
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والعشرون 27 بقلم ليله عادل
{ حين ينكسر الإنسان، لا ينكسر جسده فحسب، بل تتفتّت روحه تحت وطأة الألم، قد يصبح البعض أكثر وحشية، ويكتشف في داخله ظلامًا لم يعرفه من قبل، فتتحول كل جروحه إلى درع يحميه من العالم، أما البعض الآخر، فينهار، ويذوب بين خيوط ضعفه حتي يصبح أكثر هشاشة، فهل سنصبح وحوشًا أم ضعفاء؟ أم أن الانكسار سيصنع منا شيئًا لم نتوقعه من قبل!؟}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل السابع والعشرون🤫❤️
[بعنوان: الوجه الاخر]
في تلك اللحظة... ظهر وجه سليم، بابتسامة واسعة ترتسم على ملامحه... ابتسامة تحمل لذة الانتقام بأيدي، له طعم آخر، نظر إلي المصنع بابتسامه شامته وعاد بذاكرته لما حدث..
فلاش باك
فيلا سليم وماسة.
مكتب سليم 7:00مساء
كان يجلس خلف مكتبه، هادئا كعادته، بينما جلس مكي وعرفان أمامه، وتوقف قابلتهم شاب بثبات متوتر.
تساءل سليم ببرود محسوب، وهو ينظر للشاب: متأكد إن المواد دي مش هتظهر أثناء التصنيع؟ أنا مش هقبل بأي غلط.
رد الشاب بسرعة: برقبتي يا باشا لو حصل غير اللي أمرت بيه.
ارتفعت زاوية فم سليم بسخرية باردة: رقبتك مش هتكفيني وقتها يا حمادة.
تدخل عرفان: أنا ضامنه يا سليم بيه، جربته في حاجات مشابهة.
سليم بعد لحظة تفكير: تمام، عايزك تحضرلي كميات كبيرة في أسرع وقت.
اومأ الشاب بطاعه: أوامرك يا باشا.
تبادل مكي وعرفان النظرات، قبل أن يسأل مكي بقلق واضح: طب الخلطة دي، لما تتحلل هتبقى إيه بالظبط؟
الشاب بثقة محسوبة: مواد مسرطنة، بس معمولة بطريقة معينة على أعلى مستوى، ملهاش لون ولا ريحة، ومش بتظهر في التحاليل العادية بسهولة، يعني لو عندهم قسم تحليل داخلي، بيحللوا فيه المواد قبل التصنيع عمرهم ماهيكتشفوها.
صمت قليلا وتابع بابتسامه خبيثه: لكن لو الموضوع وصل للطب الشرعي، وطلبوا تحليل متخصص، ساعتها طبعا هتظهر، لأن الأجهزة هناك أقوى ومختلفة.
اقترب قليلا وأكمل: ساعتها النيابة هتقدر تثبت إن صافيناز هانم بتستخدم مكونات فاسدة وخطرة، ويتوجه لها تهمة فساد وغش تجاري، وبيع منتجات غير صالحة للإستخدام الآدمي.
رفع مكي حاجبه بإعجاب وهو ينظر لسليم معقبا كأنه فهم ما يدور في عقله فحاول توضيح نتيجه: وبكده هتفهم، إن اللى عمل كده حد تقيل، مش لعب عيال، وبما إن أنت هتبان قدامهم مصدق اللى عملوه، هتبقي آخر واحد يتوقعوا إن الضربه جت منه، صح؟!
ابتسم سليم ببطء وهو يعود بظهره على المقعد: صح.
ثم وجه صوته للشاب، قائلا: استنى بره.
أومأ الشاب بطاعه، وخرج وأغلق الباب خلفه، فالتفت سليم إلى عرفان، وتساءل بعينان حادتان: أنت ضامن الدكتور ده يا عرفان؟ أنا مش عايز غلطه.
أجاب عرفان دون تردد: أيوه متقلقش، اشتغلت معاه كتير... وعارف حدوده.
ثم سأل سليم بنبرة مختلفة: عملت إيه في موضوع الستات الي طلبتهم والشقة؟
أجابه عرفان موضحا: الستات خلاص مستنين أومرك، بس الشقة لسه.
قطب سليم حاجبيه بنبرة غليظه: ليه لسه؟ لو مش عارف تشوف شغلك، قولي اجيب حد مكانك..
عرفان بدافع عن نفسه: يا باشا أنا بس مش لاقي وقت، حضرتك طلبت حاجات كتير، بعدين ...
قاطعه سليم بشدة: بعدين ايه؟ لازم كل حاجة تخلص في أسرع وقت علشان الخطة تمشي صح في المعاد المحدد، أنا مش هعرف اجتمع بيكم كتير.. ايه اللى معطلك؟!
عرفان موضحا: علشان سارة مش بتسيب الشقة كتير، ولما بتخرج بتكون الخدامة موجودة، بس لو مستعجل ممكن ادخل واخدر الخدامه.
سليم بحزم: لا، مش عايز حد يحس بحاجة ولا يشك، تدخل نظيف، كأنك شبح، عارف يعني ايه شبح؟!
تنهد عرفان: طب خلاص استنى بس يومين، الشغالة بتخرج الخميس أجازة وترجع الجمعة بالليل، هحاول أخرج سارة بطريقة متخليهاش تشك.
قال مكي: خلاص يا سليم، مش هتفرق من يومين.
أومأ سليم برأسه على مضض، فنهض عرفان قائلا: طب همشي أنا بقي، تؤمر بحاجه تاني يا سليم بيه؟!
هز سليم رأسه نافيا، فتحرك عرفان للخارج.
نظر مكي إلى سليم بتوجس: ليه مصر على موضوع سارة دى؟ إيه اللي في دماغك؟
ابتسم سليم ابتسامة غامضة: هتعرف، بس في وقته.
عودة للحاضر...
كانت الابتسامة مازالت ترتسم على وجهه سليم..
خلع الرجلان الآخران أقنعتهما، لم يكونا من رجاله المباشرين... بل من رجال عرفان.
في تلك اللحظه فتح عرفان باب القيادة ودخل قائلا: ايه رأيك يا سليم بيه؟!
نظر اليه سليم برضا: زى الفل.
ثم أعاد بصره للطريق، وعيناه تلمعان بغضب متجمد، الحرب بدأت...لكن الضربة الأولى كانت صامتة.
عاد سليم إلى الفيلا قبل الفجر، كان الهدوء يلف المكان.
ترجل من السيارة بعد أن فتح له مكي الباب، وهو يتساءل بصوت منخفض: عملت إيه؟ طمني.
ابتسم سليم: كله تمام، المهم... ماسة عاملة إيه؟
مكي مطمئنا: متقلقش، سلوى معاها، ونايمة، لسه مكلمها.
ثم اقترب منه خطوة، متسائلا باستفسار: طب كده خطوتك الجاية إيه؟ وبعدين مش خايف حد يتأذي من الناس، لما المنتجات دى تتباع؟
مال سليم برأسه نحوه، وقال بهدوء حاد: تفتكر إني ممكن أعمل كده؟ الحاجات دي علشان تتصنع وتدخل إنتاج بتاخد وقت... شهر على الأقل، وأنا كل اللي محتاجه الاسبوع الجاي... يوم الحفلة.
عقد مكي حاجبيه: اشمعنى الحفلة؟
تغيرت ملامح سليم، وصوته أصبح أكثر برودة: علشان اوجع فايزة، فايزة مش هتتوجع غير بفضيحة على الملأ، لما تشوف بنتها والبوليس جاي يقبض عليها وسط الناس والصحافه والوزره، والحفله مذاعه..
صمت لحظة، ثم أكمل: هوجع كل واحد فيهم من الحته اللى يتوجعه، وأنا عارف كويس كل واحد بيتوجع منين؟!
مكي بتردد: بس كده الباشا...
قاطعه سليم بنبرة حادة: مش مهم، لازم يبقى في ضحايا، هو لازم يدفع ثمن اختيارة لفايزة وتربيته..
ساد صمت ثقيل، ثم أضاف سليم وهو يثبت عينيه عليه: وبعدين مين قالك إنه بره دايرة الشك؟
تساءل مكي مسرعا بقلق: جابوا سيرته...
رد سليم ببرود: لا، بس أنا بطلت أثق في حد.
اومأ مكي بإيجاب، ثم سأله بنبرة تحمل الف معنى:
المهم تكون ارتحت لما نفذت بأيدك؟!
نظر اليه سليم بصمت للحظة، وكأن شيئا داخله اهتز، ثم أجابه بصوت أخفض، لكنه أكثر قسوة: مش هنكر إني انبسطت.
توقف لحظة، وابتسامة باردة عادت إلى وجهه: بس اللذة الحقيقية، لما أشوفها في الحبس، واشوف فضيحتهم قدام الناس، زي ما كانوا عايزين يفضحوا مراتي.
قال كلماته الأخيرة ببطء متعمد، ثم استدار وتحرك مبتعدا، وخلفه، ظل الصمت معلقا في الهواء، أثقل من أي تهديد.
وأثناء صعوده الدرج، أخرج هاتفه واتصل بسلوي، لينبها لقدومه، انتظر لحظة، حتي جاءه صوتها من الجهة الأخرى، وهي تهمس بصوت خافت وتنهض مبتعدة عن ماسة قليلا: ألو، إيه يا سليم؟ اتأخرت كده ليه؟ أنا خايفة ماسة تصحى.
رد بهدوء: أنا على الباب خلاص، افتحي.
وبالفعل فتحت الباب بهدوء، وجدته أمامها وهو يقول: ها، ايه الأخبار؟
أجابته بخفوت: لسه نايمه، مصحيتش خالص.
تنفس براحة: طب الحمد لله، كنت خايف تصحى.
نظرت اليه سلوي للحظه، ثم تساءلت: طب أنت عملت إيه؟
ابتسم بثقة: كله تمام.
نظرت إليه بجدية: بس لازم تكلم دكتور، أصل مش طبيعي كل ما تحب تعمل حاجة تستنى لما تنام.
أومأ برأسه: أكيد هكلمه، شكرا يا سوسكا.
ابتسمت بخفة: بتشكرني على إيه؟ دي أختي! يلا، تصبح على خير.
رد بلطف: وأنتِ من أهله.
غادرت سلوي لغرفتها، فدخل سليم الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء، واقترب من الفراش حيث كانت ماسة ما تزال غارقة في نوم عميق، خلع ساعته ببطء، وعيناه لا تفارقان وجهها المطمئن، ثم نزع سترته ووضعها على الفوتيه القريب، وتقدم نحوها.
جلس إلى جوارها حتى لامس كتفه كتفها، وأحاطها بذراعه برفق، بينما مرر يده الأخرى على شعرها في حنان.
ظل يتأمل ملامحها الهادئة، التي بدت كأنها ملاك نائم، همس بصوت خفيض: إحنا مشينا في الطريق خلاص يا ماسة، وبدأنا أول خطوة، اللي عملته النهارده ولا حاجة، وميساويش دمعة من دموعك، بس اعتبريها مجرد بداية...
توقف لحظة، ثم أضاف بصوت يحمل وعدا صادقا: صدقيني مش هيرتاحلي بال، ولا ههدي، غير لما أجيبلك حقك قصاد عينك، وبنفس الطريقه، دى وعد.
وضع قبلة طويلة على جبينها، ثم أسند رأسه إلى رأسها في سكون دافئ، وبعد قليل نهض، غير ملابسه، وأدى صلاته، ثم عاد إليها، ضمها بين ذراعيه واستلقى بجوارها لكن تلك الليلة كانت مختلفة، نام وقلبه أكثر سكونا؛ لأنه شعر أنه دق أول مسمار في نعشهم.
**********
خلال أيام قليلة.
سافر رشدي ومي إلى ميامي في الولايات المتحدة، بعدما شعرت مي بأن هدوء المالديف لا يناسبها، لم يكن المكان سيئا، لكنه كان ساكنا أكثر مما تحتمل.
كانت ميامي مختلفة تماما؛ مدينة صاخبة، نابضة بالحياة، تجمع بين سحر الطبيعة وجنون المدن الكبيرة؛ حيث كانا في الصباح يذهبان إلى البحر، يركضان على الرمال، يركبان الدراجات على الكورنيش، أو يخوضان مغامرات الـبيتش باجي، وفي المساء، يخرجان لاستكشاف المدينة، يزوران معالمها، يدخلان الملاهي، يضحكان بصوت عالي، ويعيشان اللحظة دون قيود.
حتى رشدي بدا مختلفا، كان أكثر حماسا، وحيوية، واندماجا، فالجميع يعلم أن شخصية رشدي لا تناسبها الأماكن الهادئة الرتيبة، فهو يعشق الحركة، والضجيج، والتجديد المستمر، الأماكن التي تشبهه هي التي تخرج أفضل ما فيه، تجعله متوهجا، وهنا فقط شعرت مي أن هذا هو شهر العسل الحقيقي.
وحاول رشدي طوال تلك الأيام تعويضها عن الأيام السابقة، ومحو أي شعور عكر صفوهما، وأضاف لذكرياتهما معا صفحة أنقى وأجمل.
استقرا في كوخ مطل على البحر، على التراث المكسيكي، واللافت أن الفندق الذي نزلا به هو نفسه الفندق الذي كان يقيم فيه سليم وماسة سابقا، فهو أحد الفنادق التي يملكها سليم، وكأن الخيوط، مهما ابتعدت، تظل متشابكة بطريقة ما.
وبالطبع، اجلب رشدي المخدر وخبأه في مكان آخر، لكن تلك المرة كان منتبها، كما علمت مي من شقيقها أن والدها أصيب بالبرد، وهذا أقلقها، فهي تحب والدها كثيرا وتحزن عند إصابته بأي مكروه، ومع ذلك، استطاع رشدي أن يهدئها ويهون عليها.
أما ياسين ولوجين، فكانا يعيشان أيامهما في هدوء، مستمتعين بوقتهما، غير مدركين لما يحدث في مصر، ولم يعكر صفو أيامهم سوى التغير المفاجئ في تصرفات نالا تجاه لوجين، ورفضها الحديث معها، لسبب لم يتمكنا من معرفته حتى الآن؟!
أما عند عماد وصافيناز وفايزة، فظل الوضع كما هو عليه بين خوف وحيرة، ولكنهم اطمأنوا قليلا، حينما تأكدوا من إختفاء مصطفي في تلك الأيام.
أما سلوى، فحاولت بكل ما تملك أن تخرج ماسة من دائرة الخوف، وبقيت معها طوال تلك الأيام، تجلس إلى جوارها، تتحدث معها، وتهدئها وتحتويها، كما حاولت مرارا التحدث مع مكي، لكنه كلما رأها تقترب منه كان يبتعد متظاهرا بالانشغال في الحديث مع أي أحد، كي يغلق أي مجال للحوار بينهم.
أما ماسة، فقد خضعت لجلسات علاجية مكثفة، في محاولة لانتشالها من حالة الخوف التي ابتلعتها بالكامل، فلم يكن الخوف مجرد نوبة عابرة، بل ظلا مقيما في عينيها، يرتجف مع كل حركة وكل صوت.
ومع تتابع الجلسات، بدأت حالتها تتحسن قليلا، وسمحت لأول مرة بابتعاد سليم عنها، كإشارة على تراجع الخوف، وظهور مساحة من الطمأنينة.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل
في صباح يوم جديد بفيلا سليم وماسة 10:00 صباحا.
كان سليم يجلس في الصالون مع مكي ومصطفى، يتناقشون فيما ينوي فعله خلال الأيام القادمة، الجو كان مشحونا، وكل كلمة تقال تحمل حسابات دقيقة.
مصطفى وهو يميل بجسده للأمام: يعني بكرة هروح الفيلا التانية؟
أجابه سليم بثبات: أيوه، خلينا نبدأ اتاخرنا كتير، وكلم أهلك ينزلوا القاهره، ومتقلقش عليهم، مفيش حد هيقرب منهم، هحطلهم حراسه على البيت من غير ما حد يحس.
هز مصطفى رأسه، وتساءل بقلق: طب مش خايف يكون حد مهكر تلفوناتهم ويسمع المكالمه؟!
هز سليم رأسه بثقه: لا متقلقش، أنا متابعهم وعارف أنهم مش مهكريين أي أرقام ليهم، واطمنوا لما لقوك مختفي اليومين اللى فاتوا، وأنا هطمنهم بكره أكتر، واقولهم إني قتلتك.
تدخل مكي بنظرة فاحصة، موجها حديثه لسليم: طب أنت قررت إيه؟ خلاص هتغير موضوع إنك تروح أنت وماسة القصر؟
تنهد سليم بعمق: أيوه، خايف عليها، أنا اللي هروح وأكمل اللي بدأته، مش محتاج ماسة.
اومأ مكي بهدوء: تمام، اللي تشوفه.
نهض سليم وهو يشير برأسه: هطلع لماسة بقى علشان أعرفها إني لازم بكرة أكون في القصر، دلوقتي الحمد لله بدأت تتحسن وتتقبل فكره إني أبعد عنها.
أومأ مكي موافقا، فتحرك سليم وصعد إلى الأعلى، لكن الغرفة كانت فارغة!!
توقف في مكانه للحظة، ونظرة استغراب عبرت عينيه، ثم استدار وهبط إلى الأسفل مسرعا.
كان مكي ومصطفى لا يزالان جالسان في الصالون، نظر لهم وتساءل بحده خفيفه: حد فيكم شاف ماسة؟
أجابه مكي: لا.
تساءل سليم بترقب: طب سلوى؟
رفع مكي يده مهدئا: اهدى يا سليم، هتكون فين يعني؟ أكيد في أي مكان جوه الفيلا.
في تلك اللحظة، دخلت سلوى من جهة الحديقة، التفت إليها سليم بسرعة: سلوى، ماسة فين؟
تجمدت سلوى قليلا قبل أن تجيب: معرفش!! كانت جنبي في الجنينه، وقومت أدخل الحمام، ولما رجعت ملقيتهاش، قولت أكيد طلعت أوضتها.
قال سليم بنبرة قلق واضح: ماسة مش في أوضتها يا سلوي!!
اقترب مصطفى محاولا تهدئتة: أكيد في أي مكان، هتروح فين يعني؟
مكي بحسم: خلاص، خلينا نتوزع وندور عليها، واللى يلاقيها يكلم الباقي.
وبالفعل، بدأ الجميع بالتحرك داخل أرجاء الفيلا، غرفة تلو الأخرى حتى دخل سليم مكتبه...
توقف فجأة.
وجد ماسة واقفة هناك، أمام السبورة المعلقة على الحائط، تحدق فيها بتركيز غريب، وتمرر عينيها على الصور المعلقة والأسهم والخطوط التي تتفرع منها، وكأنها تحاول فك لغزا أكبر من قدرتها.
تنفس براحه، والتفت برأسه، ورفع صوته بنبرة رجولية هادئة: خلاص يا جماعة، أنا لقيتها في المكتب.
أغلق الباب خلفه وتحرك نحوها، لكن ماسة لم تلتفت له، وظلت كما هي.
وعندما توقف بجوارها، تساءلت دون أن تنظر إليه، وعيناها معلقتان بالصور: مين فيهم؟!
نظر إليها بعدم فهم: مين ايه؟!
التفتت إليه فجأة، بنظرات حادة، متوترة: مين فيهم اللي عملها؟ ولا كلهم؟ أنا سمعت صوت عماد لما كنا في القسم، أنا عارفة صوته..
صمتت لحظة، ثم رفعت يدها وكأنها تتوسل: قولي يا سليم، مين اللي عملها؟
تردد، وقال بمراوغة واضحة: معرفش لسه...
لم يكن كذبه إلا وسيلة لحمايتها مما قد يحدث، لم يكن يريد أن ينطق بما قد يضايقها أو يثير غضبها.
يحاول بكل ما يملك أن يبعدها عن أي مشاكل، ويقيها من كل عاصفة محتملة، خوفا عليها من ألم لا يحتمل.
لكنها بنظرة حادة وفطرة لا تخطئ، كانت متأكدة أنه يكذب، عرفت أن الحقيقة مخبأة في عينيه، وأن صمته أكثر من مجرد تجاهل، كان يحمل شيئا يريد أن يخفيه عنها، لكنها شعرت به يقيدها، ويقيد حقها في معرفة ما يجب أن تعرفه.
نظرت في عينيه مباشرة، رفعت حاجبها وقالت بنبرة قاطعة: أنا متأكدة إنك عارف يا سليم، ليه بتحاميلهم؟
ردت بنبرة حاده بضجر: إيه بحاميلهم دي؟؟ إيه العبط ده؟ خلاص سيبيني أنا أتصرف، وهجيبلك حقك.
أعادت السؤال بإصرار وكأنها لم تسمع له: مين فيهم؟
أدرك أنه لابد أن يخبرها ويضعها في الصورة، لن يكرر غلطته مره أخري حينما خبأ عنها أمر الصور التي كانت ترسل اليه وهي برفقة مصطفي، فتنهد قائلا: كلهم فايزة، وعماد، وصافيناز، ولسه مش متأكد إذا الباشا ورشدي ليهم إيد ولا لأ، بس قلبي حاسس إن الباشا معاهم؛ لأن محدش كان بيرد عليا من الناس اللي كلمتهم يومها، وده يأكد إن في حاجة.
جزت ماسة على أسنانها: طب إحنا إمتى هنروح القصر؟
هز رأسه معارضا، وقال بوضوح لا يقبل النقاش: لا، أنا غيرت رأيي، أنتِ هتفضلي هنا مع سلوى، وأنا هروح بكرة لوحدي.
نظرت إليه بثبات، وصححت كلماته بهدوء حاد: أسمها هنروح بكرة، مش هتروح لوحدك.
ثبتت عيناها في عينيه، لم يكن في نبرتها سؤال،
بل قرارا يفرض... لا يناقش.
رد بحزم: لا يا ماسة، خلاص، أنا هعرف أتصرف لوحدي.
اقتربت خطوة، وصوتها ارتفع: حتى لو هتعرف تتصرف لوحدك، أنا عايزة أجيب حقي بإيدي، عايزة أشفي غليلي بإيدي...
نظرت له متسائلة بضجر: خايف عليا من إيه؟ لبسني إسورة تتبع، وأي حاجة تحصل هتبقى سامعها وشايفها، بعد ما ركبت كاميرات ومايكات.
نظر لها سليم من أعلى لاسفل بقلق واضح: ماسة، اللي إنتِ فيه ده مش طبيعي، انتِ كنتي لسه من كام يوم خايفة ومرعوبة تخرجي من أوضتك، ومش عايزة تسيبيني، وفجأة تتحولي كده؟ النظرة اللي في عينك دي تخوف.
هزت رأسها بسرعة، وتنهدت بعمق: سليم، أنا كويسة، إحنا كنا متفقين، آه تعبت شوية، بس دلوقتي خفيت بوجودك، وبتشجيعك، وجلسات الدكتور، خلاص بقى خلينا نكمل اللى كنا ناويين نعمله.
نظر إليها سليم طويلا لم تعجبه تغيراتها النفسية السريعة، ولا حدة تقلباتها، وكان القلق يتسلل إلى صدره دون إذن.
شعرت بتردده، وبالرفض المختبئ في عينيه، فاقتربت منه، وأمسكت يده، وارتسمت على شفتيها ابتسامة تحاول اقناعه: يلا بقى يا سالوملوم، علشان نعمل الدويتو الجامد..
تساءلت بحماس: أنت مش كنت ناوي تروح بكرة؟! تعالى نتكلم ونشوف هنعمل إيه، وأتفقت مع مصطفى على ايه؟ وإيه اللي حصل؟
أبعدت نظرها قليلا، وقالت بنبرة مبحوحة كأن غصة علقت في صدرها: حاسة إن الكام يوم اللي فاتوا دول غاب عني فيهم حاجات كتير، أنا مش عايزة أضيع يوم تاني في حزن، ولا وجع، ولا ظلمة، دكتور ياسر كان عنده حق، وأنت كمان كان عندك حق..
عادت تنظر إليه بثبات: مش هدخل تاني جوه الصندوق، لازم أطلع، وأبقى قوية، وأحارب بشجاعة، ومخليش أي حد يدخلني الصندوق ده تاني مهما حصل.
تعلقت نظرتها به، وكأنها تطلب منه سندا أخيرا: وأنت هتساعدني على ده مش كده؟مش إحنا اتفقنا إن أي حاجة بعد كده هنعملها سوا؟ ونحط إيدينا في إيد بعض؟
تنهد سليم وقال بهدوء ممزوج بقلق: أيوه يا ماسة وأنا قد وعدي، أي حاجة تحصل هقولك عليها، بس خليكي بعيدة عن الخطر.
اقتربت أكثر وهمست برجاء: أرجوك يا سليم، متحرمنيش آخد حقي بإيدي.
أدرك أن ماسة متشبثه برأيها، ومن المستحيل تغير رأيها، فكر أن وجودها إلى جواره أهون من تركها تقاتل وحدها، فتنهد مستسلما: ماشي يا ماسة...
ثم نظر إليها بجدية: أنتِ عايزة تعرفي إيه؟!
ابتسمت بخفة: كل حاجة.
أجابها موضحا: هودي مصطفى الفيلا الجديدة يقعد فيها، عشان ناوي لما نرجع، أقول إني خلصت عليه، في تفاصيل تانية هعملها، بس كل حاجة هتعرفيها في وقتها.
تسألت باستغراب: اشمعنا؟!
أجابها بهدوء: لأن كل خيط هيودي للخيط اللي وراه.
سألته: طب وأهل مصطفى؟
اجابها موضحا: هيجوا يقعدوا في القاهرة، إحنا طمناهم، ولما يجوا مصطفي هيفهمهم كل حاجه، وهيعرفهم إنه بيساعدك.
تسألت: طب ومراته اللي اتجوزها دي؟
ابتسم ابتسامة جانبية: ممكن أوديها تعيش معاه، بدل ما يبقى لوحده ويكلم الحيطان.
ضحكت بخفة، فأكمل سليم: أنا هنادي مكي ومصطفى، ونقعد نتفق، هنحكيلك كل حاجة، بس ركزي يا ماسة الموضوع كله محتاج منك تمثلي متقن، إنك بتكرهيني ومش طايقاني، وتشتمي فيا.
رفعت حاجبها بثقة: اطمن، أنا عارفة أعمل ده كويس،
أنا قعدت شهور أمثل عليك، وأقنعك إن كل المشاكل بسبب قفلك عليا والسجن، تفتكر مش هعرف أمثل عليهم؟
نظر إليها بجدية مفاجئة وخرجت كلماته بمرارة: نصيحة بلاش تثقي في نفسك أوي، أنا لما وثقت في نفسي وصلت للي إحنا فيه ده.
ابتسمت وقالت بثبات: أنا مش واثقه في نفسي، أنا واثقه فيك، إنك مش هتسمح بحاجه تمسني تانى صح!
نظر إليها بصمت للحظه، ثم اومأ برأسه مؤيدا: أكيد.
تشبثت بذراعه وقالت بحماس: يبقي يلا نادى مكي ومصطفى، وخلينا نشوف هنعمل ايه، متقلقش.
وبالفعل، نادى سليم على مصطفى ومكي، واجتمع الجميع في المكتب، حتى سلوى حضرت وجلست معهم.
ساد المكان تركيز شديد، وكأن كل واحد منهم يدرك أن ما يقال الآن سيغير مجرى الأيام القادمة.
بدأ سليم يشرح خطته بهدوء ودقة، والجميع يتابع، يقاطعونه أحيانا، ويضيفوا ملاحظاتهم في أحيان أخري، في نقاش متبادل لا يخلو من التوتر.
قال مصطفى بعد لحظة تفكير: على فكرة، أنا ممكن أراقبلكم حوار المكالمات والحاجات اللي في التسجيلات وكل يوم اديك تقرير مفصل باللي اتقال، ما أنا هبقى هناك في الفيلا، ومش هيبقى عندي حاجة أعملها، إيه رأيكم؟
نظر سليم إلى مكي للحظات، ثم قال: ماشي، تمام، وأي حاجة تحصل هتكلمني طبعا بالرقم اللي هجيبهولك.
ثم أكمل بجدية: هنتفق على (سين) لما تقول لي: «أخبار الجو عندك يا سليم إيه؟» لو قولتلك: «تمام»، يبقى نتكلم براحتنا والدنيا ماشية، لو حسيت إن الوقت مش مناسب، هقولك: "دوشه" ، ولو حصل حاجة مهمة ومش عارف أكلمك، اتكلم مع مكي، أوعى تكلم أهلك غير لما تقولي.
تدخلت ماسة بقلق: طب والعيلة؟ يعني لما يلاقوا أهل مصطفى بعد شوية محدش بيسأل، ومفيش حاجة مش هيشكوا؟
ابتسم سليم ابتسامة جانبية: مش هيبقوا فاضيين أصلا هيبقوا ملهيين في فضايحهم اللى هنزلها ترف فوق دماغهم كل فضيحه أكبر من التانية، إحنا محتاجين كام يوم بس، لحد يوم الحفلة، وساعتها نبدأ اللعب اللي بجد.
هز مصطفى رأسه موافقا: تمام، ولو احتجنا أي تهكير أو شغل تقني، إيهاب ممكن يساعدنا.
اومأ سليم سريعا: تمام..
ثم وجه نظراته لمصطفي وسأله بهدوء: تحب أجيب آلاء ووالدتها يقعدوا معاك؟
تردد مصطفى قليلا: مش عارف، خليني أروح الأول وأشوف، لو أمي فضلت قافشة، ممكن أجيبها.
قاطعتهم ماسة بحزم: سليم فكك منه، هاتها تقعد معاه على الأقل تونسه، أنت هتتجنن هناك لو فضلت لوحدك.
نظر سليم إلى مصطفى الذي ابتسم من طريق ماسة، وتساءل سليم: وموضوع محمود دى حابب تعمل فيه ايه؟! اسمع كلامي وسبني أظبطهولك، هو كده كده مش هيقدر يجي ويتعرض لأهلك تانى في الشقه زى ما عمل في اسكندرية، بس برضو سبنى المهولك.
هز مصطفي رأسه نافيا: لا سيبك منه، هو مش هيعمل حاجه، الحوار اللى عمله في اسكندريه كان تهويش علشان يضغط عليا واسلمه آلاء، لكن طول مامعموله محضر مش هيعمل حاجه، هيخاف.
هز سليم رأسه بضيق، من عناده: براحتك زى ماتحب.
رفعت سلوى يدها نصف رفعة، وقالت بابتسامة: وأنا؟ مليش دور في المسلسل ده؟!
نظر لها سليم بجدية مصطنعة: لا، ليكي، هتيجي تزوريها، وأنا هطردك، وهنتخانق سوا، وأنتِ طبعا هتشتميني.
ضحكت سلوى: ماشي، طب أمي وأبويا هيعرفوا؟
سليم موضحا: أيوه بس مش كل التفاصيل، علشان هما كمان لازم يمثلوا، بس بلاش أي تصرف إلا لما أنا أقول.
نظر إليهم جميعا وقال بحزم: لازم تعرفوا إن تمثيلنا قدامهم هو النقطة اللي هنشتغل عليها، واي حاجة تحصل، لازم نبلغ بعض بيها، محدش يفكر يعمل خطوة من دماغه، ولا يضيف التاتش بتاعه، لازم كلنا نبقي أيد واحده ونتحرك كوحدة واحده..
توقف لحظة، ثم نظر إلى ماسة تحديدا: أحنا هنمشي جوه دايرة، مينفعش نخرج بره الدائرة دي، خصوصا أنتِ يا ماسة.
رفعت حاجبها وقالت بابتسامة واثقة: أنت عمال تبصلي كل شوية وتقولي خدي بالك..!
تابعت بتهكم وثقة: على فكرة، أنا أكتر واحدة فيهم هبهرك بتمثيلي.
ثم التفتت إلى مكي وضحكت بخفة: أنا هربت تلات مرات من رجالتك، ومن ضمنهم مكي، سوري يعني يا مكي..
أضافت بتفاخر: بس ده كله كان بسبب تفكيري وتمثيلي، فأوعى تقلق مني تاني.
ابتسم مكي ابتسامة قصيرة، بينما عقد سليم حاجبيه: أخدك للموضوع بالهزار ده مقلقني.
مالت ماسة للامام وقالت بثبات: متقلقش، ثق فيا.
تبادلا النظرات لوهله بصمت قبل أن يتنهد سليم ويقول: أنا هجيب سحر دلوقتي، علشان افهمها مهمتها، لأن هي كمان هتكون معانا.
هز الجميع رؤوسهم بصمت، بينما رفع سليم هاتفه، وقام بمهاتفه سحر، وطلب منها الحضور للمكتبه فورا، وبعد قليل تعالي طرق الباب، ودخلت بخطوات مترددة، وهي تنظر لاجتماعهم سويا بارتباك، وهي تقول: أفندم يا سليم بيه.
رفع سليم نظره إليها، ثم قال: أقعدي يا سحر، عايز أتكلم معاكي.
جلست على الأريكه بجانب سلوي، وظهر على وجهها بعض القلق، وهي تتساءل: خير يا بيه؟
مال سليم إلى الأمام، وأسند مرفقيه على المكتب: بصي يا سحر، الفترة دي فيه مشكلة، وأنا محتاجك تكوني معانا فيها، أنا عارف إنك بتحبي ماسة وبتعتبريها زي بنتك، مش كده؟
وضعت يدها على صدرها بسرعة، وقالت بصدق وهب تنظر نحو ماسة: والله يا بيه ربنا وحده يعلم غلاوتك وغلاوتها عندى عامله أزاى.
هز رأسه: عارف يا سحر.
ثم نظر إليها بثبات وتساءل: المهم قوليلي الأول لما روحتي القصر قبل كده وسهلتي دخول مكي، قولتيلهم إيه؟
أجابت وهي تسترجع التفاصيل: مكي باشا كان معرفني المطلوب مني، وقايلي إن مفيش حد هناك غير الخدامين، وأنه عايزيني أشتتهم على مايخلص اللى عايز يعمله، فروحت وقولتلهم إني كنت معديه من جمبهم فقولت أعدي أسلم عليهم وأقعد معاهم شوية، وإني سمعت حضرتك بتقول في التليفون إن كلهم هيبقوا في المجموعه في اجتماع مهم فنقدر نقعد براحتنا، وهما صدقوا.
أومأ برأسه وكأنه يعد خطة: تمام، عايزك بكرة تروحي القصر متضايقة، وتقولي إني اتخانقت معاكي، وزعقتلك، وطردتك قدام الخدم اشتمي فيا براحتك، وقولي إني بقيت عصبي وبضرب ماسة، المهم كل إللي في القصر يعرف.
اتسعت عيناها قليلا: حاضر يا بيه.
أشار بيده نحو مصطفى، ثم قال بنبرة حازمة: شايفة الراجل إللي قاعد قدامك ده؟
التفتت سحر إلى مصطفى، تحدق فيه بتدقيق واضح، كأنها تحفظ ملامحه.
تابع سليم وهو يراقبها: أحفظي شكل دكتور مصطفى كويس أوي، وعايزك قدامهم تحاولي تخلي الكلام يتقال كده كإنه صدفة... ويبقى حد معدي من إللي في القصر ويسمع، صافيناز، عماد، فايزة هانم... أي حد...
ثم مال قليلا للأمام، وصوته انخفض بخطورة: قولي إنك شوفتي واحد في الفيلا... ومكي كان بيجره وراه بحبل، وكان شكله مضروب، وبعدين اختفى، بس متعرفيش عنه حاجة تاني، مفهوم؟
هزت رأسها ببطء: مفهوم يا بيه.
أكمل وهو يضغط على كل كلمة: حاولي توصفيه، قولي شكله مسبسب، أبيضاني، شعره كذا، عينه كذا، ولو الهانم سألتك أو أي حد، عايز وصف قريب جدا من دكتور مصطفى.
نظر إلى مصطفى لحظة، ثم عاد بعينيه إليها: لو تعرفي توصفيه بالتفصيل يبقى أحسن، عايز إللي يسمعك يفتكر الشكل في دماغه كويس.
ابتلعت ريقها بتوتر: حاضر... هركز.
شدد سليم بنبرة لا تحتمل الخطأ: ركزي أوي يا سحر، الموضوع ده أهم مما تتخيلي.
أومأت براسها بثقة: متقلقش يا بيه
أخرج سليم هاتفا صغيرا من درج مكتبه، ومده إليها: التليفون ده رقم سري بيني وبينك وبين مكي وماسة، أي حاجة تحصل تبلغيني فورا، وخبيه كويس.
أخذته بحذر: حاضر.
اقترب بجسده للأمام، وصوته انخفض: مفيش مجال للغلط يا سحر، أي غلطة هتبوظ كل حاجة.
تبسمت وهي تيشير بيدها: متقلقش يا بيه، أنا فاهمة.
اعتدل في جلسته استرسل: روحي يلا حضري حاجتك، علشان تروحي بكره بدري، وتعملي اللى قولتلك عليه.
اومأت براسها وهي تهم بالتوقف: حاضر، بعد إذنك.
خرجت سحر، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
التفت مصطفى إلى سليم: طب وأنا؟ هروح الفيلا التانية أمتى؟
أجابه دون تردد: قوم كلم أهلك دلوقتي، وبلغهم ينزلوا بكره القاهره، هتروحلهم بس بشكل متنكر، وتفهمهم كل حاجه وبعدها تطلع على الفيلا الجديدة، ومكي هيكون معاك.
اومأ مصطفي برأسه، ونهض قائلا: تمام هقوم اقولهم دلوقتي، علشان يلحقوا يجهزوا نفسهم، ويسافروا.
هز سليم رأسه إيجابا، فغادر مصطفي، بينما نظر سليم لسلوى وماسة قائلا: معلش يا ماسة اطلعي أنتِ مع سلوي دلوقتي، وسبوني أنا ومكي لوحدنا.
رفعت ماسه حاجبها باستنكار: لوحدكم ليه؟!، هتقول ايه يعني، ماتقول قدامنا.
شدد سليم على كلماته: ماسة مش وقت عند، أنا قولت أطلعوا وسبونا لوحدنا، يلا.
نظرت إليه بغضب للحظه، ثم نهضت وغادرت مع سلوى لأعلي، وما أن أغلقت سلوي الباب خلفها، حتى التفت سليم لمكي، متسائلا: جبتلي عثمان؟
أومأ مكي بابتسامة ساخرة: أه، وحطيته في أوضة الفيران
سليم بنظر تحمل معنى: طب اتصل بالرجالة وخليهم يجهزوا.
ثم فتح درج المكتب وأخرج علبة، فتحها، فوجد بداخلها أسورة فضية، أمعن النظر فيها بإبتسامة غامضة، ثم وضع إصبعه عليها فانفتحت، أعاد وضعها مرة أخرى، وأعطاها لمكي: خليها معاك.
أخذها مكي وأجاب: تمام.
ثم أخرج هاتفه وبدأ بالاتصال، ثم قال بنبرة حازمه: اجهزوا يا رجالة.
ثم أغلق الخط، ونظر إلي سليم، فابتسم سليم وهو يضرب على المكتب بأصابعه، وهم بالوقوف، ثم قال: خلينا نروحله.
وبالفعل غادروا إلى الخارج وتوجوا إلى إحدى الغرف المعزولة في الحديقة.
كان هناك حارسان على الباب، فتح أحدهما باب الغرفة حين اقترب سليم ومعه مكي.
فدخلا معا، وكانت الغرفة فارغة تماما، بلا أثاث، فقط بلاط رطب، ونور خافت، وجردل، كأنها زنزانة منفردة، كان عثمان يجلس في الركن، يحتضن نفسه بجسد مرتجف، ومع ذلك بدت ملامحه أفضل، فقد تحسنت ندبات وجهه بعض الشيء.
عند رؤية سليم، توقف مهرولا نحوه، وهو يقول بصوت متلهف: سليم بيه، أرحمني...
لكن مكي دفعه بقوة إلى الخلف بعينين مستوحشة: خليك مكانك.
نظر عثمان إلى سليم بتوسل، محاولا تبرير خيانته: سليم بيه، أنت أكتر واحد المفروض تقدر وجعي، أنت نفسك حبيت، وعارف...
قاطعه سليم بنبرة غليظة، وعيناه حادتان: حتى لو حببت ودوقت طعم الحب، مش هخون زيك، مش هعمل إللي عملته، وأدفع ناس ملهمش ذنب التمن..
تنهد بعمق، وقال بشدة تعكس قوى شخصيته وهيمنته: أسمع أنت هتمشي من هنا بكرة، وهتفتح تليفونك إللي بتكلم بيه عماد، وهتقوله كل اللي هقولهولك بالحرف ... حرف زيادة أو ناقص مش مقبول.. ولو فكرت تلعب؟!
فجأة، ضرب أصابعه ببعضها، وعيناه تحدقان في عثمان بنظرة تخنق النفس، وتجعل قلبه يتوقف عن الخفقان من رهبتها.
فهم مكي إشارة سليم، فأخرج هاتفه وفتحه، ووضع الشاشة أمام عثمان.
على الشاشة، ظهرت عائلة عثمان وكان هناك حراس مسلحون يوجهون أسلحتهم مباشرة نحو رؤوسهم، لتتضاعف اللحظة رعبا وإحساسا بالتهديد.
فتسارعت نبضات قلب عثمان، وتوجهت عيناه إلى سليم بفزع وتوسل، وهو يصرخ: سليم بيه...
أمسك يده، وحاول أن يقبلها، لكن سليم نزعها بعيدا بعنف، واصل عثمان بصوت مرتجف: أبوس إيدك، بلاش عيالي ومراتي...
أجاب سليم بحزم جاف: خلاص يبقي تسمع الكلام، وتنفذ إللي هقولهولك.
أومأ عثمان برأسه عدة مرات كالمجنون: حاضر، هعمل كل إللي أنت عايزه، بس أرحمهم.
نظر له سليم مطولا لوهلة، ثم قال: مكي إديله تليفونه.
أعطاه مكي الهاتف، فتابع سليم موضحا: هتلاقي عماد باعتلك رسائل، ورانن عليك كتير..
استرسل بنبرة مخطط بدهاء: هتكلمه وتقوله الفترة إللي فاتت سليم كان مشدد علينا أوي، وأنا كنت قافل التليفون وخافيه، ولما الدنيا هديت وبدأت تروق، كلمتك
استمر بنبرة ماكرة: هيسألك عن ماسة، هتقوله في شوية مشاكل، وبسمع صريخها، بعدين قوله، إنك شوفت الدكتور بتاع إسكندرية في الفيلا، ومكي كان مجرجره بالحبل، وشكله مضروب علقة موت، وأخدوه على أوضة في الفيلا، وبعدها متعرفش إيه اللي حصل بالضبط، بس سمعت صوت الرصاص بعد شوية.
رد عثمان وهو يلهث من الخوف: ماشي، حاضر، هقول كل إللي أنت عايزه.
اتصل عثمان بعماد، لم يرد في المكالمة الأولى، لكنه رد في الثانية بنبرة غليظة: أنت فين يا بني آدم؟ بقالي كام يوم بحاول اكلمك، قافل الزفت ليه!
عثمان وهو يحافظ على نبرة صوته: الدنيا كانت بايظة خالص عندي، فقفلت تليفوني وخفيته.
عماد بتوتر: بايظة عندك أزاي؟ يعني إيه إللي حصل؟
في تلك اللحظة، وجه سليم نظره إلى عثمان، وبدأت شفتاه تتحركان بالكلام هامسا، كما لو كان يلقنه ما عليه قوله: قوله من يوم الحد، والدنيا مقلوبة..
كان صوته منخفضا، لكن النظرة في عينيه حملت ثقلا يملأ الغرفة، جعل قلب عثمان يرفرف بين الخوف والطاعة، مدركا أن كل كلمة ستحدد مصيره.
اومأ عثمان برأسه عدد مرات، وتابع: مش عارف، بس من يوم الحد، والدنيا مقلوبة، سليم متعصب وبيفتش في كل الحراس، ومتخانق مع ماسة وضاربها، كنت عايز أتصل بيك وأقولك، وكمان شوفته جايب الدكتور إللي كانت ماسة هربانة عنده مضروب، ومكي مجرجره بالحبل، وكأنه ساحب بهيمة، وبعدين خدوه على أوضة، معرفش عملوا فيه ايه، معرفتش أخش، بس سمعت صوت رصاص، وبعد شوية شوفت سليم طالع، وأنا استخبيت ولقيتهم مطلعين حد ملفوف ببطانية ودفنوه في الفيلا من ورا، أنا قولت أكيد ده الدكتور.
عماد بصدمة: عايز تفهمني، إن سليم قتل مصطفى؟
رد عثمان: أكيد، وإلا إيه إللي هيبقى في اللفة؟
سأل عماد بشك: متأكد إن سليم متخانق مع ماسة؟
أجاب عثمان: أنا مبخشش جوه، بس بسمع صوت صريخ جامد
عماد بهدوء: تمام، أي حاجة تحصل بين ماسة وسليم، لازم تقولي فورا، سواء اتصالحوا أو الدنيا بايظة.
فقال عثمان وهو ينظر لسليم بارتباك: حاضر يا عماد باشا.
ثم أغلق الخط، واقترب من سليم ومكي، وهو يتساءل بتوجس: ها كل حاجة مظبوطة كده؟!
ابتسم سليم ابتسامه باردة، وهو يؤمأ برأسه: مظبوط يا عثمان، وبكده هتخرج بكرة، علشان لازم تظهر.
فجأة تغير صوته وهو ينظر له: مكي، ركبله الأسورة.
ابتسم مكي ابتسامة لها معنى، واقترب من عثمان، وشد يديه بعنف، وركب له سوارا
سأل عثمان بدهشة: إيه دي؟
أجاب سليم بنبرة هادئة ساخرة لكنها تحمل رهبة: دي آخر صايحة في المراقبة، ومش أي مراقبة، دى بتتعمل مخصوص للناس الغالية اللي زيك، هتعرفني كل مكان بتتحرك فيه، وهتسمعني، وتوريني كل إللي بتعمله، أصل مزروع فيه مايك وكاميرا، علشان لو عقلك وزك، وفكرت تتذاكى وتلعب بديلك هعرف، وعلى فكرة متتعبش نفسك وتحاول تشيلها، أصلها مش بتفتح غير ببصمة أيدى.
صمت لحظه، ثم تابع بفحيح خطر: ولو فرضنا إنك حبيت تشغل دماغك عليا، وتجيب هكر يفكهالك، عارف إيه إللي هاطيحصل يا عثمان؟!
ابتسم ابتسامة جانبية فيها سخرية، وشيطانية، وضغط على هاتفه، وما هي إلا ثواني، وصدح صوت غريب من الإسورة مثل عداد قنبلة
عثمان بدهشة و توتر: إيه ده؟
رد سليم بابتسامه باردة: عد ٣٠ ثانيه... وبعدين
فتح ايده، ونفخ فمه، وعمل حركة القنبلة، وهو يتابع:
بوم! هتنفجر.
اقترب منه ونظر داخل عينه بنظره غامت بالسواد الخطر بجمود: هفجرك يا عثمان، ما أنا أكيد مش هخليك تخرج من هنا وتمشي على رجليك، غير وأنا مأمن نفسي منك كويس..
اشار بيديه في وجهه بتحذير: وخد بالك ولادك ومراتك لابسين نفس الأسورة، لو اتهورت، بضغطة زار في موبايلي، وهيحصل فيهم زيك بالظبط، بس أنا مش مخليهالهم ٣٠ ثانية، توء.
صمت لحظه، وأشار بيده: هما ثانيتين، علشان تتفرج على إللي هيحصلهم، وتشوف نتيجة اختيارك.
رد عثمان بسرعة وتوتر: أنا مش هعمل كده، أنا مش هخونك تاني يا سليم بيه.
أوضح سليم بثقه وقوة: ده مش خيار، ده إللي هتنفذه.
قلب وجهه باشمئزاز وهو يتابع: وحاول تهتم بنفسك، ريحتك صعبة، استحمى ها..
هم سليم بالخروج، نظر لمكي قال: زودوله كمية الأكل.
اومأ مكي برأسه إيجابا، ثم تحرك هو وسليم إلى الخارج، وهو يتمتم: مش كان لسة بدري على خروجه!
رد سليم موضحا: بالعكس إحنا اتأخرنا، عثمان لازم يظهر، هو ده إللي هيبقى همزة الوصل ما بينا وبين عماد، ويخلينا نشكل تفكيرهم على مزاجنا، ومع تطابق كلامه مع كلام سحر، هيأكدلهم إن فعلا فيه مشاكل بيني وبين ماسة.
هز مكي رأسه موافقا، باعجاب: عندك حق، وبكده أي حاجه هتعملها، من رابع المستحيلات يشكوا إن أنت اللى وراها، ضرب تحت الحزام يعني!
غمز له سليم بمرح: اهو كده ابتديت تفهمني.
وغادروا معا، بخطوات ثابته، خطوات لاعبون دخلوا اللعبة، وهم يدركون جيدا أن الرجوع منها لن يكون سهلا، وأن الخروج من الدائرة التي دخلوا إليها قد يكون مستحيلا..
على اتجاه اخر ، في الحديقة.
كان مصطفى يتحرك وهو ممسك بهاتفه، يحاول الاتصال بعائلته، توقف على ضفاف نهر النيل، وأخذ يتأمل الماء لحظة قبل أن يرن الهاتف، فسمع صوت إيهاب من الطرف الآخر.
مصطفى بهدوء: الو، إيهاب؟
اجابه بلهفه: عامل إيه يا مصطفى؟
أجاب مبتسما: الحمد لله، إيه الأخبار؟
رد بهدوء: الحمد لله، أنت رجعت؟!
أجابه بنبرة حاسمه يملؤها الهدوء: آه، وعايزكم بكره تنزلوا القاهرة.
إيهاب باستغراب: ننزل القاهرة ليه؟
أجابه مصطفي بحسم: علشان هنرجع نعيش في القاهرة خلاص.
ثم تسأل: أمك جنبك؟
رد بسرعة: لا، أنا فالأوضة دلوقتي...
مصطفى: طب اطلع وافتح المايك.
نهض إيهاب من غرفته متجها للخارج، بينما كانت نبيلة جالسة تشاهد التلفاز وتقمع الباميه.
قال إيهاب بصوت منخفض: أمي، مصطفى عايزك.
دق قلب نبيلة بالسعادة فور استمعت لاسمه، ومسحت يدها بمنديل، واخذت الهاتف وقالت بلهفه: حبيبي، عامل إيه؟
ابتسم مصطفى: الحمد لله يا أمي، بصي أنا عايزكم بكره تنزلوا القاهرة، وتروحوا على الشقة عندى.
سألته باستغراب: ليه يا ابني؟
رد متعجبا: إيه اللي ليه؟ ده كان اتفقنا !
نبيلة متعجبه: بس مش نظبط نفسنا الأول؟
رد متعجبا باستهجان: تظبطي إيه يا أمي؟ ما تلات تربع حاجتكم ودتها الشقة، يدوب إيهاب يأجر عربية بكره وتعالو فيها.
سألت نبيلة بنبرة لازعه: طب والمحروسه واللي فوق؟
اجاب بهدوء: هتجيبوها معاكم طبعا.
ردت بضجر متهكم: هتقعدها معايا.
أجابها موضحا بهدوء: لا مش هتقعد معاكي... بكرة نتكلم.
ردت بابتسامة واسعه: ايه هطلقها خلاص؟!
تنهد مصطفى بعمق: بكرة يا أمي... بس تكونوا فالقاهرة، وبعدها يحلها حلال.
ردت باستسلام: طيب يا ابني.
أغلقت نبيلة الهاتف، ونظرت إلى إيهاب وقالت: أنت فاهم حاجة؟
رد ببساطه: لا، بس عادي، كدة كدة كنا هننزل القاهرة الأسبوع الجاي، مش فارقة.
قالت بحزم وهي تحمل طبق الباميه: ماشي، أنا هقوم بقى أحضر الحاجات، تعالي معايا.
ثم صاحت تنادي: شوشو! يا شوشو!
جاءت عائشة من غرفتها: نعم يا ماما؟
قالت مفسرة: يلا ايدك معنا، خلينا نخلص لم حاجتنا عشان بكرة هنرجع القاهرة.
تساءلت عائشة بدهشة: اشمعنا بكرة؟
أجاب إيهاب: مصطفى اتصل... ولسه قافل، وقال ننزل بكرة.
هم الجميع للعمل، ولم يكونوا يعرفون أن تلك الرحلة الصغيرة لم تكن عادية كما تبدو، بل بدأت تكشف عن أشياء لم يكونوا على علم بها.
على اتجاه اخر عند آلاء
كانت أنهار جالسة على مقعد بالشرفه، تنظر إلى البحر، مستمتعة بالأجواء الباردة التي تصاحب بداية فصل الشتاء.
دخلت آلاء وهي تتحدث في هاتفها: حاضر ماشي اللي تشوفه، وهسلملك عليها، حاضر سلام.
رفعت أنهار رأسها نحوها وسألت: بتكلمي مين؟
جلست آلاء على المقعد المقابل لها وقالت: دكتور مصطفى...
تسألت بفرحه: رجع من سفره.
تنهدت آلاء وقالت: آه الحمد لله، وعايزنا بكرة ننزل القاهرة.
نظرت لها انهار باستغراب: ليه؟
أجابت آلاء: معرفش والله، كلنا هننزل حتى أمه وإخواته، وهنقعد في شقته اللي روحناها قبل كدة وحصل فيها المشكلة
أنهار بطيبه: يمكن يابنتى، هو عايزك تدخلي العمارة مع أهله علشان يحط صباعه في عين اتخن تخين اتكلم عليكي أنتِ وهو بالوحش.
مدت آلاء وجهها بعدم معرفه: والله معرفش، هو قالي حضري نفسك علشان بكره هنسافر.
أنهار وهي تهم بتوقف: طب هقومي نلم حاجتنا.
أشارت لها الاء برفض: خليكي أنتِ، أنا هلمهم.
ردت أنهار حنان: علشان دراعك!
ابتسمت الاء بغلب: يا ماما متحسينيش إننا معانا حاجه؟ دول كام طقم؟ هكلم بس عائشة علشان تقولي نلبس امتى وكده.
نظرت أنهار نحو البحر وقالت: طيب، مع ان الجو هنا حلو.
نظر الاء نحو البحر : آه والله بس هنعمل ايه بقي، مينفعش نقول لا.
أنهار بتنهيده: ربنا يعدلها يابنتي
القاهرة
في أحد المستوصفات بالقلج. 11:00مساء
عيادة الباطنة.
كانت جنة ممددة على الفراش، يبدو عليها الإرهاق الشديد، وقد ازداد عليها المرض حتى بدا واضحا في شحوب وجهها وضعف حركتها، وقفت رحمة إلى جوارها، بينما استندت الحاجة إسعاد على عكازها بالقرب منهما، تتابع بقلق بالغ.
كان الطبيب يفحص جنة بعناية؛ قاس حرارتها، واستمع إلى دقات قلبها، ثم طلب منها أن تفتح فمها ليتفحص حلقها، وبعد أن انتهى، خلع سماعته ونظر إليهما بجدية، وقال بعملية: اللوز متضخمة جدا، ولازم تعمل عملية في أسرع وقت ممكن... ياريت خلال الأسبوع ده.
سألت رحمة بقلق: طب العملية هتتكلف كام يا دكتور؟
أجاب الطبيب: بالتحاليل والمستلزمات وكل حاجة، حوالي تلات تلاف جنيه.
تدخلت الحاجة إسعاد: مش كتير كده يا دكتور؟
هز الطبيب رأسه: لا خالص، دي الأسعار دلوقتي.
قالت إسعاد برجاء: طب معلش والنبي يا ابني، نزلها شوية.
تنهد الطبيب: ممكن أنزلكم خمسمية جنيه، لكن أكتر من كده مش هقدر؛ لأن العملية مش هتتعمل هنا، هتتعمل في الدمرداش.
قالت رحمة بسرعة: خلاص ماشي، شكر لحضرتك يا دكتور، ياريت بس حضرتك تكتبلنا التحاليل اللي المفروض نعملها، وإن شاء الله أعملها بكرة، ونجمع الفلوس وأكلم حضرتك علطول.
أومأ الطبيب: تمام، ولحد مانعمل العملية، نمشي على العلاج والكمادات، وتهتموا بأكلها كويس.
إسعاد بطاعه: حاضر.
اقترب الطبيب من جنة، ومسح على شعرها برفق:
يلا يا حبيبتي، ألف سلامة عليكي.
نظرت إليه بعينين متسعتين وسألته بخوف طفولي: هو أنت هتعملي واوا في زوري؟
ابتسم الطبيب مطمئنا: لا يا ستي، متخافيش إحنا بس هنشيل الحاجة اللي بتوجعك ومخلياكي تعبانة ومش عارفة تلعبي.
قالت بتردد: يعني مش هتوجعني؟
مسح على شعرها مشوقا لها: لا خالص، وعارفة كمان؟ هتاكلي آيس كريم كتير أوي.
اتسعت عيناها: بجد؟
ضحك: آه بجد.
قالت إسعاد: يلا بقى يا جنة، خلينا نمشي.
اومأت برأسها: حاضر يا تيته.
ساعدتها رحمة على النهوض، وعدلت ملابسها، ثم أمسكت بيدها وخرجن من العيادة، بينما تبعتهما إسعاد بخطواتها البطيئة المتكئة على عكازها، سرن في الشوارع والأزقة الضيقة حتى وصلن إلى المنزل.
فتحت رحمة الباب بالمفتاح، ودخلن وجلسن في الصالة.
قالت إسعاد بقلق: هنعمل إيه يا رحمة؟
أجابت رحمة بثبات تحاول اصطناعه: بكرة إن شاء الله نعملها التحاليل هو مش رشدي سايبلك فلوس؟
هزت رأسها بإيجاب: أيوه، معايا فلوس، ويكفوا الحمد لله، ويمكن يزيدوا كمان.
تنهدت رحمة: يا ريت كنا كشفنا عليها بدري، مكناش وصلنا لكده، قولتك نكشف عليها.
إسعاد بغلب: يا بنتي كل سنة بيجيلها التعب ده، بعملها كوباية ليسون مع دوا الكحة والسخونية، وبتبقى زي الفل.
رحمة بحسم: الينسون مش دوا، يلا خلاص اللى حصل حصل، الحمد لله على كل حال، بكرة هعملها التحاليل وأحجزلها اقرب معاد علشان تعمل العملية، بس أنتِ شوفي الفلوس اللي معاكي قد إيه
هزت رأسها بإيجاب: حاضر يا بنتي.
تحركت رحمة نحو المطبخ وهي تقول: هعمل لها ينسون دلوقتي، وأجهزلها شوية شوربة.
اقتربت جنة من إسعاد، عيناها متعلقتان بها بقلق طفولي: تيتا، هو رشدي مش كلمني؟
نظرت إليها إسعاد، ثم هزت رأسها بإيماءة كاذبة، وقالت بنبرة خرجت مضطرة: آه يا حبيبتي، كلمك وأنتِ نايمة.
ذمت شفتيها بتزمر طفولي: ليه مش قولتلي؟!
اسعاد بابتسامة: كنتي نايمه.
قطبت جنة حاجبيها قليلا، ثم التفتت فجأة تصرخ: يا رحمة! يا رحمة!
خرجت رحمة من الداخل تمسح يديها في طرف ثوبها: ايه يا جنة؟ فيه ايه؟
قالت بشدة تليق على براءتها: اتصلي برشدي.
تدخلت إسعاد بهدوء مصطنع: اشربي الينسون الأول وكلميه بعدين.
هزت رأسها بعند قاطع وهى تضم ذراعيها أمام صدرها: لا، دلوقتي.
رحمه بحزم حنون: اسمعي الكلام.
نظرت اليها إسعاد، وسألتها: انتِ عايزة إيه من رشدي؟
أجابت جنة وهي تعقد ذراعيها بعناد طفولي: عايزاه يكلم بابا وماما، أنا زعلانة منهم جامد، وهو كمان وحشني..
تنهدت رحمة بحنان: حاضر يا حبيبتي، هكلمه.
اقتربت منها وامسكت يدها برجاء: دلوقتي بقى، يلا وحياتي.
ابتسمت رحمة رغم قلقها: طيب يا عفريتة.
رفعت الهاتف واتصلت به، كان الجرس يرن.
في الجهة الأخرى...
كان رشدي يغوص في حمام السباحة، بينما تجلس مي على المقعد، تتأمل المكان، وتمرر أناملها على هاتفها بشرود.
رن هاتفه، فنظرت إليه باستغراب حين رأت اسم "رحمة" يضيء الشاشة.
توقفت لحظة، ثم رفعت عينيها نحو رشدي، ونادت عليه: رشدي يا رشدي.
خرج من الماء، يزيح خصلات شعره المبللة عن وجهه، واقترب منها: إيه؟ غيرتي رأيك وهتنزلي؟
اومأت برأسها موضحه: لا، بس تليفونك بيرن، واحده اسمها رحمه
توقف للحظة، وظهر توتر عابر في عينيه، لكنه أخفاه سريعا.
نظرت إليه مي وتسألت بغيرة: مين رحمة دى؟
أجاب بسرعة، وثبات مصطنعة: مديرة مكتب سليم!
مي ببراءه: طب رد يمكن حاجة مهمه.
رشدي بعدم اهتمام: فكك.
مي بتعجب: افكني ازاي؟!
أخذ الهاتف من يدها نظر نحو شاشه، ووضع رحمه على وضع الحظر، ثم وضعه على الطاولة بإهمال وقال: قولتلك فكك.
ثم فجأة، حملها بين ذراعيه بمرح مصطنع، وهي تصرخ ضاحكة: رشدي! لأ!
وقفز بها إلى داخل المسبح.
عند جنه...
كانت تقف بجوار رحمة، عيناها معلقتان بالهاتف، وملامحها متعبة من الانتظار، بينما كانت تحاول رحمه الإتصال به، لكن عندما حاولت الاتصال للمرة الثالثة تفاجئت بوضعها على قائمه الحظر، جزت على أسنانها وشعرت بالضيق والغضب،
لكن جاءها صوت جنه هي تمد شفتيها لاسفل: مش بيرد؟
نظرت لها رحمه، وحاولت أن لا تظهر ضجرها فأومات بأسف: لأ.
جنه بحزن: اتصلي تاني.
رحمه موضحه: كلمته مرتين خلاص يا جنة...
خفضت الصغيرة رأسها، ومسحت رحمة على وجهها بحنان: طب يلا... ادخلي ارتاحي شوية، لحد ما أعملك الأكل.
دخلت جنة الغرفة بخطوات بطيئة، جلست على الفراش، ثم فتحت درج مكتبها الصغير، وأخرجت رسمتين؛ الأولى رجل وامرأة برسم طفولي، يمسكان يد بعضهما: الثانية رجل فقط، يقف وحيدا.
حدقت فيهما بعينين دامعتين، ثم همست بصوت مكسور: أنا زعلانة منكوا أوي... علشان مش بتكلموني.
نظرت للرجل الوحيد يبدو أنه رشدي: وأنت كمان زعلانة منك، بتصل ومش بترد زيهم، شكلك خلاص سافرت المكان اللي هما فيه... ومش هشوفكم تاني أبدا
أخذت تبكي بحزن صامت، حتى انكمش جسدها الصغير على نفسه في وضع الجنين، وارتجفت كتفاها ببكاء حارق مكتوم، وهي تضم الورقتين إلي صدرها كأنهما آخر ما تبقي لها في هذه الحياه.
بعد قليل، دخلت رحمة وهي تقول بعفوية معتادة:
عملتلك الشوربة...
لكن كلماتها توقفت فجأة، واتسعت عيناها حين رأت الصغيرة تبكي بتلك الطريقة، أسرعت نحوها، ووضعت الطبق على الكومودينو، ثم جلست بجوارها: مالك يا جنة؟ بتعيطي ليه كده؟
نهضت جنة فجأة، عيناها حمراوان، وأنفها يرتجف:
علشان رشدي مش بيرد!
مسحت رحمة دموعها بإبهامها برفق: تقومي تعيطي كده؟
شهقت الصغيرة وهي تهز رأسها بعنف: آه! علشان هو كمان مشي وسبني زي بابا وماما، هما ليه مش بيحبوني؟ مش بيحبوا يقعدوا معايا؟
تابعت بحزن أكبر: والله ما هعمل شقاوة تاني، بس يردوا عليا...
ارتجف قلب رحمة، واشتد الألم في صدرها، شعرت بغضب مكتوم من رشدي، لكن حبها لجنة كان أكبر من أي غضب.
ضمتها إلى صدرها بقوة، وربتت على ظهرها الصغير.
يا حبيبتي، متقوليش كده... هو بس مشغول شوية.
رفعت جنة رأسها تنظر إليها بعينين مليئتين بالشك:
مشغول بإيه؟
ترددت رحمة لحظة، ثم قالت بهدوء مصطنع: مع عروسته.
اتسعت عينا جنة أكثر: بتكدبي عليا!
هزت راسها عدد مرات بنفي: لا والله، متأكدة أول ما يرجع هيكلمك ويجيلك معاه هدية حلوة كمان.
ثم مسحت دموعها مرة أخرى، وقالت بحنان حازم: يلا بقى... متعيطيش علشان متسخنيش تاني.
خفضت جنة رأسها، وتمسكت بثوب رحمة كأنها تخشى أن تختفي هي الأخرى: حاضر...
ضمتها رحمة بين ذراعيها بقوة، ودفنت وجهها في شعر الصغيرة، بينما هدأت أنفاس جنة تدريجيا، وظلتا هكذا لبعض اللحظات، في صمت مليء بالحب والاحتواء.
فيلا سليم وماسة.
حديقة الفيلا 1:00 مساءً
كانت سلوى تتحدث في هاتفها وهي تتحرك في الحديقة: تمام، إن شاء الله من بكرة هنتظم في الشغل، تمام لالا متقلقش، سلام.
اكملت تحركها، واثناء ذلك وقعت عيناها فجأة على مكي، الذي يتوقف بمفرده، منشغلا بهاتفه...
ترددت لوهلة، هل تذهب إليه؟ هل تحاول مرة أخرى بعد كل المحاولات التي لم تعد ولا تحصى؟ ثم حسمت قرارها، وتوجهت نحوه وهي تدعو الله أن تستطيع التحدث معه هذه المره؛ فكل مره كانت تحاول فيها قبل، كان يرحل متحججا بأشياء ليس لها معنى، او يتصنع انه لم يستمع الى صوتها عندما تقوم بالنداء عليه
وقفت خلفه وقالت بصوت منخفض: هتفضل تتهرب مني؟
غص قلبه للحظة من كل تلك المحاولات، نعم في بعض الأحيان يستطيع أن يجمد قلبه ويعطيها ظهره ويتحاشاها؛ كي لا يجرحها، ولكن في أوقات أخري تضطره الظروف للرد بطريقة قد تؤذيها، أخذ نفسا عميقا، والتفت إليها بنبرة جامدة: أنا هتهرب ليه؟
ردت بحزن انعكس على نبرتها وعينيها: قول لنفسك...
نظر لها، ولوهله دق قلبه، فاخذ نفسا عميقا، واشاح بوجهه في الاتجاه الآخر قائلا: عايزة إيه يا سلوى؟
ابتسمت ابتسامة حزينة: انت عارف...
أجابها بهدوء متوتر، وهو ما زال لا ينظر اليها: أنا جاوبتك قبل كده، وقولتلك مبقاش ينفع.
خرجت نظراتها مريره: هو أنا مستاهلش المسامحة؟
سقطت الكلمه على قلبه كسم بارد بطيء المفعول، وفي تلك اللحظه نظر لها، وسؤال واحدا خرج من بين انفاسه المتعبه: طب ما أنا كمان وقتها مكنتش أستاهل، مش هقولك مسامحة، بس على الأقل افهم، اعرف، تسمعيني.
وأضاف بجمود، رغم أن قلبه يقول عكس كلامه: سلوى، اللي بينا بقي في مسافة كبيرة أوي وسعت، وصدقيني صعب نتخطاها، بعدين انا خدت على وجع بعدك خلاص، فمترجعيش تفتحي في الجرح من تانى.
ثم تابع بنبرة واجمه: وبعد إذنك عندي شغل كتير.
قال كلماتها وتحرك مبتعدا، خطاه خفيفة، بلا ضجيج، لكنه لم يذق المرارة، ولم يشعر بالغضب، لم يصرخ، ولم يبكِ... كان يشعر أن قراره، إلى حد ما، صائب
لكن محاولاتها ووقوفها هناك، تنظر إلى أثره، كانت تقوض صموده شيئا فشيئا، تشد قلبه إليها رغما عنه.
أما هي، فظلت متوقفة، تحدق في المكان الذي كان فيه، وتهمس في نفسها: صح المسافة بقت كبيرة، وأنا وجعتك، بس أنا مش هبطل احاول يا مكي!
❤️______________بقلمي_ليلةعادل
علي اتجاه آخر في غرفة سليم وماسة.
وقفت ماسة في الشرفة، عيناها تلمعان وهي تحدق في مياه النيل الداكنة، تفكر في الغد؛ في القصر، وفي الدور الذي ستلعبه.
هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد تمثيل، بل خطة محكمة، وكل خطوة محسوبة، بقلب يحمل كرها مختلف عن ذي قبل.
اقترب منها سليم بخطوات هادئة متسائلا: خايفة؟
أجابته بابتسامة خفيفة، مليئة بالعزم: بالعكس، متحمسة جدا.
اشار بأصابعه: وهو ده المطلوب.
امسكت يده بحماس: تيجي ندرب على اللي هيحصل بكرة؟ تقولي بالظبط هنعمل إيه من أول ما نزل من العربية.
أومأ براسه: ماشي، يلا بينا
وبدأ الاثنان يتدربان على التمثيل، حركة بعد حركة، كلمة بعد كلمة... لكن هذه المرة، كان التدريب أكثر جدية وقوة، كل تفاصيله محسوبة بدقة.
وفي الوقت نفسه، كان الباقون يضبطون كل ما يخصهم، ويجهزون كل التفاصيل، لضمان أن تسير الأمور غدا كما خططوا لها...
أمريكا تحديدا ميامي
في أحد الأماكن الصاخبة. 12 صباحاً.
جلس رشدي ومي على أحد الطاولات، أمامهما مكسرات وعصائر، كان المكان يعج بالرقص والجنون، وبعض الناس يغنون الكاريوكي، وأرادت مي أن تخوض التجربة هي الأخري، فصعدت علي المسرح بخطوات مترددة ثم بثقة بدأت تغني، تلاها رشدي بابتسامة وهو يهز رأسه مع الموسيقى، ثم عاد الاثنان إلى طاولتهما بعد الانتهاء.
ضحكت مي وهي تلوح بيدها: لا بجد المكان تحفة! ياريتني كنت قولتلك نيجي هنا من أول يوم، انبسطت بجد.
ابتسم رشدي وهو يمسك كوب العصير: قولتلك، وأنتِ اللي قولتيلي نفسي أروح المالديف.
قالت وهي تميل للأمام بحماس: تيجي بكره نركب الأمواج؟ جربت الموضوع ده قبل كده.
مد وجهه، ومال بكتفه قليلا: لا، بس نجرب يا ميوشي؟
توقفت وقالت: ماشي، هروح الباد روم.
اومأ برأسه: أوكيه.
تحركت مبتعدة، بينما استمر رشدي بالجلوس يتمتع بالمكان، يستمع للأغاني ويتناول المكسرات، وهو يهز رأسه مع إيقاع الموسيقى. كانت الجرسونات تتحرك حول المكان، حاملين صواني عليها مشروبات صغيرة، يبدو أنها خمر.
نظر إليهم رشدي بعينين متقدتين بشوق، لكن مع إستمرار تحرك الجرسونات من حوله وشرب الجميع اصبح لا يستطيع مقاومه، مد يده وأخذ زجاجه صغيرة واحتسها دفعة واحدة، ثم مسح فمه مبتسما.
تبسم وهو يهمس لنفسه: ياه ده، الواحد اشتاقلك اوي.
اخذ واحده آخرى وقال: اريد صواد.
اعطاه الجرسون الصودا، فوضع الصودا في الكوب لتخفيف المشروب واحتسي جزء منها، بينما اقتربت مي من الطاولة وهي تقول بملل: بقولك إيه، ما تيجي نمشي؟
اومأ موافقا: ماشي بس استني شوية، نسمع التراك ده.
أومأت برأسها إيجابا، وجلست تستمع معه إلي الموسيقي، وفجأة قامت بضم ذراعيها على صدرها وهي تنظر إلى الأرض: أنا قلقانه على بابا.
مال عليها وهو يضع يده على كتفها مطمئنا: إيه يا بنتي، دول شوية برد بلاش وسوسه.
ذمت مي شفتيها بقلق: شوية برد هيخلوه مش قادر يكلمني، وكل مره يتحججوا بحجه!؟ حاسه إنهم مابين حاجه عليا.
ابتسم يطمئنها: لا متقلقيش، أنتِ اللى واهمه نفسك.
احتسى رشدي ما تبقي في الكوب الذي بين يديه، وهو يتمايل على أنغام الموسيقى، بينما لم مي تلاحظت مي أنه شرب خمرأ أو نوعا من المشروبات الكحولية.
بعد وقت في الكوخ
كان يعكس الجو المكسيكي بشكل أكبر، وهو ما يليق بأجواء ميامي الساحرة.
بدأ رشدي يخلع ملابسه ببطء، مي أيضا بدأت بخلع بعض من ملابسها، لكنها توقفت للحظة ونظرت إلى الساعة وقالت وهي تمسح جبينها بيدها: هي الساعة كام في مصر دلوقتي؟
رفع كتفه وابتسم بخفة: الساعة 6:00 الفجر...
زمت شفتيها بأسف: كدة مش هقدراتكلم معاهم دلوقتي، على الساعة 3:00 هكلمهم يكونوا صحيوا.
اقترب منها بخطوات بطيئة وقال وهو يمد يده نحوها بنظرات غزل راغبه: طب بما إننا هنسهر، تعالي نعمل حاجة حلوة مع بعض.
ارتجفت مي بخجل، واقترب رشدي ليقبلها، لكنها فجاة قلبت وجهها وابتعدت عنه قليلا، وهي تقول بامتعاض: فيه ريحة كده مش حلوة؟
رفع رشدي حاجبه معارضا: إيه اللي مش حلو؟ بطلي استعباط يا مي، مفيش حاجه.
اقترب منها مرة أخرى، لكنها لم تتحمل الرئحه فدفعته مره أخري قائلة: لا بجد والله، في ريحه مش حلوه.
ضم رشدي شفتيه مستوعبا: ممكن تكون من ريحة الفوتكا اللي شربتها.
عقدت حاجبيها، وعيناها تحدقان فيه: إيه فوتكا دي؟ دي خمرة؟
أجابها بسرعة: آه، أخذت كاسين، واحد شربته عادي، والثاني حطيت عليه شويه صودا وخفيته شويه.
زفرت بضيق، وابتعدت عنه بخطوات قصيرة، وقالت بغضب: إحنا مش اتفقنا إنك تبطل القرف ده؟
تنهد قائلا بهدوء: مي اتكلمي بالراحه.
عبست وهي ترفع حاجبها بستهجان: اتكلم بالراحه؟! أزاي؟! وأنت مش عايز تبطل اللي أنت بتعمله خالص.
نظر لها بجدية: أنا مبحبش حد يعلي صوته عليا، وطي صوتك، دول كاسين، مش حكاية.
ردت بستهجان: كاسين!! والله!! والمفروض بقى أسكت؟!
زفر بختناق محاول تمالك غضبه: ايه المشكلة يعني؟ نفسي راحتلها، فخدت كاسين، مفيهاش حاجة.
مي بشدة: يا رشدي افهم، كاسين زي كاس زي نقطه، حرااام.
علق بنبرة ساخرة: أنتِ بقى مشكلتك في الحلال والحرام، ولا علشان أنتِ عايزاني كده؟
ردت بهدوء غاضب: عشان الحلال والحرام، وعلشان عايزاك كده، وأنت عارف إن الموضوع ده كان من ضمن الأسباب اللي مخلياني مقلقة من جوازنا.
تنهد رشدي بضجر حاسم: وانا قولتلك أنا لسه بحاول أتغير، مش معنى إني شربت مرة يبقى أنا إنسان وحش، وتعلقيلي المشنقة، وتعلي صوتك عليا، وتكلميني بالأسلوب ده؟! بطلي تعملي فيها أبله النظرة ومتقرفينيش.
اتسعت عينا مي بصدمه، وهي تبتلع كلماتها، جسدها ارتجف قليلا، فلاول مرة رشدي يتحدث معها بتلك الطريقة.
اكمل رشدي وهو يمسح يده على وجهه: أنا مبحبش الأسلوب ده، الضغط ده بيجيب معايا نتائج عكسية.
رفعت عينيها إليه، ودموعها بدأت تتجمع: والله أنت شايف كده؟! يعني ده أسلوبك؟
اتكأ رشدي على ظهر الفراش، وأدار وجهه بعيدا، ثم نظر إليها بهدوء: يعني هو ده اللي أسلوب أصلا تكلمني بيه، وتقلبي وشك، وتعلي بصوتك؟! أنا لو كنت بسمح انك تزعقي شويه، كنت باخدها بهزار، ولأني مبحبش المشاكل ومبحبش النكد، بس أوعي تاخدي على كده، مضايقنيش منك.
ثم تحرك مبتعدا عنها بخطوات ثقيلة، أخذ علبة السجائر الخاصة به، وتوقف عند الشرفة، يشعل سيجارة ببطء، وجسده يميل قليلا مع الريح.
بينما جلست مي على الفراش، وضمت نفسها، كتفاها يرتجفان، وعيونها دامعة، رأسها مستندا على ظهر الفراش.
وبعد مرور بعض الوقت
كان الليل ينسدل ببطء، والبحر يهمس بأمواجه كأنه يوبخ العاشقين على عنادهما.
ظل رشدي متوقفا في الشرفة، يدخن سيجارته وينفث الدخان في الهواء البارد، شعر بانزعاج مما قالته مي، وبضيق أكبر مما فعله هو، لم يكن يريد أن يتشجاران خاصه في شهر عسلهما، ولم يكن معتادا أكثر علي أن يشعر بهذا الثقل في صدره لمجرد مشاجرة!
في الداخل، كانت مي جالسة على الفراش، تضم نفسها بذراعيها، ودموعها تنحدر في صمت يوجع القلب، كان ينظر إليها بطرف عينه من حين لآخر؛ يريد أن يعتذر، لكن شيئا بداخله يقاوم، ليس كبرياء بقدر ما هو عجز عن صياغة كلمة "آسف" هو لم يعتاد الإعتذار خاصة اذا كان يظن انه لم يخطئ، فرشدي لا يعترف بخطاءه.
وبعد تفكيرا عميق، أدرك أخيرا أن مي محقة؛ فبالنسبة لها، كأس واحد ليس أمرا عابرا كما يراه هو، هي قادمة من عالم مختلف، بتربيةٍ مختلفة، وحدود واضحة لا تتزحزح بسهولة، وما يراه بسيطا، قد يكون عندها خطا أحمر.
أخذ نفسا عميقا، أطفأ سيجارته، ثم التفت ودخل اليها.
تقدم نحوها وجلس أمامها على الفراش، يحدق فيها مطولا، ضيق عينيه كأنه يبحث عن بداية مناسبة، ثم قال بنبرةٍ أقرب إلى المزاح، محاولا كسر الجليد: تعرفي؟ أول مرة آخد بالي إنك عيوطة.
رفعت عينيها إليه لوهلة، ثم أشاحت بوجهها سريعا بضيق، فابتسم بخفة، وتحرك ليجلس في الجهة التي أدارت وجهها نحوها، وأكمل بنفس النبرة: بس ده ميمنعش إن شكلك حلو وأنتِ بتعيطي.
ابتعدت بوجهها مرة أخرى، لكن هذه المرة مد يده برفق وأدار وجهها نحوه قائلا بلطف: خلاص يا مي، متزعليش، أنا مكنتش أقصد أزعلك، بس بجد أنتِ ضايقتيني لما قعدتي تزعقي وتقولي ميصحش ومينفعش، مشوفتيش أسلوبك كان عامل إزاي؟
رفعت نظرها إليه بضيق، وقالت بصوت رقيق يتناسب مع طبيعتها اللطيفة: أنا معملتش حاجة، ولا زعقت، أنت اللي أخدت الموضوع كده، أنا قولتلك رأيي بس، هو رأيي بقى غلط؟
ساد صمت قصير، ثقيل، لا يقطعه إلا صوت الموج في الخارج.
تنهد رشدي، وخف بريق العناد من عينيه، ومد يده وامسك كفها المرتجف: مش غلط، بس أنا مش متعود حد يراجعني بالطريقة دي، يمكن أنا اللي كبرت الموضوع، وفعلا مكانش يستاهل، متزعليش.
خفتت دموعها، لكن أثرها ظل لامعا على وجنتيها، كأنه شاهد صامت على هشاشتها.
قالت بصوت متقطع، تحاول أن تمسك الكلمات قبل أن تفلت منها: يا رشدي... لازم تفهم إنه طبيعي لما تعمل حاجة زي كده معرفش أبقى عادي، أنت عارف كويس الموضوع ده بالنسبة لي إيه؟! ولما بواجهك، أنا مش بعمل فيها أبلة النظرة... أنا بس بفكرك بوعدك... بفكرك بالطريق اللي أنت بدأت تمشي فيه، ومش عايزك ترجع منه تاني...
توقفت لحظة، ثم أضافت بخجل صادق: يمكن أنا كمان غلطت لما كلمتك بالطريقة دى، أنا عارفة إنها متنفعش معاك، بس أنت كمان لازم تفهم إني غصب عني معرفتش احط كنترول، متزعلش أنت كمان
ظل ينظر إليها طويلا، وكأنه يرى فيها شيئا جديدا، لا ضعفا، بل حرصا، فمي تمتلك قلبا نقيا بشكل لا يوصف جعلته شعر بالخجل من نفسه انه تركها تبكي قرب الساعه ولم يصلحها بسرعه..
تنفس بعمق، ثم قال بنبرة هادئة لم تعهدها منه: يا ستي أنا آسف، أحنا الاتنين غلطنا، بس كل اللي عايزه منك إنك تبقي على مهلك عليا، مش معنى إني عملت حاجة من اللي كنت بعملها زمان تعلقيلي المشنقة، قوليلي ليه عملت كده؟ متعملش كده تاني يا رشدي، خلي عندك إرادة...
اقترب أكثر، وأكمل بصراحة واضحة: خليكي لطيفة معايا، صدقيني الطريقة دي بتجيب معايا نتيجة، آه بطيئة، بس بتجيب، لكن لما تقعدي تقوليلي مينفعش وتزعقي، هتلاقيني بعمل الموضوع ده عند، أنا مبحبش الطريقة دي، بتعصبني.
نظرت إليه بعينين ما زال فيهما أثر الدموع، لكن ابتسامة خفيفة بدأت تتشكل على ثغرها: ماشي، بس حاول علشان خاطري، متعملش كده تاني.
ابتسم ابتسامة جنبية، وقال وهو يقترب منها أكثر: أنا علشان خاطرك؟ أعمل حاجات كتير، وعملت حاجات اكتر قبل كده علشانك.
ثم مال وطبع قبلة خفيفة على خدها، وهو يقول: خلاص مش زعلانة يعني...
مدت وجهها بتزمر طفولي وهبى تشير بيدها🤏:شوية صغيرين بس، أصل أنا مش متعودة عليك وأنت بتزعق بقى وكده، طلعت رجالة أوي يا رشدي!
تجمد لحظة، واتسعت عيناه بدهشة مصطنعة: رجالة اوي؟! أمال أنا إيه؟ حد قالك إني ستات؟
انفجرت ضاحكة، وهي تمسح بقايا دموعها: لا مقصدش! يعني طلعت من الرجالة اللي بتزعق لمراتاتهم عادي.
ثم مدت شفتيها بحزن طفولي: بصراحة أنا عمري ما توقعت إنك تكون بتعرف تزعق.
ابتسم رغما عنه، وهز رأسه بخفة متصنعا للجدية: ما هو أنا مش كده بالظبط، ده اخويا التوأم كان لابسني شويه بس، لكن أنا كرشدي مش من الرجالة اللى بتزعق..
رفعت حاجبيها بدهشة طفولية: والله؟
اومأ براسة: والله.
ضحكت مرة أخرى، فتمتم بمزاح عفوي: خلاص يا محمود؟! صافي يا لبن؟!
عضت اسفل شفتيها قالت: حليب يا قشطة.
تنفس بعمق، ثم ابتسم، وسحبها إلى حضنه بقوة دافئة، لف ذراعيه حولها، ووضع قبلة أخرى على خدها، وظل يربت على شعرها بحنان لم يخفِه هذه المرة، هي أيضا ضمته، وأسندت رأسها إلى صدره.
وفي حضن بسيط كهذا، ذاب ما تبقى من الموقف، وعاد الكوخ ساكنا... إلا من صوت قلبين تعلما أن الاختلاف لا يفسد الحب، بل يثقله