
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والعشرون 26 ج 2 بقلم ليله عادل
في تلك اللحظة دخلت سحر، تحمل صينية الفطار، ووضعتها على الطاولة بهدوء، وتساءلت: هو سليم بيه فين؟
أجابتها ماسة: بياخد حمام، في حاجة؟
سحر: أصل دكتور مصطفى عايزه.
تنهدت ماسة موضحة: قوليله بياخد حمام دلوقتي، ولما يخرج هخليه يكلمه في التليفون.
اومأت برأسها: ماشي، بعد إذنكم.
خرجت، فنظرت ماسة إلى سلوى وقالت: بقولك إيه، خلينا نستنى سليم.
ابتسمت سلوى وأمسكت وجنتيها بخفة: ماشي، ومش عايزة أشوف النظرة دي في عنيكي تاني فاهمة؟ خليكي قوية، أنتِ بنت سعدية.
ضحكت ماسة ضحكة خفيفة من قلبها، لكن عينيها ظلتا معلقتين على الباب، تنتظر اللحظة التي يخرج فيها سليم.
وبعد قليل خرج يجفف شعره بالمنشفة، اقترب منهما بإبتسامة خفيفة: أنا سامع اسمي اتقال كتير.
ضحكت سلوى: مفيش، عمالة أقولها جعانة، تقوللي هنستنى سليم.
جلس بجانب ماسة وهو يشير للطعام: طب، يلا خلينا ناكل.
وبالفعل بدأوا يتناولون الفطار في جو أهدأ قليلا، وكأن الطعام أعاد شيئا من الحياة للمكان.
قالت ماسة فجأة: على فكرة، مصطفى بيسأل عليك.
تنهد قائلا: ماشي، أنا شكلي هطلعه هنا علشان نتكلم.
تغير وجه ماسة وتوترت ملامحها: بجد؟ أنا مش عارفة أشوفه، بالله عليك بلاش، ممكن..
سليم بهدوء: طب تسمحيلي أنا أنزل؟
ردت بحزم: لا.
سلوى بسرعة: لا ليه؟ ما أنا معاكي أهو، سيبيه ينزل.
ماسة بإنفعال طفولي: قولت لا، ومتضايقونيش بقى يا جماعة.
تبادل سليم وسلوى نظرة سريعة، ثم أشار لها سليم بيده من أسفل الطاولة، وهمس مبتسما: يا ستي أنا مش نازل، أنا لازق فيكي اهو، ومصطفي يستنى، الدنيا مطارتش.
ارتخت ملامحها قليلا، وأومأت برضا، وجلس الثلاثة يتحدثون حديثا وديا عن عمار وأخباره، كان سليم مستندا بظهره علي الأريكة يطمئنهم: أنا متابع أخباره، ومش ناسيه، عارف مكانه كويس.
بدأ الاطمئنان يظهر على وجهيهما تدريجيا، وخف التوتر الذي كان يسيطر على الأجواء قبل قليل.
تنفست ماسة بعمق، وكأن جزءا من الحمل انزاح عن صدرها، بينما أومأت سلوى برأسها وهي تقول: المهم يكون بخير.
❤️__________________بقلمي_ليلةعادل
الإسكندرية.
منزل مصطفي 1:00ظهرا
كانت نبيلة تمسك هاتفها بين يديها، تقلبه بعصبية، وعيناها لا تفارقان الشاشة، القلق واضح علي ملامحها، أنفاسها متسارعة، وقلبها غير مطمئن فهي لم تعرف شيئا عن مصطفى منذ يومين.
نهضت فجأة من مكانها، واتجهت بخطوات متوترة إلى إحدى الغرف.
كان إيهاب يجلس خلف حاسوبه المحمول، مندمجا فيما يفعله.
دخلت نبيلة، وهي تقول بصوت مختنق بالقلق: أخوك تليفونه مقفول بقاله يومين!
رفع إيهاب عينيه إليها بهدوء مصطنع: أكيد مشغول يا ماما.
اقتربت منه أكثر، ونبرتها ارتفعت: أخوك عمره ماقفل تليفونه الوقت ده كله! من أول امبارح وهو مقفول، وأنت قاعد عادي كده؟
تنهد إيهاب بضيق خفيف: طب أعمل إيه يعني يا ماما؟!
وضعت يدها على صدرها محاولة تهدئة قلبها: أنا قلبي واكلني عليه، لا يكون الواد اللي اسمه محمود ده عمل في ابني حاجة.
رد إيهاب بسرعة محاولا طمأنتها: بعد الشر يا ماما، وبعدين لو كان حصل حاجة، مصطفى مكانش هيسكت وكان قالنا.
هزت رأسها بعدم اقتناع: مش مطمنة، كلم حد من صحابه، أنت مش عارف أرقامهم؟
هز رأسه نافيا: معيش أرقام الدكاترة اللى شغالين معاه في القاهرة، بس هكلم محمد.
رفع هاتفه واتصل بمحمد: ألو، أيوه يا محمد… بقولك إيه، مصطفى تليفونه مقفول من أول امبارح، معاك أرقام حد من اللي شغالين معاه في المستشفى أو العيادة؟ أصل أمي قلقانة...
صمت لحظة يستمع، ثم قال: آه… آه، ماشي، أنت في القاهرة؟ تمام خلص العيادة وعدي على الشقة معلش وطمنا، وابعتلي الأرقام دلوقتي..
أغلق الهاتف ونظر إلى أمه: محمد قال هيعدي على الشقة يسأل، وهيبعتلي أرقام الدكاترة اللي معاه في المستشفى.
اقترب منها وربت على كتفها برفق: صلي على النبي بقي واهدي، مفيش حاجة يا أم مصطفى.
نظرت إليه بعينين دامعتين: أهدى؟! أنتم مش حاسين باللي في قلبي، والله ما نمت من امبارح.
رن هاتف إيهاب فجأة برنات من الرسائل، فتحها سريعا: اهو، بعت الأرقام.
شرع يتصل بهم واحدا تلو الآخر، فجاءت جميع الإجابات متطابقة؛ كانت آخر مرة رأوه فيها مساء السبت في المستشفى، حين أعلن أمام الجميع زواجه من آلاء، ثم حضر صباح الأحد إلى المستشفي، ومنذ ذلك الحين اختفى، ولا أحد يعلم عنه شيئا.
ما إن سمعت نبيلة ذلك حتى ازداد توترها، وضربت بكفها على صدرها: والله العظيم لو ابني جراله حاجة بسبب أخو البنت اللي فوق دي، أقسم بالله ما هسيبها في حالها!
إيهاب محاولا تهدئتها: يا أمي، هي ذنبها إيه بس؟
التفتت إليه بانفعال: وإحنا ذنبنا إيه؟! ابني ذنبه إيه؟! ابني يحصله حاجة ليه؟!
اقترب منها أكثر وربت على ظهرها: طب اهدي بس وصلي على النبي، خليني أفكر.
رفعت رأسها فجأة وكأن فكرة خطرت ببالها: مش أنت بتعرف تهكر أرقام؟ خلاص شوفلنا مكانه.
هز إيهاب رأسه بأسف: تليفونه مقفول يا ماما، أجيبه ازاي وهو مقفول؟
جلست نبيلة على الأريكة بتعب، وضمت الهاتف إلى صدرها، وعيناها تدمعان: حسبي الله ونعم الوكيل…
ثم تمتمت بصوت مكسور: أنت فين بس يا ابني يا حبيبي، ربنا يحفظك ويرجعك بالسلامة، ويبعدك عن كل شر يارب.
جلس إيهاب أمامها، وانحنى قليلا، وربت على قدميها محاولا تهدئتها: يا ماما، والله العظيم هيبقى كويس إن شاء الله، اكيد تليفون باظ ولا حاجه، وهو مش حافظ ارقامنا انتِ عارفه ابنك مبيحفظش ارقام.
نظرت إليه نبيلة بحدة، وعيناها ممتلئتان بالخوف: يا واد متقولش الكلام ده! ده أنت وشك أصفر وقلقان زي، انت بتقول كلام وأنت مش مصدقه!
ابتلع إيهاب ريقه، ثم قال بنبرة حاسمة يخفي بها قلقه: بصي يا أمي، أنا هستنى مكالمة من محمد، لو مصطفى مباتش في شقته، أنا هنزل القاهرة وأدور عليه بنفسي.
انتفضت من مكانها، وصاحت بانفعال: لا! لا مش هتروح في حته! عايز تمشي ويحصلك حاجة؟ وقلبي يتحرق عليك أنت كمان، لا كفايه واحد.
صمتت للحظه ثم تساءلت بفزع: هي اختك فين؟ عائشه فين؟!
نظر لها باستغراب: أختي في أوضتها بتذاكر.
ثم لوح بيده قائلا بهدوء: اهدي بقى، وصلي على النبي، هقوم اعملك كوباية لمون تهديكي شوية.
نهض إيهاب من مكانه واتجه إلى المطبخ، كان متوترا مثلها، قلبه يدق بعنف، لكنه حاول أن يبدو قويا وصلبا أمام والدته حتى لا يزيد خوفها.
فتح هاتفه واتصل بمحمد، وخفض صوته: بقولك إيه، لو روحت الشقة وملقتش مصطفى، متقولش حاجة قدام أمي، قول إنه بات هناك وإنه كويس، وبكرة الصبح هكون عندك في القاهرة.
جاءه صوت محمد من الطرف الآخر، متوترا: في إيه يا إيهاب قلقتني؟
تنهد إيهاب بعمق: مصطفى تليفونه مقفول من أول امبارح ومختفي، وآخر مرة كلمناه فيها كان السبت بالليل، ولما كلمت الدكاترة اللي شغالين معاه، قالوا آخر مره شافوه كان السبت بالليل وقال إن آلاء مراته، وبعدها راح الأحد واختفي من يومها، ومن ساعتها محدش شافه.
محمد بصدمه: يعني مكلمكش من امبارح؟
ايهاب موضحا: لاكلمني السبت بالليل وقال إنه راجع البيت، وبعدها اختفى.
ساد صمت قصير، ثم قال محمد بجدية: أنا بقفل العيادة دلوقتي، ورايح على الشقة، أول ما أوصل هكلمك، إن شاء الله خير، هو حصل حاجة عشان كدة قلقانين.
تردد إيهاب لحظة ثم قال: أصل أخو آلاء ده امبارح جه وعمل مشكلة عند البيت.
تنهد محمد بقلق: أهو ده اللي كنت خايف منه.
ثم تابع بحسم: عموما أنا رايح حالا، وهكلمك أول ما أعرف حاجة.
أغلق إيهاب الهاتف، وأسند رأسه للحائط، ومسح وجهه بيده بتعب، وتمتم بصوت خافت، يكاد لا يسمع: يا تري أنت فين يا مصطفى؟!
شركة كوين لمستحضرات التجميل، 1:00 ظهرا.
مكتب صافيناز
جلست صافيناز خلف مكتبها الزجاجي العريض، تمسك القلم بثبات وهي تمضي الأوراق واحدة تلو الأخرى، وعماد يجلس أمامها بصمت وبجواره رجل في منتصف العمر يراقب كل توقيع بعين قانونية دقيقة.
انتهت من توقيع آخر ورقة، ثم أغلقت الملف ودفعته نحوهما قائلة: كده خلاص؟
مال الرجل بجسده إلى الأمام، التقط الأوراق وبدأ يتصفحها بعناية، يقلب الصفحات صفحة صفحة، ثم أومأ برأسه: أيوه… كده خلاص.
نظرت إلى عماد ثم عادت بعينيها إلى الرجل: يعني كده عماد بيه يقدر يتعامل في أي حاجة من غير ما يرجعلي؟
الرجل بثقة: طبعا يقدر يبيع ويشتري، ويوقع عقود، ويتصرف كأن حضرتك اللى بتتصرفي.
عقدت ذراعيها وقالت: أنا قبل كده عملت توكيل، بس كان فيه حاجات معينة لازم يرجعلي فيها وأمضي بنفسي، مش عايزه الثغرات دى تاني..
ابتسم الرجل ابتسامة مهنية خفيفة: العقد الأول كان فيه بنود بتضمن حقوقك، إن عماد بيه ميقدرش يتصرف في أي حاجة إلا بموافقتك إنما التوكيل ده مختلف، مفتوح وصريح.
نظرت إلى عماد نظرة طويلة، وكأنها تزن القرار من جديد، ثم قالت بهدوء حاسم: تمام.
ثم التفتت إلى الرجل: طيب اتفضل حضرتك.
توقف الرجل عند الباب وقال: إن شاء الله هنسجل العقود النهارده، وبعدين أطلع صور علشان تبقى معاكم.
أومأت برأسها، فخرج الرجل، وأُغلق الباب خلفه بهدوء.
عادت بظهرها إلى المقعد، وأغمضت عينيها للحظة كأنها تحررت من حمل ثقيل، ثم فتحت عينيها وقالت: عماد خلص، الشغل اللي ناقص خلينا نشتغل.
عماد بثقة: متقلقيش الشحنة هتوصل على بكرة.
مالت للأمام وهى تبعث بالقلم بتوتر: أنا عايزاها أول ماتوصل تدخل المخازن فورا، مينفعش تستنى كتير غي الجمارك، معنديش مواد اشتغل بيها، ولسه هتاخدلها بتاع أسبوعين في المصنع علي ما خط الإنتاج يبقي جاهز للتوزيع.
هز رأسه بثقه: متقلقيش يا صافي.
صمتت للحظه ثم قالت بنبرة أخفض تعكس التوتر الذي بين عينيها: سليم لسه مختفي؟!
اومأ برأسه: اممم، وعثمان كمان تليفونه مقفول.
تجمدت ملامحها: طب وده معناه إيه؟
عماد موضحا: أنا النهارده بعت حد يسأل على دكتور مصطفى قالوا إن آخر مرة شافوه كانت يوم الحد الصبح، هبعت حد إسكندرية يسأل عليه ونشوف..
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت أخف، لكنه أكثر خطورة: أنت عارف لو سليم صدق إن ماسة ومصطفي اتخطفوا بجد يا عماد، إيه إللى ممكن يحصل؟!
نظر إليها مشدوها لوهله وكأنه أصيب بسهم، ثم نظر بعيد بقلب يخفق: تبقي كارثه! ولو ده حصل رغم إنه مستحيل، يبقي لازم أنا وأنتِ نختفي ونسافر فورا.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح: تفتكر سفرنا هيحمينا؟ إحنا لو استخبينا جوه بطن حوت، سليم هيجيبنا.
هز رأسه يحاول نفض الفكره من رأسه قائلا: متخوفنيش يا صافي.
ردت بحدة مكبوتة: لازم نخاف، بلاش نثق في حاجة قبل ما نتأكد.
صمت لحظه، ثم قال: عموما بالليل هنتأكد هل أهل مصطفى عارفين عنه حاجه وقلقانين ولا عادي!!
أومأت صافيناز لكنها لم تكن مطمئنة، كانت تشعر أن الخيوط بدأت تتشابك، وأن اختفاء سليم ليس كافي لجعلها تطمئن…
❤️______________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة، 2:00 ظهرا.
في غرفة النوم.
كانت ماسة لا تزال تجلس مع سليم وسلوي، وتتبادل معهم الحديث بهدوء، وقد استطاعت سلوى الاستحواذ على انتباهها بحكاويها عن العمل، وأثناء ذلك طرقت سحر الباب بخفة، قبل أن تطل برأسها: دكتور ياسر جه.
توقف سليم عن الكلام، وقف من جلسته، وتبدلت ملامحه إلى الجدية: خليه يدخل.
دخل ياسر بإبتسامة مرحة: مريضتنا عاملة إيه؟
تبسم سليم وهو ينظر لماسة: لا، هي مش مريضة، دي حلوة خالص.
توقفت ماسة، وسلوى بإحترام، فتساءل ياسر: عاملة إيه النهاردة يا ماسة؟
ماسة بإتسامة خفيفة: الحمد لله، بخير.
نظر ياسر لسلوى وسأل: أختك؟
نظرت إلى سلوى ثم نظرت له، وهي تمد يدها على ظهرها: أيوه، هي دى بقى سوسكا.
ابتسم ياسر: جميل جدا، وحلو إنك مش ماسكة في إيد سليم النهارده.
همست ماسة: ممم…
بدأ التحدث بمهنية: طيب، يلا نبدأ الجلسة بتاعتنا.
اومأت برأسها، فجلس الجميع، نظر لها ياسر وتساءل: قوليلي بقى، عملتي إيه امبارح؟
رفعت كتفيها: مفيش، عملت التمارين اللي انت قولتلي عليها، وقعدت مع سليم وكده.
نظر الى سليم متسائلا: مسكت في ذراعك؟ أو بتدخل معاك الباث روم تاني.
هز رأسه موضحا: لا، كانت واقفة قدام باب التواليت من بره، ومكانتش بتمسك دراعي كتير، بس دايما عايزاني قدام عينيها.
اومأ وهو يمد وجهه للأمام: مش مشكلة.
ثم التفت موجها حديثه لماسة: ماسة، سليم النهاردة مش هينفع يحضر معانا الجلسة، هنستبدله بسلوى، إيه رأيك؟
هزت رأسها برفض مرتعب: لا، هيفضل معايا هنا.
كاد ياسر أن يتحدث، لكنها قاطعته وأمسكت بيد سليم، ونبرتها خرجت مليئة بالضيق والانزعاج: بالله عليك، متضغطش عليا.
نظر لها للحظات متفحصا، ثم قال بهدوء: إحنا مش عايزين نضغط عليكي، بس إيه رأيك؟ سليم يبقى واقف عند الباب، وسلوى هتقعد على الكرسي ده، وأنا وأنتِ هنقعد في الحتة دي.
فهو حاول إبعادهم عنها، مع إبقاؤهم في المحيط ذاته لطمئنتها.
فكرت ماسة قليلا، نظرت لسليم ثم لسلوى، ثم أومأت موافقه بتردد، وبدأت الجلسة، وظلت عينا ماسة شاخصتين على سليم دون أن ترفعها عن وجهه، وبين حين وآخر، كان ياسر يوجه لها حديثه قائلا: "بصيلي يا ماسة"، دقيقة، اثنان، وثلاث، ثم تعود بعينيها إلي سليم مرة أخري، كأنها تستمد من وجوده القوة والثبات الذي تحتاجه، وكأن وجود سلوى لم يكن كافيا لمنحها هذا الاطمئنان.
في منتصف الجلسة، قال ياسر: طب إيه رأيك نعمل تمرينه صغيرة؟ نجرب كده...
وجه حديثه الى سليم: سليم، أفتح الباب وأقف بعيد شوية.
توترت ماسة بشدة في تلك اللحظة، وضغطت على يدها بقوة وتوتر
خاطبها ياسر بهدوء: ماسة خليكي معايا، وأهدي، سليم جنبك، وكلنا جنبك، متخافيش، بصيلي، خلينا نكمل مع بعض… خدي نفس… أنتِ قوية… عايزة تفضلي جوه الصندوق، ولا تخرجي منه؟! سليم مش هيقف بعيد، هيكون قدام عينك.
علمها كيف تاخذ نفسا عميقا أكثر من مرة، حتي بدأ توترها يهدأ، وهزت رأسها بإيجاب، فأشار إلي سليم ليخرج من الغرفة.
فتح سليم الباب ووقف في الممر عند الحائط، رغم شعوره بالضيق، إذ كان يتمنى البقاء بجانبها، ولكنه اضطر إلى الخروج لصالحها.
بدت على ماسة مظاهر القلق والخوف، إلا أن ياسر استطاع السيطرة على توترها بما يكفي، فأنجزت الجلسة على نحو أفضل.
بعد الانتهاء، توقف ياسر وسليم في الممر، وكان الباب مفتوحا، وماسة جالسة مع سلوى داخل الغرفة، تتبادلان النظرات والأحاديث بهدوء لكن عينا ماسة كانت كل بضع ثواني تنتقل إلى سليم لتتأكد من تواجده.
في الممر
قال ياسر بهدوء عملي: أنا رأي نفوت بكرة، ونخلي الجلسة الجاية بعد بكرة، وأنت إللي هتشتغل على الجلسة، أنت وأختها، اختها تشغلها زي النهاردة، عجبني جدا إنها عملت الحركة دي، خليها تحكي معها في أي موضوع يجذب انتباهها، وانت وحاول تشغل نفسك في أي حاجة، خش البلكونة، أدخل الحمام، خليك في دائرتها، لكن عينيها مش شايفاك.
رد بقلق: افرض رفضت؟
أجابه بعملية: هي أكيد هترفض، بس أنت أعمل إللي أنا بقولك عليه.
سليم بتنهيدة محمله بالقلق: أنا حياتي واقفة، في حاجات مهمة لازم أعملها، ونفسي أفضل جنبها، ومتضايق عشانها، بس في حاجات تانية لازم أعملها دلوقتي ومينفعش اتأخر.
ربت ياسر على كتفه مهدئا: أصبر يا سليم، أنت كدة بتضغطها، المرحلة إللي إحنا فيها كويسة جدا، مش عايزين منها أكتر من كده..
رد موضحا: انا بس محتاجها تتخطى حتة إنها مش عايز تخرج برة الأوضة.
أجابه بهدوء: واحدة واحدة، نطمنها الأول، ممكن الجلسة الجاية أحاول أخرجها.
سليم بإبتسامة خفيفة: تمام.
دقق الطبيب النظر في ملامح سليم متساءلا: أنت عامل إيه؟ كويس؟
مد وجهه وهو يزفر أنفاسه الساخنه: بحاول أكون كويس علشانها.
اومأ قائلا: ومحتاج تكون كويس كمان علشان نفسك، عامة إحنا محتاجين نقعد مع بعض.
أجابه بهدوء موضحا: أنا عارف شوية تمارين من إللي اتعلمتها وبعملها، المهم دلوقتي ماسة تكون كويسة.
صمت لوهلة ثم قال موضحا: لأن تعبها ملجمني جدا.
ابتسم ياسر: عارف وواخد بالي، بس مش عايزك تحبس أي حاجة جواك، والتمارين إن شاء الله هتساعدك تفرغ طاقة الغضب اللى جواك.
أوما سليم برأسه: حاضر.
أكمل ياسر: لما ماسة تبدأ توافق، أنك تكون في مكان وهي في مكان، ممكن نعمل جلسة مع بعض، مش عايزين أعاصير سليم تظهر، ممكن نقبل بتلقباته الجوية، لكن إعصار لا.
ابتسم إبتسامة صغيرة: تمام، إن شاء الله يا دكتور، شكرا جدا.
ياسر مبتسما: مفيش أي حاجة، ده شغلي، بعد إذنك.
تحرك ياسر مبتعدا بينما عاد سليم إلى ماسة، مبتسما بتشجيع ودفء، وكأنه يرسل لها قطعة من الطاقة الإيجابية.
سليم بمزاح وهو يتغزل بها: أيوة كدة يا قطعة السكر، مرات سليم الراوي لازم تكون قوية، لازم تكون إيه...
ضحكت وقالت: قوية.
أومأ برأسه عدة مرات: أيوة كدة.
تبسمت له وقالت برجاء طفولي: طب تعالي أقعد جنبي بقى.
رد بحماس: ماشي، إيه رأيك نلعب الشايب ونغلب سلوى؟
ضحكت بحماس: موافقة، يلا بينا!
وبالفعل بدأوا اللعب، وحاول سليم قدر الإمكان تشتيت انتباهها، حتي بدأت الابتسامات تعود إليها شيئا فشيئا، وبدأ عقلها ينسى ما حدث لبعض اللحظات...
وبعد وقت، بدأ ثقل جفونها يسيطر عليها، وشعرت بالنعاس والإرهاق، ربما أيضا محاولة للهروب قليلا من التوتر.
وطبعا لم يسمح سليم لنفسه بالابتعاد، أو حتى هي، ظل بجوارها يمسك يدها برفق حتى غفت في ثبات عميق، وعندما تأكد من ذلك همس إلى سلوى قائلا: سلوى، أنا لازم أنزل تحت علشان أكلم مصطفى، مش هتأخر، لو صحيتِ قوليلها في التواليت، ورني عليا، أطلع بسرعة.
أجابت سلوى بهدوء: طيب روح، أنا جنبها، متقلقش.
اقترب سليم من ماسة، ووضع قبلة خفيفة على جبينها، ثم تحرك للخارج، بينما جلست سلوى بجوارها، تمسح على شعرها بحنان، محاولة أن تمنحها الطمأنينة والدعم.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
في الحديقة.
هبط سليم إلى الأسفل بعد أن اطمأن على ماسة، كان بحاجة لرؤية مصطفى أولا حتي يتناقش معه فيما ينوي فعله، ثم يذهب إلى مكي الذي لا يرد على اتصالاته منذ يومان.
ما إن وصل إلى الطابق الأرضي حتى لمح أحد الخدم، فتوجه إليه وسأله: دكتور مصطفى فين؟
أجابته الخادمة باحترام: في أوضته يا فندم.
أومأ سليم برأسه: طيب، اعمليلنا قهوة مظبوطة، وهاتيها لنا في الجنينة وبلغيه إني عايزة.
هزت رأسها بالإيجاب وانصرفت، فتحرك سليم نحو الخارج، لكن فجأة اتسعت عينيه بدهشة، وتوقف مكانه عندما لمح مكي جالسا تحت الشجرة المواجهة للنيل، يحتسي الشاي ويدخن سيجارته بهدوء مستفز.
تقدم نحوه بخطوات سريعة: أنت هنا؟!
رفع مكي طرف عينه ببرود: أيوه هنا، هكون فين يعني؟
تسأل وهو يمد وجه: يعني أنت ممشيتش؟
رفع كتفه بلا مبالاة: أمشي أروح فين؟ وأمشي ليه أصلا؟
نظر إليه باستغراب، ثم ضحك بسخرية وهو يجلس أمامه: أومال إيه بقى الكلام بتاعك؟ هستقيل ومليش علاقة بحاجة من النهاردة، وبعدين تطلع قاعد هنا عادي؟
صمت لحظة قبل أن يضيف بتهكم: وبعدين أنت مبتردش عليا ليه؟ هو إحنا مخطوبين، وأنت خطبتي وقافش عليا يعني؟
ارتشف مكي من الشاي بهدوء: ما أنا فعلا مقموص وقافش.
مال سليم نحوه: مقموص ليه بقى يا عم المقموص؟
نظر له مكي بحدة خفيفة: أنت شايف اللي أنت قولته ده عادي؟
تنهد بندم: ما أنت عارف إنه كان غصب عني، يا مكي.
ضحك مكي بسخرية قصيرة: غصب عنك؟
نظر له بتركيز، وقال بعتاب ساخر: في وقت جنانك وعصبيتك معايا يبقى غصب عنك ومش عارف تتحكم في نفسك، لكن مع ماسة؟ تحسب كل كلمة وتاخد بالك من نفسك اوي.
ضحكة سليم رغما عنه: أنت بتقول إيه؟
رفع مكي حاجبيه: بقول الصح.
صمت سليم لحظة، ثم سأله بجدية: طب ما دام أنت لسه مقموص وغيران من ماسة، قاعد هنا ليه؟
نظر له مكي بطرف عينه: هو أنت فاكرني هنا عشانك؟ أنا قاعد علشان ماسة.
اتسعت عينا سليم، وهو يتك على الكلمه مندهشا: علشان ماسة؟
هز مكي رأسه مؤكد: أيوه علشان ماسة.
مد سليم يده وخبطه على كتفه بخفة: بطل هزار بقي ..
وتابع معتذرا بنبرة أهدئ: حقك عليا، أنا عارف إني قولت كلام رخم وميصحش، بس أنت أكتر واحد فاهمني.
نظر له مكي من طرف عينه، وصوته خرج ثابتا: لأ، أنا زعلان.
نظر إليه سليم، وتبادلت أعينهما نظرة صامتة لثواني، ثم انفجرا ضاحكين معا.
شده سليم إليه واحتضنه، وربت على ظهره: متزعلش مني، حقك عليا، أنا أسف.
ابتسم مكي ابتسامة جانبية: ايه يا سليم احنا اكبر من كدة، مش شوية كلام يزعلني منك..
وتابع بمزاح: بعدين الكلام أهون من الضرب بصراحة، وشي مبقاش مستحمل، وأنت غشيم، وغضبك أعمى.
ضحك سليم، وخبطه بخفة على قدمه، فتسأل مكي بجدية: قولي بقي، ليه طلبت من عرفان اللي طلبته؟
رفع سليم حاجبه متعجبا: أنا نفسي أفهم، هما شغالين عندك ولا عندي؟
أضاف بتهكم: هو كل حاجة لازم يجروا يعرفوك بيها، كأنك ولي أمري؟!
مال مكي نحوه متعجبا: أنت متخيل إنك ممكن تدي أوامر لحد من غير ما يوصلي؟
واقسم بحدة: أقسم بالله كنت علقتهملك! هنخيب ولا إيه!! لازم أديهم التمام طبعا علشان أنت مجنون ومتضمنش.
رد معلقا باستفزاز: طب أيه رأيك بقي، انا هشدهم شده محترمه على اللي بيعملوه ده.
ضحك مكي: شد براحتك، وهيقولولي برضو.
ثم تساءل بجدية: المهم متتوهش ناوي تعمل إيه؟ إيه اللي في دماغك؟
تنهد سليم، ونظر ناحية النيل: مفيش ناوي اتسلي.
عاد ينظر إليه وعيناه تلمعان: مش هما كانوا عايزين يفضحوني أنا وماسة، تمام خلينا نفضح بعض كلنا، ونسيب الحكم للجمهور..
سأله مكي مباشرة: الشقه إللي طلبت يتحط فيها كاميرات شقة سارة صح؟
اومأ سليم بابتسامه ماكرة تلمع في عينيه، فنظر له مكي متوجسا: أنا مش مرتاحلك يا سليم.
هز سليم رأسه وهو ينظر أمامه بشرود: ولا أنا كمان مرتاح لنفسي، بس هما اللى بدأوا، والعين بالعين، والسن بالسن والبادى أظلم، والجزاء هيبقي من جنس العمل، وبعدين أنا مش هعمل فيهم حاجه مبتكرة ولا جديدة عليهم، أنا هطبقلهم أفكارهم عملي!!
تنفس مكي بعمق، ووضع يده على كتفه مشجعا: بصراحه حقك تعمل أي حاجه بعد اللى حصل، وأنا معاك في أي حاجه عايز تعملها، إلا أنك ترجع توسخ أيدك بالدم تانى.
نظر له سليم بابتسامه خافته: متقلقش!
تنهد مكي، وتساءل: طب هتعمل إيه مع مصطفى؟ وماسة عامله ايه دلوقتي؟
مسح وجهه بيده، وصوته خرج مرهقا: استنى بس لما يجي انا بعتله، اما ماسة مش كويسة خالص… خايفة، ومش عايزة تسيبني لحظة، كأنها حاسة لو بعدت عنها، حد هييجي يخطفها تاني.
صمت لحظة، ثم أكمل: جبتلها سلوى تقعد معاها علشان أقدر أنزل أكلم مصطفى، واجيلك أعتذرلك.
رفع حاجبه باستغراب: بس أنا لحد دلوقتي مش فاهم، الناس اللي هنا إزاي مقالوليش، إنك موجود؟
لوح مكي بيده: أنا منبه عليهم محدش يقولك..
وتابع بنبرة مطمئنة: واطمن على ماسة، إن شاء الله يومين هتبقي كويسه، انت مش جبت ياسر !
هز سليم رأسه بقلق: اه وقالي زيك، بس برضو قلبي مش مطمن، وصعبان عليا أوى أشوفها قدامي خايفه وبالحاله دى..
ربت مكي على كتفه بمواساة: معلش، إن شاء الله هتبقي كويسة، وكله هيبقي تمام.
نظر سليم إلى مكي بنظرة ثابتة وقال بصوت منخفض لكنه حاسم: بقولك الليلة عايزك تحط ميكروفونات في المجموعة، كل المكاتب.
أدخل يده في جيبه وأخرج مفتاحا صغيرا، واعطاه أياه: المفتاح ده بيفتح كل مكاتبهم، لو قدرت تدخل مكتب صافيناز في الشركة بتاعتها يبقي كويس، معرفتش خلي عرفان يساعدك، عايز أصحى بكرة وكل حاجة قدامي تبقي لايف.
أمسك مكي بالمفتاح وقلبه بين أصابعه، ثم رفع عينه إليه: ماشي، بس الباشا مسافر.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة ذات معني: عارف، علشان المصنع.
في تلك اللحظة، اقترب مصطفى وهو يقول باعتذار خفيف: معلش كنت بصلي.
أشار له سليم بالجلوس: اقعد يا مصطفى، عامل ايه دلوقتي، معلش معرفتش انزلك اليومين إللي فاته، خالص بسبب ماسة.
نظر إليه مصطفى بقلق: أنا كويس الحمد لله، المهم ماسة عامله ايه دلوقت؟!
تنهد سببم بثقل: ادعيلها، إن شاء الله هتبقى أحسن.
تردد مصطفى لحظة، ثم قال بصوت خافت: سليم أنا سمعت كلامك واديتك تليفوني، بس أنا لازم أكلم أهلي واطمنهم عليا، أنا من اول امبارح مختفي!
رد سليم فورا: حاضر، هتصرف، وهجيبلك رقم تكلمهم منه، . اصل أنا محتاجهم فعلا يقلقه ويبدو يسالوا عنك...
ثم نظر إلى الاثنين بجدية: بصوا هقولكم اللي في دماغي.
مال بجسده للأمام، وصوته صار أكثر حدة: أنا هبين إني مصدق اللي حصل، وإني يا إما قتلتك، يا إما خافيك في حتة وبعذبك.
اتسعت عينا مصطفى: إيه؟!
أكمل سليم بهدوء قاتل: وهتقعد فترة في فيلا تانية، مستخبي فيها.
تساءل مصطفي بترقب: طب وأهلي؟!
أجابه سليم بهدوء: أهلك هطمنهم، وهفهمهم كل حاجة، بس مش دلوقتي..
تابع بدهاء كأنه يرسم خطه محكمه: أنا محتاج أأكدلهم إني صدقت، علشان هما فعلا بيدوروا عليك.
ثم أضاف بنبرة قاطعة: وأهلك لازم يقعدوا في القاهرة.
تجهم مصطفى: ليه؟
سليم موضحا: علشان يبقوا تحت عيني، واضمن إن محدش هيقرب منهم، ولا يأذيهم، وكمان علشان يمثلوا أنهم جم يدوروا عليك... بس الكلام في التليفون مش هينفع لازم وجها لوجهه، كل اللي هيدور في المكالمه، انك كويس، وتليفونك كان بايظ أو اتسرق
صمت مصطفى للحظه بتردد، وكأنه يريد قول شئ، انتبه له مكي وتساءل: أنت ايه مشكلتك؟! بعيدا عن اهلك؟!
رمش مصطفى بعينه للحظه، ثم ذم شفتيه وقال: هقولكم ..
ثم بدأ يروي لهما قصته مع آلاء وحين انتهى، قهقه مكي بسخرية وهو يهز رأسه معلقا: انت مدي للواد ده سعر ليه، ده عيل متني!
قاطع سليم الحديث بحزم: سيب الموضوع ده عليا، محمود ده أنا هخلصك منه.
قاطعه مصطفي معترضا: لا يا سليم لو سمحت، مش عايز تدخل منك بأي اسلوب من أساليبك في الموضوع دى، أنا أصلا عملتله محضر ومش هيقدر يتعرضلها تانى.
زفر سليم بحيره: أومال أنت عايز ايه؟!
مصطفي موضحا: آلاء وماما مش على وفاق خالص، يعني هما في اسكندريه كان كل واحده فيهم في شقة، وكل شوية ماما تضايقها، مبالك بقي لو قعدوا الاتنين مع بعض في شقه واحده!؟ أمي هتولع فيها..
ضحك سليم بخفوت: بصراحه عندها حق يا مصطفي، أصل مفيش حد بيتجوز جدعنه بصراحه!
ثم تابع بهدوء: بس لو على دى محلوله، آلاء ومامتها أجيبهم يقعدوا معاك في الفيلا اللى أنت هتبقي قاعد فيها، أو حتى اشتريلها شقة لوحدها لو تحب.
تردد مصطفى بحيرة: مش عارف…
نظر له سليم بثبات: أنت عندك مشكلة تساعدني؟!
هز مصطفى رأسه بسرعة: لا طبعا، مستحيل، بس قلقي كله على أهلي، وظروفي مش متظبطه زى ما أنت شايف؟!
ربت سليم على كتفه مطمئنا: لو على أهلك متقلقش، وآلاء كمان مشكلتها محلوله ومش محتاجه قلقك ده كله.
بعد لحظة صمت، قال مصطفى باستسلام: ماشي.
هم سليم بتوقف: لازم اطلع عشان ماسة عن اذنكم.
تحرك سليم مبتعدا يشعر بثقل في صدره، لكنه أخفاه سريعا خلف هدوئه المعتاد، هو يعلم جيدا أن ماسة إن استيقظت ولم تجده جوارها، قد تعود إلى تلك الدائرة السوداء التي يحاولون أخراجها منها بصعوبة.
بينما ظل مكي ومصطفى جالسين في المكان، والصمت بينهما لم يكن مريحا… بل كان ممتلئا بأفكار لا تقال.
في غرفة ماسة وسليم.
فتح سليم الباب بهدوء.
كانت سلوى تجلس بجوار الفراش، تميل برأسها قليلا، تلعب في هاتفها، بينما ماسة نائمة بعمق، وأنفاسها منتظمة.
رفعت سلوى عينيها فور رؤيته، ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم أنزلت قدميها عن السرير بإحترام.
سليم بصوت منخفض: لسة نايمة؟
همست سلوى: آه لسه، متأخرتش أصلا.
تنهد بخفة: مينفعش أتأخر.
اقترب خطوة، وعينه لا تفارق ماسة، ثم ألتفت إلى سلوى متسائلا: أنتِ ليه مقولتيليش إن مكي تحت؟
رفعت كتفيها بحيرة: معرفش، مجاش في بالي، ما هو علطول هنا، في حاجة؟
هز رأسه سريعا: لا، لا، مفيش حاجة.
صمت لحظة، ثم أشار نحو الباب: روحي أنتِ شوفي لو عايز تعملى حاجه، أنا هقعد معاها.
هزت رأسها موافقة: ماشي
ثم توقفت وقبل أن تخرج، التفتت له مجددا: بقولك إيه، أنت كده بعت حراسة عند بابا وماما؟
نظر لها بثبات: اه طبعا، مأمن كل حاجة، متقلقيش.
ارتاحت ملامحها قليلا: تمام، بعد إذنك.
خرجت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها دون صوت، بينما بقي سليم واقفا للحظة ينظر إلى ماسة، ثم اقترب وجلس على طرف الفراش بجوارها، ومد يده يزيح خصلة شعر سقطت على وجهها، تنفس بعمق كأن وجوده بجوارها هو الشيء الوحيد الذي يعيد له اتزانه.
همس بصوت لا يسمع: نامي وارتاحي يا عشقي، أنا هنا ولا يمكن أسمح إن حاجه تأذيكي تاني.
تمدد بجوارها، وأمسك هاتفه، ووضع السماعات في أذنيه، وبدأ يستمع إلى التسجيلات.
لا جديد نفس الحديث ذاته متبادل بين فايزة وصافيناز وعماد: سليم فين؟ لسه مختفي؟ تليفونه لسه مقفول؟ تفتكرو صدق؟! بعت حد يسال على مصطفى هيجيل الخبر النهاردة.
ضغط على فكه بضيق، رفع عينيه نحو ماسة النائمة، وزفر ببطء وجودها كان يقيده… كأن خوفها وتعبها سلسلة تلتف حول قدميه.
هو يفهمها، ويقدر هشاشتها، ويؤلمه أن يراها بهذا الانكسار… لكن ازمتها كان السلسلة التي تشده للخلف، تعرقل خطواته وتبطئ اندفاعه نحو تنفيذ خطته كما خطط لها، ومع ذلك كان قلبه يركض بعجلة لا تهدأ، يريد أن يتحرك، أن يسبق الخطر، أن ينهي كل شيء.
مسح على وجهه بتعب، وقال في نفسه: لازم أعمل حاجة… كده مش هينفع شكلي هضطر أجيب عثمان هنا وأحرك كل حاجة من هنا، مش هفضل ساكت، كويس انهم هيسالو عن مصطفى ويعرفوا انه مختفي وبكدة اثبتت اللي محتاجة.
في تلك اللحظة تحركت ماسة قليلا، انتبه فورا
نزع السماعات من أذنيه، واقترب منها فتحت عينيها ببطء، انحنى عليها مبتسما، ومرر كفه برفق على خدها: مساء الخير يا قطعة السكر.
ابتسمت بنعاس: مساء النور يا كراميل، أنا نمت كتير؟
نظر إلى ساعته: ساعة ونص تقريبا.
ضحكت بخفة وهي تفرك عينيها: مش عارفة نمت ليه كده…
نظرت حولها فجأة بقلق خفيف وهي تنهض لتجلس: سلوى فين؟
أجابها مطمئنا: راحت أوضتها تظبط شنطتها، مش معقول يعني هنفضل حابسين البنت جنبنا؟
قالت بقلق: أنا بقول نجيب ماما وبابا هنا أحسن.
هز رأسه بحزم خفيف: لا، أنا عايزهم يفضلوا في مكانهم، وعليهم حراسة متخافيش، وبعدين كل حاجه بقت لايف دلوقتي عندى، فأي حاجه هيفكروا يعملوها هعرفها، متقلقيش.
رمشت بعدم اقتناع، لكنها لم تناقشه.
ابتسم فجأة وقال بحماس: المهم، سيبك من ده كله، فيه حتة قصة عايز احكيهالك مش هتصدقيها، مش قولتلك قبل كده إن مصطفى تخصص بنات مضروبة وبيقف جنبهم؟
نظرت له بإستغراب: مش فاهمة.
تابع موضحا: فاكرة البنت والست إللي قعدتيهم في الفيلا؟
هزت رأسها بإيجاب: أيوه فاكرة.
ابتسم بخبث خفيف: اتجوزها.
اتسعت عيناها بصدمة: مصطفى اتجوز؟! ومعزمنيش على فرحه؟ الندل!
ضحك بخفة: يا ماما فوقي، دي كانت واقعة في مشكلة، وعلشان يحلها اتجوزها.
مالت للأمام بذهول: أزاي يعني؟
أخذ يسرد لها القصة كما حكاها مصطفى، ومع كل تفصيلة كانت عيناها تتسعان أكثر، ووضعت يدها على فمها في صدمة: يا نهار أبيض… المجنون!
ضحك بمرح: والله أنا بحمد ربنا إني متجننتش يومها وطلقتك، كان زمانه خطفك واتجوزك.
ضربته بخفة على كتفه: بجد صدمني، بس والله جدع أوي.
قال بجدية عقلانية: الجدعنة ليها حدود، مينفعش يأذي نفسه علشان حد، وأهو اتأذى من أخوها، واتجوز واحدة مبيحبهاش.
نظرت له بحنان: بس إنت بتقول مكانش في حل تاني، وبعدين متسمعش كلامه ساعده ياسليم، متسيبهوش.
رد موضحا: ما أنا قولتله وهو رفض.
لوحت بيدها بعدم اقتناع: متسمعش كلامه.
هز رأسه بالنفي، وعيناه تزدادان جدية: مش هينفع، هو طلب مني متدخلش...
هزت رأسها بعدم اقتناع، وتساءلت: طب مكي؟ رد عليك؟
ابتسم باستهجان: نزلت لاقيته تحت عادي، لا مشي ولا راح في حتة.
قالت بخفة: مش قولتلك مكي مستحيل يعمل حركة زي دي؟ بس مكانش بيرد ليه؟ مادام هنا من وقتها.
قال بسخرية: كان عامل فيها مقموص، فاكرنا متجوزين وبيتقل عليا.
ضحكت: والله دمه خفيف، مكنتش أعرف إنه بيهزر دايما بشوفه تنح! عشري عسل عنه.
نظر لها بغيرة خفيفة: احترمي نفسك.
ضحكت أكثر، ثم وضعت يدها على بطنها: أنا جعانة أوي.
رد بحماس: بس كده هكلم سحر تعملك أحلى أكل، بس بشرط هناكل تحت.
نظرت له بضعف: سليم ارجوك متتغطنيش، بص ممكن ناكل في البلكون.
مد وجهه بأسف، وضع كفه على وجهها وهو يدقق النظر في ملامحها: أنا مش بضغط عليكي، بس بحاول اساعدك تخرجي من ازمتك.
ضمها إليه، وقال مطمئنا: أنا دايما جنبك، متقلقيش.
ألتقط هاتفه وبدأ يتحدث إلي سحر، بينما كانت هي تراقبه بإبتسامة صغيرة، كأن وجوده بجانبها هو الأمان نفسه.
كان وضعها أفضل من الصباح، نعم ليس بشكل كامل، لكنها بدأت تتحسن تدريجيا، وبالفعل جاءت سحر بالغداء، وتناولوه في الشرفة.
على اتجاة آخر في الحديقة.
كان مكي يتحرك بخطوات ثابتة، يراقب الحراس بعيزن يقظه، وأثناء ذلك، خرجت سلوى من الفيلا، تتنفس بعض الهواء النقي وتحاول استيعاب ما حدث مع ماسة.
وقعت عيناها عليه، فأخذت تتمعن النظر في ملامحه، وعلامات التردد ظهرت واضحة على وجهها.
كانت تريد أن تتحدث إليه، وتعتذر له، وتحاول إصلاح بعض ما أفسدته بينهم، فتقدمت نحو مكي بخطوات حذرة، ونادته بنبرة مترقبة: مكي
فور سماعه لصوتها دق قلبه، وتجمد جسده لوهلة، وأومأ للحارس الذي كان قريبا منه: روح أعمل إللي قولتلك عليه.
غادر الحارس، فاستدار إليها بملامح جامده: أفندم؟
ابتسمت برقة، محاولة التخفيف من التوتر: عامل إيه؟
رد بهدوء مقتضب: كويس.
قالت وهي تحاول فتح مجال للحديث: على فكرة، سليم خلاص هيقعدنا في القاهرة، هنرجع تاني للفيلا.
رد باقتضاب: آه، ما أنا عارف.
حاولت فتح مجال الحديث أكثر، وعيناها تلمعان بالحزن: زعلت أوي على ماسة بجد، أهل سليم دول شياطين، يستاهلوا الحرق.
رد بسرعة: أوعى تتكلمي كده قصاد سليم؟ إحنا ملصمينه بالعافية.
هزت رأسها بتأييد: لا… ما أنا عارفة.
صمت للحظة مترددة، لا تعرف من أين تبدأ الكلام، نظراتها تبحث عن شيء في عينيه.
لاحظ مكي ما في عينيها، لكنه قال بهدوء وهو يخطو خطوة للخلف، محاولا غلق أي مجال للحديث بينهم: أنا هروح أكمل إللي كنت بعمله.
بلا تردد، أمسكته من ذراعه: مكي استنى
توقف وقال برسميه: أفندم.
سحبت يدها وهي تقول بتلعثم: أنا كنت عايزة أعتذرلك على حاجات كتير، وحابه نتكلم و..
مكي بجمود: وأنا مش عايز أسمع.
رفضت الاستسلام، فهزت رأسها، وقالت بصوت أمتزج فيه الإصرار بالألم: لا هتسمعني، كنت عايزني أعمل إيه لما عرفت كل ده عنك وعن سليم، وأبويا إللي اتخبط بالعربية بسببكم، وأنا حطولي سم، وأخواتي كمان اتهددنا بقتلهم…
تابعت بدموع ونبرة مريرة: كان المفروض أعمل إيه؟ لما أعرف إن الإنسان الوحيد إللي أنا حبيته، وكان خلاص فاضلنا 10 أيام ونتجوز، أعرف إنه بيشتغل في كل حاجة مقرفة، وحرام، أنا كنت عاملة زي إللي أضرب على رأسه، قلبي كان موجوع، مكنتش عارفة أعمل ايه، ومكنتش فاهمة…
بدأت دموعها تهبط بقوة وصوتها اهتز: ماسة ضغطت عليا، وقالتلي لازم أبعد، وحلفتني إني مقولش، بسبب تهديد الزفت رشدي.
رفع مكي حاجبه بغضب: بس أنتِ كان عندك فرصة تقوليلي؟
نظرت له بتعجب وهي تشير على نفسها باستغراب وكأنها متهمة بشيء غير حقيقي: أقولك أزاي، وأنا كنت متهددة زي ماسة، كنت خايفة ومرعوبة على أهلي وعلى ماسة من رشدي، مكنتش عارفة أقول حاجة..
نظر لها بحزن وجمود: بس أنتِ يا سلوى، لما ساعدتي ماسه تهرب في المره التانيه وسليم جه وهددك، كانت مشكلتك إنك موقفتش قصاده وقولتله لا، أنتِ خيرتيني بينك وبينه، مكانتش مشكلتك إللي عرفتيه مشكلتك إني مخترتكيش!
هزت رأسها باعتراض: مشكلتي كان كله يا مكي،
بس عدم اختيارك ليا وجعني أكتر.
نظر لها مكي وسألها سؤالا مفاجئا: لو كنت اخترتك ووقفت قصاد سليم، كنتي هتعملي إيه؟ هترجعي؟!
نظرت إليه بصمت للحظة، كأن الكلمات احتبست في حلقها، وكأن الاعتراف أثقل من أن ينطق، مدت شفتيها قليلا، ثم قالت بصوت مرتجف: مش عارفة، كل حاجة كانت وجعاني منك، اختيارك لسليم، وإنك موقفتش قدامه… و…
قاطعها بنبرة حادة تخفي اضطرابه: أنتِ بتقولي الكلام ده كله ليه يا سلوى؟
خفضت عينيها، وشبكت أصابعها ببعضها في توتر: علشان عايزة أعتذرلك؛ لإني ظلمتك كتير، أنا أسفة.
زفر ببطء، ونظر بعيدا: وأنا متقبل اعتذارك، ومتفهم أسبابك، حاجة تاني؟
رفعت عينيها إليه، بنظرة طويلة صامتة، تحمل رجاء وخوفا معا، ظل هو الآخر ثابتا، ملامحه جامدة، لكن عيناه خانتاه، فتحرك نصف خطوة مبتعدا: طب أنا همشي أشوف اللى ورايا.
أمسكت بذراعه سريعا، وتوقفت أمامه، بأنفاس متسارعه: مكي، أنا آسفة، وحابة إننا نرجع لبعض، خلينا نفتح صفحه جديدة وننسى.
تجمد مكانه رغم الجمود الذي رسمه على وجهه، شعر بقشعريرة تعبر صدره، لم يكذب على نفسه، هناك شيء بداخل قلبه ما زال لها، هي الفتاة الوحيدة التي أحبها، التي كسرت صلابته، وحارب سنوات ليصل إليها، وحتى الآن، لم يستطع أن يتزوج غيرها، كأن قلبه رفض أن يمنح مكانها لأحد.
مسح وجهه بكف متوتر، وقال بجمود متعمد: ومش خايفة بقى؟ لحسن يحصل حاجة تاني، ومقفش قدام سليم؟
رمشت بعينيها سريعا، توترها كان واضحا، لكنها تماسكت: لا، مش خايفة.
رفع حاجبه ساخرا بخفة: وإيه إللي جد؟
أخذت نفسا عميقا، وصوتها أصبح أهدأ: إني هديت، وبقيت بشوف الحياة، والدنيا، بعين مختلفة، فوقت يا مكي، هو أنت بطلت تحبني؟
صمت لحظة، لكن ملامحه ارتخت رغما عنه، تأثره كان واضحا، حتى لو حاول إخفاءه، ابتلع غصته وقال بصوت منخفض: مش هينفع.
تقدمت خطوة، وحاجباها معقودان: هو إيه إللي مش هينفع؟
أجابها وهو يتجنب النظر في عينيها: إن إحنا نكون سوا مرة ثانية.
نظر إليها طويلا، كانت عينيه تلمعان بدمعة أبت أن تهبط، عالقة على حافة كبريائه...
شد فكه قليلا، كأنه يقاوم ارتعاشة في صوته، ثم قال بوجع صادق وعتاب مرير، خرج رغما عنه: أنتِ جرحتيني أوى يا سلوي، أنتِ فاكرة الموضوع كان سهل عليا؟! فاكرة إني نمت بعدها عادي؟ أنتِ مش بس مشيتي يا سلوى إنتي كسرتي جوايا شئ كبير …
توقف لحظة، أخذ نفسا عميقا، وصوته انخفض لكنه ازداد صلابة: متقوليش كان غصب عنك، وبعدين أنتِ روحتي وارتبطتي…
قرب وجهه من وجهها وهو يتساءل بوجع معاتب، وهو يشير بيديه في وجهها: شوفي أنا حاولت معاكي كام مرة؟ وكل مرة كنتي بترفضي؟ كام مرة جرحتيني وكسرتيني برفضك؟ فاكرة الحفلة؟ فاكرة إللي عملتيه هناك؟
كانت تستمع إليه والدموع تهبط على وجنتيها في صمت موجع، تشعر بثقل ذنبها يسحق صدرها،
تعرف أنها جرحته… حتى لو كان لها عذر، وحتى لو كانت الظروف أقسى منها.
هي التي ضيعته يوم ظنت أن الهروب حل… يوم قررت أن ترتبط بغيره لتقنع قلبها أنه انتهى، ارتعشت شفتاها، وانخفض صوتها حتى كاد يسمع همسا: أنا كنت بهرب يا مكي، بهرب منك ومن ضعفي قدامك
ابتلعت غصتها، ومسحت دموعها بطرف كفها المرتجف موضحة: أنا مرتبطتش علشان نسيتك، أنا ارتبطت علشان أحاول أنساك، كنت فاكرة إن لو حبيت حد تاني، قلبي هيهدى، بس كان كل مرة بيخوني ويرجعلك...
رفعت عينيها إليه أخيرا، بعينين حمراوين من البكاء: أنا ضيعتك بإيدي آه، بس عمري مابطلت أحبك، ولا مرة، حتى وأنا بقول قدامك غير كده...
تقدمت خطوة صغيرة نحوه، بتردد وخوف: هو لو كنت رجعتلك بدري، كنت سامحتني؟ ولا أنا فعلا جيت بعد فوات الأوان؟
كان يستمع إليها وقلبه يتمزق بصمت، يحارب رغبة عارمة في أن يضمها ويغفر كل شيء… لكن كبرياءه كان أقوى من ضعفه، وأشد صلابة من حنينه.
مرر كفه على وجهه بعصبية خافتة، كأنه يمحو أثر دمعة كادت تخونه، ثم قال بصوت خرج ثابتا رغم الوجع المتكدس في صدره: سلوى، أنا مش حابب أحرجك بكلامي، بس موضوعنا انتهى خلاص، ربنا يوفقك في حياتك.
كانت الكلمات قصيرة… لكنها حادة كحد السكين، حرر ذراعه من يدها برفق متعمد، حتى لا يجرحها أكثر، فاستدار مبتعدا بخطوات بدت واثقة، منتظمة، لرجل يعرف طريقه… لكن في داخله كان كل شيء ينهار.
شد على قبضته وهو يسير، أظافره انغرست في راحته ليمنع نفسه من الالتفات.
كان يعلم أنه لو ألتفت مرة واحدة، ورأى دموعها تسقط، سيضعف، ووقتها لن ينقذه كبرياء، ولا عتاب، ولا سنوات من القهر.
تركها واقفة في مكانها، أنفاسها متقطعة، ودموعها معلقة في عينيها، بينما هو تحرك مبتعدا، وقلبه وحده يعرف أنه لم يبتعد حقا.
ابتعد بخطوات ثابتة، حتى تجاوز الممر الطويل، وحين اختفى عن عينيها، توقف في ساحة الفيلا الخلفية، الليل ساكن حوله، لكن داخله لم يكن ساكنا أبدا.
ترددت كلماتها في أذنه كطعنة بطيئة "هو أنت بطلت تحبني؟ أسفة خلينا نرجع"
أغمض عينيه بقهر، قبض على شعره، ثم فجأة أطلق صرخة جهورية مزقت سكون الليل، صرخة رجل خسر كبرياءه ولم يستطع أن يخسر قلبه.
وفي اللحظة نفسها…
دخلت سلوي غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وقبل أن تخطو خطوة واحدة، وضعت يدها على فمها، تحاول كتم شيء كاد ينفجر بداخلها لكنها فشلت، انزلقت على الباب حتى جلست أرضا، ثم انهارت.
لم يكن بكاء عاديا، بل كانت شهقات متلاحقة، وأنفاس متكسرة، وصوت اختناق يخرج من صدرها كأن قلبها ينتزع منها
ضربت الأرض بكفها بضعف، وراحت تردد من بين دموعها بدم: أنا إللي ضيعته .. أنا إللي خوفت…
أنا إللي سيبته، أنا إللي مسمعتهوش ووجعته، أنا السبب.
وضعت يدها على صدرها بقوة، كأنها تحاول تثبيت قلبها في مكانه، ثم رفعت رأسها فجأة، والدموع تغرق وجهها بالكامل همست بشراسة موجوعة: بس لأ، المرة دي مش هستسلم، ومش هسيبه، هحارب علشانه، حتى لو هو نفسه بيحاربني.
وأجهشت بالبكاء من جديد… لكن خلف انهيارها كان يولد قرار.
6:00 مساءً بتوقيت اسكتلندا.
كان ياسين يعيش شهر عسل مختلفا؛ مليئا بالحياة والضحك، كأنه عاد شابا في العشرين من عمره.
الطبيعة الخضراء، والهواء البارد كانوا خلفية مثالية لأيام صاخبة وممتعة.
غرفة الفندق.
وقف ياسين أمام المرآة، يرتدي قميصا وبنطالا أنيقين، يصفف شعره بيده، وبجواره لوجين بفستان لطيف، تضع أحمر الشفاه بعناية.
في تلك اللحظة، رن هاتفه، فنظر إلى الشاشة وابتسم قائلا: دي نالا، لسه كنت بكلمها من شوية، وهبة قالتلي إنها في الباث روم.
ضغط زر الرد، فظهرت على الشاشة الصغيرة وهي تقول بحماس: باااااابي!
ابتسم ياسين فورا: روح قلب بابي، وحشتيني، عاملة إيه؟
اجابته بمرح: الحمد لله، وأنت عامل إيه؟
رد بإبتسامة: أنا كويس.
اقتربت لوجين، وضعت يديها على ظهر ياسين، ونظرت إلى الشاشة بابتسامة: عاملة إيه يا حبيبتي؟
نظرت نالا إليها نظرة سريعة مرتبكه، ثم قالت بنبرة جامدة: أنا كويسة، بابي هو أنت خارج؟
أومأ بتأكيد: آه، خارجين.
أجابته: طيب خلاص، بالليل نقعد نتكلم شوية، علشان عندي هوم ورك وعايزة أخلصه قبل ما المس تيجي.
ابتسمت لوجين محاولة كسر الجفاف: قولي لي يا نالا، عايزة حاجة حلوة ايه النهارده؟
ردت باقتضاب: ميرسي، باي.
وأغلقت الهاتف بسرعة.
نظر ياسين إلى الشاشة لحظة، ثم إلى لوجين، فقالت لوجين بهدوء فيه قلق: هي نالا بقالها شويه بتتجنب الكلام معايا، ولا أنا بيتهيألي!
تنهد ياسين مؤيدا: لا مش بتتهيألك، دي مش أول مرة
زمت شفتيها بضيق: بقالها كام مكالمة على كده، امبارح مرضيتش تكلمني برضو لما قولتلها خدي كلمي لوجين، هو أنا عملت حاجة زعلتها؟
اقترب منها ياسين مطمئنا: خالص، كل المكالمات كانت قدامي، مفيش حاجة.
مدت شفتيها السفليه: أمال إيه؟
فكر لحظة ثم قال: هكلمها بالليل، وأقولها إنك نايمة وأسألها.
لوجين بصوت منخفض: أنا مش حابة إن نالا تزعل مني.
مسح على ظهرها برفق: مفيش زعل ولا حاجه، تلاقي فيه حاجه مزعلاها بعيد عنك، يلا بينا ننزل علشان منتأخرش.
أمسكت لوجين حقيبتها، لكن القلق ظل واضحا في عينيها، أما ياسين فابتسم وهو يفتح لها الباب، غير مدرك أن ما يحدث في مصر بدأ يقترب منه… خطوة بعد خطوة.
على اتجاه آخر – في مصر.
أغلقت نالا الهاتف سريعا، وأعطته لوالدتها.
نظرت لها هبة باستغراب ماكر : أنتِ مكلمتيش لوجين ليه؟
رفعت نالا كتفيها وقالت ببراءة صادمة: علشان أنتِ قولتيلي إنها شريرة، زي الست اللي في سندريلا.
ابتسمت هبة بانتصار قائلا: أممم طيب يلا يا روحي علشان نكمل الهوم ورك
جلست نالا على المكتب، ثم التفتت فجأة: أنتِ هتقعدي معايا؟ ولا هتروحي الشغل؟
اقتربت هبة، وجلست بجوارها وربتت على شعرها: لا، قاعدة معاكي، خلصت شغل.
ابتسمت نالا وفتحت كشكولها، أما هبة، فظلت شاردة للحظة، كانت تعلم أن كلمة واحدة قد تصنع صورة كاملة في قلب طفل، وصورة "الشريرة" بدأت تكبر في خيال نالا… ببراءة لا تعرف شيئا عن تعقيدات الكبار
في صباح يوم جديد،
فيلا سليم وماسة، 12:00ظهرا.
غرفة ماسة وسليم
الشرفة
كانت ماسة تقف بجوار سليم في الشرفة، يتبادلون الأحاديث بهدوء، التفتت إليه فجأة وتساءلت: هو أنت كده بتسمعهم؟
اوما برأسه: آه طبعا.
تساءلت بفضول: طب إيه الدنيا؟
رد وهو يسند ذراعيه على السور: عادي يعني، مفيش جديد، الباشا مسافر، واتصلوا بيا لقوا تليفوني مقفول، ودورا ورا مصطفى واتأكدوا انه مختفي.
تساءلت باستغراب: يعني شربوا المقلب؟!
مد وجهه نافيا: لسه مش أوي يعني، في كام حاجة كدة لو اتظبطت خلاص.
تساءلت بتعجب: ولما أنت قافل تليفونك، أومال بتكلم مكي إزاي؟!
رد موضحا: في رقم كدة مفتوح، محدش يعرفه غير أنا ومكي.
عقدت حاجبيها: الرقم ده مش معايا؟!
تبسم: مش مع حد غير مكي.
ضيقت عينيها بمزاح: هبدأ أغير منه.
ضحك بخفة: أنتِ تغيري من مكي؟ وهو يغير منك، وأنا واقف في النص! اتفرج..
ضحكت، وفي تلك اللحظة سمع طرق على الباب، فنظر إليها: هروح أفتح.
أومأت برأسها، وهي تحاول مقاومة رغبتها في الذهاب معه.
تذكرت حديث الطبيب: متربطيش إحساس الأمان بوجوده قدام عينك... وجوده في البيت كفاية… مش لازم تشوفيه طول الوقت.
نظرت أمامها، وأغمضت عينيها للحظة، تهمس لنفسها: متبصيش… متبصيش.
فتح سليم الباب، فكانت سلوى: صباح الخير.
سليم بتهذب: صباح النور، تعالي.
قالت وهي تدخل: قولت لسحر تحضر الفطار وتطلعه هنا، مدام ماسة صحيت.
دخلت وهي تنادي بدلال: ميسو!
إلتفتت ماسة وتحركت نحوها وفتحت ذراعيها، فاحتضنتها سلوى بحرارة: عاملة إيه النهاردة؟
ابتسمت وهي تبتعد: الحمد لله… تمام.
جلسوا على الأريكة، فقالت سلوى وهي تنظر إلى ماسة: كلمت أمك إمبارح، بس بصراحة مكنتش عارفة أحكيلها حاجة، خوفت يكون حد مراقب التليفون، قولتلها بس إننا كويسين.
سليم بهدوء: مش أنتِ كلمتيها من الرقم إللي مديهولكم؟
هزت رأسها بإيجاب: آه، بس برضو خوفت.
هز رأسه مطمئنها: لا عادي، اتكلموا براحتكم الأرقام دي محدش يعرف عنها حاجة.
أومأت برأسها، لكن ملامحها كانت توحي أن بداخلها شيئا لم يُقال، قالت فجأة: بقولك إيه يا ميسو، ماتيجي نقعد في البلكونة شوية؟ نتكلم لوحدنا.
ماسة بلطف: لا يا ستي، خليني قاعدة هنا عايزة أريح على الكنبة، قولي عايزة تقولي إيه.
ترددت سلوى: خلاص، مش مهم.
ماسة بتزمر: بطلي غلاسة، قولي.
لم ترغب سلوى في التحدث أمام سليم، ونظرتها كانت تفضح ذلك، ففهم سليم ونهض وهو يقول بهدوء:طيب أنا هروح لمكي علشان عايزه في حاجه.
نظرت إليه ماسة لثانية، ثم قالت: ماشي.
توجهه الى الشرفة وبقيت ماسة تنظر صوبه لحظة، ثم إلتفتت إلى سلوى، وعيناها تسأل قبل لسانها: في إيه يا سلوى؟
نظرت سلوى إلى الأرض، ويدها تتحسس بلوزتها وهي تتحدث بخجل وحزن: كلمت مكي إمبارح لما كنتي نايمة، وقولتله إني آسفة وعايزة أرجع.
ابتسمت ماسة وفرحت بصدق، أمسكت يدها بحنان:
طيب هو قالك ايه؟!
مدت وجهها نحوها بحزن: رفض.
رفعت ماسة حاجبها باستغراب: رفض ليه؟
أجابت سلوى بصوت مكسور: رفض يسامحني؟ علشان سبته واتخطبت لطارق ومصدقتوش ولا أديته فرصة يفهم.
تنهدت ماسة وقالت بأسف: موضوع طارق ده فعلا المشكلة، أنا قولتك..
رفعت عينها، وردت موضحه بنبرة موجوعه، وعينين تترقرق بالدموع: أنا عملت كده عشان أحاول أنساه، بس هو عنده حق في الجزء بتاع طارق، بس لازم يفهم إني اتوجعت لما عرفت، أصل مش معقول اعرف حاجة زي إللي عرفتها وأكمل، وكمان إنه مختارنيش، وسمح لسليم يزعقلي ويهدد بابا وماما من غير ما يدخل، كل دى وجعني..
تنهدت ماسة بهدوء، وقالت بعقلانية: أنا إللي فهمته إنه محضرش والكلام مكانش قدامه، ومتأكدة زي ما أنا متأكدة إنك قاعدة قدامي، لو كان واقف كان منع سليم، وعاتبه واتخانق معاه، بس أنتِ كنتي عايزة يقطع علاقته بيه أزاي؟ ده مش طبيعي دول أخوات..
تابعت بنبرة أكثر عقلانية: سلوى برغم اللي سليم عمله فيا وفي بابا وماما، وفيكي وفي إخواتنا، أنا اخترت سليم، وأبوكي وأمك سامحوا، إللي أنا عملته غلط، وأي راجل في الدنيا كان هيعمل زيه وأكتر كمان، تخيلي بقى واحد متربي وسط الثعابين دول!
تنهدت سلوى بتعب وقالت بضيق: بالله عليكي كفاية عتاب، خلاص عرفت غلطتي، وأهو عايزة أرجع، أعمل إيه؟
ردت بهدوء وعزم: أنا هتكلم معاه، وهخلي سليم يكلمه..
هزت سلوي رأسها برفض: لا استنى، هحاول معاه أنا تاني، لو معرفتش كلميه.
ابتسمت ماسة ورفعت يدها على كتفها بحنان: ماشي، علشان كده امبارح مجيتيش خالص.
أومأت سلوى برأسها: أيوه، بعد ما كلمته قعدت في الأوضة أعيط، وفضلت قاعده مخنوقة لحد النهاردة.
مسحت ماسة دمعة خافتة هبطت من عيني سلوي: متزعليش.
تساءلت سلوي بضيق: هو ليه يعني ميوافقش نرجع علطول ويسامحني؟ اشمعنى سليم سامحك.
أجابت ماسة بنبرة هادئة بحكمة: سليم جوزي، وبينا عشرة وحياة، وكان ممكن يبقى بينا أطفال كمان، دى غيى إن مكي غير سليم، شخصيته مختلفة.
رفعت سلوى عينيها متسائلة: طب أنا كدة خسرته؟
ابتسمت ماسة بحزم: لا مخسرتهوش، متخافيش
على اتجاه اخر في الشرفة
أخرج سليم هاتفه واتصل بمكي قائلا بنبرة بعملية: أيوه يا مكي، إدي مصطفى التليفون وخليه يكلم أهله علشان يطمنهم، ويقولهم تليفونه كان بايظ.
جاءه صوت مكي مترددا: طب ما ممكن يكونوا مهكرين تليفون أهله؟
ضيق سليم عينيه ورد ببرود محسوب: مش مهم… بالعكس، كده الخطة تمشي صح، لانه كده بيكدب على أهله، وده في صالحنا... وصحيح خليه يقولهم انه هيسافر كام يوم في شغل.
أجابه بتأكيد: تمام… أنت هتفضل فوق؟
زفر سليم بضيق: أعمل إيه؟ ماسة مش مخلياني أتحرك من جنبها.
رد مكي بدهشه: للدرجة دي تعبانة؟
صمت لحظة، وصوته خرج أقل ثباتا: آه.
صمت مكي للحظه ثم قال بنبرة مترددة: كنت محتاج أتكلم معاك.
اجابه مسرعا: اطلعلي نتكلم في التراس؟
رد برفض قاطع: لا مش هينفع.
مد سليم وجهه بأسف: طب الموضوع ينفع يتأجل؟
اجابه: أها عادي، سلملي علي ماسة، سلام
أنهى سليم المكالمة، وأخفض الهاتف ببطء، نظر أمامه طويلا، ثم استدار قليلا ليتطلع إلى الداخل، فوجد ماسة تميل نحو سلوى، تمسك يدها، وتتحدث بهدوء، لكن ما لفت انتباهه لم يكن الكلمات بل دموع سلوى!! نظر اليها باستغراب لكنه جلس مكانه، حتى يترك ماسة بمفردها كما أمر طبيب ويستغل ذلك الانشغال لعلاجها.