
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والعشرون 26 بقلم ليله عادل
{ ما كنت قاسيا، كنت فقط أتعلم كيف أقاوم انكساري في حياة لا تبقي الطيبين كما هم؛ حياة تعصر القلب حتى يتصلب ليبقى، ولأنكِ لم تكوني أمرا عاديا بالنسبة لي، صرتِ ملجئي حين ضاق صدري، واليد التي أمسكت بي كلما أفلت من نفسي، ونقطة قوتي الوحيدة في زمن كان ينتزع مني معنى القوة. }
ليلةعادل✍️🌹
الفصل السادس والعشرين🤫❤️
[بعنوان: خفقات]
رفعت مي الملعقة إلى فمها، كادت أن تبتلع ما فيها،
وفجأة دخل رشدي إلى الغرفة وهو يجفف شعره بالمنشفة، وما إن وقعت عيناه على زجاجة الدواء التي بين يديها حتي اتسعت عيناه بصدمة، وصاح بحدة، وهو يدق الأرض بقدميه بعصبية جعلت جسدها يهتز: مي!
انتفضت على صوته، فوقعت الزجاجة من بين يدها، فتبعثر بعض منها على ملابسها والبعض الآخر على الأرض، و نظرت إليه بخضة: في إيه يا رشدي؟ أنت مجنون؟ في حد يكلم حد كدة؟! خضتني!!
لكنه لم يهتم لحديثها، وحينما وقعت عيناه على بقع الدواء الملطخة بثوبها وعلى الأرض، اشتعل غضبه أكثر، وقال بحدة وأنفاس متسارع، وعيناه يشتعل فيهما القلق: بتعملي إيه؟
ردت وهي تمسح المسحوق عن ثيابها بإرتباك: بطني وجعاني، وكنت باخد دوا.
قال بضجر من بين أسنانه: وتاخدي ليه؟ أنتِ متخلفة؟ أي حاجة تشوفيها تاخديها وخلاص؟
مد يده وخبط رأسها بخفة غاضبة: مفيش مخ!
اتسعت عيناها، وصاحت به مندهشة: أنت بتزعقلي ليه؟ أنا عايزة أفهم!
رد من بين أسنانه، والغضب مكتوم في صوته: علشان أنتِ بتفوري الدم! تاخدي دوا متعرفيهوش ليه؟
سألته بتلقائية بريئة: هو مش بتاعك؟
تنفس بإختناق، ورد باستهجان: لا مش بتاعي!
ضغطت على شفتيها السفلى بصدمة: بتتكلم جد؟!
هز رأسه بضجر: أيوه، هو أنتِ شوفتيني جبت دوا قصادك؟
تبسمت ابتسامة بلهاء، مرتبكة: آه صح، بس هو أزاي هنا في الحمام بتاعك، أنا افتكرته بتاعك؟!
مسح فمه محاولا أن يهدأ، فقد كان خوفه عليها هو المسيطر عليه، لا غضبه: يمكن حد نسيه هنا من اللى كانوا قبلنا، وأنا مهتمتش أرميه.
صمت قليلا، ثم تساءل ليفهم كيف جعلت البودرة سائل: وبعدين أزاي كنتي هتشربيه أصلا؟ ده بودرة!
ردت موضحة بتلقائية، ولم تنتبه لمعرفته بمحتوي العبوة رغم رفضه أنها تخصه: اشتريت مايه مقطرة…
نفخ بضيق واختناق: كمان يا مي! أعقلي! مش كل حاجة نشوفها ناخدها.
خفضت رأسها، وقالت بصوت خافت، شبه مكسور: بطني كانت وجعاني أوي يا رشدي.
مسح طرف عينه، ثم قال بنبرة أهدأ: برضو، كنتي قوليلي، افرضي كان بايظ ولا حاجة مضرة؟
رفعت رأسها قليلا: عندك حق، طب روح هاتلي دوا، علشان بطني وجعاني.
هز رأسه بالإيجاب: طيب، هغير هدومي وأروح.
ثم أضاف محذرا: ولو شوفتي أي حاجة بعد كده، متاخديهاش من غير ما تسأليني، فاهمة؟!
تمتمت بضيق: على فكرة أنت عمال تزعقلي من الصبح وأنا ساكتالك.
رد وهو يتحرك مبتعدا: علشان أنتِ مستفزة!
قالت وهي تلوح بيدها بملل: خلاص بقى، يلا روح مش قادرة.
ثم تابعت بتهكم: وبعدين متقعدش تستحمي ساعة في الحمام بعد كده، النظافة حلوة ومفيش مشكلة، بس أنت بتستحمى كتير أوى وبتقعد أكتر!!
ثم دبدبت قدميها في الأرض بغضب طفولي: ومتستخدمش الحمام بتاعي تانى، لو هتدخل تبات كل مره فيه كده!
ضحك بخفة رغما عنه وهو يرد: فايزة معودانا من وإحنا صغيرين؟ نخش ناخد شاور قبل ما ننام؟ وأول مانصحى، وأول ما نرجع من مشوار، عايزاني أبقى معفن يعني؟
رفعت حاجبها بسخرية: ياعم لا، بس أنت بتقعد كتير، وبتقعد تغني، وصوتك وحش بصراحة.
وقف أمامها وقال بنبرة مصطنعة للجدية: لما أجي هنبقي نتكلم في الموضوع ده، أقعدي مؤدبة، أنا مش جايب بنت أختي الصغيرة، متلعبيش في حاجة.
ضحكت وضربته على كتفه بخفة: خلاص بقى، يلا روح.
ثم أضافت بإبتسامة دافئة: هكلم بابا على ما تيجي، علشان وحشني.
مال عليها، وقبل خدها سريعا: ماشي.
ثم اتجه إلي الحجرة لتبديل ملابسه، وقلبه يخفق وهو يحمد الله بداخله أن الأمر مر بسلام، كان يخشى أن تكون قد تناولت ذلك المخدر، فهذه الفكرة كانت كفيلة بأن تجمد الدم في عروقه.
الآن عليه أن يفكر بهدوء: كيف يخفيه؟ وأين؟ وبطريقة أخرى أكثر أمانا.
في الجهة المقابلة، عادت مي وجلست في الشرفة، تحاول الاتصال بوالدها.
مرة… ثم ثانية… ولا رد.
تسلل الاستغراب إلى قلبها، لكنها أقنعت نفسها سريعا:
لا بد أنه في العمل.
❤️____________________ليلةعادل
فيلا سليم وماسة، 9:00 صباحا.
في صباح جديد، تسللت أشعة الشمس إلى الغرفة كأنها تعد بيوم مختلف … لكن هل هو يوم سعيد؟ أم مجرد امتداد لأيام مثقلة بالخوف والوجع؟
كان سليم مستلقيا على ظهره، الوسادة خلف رأسه، عيناه مفتوحتان تحدقان في الفراغ بشرود ثقيل.
بينما ماسة كانت نائمة فوق صدره، رأسها مستقر بين ذراعيه اللتين أحاطتا بها كما تضم الأم طفلها إلى صدرها.
كان يبدو علي سليم الإرهاق بوضوح؛ فقد رأى ليلة في منتهى الصعوبة.
وفي حقيقة الأمر لم تكن ليلة واحدة، بل أيام منذ انكشاف الحقيقة، لكن ليلة الأمس كانت الأقسى، والأصعب على الإطلاق.
لم يذق طعم النوم لوهلة، وكما وعدها ظل مستقيظت بجانبها، لم يتركها لحظة، كأن وجوده وحده هو الحاجز الأخير بينها وبين خوفها.
مرت دقائق قليلة، وبدأت جفونها ترتعش، انتبه لها سليم، ومسح خدها برفق، كأنه يبعث إليها الطمأنينة.
بدأت أن تتحرك جفونها بسرعة، يبدو أنها كانت تحلم بكابوس، وفجأة انتفضت، وفتحت عينيها بفزع، وهتفت باسمه: سليم!
ابتسم فورا، تلك الابتسامة التي تمنح الأمان والراحة، ومد يده يربت على وجنتيها: إيه يا حبيبتي؟ أهدي، أنا جنبك أهو، صباح الخير يا ماستي الحلوة.
اتسعت عيناها، وارتمت في حضنه، وجسدها يرتجف قليلا، فمسح على شعرها وظهرها بحنان، يفهم شعورها دون كلمات.
أخرج نفسا عميقا، وحاول أن يبدو ثابتا، رغم الألم والوجع والانفجار داخله.. لكي لا تشعر بألمه
أبعدها قليلا وهو يضم كتفيها بكفيه، ونظر في ملامحها بإبتسامة: مالك؟ أنا جنبك أهو.
ردت بصوت مبحوح: كنت بحلم، حلم وحش أوي، كابوس فظيع.
مسح على شعرها، اقترب، ووضع قبلة طويلة على عينيها، ثم ابتعد قليلا وجبينه كاد يلمس جبينها، ثم قال بحنان: أنا جنبك أهو، متخافيش يا روحي.
داعب أنفها بأنفه وهو يقول بمزاح محبب: ينفع تخافي وسلومتك جنبك!! مش واثقة فيا ولا إيه؟
رفعت عينيها إليه، وصوتها خرج مرتجفا كحال جسدها بين يديه: بثق فيك، بس أنا موجوعة أوي.
رد بمداعبة محاولا التخفيف عنها: هننسى سوا، وبعدين إيه إللي حصل يعني؟ مش أنتِ مش كان نفسك تعيشي جو أكشن زى الأفلام؟
مسحت دموعها بسرعة، وقالت بنبرة منكسرة: بس ده مش أكشن يا سليم، ده…
قاطعها بلطف حاسم: ده ولا حاجة، الموقف خلاص خلص وعدى...
ثم تابع بنبرة مشوبة بالحماس: أنا هخلي سحر تعملك فطار حلو، يلا قومي خدي شاور.
كاد أن ينهض، لكنها تشبثت به فجأة، واتسعت عيناها بقلق: رايح فين؟
أجابها بهدوء موضحا: هدخل التويلت، وهكلم سحر تعملك فطار، وأطلعلك هدوم تلبسيها علشان تاخدي شاور أنتِ كمان.
هزّت رأسها برفض واضح: لا، متسيبنيش لوحدي، خدني معاك الحمام.
نظر إليها باستغراب: اخدك معايا التويلت إزاي يعني يا قطعة السكر؟
أجابت بسرعة، وكأنها تخشى أن يبتعد: زي الناس، يعني هتتكسف مني؟
ابتسم ابتسامة خفيفة مطمئنة: لا، مش هتكسف منك، بس أنا جنبك، مش رايح في حتة.
تشبثت به أكثر، وقالت بتوسل من بين دموعها: متسيبنيش والنبي يا سليم، متسيبنيش لوحدي، خدني معاك.
نظر إليها طويلا، عيناه تتبع كل ارتعاشة في جسدها، كل خفقة قلب، وكل لمحة خوف تتسلل في عينيها، كانت عيناها تعكس كل شيء وتترجاه بصمت ألا يتركها بمفردها...
فاقترب منها ببطء، وأعاد شعرها خلف أذنها، وضمها بقوة، كأن بحضنه يستطيع أن يأخذ كل خوفها بعيدا عنها.
أما هي فكانت ضعيفة، ومكسورة، وخائفة، لكنه عاهد نفسه أن يكون لها ملاذا يحميها من كل شيء، حتى لو كان العالم كله ضدها.
أبعدها هو يتنهد، ثم أومأ برأسه موافقا: ماشي يا ماسة، حاضر.
تحركت معه وهي لا تزال متعلقة به، اتصل بسحر وطلب منها تجهيز الفطار، ثم دخلا الحمام معا.
قال بهدوء: أنا هخليكي تاخدي شاور الأول، ماشي؟
هزت رأسها بطفولة ومازالت تمسك بكتفه: ماشي.
بدأ يساعدها بهدوء بخلع ملابسها، والماء يتدفق في البانيو.
كانت تمسك بذراعه بقوة، كأنها تخشى إن تركته لحظة يختفي، تشعر أنه أمانها الوحيد، وأن ابتعاده عنها لوهلة قد يجلب لها مكروها..
أخذ يحممها بيديه بحنان بالغ، حذرا، كأنها شيء ثمين يخشى أن ينكسر بين يديه.
وحين انتهى، ألبسها ملابسها بهدوء، ثم أخرجها إلى الغرفة، دون أن يبتعد عنها خطوة.
خلع التيشيرت المبتل، وقال: هغير لبسي، وهخش التويلت ثواني وجايلك.
رفعت عينيها بضعف: هاجي معاك.
ارتسمت إبتسامة صغيرة على شفتيه، ومسح على شعرها، ثم أمسك بكفها بين كفيه: عشقي أنا معاكي مش هقفل الباب.
انتصبت في وقفتها أمامه وصاحت بإعتراض: هو أنت ليه مش عايز تاخدني معاك؟
رد عليها بضجر خفيف: مش قصة مش عايز، بس يعني..
ردت بضجر: بس إيه يا سليم..
رمشت بعينيها، فشعر بثقل ما تمر به، وأن خوفها لن يمر بسهوله هذه المره، فزفر وقال معلقا: الموضوع كده بقى صعب فعلا…
التفت وأخذ هاتفه من على الكومودينو، واتصل بياسر: أيوه يا دكتور، أنا عايزه تجيلي الفيلا تعالي فورا، ماسة تعبانة، متتأخرش فاهم.
أغلق الهاتف، فنظرت إليه بإعتراض: أنا مش تعبانة.
رد عليها بنبرة قاطعة: الدكتور هو إللي يحدد مش إحنا، وأنا كمان محتاج أطمن، يلا خلينا ندخل الحمام..
توقفت مكانها متأثرة من طريقته، كطفلة منزعجة من والدها؛ لأنه لم يفهم ما تمر به، ظنت أنه منزعج من التصاقها به... فقالت بنبرة باكية محاولة التبرير: والله العظيم مش قصدي أضايقك يا سليم، بس غصب عني خايفة..
تنهد بابتسامه حزينة والدموع تلمع في عينيه، أخذها بين أحضانه، فهو لم يكن منزعجا من التصاقها به، بل كان حزينا لأجلها، ويستصعب قليلا أن يقضي حاجته أمامها.
قال موضحا بابتسامة: أنا مش مضايق يا قطعة السكر، بس كنت مكسوف شوية صغيرين، بس خلاص تعالي معايا.
ابتسمت كطفلة وتحركت معه، وبقيت تنتظره حتى انتهى، ثم استحم وارتدى ملابسه، وخرج معها إلى الخارج.
قال سليم بهدوء: يلا يا قطعة السكر، ننزل تحت نفطر.
نظرت إليه بضعف، عيناها متعلقتان بملامحه كأنها تستمد الأمان منها، ثم هزت رأسها نفيا ببطء: لأ، خلينا نفطر هنا، مش عايزة أنزل تحت.
قطّب جبينه، واقترب منها خطوة: ليه مش عايزة تنزلي؟ تعالي نفطر على النيل، الجو حلو وأنا أهو معاكي.
رفعت عينيها وقالت بتساؤل موجوع: هو أنتِ مش كنت زمان بتقولي متروحيش في حتة، وأقعدي هنا، وكنت بتتخناق معايا.
تنفس بعمق، وابتسامة شاحبة مرت على شفتيه: آه، كنت مجنون، واتعالجت.
هزت رأسها بنفي وهي تمد وجهها، جلست على الفراش: أنتِ مكنتش مجنون.
رفعت رأسها تنظر في عينيه، وصوتها خرج مكسورا: أنت كنت صح، أنا إللي كنت غبية، ومش فاهمة.
كانت كلماتها تتدفق كأنها اعتراف متأخر، ارتسمت على شفتيها نصف إبتسامة بخذل: كنت دايما تقولي إن الدنيا بره الحدود إللي أنت عاملها ليا وحشة ومخادعة، وأنا كنت عاملة نفسي جامدة، بش طلعت أضعف بكتير من اللي كنت متصورة وغبية..
صمتت لحظة، ودموعها لمعت في عينيها، ثم انفجرت الكلمات من صدرها: فاكر لما كنت بتقولي الحياة مش فستان كله ورد وفراشات، الحياة مخالب!؟ كنت فاكرة ده كلام أفلام وروايات، وإنك مزودها، طلعت الحقيقة أبشع.
شدت الغطاء حول نفسها بلا وعي، وهي تهز رأسها برفض: أنا مش عايزة أخرج من هنا تاني، أنت عندك حق، أنا هفضل هنا.
تسارع تنفسها: أنا مش عارفة المرة الجاية ممكن يعملوا فيا إيه، ولا يهددوني بمين؟ ولا هيضربوا مين بالعربية؟ ولا هيسمموا مين؟
صوتها انهار: دول خطفوني يا سليم وحطوني جنب مصطفى، المرة الجاية الله أعلم ممكن يعملوا إيه،؟!
قاطعها سليم بحسم، الذي كان يستمع لها بعينين تلمع بالدموع والحزن، جلس أمامها ومسك يديها بقوة قال: مفيش مرة جاية.
هزت رأسها بإصرار: وعلشان ميبقاش فيه مرة جاية، أنا مينفعش أخرج من هنا...
استوحشت نظراته، ضم وجهها بين كفيه، وقرب وجهه من وجهها حتى الالتصاق، حدق في عينيها بنظرات حادة، وقال: ماسة، بتثقي فيا ولا لا؟ ردي عليا.
ردت بصوت مرتجف: بثق فيك والله.
قال بغضب، وعيناه تشتعلان نارا: يبقى خلاص، متعمليش كده، أنتِ متعرفيش أنتِ بتولعي نار في قلبي أزاي بعمايلك دى، أنا إمبارح مسكت رشاش، وكنت هقتلهم ، واتخانقت مع مكي واتهمته إنه خاني..
أضاف بنبرة مقهورة بعينين تترقرق بدموع: عارف إن إللي حصلك كبير ومش بسيط، ويكسر القلب، بس أنا أهو جنبك..
ثم تابع بوعد: والله ماهيعدي الأسبوع ده إلا وحقك متاخد قدام عنيكي، فاهمة؟
تابع برجاء رجل مقهور: بس متكسرنيش بنظراتك دي يا ماسة أرجوكي، حقك هيجي وإلا مستاهلش اكون جوزك، ولا استاهل إني أكون راجل من الأساس.
كانت تنظر إليه والدموع تملأ عينيها بضعف، ولكنها هزت رأسها عدة مرات بالإيجاب.
أمسك رأسها وأخذها بين أحضانه، وظل هكذا لدقائق يضمان بعضمها بشدة، وكأنها يأخذان من بعضهما الطمأنينة والقوة..
ابتعدت ماسة بعدها، ومسحت دموعها التي أغرقت وجهها.
ثم رفعت عينيها إليه بتردد: سليم، أنت سألت مصطفى؟ سألته يعني عن إللي حصل؟
تجمد للحظة، وكأن السؤال أصابه في مقتل: مش فاهم؟ اسأله عن ايه؟!
ابتلعت ريقها، وتابعت بصوت مرتجف: أنا لما صحيت من النوم، لقيته جنبي، كان بيحاول يصحيني..
خفضت عينيها خجلا وألما: أنا مكنتش لابسة الفستان يا سليم..
رفعت رأسها فجأة: وبعدين أنت عرفت مكانا منين أصلا؟
صمت ولم يعرف ماذا يقول، لم يرد أن يخبرها بالصور حتى لا يزيد من الطين بلة ويزيد عليها الامر، فقال بتردد وارتباك: بعتولي رسايل بيقولوا إنك بتخونيني مع مصطفى، وبعتوا اللوكيشن، ورسالة مكتوبة كأنها بينك وبينه، واضح إنهم كتبوا كل ده بعد ما خدروكي وخطفوكي، بس أنا مصدقتش، وفهمت علطول إن فيه حاجة غلط..
سألت بسرعة، بعينين متسعتين: طب هو كان نايم فين، قالك إيه بالظبط؟!
تنفس ببطء كاذب: هو قال إنه كان بعيد على الكنبة..
هزت رأسها بعدم تصديق، وصوتها خرج مشوشا: كنبة؟
اضطرب تنفسها وتابعت: أنا صحيت لقيت نفسي لابسة اللبس الداخلي بس، ومتغطية بالبطانية، هو كان بيحاول يصحيني، وبعدين ساعدني ألبس الفستان، وفجأة البوليس جه، أنا مش فاهمة إزاي قلبهم جابهم يعملوا كدة...
مسح على يدها برفق وقال بخفة: بلاش نتكلم في الموضوع تاني.
ثم تابع بابتسامة صغيرة محاولا تغير الموضوع وتهوين الأمر عليها: بقولك ايه أنا جعان أوي ومأكلتش من امبارح، فـ يلا بينا نفطر بدل ما أكلك..
ثم مد يده وبدأ يدغدغها في جانبها، حاولت إبعاد يده، وهي تقول بحزن وإرهاق: بس يا سليم، مش قادرة.
ابتسم قائلا: طيب، هننزل نأكل تحت؟
ردت بضعف: لا، خلينا هنا، معلش وحياتي.
تنهد، وهز وجهه بأسف، لم يكن يريد أن يثقل عليها، وبالفعل تناول الفطار معها بعد أن أحضرته سحر.
سألها سليم: جبتي الفطار لدكتور مصطفى؟
هزت سحر رأسها: لسه.
نظرت له ماسة معلقة: هو مصطفي لسه هنا؟
أجابها سليم: هفهمك بعدين..
ثم نظر لسحر قائلا: طيب يا سحر، لما يصحي خدي بالك منه وشوفي طلباته، ولما الدكتور ياسر ييجي، عرفيني.
اومأت برأسها، ثم تحركت مبتعدة بخفة، بينما التفتت ماسة إلى سليم بعينين متسعتين، وسألته باستغراب: مصطفى بيعمل إيه هنا؟
رفع رأسه وهو يلتقط رشفة ماء من كوبه، ثم أجاب بهدوء: مفيش، محتاجه في حاجة كدة، بس محتاج أظبطها صح، وبعدين هفهمك.
سرحت ماسة قليلا، فانتبه لها، ونهض من مكانه وجلس بجانبها، نظراته مليئة بالحنان والاهتمام: مبتاكليش ليه؟ يلا هأكلك بإيدي.
تنهدت بتعب وتساءلت: هو لو أنا قولتلك مليش نفسي هتسيبني؟
هز رأسه فورا دون تردد: أكيد لا، يلا..
ومع تلك الكلمات بدأ يطعمها بعناية ودلال، وكل حركة منه تحمل اهتماما، وكأن كل لقمة يقدمها لها تمثل وعدا بالأمان والراحة.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
على اتجاه آخر…
في إحدى الغرف بالدور الأول، استيقظ مصطفى من نومه جلس على حافة السرير، مسح وجهه بتثاقل، وكأن النوم لم يترك له أثرا، كانت الغرفة تطل علي الحديقة مباشرة، والنيل ينساب خلفها بهدوء، نظر حوله للحظة، ثم صوب نظره نحو الإطلالة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
نهض من مكانه، دخل المرحاض بسرعة، ثم خرج من الغرفة متجها نحو القاعة الكبرى، تحرك بخطوات مترددة بين الممرات بيحث عن أي شخص، حتى صادف إحدى الخادمات، فسألها: لو سمحتي، كنت عايز أسأل بس، هو سليم بيه فين؟
قبل أن ترد، اقتربت سحر بخفة، تلوح بيدها بابتسامة: صباح الخير يا بيه.
ابتسم مصطفى: صباح النور.
تساءلت سحر باهتمام: أحضر لحضرتك الفطار؟
اومأ برأسه: ماشي، هو سليم بيه فين؟
أجابته سحر موضحه بخفة: سليم بيه في أوضته فوق، هبلغه إن حضرتك صحيت، تحب تفطر هنا ولا في الجنينة؟
هز رأسه: خلينا في الجنينة.
أومأت سحر برأسها وتحركت مبتعدة، بينما خرج مصطفى من الباب الزجاجي إلى الحديقة.
تحرك علي العشب بهدوء، كأنه يحاول أن يترك خلفه صخب ليلة أمس، توقف عند ضفاف النيل، ووقف يتأمل المياه المتلألئة تحت ضوء الصباح، عاد ذهنه إلى ليلة الأمس، تلك الليلة التي ما زالت عالقة في ذاكرته، لم يفلح في نسيانها بعد، شعور بالقلق تملكه، فقد لا يتمكن من التواصل مع عائلته لفترة، ومشكلة آلاء التي لم تحل بعد كانت تثقل قلبه، وهو يدرك أنه لم يطمئنها حتى الآن، وكأن المسؤولية كلها تقع على عاتقه.
وأثناء وقوفه، لمح مكي يقف غير بعيد، يدخن سيجارته بعدم اكتراث، فضيق عينيه باستغراب وتحرك نحوه، ملوحا بيده: إيه ده؟ أنت هنا؟
ابتسم مكي وهو يميل برأسه: أيوه هنا، هكون فين يعني؟ مينفعش سليم يتساب لوحده، هو دلوقتي عامل زي التور الهايج في عنبر سبعة.
ابتسم مصطفى بخفة: أصل امبارح افتكرتك زعلت لما مشيت.
حرك مكي كتفه موضحا: منكرش إني اتضايقت شوية من الكلام، بس طبعا لا يمكن أمشي واسيبه لوحده في ظروف زى دى، سليم أخويا وإللي بيننا كبير، وعارف إن إللي قاله كان لحظة غضب، ولو مكنتش مشيت وعملت كده، مكانش هيهدى، سليم كان محتاج حاجة تهديه.
اومأ مصطفي برأسه مؤكدا: فعلا مجرد ما مشيت، هدي وكان باين عليه الندم..
سأله مكي وهو يسحب نفس من سيجارته: طب أنت لسه هنا ليه؟
أجاب مصطفى موضحا: سليم قالي خليك هنا، في حاجة في دماغه عايز يعملها، بس مقالش إيه، أنت تعرف حاجة؟!
سأله مكي وهو يرفع حاجبه: قالك إيه بالظبط؟
رد مصطفى وهو يمد وجهه: مفيش، قالي في موضوع محتاجني فيه، ولازم أفضل مختفي ومكلمش أهلي، علشان عايزهم يقلقوا، ولما سألته الموضوع إيه، قالي هقولك بعدين لما أظبطها في دماغي!!
أومأ مكي بتفكير، وعيناه شردت لثواني، كأنه يحاول أن يجمع الخيوط ويفهم ما يدور في رأس سليم، زفر ببطء، ثم أعاد نظره إلى مصطفى وقال بنبرة منخفضة لكنها حاسمة، وهو يضغط على السيجارة بين أصابعه: أعتقد سليم هيحاول يوهمهم إنك اختفيت أو إن حصلك حاجة، علشان عيلتك تبدأ تقلق وتدور عنك في المستشفى والعيادة، ساعتها يكون أثبت إنه أخذ موقف ويوهم عيلته إنه شرب المقلب، ده إللي أنا استنتجته.
تنهد مصطفى بقلق وهو ينظر أمامه بضيق: أنا بس كل إللي محتاجه أطمن أهلي، أمي مش واخدة إني أختفي كده، خصوصا إن في مشكلة عندي هناك، ومينفعش أسيبهم قلقانين كتير، لازم أطمنهم.
قال مكي مطمئنا: أصبر شوية، يومين وهخليك تكلمهم.
صمت مكي لحظة، ودقق النظر في ملامح مصطفى، كأنه يقرأ ما خلف الكلمات، ثم سأله بنبرة جادة: وبعدين مشكلة إيه إللى عندك؟ ما تقول يمكن نقدر نساعدك.
تنهد مصطفى، وأدار وجهه ناحية النيل، وصوته خرج مترددا: بعدين، لما أشوف بس سليم هيعمل إيه.
في تلك اللحظة اقتربت سحر، وقالت بهدوء: أنا حطيت لحضرتك الفطار يا بيه.
ثم وجهت نظراتها لمكي وتساءلت: مكي باشا هتفطر؟
هز مكي رأسه بإبتسامة خفيفة: لا فطرت، روح أنت يا مصطفى أفطر، ونبقى نشرب الشاي سوا.
ثم مال عليه قليلا، وخفض صوته: وبقولك إيه، متقولش لسليم إني هنا.
أومأ مصطفى برأسه: ماشي.
وبالفعل اتجه مصطفى نحو مكان الإفطار، بينما بقي مكي في موضعه، واقفا يتأمل النيل بصمت، وأفكاره غارقة فيما هو قادم.
في المالديف
الكوخ 2:00 عصرا.
جلس رشدي ومي في الشرفة، أمامهما زجاجة الدواء وكوب من الأعشاب الساخنة.
كانت مي شاردة، تحدق في الأفق بعينين مثقلتين بالقلق.
قال رشدي بنبرة مطمئنة وهو يراقبها: إن شاء الله هتبقي كويسة.
تمتمت بدعاء: يا رب…
صمتت لحظة، ثم تنهدت بعمق: بس أنا متضايقة أوي، بابا مش بيرد عليا، مش عارفة ليه؟!
نظر إليها باهتمام: كلمتيه كام مرة؟
أجابت وهي تمد شفتيها: مرتين.
هز رأسه بهدوء: ممكن يكون في اجتماع، أو شغل مهم، كلمي حد من إخواتك.
هزت رأسها برفض: مش عايزة أقلقهم..
تبدلت نبرتها، وامتلأت بشيء من الوجع: بس لو فضل لحد بالليل مبيردش عليا، هكلمهم...
خفضت عينيها وقالت: أنا بحب بابا أووي، هو كل حاجة في حياتي مش بس أبويا، ده أبويا وأمي وأخويا وكل حاجة ليا..
تابعت بنيرة متأثرة: وبعد ما ماما ماتت، مبقاليش غيره.
اقترب منها، وربت على خدها بحنان: يا بنتي، ليه بس تفكري كده؟ بعد الشر عليه، أكيد شغل، بلاش الدراما دي..
حاول أن يغير الأجواء: يلا قوليلي، تحبي تخرجي فين النهاردة؟!
نظرت له بتردد: بس أنا عيانة؟
اومأ برأسه بإبتسامة: أيوة، بالليل نخرج شوية هتكوني بقيتي أحسن.
مدت وجهها بملل وضيق: هو في مكان نروحه، ده ملل.
تنهد مقترحا: ممكن نتعشى في المطعم، أو نطلع على الجبل.
ردت وهي تزفر بضيق: على فكرة المكان هنا ممل بجد.
ابتسم بخفة: خلاص نسافر أي مكان تاني، إيه رأيك نروح ميامي؟
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها: ماشي، بدل الملل ده.
أخرج رشدي هاتفه: خلاص، هتصل وأحجز حالا، أنتِ تؤمري يا ميوشي..
ظلت مي تنظر إلى البحر، لكن قلبها كان في مكان آخر بعيدا عن المالديف، عند والدها.
مصر
فيلا سليم وماسة 10:00 صباحا
كانا قد انتهيا من تناول الإفطار، وجلسا متجاورين على الأريكة، يحتسيان الشاي بهدوء.
ورغم السكون، لم تترك ماسة كتفه، كانت قابضة عليه كأنها تستمد منه الأمان.
تأملت ملامحه طويلا، ثم قالت بقلق: شكلك تعبان، وشك باين عليه الإرهاق، وعينك فيها كسرة.
ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد ترى: دى بس علشان منمتش من إمبارح.
رفعت يدها ببطء، ووضعتها على خده بحنان: ليه منمتش يا روحي؟
تبسم لها: علشان وعدتك إني هفضل صاحي جمبك ومش هنام.
عضت على شفتيها بخجل وندم: أنا آسفة، خلاص تعالى ننام.
عدل من جلسته، وأمسك يدها، وقبلها برفق: ط متعتذريش يا عشقي، أنا هستنى دكتور ياسر ييجي الأول.
نظرت له بعدم اقتناع، وقالت بضيق: أنا مش فاهمة ليه جبت دكتور ياسر أنا مش تعبانة، إللي فيا ده طبيعي.
تنهد، ونظر إليها بجدية هادئة: أنا عارف إن إللي انتِ فيه طبيعي بعد إللي شوفتيه، بس خوفك إنك تخرجي من باب الأوضة، وخوفك تبعدي عني بالشكل ده، مش طبيعي.
خفضت عينيها قليلا: المفروض تفرح إني عايزاك جنبي.
ابتسم بحزن: أفرح طبعا، بس في نفس الوقت لازم أزعل وأتضايق إن مراتي جواها الخوف ده كله.
أشاحت بوجهها: مش عايزة أتكلم في الموضوع ده..
ساد الصمت لوهلة، ثم نظرت له، وتساءلت بتعجب: أنتِ بجد زعلت مكي.
أخرج أنفاس ساخنة: آه واتصلت بيه كتير ومردش.
مد يده إلى الهاتف على الطاولة: استني، هكلمه تاني.
ضغط على زر الاتصال، انتظر… ولا رد، زفر بضيق وهو يخفض الهاتف: شوفتي! مبيردش برضو.
سألته بهدوء، وعيناها مثبتتان عليه: أنت قولتله إيه علشان يزعل منك كده؟
تنهد، ومسح على وجهه بتعب: قولتله إنه شغال معاهم، وعلشان كده بتحميهم، علشان كان مانعني أروح أقتلهم، فزعل وقالي مش شغال معاك تاني، وسلم كل حاجة ومشي.
نظرت إليه طويلا، نظرة مليئة بالفهم، ثم قالت بنبرة هادئة تحمل فلسفة الألم: أنت كان غصب عنك، الإنسان لما يغضب، ويتوجع، ويتخذل، ساعات الكلام بيطلع منه وهو مش عارف جاي منين، خصوصا لما يكون خايف...
صمتت لحظة، ثم أكملت بصوت أخفض فيه مرارة وهي تنظر أمامها: صدقني، أنا مجربة وعارفة، لما كانوا مهددني بأهلي، كنت زيك بالظبط عصبية، وخايفة، ومستسلمة، عشان كدة الفترة دي علاقتنا كان فيها مشاكل، بس الفرق بيني وبينك؟ إن ساعتها هما كانوا ماسكني، لكن دلوقتي أنت إللي ماسكهم.
عادت تنظر إليه: وبعدين إن مكي يسمع منك إتهام زي ده، طبيعي يزعل فأنت متزعلش منه، حتى لو هو فاهمك، دي لحظة زعل ووجع لإنه مكانش متوقع اتهامك ليه.
خفض سليم رأسه قليلا، وصوته خرج مكسور: أنا مش زعلان منه، بس كنت متخيل إنه عارفني أكتر من كده، عارف إني قولتها غصب عني، ومش قاصدها...
رفع عينيه إليها، بنظرة صادقة موجوعة: والله يا ماسة لو شكيت في الدنيا كلها، عمري ما أشك فيه، حتى بعد إللي حصل، عمر قلبي ولا عقلي فكروا لحظة واحدة إنه يكون خاني...
ثم أضاف بمرارة خرجت من بين أسنانه بضيق وندم: بس لساني خاني، ومش عارف الكلمة دي طلعت مني إزاي، والله ما عارف.
مسحت على قدمه بحنان، تحاول تهدئته: أهدي يا سليم، متلومش نفسك، اللحظة دي أصلا مينفعش حد يزعل منك فيها، كلمه تاني هو بس تلاقيه لسة مصدوم من كلمة.
تنفس بعمق، وصوته خرج أقل حدة: أهم حاجة عندي دلوقتي إنك تبقي كويسة، وبعدين أبقى أشوفه.
في تلك اللحظة، طرق الباب بخفة، ثم دخلت سحر وهي تشير إلى الخارج: دكتور ياسر بره يا بيه.
اعتدل سليم في جلسته: خليه يدخل.
بعد لحظة، دخل دكتور ياسر بإبتسامة هادئة: صباح الفل، ماستنا عاملة إيه دلوقتي؟!
أشار إليه سليم وهو يحاول تخفيف الجو بنبرة مرحة: تعالى يا دكتور شوف بقى الأستاذة دي، ماسكة فيا كأني حرامي.
جلس ياسر أمامها، وصوته مهني دافئ: عاملة إيه يا مدام ماسة؟
اومأت برأسها: الحمد لله.
تسأل بمهنية: طيب قوليلي إيه إللي حصل بالظبط؟
نظر سليم إليها، ثم لياسر، وبدا عليه التردد، فقد كان محرجا أن يروي له ما حدث، لكنه يعلم أنه طبيب لا بد أن يفهم التفاصيل ليقرر العلاج الصحيح، فابتلع ريقه وتساءل: لازم تعرف كل إللي حصل بالتفاصيل؟!
ابتسم ياسر ابتسامة مطمئنة: طبعا لازم أعرف علشان أفهم الحالة.
تنفس سليم بعمق، ثم قال بصوت منخفض لكنه واضح: هي اتخطفت امبارح، واتحطت في بيت مش كويس؛ بيت دعارة، والشرطة ادخلت بس أنا خلصت الموضوع علطول.
صمت لحظة، ثم أكمل: من ساعتها وهي مرعوبة، وكانت منهارة علشان كدة مكي كلمك امبارح، ولما خدت المهدئ اللى قولت عليه نامت، وصحيت النهاردة زي ما حضرتك شايف كده، مش عايزة تسيب دراعي لدرجة دخلت معايا التويلت، ولما طلبت منها ننزل تفطر تحت رفضت خايفه تخرج من الاوضه.
أومأ ياسر برأسه، وملامحه كانت تقرأ الحالة قبل أن ينطق: فهمت.
ثم التفت إلى سليم، قائلا بهدوء: ممكن يا أستاذ سليم تسيبني أقعد معاها لوحدنا شوية؟
وقبل أن يرد سليم، تشبثت ماسة بذراعه أكثر، وصوتها خرج متوسلا: لا متمشيش، خليك هنا.
تبادل الطبيب وسليم نظرة قصيرة، ثم ابتسم الطبيب بهدوء وهو ينظر إليها: ليه القلق ده كله؟ أنا موجود معاكي، وهو مش هيروح بعيد.
هزت رأسها بعناد واضح، وشدت أكثر على ذراعه بعينين مترجية: لا سليم ميمشيش، أنا عايزاه جنبي.
نظر لها سليم بعينين مليئتين بالطمأنينة، وصوته خرج دافئا، وهو يمسح على خدها: عشقي، متقلقيش أنا هقف قدام الباب علطول، خطوة واحدة وهبقى هنا.
هزت رأسها برفض أقرب للتوسل، وعيناها امتلأتا بالخوف، فنظر إليها بتأثر، وحاول طمأنتها، لكن دموعها بدأت تتجمع وتفيض حتى اغرقت وجهها، فتدخل ياسر بهدوء، وهو يميل بجسده نحوها: طيب بصيلي يا ماسة… بصيلي.
نظرت له وهي تبتلع ريقها، فتساءل ياسر بعملية: ليه مش عايزة سليم يمشي؟ وليه مش عايزة تخرجي بره الأوضة؟
خرج صوتها منخفضا، مكسورا: عشان خايفة.
رد عليها محاولا إقناعها: خايفة من إيه؟ أنا جنبك، وسليم جنبنا، وفيه سور وحراسة.
رفعت عينيها لسليم بسرعة: لا أهم حاجة سليم يبقى جنبي.
عقد الطبيب حاجبيه بإستفهام: وإشمعنى سليم؟
تنفست بارتجاف، وكأنها تعترف بسر: علشان طول ما هو جنبي، محدش هيقدر يقرب مني، ولا يعمل فيا كده تاني.
سألها ياسر بهدوء مدروس: أنتِ خايفة لو سليم مكانش جنبك، إن إللي حصل ممكن يتكرر؟
هزت رأسها ببطء: أيوه.
اومأ برأسه بيقين وهو ينظر داخل عينيها ليأكد المعنى: لا مش هيحصل.
نظرت له بعينين متشككتين: وأنت إيش عرفك؟
إلتفت ياسر إلى سليم ثم عاد بنظره إليها: علشان سليم أكيد مش هيسمح بده يحصل، مش أنتِ بتثقي فيه؟
أومأت دون تردد: أيوه.
اقترب ياسر أكثر، وصوته صار أكثر حزما وحنانا: طيب يبقي خلاص، سليم هيعرف يحميكي، حتى لو واقف قصاد الباب أو حتى بعيد.
ترددت للحظة، كأنها تفكر، ثم هزت رأسها برفض متوسلة: لا، عايزاه يبقى جنبي، بين إيدي.
تنهد ياسر، ونظر إليها لثواني كأنه يدرس ملامحها، شعر أن اليوم ليس الوقت المناسب ليضغط عليها، فابتسم موافقا على ما تريد: ماشي، هخليه يحضر معانا الجلسة النهارده، بس بعد كده هنبقي لوحدنا..
لمح الرفض يلمع في عينيها، فتابع بنبرة هادئة وكأنه يمنحها شجاعة: مش إحنا اتفقنا إنك لازم تكوني قوية؟ وإن الخوف ده هو أكتر حاجة بتسهل الطريق للي عايزين يؤذوكي؟
ارتعشت شفتاها، وقالت بوجع: بطلت أخاف وحكيت وعملت كل إللي قولتلي عليه، وبرضو اتخطفت، وكانوا... كانوا هي...
ثم أخذت تبكي بحرقه، كأنها استرجعت كل ما حدث معها، والدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، أحاط سليم ذراعه حول ظهرها بحنان، كأن حضنه وحده قادر على امتصاص كل وجعها.
كاد ياسر أن يتحدث، لكن سليم أشار له أن ينتظر بصمت، محافظا على هدوء اللحظة، حتي تستكين في أمانه قبل أن تسمع أي كلمات.
وبعد أن خفت بكاءها وبدأت تهدأ، أخذ ياسر نفسا عميقا وقال: ماسة كدة غلط، لازم تفهمي إن إللي حصل مش فشل، ولا ضعف، كده كده كنا متواقعين في خطه علاجنا ممكن يعملوا حاجة، وحتى لو نجحوا فيها المره دى، دى شيء عادى...
ثم تابع بثبات: خدي من إللي حصلك قوة تكملي بيها، متخليش حاجة تكسرك، إللي حصل ده كان هدفه إن سليم يصدق، ويفرقوا بينكم، وخوفك يكبر...
نظر إليها مباشرة: وإحنا هنعمل إيه؟ نغير اللعبة، ونقولهم إحنا أقوى وإللي حصل ده هيقوينا مش هيكسرنا.
مسحت دمعة نزلت على وجنتها رغما عنها، وهي تقول بانكسار: الكلام سهل…
ابتسم ياسر ابتسامة واثقة: مش كلام، دي حقيقة، تعالي نبدأ بخطوة بسيطة، وشوية تمارين مع بعض.
ترددت لحظة، ثم قالت بخفوت: ماشي.
وبالفعل، بدأ ياسر الجلسة معاها … بينما بقي سليم بجوارها، صامتا، ثابتا… وجوده وحده كان كافيا ليمنحها أول خيط أمان حقيقي، تحدث معها ياسر كثيرا، وقام بعمل بعض التمارين معها في محاولة منه لزرع شعور الأمان بها.
وبعد انتهاء الجلسة، بدت ماسة أهدأ قليلا؛ لم تعد متشبثة بسليم كما قبل، سمحت له أن يبتعد عن محيطها خطوة… فقط خطوة.
وافقت ألا تمسك يده، لكن بشرط واحد، أن يظل أمام عينيها، في نفس المكان الذي تراه فيه، جلست على الأريكة، وعيناها معلقتان به بلا رمش، كأنها تخشى إن أغمضت عينيها لحظة أو رمشت… أن يختفي، الخوف لم يرحل بعد، فقط هدأ صوته قليلا.
بينما وقف سليم مع ياسر عند الباب يودعه، وبقيت هي تراقبهما بملامح متيبسة.
قال ياسر بهدوء وصوت منخفض: إن شاء الله بكرة هاجي تاني وأقعد معاها.
أومأ سليم: تمام يا دكتور، شكرا جدا…
ثم انخفض صوته أكثر، وقال بقلق: بس أنا قلقان عليها أوي.
ابتسم ياسر مطمئنا: متقلقش، إللي اتعرضتله كان موقف في غاية الصعوبة، وأي ست هتمر بحاجة زي دي طبيعي يحصل معاها كده، مهما كانت قوية، وفي النهاية إنها توافق تسيب إيدك من أول جلسة؟ ده في حد ذاته إنجاز.
تنهد سليم: بس الوضع ده مقلقني.
رد عليه ياسر وهو يشبك أصابعه: بص يا سليم، هي عاملة بالظبط زي واحد وقع من مكان عالي، ومسك في حديده أنقذته من الوقوع، وعقله صورله إن الحديدة دى هي اللى حمته، فلما يجي حد يقوله: سيب الحديدة وأمسكني أنا هنقذك، هيرفض؟! لأن زى ما قولت، عقله في اللحظة دي صورله إن الحديدة هي الأمان، مش الإيد...
توقف لحظة، ثم أكمل: أنت بالنسبة لها الحديدة دي،
هي شايفة إن لو سابت إيدك ممكن تتخطف تاني، ولازم تقتنع إن الأمان مش في مسكتها فيك، الأمان في وجودك نفسه وده فرق كبير..
ثم تابع بإبتسامة محاولا تهوين الأمر عليه: بعدين المفروض تنبسط!
ابتسم سليم بمرارة: أنبسط؟
ضحك الطبيب بخفة: آه، تنبسط إنها رجعت تثق فيك تاني، ورجعت تشوفك أمانها من تاني.
رد وهو يهز رأسه بعدم رضى: بس مش بالشكل ده يا دكتور…
دقق النظر به: معلش، واحده واحده هتبدأ تخرج من الحالة اللى هي فيها دى، بس أنت خليك معاها وحاول تدخل حد بتحبه في دايرتها معاك، زى أختها مثلا..
أومأ برأسه: تمام.
تابع ياسر: ممكن بكرة تجيب أختها ونشوف هنعمل إيه، وخد بالك، عينيها عليك..
كاد سليم أن ينظر نحوها، ولكن ياسر أمسك ذراعه: متبصش.
أومأ سليم بجدية: حاضر
تابع ياسر بعملية: أعرض عليها بالليل تخرج من الأوضة لو رفضت، متلحش، كفاية اللي اشتغلنا عليه النهاردة.
اومأ سليم برأسه: حاضر، شكرا يا دكتور.
غادر ياسر، فأدار سليم وجهه نحو ماسة، وتحرك صوبها وابتسم لها ابتسامة دافئة: إيه يا عشقي، أحسن شوية؟
همهمت بخفوت: أممم…
قال بحنان وهو يقف أمامها: إيه رأيك نخلي سحر تعملنا عصير وفشار، ونتفرج على فيلم؟
ترددت لحظة، ثم أومأت: ماشي.
اتصل بسحر، وبعد قليل حضرت بالفشار والعصائر والسناكس.
جلسا معا يشاهدان الأفلام، وهو يحاول طمئنتها قدر الإمكان، أما ماسة فلم تعد تمسك بيده طوال الوقت، لكنها بقيت قريبة منه، تراقبه بنصف عين.
سمحت له أن يدخل الحمام بمفرده، لكنها كانت تقف عند الباب، وتتركه مفتوحا، تراه، وتسمع صوته.
وهو فعل الشيء نفسه معها خطوة صغيرة…لكنها، في عالمها، كانت انتصارا كاملا.
❤️______________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي.
مكتب عزت 6:00مساء
كان فايزة وعماد وصافيناز يجلسون معا في المكتب، يتبادلون الحديث حول فعلتهم الشنعاء.
قالت فايزة، بتوتر قليلا: سليم مجاش النهاردة المجموعة.
ابتسمت صافيناز ابتسامة جانبية، وهي تلاعب سلسلتها بين أصابعها: طبيعي بعد إللي حصله.
لكن فايزة لم تقتنع، ونظرت إلى عماد بعينين حذرتين، وقالت: عماد، لازم نتأكد إذا كان صدق ولا لأ.
رد عماد ممسكا بذقنه، وعيناه تشعان بالريبة والخبث: متقلقيش، خيرت كلمني وأكدلي إنه صدق، حتى وليد.
توقفت فايزة فجأة وبدأت تتحرك في المكان، وهي تخبط أصابع يدها ببعضها، غارقة في التفكير، بينما كانت أعينهما عليها، وفجأة التفتت إليهم، ورفعت حاجبها بارتباك، وقالت: بس أنت قولت إنها قالت إنها بريئة واتخطفت، لو صدق كلامها هتكون كارثة، وكل إللي عملناه مش هيكونله قيمة، وساعتها سليم مش هيرحم حد من جحيمه…
صمتت للحظة، وضيقت عينيها كما لو تذكرت شيئا مهما، ثم استرسلت بصوت متسائل: هو أنت مش مشغل حد من رجالة سليم لحسابك؟
هز عماد رأسه بهدوء: أه.
قالت فايزة، وهي تميل لأمام قليلا، وعيناها تلمعان بالريبة: خلاص، خليه يقولك الأخبار.
اومأ برأسه: تمام، هكلمه.
ثم أضافت وهي تلوح بيدها بنبرة حاسمة: يلا كلمه مستنى إيه؟!
اومأ برفض موضحا: لا، أنا هكلمه من رقم تاني؛ لإني مبكلمهوش من رقم ثابت.
ضغطت على أسنانها قائلة: يا عماد، مفيش وقت، هو مين أصلا؟
أجاب بإبتسامة ماكرة: لا يا هانم معلش، ده سر…
انتصبت في وقتها بعينيها الواسعتين، كأن الصدمة زادتها شموخا وقوة، جسدها مشدود، ونبرة صوتها واثقة لا تقبل الجدل: سر عليا أنا؟! أنت اتجننت! نسيت نفسك يا عماد؟ أنا فايزة هانم! قول مشغل مين لحسابك من رجالته؟!
نظر إليها بعينين مترددتين للحظه، يعلم أن اللعب أو المراوغة معها مستحيله، فابتلع ريقه وتنهد قائلا: عثمان…
ابتسمت بدهشة: ده إيه المفاجأة دي؟ مكنتش أتوقع!
اومأت صافيناز بتأكيد: أنا كمان عملت زيك لما عرفت.
هزت فايزة رأسها بإيجاب وقالت: تمام، النهاردة لازم تكون اتواصلت معاه، وعرفت إيه إللى بيحصل هناك، فاهم.
تسألت صافيناز باستفسار: طب أنتِ مكلمتيهوش؟
أجابت فايزة، وهي تنفخ الهواء من أنفها بسرعة: أكيد كلمته، بس تليفونه مقفول.
قالت صافيناز: كلمي مكي، وقوليله أنا عايزة سليم…
أشارت لها فايزة بأصباعها، وقالت بتأييد: صح مكي.
بالفعل، اتصلت بمكي لكنه لم يرد، فعقبت وهي تتلفت حولها: الاختفاء ده واضح إن فيه حاجة كبيرة بتحصل، الدكتور إللي كان معاها، أنتم عارفين عنوانه؟
أجابوا، وأعينهم تتبادل النظرات: طبعا.
فايزة بحزم: خلاص، أبعت حد يروح يسأل هناك في إسكندرية، هو فين؟ ومختفي ولا ولا بيظهر؟ لازم ناخد بالنا ونحذر.
طمأنها عماد، وهو يبتسم ابتسامة نصف خبيثة: متقلقيش يا هانم، أنا بالفعل بعت حد يروح يسأل عنه في إسكندرية، وفي الشقة إللي ساكن فيها في القاهرة كمان، كله تحت الكنترول يا هانم.
أجابت فايزة، وعينها تتفحص كل صغيرة وكبيرة: تمام يا عماد.
رفعت صافيناز حاجبها وهي تسأل بنبرة عملية:
هو الباشا راجع إمتى من السفر؟
ردت فايزة وهي تجلس بثبات: كمان تلات أيام.
مالت صافيناز للامام قليلا وقالت: كنت عايزاه يوصيلي على دخول الشحنة بتاعتي، علشان يسرع من دخولها، لأني محتاجه ابدأ اشتغل بيها في أسرع وقت.
رفعت فايزة نظرها إليها ببطء، وابتسامة باردة ارتسمت على شفتيها: اتعلمي تخلي اسمك لوحده كفاية لتسهيل اي شغل زي سليم، ولا عايزة تفضلي صغيرة طول عمرك؟
ساد الصمت للحظة، قبل أن يتدخل عماد بهدوء: عندك حق يا هانم.
استندت فايزة للخلف، ونبرتها هذه المرة كانت أثقل: أنا مش هرتاح إلا لما تقولي إن سليم خلص على مصطفى وماسة.
لم يعلق عماد، واكتفى بإيماءة رأس بطيئة صامتة بإبتسامة ثقه ماكرة، وساد الغرفة صمت ثقيل، كأن الكلمات التي قيلت منذ قليل لم تكن كافية لتبث الأمان وتزيل التوتر.
الإسكندرية، 6:00 مساء
منزل آلاء.
كانت آلاء جالسة على مقعد في الغرفة، تمسك الهاتف بيدها السليمة، وملامح الضيق والقلق مرسومة على وجهها بوضوح.
على الفراش المقابل، كانت أنهار ممددة جسدها في توتر، تحدق في السقف وكأنها تحصي الثواني.
قالت أنهار محاولة التخفيف: يا بنتي، الغايب حجته معاه.
التفتت إليها آلاء بسرعة، وصوتها يرتجف: يا ماما، ده مختفي من امبارح! وتليفونه مقفول، والنهارده كمان أهو…
تنهدت أنهار وقالت بنبرة أكثر هدوءا: يمكن متعود على كده لما بيبقى مشغول بيقفل تليفونه، ده دكتور برضو وبيعمل عمليات.
هزت آلاء رأسها باعتراض موضحه: ماما، دكتور مصطفى مبيعملش عمليات، هو بيكشف بس، وبعدين أنا خايفة يكون الواد محمود ده قابله في الطريق، وحصل بينهم مشكلة، هو قالي هيخلص الموضوع في المستشفى وهييجي علطول.
اعتدلت انهار في جلستها، ونظرت إليها بقلق: آلاء، متقلقينيش على الراجل، طب اتصلي بأخته واسأليها، أخته كويسة، مش هي سايبه نمرة تليفونها معاكي.
تنفست آلاء بعمق: عندك حق هتصل بيها يمكن كلمهم.
رفعت الهاتف واتصلت بعائشه، وما هي إلا لحظات حتى جاءها الرد، فقالت: ألو أيوه يا شوشو، عاملة إيه؟ أنا آسفة إني بكلمك.
جاء صوت عائشة من الطرف الآخر دافئا: لا يا حبيبتي عادي، أنتِ أخبارك إيه؟
الاء بلطف: الحمد لله كويسة، بقولك هو دكتور مصطفى فين؟
إجابتها عائشة ببساطة: مصطفى في القاهرة، أنتِ نسيتي ولا ايه؟
ردت موضحه: لا، مش قصة نسيان، بس تليفونه مقفول من امبارح، هو ملكمكوش؟!
ساد صمت قصير قبل أن ترد عائشة: لا بنكلمه من امبارح ومقفول برضو، إحنا كمان قلقانين عليه والله، بس إن شاء الله يتفتح على بالليل.
سألتها آلاء بترقب: يعني هو متعود على كده؟
إجابتها عائشة موضحه: مش بالظبط، بس ممكن يقعد طول اليوم مختفي وتليفونه مقفول، ومبيردش، وبالليل بيتصل يطمن علينا وبنكلمه، فإحنا مستنيين، وإن شاء الله يكون كويس.
ابتلعت آلاء ريقها وقالت بإلحاح: طب أمانة عليكي يا عائشة، أول ما يكلمك طمنيني.
أجابتها عائشة بهدوء: حاضر يا حبيبتي، وهقوله يكلمك يطمنك كمان، سلام.
أغلقت آلاء الهاتف ببطء، ونظرت إلى والدتها بعينين ممتلئتين خوفا: قالتلى مكلمهمش، وهما كمان قلقانين عليه… أنا قلقانة يا ماما، لو دكتور مصطفى حصله حاجة من تحت رأسي مش هسامح نفسي أبدا.
شدت انهار على يدها وقالت بحزم ممزوج بدعاء: لا يا بنتي، إن شاء الله مفيش حاجة، متفوليش عليه، ربنا يحفظه ويسترها عليه وين ما كان…
ثم تمتمت بغضب مكتوم: منك لله يا محمود…
تنهدت آلاء بعمق، ورفعت يديها إلى جبينها، بينما انحدرت الدموع بصمت على وجنتيها؛ فقد كان شعورها بالذنب يثقل صدرها، ويضغط عليها حتى كاد يخنق أنفاسها.
اختفاء مصطفى لم يعد مجرد قلق بل صار اتهاما داخليا لا يهدأ، تشعر أنها السبب، وأن كل ما يحدث الآن بدأ منها، وأن أخاها قد يكون قد فعل شيئا أحمقا لا يُغتفر.
وفي كل مرة تحاول أن تطرد هذه الأفكار، كانت تعود أقسى، وتذكرها بكلماته، وتحذيراته، وبالخوف الذي تجاهلته.
بينما، كانت أنهار تحاول التمسك بخيط واهي من الطمأنينة، تكذب على نفسها عن عمد، وتردد في سرها دعاء متواصلا: إن شاء الله يكون بخير، أكيد هيبقى بخير ربنا يحفظه.
كانت تعلم في أعماقها أن القلق يسكنهما معا، لكنها اختارت الإنكار، بينما غرقت آلاء في جلد الذات،
وكأن الذنب بات حقيقة لا مفر منها.
كفر الشيخ
سرايا منصور 6:00 مساء.
في احد الغرف، كانت سلوى تجلس في غرفتها، تصنع بعض الإكسسوارات بتركيز، بينما تنساب موسيقى هادئة من الكاست، كانت أصابعها تتحرك بدقة، وعيناها مثبتتان على ما تصنعه.
في تلك اللحظة، رن هاتفها، نظرت إلى الشاشة وجدته سليم!
عقدت حاجبيها باستغراب، ثم ردت: ألو؟
جاءها صوت سليم من الجهة الأخرى، وهو يجلس بجوار ماسة: عاملة إيه يا سلوي؟
أجابته بهدوء: الحمد لله تمام، أنت عامل إيه؟ وماسة عاملة إيه؟
اجاب بلطف: إحنا تمام الحمد لله، بقولك إيه، إن شاء الله بكرة هبعتلك عربية وعشري تيجي معاه، عايزك تيجي الفيلا تقعدي مع ماسة شوية.
توقفت لحظة، ونبرتها تغيرت وهي تتساءل بقلق: هو في حاجة ولا ايه؟
رد سريعا: لا لا لا، مفيش أي حاجة، عادي.
قالت بقلق واضح: إزاي يعني يا سليم؟ أنت قلقتني، ماسة جرالها حاجه؟!
تنهد بخفة: يا ستي مفيش حاجة، وكده كده كلكم هترجعوا القاهرة خلاص، أنا لسه مكلم عم مجاهد وقولتله.
صمتت لحظة، ثم قالت: تمام ماشي.
سليم: سلام.
أغلق الخط.
ظلت سلوي تنظر إلى الهاتف في يدها لثواني، وشعور غامض بالقلق يتسلل إلى صدرها، وعشرات الاسئله أخذت تتزاحم في رأسها: ماذا حدث؟ ولماذا بدا صوته متوترا رغم محاولته إخفاء ذلك؟
وضعت الهاتف على الفراش، ثم نهضت وهبطت إلى الأسفل.
كان مجاهد وسعدية ويوسف يجلسون في بهو السرايا، يتناولون الفاكهة ويتبادلون الحديث في هدوء.
اقتربت منهم وجلست بينهم، وما زال القلق يطغي على ملامحها، قالت بهدوء متردد: سليم لسه قافل معايا، وقالي هيبعت عربية بكرة تاخدنا، وعايزني أروح أقعد مع ماسة شوية.
كانت سعدية تقشر موزة، فناولت سلوى إياها وهي تقول ببساطة: آه، ما هو لسه قافل مع أبوكي من قيمة ربع ساعة كده، قالنا برضو، إننا هنرجع مصر وهو ظبط أموره.
عقدت سلوى حاجبيها: لحق يظبط أموره إزاي؟ ده معداش تلات أيام، الكلام كان لسه الجمعة!
رد مجاهد بثقة وتفخيم: يا بنتي، هو سليم بيه شويه، طبعا لازم يخلص الدنيا ويأمنها بسرعة.
صمتت سلوى لحظة، ثم تسألت بتعجب: طب هو عايزني أقعد مع ماسة ليه؟
نظرت لها سعدية باستغراب: إيه المشكلة يا بنتي لما تروحي تقعدي مع أختك؟
تنهدت سلوى والقلق يتسرب إلى قلبها: مش عارفة في حاجة جوايا مقلقاني، حاسه إن حصلها حاجه، من أمبارح بكلمها وتليفونها مقفول، آخر مرة كلمتها كانت في الجامعة الصبح، بعدها قالتلي هي وسليم هيروحوا القصر علشان يمثلوا عليهم، ومرضيتش تحكي تفاصيل علشان كانت خايفة يكون حد سامعها، قالت استني لما سليم يجيبلي رقم جديد، وخدوا بالكم من نفسكم، ومن امبارح الظهر لحد دلوقتي وماسة مختفية!!
تبادلت النظرات مع سعدية، فقالت بتردد: أنتِ هتقلقيني على أختك ليه!! هي لو بعد الشر حصلها حاجه كان سليم هيسكت!؟
ثم تابعت بنبرة مطمئة: وإحنا اهو واخدين بالنا، ومعناش غير الرقم إللي معاكي وإللي مع أبوكي؟ وهو إللي جايبهم وقالنا منفتحش تليفوناتنا.
تدخل يوسف بهدوء: سلوى، أنتِ قلقانة ليه كده؟
أجابت بصراحة: مستغربة إنهم مراحوش القصر ولا عملوا إللي قالوا عليه، واختفاء ماسة من امبارح، وبعدها سليم يقولي تعالي أقعدي معاها؟! سليم مبيقولش الجملة دي غير لما تكون ماسة فيها حاجة.
صمت عم المكان للحظة بقلق لكنهم حاول أن لا يندرجون له
قال يوسف محاول تخفيف حدة القلق: خير خير.. بكرة هنعرف، المهم إننا خلاص هنرجع القاهرة ونقدر نعيش حياتنا عادي.
ردت مجاهد بشدة: أسمع مفيش خروج إلا لما جوز أختك يقول.
تنهد يوسف: ماشي يا بابا…
لكن سعدية التفتت فجأة إلى مجاهد: وأنت يا مجاهد؟ هتسيب عمار كده؟
شد مجاهد فكه بغضب مكتوم: أنا لو شوفته مش عارف هعمل فيه إيه، بس لا، هخلي سليم يجيبهولي، لو مجاش لوحده…
قاطعه يوسف سريعا: يا بابا، بلاش تدخل سليم في الموضوع، متكبرش المشاكل بينهم، أنا هروح أجيبه لو مرجعش لوحده.
أومأت سعدية: صح كده، بلاش نوسع المسافة بين عمار وسليم.
قال مجاهد أخيرا: طيب.
ساد صمت قصير، لكن القلق ظل معلقا في الهواء، وسلوى مازالت تشعر أن هناك شيئا لا يُقال.
على اتجاه آخر، عند ماسة وسليم…
كان سليم يقف بالقرب من النافذة، ينهي المكالمة ثم التفت إليها، فوجدها جالسة على طرف الفراش، عيناها تتابعانه بترقب واضح، وحينما انتهي، سألته بخفوت: كلمت سلوى ليه؟
اقترب منها وأجاب بهدوء: دكتور ياسر قالي خلي أختها تيجي تقعد معاها، مادام قريبين من بعض.
لانت ملامحها، وهمست بشيء من الحنين: هي أصلا وحشاني أوي، بس كنت سيبت بابا وماما وإخواتي هناك أحسن.
جلس أمامها، واضعا يده فوق يدها برفق: أنا هعرف أأمن عليهم وهما هنا، متقلقيش.
أغمضت عينيها لحظة، ثم أخرجت نفسا عميقا، كأنها تفرغ ما بداخلها من توتر: ماشي…
نظر إليها مبتسما محاولا تلطيف الجو: تيجي ننزل تحت؟
هزت رأسها برفض خافت: لا خلينا هنا.
تردد لحظة، ثم رفع عينيه إليها بقلق واضح: أنا عايز أنزل أشوف مصطفى…مينفعش اسيبه كده من غير متكلم معاه.
تشبثت بيده فجأة، وأصابعها تضغط على كفه وكأنها تخشى أن يبتعد، وقالت بصوت امتزج فيه الضعف بالرجاء: متسيبنيش لوحدي يا سليم…
نظر إلى يدها الممسكة به، ثم إلى عينيها المرتعشتين، فمال نحوها وقال بصوت هادئ يطمئنها: أنا مش همشي أنا جنبك، تعالي ننزل تحت سوا، نقعد قدام النيل، ونتفرج على فيلم ونشوف مصطفى.
همست بصوت متقطع، وكأن الاسم وحده أثقل صدرها: أنا لسه مش قادرة أشوفه، مكسوفه منه أوي، كلمه في التليفون.
اعتدل في جلسته قائلا ببساطة: تليفونه معايا.
زفرت بضيق، ومسحت بكفها على جبينها: يا سيدي خلي سحر تبلغه اللى أنت عايزه، أي حاجة يعني.
تنهد بعمق وقال باستسلام: حاضر يا ماسة، حاضر، هعملك إللي أنتِ عايزاه.
جذبها إليه برفق، فمالت عليه دون مقاومة، تستقر برأسها على صدره، شدد علي احتواءه لها، وكفه يتحرك ببطء على ظهرها في إيماءة صامتة بالأمان، ثم همس بالقرب من أذنها: تيجي نتفرج على فيلم؟
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تبحث في صوته عن ملاذ آمن لها، ثم أومأت بخفوت: ماشي.
وبالفعل، نهض وأشعل التلفاز، وجلبت لهما سحر بعض الحلوى والفشار، وجلس بجانبها، يتابعون الأفلام معا حتى حلول الليل.
وفي الوقت ذاته، كان مصطفى في غرفته، غارقا في التفكير فيما يحدث، وفي عائلته الذي يعلم جيدا أنهم الآن حتما قلقون عليه، وسليم الذي لم يظهر طوال اليوم، بينما كانت عائلة مصطفى تحاول الاتصال به مرارا، دون جدوى، إذ كان هاتفه مغلقا طوال اليوم.
مرت ساعات اليوم الأول بسلام، حتى جاء اليوم التالي، معلنا بداية فصل جديد في حياة الجميع، يحمل معه فرصا جديدة وأحداثا لم يُكشف بعد عن تفاصيلها.
💕________________بقلمي_ليلةعادل
في صباح اليوم التالي
فيلا سليم ماسة، 12:00ظهرا
دخلت سيارة الفيلا، ترجلت منها سلوى وهي لا تفهم شيئا، استقبلها مكي بإبتسامة رسمية: حمد لله على السلامة.
رفعت سلوى رأسها، بابتسامة مترددة: الله يسلمك.
مكي بهدوء: استني، هبلغ سليم إنك هنا.
أضافت وهي تحرك أصابعها بتوتر: هو في حاجة حصلت؟
كاد أن يجوابها، في تلك اللحظة اقترب مصطفى، يرفع حاجبه مستفسرا: مكي، سليم لسة مع ماسة منزلش؟!
هز مكي، رأسه ببطء: اممم.
مصطفى بضيق: أنا لازم أتكلم معاه، مش هينفع كدة.
مكي موضحا: ماسة مش مخلياه يبعد عنها.
مصطفى، متنهدا: طب أطلعله أنا حتى أطمن على ماسة.
اتسعت عينا سلوى بدهشة، وحركت يدها أمام صدرها: هو في إيه يا مكي، مالها ماسة؟
ابتلع مكي، ريقه بنوع من التوتر: مفيش يا سلوى، أهدِي.
ابتسم لها مصطفى، وهو يميل قليلا نحوها: أنتِ سلوى؟ سوسكا أخت ماسة صح؟!
تبسمت سلوى بخجل: أيوة.
ابتسم بهدوء معرفا: أنا دكتور مصطفي، ماسة كلمتني عنك كتير.
اتسعت، عيناها بصدمة: أنت إللي أنقذتها يوم ماهربت؟
اومأ مصطفى برأسه: اممم.
لمعت عينا سلوى بالامتنان: حقيقي مش عارفة أقولك إيه، شكرا جدا على كل إللي عملته معاها.
نظر مكي لسلوى، بعينان متفحصتان قائلا: أطلعي يا سلوى فوق، هتلاقيهم في الأوضة.
اومأت برأسها بإيجاب: فرصة سعيدة يا دكتور.
ثم بدأت تتحرك للداخل، بينما نظر مصطفى إلى مكي بعينين مليئتين متسائلتين: هي متعرفش حاجة؟!
مكي بصوت منخفض: لا متعرفش، واستنى شوية، هخلي سحر تكلم سليم علشان ينزلك.
أومأ مصطفى، برأسه: تمام.
على إتجاه أخر
صعدت سلوى إلى الطابق الثاني، توقفت أمام باب الغرفة وطرقت عليه.
في الداخل…
كان سليم يجلس على الأريكة، واللاب توب موضوع على الطاولة أمامه، وسماعات الأذن تعزله عن العالم، كانت عيناه مثبتتين على الشاشة، يتابع ما يحدث في القصر بتركيز حاد، حاجباه معقودان، وأصابعه تتحرك ببطء على لوحة المفاتيح فقط استمع لتلك الجلسه التى كانت بين فايزة وصافيناز وعماد، فهو يعرف اللعبة جيدا، لكنه يعلم أن اختفاؤه وحده ليس دليلا كافيا لجعلهم يصدقون؛ لابد أن يظهر شيء أكبر، شيء يجعلهم يصدقون أكثر، لكن ماسة، كانت تقيده بسبب خوفها وتمسكها الزائد به، كان يتمني أن تجتاز تلك الأزمة سريعا، حتى يتمكن من التحرك واتخاذ أولي خطواته، ولكنه لا يستطيع الابتعاد عنها الآن وتركها خائفه من دونه، فمهمته الأولى الآن هي طمأنتها ومساعدتها على تجاوز تلك الأزمة، وبعد ذلك فلتبدأ المعركه...
أما ماسة فكانت على الفراش، في ثبات عميق.
وعندما سمع صوت الطرق، رفع السماعات من أذنيه، ورفع رأسه بإتجاه الباب وقال بصوت ثابت: اتفضل.
وهنا دخلت سلوى، بابتسامة صغيرة مرتسمة على وجهها، تحاول أن تبدو طبيعية رغم القلق الذي يضغط صدرها، دخلت وأغلقت الباب خلفها برفق وقالت بصوت خافت: السلام عليكم.
ابتسم سليم فورا، ونهض من مكانه وهو يخلع السماعات تماما ويضعها على الطاولة، وإتجه نحوها بخطوات هادئة: وعليكم السلام، عاملة إيه؟
شدت سلوى على حقيبة يدها وهي تقول: الحمد لله…
ثم وقعت عيناها على ماسة، الغارقة في نوم عميق، اقتربت خطوة، ولانت ملامحها، وهي تتساءل بخفوت: هي ماسة نايمة؟
نظر سليم نحو الفراش ثم عاد ببصره إليها، وأشار بيده بإشارة خفيفة: آه سيبيها نايمة، تعالي، عايزين نتكلم مع بعض شوية الأول.
تجمدت ابتسامة سلوى قليلا، ونظرت له بقلق واضح: هو في حاجة؟
اقترب أكثر، ووضع يديه على كتفها برفق محاولا طمئنتها، وقال بنبرة هادئة: تعالي بس، خلينا نقعد ونتكلم قبل ما تصحي.
جلسا على الأريكة بجانب بعضهما، ووضعت سلوى حقيبتها على الأرض بجانبها، بيد مرتجفة من القلق، وتساءلت بتوتر: أنا حاسة إن في حاجة.
ربت على ظهرها بخفة ليهدئها: هو في حاجة حصلت فعلا، علشان كده طلبت إنك تيجي، هقولك وأسمعي كويس بس بالراحة؛ علشان ماسة متصحهاش.
صمت قليلا، ثم تنهد وقال: سلوى أنا عايزك تساعديني، نخرج ماسة من اللى هي فيه، أسمعيني كويس جدا.
أومأت برأسها وبدأ القلق يتسرب إلى قلبها بشكل عنيف، وبالفعل أخذ يسرد لها ما حدث، وهو يمسك بيده الأخرى كورة الضغط ليهدئ نفسه، بينما كانت سلوى تستمع بعينين تملؤها الدموع، وأنفاسها تكاد تحبس من الصدمة والغضب.
هزت سلوى راسها بصدمة، وصوتها خرج محشرجا من بين دموعها: إزاي ياسليم؟! إزاي عملوا كده في ماسة؟ إزاي؟
إنحنى نحوها قليلا، وقال بصوت منخفض: هشش، سلوى وطي صوتك..
مد يده يمسك بكتفها، وأصابعه تضغط برفق محاولا تهدئتها، ونبرته خرجت حازمة، لكنها هادئة: أحنا مينفعش نعمل كده قدامها، لازم تبقي هادية وتقويها، وتفهميها إن إللي حصل لها ده حتى لو صعب، ميكسرهاش، بالعكس يقويها، ويخلي عندها عزيمة علشان تاخد حقها، ده إللي لازم يوصلها يا سلوى، أمسكي نفسك.
هزت رأسها بضعف، عيناها امتلأتا بالدموع، وصوتها خرج مكسورا من بين شفتيها: يا سليم… يا سليم… أنت سامع نفسك بتقول إيه؟ أنت فاهم عملوا إيه في أختي؟! مكفاهمش إللي عملوه فيها طول السنين إللى فاتت؟ كمان بيتاجروا بشرفها!! والله العظيم حرام إللي بيحصل فيها ده....حرام مش للدرجة دي!
ارتعش صوتها في آخر الجملة، ووضعت يدها على صدرها كأنها تحاول منع قلبها من الانفجار.
ربت سليم على كتفها مرة أخرى، هذه المرة ببطء أكثر: والله فاهم، بس مينفعش نعمل كده قدامها، ماسة تعبانه يا سلوي وخايفة لدرجة مش مخلياني أخرج من باب الأوضة بسبب إللي حصلها.
نظرت بعينيها نحو ماسة النائمه بهدوء، ودموعها هبطت بضعف وحسرة: طبعا يا حبيبتي لازم تخاف..
وأخذت تبكي بحرقة.
تنهد سليم تنهيدة طويلة، ومسح على كتفها: طب أهدي طيب بلاش عياط، وأنا والله هجيبلها حقها، والله ما هسيب الموضوع يعدي بالساهل كدة.
رفعت رأسها، ونظرت له بحدة ممزوجة بالألم: هو أنت لسه هتجيب حقها؟! هتجيب حق إيه ولا إيه...
مال عليها، وصوته انخفض أكثر: يا سلوي وطي صوتك، أنا ما صدقت تنام شوية.
رفعت حاجبها مستنكرة، ودموعها تنساب على وجنتيها: أوطي صوتي أزاي بس؟! أنا قلبي هيقف من القهرة…
وضعت يدها على فمها تحاول كتم شهقة خرجت رغما عنها، بينما ظل سليم جالسا أمامها، يحاول أن يبقى متماسكا، حتى لو كان بداخله نفس العاصفة.
في تلك اللحظة استيقظت ماسة على صوت سلوى، نهضت بخفة، وهي تتمتم: إيه الصوت ده، في إيه؟
وحين وقعت عيناه عليها، صاحت بصوت متفاجئ ممزوج بالفرحة: سوسكا!
نهضت ماسة من على الفراش وجلست ببطء، شعرها منسدل حول وجهها، ملامحها ما زالت مرهقة من النوم.
في تلك اللحظة، أسرعت سلوى تمسح دموعها بسرعه قبل أن تراها، ورسمت علي وجهها ابتسامة زائفة بالكاد تستقر على شفتيها، ثم اندفعت نحوها واحتضنتها بقوة، كأنها تتشبث بشيء يوشك أن ينتزع منها، حاولت أن تبدو ثابتة، رغم عاصفة الألم التي كانت تعصف بصدرها، فأغمضت عينيها وهمست: وحشتيني.
ابتسمت ماسة، ابتسامة هادئة ضعيفة، ولفت ذراعيها حولها: وأنتِ كمان وحشتيني.
ابتعدت قليلا، تنظر في وجهها ثم سألت بصوت خافت: بابا وماما مجوش معاكي ليه؟
ابتسمت سلوى بهدوء، وحاولت أن تبدو طبيعية: بابا وماما راحوا على الفيلا، بس هيجولك إن شاء الله، هما ويوسف كمان.
كان سليم يقف قريبا منهما، يراقب المشهد بصمت، ثم اقترب وربت على يد ماسة برفق: على فكرة سلوى هتقعد معانا كام يوم.
انخفضت ملامح ماسة فجأة، وقلبت وجهها قليلا للجانب، وكأنها تحاول أن تخفي شيئا في عينيها:
شوفتي إللي حصلي يا سلوى؟
هزت سلوى رأسها بإيجاب، وقالت بنبرة محشرجة، والدموع تلمع في عينيها من جديد: سليم حكالي.
ثم شدت على كلماتها بقوة، وهي تمسك بيد أختها بين كفيها وكأنها تبث فيها القوة: بس أوعي تزعلي، ولا تتكسري، أنتِ قوية، متخليش حاجة زي دي تكسرك، فاهمة، أوعي؟
خفضت ماسة عينيها إلى الأسفل، رموشها ترتعش، وصوتها خرج مكسورا موجوعا: بس أنا موجوعة أوي يا سلوي.
ربتت سلوى على وجهها بابتسامة دعم: تتوجعي وأنا جنبك، وسليم معاكي، ينفع ده؟!
حاول سليم تغير الحديث، فقال بإبتسامة: بقولكم ايه، مش عايزين نتكلم في أي حاجة وحشة، أنا هطلب الفطار وننزل نفطر تحت، إيه رأيك يا ماستي الحلوة، علشان سوسكا تحضر الفطار على النيل؟ أكيد سلوى نفسها تحضر، صح؟
غمز لها، ففهمت سلوى وقالت بإبتسامة تأييد: اه نفسي أوي، وحياتي يا ميسو خلينا نفطر على النيل.
تنهدت ماسة بتوتر: معلش، خلينا نفطر هنا، مش عايزة أنزل تحت.
سلوى، برجاء: وحياتي…
ضمت ماسة نفسها بذراعيها، كأنها تحتمي بهما من العالم، وارتسم الخوف واضحا في عينيها: مش عايزة أنزل، مش عايزة أخرج برة الأوضة.
جلس سليم أمامها، ورفع يديه برفق ليضعهما على خديها، يجبرها بلطف أن تنظر في عينيه، كانت نظراته مزيج بين الحنان والجدية الواضحة: هتفضلي طول عمرك حابسة نفسك في الأوضة يا ماسة؟
ظلت تنظر إليه لحظة، عيناها تلمعان بضعف، ثم رفعت كتفيها بحركة صغيرة توحي بالحيرة والعجز، وقالت بصوت منخفض: لا، بس يعني .. أصبر عليا شوية.
نظر سليم إليها طويلا، يتأمل ملامحها المتعبة بعينين مليئتين بالتفهم، فتنهد ببطء وقال بنبرة مزاح خفيفة يحاول بها كسر ثقل الجو: ماشي أنا هسمح بالفطار هنا، بس الغدا هيبقى تحت، فاهمة؟ ولعلمك أنا سمحت بالفطار هنا مش عشان أنتِ عايزة ده علشان أنا برضو مش قادر أنزل تحت.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، فتنهد وهو يهم بالوقوف: أنا هروح بقى التويلت، وهكلم سحر تحضر الفطار.
لكن فجأة أمسكت ماسة كفه، قبضتها كانت أضعف من أن تمنعه لكنها أقوى من أن يتجاهلها: طب استنى، أنا هاجي معاك.
توقف لحظة، نظر إلى يدها الممسكة به، ثم حاول أن يحول الموقف إلى مزاح: وتسيبي أختك؟ مش هينفع.
صمتت سلوى لحظة، ثم مدت يدها تمسك بيد ماسة وقالت بحنان: أيوه يا ماسة، أنا معاكي، أنا عايزة أتكلم معاكي في حاجات كتير أووي.
سحب سليم يده ببطء من بين أصابع ماسة، كأنه يطمئنها بصمته، ثم توجه إلى الحمام وأغلق الباب خلفه بهدوء.
استغلت سلوى اللحظة، وأمسكت يد ماسة وسحبتها برفق نحو الشرفة: بقولك إيه، تعالي ندخل البلكونة الحلوة دي، علشان عايزة أتكلم معاكي في حاجات مهمة.
ثم وطت صوتها واقتربت منها أكثر: في حاجات مهمة عايزة أتكلم معاكي فيها، ومش عايزة سليم يسمعها.
نجحت في أن تسحبها إلى الشرفة، لكن عيني ماسة كانتا تعودان كل بضع ثواني إلى الداخل، تبحثان عن سليم بقلق واضح.
لوحت سلوى بيدها أمام عينيها: يا ماسة خليكي معايا، بصيلي.
ماسة بضيق خفيف: يا ستي أنا سمعاكي بوداني، عايزة إيه؟ خلينا نقعد جوه أحسن.
سلوى بإصرار: أنا حابة هنا، أنتِ أزاي حكيتي لسليم؟ يعني إزاي جتلك الشجاعة؟
نظرا ماسة للداخل مرة أخري، وقالت: عادي يعني يا سلوى، كان لازم أقوله.
سلوى بفضول: بس إحنا مفهمناش الموضوع جه إزاي أصلا؟
كل ما كانت تريده سلوى هو اشغال عقل ماسة بعيدا عن سليم ليس إلا.
ماسة، وقد بدا عليها التوتر: بقولك أنا مش مرتاحة هنا، أنا هدخل أقعد جوه، عايزة تيجي تعالي، مش عايزة خليكي.
وتركتها بالفعل ودخلت إلى الداخل، جلست على الأريكة وهي تزفر ببطء.
تنهدت سلوى، مسحت وجهها بكفيها، وأدركت أنها لا يجب أن تضغط عليها أكثر، فلحقت بها وجلست بجانبها: ماشي يا ستي خلينا هنا، المهم أحكيلي بقى، حكيتي أزاى لسليم، وهو عمل إيه؟ واتفقتم على إيه؟
تنهدت ماسة، وأغمضت عينيها لحظة: يا سلوى أنا حكيتلك كل الكلام ده لما جيتلكم أنا وسليم، متمثليش عليّا.
سلوى بإبتسامة صغيرة: طب بالراحة، بقولك إيه، أنا حابة أرجع لمكي.
اتسعت عينا ماسة فجأة، وهنا بالفعل نجحت سلوى أن تشتت عقلها: بجد يا سلوى؟
أومأت سلوى برأسها: أيوة، أنا حاسة إن إحنا ظلمناه، بس إحنا برضو كنا معذورين.
أمسكت ماسة يدها بقوة هذه المرة: فعلا يا سلوى، ده أحسن قرار هتعمليه.
سلوى بارتباك وهي تنظر إلى الأرض: بس مش عارفة أعمل ده أزاي، أنا كلمته في التليفون، وقت ما حكيتيلي الحقيقة، بس قفل بسرعة ومرضاش يكلمني.
ماسة بهدوء: طبيعي يا سلوى، بس أنتِ لازم تفهميه، وأكتر حاجة هتقف قصادك حوار طارق ده.
تنهدت سلوى بمرارة: كان غصب عني، كنت عايزة أنساه، أنا أصلا عايزاكي تكلمي ماما وتخليها تشيل موضوع إني أتجوز بسرعة كده من دماغها، سعدية اتجننت، وكانت عايزة تجوزني في أسبوع! لولا حوارك أنتِ وسليم وإننا مشينا من الفيلا، أقسم بالله يومها صليت شكر.
في تلك اللحظة، كان سليم في الداخل، واقفا خلف الباب، يستمع إليهم، وشعر براحة خفيفة تتسلل إلى صدره، فماسة أخيرا بدأت تخرج من حزنها وخوفها، وذهنها بدأ يتشتت ولو بنسبة صغيرة.
تنهد براحه، وذهب لأخذ دشا سريعا، تاركا لهم مساحتهم الشخصيه للحديث معا.
عند ماسة وسلوى…
جلستا متقاربتان على الأريكة، وأصابع سلوى متشابكة مع أصابع أختها، وهي تقول بهدوء: أنا قولت أكيد هكلمه، وأحاول معاه.
خفضت ماسة رأسها، وملامح الندم واضحة على وجهها: أنا آسفة يا سلوى، أنا مش مسامحة نفسي، صدقيني.
شدت سلوى على يدها فورا: متقوليش كده، إحنا غلطنا آه، بس كان غصب عننا.
تنهدت وأضافت بمرارة، وعيناها تشتعلان بالغضب: أحنا اتهددنا يا ماسة، كله من تحت راس أهله، ربنا ينتقم منهم.
أغمضت ماسة عينيها وهمست: يارب.