
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والعشرون 26 ج 3 بقلم ليله عادل
على اتجاه آخر في الحديقة – أمام النيل
كان مصطفى يجلس على مقعد خشبي يطل على النيل، يحدق في المياه التي تمضي في هدوء لا يشبه اضطرابه، بدا عليه الصبر الممتزج بالضيق؛ صبر يجبر نفسه عليه، وضيق يتآكل داخله لأنه لا يستطيع الاطمئنان على عائلته ولا حتى مقابلة سليم ليعرف إلى أين تمضي الأمور.
مرر يده في شعره بعصبية، وزفر ببطء، في تلك اللحظة، اقترب مكي من الخلف، ووضع يده على كتفه بخفة.
رفع مصطفى عينيه إليه، ثم أعاد نظره إلى النيل دون كلام.
جلس مكي بجواره، وأخذ يراقب ملامحه المتعبة، وتسأل: مالك؟!
مصطفى بصوت مثقل: مضايق، أنا مش عارف لحد إمتى هفضل كده؟! لا عارف أطمن أهلي عليا، ولا أقابل سليم وأفهم آخرة اللى أحنا فيه ايه؟!
أومأ مكي برأسه، ثم قال بهدوء: ما أنت عارف السبب، عموما سليم كلمني من نص ساعة، وسمح إنك تكلم أهلك.
اتسعت عينا مصطفى فجأة، والتفت إليه بلهفة: بجد؟ هات بسرعة!
رفع مكي كفه محذرا: بس استنى، أنت هتقولهم إنك كويس، وإن تليفونك كان بايظ، وجبت رقم جديد ومش حافظ أرقامهم.
عقد مصطفى حاجبيه: طب أقولهم جبت الرقم منين؟
أومأ مكي ببساطه: قول إنك أخدته من حد من صحابك معاه رقم حد منهم، كأنك جبته منه، بس الشخص ده أوعى يكون ليه صلة بيهم، زي محمد مثلا.
هز مصطفى رأسه: فهمتك.
تابع مكي بنبرة أكثر جدية: وقولهم إنك مسافر النهارده، أي مكان تقعد فيه كام يوم.
تردد مصطفى قليلا: مش هيصدقوا، الباسبور بتاعي هناك.
ابتسم مكي ابتسامة جانبية: مش لازم تسافر بره، قول رايح الغردقة، شرم، مؤتمر، اجتماع شغل، أي حاجة، المهم تبعدهم عن القلق.
صمت مصطفى لحظة، ثم قال بإصرار خافت: تمام.
ناوله مكي الهاتف والخط الجديد، فأمسكه مصطفى بيد مرتجفة قليلا، ونظر إلى الشاشة كأنها باب يوشك أن يفتح على عالمه الحقيقي، ضغط الأرقام ببطء وقلبه يخفق أسرع من صوت رنين الهاتف.
بعد لحظات قليلة، جاءه صوت إيهاب الذي كان يجلس مع نبيلة و محمد وعائشه، خرج صوته واضحا ومباشرا: السلام عليكم!
ابتسم مصطفى، ورد بسرعة اشتاقها قلبه قبل لسانه: إيهاب…
على الفور تعرف إيهاب على صوته، وارتفع صوته بانفعال: مصطفى؟! انت فين؟! قلقتنا عليك.
في تلك اللحظة تحرك الجميع في أماكنهم، وانتبهت نبيلة كأن قلبها سبق أذنيها، فقال برعب أم: مصطفى؟! ابني؟
فتح إيهاب الاسبيكر في تلك اللحظه فتداخلت الأصوات، واختلط القلق بالعتاب.
نبيلة بصوت مرتجف: أنت فين يا ابني؟ حرام عليك، قطعت قلبي من القلق.
ابتلع مصطفى ريقه، محاولا ضبط نبرته: اهدوا يا جماعة، أنا كويس، تليفوني باظ.
تدخل محمد فورا، بنبرة شك: باظ إزاي يعني؟ كنت فين؟ أنت منمتش في شقتك!
توتر مصطفى، ونظر سريعا إلى مكي، فأشارله الأخير بصمت: قولهم كنت عند واحد صاحبك..
هز مصطفى رأسه بخفة وقال: كنت عند واحد صاحبي، علشان بظبطلكم الشقة، علشان لما تنزلوا تبقى جاهزة.
زفر إيهاب بقوة: حرام عليك يا بني، قلقتنا، طب قول.
قالت نبيلة بإصرار أموميّ: مصطفى احلف إنك كويس.
ابتسم ابتسامة لا يراها أحد: والله كويس، ده كمان مسافر كام يوم مؤتمر
صمتوا لحظة، وتسألت نبيلة بقلق: مؤتمر ايه؟
أجابها بهدوء: مؤتمر مهم مع دكتور معرفة.
ردت بصوت خافت: يعني إحنا مش هنشوفك، لحد ماتخلص السفرية دي؟
رفع مصطفى نظره الى مكي كي يساعدة، فنظر له وهز رأسه نافيا، فقال مصطفى: مش هطول، كام يوم بس، متقلقيش، المهم خدوا بالكم من آلاء وعرفوها إن أنا كويس ومفيش أي حاجه وإن أنا عملت محضر للواد أخوها ده.
تنهدت نبيلة، وقالت بتهكم ساخر تخفي خلفه خوفها: على فكرة بقى أخو المحروسة اللي ابتليتنا بيها جه هنا، واتخانق مع أخوك، ورفع مطوة عليه.
انتفض مصطفى: إيه؟! بتقولي إيه يا ماما؟
ردت باستهجان: بقول اللى حصل.
أكد إيهاب: أيوه فعلا يا مصطفى.
اشتد صوته: إمتى الكلام ده؟
أجابه ايهاب: أول امبارح.
تساءل مصطفي بتوتر: طب عمل حاجه لآلاء؟!
أجابته نبيلة بتهكم لاذع: لا يا أخويا مشفتهاش أصلا، ولا يعرف إن هي هنا، متخافش، أخوك ماسك الشفت مكانك، وواخد باله منها، والله ما حد هيرفعلي سكري غيرك أنت واخوك.
تنفس مصطفى ببطء محاولا السيطرة على انفعاله وقال: متقلقوش منه، مش هيعمل حاجة، ده عيل جبان، وأنا عاملتله محضر عدم تعرض، كل اللي بيعمله دى حلاوة روح، هو جه يعمل مشكلة علشان يخوفكم بس، متقلقوش.
محمد بإصرار: مصطفى أنت فين؟ خليني أجي أشوفك.
أدار مصطفى وجهه بعيدا عن مكي، كأنه يحتمي من عينيه: أنا خلاص هسافر الغردقه، مش عايز افوت عليا فرصة المؤتمر ده لانه ممكن يجبلي شغل كويس؟!
عقد محمد حاجبيه: مؤتمر إيه ده اللي هتستفيد منه اوي كده؟
لم يرد مصطفى، وكأنه لم يسمع السؤال: المهم خدوا بالكم من نفسكم، ومتقلقوش أنا كويس، وهبقى أكلمكم تاني، ده رقمي الجديد.
نبيلة بصوت انكسر أخيرا: يعني بجد كويس يا ابني؟
رد بتأكيد: ايوه يا ماما، كويس متخافيش، شوشو فين؟
عائشة بهدوء: أنا أهو يا مصطفي، عامل ايه وحشتني.
أجابها مصطفي بابتسامه: أنتِ كمان يا شوشو.
عائشه بخفة: والله يا ابنى فضلت اقولهم تلاقي تليفونه باظ، ومسمعوش كلامي، وأنت عارف بقي ماما بتبقي عاملة إزاي لما بتقلق علينا؟
نبيلة بضجر منزعج: مالها ماما بقي، ماطبيعي أخاف عليه! لما الاقيه مختفي بقاله تلات أيام.
تنفس مصطفى ببطء، ثم قال: معلش يا أمي، والله ما كان قصدي، بس لحد ما لقيت حد معاه رقم إيهاب أخدته منه علطول وكلمتكم.
إيهاب بعتاب: طب ما كنت جيت يا مصطفى، حتى تطمنا عليك.
أطرق برأسه رغم أنهم لا يرونه؛ فهو لا يحب أن يكذب عليهم: مكنش ينفع أغيب يا إيهاب، كنت محتاج فلوس، وماصدقت اتعرف على الدكتور ده ممكن يفتحلي باب كبير، يمكن كمان يسفرني بره.
ساد صمت قصير، ثم قالت نبيلة بصوت يختلط في القلق بالدعاء: ماشي يا ابني، ربنا يسترها عليك، ويسهلك أمورك، ويبعد عنك كل شر.
ابتسم مصطفى رغم الغصة في حلقه: أيوه كده يا حاجة ادعيلي، وخدوا بالكم من نفسكم، ومن آلاء.
تعلق صوته للحظة، ثم أنهى المكالمة: يلا، السلام عليكم.
أغلق الهاتف ببطء، وظل ينظر إلى الشاشة لحظة، كأنه يود لو يفتحها من جديد، رفع عينيه إلى مكي، فسأله الأخير بهدوء: كده ارتحت؟
لم يجب مصطفى فورا، تنفس بعمق، ثم قال بصوت خافت لا يخلو من الوجع: اطمنت عليهم آه، بس مش مرتاح.
تنهد مكي، وربت على كتفه برفق أخوي، وقال بمواساة: هي مسألة وقت بس يا مصطفى، أنت عارف، أول ما سليم يقدر ينزل ونتكلم معاه براحتنا، هنفهم اللي في دماغه، بس إنت شايف ماسة تعبانة خالص.
خفض مصطفى رأسه، وصوته خرج مثقلا: والله العظيم أنا مقدر ده، وزعلان على ماسة جدا.
ابتسم بمحبه اخويه تابع: ماسة غالية عليا اوي، ربنا يعلم منزلتها عندي إيه؟! حتى قولت لسليم، أنا مبعرفش أكره حد ولا أفكر بطريقة شريرة، بس عيلته دي؟
أضاف بنبرة غليظه وكراهيه غريبه على غير عادته الهادئه: يستاهلوا الحرق وهم صاحيين، علشان يبقوا عبرة.
صمت لحظة، ثم أكمل بصوت أهدأ: اقولك على حاجة كمان؟ أنا بدأت أصدق الكلام اللي ماسة قالته لما تقابلنا.
نظر له مكي باهتمام: قالتلك إيه؟
تنهد مصطفى موضحا: قالت إنها محتاجة تدي فرصة لسليم وإنها بتحبه، وإنها كانت غلطانة، وإن السبب في اللي حصل مش سليم قد ما هو أهله، قالتلي حتى لو سليم غلطان، السبب كان في تربيته، هو برضو راجل ولما مراته تتغير عليه وتهرب منه أكتر من مرة طبيعي يتجنن..
ابتسم مصطفي بأسى: أنا مكنتش قابل الكلام ده، وكنت بقنعها بالعكس، بس الصراحة بعد اللي عملوه، وبعد اللي شوفته من سليم، اقتنعت بكلامها، وإن ماسة يتخاف عليه من أهله مش منه، ويتخاف عليه هو كمان والله منهم.
رفع عينيه إلى مكي مسترسلا بقرار: علشان كده وافقت أحط إيدي في إيده وأساعده، رغم إني مش عارف أقدر أقدمله إيه؟! أنا كل اللي محتاجه إن أهلي يكونوا في أمان، ومطمنين، غير كده خلاص.
ربت مكي على ظهره بقوة مطمئنة: دي حاجة أوعى تفكر فيها، أمانك وأمان أهلك مسؤوليتي أنا وسليم، أوعدك مفيش حاجة هتحصلهم، وحتى الود اللي أنتم قلقانين منه ده، لو وافقت نتدخل، نخرسه.
هز مصطفى رأسه بسرعة رافضا: لا لا، بلاش، أنا متأكد إنه مش هيعمل حاجة، ده عيل عبيط، أنا عامل فيه محضر كمان.
أومأ مكي: تمام، اللى يريحك، أنا هتصل بسليم وأبلغه بكل اللي حصل.
تردد مصطفى قليلا، ثم قال: هو أنا كده اقدر أكلم أهلي في أي وقت؟ ولا لازم وقت معين؟
فكر مكي لحظة: استنى لما أسأله، بس غالبا هيحتاج إن أهلك يبقى معاهم رقم محدش يقدر يوصلهم منه، يمكن دي آخر مرة تستخدم الرقم ده، أنا فاهم دماغ سليم، هو كان عايز يوصل رسالة علشان لو حد بيسمع المكالمة، يسمع إنك مسافر، علشان اختفائك يبقى مبرر...
تنهد، ثم أكمل: عموما هبلغه وأعرف منه وأقولك، إن شاء الله الأمور تبقى أوضح، ونقعد نتكلم بقى ونفهم كل حاجة.
رفع مصطفى عينيه إلى النيل مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن النظر هروبا… بل انتظارا.
على اتجاة اخري في ميناء بورسعيد
أوقف عرفان سيارته على جانب الطريق، عينيه تتابعان شاحنات مقطورة تمر ببطء أمامه، كان يعلم جيدا ما تحمله تلك الصناديق؛ فقد كانت تحوي المواد الخام الخاصة بمستحضرات التجميل التابعة لصافيناز.
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم رفع هاتفه واجري اتصالا: ألو، سليم بيه، المواد وصلت، وأنا دلوقتي همشي وراهم.
جاءه صوت سليم هادئا: حلو اوي، ظبطتلي دكتور الكيمياء اللي قولتلك عليه؟
عرفان بثقة: أيوه يا باشا، ظبطته، وعمل المواد زي ما أنت طلبت.
صمت سليم لحظة، ثم قال بنبرة أعمق: طب يا عرفان، اسمعني كويس في اللي هقوله دلوقتي..
انتصب عرفان في مقعده، بتركيز: تمام يا سليم بيه، سامعك.
استمع للتعليمات حتى النهاية، ثم قال: مفهوم.
أغلق الهاتف، وأدار محرك سيارته بهدوء، وتحرك خلف الشاحنات، محافظا على مسافة آمنة، كظل لا يرى.
في مكان آخر، كان سليم يقف في الشرفة، ينظر إلى الأفق بعينين ثابتتين.
أغلق هاتفه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، وهو يتمتم: كده بدأنا الجد، واللعب الصح.
على اتجاه آخر، بمنزل عائلة مصطفى.
ما إن أغلقت نبيلة الخط، حتى رفعت يديها إلى السماء، ودموعها تلمع في عينيها: ألف حمد وشكر ليك يا رب...
قبلت باطن وظهر كفها، وتتمتمت بإمتنان صادق: الحمد لله، كده قلبي ارتاح وأطمن.
عائشة بثقة هادئة: قولتلكم إن أكيد فونه باظ ومحدش صدقني.
هزت نبيلة رأسها: أه بس برضو، كده اطمنا أكتر.
تحركت عائشة وهي تقول: أنا هطلع أبلغ آلاء، دي كانت قلقانة عليه أوي..
جاء صوت محمد حادا فجأة: وأنتِ مالك؟
توقفت عائشة، ورفعت أحد حاجبيها باستنكار:
يعني إيه وأنا مالي؟
رد ببرود مستفز: يعنى تطلعلها ليه؟ أنا مش عايزك تكلمي البنت دي؟!
مالت برأسها بتعجب: ده بصفة إيه؟!
رد بهدوء: بصيفتي خطيبك.
اومأت برأسها، وردت ببرود لازع: يعني مش جوزي! وبعدين أخويا وأمي واقفين و متكلموش ..
تدخل إيهاب لتهدأة الوضع: شوشو محمد ميقصدش.
ثم نظر لمحمد متسائلا: أنت مش عايزها تكلمها ليه؟!
أجاب بجمود: لأن حصل بسببها مشاكل كتير، أوعوا تكونوا اقتنعتوا بكلام مصطفى ده؟ دى بيحور، مفيش مؤتمرات.
عائشة بتهكم: وأنت علشان مش معزوم يبقي مفيش؟!
محمد بضيق: لا بس عارف مصطفى، ومش فاهم لحد إمتى هيفضل حاطط نفسه في مشاكل، حتى بعد إللي عمله أخوها.
تنهدت نبيلة بحيرة: هنعمل إيه يا ابني؟ مينفعش أطردها، حرام دي وليه برضو، والشارع مبيرحمش، لما مصطفى يرجع هنشوف صرفه في الموضوع دى.
محمد بحدة: لازم تخليه يطلقها، ماهو عمل محضر ورجع سمعته، يطلقها ويخلص.
تغيرت ملامح عائشة، ولم تعد قادرة على تحمل سخافته وجمود قلبه، فقالت بحدة مكبوتة: أنت مبتعرفش تسكت؟ يا تقول كلمة كويسة يا تسكت خالص!
نظر لها بصدمة: أنتِ بتتكلميني كدة ليه؟!
اقتربت خطوة، وصوتها ارتجف من الغضب: بتكلم كده علشان بجد بقيت مستفز! ولا أنت كده علطول وأنا مكنتش واخدة بالي؟ إيه انعدام الرحمة إللي في قلبك ده؟ ماسة قبل كده كانت جاية من ظروف صعبة، وكل شوية تقول عليها شمال ومشوها، وكأنها مجرمة! ودلوقتي آلاء والكلام إللي قولته لمصطفى! هو أنت مفيش في قلبك رحمة؟
حاول إيهاب التدخل: بالراحة يا عائشة…
ولكن عائشة صرخت بنفاد صبر: لا! علشان زهقت من الأسلوب ده، عندك كلمة حلوة تقولها؟ معندكش؟ أسكت.
تدخلت نبيلة محاولة تهدئتها: في إيه يا عائشة؟ محمد بس خايف على مصطفى.
ردت بقوة: ده مش خوف، ده عدم رحمة.
أشار إيهاب بيده: خلاص، أطلعي فوق مش كنتي طالعة
تنفست عائشة بعمق، ثم قالت بثبات مفاجئ: هطلع بس قبل مطلع عندي كلمتين أقولهم..
إلتفتت إلى محمد، وعيناها ثابتتان عليه: بص يا محمد، من غير دراما ومن غير لف ودوران، أنا فكرت وأخدت قرار، أنا مش هينفع أكمل مع واحد معندهوش رحمة ولا بيحس باللآخرين زيك.
خلعت الدبلة من إصبعها بيد ثابتة، ووضعتها أمامه على الطاولة، فساد صمت ثقيل بصدمة، وتابعت بنبرة لازعة: أنا، استحالة أتجوز واحد بيفكر التفكير ده، ومن اللحظة دي، أنت بالنسبة لي مجرد صديق أخويا وبس.
تابعت بنبرة قوية وهي تشير بيدها: ولو سمعتك بتتكلم وحش تاني عن آلاء، أو عن ماسة، أو عن أخويا وتقلل من طريقته وتفكيرة، هرد عليك رد مش هيعجبك، لو إيهاب وماما سامحينلك تتكلم كده، أنا لا، وزي ما أنت معندكش تهذيب في لسانك، أنا كمان مش هسكت..
شهقت نبيلة: إيه ده يا عائشة بس؟ استهدي بالله.
ردت بهدوء حاسم: لو سمحتي يا ماما، دى قراري وأنا حرة فيه، عن إذنكم.
واستدارت وصعدت الدرج بخطوات سريعة، وكتفاها مشدودان، لكن رأسها مرفوع.
بينما بقي محمد مكانه، عينيه متسعتان، ينظر إلى الدبلة فوق الطاولة كأنها شيء غريب لا يفهمه، كان كمن فقد النطق فجأة… لم يتوقع يوما أن عائشة الهادئة دائما، ستكون أول من يضع حدا لكلماته.
جلس إيهاب مكانه كأن الكلمات سحبت من فمه، لم يكن يتخيل أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
أما نبيلة فضربت كفا بكف، وهي تردد: لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كده بس يا بنتي؟
ثم إلتفتت إلى محمد، وقالت بنبرة أمومية تحاول أن تحتوي الموقف: متزعلش يا ابني… أنا هكلمها.
مرر محمد يده على وجهه، ومازال مذهولا: أنا مش زعلان، أنا بس مصدوم، والله خايف على مصطفى مش أكتر مش فاهم ليه اخدت كلامي كدة.
تنهد إيهاب، وقال بهدوء صريح: بس أنت برضو كلامك صعب يا محمد، وقولنالك قبل كده بلاش طريقتك دي، عائشة غيرنا… عائشة حساسة، وأنت زودتها شوية.
هز محمد رأسه بإنكار خافت: أنا مزودتهاش… يعني ماسة ماشي، وكلامي كان قاسي مع مصطفى يمكن، بس موضوع آلاء؟ أنا كنت بفكر بعقل.
تدخلت نبيلة بتعب واضح: خلاص يا ولاد، إللي حصل حصل، أنا أصلا مش ناقصة وجع قلب، سيبوني أهدي الدنيا، وأنا هكلم عائشة.
نظر محمد إلى الدبلة فوق الطاولة، ومد يده يلمسها بخفة، وكأنها تحرق أصابعه، وتمتم بصوت منخفض: والله ما كان قصدي حاجة…
ربت إيهاب على كتفه: عارفين إن قصدك مش وحش، بس الطريقة بتفرق، سيبها تهدى وأنت كمان خف شوية.
ساد الصمت في الصالة، صمت ثقيل، ليس فيه صوت إلا أنفاس متقطعة وقلوب مشحونة.
على اتجاه آخر – في منزل آلاء
طرقت عائشة الباب، تحاول أن تهدئ ملامحها رغم الضجيج الذي يملأ صدرها.
فتحت آلاء بسرعة، وما إن رأتها حتى قالت بلهفة:
شوشو!
ابتسمت عائشة ابتسامة مصطنعة، بالكاد ثبتتها على شفتيها: عاملة إيه؟ جيت أطمنك إن مصطفى بخير.
اتسعت عينا آلاء بفرحة واضحة: طب الحمد لله! ادخلي… واقفة ليه؟
دخلت عائشة وهي تجول بعينيها في المكان: والدتك فين؟
آلاء موضحه: ماما نايمة.
جلستا في الصالة على الأريكة.
سألت آلاء بقلق لم يختف تماما: كلمكم إمتى؟ هو فين؟
عائشة بهدوء محسوب: لسه مكلمنا حالا الحمد لله كويس، بس تليفونه بايظ، ومش حافظ أرقامنا، اول ما قابل واحد صاحبه كان معاه رقم إيهاب، كلمنا.
تنفست آلاء براحة: الحمد لله، كنت مرعوبة لحسن يكون محمود عمله حاجة.
أومأت عائشة: الحمد لله، هو بيطمنك كمان وبيقولك عمل المحضر، متقلقيش.
هزت آلاء رأسها، وساد صمت ثقيل للحظه، قبل أن تتساءل آلاء: مالك؟ شكلك زعلانة… ولا يكون مصطفى في حاجة ومش عايزة تقولي؟ بالله عليكي قولي.
ضحكت عائشة بسرعة، ضحكة قصيرة دفاعية: أكيد لو أخويا فيه حاجة مكنتش جيتلك؟ هو الحمد لله بخير، وصحيح نسيت أقولك، هو مسافر مؤتمر وهيقعد كام يوم.
تأملت آلاء وجهها أكثر: طب أنتِ مالك بقى؟
تنهدت عائشة أخيرا، وكأنها لم تعد قادرة على التظاهر: اتخانقت مع محمد، وسبته.
رفعت آلاء حاجبيها: خطيبك؟
هزت عائشة رأسها إيجابا بصمت، فتساءلت آلاء بحزن: ليه كده؟
نظرت عائشة أمامها بشرود: قلبه قاسي، وأنا أكتر حاجة بكرهها القلب القاسي.
اقتربت آلاء منها: عمل إيه؟
تنفست عائشة بعمق، ثم قالت: بعدين هقولك، المهم اطمني على مصطفى.
صمتت آلاء لحظة، ثم ابتسمت محاولة تخفيف الجو:
ماشي، بصي أنا كنت عاملة شاي وكيك، هجيبهم ونقعد نتكلم سوا.
أومأت عائشة: ماشي.
نهضت آلاء إلى المطبخ، وبقيت عائشة وحدها على الأريكة، اختفت الابتسامة فورا من على وجهها، ونظرت إلى الفراغ أمامها بشرود … تشعر بلاسى والضيق من محمد واختيارها لذلك الإنسان متحجر القلب.
مصنع كوين لمستحضرات التجميل، 3:00 فجرا.
كان الهدوء يلف المكان بصمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت الرياح الخفيفة.
على مرتفع مقابل المصنع، وقف عرفان، يرتدي نظارة مخصصه للرؤية الليلية، يراقب المبنى بدقة، عيناه لا تتحركان.
في تلك اللحظة، توقفت سيارة سوداء على بعد أمتار.
نزل منها ثلاثة رجال، ملابسهم سوداء، ويرتدون أقنعة سوداء تخفي ملامحهم، وتحركوا للداخل بخفة وخطوات محسوبه، وعندما كانوا يروا أحد أفراد الأمن كانوا يختبئون بشكل احترافي..
أكملوا طريقهم داخل المصنع، مروا بين الممرات حتى وصلوا إلى المخازن.
خزانات ضخمة مصطفة، ممتلئة بالمواد الخام الخاصة بالمستحضرات.
تسلقوا أحدها، فتحوا حقائب الظهر، أخرجوا زجاجات صغيرة تحتوي على مساحيق سائلة، سكبوها بعناية داخل الخزانات، ثم استخدموا الملاعق الصناعية الكبيرة لتقليب المحتوى؛ حتى يختلط كل شيء دون أثر واضح.
لم يستغرق الأمر طويلا، كانوا يعرفون ماذا يفعلون، وبعد الانتهاء، خرجوا كما دخلوا بلا فوضى، بلا صوت.
ركبوا السيارة وانطلقت، وكان عرفان يراقب من بعيد، حتى تحركت السيارة، فتنهد بعمق وأدار محركه، وانسحب هو الآخر.
داخل السيارة، ساد صمت لثواني ثم خلع أحدهم قناعه بابتسامة باردة، وهنا ظهر سليم بشحمه ولحمه، وابتسامة لذة ترتسم على وجهه واضحة؛ لذة الانتقام بإيدي… له طعم اخر....
استووووب.