واحد.
أما مصطفى، فاستقام في وقفة مشوبة بالقلق، وتنقلت عيناه سريعا بين السلاح ووجه سليم، كأن عقله يحاول أن يستوعب ما يحدث قبل أن يفلت الأمر تماما عن السيطرة.
اقترب مكي بخطوات حذرة، حتى توقف أمامه مباشرة، ونظر إلى السلاح بين ذراعيه ثم إلى عينيه، وقال بذهول حقيقي: أنت رايح فين يا سليم؟
رفع سليم رأسه ببطء، أنفاسه متسارعة، صدره يعلو ويهبط بعنف، وصوته خرج مبحوحا من الغضب: رايح أجيب حق مراتي.
تحرك خطوة للأمام، لكن مكي اندفع ووقف في طريقه محاولا تهدئته: طب ماشي، هنعمل كل اللي أنت عايزه، بس اللى أنت ناوي تعمله ده مش هيفيدك بحاجة، هتبقي بحر دم يا سليم، هم أكيد مش هيشوفوك رايح تقتلهم ويسكتوا ؟!
اتسعت عينا سليم، واشتعل السواد فيهما أكثر وكان مكي ضغط على جرحه، فصاح به: مش مهم، أنا رايح يا قاتل يا مقتول، وأنا أصلا مش هخلي فيهم حد عايش، ههد القصر علي دماغهم.
كا مكي أن ينطق، فسبقه سليم ورد عليه بغضب عارم: ومتقوليش اصبررررر، اصبر إيه تاني يا مكي؟ أصبر لحد إمتى؟ لحد ما المرة الجاية ينيموها مع واحد؟! ولا يدخلوا عليها واحد يغتصبها؟!
اقترب منه خطوة، وصوته ارتفع وهو يكاد ينفجر: أنا صبرت كتير، وقت الصبر خلص، مفيش حاجة تانية محتاج أعرفها اللي كنت عايز أعرفه عرفته وانتهى.
رفع السلاح قليلا، ونبرته تحولت لوعد قاتل: هفرغ الرصاص في قلوبهم وهحرقهم، وأي حد هيقف قدامي هيحصل عماد وصافيناز.
كاد سليم أن يتحرك لكن توقف مكي أمامه، وأمسكه من كتفه محاولا تهدئته أو إقناعه بالتراجع: متوسخش إيدك بالدم يا سليم، أنت توبت مترجعش للطريق ده تاني.
لكن سليم لم يستمع إلي حديثه كأنه أصم، وصاح به وهو ينزع يده عن كتفه: ملكش دعوة، وأوعى من وشي، يا مكي بقولك!
قالها مكي بحزم، وهو يثبت قدميه في الأرض: لا هوعي، اللي أنت عايز تعمله ده غلط ومينفعش وأنا مش هسمحلك تأذي نفسك، ماسة دلوقتي كويسة والحمد لله، بلاش ترجع لطريق الدم تاني، وصدقني اللي حصل ده في صالحكم.
ضغط سليم على أسنانه، وصاح: صالحي!!! ينيموا مراتي في حضن واحد تاني وتقولي في صالحي!!! هستني يعملوا في مراتي ايه أكتر من اللي عملوه! ابعد عن وشييي...
حاول أن يندفع، لكن في لحظة خاطفة رفع مكي ذراعه وامسك به بحركه خاطفة، وسدد له روسيه قوية في رأسه، فترنح سليم، واهتز جسده، ثم سقط أرضا، فاقدا الوعي.
صرخ مصطفى بصدمة: أنت عملت إيه؟!
انحنى مكي بسرعة: مفيش وقت، شيله معايا بسرعة.
حملاه معا، ووضعاه على الكرسي بصعوبة، وهو شبه غائب عن الوعي، ثم تحرك مكي للخارج وعاد بعد دقائق قليله ومعه حبل، وقال وهو يلتقط أنفاسه: لازم اربطه، لو فاق دلوقتي مش هنعرف نوقفه، تعالي ساعدني.
ساعده مصطفى فورا، وبدآ في تقييد يديه بقوة، وكأنهما لا يربطان رجلا بل يحاولان كبح إعصار.
في تلك اللحظة دخل عشري بملامح مثقلة، وما إن وقعت عيناه على سليم المقيد حتى قال بصدمة: أنتم بتعملوا ايه؟!
رد مكي بحدة وهو لايزال واقفا أمام سليم: كنت عايزني أوقفه إزاي يعني؟ كان ماسك الآلي ونازل يقتل كل اللي في القصر!
تنهد عشري بمرارة: بصراحة حقه، أنا لو مكانه كنت أكلت قلوبهم بإيدي وهم صاحيين.
قاطعه مكي بسرعة: متقولوش الكلام ده قدامه، إحنا عايزين نهديه مش نشعلله أكتر!
هز مصطفى رأسه بأسى: عندك حق، وحتى لو أهله عملوا كل ده، إحساس إنه يقتل اهله بأيده إحساس مش سهل، هيفضل يطارده طول عمره.
لم تمر سوى دقائق حتى بدأ سليم يستعيد وعيه، تأوه بألم، ونظر حوله بارتباك، ثم استوعب الكرسي! القيود!
اشتد غضبه فجأة كإعصار انفجر داخله، وصاح بصوت هز أرجاء المكان: فكني يا مكي!
اقترب مكي خطوة: لا مش هفكك، طول ما أنت مش عايز ترجع عن الجنان اللى في دماغك دى.
صرخ سليم، وعروقه نافرة، ووجهه محتقن بالغضب: اللي عايز أعمله جنان؟ الجنان الحقيقي إني معملتوش من زمان! من أول لحظة شكيت إنهم ورا اللي حصل، ومن أول ما ماسة حكتلي كل اللي عملوه فيها !
شد القيود بعنف وهو يصيح: فكني يا مكي!
رد مكي بحزم بارد: مش هفكك، ومش هسمح لغضبك يرجع تانى لطريق دفعنا كتير علشان نخرج منه!
زمجر سليم، يحاول الإفلات، وصاح من بين أسنانه: ملكش دعوة، أنت مالك، فكني بقى، متعصبنيش!
رد مكي برفض قاطع: لا مش فاكك
جز سليم على أسنانه بعنف حتى كاد صريرها يُسمع، وصاح بهم بصوت جهوري مبحوح، اهتزت له أرجاء المكان، وهو يشد قيوده بعنف، وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما: هو ايه اللى لا، فكني بقولك..
صاح مكي بحسم: قولت لا مش هفكك، ولو قعدت تزعق من هنا للصبح مش هفكك.
تسارعت أنفاس سليم، وكان الغضب ينهش صدره من الداخل، شد عضلات ذراعيه بعنف، محاولا الإفلات من قيوده قسرا، حتى اهتز المقعد تحته، غير أنه كان مثبتا بإحكام؛ فقد قيده مكي على نحو يستحيل معه أن يتحرك، أو حتى أن يزحزح الكرسي عن موضعه.
خرجت منه صرخة موجوعة، مختنقة بالقهر والرجولة: آآآآآه!
رفع رأسه ببطء، وعيناه غارقتان في دموع حارقة؛ ليست دموع ضعف، بل دموع رجل انكسر في داخله شيء لا يُجبر.
قال بصوت مبحوح، يتقطع من الوجع: أنت مش حاسس بيا، ولا حاسس بالنار اللي جوايا، فكني يا مكي خليني أشفي غليلي وأخد حق مراتي، يمكن لما أخدلها حقها واوريها إن جوزها بيقدر يجيب حقها متبقاش مكسورة ولا خايفه كده تانى...
ثم أضاف، بنبرة أقسى، كأنها اتهام واعتراف في آن واحد: لو كنت مكاني كنت عملت أكتر مني.
ساد صمت ثقيل لوهله قبل أن يقول مكي بهدوء موجع: صح لو كنت مكانك كنت عملت زيك، بس أنت كمان كنت هوقفني قبل ما اغلط او أأذي نفسي.
خرج صوت سليم مكسورا، بين دموعه وغضبه: لا كنت اكلت كبدهم حي، علشان كنت هبقى مقدر وجعك وهساعدك تجيب حقك وحق مراتك مش هقف امنعك واحميهم، وأنت عارف عملوا إيه في مراتي؟! دول استباحوا عرضي يا مكي..
رد مكي بهدوء ثقيل: والله العظيم عارف وحاسس بيك يا سليم، بس معني ليك دلوقتي مش حمايه ليهم، هما مش فارقين معايا، أنا بحميك أنت من غضبك اللى ممكن يحرقك قبل ما يحرقهم.
انفجر سليم، صوته خرج مكسورا وغاضبا في آن واحد وهو يهز راسه معارضا: لا! متعرفش حاجة! ولا حاسس بيا، لو كنت حاسس بيا مكانتش عارضتني، وكنت حطيت ايدك في ايدى وروحت حرقتهم معاياء، مش كل شوية تهديني وتصبرني وتدافع عنهم، وتقولى أهدي!
اقترب بصدره المشدود رغم قيوده: بتحميهم ليه؟ أنت معايا ولا معاهم؟
ثم صاح وقد احمر وجهه: ليه مش عايزني أولع فيهم؟
صمت لحظة، ثم خرجت الكلمة كطعنة: وولا تكونش أنت كمان شغال معاهم ومستغفلني...
تجمد مكي في مكانه، وكأن الكلمة أصابته في الصدر: شغال معاهم؟! أنا يا سليم!؟
رد باتهام محسوب وصوت قاطع كالنصل دون تردد، وعيناه غارقتان في سواد مخيف: أه أنت.
ثم علا صوته، واختلط بالغضب: أنت اللي أقنعتني أخرجها! ومحدش كان عارف مكانها غيرك أنت وعشري! إللي اكيد هو كمان خاين زيك، وكل حاجة بتحصلي أنت بتبقى عارفها! مفيش حاجة بتوصلهم غير وأنت عارفها! وطول السنين اللى فاتت كنت نايم على ودانك ومفهمني إنك عارف كل حاجه، وأنت ولا هنا، لو مش قد الشغل قولى وأنا أجيب حد مفتح عنك يعرف يشوف شغله.
ثم انكسر صوته فجأة، وخرجت الكلمة ضعيفة قاتلة: إذا كان أمي خانتني، أنت مش هتخني؟!
نظر له مكي بصدمة حقيقية، واتسعت عيناه على نحو بالغ؛ فهو لم يتوقع يوما أن يسمع من سليم مثل تلك الكلمات: أنت بتشك فيا يا سليم؟!
أجابه سليم بجمود: ومشوكش فيك ليه؟! هو أنا بقول حاجه محصلتش؟! كل حاجه حصلت كنت أنت سبب مباشر فيها سواء إنك تخبي عليا اللعب اللى بيلعبوه من ورا ظهري، أو إنك كل شويه تقعد تقولى أهدى...
لم يُصدم مكي بالكلمات نفسها، بل بالفم الذي خرجت منه تلك الكلمات، وبالفكرة التي استطاعت، ولو للحظة، أن تجد طريقها إلى عقل سليم.
لم يتوقع أبدا أن يُتهم حتى في أسوأ لحظات الانكسار والغضب.
شعر بوخز حاد في قلبه، كطعنة صامتة، غير أنه تماسك، وحاول أن يثبت، وألا يسمح لذلك الوجع أن يتمكن منه؛ فهذه اللحظة لا تحتمل سقوطه هو الآخر.
فتنفس بعمق، وقال: ماشي يا سليم، أنا مش هحاسبك على الكلام اللى بتقوله دى، علشان عارف إنك مش في وعيك وأعصابك مشدوده.
قاطعه سليم باستهجان: مش في وعي ليه شايفني مجنون وبشد في شعري!
انفجر مكي فيه بغضب عارم، وصوته خرج أجشا ممزقا في صدره، وهو يندفع نحوه بعينين تقدحان شررا: أيوه مجنون وبتشد في شعرك، ومش عارف بتقول إيه، أنا إن كنت بمنعك دلوقتي فعلشان بحبك وبحميك أنت من نفسك.
اقترب خطوة، وصوته صار أخفض لكنه أخطر: اللي عملوه في ماسة جريمة متتغفرش، وأنا مقولتش سامح…
توقف لحظة، ثم أكمل بصرامة: بس قولت انتقم بنفس سلاحهم.
ثم تنفس بعمق، وكأن القرار خرج من قلبه بحزن: بس مادام شاكك فيا، يبقى خلاص.
أخرج هاتفه، مفاتيحه، جهازه اللاسلكي، ووضعهم أمامه: اعتبرني مستقيل من النهارده، وآسف يا سليم بيه، واضح إني معرفتش أحميك بالطريقة الصح.
كان سليم يستمع إليه بعينين تحترقان بدموع لم يعرف متى خرجت ولا كيف سمح لها أن تظهر، لم يعرف كيف استطاع للحظه الشك برفيق عمره، ولا كيف خرجت منه تلك الكلمات، لكنها كانت الخط الفاصل الذي بدأ يُهدئ جنونه.
كان الغضب ينهش صدره، والألم يضغط على روحه، وما زالت الكلمات التي قالها قبل لحظات تتردد في أذنيه كطعنة مرتدة، لم يكن في حال تسمح له بالتفكير أو بالندم؛ لم يكن هناك سوى وجع رجل رأى زوجته تُكسر، واكتشف أن من كسروها هم أناس من دمه.
وقبل أن يغادر مكي نظر لعشري بعينين متصلبتين، ثم قال بحزم: محدش يفكه دلوقتي.
وتبادل نظرات سريعة مع مصطفى، قبل أن يخرج.
وقف عشري ومصطفى بعيدا، يراقبان بصمت ثقيل، مذهولين، لا يجرؤ أي منهما على التدخل.
انحدرت دموع سليم أخيرا، وبدا أن الندم يتسلل إليه بسبب تلك الكلمات التي تفوّه بها؛ غير أنه قالها وسط نار ووجع وغضب مكتوم لرجل مُهان.
نظر لعشري قائلا: فكني يا عشري…
رد عشري بصوت مرتبك: يا ملك…
ارتفع صوت سليم فجأة، مبحوحا، مرعوبا من نفسه: فكني يا عشري! ورحمة بنتي لو ما فكيتني دلوقتي ما هتعرف أنا ممكن أعمل إيه!
تجمد عشري في مكانه لحظه، ثم نظر إلى مصطفى بتوتر، كأنه يستنجد به طالبا العون أو الفرار؛ فكلاهما كان يدرك أن القرار خطير، وأن تركه مقيدا أخطر.
تحرك عشري أخيرا، وبدأ يفك قيوده ببطء، وما إن تحرر سليم، حتى وقف عشري أمامه محذرا: سليم متتهورش.
لم يرد، بل دفعه بعيدا، واندفع خارجا كالإعصار، وقد اسودت الدنيا في عينيه.
خرج إلى الحديقة، وتوقف في منتصفها، ثم صرخ ... صرخة رجل منهار، مطعون، مخذول.
أخرج مسدسه، ورفع ذراعه، وأطلق الرصاص في الهواء مرارا، كأنه يحاول أن يفرغ النار المتقدة في صدره.
في تلك اللحظه، اقترب منه مصطفى بحذر، وقف خلفه وقال بهدوء موجوع: تفتكر لو قتلتهم هترتاح؟
التفت له سليم بعينين حمراوين: محدش حاسس بيا ولا بالنار اللى جوايا، ماسة المرة دي متهددتش يا مصطفى… دي اتكسرت.
أخذ مصطفى خطوة للأمام، وصوته كان صادقا ومكسورا: أنا فاهم إن الموقف صعب ويكسر أي ست، بس الحمد لله عدى وأنت خلصته، وأهم حاجة دلوقتي هي في نظرك إيه… وفي نظري إيه.
صمت لحظة، ثم أكمل: اللي حصل لعبة وسخه وظلم، بس لازم تسأل نفسك سؤال واحد هل قتلهم هيطفي نارك؟ يمكن دلوقتي اه، بس بعد يومين هتقول يا ريتني ما عملت كده.
نظر إليه سليم في صمت، فتابع مصطفى: أنا مش فاهم الخطة اللي كنت ناوي تعملها عليهم، بس اللي حسيته إنكم كنتوا ناويين تعملوا فيهم نفس اللي كانوا بيعملوه فيكم.
تنهد بمرارة وتابع: أنا مش شرير ومبعرفش أفكر فكر انتقامي، بس لأول مرة أحس إن جوايا كره تجاه ناس بالشكل دى، لدرجه حاسس إن قتلهم مش كفاية ولا جلدهم حتي كفاية.
خفض صوته: حاسس إنهم لازم يشوفوا نفس الخوف، ويحسوا بنفس العار ونفس الظلم، ويتحطوا في موقف محدش يصدقهم فيه.
اقترب خطوة أخيرة: مكي كان بيوقفك مش علشان يحميهم، هو كان بيوقف شيطانك ونارك اللى مكانتش هتحرق غيرك.
خفض سليم رأسه ببطء، وصوته خرج مبحوحا: أنا عارف، ومش عارف قولت الكلام ده أزاي.
تنفس بعمق: بس يمكن اللي قولته كان اللحظة اللي فرقت وخلتني أتراجع عن اللي كنت ناوي أعمله.
تقدم مصطفى بخطوة هادئة، صوته منخفض لكنه ثابت، كأنه يمد له حبل نجاة: يمكن اللي حصل ده كان لازم يحصل، عشان تفوق من الجنان والغضب اللي كانوا مسيطرين عليك، اللي بينك وبين مكي أكبر بكتير من كلام اتقال في لحظة غضب، لو رُحتله وفهمته واعتذرت، كل حاجة ممكن تخلص.
تنفس بعمق قبل أن يكمل بنبرة فلسفية: وقت الغضب الواحد ممكن يقول كلام قاسي من غير ما يقصد، وأنا أصلا ضد جملة إن “الناس بتبان وقت غضبها” ومعاها في نفس الوقت.
نظر إليه وتابع: الكلام وقت العصبية بيطلع غصب عن الواحد وهو مش في وعيه، إنما الأفعال اللي بتيجي بعدها هي دي اللي نتحاسب عليها، لو مروحتش، أو مكي متفهمش، ساعتها بس الشك يبقى له معنى.
صمتت لحظة، ثم قال بنبرة أخطر: والأهم من كل ده، ماسة، هي محتاجلك دلوقتي أكتر من أي وقت تاني، لو صحيت وملقتكش جمبها الله أعلم ممكن يحصل فيها إيه؟! هي مكسورة وموجوعة ومحتاجة جوزها حبيبها، يقويها، ولو شافت في عينك إن اللي حصل أكبر منها وهزك هتفضل مكسورة.
ابتلع سليم ريقه بصعوبة، وصوته خرج مخنوقا: ما هو ده اللي كاسرني أنا كمان يا مصطفى، ده اللي مخليني عايز أحرق العالم كله، إني معرفتش أحمي مراتي منهم،
كنت فاكر نفسي قوي وجامد، وفاهم كل حاجة، بس طلعت غبي وطيشه، عروسة شطرنج كلهم بيلعبوا بيها.
انخفض صوته وتابعه بنبرة موجوعه: ومش فاهم ليه بيعملوا كده فيا، ليه كل الشر دى متوجه ليا !! أنا عمري ما فكرت أأذي حد فيهم!!
مرر يده على وجهه بعنف: لو كل ده كان فيا أنا، سمعتي، وشغلي، وحياتي كنت أستحمل، إنما ماسة؟
إيه ذنبها تدفع تمن إنها مرات سليم الراوي؟
أضاف بنبرة مليئه بالإنهزام والقهر بعينين تترقرق بدموع ترفض الهبوط: أنت مش هتفهم يعني إيه قهر راجل مش عارف يحمي مراته.
مد مصطفي يده وربت على كتفه بمواساه، وصوته خرج هادئا مليئ بالإحتواء: أنا حاسس بيك والله يا سليم، وفاهم اد ايه حاجه صعبة إن الأذيه تيجى لإنسان من أهله اللى المفروض أقرب ما ليه، بس صدقني الحل مش في قتلهم، القتل هيريحك لحظة وبعدها هتقول يا ريتني..
تابع بعقلانية: الانتقام الحقيقي إنك تخليهم يعيشوا نفس المأساة خطوة خطوة، مش تقتل نفس، ولا تشيل ذنب ناس ملهاش علاقة، اللي عمل كده هو اللي يدفع التمن وبس.
شد على كتفه بتنبيه: إوعى تحس إنك راجل ضعيف، اللي عملوا كده وخططوا لجريمه بالشكل دى هما اللي عالم خسيسة، مراتك من حقها تعيش وتخرج وتحيا حياة طبيعية.
حاول تهوين الامر عليه، قائلا: وأنت كمان مغلطتش، أنت بس كنت مش شايف الصورة كاملة، واديك بتصلح.
نظر له سليم طويلا وكأن حديث مصطفى لمس شيء بداخله، تنفس بعمق، ونظر له بتردد وكأنه يريد أن يسال عن شئ، ثم سأل بصوت منخفض: مصطفى… لما صحيت… هي كانت…؟
فهم مصطفي ما يريد قوله، فقاطعه بسرعة وحسم: أقسم بالله العظيم يا سليم عيني ما شافت منها حاجة، كنت مديها ضهري وأنا بساعدها تلبس، مسكت إيديها بس علشان كانت مش متزنة، وغطيتها وسترتها على أد ما أقدر.
رفع سليم عينه إليه بامتنان، وقال بنبرة محشرجه: أنا واثق فيك ومش أول مرة تسترهالي، أنا مديونلك بحياتي مرتين يا مصطفي.
ربت مصطفى على كتفه: ماسة أختي وأنت أخويا، والدكتور النفسي هيساعدها، وإن شاء الله هتعدي.
تنفس سليم بعمق، ثم قال بجدية: مصطفى أنا محتاجك تقعد معانا يومين في حاجة في دماغي، و
مش واثق غير فيك أنت ومكي وعشري، الرجالة اللي شغالين معايا ثقتي فيهم مش كاملة، فمعلش محتاجك تقعد معانا يومين، لازم أخبارك تتقطع شوية، ده جزء من الخطة.
مصطفى بعدم اقتناع: بس أنا لازم أبلغ أهلي هيقلقوا
ابتسم سليم بغموض: وده المطلوب، خليهم يقلقوا، وبعد يومين نقولهم أي حاجة.
هز مصطفى رأسه موافقا، فتابع سليم بجدية: هخلي سحر تجهزلك أوضه.
اومأ مصطفي: تمام.
ابتسم سليم بخفوت، وقال: طب أنا هطلع بقي علشان أطمن عليها، تصبح على خير.
مصطفي: وأنت بخير.
توقف سليم عند الباب، والتفت إليه مرة أخيرة: شكرا يا مصطفى مرة تانية.
ابتسم مصطفي واومأ برأسه دون كلمه، فبادله سليم ابتسامه خافته واستدار لكي يصعد لأعلي.
غرفة النوم
صعد سليم إلى الغرفة بعد أن ترك مصطفى في الاسفل.
كانت ماسة لا تزال غارقة في نوم ثقيل، وأثر الحقنة ما زال يقيد ملامحها بالهدوء القسري.
اقترب منها ببطء، كأن الأرض تحته قد تصبح فخا إن خطا بقسوة، وعيناه تمران على وجهها الشاحب الحزين على غير عادته، كأنهما تحاولان حفظه أو الاعتذار له.
شعر بطعنة حادة في صدره، مد وجهه بأسف غامر، وحزن مكتوم، وبندم يعرفه جيدا، فهو السبب في كل ما حدث لها، ولولا وجوده في حياتها، لما حدث كل هذا، وكأن ذنبها الوحيد في هذه الدنيا أنها أحبته وتزوجته، وعليها أن تدفع الضريبة كاملة.
مد يده المرتجفة، لكنه تردد قبل أن يلمسها كأن الذنب أثقل من أن يحتمل، انحنى قليلا، وانهمرت دموعه أخيرا.
رفع يده إلى فمه يكتم شهقة خرجت رغما عنه، وبكى كرجل مكسور سحقت قوته دفعة واحدة، منكشف الضعف، محطم أمام النهاية التي أوصلهم إليها.
جلس إلى جوارها، يتأملها طويلا، وكأنه يرى جريمته متجسدة في هدوء صدرها.
ربما كل ما فعله طوال عمره يعود الآن دفعة واحدة: تجارة حرام، دماء، استبداد، وها هو الثمن يدفع من أكثر نقطة تؤلمه.
همس لنفسه بصوت مكسور: هفضل لحد إمتى أدفع التمن بيكي؟ يعني الحل إني أبعد؟ أسيبك علشان تعيشي في أمان؟ هو ده الاختيار؟
نظر إليها مرة أخرى، ودموعه تنزلق على خده بلا مقاومة: لو ده التمن يا ماسة إنك تعيشي مرتاحة، من غير خوف هبعد، وهسيبك، حتى لو هدوس على قلبي مش مهم المهم، المهم إنك تكوني بخير، وهحميكي من بعيد لبعيد، مش هفضل معيشك في الوجع ده أكتر من كده… لازم حل.
اقترب أكثر، وقبل خدها قبلة خفيفة مرتعشة، ومسح على شعرها بحنان موجوع.
أسند جبينه إلى جبينها لحظة، يستنشق أنفاسها كأنه يتشبث بآخر خيط سلام يعرفه.
بقي على وضعه لدقائق، ليضم أوجاع قلبه المنكسر، ودموعه تنهمر بلا وعي، تسقط على وجنتيها كاعتراف متأخر.
تنهد بعمق، ثم طبع قبلة أخرى على كفها الصغير، ونهض بصمت.
توجه إلى خزانة الملابس، أخذ ثيابا عشوائية، ودخل الحمام، اغتسل سريعا، وكأن الماء لن يطهر ما داخله، ثم عاد إليها… وجدها لا تزالت نائمة.
رن هاتفه، نظر إليه، كان عشري: إيه يا عشري؟
جاءه صوت عشري منخفضا: دكتور ياسر جه
ضغط سليم على فكه وخرج صوته خشن غاضبا: لسه فاكر، قوله يمشي، نايمة دلوقتي، خليه يجيلها بكره.
ثم أنهى المكالمة.
وقف في منتصف الغرفة، صدره يعلو ويهبط، وغمغم بغضب مكبوت: انتم اللي صحيتوا الشخصيه دي من تاني، انا بقى هوريكم مين هو سليم الراوي.
التقط اللابتوب، وجلس إلى جوار ماسة، وضع السماعات في أذنيه، وعيناه رغم كل شيء لم تفارقها.
تنفس بعمق، ثم تمتم بمرارة: خلينا نشوف بقى بيقولوا إيه.
بدأ بتشغيل الملفات، تسجيلات صوتية ومرئية لميكروفونات القصر، كل ملف يحمل اسم المكان ورقم الغرفة.
حرك المؤشر بتردد: نبتدي منين… نبتدي منين؟
ثم حسم أمره: نبتدي من عند صافيناز وعماد.
ضغط.
الغرفة الآن فارغة.
رفع الفيديو قليلا، تنهد بضيق، ثم قال لنفسه: طب نشغل اللي حصل خلال اليوم.
بدأ الصوت.
المشهد الذي يراه سليم الآن:
كانت صافيناز جالسة بجوار عماد على الأريكة، تمسك سيجارتها، تنفث دخانها بابتسامة ممتلئة بالشماتة.
صافيناز بضحكة مستمتعة: مش قادرة أقولك يا عماد أنا مبسوطة ازاي، كان نفسي أشوف منظره وهو شايفاها قدام عينيه في حضن مصطفى.
عماد بهدوء حذر: بس كويس برضو إنك قلعتيها، فكرة حلوة، ثبتي عليهم التهمه، مش عارف كانت تايهه عن بالى ازاي؟!
صافيناز وهي تهز كتفها بلا مبالاة: أنا أصلا مبفهمش في حوارات القانون دي، لابسة ولا قالعة، بس حسيت إن دي هتكسر سليم أكتر..
صمتت لحظة، ثم مالت نحوه: بس قولي هو لما عرف؟ عمل إيه؟
عماد بابتسامة خبيثه: دلوقتي في القسم، وشايط على الآخر.
صافيناز بابتسامة مريبة: تفتكر هيقتلها؟
عماد بسخرية: لازم يقتلها اصله لو معملش كدة، يبقي أخوكي ده لمؤخذا..
ثم رفع اصابعه لأعلى كاشارة قرون وقحه وتابع: هيبقى يعني رافعهم!
صافيناز بثقة باردة: لا لا، أنا عارفة أخويا كويس، مبيتفاهمش في الموضوع ده.
كان سليم يستمع وعيناه تغرقان في سواد كثيف، قبض على كفه حتى احمر، وغرست أظافره في جلده، تاركة علامات دامية.
ضغط بقسوة على أسنانه، وكاد الغضب أن يفلت منه، لكنه أخذ نفسا عميقا، وأجبر نفسه على المتابعة.
صافيناز وهي تغير الموضوع: سيبك بقى من الحوار ده الشحنة هتوصل كمان تلات أيام، وأحنا محتاجينها اوي علشان نشتغل هتابعها ..
عماد بتاييد: أيوه، متقلقيش، بس أهم حاجة متنسيش تعمليلي التوكيل، علشان أعرف اشتغل على راحتي.
هزت رأسها بإيجاب: بكرة هروح الشهر العقاري وأعملك توكيل عام
ثم تابعت بتنبيه: بس خد بالك يا عماد، إحنا محتاجين ندخل الشحنه دى بسرعه من الجمارك، كلم الباشا خليه يشوف لك حد، علشان المصنع يشتغل، ونلحق السيزون، وننزل بخط الإنتاج الجديد.
عماد بثقة: متقلقيش.
ثم قال: تعالي نكلم الظابط نشوف عملوا إيه.
تتابعت التسجيلات…
كان سليم يسمع إلي حديث الظابط معهم، الذي كان يعرفه بالفعل، حتى خرجوا من الغرفه، اغلق المشهد وبدأ يفتح جميع الغرف ويبحث إلى أن توقف انتباهه عند مشهد آخر.
رأى هبة تدخل مكتب عزت متسلله تفتش فيه بعجلة، ضيق عينيه وهمس بسخرية قاتلة: بتدوري على إيه يا هبة؟ لو بتدوري على اللي في دماغي، تبقي غبية، مش مستخبي هنا..
صمت لحظة، ثم أكمل ببرود: بس عموما، هتنفعيني اوي يا هبوبة، وأنتِ مش واخدة بالك، بس أنتِ كده محتاجة حماية، شكلك غبية أوي.
تابع التسجيلات، حتى ظهر مقطع آخر لفايزة وهي في الصالون مع عماد وصافيناز في توقيت آخر.
فايزة بلهفة: عملتوا إيه؟
عماد: سليم خرجها، والظابط قالي إنه فضل يتحايل عليه يقفل الموضوع، علشان شكله ميبقاش وحش.
ضحكت فايزة ضحكة باردة: أيوه كده أخيرا..
صافيناز بارتياح: الحمدلله إن سليم صدق، واللعبة بقت في صالحنا..
تنهدت فايزة بسعادة خبيثة، وابتسامة ارتسمت على شفتيها وهي تقول: أخيرا خلصنا من الماسة.
اقتربت صافيناز من الطاولة، وأمسكت بزجاجة الخمر، وصبت الكأس ببطء متعمد، كأنها تستمتع بكل لحظة، ثم رفعت الكأس وقالت باحتفال مريض: خلينا بقى نحتفل، في صحة قتل ماسة، أخيرا خلصنا منها، ومبقيناش خايفين تحكي لسليم اللي عملناه فيها زمان.
ضحكت ضحكة قصيرة، ثم أضافت بتهكم: وحتى لو مقتلهاش اكيد هيوريها العذاب الون لفتره، ولو فكرت تفتح بوقها وتقوله حاجة؟ مش هيصدقها، دي جايبها من على السرير عريانة وهي في حضن واحد تاني.
أومأت فايزة برأسها موافقة، وعيناها تلمعان بالشر: عندك حق.
اقتربت الكؤوس من بعضها، وارتطمت في صوت خافت، كأنهم يعلنون انتصارهم، احتفال قذر بخطة أدنى من الخيانة.
في تلك اللحظة، اشتعل الغضب في عينا سليم، كأنه بركان على وشك الانفجار.
لو كانوا أمامه الآن، لما تردد لحظة، كان سيقتلهم بيديه، ويمزق صدورهم ويقتلع قلوبهم دون رحمة.
قبض على فكه بقوة، وأنفاسه تعلو وتهبط بعنف، يحاول جاهدا أن يتمالك نفسه قبل أن ينفلت.
مسح وجهه بيده الخشنة، وعيناه معلقتان بالشاشة بنظرة ممتلئة بالوعيد، ثم قال بصوت منخفض، ثقيل كالرصاص: والله العظيم لأبكيكم طول عمركم دم.
واصل البحث بعينين زائغتين من الغضب، لم يجد شيء آخر، وفي الوقت الحالي، الجميع كان نائما.
أغلق الحاسوب ببطء، كأنما يُغلق معه باب الرحمة.
التفت إلى ماسة، نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تشعل داخله كل شيء: الندم، الذنب، الغضب، والضجر، كل ما فعلوه معها خلال السنوات الماضية مر أمام عينيه كالسكاكين.
دمروا حياته، دمروا زوجته، عاش مغفلا كالأحمق، يظن نفسه فاهما وهو لم يكن يرى شيئا.
الغضب يتصاعد، والنيران تتكاثر.
نهض من مكانه وبدأ يتحرك ذهابا وإيابا في الغرفة، والنار تزداد اشتعالا داخله، كأن أحدهم يمسك مدقا مليئا بالمسامير ويهوي به على منتصف رأسه بلا رحمة.
الدق يزداد والصداع يفتك به، نيران تكفي لحرق غابات العالم، لتدمير كل شيء وتحويله إلى رماد.
فجأة توقف في المنتصف، وصرخ ضرخة واحدة مدوية، أجشة، خرجت من قلب رجل شعر أن العالم كله تآمر عليه.
أخذ نفسا عميقا، وضرب رأسه بكفيه، يحاول أن يمسك بأي فكرة، لابد أن يفعل شيئا، لابد أن يبدا بالانتقام لزوجته، لابد أن يشعرهم بالانكسار والرعب الذي طالها.
عندها تذكر كلام صافيناز عن الشحنة وأهميتها بالنسبة لها، تبدلت ملامحه ببطء، وتذكر أن أكثر ما يؤلم صافيناز والعائلة ليس الخوف، بل الأموال، والمشاريع، والخراب.
هز رأسه، وكأن الإجابة جاءت أخيرا، كانت الفكرة على مقاس غضبه تماما.
رفع هاتفه، وضغط على اسم واحد، لا يلجأ له سوي في المواقف الطارئة التي لا تقبل بالخطأ " عرفان "
رفع هاتفه وصوته خرج هادئا على غير العادة، هدوء يسبق العاصفة: ايوه يا عرفان، ايه اخبار الجماعة عندك تمام؟!
صمت لحظة يستمع لرده، ثم أكمل بنبرة محسوبة: تمام طب اسمعني كويس، علشان في شغل جاي ومحتاجه يتم بهدوء ومن غير غلط.
توقف قليلا، نظر إلى ماسة النائمة، ثم عاد صوته أثقل: عايزك تجيبلي كام واحد من بتوع الكيمياء وتخليه يجهز ماده تتحط على مواد كميائية للبشرة وتخليها غير صالحه للاستخدام بس ميكونش ليها ريحه ولا لون، ولما تتحط على المواد دي تسبب تشوهات وسرطانات على المدى البعيد.
ثم تابع بنظره انتقاميه ممزوجه بالدهاء والحده: وشوفلي كام واحده في أي مستشفى جلديه وشها خربان نعرف نشتريها بالفلوس وتنفذ اللى هنقولها عليه.
اتاه الصوت من الاتجاه الاخر: تمام يا باشا.
سليم بنبرة تأكيديه: عايز الناس دى تكون جاهزه في أقرب وقت يا عرفان.
صمت قليلا، ثم ضغط على أسنانه قبل أن يكمل مع بعينين تشتعل غضبا: وفي واحدة كدة إسمها عزيزه معرفش اي حاجه عنها غير الاسم وأنها قواده، هتلاقيها في قسم المعادي، عايزك تدخلي اثنين معاها في الحجز يدوها علقه موت ويظبطوها، ولما تخرج شوفلي اي عيل يرميلي على وشها الحلو ده ميه نار، عايز اي حد يبص في خلقتها يقرف.
ثم أضاف بنبرة معرفة بما سيحدث وقال: ولو لقيت حد قاطرها وقتلها ملكش دعوه سيبهم بس أنت هتبقى ورا اللي عمل ده شوف يمين وحكايته ايه وتيجي تقولي وحاول تمسك عليه دليل يدينه، تمام؟ تعرف تعمل ده ولا ايه؟!
عرفان ببساطه: اه سهله.
تابع سليم بابتسامة خبيثه: وكمان عايزك تزرعلي كاميرات فى شقه هبعتلك عنوانها، اهم حاجه اوضه النوم، عايز التصوير علي السرير فيها يبقى باين وواضح، فاهم، كل الكلام ده بقى يتحضرلي في يومين مش اكتر وانا هديك تفاصيل كل حاجه في وقتها مفهوم.
أجابه: مفهوم.
أغلق سليم الهاتف ببطء، وعيناه معلقتان في الفراغ بابتسامة باردة لا تشبه الفرح في شيء، ابتسامة رجل اتخذ قراره وأخيرا، وبدأ في الانتقام الذي سيشفي غليلة...
اقترب من ماسة حتى توقف أمامها وهو ينظر لها، وصوته خرج هامسا، كأنه قسم لا يتراجع عنه: والله لأجيبلك حقك منهم، واعيشهم نفس الاحساس اللى عشتيه.
أمعن النظر فيها، نظرة مليئة بالوجع والعهد في الوقت ذاته: اوعدك يا ماسة الأسبوع ده مش هيعدي، غير وحقك راجع، وبنفس الطريقه، وهتشوفي سليم هيعمل إيه علشانك.
وضع اللابتوب على الكومودينو، وفوقه هاتفه، ثم تمدد بجوارها، نام على جانبه في زاويتها، وظل يتأملها بصمت، مرر عينيه على ملامحها، مد يده وأزاح خصلة شعر عن وجهها، وبقي ينظر إليها وكأنه يعتذر لها عن كل ما مرت به.
لم يلبث طويلا حتى غرق هو الآخر في نوم عميق، ساكن
منزل القلج، 10:00 مساءً
غرفة جنة
كانت جنة مستلقية على الفراش، وجهها شاحب كالرماد، وتنفسها ثقيل ومتقطع، كل حركة صغيرة منها كانت تعبّر عن معاناة جسدها المنهك، وسعالها المتواصل لم يترك لها لحظة راحة، عيونها شبه مغمضة من التعب، ويبدو أن حرارتها مرتفعه للغاية.
جلست إسعاد بجوارها تمسك يدها الصغيرة، بينما كانت رحمة تحضر الحقنة الأخيرة، ووجهها يحمل القلق والحذر معا.
رحمة بصوت هادئ وحازم: يلا يا حبيبتي، دي هتساعدك تبقي أحسن.
رفعت جنة يدها على وجهها، ولمعت الدموع في عينيها، وحركت رأسها بنعاس ورفض: مش عايزة حقنه، والنبي يا تيتا مش عايزة.
أمسكت إسعاد كتفها برفق: معلش يا حبيبتي، علشان تبقي أحسن وتخفي.
امسكتها إسعاد بقوة، ونظرا لتعبها الشديد لم تستطع جنة المقاومة.
اعطتها رحمة الحقنة ببطء، فارتعشت جنة من الألم، وبدأت دموعها تنساب بغزارة، لم تستطع التحرك، فصرخت بصوت مخنوقة: اااه، والله هخاصمكم يوم ويوم
امسكت إسعاد يدها الصغيرة أكثر، محاولة أن تمنحها بعض الراحة: معلش يا حبيبتي، علشان تبقي حلوه وترجعي تلعبي.
جلست رحمة بجانبها، وقالت بحزم حنون وهي تمسك الترمومتر بيدها: يلا افتحي بوقك يا جنة…
وضعت الترمومتر بفمها، وبعد قليل نظرت إلى الرقم، فوجدت الحرارة لا تزال مرتفعه: لسه حرارتها عالية، بس إن شاء الله مع الإبرة والكمادات هتبقي كويسة، بس لو مخفتش وديها لدكتور يشوف عندها ايه، دى بقالها يومين على الحال دى !!
قالت إسعاد بهدوء، وهي ما زالت تنظر إلى جنة الممددة على الفراش: مش مستاهله دكتور، دول شويه برد وكحه، وأصلا الجو وحش اليومين دول وكل العيال واخده الدور دى، إن شاء الله مع الدوا وشويه الينسون هتبقي زى الفل.
ثم نهضت ببطء وأضافت: أنا هقوم أعمل لها كوبايه ينسون اشربهالها دافيه كده، لحد ما اسويلها الفرخه واعملها جمبها شوربة خضار.
نظرت إليها رحمة تسألت باستغراب: هو رشدي مش سايب معاكي فلوس كفاية ولا إيه؟
ردت إسعاد بثقة متعبة: معايا يمشينا لحد آخر الشهر علشان كدة بقول نستنى بس يومين كده.
صمتت رحمة لحظة، ثم أومأت برأسها: ماشي خليكي أنتِ، أنا هروح أعملها الينسون، والشوربة.
خرجت رحمه بينما التفتت إسعاد نحو جنة، وانحنت قليلا نحوها، فلانت ملامحها وهي تضع يدها على شعرها المبتل بالعرق: سلامتك يا حبيبتي، ربنا يشفيكي يا رب.
لكنها لم ترد، فقط تنفسها الثقيل ارتفع وانخفض ببطء، وجسدها الصغير استسلم للتعب.
فيلا سليم وماسة، 2:00 بعد منتصف الليل.
كانت الغرفة يعمها السكون، وفجأة بدأت عينا ماسة تتحركان، وهي تحلم بكل شيء يعود مرة أخرى.
اخذت تحرك رأسها يمينا ويسارا، وهي تتمتم: معلمتش حاجه، أنا مظلومة، متعملش فيا كده حرام عليك، معملتش حاجه.
بدأت دموعها بالهطول وهي لا تزال مغمضه عينيها وتهز رأسها نافيا مرارا، وصوت تمتمتها بات يعلو شيئا فشيئا.
تسلل صوتها المذعور إلي أذني سليم، استيقظ مذعورا، اعتدل في جلسته، فتح الأباجورة سريعا، ثم مد ذراعيه وأحاطها، وبيده الأخرى أخذ يمسح على شعرها ثم على وجهها: في إيه؟ اهدى، بس يا عشقي أنتِ بتحلمي..
ولكن صوته الحنون لم يصل إلي عقلها المرتعب في الحلم الذي يراه، فتحولت تمتمتها إلي صرخات مفزوعه، فما كان من سليم إلا محاولة إيقاظها.
سليم بخوف: ماسة، اصحي يا حببتى أنتِ بتحلمي.
وفجأة فتحت عيناها وانتفضت تصرخ بفزع، وهي تهتف بأسمه كنداء استغاثة: اااه سليييييييم.
احاطها بذراعيه، وقال بنبرة حنونه متلهفه: أيوه يا حببتى أنا جمبك أهو، أهدي أنتِ بتحلمي.
تشبثت به، وانكمشت داخل أحضانه، تبكي بحرقة، وجسدها يهتز، كلماتها تتعثر، فضمها اليه أكثر: بس يا حبيبتي، بس خلاص أنا جنبك.
التفت سريعا، والتقط كوب الماء وقدمه لها: اشربي.
اخذت تحتسي الماء بارتجاف واصابعها تهتز فوق يده، كان قلبه ينقبض وهو يراها تتصارع مع البكاء، ومجرد ما انتهت، تشبثت به مرة أخري بقوة، وغرست أظافرها في جلده وهي تصرخ بفزع راجي: متسيبنيش يا سليم، علشان خاطري متسيبنيش، خليك جنبي، أنا خايفة.
نظر إليها بابتسامة دافئة، ومسح على شعرها ثم على خديها بحنان: أنا جنبك يا حبيبتي… جنبك يا عشقي، مستحيل أسيبك، أنا أهو.
قالت وهي تنتحب: متخليهمش ياخدوني يا سليم… أنا معملتش حاجة، والله.
اومأ برأسه بعينين اغرورقت بدموع الوجع لوجعها: أنا عارف، ومحدش يقدر ياخدك مني، أنا جنبك، متخافيش، تعالي في حضني.
سحبها إلى صدره وأحاطها بذراعيه، ووضع قبله طويله على جبينها، كف يربت على ظهرها، والآخر يستقر على رأسها، بينما هي كانت تضم نفسها إليه وترتجف، كأنها سقطت في بحيرة من ثلج.
دموعها تنهمر، وأنفاسها متقطعة، فقال سليم كمحاولة لتهدئتها: هشش… بس اهدى، أنا جنبك، متخافيش… هشش.
نظرت إليه بعينين متوسلتين: بجد مش هتمشي؟
نظر لها داخل عينيها بتأكيد، وهو يمرر يده على وجهها بثقة وطمأنينة: مش همشي… مش همشي، هفضل صاحي جنبك، مش هنام.
همست أخيرا باستسلام: ماشي…
وظل هكذا، يضمها بشدة، وهو الآخر يحتضنها كأنه يزرعها داخله، شفتيه استقرتا على رأسها، يحاول تهدئدتها لا كزوج، بل كمن يحتضن طفلة رضيعة، يحاول أن يحميها من العالم كله.
بقيت ترتجف لوقت طويل، ثم هدأت أنفاسها شيئا فشيئا، وعادت إلى نوم ثقيل.
أما سليم… فبقي مستيقظا، عيناه مفتوحتان في العتمة كما وعدها، وكأنه يحرس نومها، أو ينتظر الفجر ليبدأ حربه من أجلها.
12:00 ظهرا بتوقيت المالديف.
كانت مي تجلس في الشرفة أمام البحر، تحدق في الأفق الواسع، حيث تمتد الزرقة بلا نهاية، والنسيم خفيف يلامس وجهها، لكن يديها كانتا مستقرتين على معدتها كأنها تحاول تهدئة وجع عنيد.
تمتمت بضيق مكتوم: هموت وأعرف بيقعد ساعة بيعمل إيه في الحمام… أوف.
نهضت من مكانها واتجهت نحوه، ثم طرقت الباب بعصبية: رشدي! بتعمل إيه كل ده في الحمام؟ بتولد!
جاءها صوته من أسفل الدش: لمي نفسك يا مشمش وبلاش طولة لسان، عايزة مني إيه؟ ما تسبيني براحتي.
ردت بضجر: هكون عايزة ايه يعنى! عايزه أخش الحمام! مش معقول ساعة كاملة بتستحمى!
ردت مستنكرا: طب ما تدخلى الحمام التانى، بتعكري مزاجي ليه؟ دى أنتِ غريبه جدا.
ردت بتزمر: لا، أنا بحب الحمام بتاعي.
تنهد حاول أخذها على قد عقلها: معلش روحي التاني، دى حلو وأمور وهواه بحري.
ثم صمت قليلا وقال بوقاحه: أو ادخلي دى وأنا جوه.
اتسعت عيناها وصرخت بحدة: أدخل إزاي يعني يا قليل الأدب!
ضحك بخفة مستفزة: عادي، يعني مفيش حاجة جديدة هتشوفيها ولا أنا هشوفها.
صاحت به: والله أنت سافل وقليل الأدب! كمل ولاده في الحمام يا رشدي.
ثم تحركت وهي تدبدب في الأرض بتذمر وضجر، ودخلت الحمام الآخر.
وبعد أن انتهت، وقفت أمام الحوض تغسل يديها، وحين رفعت رأسها لاحظت أن الدرفة العلوية للخزانة مفتوحة، همت لتغلقها ولكن تعلقت عيناها بزجاجة دواء صغيرة، توقفت والتقطتها، وقرأت الملصق، فوجدته دواء للمعدة.
زمت شفتيها باستغراب: رشدي جايب دوا معدة ليه؟
ثم هزت كتفيها بلا اهتمام: يلا مش مهم، والله شطور يا رشدي إنك جبته، قلبك حاسس إن بطننا هتوجعنا من العك اللى بناكله هنا.
أخذت العلبه وخرجت تبحث عن ملعقه، ثم فتحت علبة الدواء لتأخذ منها علها تهدئ الوجع، لكن عندما فتحتها لم تجد بداخلها سائل، بل وجدت مسحوقا أبيض ناعما، تجمدت ملامحها لحظه!
فهذه لم تكن زجاجة دواء، بل كان الكوكايين الذي أخفاه رشدي ووضعه فيها.
قطبت حاجبيها، تقلب الزجاجة، وتنظر إليها بتركيز، لم تفهم وظنت أنها من النوع الذي يتحلل بالماء، دخلت تبحث عنه فلم تجده.
تنفخت باختناق ثم قامت بلاتصال بااروم سيرفس لطلب ماء مقطر تحل به الدواء لتسطيع تناوله..
داخل الحمام، كان صوت المياه يتدفق ورشدي ما زال مستمتعا بأخذ حمامه، وهو يدندن بعض الأغاني التى تروق له.
بعد دقائق، طرق الباب، وجاء احد الاشخاص ومعه ماطلبت، شكرته بهدوء، وأغلقت الباب خلفه، ثم عادت إلى الطاولة، وضعت الماء داخل الزجاجة، رجت ثم رجت، ثم سكبت القليل من المسحوق في ملعقة رفعت الملعقة إلي فهما…