رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والعشرون 27 ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والعشرون 27 ج 2 
بقلم ليله عادل



في صباح يوم جديد، بفيلا ماسة وسليم.

غرفة ماسة 2:00 مساءً 

كانت تجلس أمام منضدة الزينة، بينما وقف خلفها خبيرُ مكياج في أواخر الثلاثينات؛ الرجل الذي أحضره سليم ليجري لماسة بعض الخدع البصرية فتبدو آثار الضرب عليها واقعية، وبرفقته فتاتان للمساعدة.

انتشرت أدوات التجميل على الطاولة: علب ألوان، إسفنج، فرش مختلفة الأحجام، وسائل تثبيت، وعبوات صغيرة تحمل سوائل بدرجات متباينة، كلها جاهزة لتعليم ماسه الطريقة المثالية لوضع المكياج بشكل واقعي واحترافي.

كان سليم يراقب المشهد بعين دقيقة، متأكدا أن كل خطوة تتم وفق خطته.

قال وهو ينظر إلى الرجل بجدية واضحة: أهم حاجة، عايز مكياج واقعي، اللي يشوفها يتأكد إنها مضروبة بجد.

أومأ الخبير برأسه متفهما: تحب تكون إصابات معينة؟

أجاب سليم دون تردد: عايز كدمات حوالين العينين، جرح خفيف في الشفايف، علامات حمرا كأنها اتضربت على وشها أكتر من مرة، كمان دراعاتها ورجليها.

ثم شد صوته محذرا: بس أنت مش هتلمسها، البنات هم اللي هيحطوا كل حاجة.

ابتسم الخبير ابتسامة مهنية وقال: متقلقش، مكي بيه فهمني على كل التفاصيل.

تابع سليم بنبرة حاسمة: كمان عايزك تعلمها أزاي تحافظ على الشكل ده وتجدده، هي هتاخد شاور، وهتنام، والحاجات دي ممكن تبوظ.

رد الخبير بثقة: اللي هعمله ثابت 24 ساعة على الأقل، حتى لو غسلت وشها، هيفضل الأثر موجود بدرجة كبيرة، وبعد كده بس تحتاج تجديد بسيط، وأنا هعلمها تعمل ده بنفسها.

أشار سليم بيده: تمام، يلا نبدأ.

وبالفعل بدأ الرجل يوجه الفتاتين، يشرح لهن كيفية مزج الألوان لإظهار الكدمة بشكل طبيعي، وأين توضع الظلال الداكنة والفاتحة لإعطاء عمق واقعي.

كان يشرح لماسة كذلك، ويريها كيف تضع اللون، وكيف تكسر حدته، وكيف تضيف لمسة الاحمرار حول الأطراف ليبدو الجرح حقيقيا.

مر الوقت، ومع كل طبقة تضاف، كان وجه ماسة يتغير تدريجيا.

وحين انتهوا، بدت بالفعل كأنها تعرضت لضرب مبرح، تأملها سليم من أعلى إلى أسفل، ثم قال بإعجاب: لا ممتاز، هو دى بالظبط اللى أنا عايزه.

نظرت ماسة إلى انعكاسها في المرآة، وحدقت في وجهها طويلا، ثم قالت بنبرة نصف مازحة: أقسم بالله حاسة إني مضروبة بجد، أروح أبلغ عنك وأقولهم جوزي بيضربني.

رد سليم بخفة: وأنا هشهد معاكي.

ضحكا معا، لكن خلف الضحكة ظلت الخطة حاضرة في الأذهان.

قالت ماسة بعد لحظة: طب أنا حابة أجرب بنفسي قدامك، عشان لو لخبطت في حاجة تبقى تصححلي.

قال الخبير وهو يشير لإحدى الفتاتين: تعالي يا آيات، اقعدي هنا، وخلي ماسة هانم تجرب.

جلست آيات على المقعد، ووقفت ماسة خلفها، تمسك بالفرشاة بتركيز واضح.

بدأت تضع الألوان بحذر، تتذكر كل كلمة قيلت لها، والخبير يلاحظ ويوجهها بلطف، يصحح هنا، ويطلب تعتيما هناك، كانت تتعلم ليس فقط كيف تصنع كدمة مزيفة، بل كيف تتحكم في تفاصيل معركة لم تبدأ بعد.

بعد الانتهاء، رحل الخبير، وحينها جاء مكي وقال: سليم خلاص، العربية جاهزة.

أومأ براسه إيجابا، ثم نظر لماسة متسائلا: جاهزة يا قطعة السكر.

أغمضت عينيها للحظة، وأخذت نفسا عميقا، ثم فتحتها مجددا وقالت بإصرار: جاهزة.

سألها سليم بهدوء: مذاكرة.

ماسة بابتسامة متوترة: طبعا، يلا بنا.

وبالفعل هبطا إلى الأسفل وصعدا إلى السيارة، وهما يعلمان أن أولى معاركهما في القصر على وشك أن تبدأ.

كانت قلوبهما تضج بالتوتر والترقب، غير أن القوة والحسم اجتمعا في قلبيهما في آن واحد.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل 

حدائق القبة

منزل مصطفى 2:00 مساءً 

توقفت سيارة نصف نقل أمام المبنى في أحد شوارع حدائق القبة، هبط منها رجلان يرتديان جلاليب داكنة، وعلى رأسيهما شال وكوفية يلفانها بإحكام، لا يظهر من ملامحهما شيء سوى أعين حادة تراقب المكان بحذر.

دخلا العمارة بخطوات محسوبة، وتبادلا نظرة سريعة قبل أن يصعدا بالمصعد إلى أحد الطوابق، وما إن فُتح الباب حتى خرجا بسرعة، وسارا في الممر، وهبطا الدرج مرة اخرى الى أحد الطوابق...

ثم فتح احدهم باب احد الشقق بالمفتاح، ودخلا وأغلقا الباب خلفهما بإحكام، وبمجرد دخولهما، شرعا في خلع الشال والكوفية، فانكشفت الملامح؛ كانا مصطفى ومكي.

تنفس مصطفى بعمق وهو يخلع الجلباب: والله أنا حاسس إني جوه فيلم أكشن!

ابتسم مكي وهو يخلع الجلباب هو الآخر، وجلس على الأريكة: إحنا بنعيشك مغامرات جديدة يا دكتور.

جلس مصطفى وهو يهز رأسه ضاحكا: عندك حق، من ساعة ما عرفت ماسة وأنا حياتي بقت فيلم، كل يوم حاجة شكل.

رفع مكي عينيه إليه متسائلا بجدية: الجماعة قربوا يوصلوا ولا لسه؟

مصطفى وهو يخرج هاتفه: آخر مرة كلمت إيهاب وقال إنه عدى الكارته، يعني المفروض على وصول، اكلمهم؟!

أشار مكي بيده: لا، بلاش تكلمهم تاني، خلينا مستنيين.

سادت للحظات ثقيلة، مشحونة بالترقب، حتي وقف مصطفى فجأة قائلا: طب هقوم أعملنا كوبايتين قهوة....

بالفعل نهض، وقام بعمل القهوة وعاد وجلس، وبدأوا في احتسائها بهدوء.

نظر مصطفي لمكي متسائلا: بقولك ايه، هو احنا مش محتاجين لبس وحاجات هناك؟ اصل الاء محلتهاش تقريبا غير الطقمين اللى اشترتهملها.

مكي بتوضح جادي: الفيلا جاهزه مقلقش، هتلاقي لبس وكل اللى هتهتاجوه، معتقدش فيه حاجه ناقصه، ولو محتاجين حاجه ابقي قولى وأنا اجبهالكم.

تسأل مصطفى متعجبا: وعرفتوا مقاسنا منين بقي؟! 

ضيق مكي عينه مازحا: تفتكر يعني دي حاجه صعبه علينا بعد فيلم الأكشن اللى أنت عايشه معانا دى؟

ضحك مصطفى: عندك حق. 

أثناء ذلك، سمعوا صوت المفتاح يدور في الباب، ثم انفتح ودخلت العائلة، وكانت معهم آلاء وأنهار، وما إن وقعت عينا نبيلة على مصطفى حتى صاحت باسمه: مصطفى!

ركضت نحوه واحتضنته بقوة، وكأنها تعوض أيام الغياب كلها في لحظة واحدة.

نبيلة بلهفة معاتبه من بين دموعها: كده يا مصطفى؟ كل الغيبة دي يا ابني؟

ابتسم مصطفى وهو يربت على كتفها: حقك عليا يا أمي.

في تلك اللحظة لمح إيهاب وعائشة مكي، فتبادلا نظرة سريعة... فهما يعرفانه جدا، وقد رأوه سابقا يوم جاء مع سليم ليأخذ ماسة. 

الدهشة كانت واضحة على وجهيهما، بينما توقفت آلاء وانهار بابتسامة ترتسم على وجههما.

انتبهت نبيلة لوجود شخص آخر معهم، فقالت: إيه ده؟ مش تقولي معاك صاحبك؟

والتفت لترحب به، ولكن ما إن رأت وجهه بوضوح، حتي توقفت لحظه، وأخذت تدقق النظر به، ثم قالت ببطء: أنا عارفاك، شوفتك قبل كده، هو مش أنت حارس سليم؟

أومأ مكي برأسه بهدوء: أيوه أنا، حمد الله على سلامه حضرتك.

عقدت نبيلة حاجبيها: أنا مش فاهمة حاجة؟!

تنهد مصطفى وقال: هفهمكم كل حاجة، بس ممكن نقعد الأول؟

ثم استدرك مبتسما: وأسلم على آلاء والحاجة وإخواتي.

اتجه إلى إيهاب وعائشة، صافحهما بحرارة، ثم اقترب من آلاء: عاملة إيه يا آلاء؟

آلاء بابتسامة خفيفة: الحمد لله كويسة، أنت عامل إيه؟

أومأ برأسه: تمام الحمد لله، أزيك يا حاجة؟ حمد لله على السلامة.

أنهار بابتسامه: الله يسلمك من كل شر يا ابني.

أشار لهم بالجلوس: طب اتفضلوا اقعدوا، عايزين نتكلم في موضوع مهم، ومش هينفع نتأخر.

تدخل مكي بهدوء مهذب: طب أنا هستأذنكم تقعدوا براحتكم، مصطفى دخلني أي أوضة، مش هينفع اقف في البلكونة

أومأ مصطفى برأسه وأخذه إلى غرفة الأطفال.

جلس مكي هناك، وفتح النافذة قليلا، ثم توقف فجأة وضاقت عيناه، حينما رأي شخص في الشارع، يقف بطريقة مريبة، كأنه يراقب الشقة.

ابتسم مكي بخفة، وأخرج هاتفه، وأجرى مكالمة سريعة بصوت منخفض...

في الصالة.

عاد مصطفى وجلس معهم. 

هنظر اليه إيهاب، وتساءل بقلق: هو مكي ده بيعمل إيه عندنا؟ وفي إيه أصلا؟

أخذ مصطفى نفسا عميقا: هقولكم، بس اسمعوني كويس، علشان اللي هقوله مش سهل.

وبدأ يروي لهم ما حدث؛ حكى لهم عن الاختطاف، وعن ماسة، وعن الطريقة التي جلب بها سليم ليراهما معا، في مشهد مدبر بعناية، تحدث عن الخطة التي ينوي سليم تنفيذها، وعن الطلب الذي ألقاه على عاتقه، وكأنه يضعه أمام اختبار لا رجعة فيه.

غير أنه تعمد إخفاء جزء من الحقيقة، فلم يخبرهم بتدخل الشرطة وبعد الانتهاء.

صاحت نبيلة وقد وضعت يدها على صدرها: يا نهار أسود ومنيل بستين نيلة! قلبي كان حاسس، والله العظيم قلبي كان حاسس إن في حاجة!..

ثم أضافت بغيظ ممزوج بالألم: إيه أهله دول؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، ربنا ينتقم منه، إزاي يعملوا كده في ضناهم؟ مهما كان ده ابنهم!

أطرق مصطفى برأسه وقال بأسى: والله يا أمي، أنا كمان اتصدمت زيك، واللي سمعته صدمني أكتر، طلعوا ملفقين عليه كل حاجة.

هزت نبيلة رأسها بحسرة: كنت حاسة، وياما قولت لماسة يا بنتي شكل جوزك ده كويس وبيحبك، سامحيه..
.
صمتت للحظه، ثم عدلت جلستها ونظرت له وقالت بنبره عقلانيه تخرج من قلب أم تخاف على ابنائها: بص يا مصطفى أنا بحب ماسة، وعارفة إن ليها حق عليا عشان زعلتها الفترة الاخيرة، بس أنت اللي حلتي، أنت أخواتك، سليم ده أنت قولت مافيا وكبير اووي، وهيعرف يحلها غيرك، خليك بعيد يابني دول ناس مؤذيه وقادرة.

تنفس مصطفى بعمق محاولا تهدئتها: يا أمي، أنا مش هعمل حاجة غير اللي متفق عليه، هو هيخليني أقعد في الفيلا واختفي، علشان يثبتلهم إنه قتلني، بس مش هيدخلني في أي حاجة تانية، ولو حد سألكوا عليا، تقولوا مصطفى مسافر مؤتمر في الغردقة...

توقف لحظة ثم أكمل بهدوء حذر: طبعا الكلام ده ممكن يتغير بعدين، لأني طبيعي هفضل مختفي شوية، هو ماشي بخطة، وكل مرحلة بتتغير حسب نجاح اللي قبلها.

نظرت إليه نبيلة بعينين دامعتين: أنا خايفة عليك يا مصطفى.

ابتسم محاولا بث الطمأنينة: خايفة عليا من إيه يا أم مصطفي؟ سليم مأمني، وهيأمِّنكم أنتوا كمان.

ردت بصوت متهدج: يا ابني إحنا مالنا ومال الحكايات دي؟ دول كبار مع بعض، شوف عملوا في أخوهم وفي مراته إيه، الفجرة!

نظرت عائشة إلى والدتها بجدية وقالت: ماما، على فكرة مصطفى محتاج لسليم، محتاج حمايته، وإحنا كمان، مصطفى وقع جوه البير ده يوم ما أنقذ ماسة، فاهمة يا ماما؟ هما اختاروه هو بالذات ليه؟ علشان هو اللي أنقذها، وقعد وعاش معاها فترة، كان ممكن يختاروا إيهاب، بس هما عايزين حد ماسة قضت معاه وقت كبير.

أومأ إيهاب مفكرا: فعلا، ده تحليل منطقي، بس برضو يا عائشة، حتى لو دخلنا اللعبة، الموضوع شكله خطر.

مصطفى بهدوء حاسم: هيبقى أخطر لو أنا بعيد عن سليم.

رفعت نبيلة رأسها نحوه: طب ما يحميك من غير ما تدخل في حاجة يا حبيبي.

ابتسم مصطفى محاولا طمأنتها: ما أنا فعلا مش هتدخل يا أمي، هو مخبيني في مكان آمن عشان يحميني، أنتِ بس اللي قلقانة زيادة..

صمت لوهله، وقال: قوليلي ايه مشكلتك؟!

ضربت كفا بكف، وقالت بحسرة: مشكلتي إنك إنت اللي حيلتي، أنت وأخوك وأختك، إحنا مش هنخلص من المصايب دي يارب! عملنا إيه في دنيتنا بس؟ بقي تنقذ البنت من الشارع ومن البهدلة، وفي الآخر اللي ينوبك إنهم يخطفوك!

تدخل إيهاب قائلا: الحمد لله إن سليم كان عاقل وواثق في ماسة ومقتلهمش.

تنهدت نبيلة: الحمد لله، بس أنا مش عارفة أستحمل فكرة إني مش هشوفك ومش هكلمك.

رد مصطفى سريعا: لا يا أمي، هنتكلم عادي، مكي هيديكوا ارقام هنتواصل منها، وطبعا الأرقام دي محدش يعرف عنها أي حاجه.

نظر إيهاب إليه بقلق: مش خايف يكون حد بيراقبنا؟

هز مصطفى رأسه: لا، هو بيراقبهم وعارف إن مفيش حد مهكرنا، وبعدين ممكن يحتاجك معانا يا إيهاب لو احتاج يعمل حاجة تقنية أو يتابع حاجة.

صاحت نبيلة بانفعال: كمان هتدخلوا إيهاب في الموضوع؟ ودخلوا عائشة بالمرة! إنتوا عايزين تجننوني؟

عائشة بمزاح: ممكن أكون همزة وصل في معلومة، أو حاجة بسيطة.

وضعت نبيلة يدها على رأسها: إنتوا هتشيلوا، وهتيطروا حبة العقل اللي فاضلينلي!

نهض مصطفى وجلس بجوارها، أمسك يدها وقبلها بحنان: حبيبة قلبي، متخافيش عليا، صدقيني، مش هيحصلي حاجة إن شاء الله، أنا بعمل خير، وربنا عمره ما يجيب الشر للي بيعمل خير، وأنا متأكد.

قالت نبيلة وهي ترفع كفيها إلى السماء: لا إله إلا الله، أنا عارفة لو اتكلمت من هنا لعشر سنين قدام، والله ما هتسمع كلامي.

اقترب منها مصطفى قائلا بهدوء: يا ماما، خلاص، مفيش قدامي اختيار، بقولك اتخطفنا عشان يحطونا أنا وماسة في وضع... والحمد لله ربنا ستر.

تنهدت بغلب: طيب يا ابني ماشي، إحنا بقى هنفضل قاعدين هنا عادي؟

أجابها مفسرا: آه، واتتعاملوا طبيعي جدا، وزي ماقولت، أي حد يسأل حتى محمد، يكون الرد إني مسافر مؤتمر في الغردقة، ومبكلمكوش من ساعتها، وده مخليكم قلقانين، محدش يعرف أي حاجة تاني غير لما أقولكم الجديد.

هزت نبيلة رأسها باستسلام: ماشي يا ابني.

كانت أنهار وآلاء تستمعان في صمت، لم تفهما كل التفاصيل، لكنهما أدركتا حجم الخطر.

أما آلاء، فكانت تنظر إلى مصطفى بإعجاب واضح؛ قلبها يخفق، وابتسامة خفية ترتسم على شفتيها، رأت فيه شجاعة وشهامه كبيره.

التفت مصطفى إليها قائلا: بالنسبة لك يا آلاء، هتيجي معايا أنتِ وطنط، هتقعدوا معايا في الفيلا.

اعترضت نبيلة وهي تميل بشفتيها قليلا، وتظهر عكس ما تخفي: ليه ما تسيبها معانا هنا؟

بالطبع فهم مصطفى قصدها، فقال: يا ماما، خليها معايا أحسن، أقعد أكلم نفسي هناك يعني؟

قالت أنهار بثقة: اللي تشوفه يا ابني، وإن شاء الله ربنا هيقف جنبك...

ثم وجهت نظرها الى نبيله وقالت: متقلقيش يا حاجة، ربنا عمره ما ينصر ظالم على مظلوم، وابنك اتظلم، والبنت دي وجوزها مظلومين، مش قادرة أصدق إن في أب وأم يعملوا كده.

مصطفى بحزم: بس الكلام ده ميطلعش بره، لا منك يا حاجة ولا من آلاء.

ردت آلاء سريعا: هيطلع أزاي وأنا هبقى معاك؟ هو أنا بكلم حد؟

قال بهدوء: برضو، الاحتياط واجب.

تدخل إيهاب: أنا معنديش مشكلة أساعد لو محتاج حاجة تقنية...

صمت للحظه ثم قال بنبره قلبي يحب وخائف على حبيبته: طب وماسة عاملة إيه؟ خرجت من الأزمة؟

أجاب مصطفى بأسى: الحمد لله، لو كنت شوفتها يا إيهاب، كانت تصعب عليك، يومين مخرجتش من الأوضة، وماسكة في سليم زي الطفلة، مكانش بيعرف يتحرك غير لما تنام.

نظر له إيهاب بحزن، حاول ان يخفيه حتى لا ينكشف امره، بينما قالت انهار بتأثر: الحمد لله إنها عايشة، الست الشريفة حاجة زي دي تكسرها.

تسألت نبيلة وهي تنظر لمصطفي: هتمشي إمتى يا ابني؟

أجابها: المفروض دلوقتي، هستأذن لحظة.

اتجه إلى الباب وفتحه: مكي، تعالى.

دخل مكي بابتسامة رسمية: مساء الخير يا جماعة، أتمنى تكون الأمور وضحت.

قالت عائشة بنبرة متوجسة: عايز تفهمنا إنك مكنتش بتلمع اوكر؟

ابتسم مكي بثبات: لا محصلش. 

تقدمت نبيلة نحوه برجاء: خصيمك النبي يا ابني، خد بالك من مصطفى، مليش غيره.

وضع يده على صدره قائلا بصدق: متقلقيش يا حاجة، مصطفى ده فدا روحي انا وسليم وكفاية اللي عمله مع ماسة.

سأل مصطفى: هنمشي إمتى؟

قال مكي: دلوقتي، بس لو حابب تقعد شوية مع أهلك، مفيش مشكلة.

ربتت نبيلة على كتف ابنها: أه والنبي يا مصطفى، اقعد نتغدى مع بعض، ونشرب كوباية شاي، وبعدين امشي، الله أعلم هتغيب قد إيه.

نظر مكي إلى مصطفى موافقا، وكأن تلك اللحظات البسيطة صارت أغلى من أي خطة أو مواجهة قادمة.

وبالفعل، جلسوا إلى مائدة الغداء بعد أن أحضره إيهاب من الخارج، كانت الأطباق موضوعة بعناية، وتناولوا الغدا في جوا دافي.

احتسوا الشاي بعد ذلك، وتوزعت الأحاديث في أرجاء المجلس؛ كانت نبيلة، تحاول أن تملأ الفراغ بالكلام، تتحدث مع مصطفى مرة، ومرة أخري مع عائشة، ومرة تعود وتضحك على ذكرى قديمة. 

كانت الابتسامات حاضرة، لكن خلفها خوف دفين لا يجرؤ أحد على تسميته، الجو عائلي دافئ، تظله محبة صادقة، وكأن الجميع يتشبث بتلك الساعات القليلة قبل الفراق.

بعد الانتهاء، نهض مصطفى أولا، ثم تبعه مكي، وارتديا الجلاليب الثقيلة والكوفيات كما جاءا، في محاولة لإخفاء ملامحهما، ودعا الجميع بهدوء، وهبطا إلى الأسفل حيث كانت السيارات في الانتظار.

تحركا بعيد قليلا عن المنزل، ثم توقفا في نقطة متفق عليها مسبقا، في تلك الأثناء، كانت أنهار وآلاء قد استقلتا سيارة أجرة كما طلب منهما، ووصلتا إلى المكان المحدد.

صعدت أنهار وآلاء إلى السيارة معهما، وانطلقا إلى الفيلا.

الطريق كان طويل نسبيا، والليل بدأ يمد عباءته على المدينة، وأضواء الشوارع تتلاشى شيئا فشيئا، لتحل محلها ظلال الأشجار العالية.

وحين ظهرت الفيلا أخيرا، شامخة خلف بوابتها الحديدية، فتح الحارس البوابة، ودخلت السيارات تباعا...وبدأ فصل جديد، أكثر هدوءا في ظاهره، وأشد اضطرابا في باطنه.

الفيلا التي سيمكث بها مصطفي 5:00 مساءً 

دخلت السيارة، ترجلوا منها جميعا، وكان في انتظارهم أحد الحراس.

اقترب منهم الحارس الذي بدا وكأنه القائد: حمد الله على السلامة.

مكي باقتضاب: الله يسلمك...

ثم نظر لمصطفى بتعريف: دى بهاء، قائد الحرس هنا، لو احتجت أي حاجة اطلبها منه

هز مصطفي رأسه بصمت، ثم دخلوا إلى الفيلا، توففوا في الردهة، وكان معهم بهاء، ووقفت الخادمات لاستقبالهم.

مكي وهو يشير بيدة: طبعا دول الخدم، أي حاجة تحتاجوها اطلبوها منهم.

وأضاف مفسرا: هتلاقوا فوق كل حاجة ممكن تحتاجوها، غرفتك فوق على اليمين، والحاجة والآنسة على الشمال جنب بعض.

اومأ مصطفي برأسه، فتنهد مكي قائلا: أنا لازم أمشي دلوقتي، لو في حاجة كلمني.

اجاب مصطفي: ماشي، شكرا.

تحرك مكي وهو يقول: بعد إذنكم، .

اقتربت الخادمات: محتاجين أي حاجة؟

ردت آلاء: لا، شكرا.

الخادمات عرفوا أنفسهم: أنا أسمي عزة، ودي خيرية ودى ديفا، لو احتاجتوا اي حاجه نادوا على أي واحده فينا، عن أذنكم.

ثم تحركوا مبتعدين، فقال مصطفى: يلا نطلع أوضتك ونشوف لو في حاجة ناقصة.

هزت آلاء رأسها بإيجاب، لكن عيناها كانت تحمل سؤالا، فقالت: طب أنت ليه جبتنا هنا؟

رد مصطفى مبتسما: ايه مش حابه تكوني معايا..

هزت رأسها بسرعه بخجل: لا والله، بس حبيت افهم، أنا آسفه.

تبسم مصطفي موضحا: أنا بس محبتش اكون لوحدي، وكمان عارف إن العلاقة بينك وبين ماما مش أفضل حاجة، وكمان ايهاب، مش هيخليكي تاخدي راحتك.

ردت أنهار بتأييد: عندك حق يا بني، بس والله الإسكندرية حلوة والشقة كانت جميلة.

أضاف مصطفى: بكره الأمور هتظبط إن شاء الله، بس اصبروا معايا شوية.

أنهار بطيبه: ربنا يكرمك يا بني.

وبالفعل صعدوا إلى الأعلى، فوجدوا أن كل شيء في الغرفة كان في موضعه، لا ينقصه شيء، وكانت آلاء ووالدتها يشعرون بالراحة.

♥️__________________بقلمي_ليلةعادل 
قصر الراوي، 6:45 مساءً

سيارة سليم

ترجل سليم من السيارة بوجه متجهم، عيناه حادتان، ووقفته تشي بالقوة والسيطرة، مستعدا لبدء خطته في التمثيل أمام عائلته كما اتفق مسبقا.

قال من بين أسنانه وهو ينظر الى ماسة بحدة: اتفضلي، أنزلي.

رفعت اليه عينيها الممتلئة بالضيق، وبدأت هي أيضا في التمثيل، تحاول أن تظهر المقاومة والرفض.

وفجأة، مد يده وسحبها من كتفها بعنف، وقال ببحة رجولية: أنا هفضل أتحايل عليكي... يلا!

دفعت يديه بعيدا عنها: أبعد إيدك عني!

مسكها من كتفها بقوة، وجذبها نحوه، فتحدثت ماسة بصوت خافت: سليم خف إيدك شوية وجعتنى، وبعدين محدش في الجنينة .. بتمثل علي الزرع؟!

خفف قبضته على كتفها، وهمس في أذنها وهو لايزال محافظا على ملامحه الحادة: ممكن يكونوا شايفنا، خليني أدخل في المود قبل مانخش جوة.

وفجأة صاح بها: يلا قدامي!

دفعها للأمام بقسوة ظاهرية، لم يكن هناك أحد من العائلة في الحديقة، لكن الحراس كانوا يقظين.

ضرب سليم على الباب ففتحت له الخادمة، وهي تنظر بإستغراب لوجه ماسة المليئ بالكدمات.

كانت العائلة مجتمعة في الطابق السفلي؛ يتناولوا العشاء، لذا أختار سليم هذا التوقيت بعناية.

أخذ سليم يسحب ماسة من كتفها بعنف حتى وصلا إلى أسفل الدرج، وتعمد أن يعلو صوته، قاصدا أن يصل إلى مسامع كل من في الداخل، وقال بحدة جارحة: أطلعي فوق، يلا قدامي!

تعثرت خطواتها بشكل مصطنع وهي تحاول الإفلات من قبضته، وأنفاسها مضطربة وعيناها تهربان من نظراته، لكنها تمتمت باعتراض واهن: قولتك متحطش إيدك عليا؟ أنا بكرهك! سبني.

بحركه خاطفة جذبها من شعرها بقسوة، وقال بنبرة مرعبة: أقسم بالله لو سمعت صوتك دى تاني، أنتِ عارفة كويس هعمل ايه!

علي إتجاه آخر، علي السفرة.

كان الجميع يجلسون حول المائدة يتناولون العشاء في صمت لا يقطعه سوي صوت الملاعق وهي تصطدم بالأطباق، وفجأة اخترق هدوء المكان صوت مرتفع، فبدت علامات الدهشة على الوجوه مع أول كلمة سُمعت.

قالت فايزة بإستغراب: إيه ده؟!

رد عزت وهو يهم بالنهوض عن مقعده: مش عارف.

طه وهو يضيق عينه: مش ده صوت سليم؟!

دخلت الخادمة مسرعة، ونظرات القلق تملأ وجهها: ده سليم بيه ومعاه ماسة هانم، وشكلهم متخانقين.

نهض الجميع دفعة واحدة، واندفعوا إلى الخارج، ليروا ما يحدث، وحين وقعت عينا سليم عليهم وهم قادمون من بعيد، شد ملامحه أكثر، وأخذ يتقن دوره في التمثيل، وصاح بحدة جارحة: بتكرهيني؟! بعد كل إللي عملته معاكي يا مجرمة؟! إللي زيك مينفعش يعيشوا!

اقتربت فايزة بخطوات مسرعة، وفضولها يسبقها:
سليم، فيه إيه؟ مالكم؟

إلتفت إليها بصرامة قاطعة، وصوته لا يحتمل نقاشا: محدش له دعوة!

ثم دفع ماسة بعنف وهو يكرر بغلظة: أطلعي فوق يا قذرة يا منحطه، يلا قدامي!

نظر إليه عزت بدهشة مشوبة بالاستنكار، وقال بصوت مرتفع: ملناش دعوة أزاي؟! فيه إيه؟!

شد سليم قبضته حول شعر ماسة بعنف تمثيلي، واقترب منها حتى كادت أنفاسه الحارة تلامس وجهها، وقال بصوت غليظ قاسي، يخلو من أي رحمة: قولت مفيش! يلا قدامي، أنا بقى هووريكي معنى الموت الحقيقي.

رفعت ماسة رأسها فجأة، وردت بسرعة وكأنها تتعمد إشعال النار أكثر، وصوتها يرتجف بالغضب المصطنع: متقولهم إني بكرهك، وعايزة أطلق! ولا أنت معندكش كرامة! ولا مكسوف تطلع قصاد أهلك مش راجل!

نظر اليها بعينين مستوحشتين، ثم رفع يده وصفعها كما تدربا مسبقا، لتظهر الصفعه قوية أمام الجميع، لكن أثر الضرب كان خفيفا على وجهها.

صاحت به وهي تدفعه عنها بصوت مرتفع وبكاء مصطنع: أنت حيوان، أنا بكرهك! أبعد عني، بكرهك.

تقدمت فريدة، مذهولة: إيه إللي أنت بتعمله دى يا سليم؟ إيه إللي حصل؟

نظر إليها بحدة: متتدخليش يا فريدة، ومحدش يتدخل، سامعين؟

حاول إبراهيم الاقتراب، في محاولة لحماية ماسة، وهو يقول بصوت متوتر: طب سيبها يا سليم، وخلينا نتفاهم.

التفت إليه سليم بعينين مشتعلتين: مفيش تفاهم.

تقدم طه خطوة، محاولا تهدئة الموقف: طيب، فهمنا بالراحة إيه إللي حصل؟

لكن سليم صرخ بقسوة: قولت محدش يتدخل، مبتفهموش!!

ثم إلتفت إلي ماسة، وعيناه تلمعان بوعيد مصطنع، وقال بلهجة جارحة: أما أنتِ هوريكي مين هو سليم الراوي، أقسم بالله لأخليكي تعيشي عمرك كله وأنتِ بتتمنى الموت ومتلاقيهوش.

قال كلمته تلك، ثم أمسكها من كتفها وسحبها بعنف على الدرج، غير عابئ بمحاولاتها المصتنعة للتملص منه، ولا بالأنفاس المحتبسة في صدور من شاهدوا المشهد، وكأن الغضب يقوده وحده، بلا عقل أو رحمة.

كانت الملامح متباينة على وجوه الجميع، حتى أولئك الذين حاولوا رسم الصدمة على وجوههم؛ فالقلب والعين كانا أصدق من أي تمثيل.

ففايزة وصافيناز، ارتسمت في عيونهن ابتسامة خفية، لم تستطع أي منهن إخفاءها، وكأن ما يحدث يرضي شيئا دفينا في صدورهن.

وحتى منى ارتسمت على شفتيها ابتسامة غريبة وكأنها تعرف شيء!!

أما عزت، فظل يراقب المشهد بتركيز حذر، وهو يدرس التفاصيل بعقله قبل عينيه، وحين دوى صوت إغلاق الباب بعنف في الأعلى، كسر الصمت، وبدأ الحديث.

قالت فريدة بدهشة: هو فيه إيه؟

رد عزت متظاهرا عدم الفهم: مش عارف!

قالت منى بنبرة ساخرة غريبة، وهي تعلق ببرود لافت: فعلا، غريب أوى سليم وماسة يوصل بينهم الوضع للدرجه دى، سبحان الله، شيء مش متوقع.

نظرت صافيناز إليها بنظرة جانبية، وقد اعتلت شفتيها ابتسامة خبيثة: غريبة في إيه بقى إن شاء الله؟

هزت منى كتفيها متظاهرة الاستغراب، وقالت وهي تلقي بكلماتها كالسهام: غريبة إن سليم إللي كان بعشق التراب اللى بتمشي علية ماسة، ييجي ضاربها وبيتعامل معاها كده؟

ثم أضافت بنبرة مواربة: يا ترى عملتي إيه يا ماسة؟

تدخل عزت أخيرا، قاطعا الحديث بحزم واضح: خلاص، أقفلوا الموضوع ده، خلونا نرجع نتعشى، وبعدين أبقى أتكلم معاه
             *********
على إتجاه آخر، في غرفة سليم وماسة.

ما أن أغلق الباب، نزعت كتفها من يده بعنف، وحدقت فيه بحدة مشتعلة: أنت إيه إللي عملته ده؟!

نظر إليها باستغراب قائلا: عملت إيه بس؟ ده أنا كنت بمثل حلو أوي! متقوليش فشلت.

قاطعته بغيظ مكتوم: مفشلتش، بس متفقناش على القلم.

تنفس بعمق، ثم قال بتبرير سريع: معلش يا ماسة، سخنت بعد ماقولتيلي مش راجل، حسيت إن الكلمة دي محتاجة قلم.

اقتربت خطوة، وعيناها تلمعان بتحذير: أنت بترتجل يا سليم!؟ بترتجل وتضرب؟

ثم قالت بنبرة متوعدة بطفولة: والله العظيم المرة الجاية لو ارتجلت، أنا كمان هرتجل وأوريك.

تبسم، وقال متعجبا: أنتِ زعلانة ليه؟ هو جه جامد؟

رفعت كتفيها بتذمر طفولي، وقالت وهي تزفر بضيق:
مجاش جامد، بس متفقناش على كده، أنا اتصدمت وزعلانة، صالحني!

مدت وجهها نحوه بدلال طفولي، فابتسم ووضع قبلة على خدها، ثم اقترب منها وقال بنبرة أهدأ: طب بلاش شقاوة، وخلينا نشوف بيقولوا إيه دلوقتي.

أخرج هاتفه بسرعة، وجلس على الأريكة وهو يفتحه:
تعالي أقعدي.

اقتربت وجلست ملتصقة بيه: معتقدش إنهم هيتكلموا دلوقتي، علشان فريدة موجودة.

مد سليم شفتيه: خلينا نشوف برضو.

جلسا يتابعان، وبالفعل فتح سليم الكاميرا وسمع ما قيل عند الدرج، ولكن علي السفرة؛ الجميع كان حاضرا، لكن الحديث لم يتطرق لشيء.

ابتسمت ماسة بثقة وقالت: شوفت؟ قولتلك مش هيتكلموا في حاجة.

تنفس بعمق وقال: أنا المفروض أنزل دلوقتي، أكيد هيسألوني.

تابع بجدية: لو فريدة طلعتلك قولي إللي اتفقنا عليه، ولو حابة تسمعينا، افتحي التليفون بتاعك، أنا هكون في المكتب، استني أفتحهولك.

نظرت له بتحدي: مكي علمنى؟ استنى أفتح أنا وأوريك.

وبالفعل بدأت تضغط على الشاشة حتى نجحت في فتحه، فأضاف وهو يهم بالوقوف بتوتر: الخطوة الجاية دي هي الأهم؛ لإننا هنبني عليها كل حاجة جاية، ولازم يصدقوا...

توقفت أمامه، وقرصته من خده بمزاح لطيف: متقلقش، هيصدقوا بعد القلم ده، أنت طلعت بتمثل حلو أوي يا كراميل.

ابتسم لها، وضمها إلى صدره فبادلته العناق، وكأنهما يستمدان القوة والطاقة من بعضهما، ثم همس لها بهدوء: هنزل بقى عشان أكمل المسلسل.

ابتسمت وغمزت بمرح: ربنا معاك يا سلوملوم.

تحرك، وقبل أن يغادر توقف عند الباب وقال محذرا: لو فريدة طلعتلك، أوعي تخليها تعالج إللي في وشك؛ علشان المكياج ميروحش.

لوحت بيدها بإستهانة: هو أنا هبلة ولا إيه؟ متقلقش، أنا أصلا هقعد أحط من القطرة علشان، ادمع قدامها.

هز رأسه موافقا: اتفقنا، أنا نازل.

ثم استدار وأضاف بصرامة مصطنعة بعد فتح الباب: أنا مش عايز أسمع حسك، مفهوووم.

ثم أغلق الباب بعنف، وهبط الدرج حتي توقف في منتصف الهول، وصاح ببحة رجولية جهورة اهتزت لها أرجاء المكان: سحر! أنتِ يا إللي اسمك سحر!

في تلك اللحظة، جاءت سحر مهرولة: أمرك يا بيه! أمرك!

صاح سليم بسرعة: جمعيلي كل الخدامين إللي هنا، بسرعة!

ردت سحر مطيعة: أمرك يا بيه، أمرك!

في تلك اللحظة، اقتربت فايزة، الاي كانت تجلس في الصالون القريب مع الباقين، الذين كانوا يراقبون المشهد بفضول وحذر.

قالت فايزة، ودهشتها واضحة في صوتها: فيه إيه يا سليم، عايز الخدامين في إيه؟ وبتزعق ليه كده؟

نظر إليها بنظرة حاسمة، وقال بحدة: هو أنا لازم أبرر؟

ردت فايزة بصوت صارم: إحنا محتاجين نفهم...

ابتسم ابتسامة جانبية، ثم تابع بنبرة تهدئة ممزوجة بالسيطرة: وأنا قولت مش لازم أبرر، إللي أنا عايزه هعمله، وبعدين مستعجلة ليه؟ ما أنتِ هتشوفي قصاد عينك عايزهم ليه؟

بدأت الخادمات تتجمعن أمامه، صامتات، متأهبات، وكأن الهواء حولهن أصبح مشحونا بالخوف والاحترام لهيبتة وسلطته.

ثم رفع صوته ليصل إلى جميع الخدم بقرار: أسمعوا، أنا مش عايز أي حد يطلع عند أوضة ماسة، مهما صرخت، مهما قالت، والأكل والشرب ميطلعلهاش إلا بإذني، فاهمين؟

ثم ألتفت لسحر: وأنتِ بالذات يا سحر، أقسم بالله كلامي لو متنفذش، لأندمك عمرك كله، أنا جبتك هنا علشان هناك مكنتش عارف أحط عيني عليكي، لكن هنا، أنتِ تحت عين فايزة هانم والباقي.

أضاف بحدة: يلا، روحوا أماكنكم.

أخذ نفس عميق وأخرجه، ونظر بعينه وجدهم يجلسون هناك يشاهدون الموقف بصمت دون تدخل، لكنهم منتبهون، فتحرك حتى توقف أمامهم وقال بأمر: اسمعوا والكلام للكل، ماسة مهما صرخت، مهما قالت أياكوا محدش يفتح لها الباب، أقسم بالله لو عرفت إن حد فتحلها، هيندم، مهما كان مين...

نهضت فريدة من مكانها وهي تتعجب باستنكار: أنت بتتكلم كده ليه؟ هي مش الشخصية دي؟ كنا نسيناها.

في تلك اللحظة، اقتربت فايزة، وتوقفت خلفه تراقب بصمت 

صاح سليم بحدة: فريدة ملكيش دعوة! إللي أقوله يتنفذ من سكات، مفهووم؟

ردت فريدة بغضب: لا مش مفهوم، يعني إيه مليش دعوة، هو أنا مش أختك؟

خرجت منه ابتسامة صغيرة ساخرة، وهو ينظر بعينه بعيد: أختي؟ آه يا فريدة أنتِ أختي فعلا، بس في البطاقة بس، تعرفي عني إيه أصلا؟

ثم أضاف وهو يشدد الأمر: بقولك إيه خليكي في حالك، وفي ولادك وجوزك، زي ماطول عمرك ملكيش دعوة بحاجة غيرهم.

تابع بنبرة صارمة: وأطلعي فوق...يلا!

نظرت له باستغراب، وقالت وهي تعقد بين حاجبيها: أنتِ بتتكلم معانا كده ليه؟

نظر لها نظرة حادة، وقال بحدة قاطعة: أنا اتكلم زى ما أنا عايز، ومش هعيد كلامي تاني يا فريدة، أطلعي أوضتك أنتِ وجوزك، يلا!

تنهدت وهي تقول بزعل: ماشي يا سليم براحتك. 

ثم تتحركت هي وإبراهيم نحو الدرج، بينما اقتربت منه صافيناز بخبث مستفز وقالت: وإحنا كمان نمشي؟ ولا هتسمحلنا نقعد؟!

في تلك اللحظة، تبدلت ملامحه تماما، واشتعلت نيران الغضب في داخله، لم يكن الآن يمثل، كان يحاول أن يسيطر على غضبه، فقال من بين أسنانه: أنتِ لو مختفتيش، أنتِ وجوزك من قدامي دلوقتي، أقسم بالله الغضب إللي جوايا هطلعه فيكم، وأنتوا مجربين!

ابتسمت بسخرية وهي تشير بيديها: لا وعلي ايه، أنا طالعة، يلا يا عمدة.

وغادرت هي وعماد إلي الأعلي ومعالم السعاده ترتسم على وجهها بوضوح، وعقب مغاردتهم نظر سليم إلى طه قائلا: طه خد منى وأطلع فوق أنت كمان.

رد طه مطيعا: ماشي، بس أهدى، يلا يا منى.

وبدأ الجميع بالصعود؛ تبقى عزت وفايزة، التي نظرت له معلقه بتهكم: يا ترى إحنا كمان نطلع فوق؟

قاطعها سليم بصرامة: لا، بس عايزك تسمعي الكلام اللى هقوله دى وتنفذيه، ماسة مهما صرخت، ومهما قالت، مش عايز حد يقرب من أوضتها، ولا يعبرها.

ثم أضاف مهددا: أنا هحاسبك أنتِ، عايز أشوف الهانم لها كلمة في قصرها ولا لأ؟...

تدخل عزت قائلا: طب ما تيجي نتكلم بالراحة؟ إحنا مش فاهمين حاجة.

رد سليم بحزم: مش لازم تفهموا، المهم نفذوا إللي أنا عايزه وبس، أنا ماشي، ورايا حاجات لازم أعملها.

هم بالتحرك، فامسكه عزت من كتفه وقال بهدوء: إحنا لازم نفهم يا سليم، عملت كدة في ماسة ليه؟ وبتكلم أخواتك بالأسلوب ده ليه؟ حتى فريدة!!

تابعت فايزة: تعالي، نتكلم في المكتب.

وبالفعل، تحرك معهم إلى المكتب، مستعدا لمواجهة التفاصيل القادمة.
             ***********
في مكتب عزت

دخل سليم وعزت وفايزة المكتب وأغلقوا الباب خلفهم، جلس سليم على المقعد، بينما جلس عزت وفايزة جنبا إلى جنب على الأريكة.

تنهدت فايزة وقالت باستفسار: أحكي بقى بالراحة، إيه إللي حصل؟

مسح وجهه بيديه، وأجاب بصوت مكتوم: مفيش حاجة، مش عايز أتكلم، إللي أنا بقوله يتسمع بس.

ثم أضاف بحدة: آه، صحيح كنت هنسي، لو حد من أهلها فكر يجي وأنا مش موجود مشوه، ولو ممشيش بالذوق يمشي بالغصب.

تدخل عزت بحذر: هنعملك كل إللي إنت عايزه، بس نفهم إيه إللي حصل؟ يعني ماسة تفضل سنين مش بتيجي القصر، ولما ترجعها تبقي بالشكل دى؟

تنهد سليم بعمق، وفتح أول زر من قميصه، وهو يمثل الشعور بالاختناق، ورسم علامات التوتر الواضحة علي وجهه.

نظر عزت وفايزة لبعضهما باستغراب، ثم مال عزت على الطاولة وأعطاه كأس ماء: أشرب ده.

احتساه سليم كله دفعة واحدة، ثم وضع يديه المرتعشتين على الطاولة، وقال بمرارة: عايزين تعرفوا أنا ليه بعمل كدة؟ علشان ماسة خانتني.

نظر عزت وفايزة لبعضهما من طرف العين، بدهشة مصطنعة ممزوجة بإبتسامة خفية، كأنهما يراقبان مشهدا مخططا.

رفع سليم عينيه للحظة وانتبه لملامحهم، ثم هبطهما سريعا، فيما قالت فايزة بنبرة مشككة: إيه إللي أنت بتقوله ده؟ ماسة!! مستحيل!!! هو أنا آه بكرهها، وبتمنى اللحظة إللي تطلقها فيها؟ ومش متقبلة جوازك منها لحد دلوقتي، بس تخونك؟ لا، البنت دي بصراحة محترمة جدا وبريئة.

أومأ عزت برأسه مؤكدا: ده حقيقي.

ضحك سليم ضحكة ساخرة، وأضاف وهو يهز رأسه: ما أنا كمان كنت فاكر كده، كنت فاكر إن الوش البريء والأدب ده مستحيل يعمل كده، ماسة إللي حبيتها واتجوزتها وربيتها على إيدي وخليتها بني إدمة، من خدامة لهانم تعمل كده؟! بس شوفتها قدام عيني...

توقف لحظة، يتأمل الكلمات التي خرجت من قلبه قال بمرارة: من فترة كانت بتيجيلي رسائل وصور، وأنا كنت حمار مش مصدق، كنت بقول لنفسي أكيد فيه حاجة غلط...

ثم أكمل بحدة، وهو يرفع عينه نحوهم كأنه يؤكد المعنى: بس مطلعتش غلط، طلعت حقيقة، شوفتهم مع بعض في أوضة النوم.

تعجب عزت، وسأل بدهشة: شوفتها مع مين؟

رد سليم بنبرة مكتومة: مع مصطفى.

اندفعت فايزة باستفسار مصطنع: مين مصطفى ده؟

أجاب سليم، بنبرة نصف مستهزئة ونصف متألمة: دكتور مصطفى؛ إللي كانت هربانة عنده.

حك عزت رقبته، وأضاف بتعبير يمزج بين الاندهاش والخبث: هربانة!؟ إحنا مش فاهمين حاجة يا سليم، إنت فاهمة حاجة يا فايزة؟

أجابته وهي تتصنع عدم الفهم: أنا مش فاهمة حاجة خالص، ما تفهمنا يا سليم.

تنهد سليم وأعاد ظهره إلى المقعد، مستعيدا الأحداث الماضية بنبرة مثقلة مقهورية، كأن كل كلمة تمثل قطعة من جرحه القديم.

كان متقن التمثيل لدرجة أن ماسة التي تراه الآن عبر الشاشة، كانت مذهولة ومصدقة كل ما ترى.

فقد استغل سليم التمثيل الذي كان يؤديه أمام والديه كستار، ليكون متنفسا لمشاعره المكبوتة؛ خلال تلك الادعاءات والتمثيل، أفرغ بداخله حزنه وغضبه ووجعه، فكل حركة وكل كلمة كان يقولها لم تكن مجرد تمثيل، بل صرخة حقيقية من قلبه، يصنعها في إطار اللعبة أمامهم.

سليم بنبرة مريرة غاضبة: فاكرين الفترة إللي كنت بقولكم فيها إنها لسة مسافرة ومش موجودة؟ ساعتها كانت هربانة ... ستة شهور.

رفع عينه نحوهما ليستشف وقع الكلمات عليهم، لكنهما كانوا يتقنون تمثيل الدهشة وعدم الفهم أيضا.

فاومأ برأسه، وهو يسترسل بصوت متعب، وكأن الكلمات تثقل صدره: هفهمكم، من حوالي سنتين أو أكتر، بدأت تتغير معايا؛ لإني كنت حابسها، حتى لما نزلت الجامعة، كنت مراقب كل تحركاتها ومكانش عاجبها الوضع، كانت عايزة تمشي، وكنت رافض، فحاولت كذا مره تهرب...

نظر إليهم بعينين مشتعلة: أول مرة جبتها من وسط الطريق، والسواق إللي ركبت معاه حاول يعتدي عليها، حتى رشدي كان عارف الموضوع ده وقتله، بعدها رجعتها عند أهلها، لحد ما يعقلوها ويرجعوها تاني، لكن معقلتش، فضلت معاندة ومتمردة، وكانت عايزة تمشي وتسيبني.

ردت فايزة بنبرة غاضبة: وأنت ليه مسبتهاش؟ هي نسيت نفسها الخدامة. 

اومأ برأسه، تنهد بعمق، قال بوجع: أنا كنت بحبها.

فايزة بإعتراض حاد: بتحبها على إيه الحشرة إللي نسيت نفسها دي. 

عزت بضجر: استنى يا فايزة خلينا نفهم، كمل يا سليم 

تنهد سليم واسترسل: هربت ثاني مرة، ساعتها جبتها من مرسى مطروح، بعد يومين حبستها في الفيلا إللي أنا جبتها على طريق الإسكندرية، قعدت سنة محبوسة، وهددتها لو فكرت تمشي أو تسيبني، هقتل أهلها، ووريتها قدراتي لما طلعت مسدسي وضربت نار على عمار، بس مجبتهاش فيه..

أضاف بتوتر شديد: بس في الفترة الأخيرة بدأت أعقل، وطلبت منها السماح، بس رفضت، فضلنا لحد يوم الحفلة إللي كنت عاملها عشان دخولي مجلس الشعب، عرضت عليها تيجي معايا ووافقت، ساعتها صافيناز حطتلي الحباية، ولما روحنا البيت حاولت أعتذرلها علشان نرجع كويسين زى الأول، بس الحباية خلتني مش طايق كلمة 

ارتجف صوته قليلا وهو يخرج الكلمات من بين أسنانه بحدة: وهي كمان ضغطت عليا بالكلام، وبسبب قلة أدبها وتمردتها، ضربتها علقة موت، ضربتني على رأسي وهربت، وفضلت ستة شهور هربانة، معرفتش طريقها إلا لما طليقة إللي اسمه مصطفى جت وقالتلى لم مراتك بعيد عن جوزي، روحت وجبتها، وبعدها بثلاث أيام، فقدت الذاكرة.

رفع عزت، حاجبه بصدمة حقيقية: يعني ماسة لما جت هنا وقت خطوبة رشدي والفرح، كانت فاقدة الذاكرة؟

تنهد سليم ببطء، وأعاد ظهره إلى المقعد، مرر يده على وجهه قبل أن يجيب، بصوت مشحون بالغضب والحزن: أيوه، وبعدها بشوية رجعتلها الذاكرة، ولما رجعتلها بدأت تقولي الحقيقة، إنها حبت مصطفى في الفترة إللي عاشت معاه فيها، وإننا لازم نسيب بعض، في نفس الوقت، كان بيتبعتلي صور، أنا كنت فاكر إنها بتستفزني أو بتشوف إذا أنا اتغيرت فعلا ولا لا، لكن الصور كانت حقيقة...

ثم قبض يده على الطاولة بقوة وكأنه يحاول التحكم في غضبه: ومن كام يوم جاتلي صور ليها وهي في حضنه على السرير، طول الطريق كنت بكذب على نفسي وأقول مستحيل، لحد ما شوفتها بعيني، كنت هقتلها! بس مسكت نفسي، لأن القذرة كانت معاه في شقة دعارة، والبوليس جه، فبقيت أتصرف كأني مصدقها، وإلا كنت هتفضح لو كنت عملت غير كدة..

نظرك له فايزة وتساءلت بتصنع خبيث: مصدق إيه؟

أجابها سليم موضحا: مصدق كلامها إنها اتخطفت، وكل الكلام العبيط إللي قالته، دافعت عنها قدام الظابط، وضربته، وطمنتها، بس لما رجعتها الفيلا..

تابع وهو يرفع رأسه بنظرة حادة، يلمع فيها الغضب: اخدت حقي منها، وضربتها وعذبتها، لحد ما كانت روحها بتطلع في إيدي، وعلى آخر لحظة كنت بسيبها، بس وأنا مش موجود سحر كانت بتدخلها أكل وشرب، علشان كده جبتها هنا.

جزت فايزة على أسنانها، وعضت شفتها السفلى بحدة، وهي تقول: وأنت زي مقتلتهاش المجرمة المنحطة دي! 

خرج صوت سليم متماسكا بصعوبة، وعيناه مثبتتان في نقطة بعيدة كأنه يهرب من نظراتهم، بينما قبضت أصابعه على ذراع المقعد حتى ابيضت مفاصله، وقال بصوت خافت لكنه مشحون: كنت هقتلها... مسكتها وخنقتها...

توقف لحظة، وزفر بحدة، ثم أكمل وهو يهز رأسه بمرارة: بس افتكرت إن موتها مش هيشفي غليلي منها، أنا لازم أخليها تتمنى الموت ومتطلهوش.

ردت فايزة معارضة بنبرة لازعة: إزاي يا سليم، إنت لازم تقتلها، الحشرة دي الجلد والحرق مش كفاية ليها.

رد بنبرة مخيفة مليئة بالقسوة: هقتلها بس لما أعذبها الأول، الموت رحمة ليها.

اعتدل عزت في جلسته، ومال بجسده للأمام: طب أنت ليه متصلتش بيا؟

رفع سليم رأسه فجأة، ونظرة حادة لمعت في عينيه، ولوح بيده في الهواء بإنفعال: كلمتك يا باشا! وقالولي إنك في اجتماع مع الوزير...

قلب وجهه بتجهم، ثم أكمل بنبرة تهديد: صحيح، الخنازير إللي إنت مشغلهم عندك دول شد عليهم أنا كلمتهم ومحدش رد عليا.

اقترب بجسده للأمام أكثر، وصوته انخفض لكنه صار أخطر: بقي أنا سليم الراوي، أكلمهم وميتردش عليا؟! والله لأعرفهم على الحركة دي..

رفع عزت كفيه محاولا تهدئته: أهدى بس، أكيد كان فيه حاجة مهمة.

لوى سليم فمه بسخرية، وأدار وجهه للناحية الأخرى:
مهمة؟ تخليهم كلهم ميردوش!

ضربت فايزة كفا بكف، بملامح مشدودة بالغضب، وقالت بحدة: هو دى وقته؟ مش دي المشكلة، أهم حاجة المنحطة القذرة إللي فوق دي، هتعمل فيها إيه؟ لازم تقتلها!

ابتسم سليم ابتسامة جانبية مرعبة، ومال برأسه قليلا: هقتلها... بس لما أقتلها نفسيا الأول 

رفع عينيه ببطء، ونبرته صارت باردة: لازم أكسرها، وأفهمها يعني إيه تخون سليم الراوي.

عقد عزت حاجبيه متسائلا: وعملت إيه في إللي اسمه مصطفى ده؟

أجابه سليم بلا تردد، وكأنه يتحدث عن أمر عادي: قتلته ودفنته في جنينة الفيلا..

عزت متساءل: طب وأهله؟!

أجابه مفسرا: هددته، وخليته يكلم أهله ويقولهم إنه مسافر، وبعدها قتلته..

تنفس بعمق، وأشاح بوجهه بعيدا، وصوته خف فجأة: أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني، إنتوا عرفتوا إللي فيه الكفاية.

ضغط على فكه بقوة: وبلاش حد من إخواتي يعرف، مش عايز أبان مكسور قدامهم.

اقتربت فايزة ببطء، وجلست على طرف الكنبة بجواره، ووضعت يديها على ركبته بحنان مصطنع: متزعلش يا سليم، فاهم؟ وسيبها عليا، أنا هوريك هعمل فيها إيه، وهجوزك هانم تليق بيك.

سحب سليم قدمه قليلا ورفع يده معترضا، ونبرة صوته نفد صبرها: جواز إيه دلوقتي؟ وبعدين ملكيش دعوة، سيبيني أنا أربيها بطريقتي.

نظر إليها نظرة تحذير: كل إللي عايزه منك، متخليش حد يحن عليها.

ابتسمت فايزة بثقة، وهزت رأسها: متقلقش، بس أنت لازم تتجوز يا سليم، أتجوز واحدة تليق بسليم الراوي ابن فايزة رستم آغا، ودي أكتر حاجة هتقهرها.

تنفس سليم ببطء، ونظر إلى الأرض، وصوته خرج مكسورا رغم هدوئه: تقهرها لو بتحبني...!

رفع عينيه وفيهما فراغ موجع: بس هي مبتحبنيش، بقولك خانتني. 

مسح دمعة هبطت على خده، وتوقف لبرهة قبل أن يقول: أنا، هروح أتكلم مع مكي شوية.

نظر إليه عزت وقال مطمئنا: ماشي، المهم متزعلش.

أومأ سليم براسه وتحرك للخارج ، تاركا فايزة وعزت متخبطتين من وقع ما حدث.

عزت بنبرة حزينة قليلا: سليم صعبان عليا أوى، بس أعمل إيه؟ مكانش قدامي حل تاني. 

علقت فايزة بتنهيدة: بكرة ينسى، لما أجوزه.

رد عزت وقد اختلطت مشاعره بدهشه وغضب: مكنتش أتوقع إنه يسيبها عايشة كان لازم يقتلها! حقيقي، ابنك ده بير ملوش أرار، لازم الكلام ده يوصل لعماد.

ردت فايزة بإستعلاء: عماد إيه إللي تقوله، ده شخشيخة...

اومأ عزت موضحا بسخرية لازعة: الشخشيخة دي فكرته بنجني ثمارها دلوقتي، وهو كان بيتواصل مع الظابط، وأنا كنت مجرد شبح لا يُرى، مينفعش أظهر، لازم أبلغه باللي سليم حكاه عشان يتأكد.

وبالفعل، اتصل عزت بعماد، وروى له كل ما حدث، فرد عماد مطمئنا: هظبط كل حاجة وأقولك يا باشا.

على إتجاه آخر، في الحديقه

كان سليم يتحرك وفتح هاتفه، توقف عند الحديقة بجانب مكي وقال: أعمل نفسك بتكلمني هشوف، بيقولوا إيه؟

هز مكي رأسه برفض: بلاش، استنى لما تطلع، ممكن تسمع حاجة، ومتقدرش تتحمل.

هز سليم رأسه مقتنعا: عندك حق؟

سأله مكي: ها... صدقوا؟

تنهد سليم وهو ينظر أمامه: مش عارف، هنشوف، بس لو صدقوا، كده يبقي عدينا أهم مرحلة.

هز مكي رأسه موافقا، بينما نظر إليه سليم قائلا: أنا هطلع فوق.

وبالفعل تحرك للداخل وصعد إلى غرفته

*******************
في غرفة سليم وماسة.

فتح سليم الباب، وجد ماسة جالسة على الفراش والهاتف بين يدها، وعيناها متسعتان بالصدمة والقهر، فقد أدركت أن عزت كان مشتركا معهم فيما حدث.

لكن فور أن التقت عيناها بعينيه، أغلقتها بسرعة، خائفة من أن يزداد شعوره بالانكسار إن علم.

توقفت قليلا، ثم بدأت تتحدث معه بصوت منخفض: ها... يا سليم، عملت إيه؟

أجابها بهدوء: ما... أنتِ سمعتي.

ابتسمت بلطف: أه، مظبوط.

سألها بفضول: قوليلي، إيه إللي حصل بعد ما خرجت؟ كملتي؟ سمعتي كلامهم؟

ابتسمت بخفة، وغيرت الموضوع بذكاء: قولي إنت هتعمل إيه دلوقتي؟ هتنام في أوضة ثانية فعلا؟!

رفع كتفه مؤكدا بتوضيح: آه طبعا، هنمشي على الاتفاق، لازم بس أعمل نفسي بضربك، واتخانق معاكي، وصوتنا يعلى، وأنت هاتجري مني في الطرقة، وأنا همسك شعرك وهخنقك.

عقدت بين حاجبيها باستغراب، وعلقت: بس إحنا اتفقنا على حوار الخنق والكلام ده بعدين.

اقترب منها خطوه، مفسرا بدهاء، ويده تمر على كتفها: لا، رأيي خليها دلوقتي، علشان لسه حاكي إللي حصل، ومشاعري دلوقتي مشتعلة

تساءلت بترقب: طب وأفرض محدش جه ينقذني.

تنهد تنهيدة عميقة، ثم تحرك بخطوات قصيرة متأنية، ودار بظهره وهو يقول بيقين: فريدة هتيجي، وطه كمان، أنا عارف إخواتي، حتى صافيناز هتيجي وتمثل إنها معاكي.

عضت أصابعها وهي تفكر، كأنها تحاول أن تتخيل كل الاحتمالات وتخطط كيف يحلون الأمور معا، رفعت حاجبيها متسائلة في صمت: طب لو محدش جه غير فايزه وعزت؟

ابتسم ابتسامة خفيفة، والتفت لها و التحدي واضح في عينيه، ويده تعلو في الهواء وكأنها ترسم المشهد:
تبدأي تكحي وتمثلي إن خلاص روحك ابتدت تنسحب منك، ساعتها أنا هسيبك، وهقولك: كل يوم من ده، أنتِ طبعا هتبقي شبه فاقدة للوعي، مش قادرة تاخدي نفسك، وعمالة تكحي وخلص المشهد على كدة، ممكن فايزة تغلط فيكي، أو عزت، اعتبري نفسك مش سامعة. 

تنفست ماسة بعمق، وقالت: ماشي... نبدأ يلا.

اقترب منها، ورفع حاجبه قائلا: استني بس، قوليلي، سمعتي إيه؟

رمشت بعينيها للحظة، ثم أشارت بيدها وحاولت المراوغه مره أخرى: هتجيبلي الأكل إزاي؟

اقترب منها حتى لم يعد بينهما سوى أنفاس متداخلة، حدق في عينيها بقلق حاد، كأنه يفتش داخلهما عن إجابة تهرب منها، وقال بصوت منخفض لكنه مشدود: أنتِ بتغيري الكلام ليه؟ فيه إيه يا ماسة؟ سمعتي إيه؟

رمشت بعينيها سريعا، وارتجفت شفتاها، كانت تخشى أن يعرف، وينكسر أمامها مرة أخري، فوالده كان آخر ما يبقيه متماسكا، آخر جدار يحتمي به من الإنهيار، لم تجد كلمات مناسبة، فاكتفت بالصمت.

فهم صمتها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، باهتة، وشعر بقلبه يهبط تدريجيا إلى قاع يعرفه جيدا، لكنه رفض الإعتراف به، وقال بمرارة حاول أن يخفيها خلف نبرة هادئة وهو يعطيها ظهره: تفتكري ممكن يعني أعرف حاجة أكتر من كدة توجعني؟

التفتت إليه ببطء، وكأنها اتخذت قرارها أخيرا: إما الحقيقة كاملة... أو إنهيار أفظع من الكذب.

سبقها هو بالكلمات، وصوته هذه المرة خرج أثقل: عرفتي إن بابا كان معاهم صح؟ هو ده إللي مخليكي بتغيري الكلام؟ خايفة عليا من الصدمة؟

امتلأت عيناها بالدموع، وعضت شفتيها محاولة كبح بكائها، ثم أشاحت بوجهها إلى الأسفل.

ازدادت ابتسامته مرارة، وارتعشت عضلات فكه، لمعت الدموع في عينيه، لكنه أبى أن يسمح لها بالسقوط.

مد يده يرفع وجهها إليه برفق موجوع، وقال بسخرية تؤلمه هو قبلها: أنا كنت متوقع، قلبي كان حاسس، أوعي تكوني فاكراني زعلان؟ لا خالص، بالعكس كده الصورة وضحت..

صمت لحظة، كانت لحظة صراع عنيف بين كبريائه وقلبه، ثم استدار وسند بيديه على مؤخرة الفراش، يعطيها ظهره كي لا ترى مايحدث في عينيه، وتابع بصوت مبحوح: أنا بس محتاج أعرف التفاصيل، كل التفاصيل، عايز أبقى فاهم هما بيعملوا إيه؟! دلوقتي خلاص، مفيش حاجة مستبعدة، حتى الحادثة متوقع يكونوا هما اللي وراها.

التفت إليها فجأة، وقد اشتد صوته: بس لو اتأكدت، هولع القصر بيهم..

فجأة مد يده إلى هاتفه بهدوء مريب، وفتح التسجيل دون أن ينظر إليها...

انقبض قلب ماسة وهي تراقب ملامحه الجامدة؛ لم يتحرك حاجب، لم يتغير لون وجهه، فقط عينان ثابتتان على الشاشة، حتي انتهى التسجيل.

أغلق الهاتف ببطء، ثم رفع عينيه إليها رغم ثقل ما استمع اليه، وشعر بالمراره ليس فقط في حلقه بل في قلبه أيضا، لكنه بقى ثباتا، وكتم وجعه وقال بنبره ساخرة: هو ده اللي انتِ كنتي خايفه، إن أنا اسمعه؟! عادي، كنت متوقع، مقالوش حاجه خارج التوقع، هو بس انتقامي هيزيد واحد وكنت شاكك فيه أساسا.

مسح وجهه بكفه، وأخرج نفسا عميقا، محاولا إطفاء حريق يشتعل داخله: مش هينفع نسمع مع بعض كل التسجيلات، هروح أسمع في أوضتي القديمة، عشان مينفعش افضل في اوضتك، ممكن يشكوا..

عاد يستند بيديه على حافة الفراش، كأنه يتكئ على آخر ما تبقى من ثباته: هشوف بقى كل واحد فيهم عمل إيه... ومين شارك بإيه؟!

ثم استرسل دون أن ينظر إليها: ماسة، مينفعش تسمعي حاجة ومتقوليش عليها، حتى لو هتوجع، لازم تقولي، خلاص مفيش حاجة هتكسرني أكتر من إللي حصل، واتعمل فيا وفيكي.

لكن رغم كلماته القاسية، كان ظهره المشدود وكتفاه المرتجفان يفضحان حقيقة واحدة، أنه على وشك الانكسار بالفعل.

كانت تشعر بوجعه، وبتلك الصرخة المكتومة التي يحاول دفنها خلف قناع القوة، رأت كتفيه المشدودين، وأنفاسه المتقطعة، فعرفت أنه يقاوم شيئا أكبر من الكلمات. 

انهمرت دموعها بإحساس خانق بالذنب، واقتربت منه بخطواتٍ مترددة، وضعت يديها على ظهره برفق، ثم ضمته من الخلف ووضعت رأسها على كتفه ومسحت بكفها خده، كأنها تحاول أن تسنده قبل أن يسقط.

قالت بصوت مكسور: أنا آسفة يا سليم، أنا السبب في كل ده، يا ريتك ما تجو...

استدار فجأة، منتصبا، وعيناه تلمعان بدهشة ممتزجة بالوجع، وقبل أن تكمل، وضع يده على شفتيها يمنعها.

قال بحدة خرجت من قلبه قبل لسانه: متكمليش! أوعي تقولي الكلام ده تاني، فاهمة؟

خفض صوته، لكنه ازداد صدقا: مش جوازي منك هو السبب، جوازي منك هو إللي كشفهم يا ماسة، أنا كنت أعمى وغبي، متوقعتش قذراتهم تكون الدرجة دي، بس دلوقتي بس ابتديت أشوف، ابتديت أفوق...

اقترب منها خطوة، ونظر في عينيها بعمق مؤلم: لولاكي، كنت هفضل طول عمري عايش في الوحل ومش شايف، أعمى عن الحقيقة، كنت هفضل فاكر إني ماسكهم في إيدي، بس الحقيقة كان ملعوب بيا الكورة وأنا مش شايف.

ارتجفت شفتاها، وأنهارت دموعها أكثر، فرفعت يديها وضمه وكأنها تريد أن تحتمي داخله... وتحميه في الوقت ذاته.

لم يقل بلسانه أن الأمر أوجعه، لم يعترف أن خيانة أبيه كسرت شيئا عميقا داخله، لكن نبضه المتسارع تحت كفيها، والطريقة التي شد بها على ظهرها كأنه يخشى أن يفلت منها، كانت تقول كل شيء، حاول أن يبدو ثابتا، لكن قلبه كان ينزف في صمت.

ظلا يضمان بعضمها بشدة للحظات، ثم ابتعد قليلا وأخذ نفسا عميقا كأنه يخلع عنه بقايا ضعفه، وقال بثبات متعمد: خلاص، يلا نبدأ.

نظرت إليه بقلق، تتأمل شحوب وجهه: شكلك مش كويس، خليها بكرة؟

هز رأسه نافيا، وقال بنبرة حاسمة: أنا كويس، ركزي معايا، صحيح سألتينى، على الأكل سحر هاتطلعلك الأكل بالليل بطريقة معيّنة عشان محدش ياخد باله،
أنا كمان هطلعلك متقلقيش.

اقترب من الباب، وأشار لها أن تقف خلفه بحيث يُسمع الصوت بوضوح في الخارج: يلا... مستعدة؟

أومأت برأسها، وقلبها يخفق بعنف.

أمسك هاتفه، ثم فجأة ارتفع صوته صارخا: أنا هخليكي تتمني الموت! خنتيني ليه؟!

ارتجفت، لكنها تماسكت وردت بالصوت الذي اتفقا عليه: قولتلك مخنتكش! خطفوني!

صرخ بعنف أكبر: بس أنتِ قولتي إنك بتحبيه! يا كذابة!

صرخت بدافع: أيوه بحبه، بس والله العظيم ما خنتك! 

صمتتت ثم سألت: وبعدين مصطفى فين؟! عملت فيه إيه يا مجرم يا همجي؟

تساءل بسخط: خايفة على حبيب القلب أوى؟!

أجابت باستفزاز: طبعا!

زمجر بصدمة: كمان بتقولي طبعا يا بجحه؟!

ضغط زرا في الهتاف فصدر صوت ضربة أوضح، عندها بدأت ماسة تصرخ بتمثيل متقن، تمسك ذراعها ووجهها كأنها تتلقى الضربات وهي تقول: حرام عليك! سيبني! معملتش حاجة!

همس لها سريعا من بين أسنانه: أفتحي الباب... وأجري.

دفعته بخفة متفق عليها، وفتحت الباب فجأة وركضت إلى الخارج، فأنطلق خلفها صارخا: تعالي هنا!

أخذت تركض، وأنفاسها تتلاحق: حد يلحقني.

حتى تعثرت في الممر، أمسكها سليم من ذراعها في اللحظة نفسها التي فتحت فيها الأبواب.

خرجت فريدة وزواجها وطه ومنى، من غرفهم مذعورين، حتي عماد وصافي خرجوا يروا ما حدث ولكن بدرجه ذعر أقل، وابتسامه منتصرة ترتسم على وجههم. 

اندفعت فريدة وأمسكت ماسة خلفها، تسحبها بعيدا عنه: خلاص يا سليم! حرام عليك! سيبها!

قال بوجه متجهم ونبرة غاضبة متقنة: أوعى يا فريدة! أنتِ مش فاهمة!

صرخت فريدة في وجهه: ومش عايزة أفهم! إللي أنت بتعمله ده حرام!

ارتمت ماسة في حضن فريدة، تبكي بصوت مرتجف: فريدة، متخليهوش يعملي حاجة، والله ما عملت حاجة، والله مظلومة!

كانت ترتجف بشكل واقعي وكأنه ليس من التمثيل!

أما سليم، فوقف أمامهم، بملامح قاسية، وعيناه تلمعان بخطة بدأت تتحرك كما أراد لها.

اندفع سليم نحوها فجأة، ودفع فريدة جانبا بعنف محسوب، ثم أمسك ماسة من شعرها وسحبها إلى غرفتها.

تعثرت خطواتها وهي تتظاهر بالمقاومة، بينما كان يسحبها وهي تصرخ حتى أدخلها غرفتهما، والجميع يركض خلفه في فزع.

دفعها فوق الفراش وهو يصرخ بصوت كاد يهز الجدران: أنا هقتلك! هقتلك!

انحنى فوقها، وأطبق يده حول عنقها بطريق مدروسة، وعيناه غامتا بسواد مخيف.

أما ماسة، فقد أتقنت الدور ببراعة؛ شهقت، وتشبثت بيده، وتحرك صدرها بعنف كأنها تعجز عن التقاط أنفاسها وتختنق.

في اللحظة نفسها، اندفعت فريدة وإبراهيم وطه إلى الغرفة.

فتحوا الباب بقوة، وأمسك إبراهيم سليم من كتفيه، بينما جذبه طه إلى الخلف بعنف.

صرخ طه: سيبها يا سليم! أنت اتجننت؟! هتموت في إيدك.

سحبه إبراهيم بقوة حتى ابتعد عنها، فاندفعت فريدة نحو ماسة، واحتضنتها داخل صدرها، كانت ماسة ترتجف وتتشبث بها، وتلهث بصوت مسموع.

صرخ سليم وهو يحاول الإفلات: محدش له دعوة! دي مراتي!

دخلت فايزة في تلك اللحظة، ووقفت عند الباب، وعيناها تقدحان شررا، وقالت ببرود قاسي: سيبوه يربيها، القذرة السافلة دي، إللي زيها تستاهل الحرق وهي صاحية.

شهقت فريدة، ونظرت إلى والدتها بصدمة: أنتِ بتقولي إيه يا ماما؟!

ساد الصمت لثواني ثقيلة.

رفع سليم عينيه نحو فايزة، ونظر إليها نظرة عميقة، حادة... تحمل تحذيرا صامتا.

كانت نظرة تقول بوضوح " أياكي تقولي كلمة زيادة قدامهم "

توقفت فايزة لحظة، وارتبكت عيناها، كأنها التقطت الرسالة.

دفع سليم يدي إبراهيم وطه بعيدا عنه بعنف، وصاح بصوت أجش: خلاص! محدش يقربلي! كلكم بره!

ثم التفت صوب ماسة وهو يصرخ بصوت مسموع متعمّد: كل يوم من ده، هخليكي تشوفي الموت! وفي آخر لحظة هاخده منك! ولو فكرتي تهربي تأكدي إني هبعت لأهلك برقية من عزرائيل بدري!

قال كلماته بوجه قاسي، ثم اندفع خارج الغرفة بخطوات غاضبة.

كانت ماسة تتشبث بفريدة، تتظاهر بصعوبة التنفس، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة، ويداها ترتجفان.
اقتربت فريدة منها بقلق: حرام عليكم، إيه إللي حصل؟ قوليلي!

فايزة بقسوة: بتسأليها ليه، يلا يا فريدة على أوضتك.

فريدة بإعتراض: لازم نفهم ده كان هيموتها.

صاحت فايزة بحدة: أنا قولت يلا! أطلعي بره!

تبادلت فريدة وطه النظرات في حيرة، ثم خرجا الجميع، وبقيت فايزة لحظة، تنظر إلى ماسة من أعلى إلى أسفل بنظرة باردة متفحصة، ثم قالت بنبرة خافتة تحمل شئ مبطنا: لينا كلام طويل، بس مش دلوقتي، لما سليم ميكونش موجود.

ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.

في غرفة سليم القديمة.

دخل طه وفريدة خلف سليم، كان يقف وظهره لهم، يتنفس بعنف.

قال طه بحدة: فيه إيه يا سليم؟ إللي أنت بتعمله ده إيه؟ مهما كانت غلطتها...

قاطعته فريدة سريعا: وأوعى تقول ملناش دعوة.

استدار سليم فجأة، وعيناه تقدحان شررا: مش هقول ملكوش دعوة، بعمل كده علشان خانتني، خلاص.

تجمد الاثنان في مكانهما، وقال طه بصدمة: أنت اتأكدت؟

أشاح سليم بوجهه: مش عايز أتكلم في الموضوع ده.

اقتربت فريدة خطوة: طب طلقها يا سليم، لو متأكد طلقها.

ضحك ضحكة ساخرة مرة: بسهولة كده؟ الخدامة دي تخوني أنا وأطلقها عادى كده؟ لا، لازم تدفع ثمن إنها خانت سليم الراوي.

تدخلت فايزة من عند الباب، بنبرة مسمومة: أيوه يا فريدة، الخدامة دي لازم تتربى، وتدفع تمن السنين إللي عاشتها مبسوطة.

نظرت لها فريدة بغضب: دى بدل ما تعقليه!

لوّحت فايزة بيدها: ده راجل ومراته خانته، لازم ياخد حقه،..

لوحت بيدها بأمر: يلا كل واحد على أوضته.

اقتربت فريدة من سليم أكثر، وخفضت صوتها بعقلانية: سليم إللي بتعمله ده غلط، لو متأكد إنها خانتك، سيبها تمشي، إنما إللي بيحصل ده مش أنت، أوعى ترجع للشخصية دي تاني، وحتى الشخصية دي لو اتوجعت، كانت بتمشي بكرامة، مش بتعمل إللى بتعمله.

صمت لحظة، ثم قال بصوت منخفض متعب: دي غير يا فريدة، دي مراتي..

صمت للحظة: مش عايز أتكلم عايز أبقى لوحدي، سيبوني لوحدي.

نظرت إليه طويلا، ثم رفعت يدها وربتت على خده بحنان حزين، قبل أن تخرج هي وطه وفايزة.

أُغلق الباب، وبقي سليم وحده، فتنهد بعمق، ومسح وجهه بكفيه، وكأن القناع الذي ارتداه منذ دقائق بدأ يثقل على روحه، لكنه يعلم أن العرض لم ينته بعد.

              ***********
في غرفة طه...

كانت منى تجلس على المقعد، تضع ساقا فوق الأخرى، وتضحك بخفة مستفزة، بينما جلس طه على الأريكة المقابله لها، يمسك سيجارة بين أصابعه، ينفث دخانها ببطء وعيناه مليئتان بالدهشة.

قال وهو يهز رأسه بعدم تصديق: مش مصدق إن ماسة تخون سليم!

رفعت حاجبها، ومالت للأمام قليلا: مش مصدق ليه؟ عادي يعني.

عقد حاجبيه، ونفض رماد سيجارته بعصبية: عادي إيه؟ دي كانت في غاية الأخلاق.

ضحكت بسخرية، وصوتها حمل شماتة واضحة: أخلاق مين بقى؟ ما كله بان إنه كذب.

صمت لحظة، وكأنه يحاول أن يستوعب الفكرة، ثم قال بمرارة: حقيقي كلنا اتغشينا فيها، أخص عليها، ده كان بيعشق تراب رجليها، وعادي الكل عشانها، حقيقي الناس الواطية لما بتاخد قيمة بتنسى أصلها.

همهمت وهي تبتسم ابتسامة جانبية باردة: أممم... فعلا، وأهي أخدت جزاءها، بس تفتكر الهانم والباشا هيعملوا إيه 

قال بحزن وهو يزم شفتيه: معرفش، أنا حقيقي زعلان على سليم أوي. 

مدت يدها ومسحت على قدمه بحنان: متزعلش يا توتي، أنت طول عمرك حنين كده، خليك جنبه دلوقتي، الفترة دي هيكون محتاجك.

رفع رأسه ونظر إليها، وقال: أيوة... هفضل جمبه.

وساد صمت ثقيل في الغرفة، لا يُسمع فيه إلا صوت احتراق السيجارة بين أصابع طه، بينما نظرات منى كانت تحمل شيئا أبعد من مجرد الشماتة.

           **********
في غرفة فريدة وإبراهيم.

جلست فريدة على الفراش، وإبراهيم كان أمامها يخلع الروب الخاص به.

تساءل إبراهيم بتعجب: مقالكيش عمل كده ليه؟

رفعت عينيها له مترددة، فهي لا تستطيع قول الحقيقة بالطبع: مرضاش يقول، أنت عارف سليم كتوم، ومبيقولش حاجة.

جلس بجانبها وقال بضيق: بس ده استتغبي عليها جامد أوي، أنا عمري ما شوفت سليم كده.

تنهدت، وقالت بصوت منخفض: هو لما بيوصل لعصبية معينة مبيبقاش عارف أصلا هو بيعمل إيه، بيبقى عامل زي الأعمى، مبيعرفش يحط كنترول، بس هو كان المفروض يتعالج يعني.

ابراهيم بحزن: ماسة صعبت عليا أوي؛ بنت رقيقة ومحترمة، واستحملت منه كتير، واستحملت من العيلة أكتر، ده جزائها؟!

صمتت للحظة، وقالت في نفسها "أنا متأكدة إنها مخانتهوش، أكيد فيه حاجة غلط، ماسة مستحيل تعمل كده "

لاحظ ابراهيم صمتها وسألها: روحتي فين يا فريدة؟

ابتسمت بخفوت: أنا معاك أهو.

إبراهيم بحنان: حاولي تتكلمي تاني معاه يا فريدة.

هزت رأسها بإيجاب"أكيد هتكلم معاه، خلينا بس نام يلا.

بدءا يستلقيان على الفراش متجاورين، لكن فريدة كانت متأكدة من أن هناك شيئا غريبا يحدث، شعرت بأن هناك لعبة ما، لكنها لم تعرف كيف تتأكد، كانت تعرف في قرارة نفسها أن ماسة مستحيل أن تخون.
❤️________________بقلمي ليلةعادل 

على إتجاه آخر عند ماسة.

كانت تجلس فوق الفراش، تتابع مايحدث عبر هاتفها، وعيناها تلمعان بمرح واضح، فقد كانت تستمتع بالعرض وكأنها تشاهد مسرحية أعدت خصيصا لها.

تمتمت وهي تضحك بخفة: يخرب عقلك يا سالوملوم! والله لو اشتغلت ممثل هتقعد نص الممثلين في البيت! كنت مخبي المواهب دي كلها فين؟

أغلقت الهاتف وهي تبتسم، ثم نظرت حولها بشفاه ممدودة في تفكير طفولي: طب أنا دلوقتي نفسي في كوباية نسكافيه، يا رب ألاقي.

تحركت بخفة نحو ركن ماكينة القهوة، وما إن وجدت علب القهوة والنسكافيه والشاي وبعض الأكواب وكاتل، حتى اتسعت ابتسامتها: هو ده الكلام!

وبدأت تعد كوبها بهدوء، وتدندن كأن شيئا لم يحدث قبل قليل.

وعلى اتجاهٍ آخر...

أغلق سليم باب غرفته بالمفتاح وتركه به، ثم خرج إلى الشرفة، نظر إلى السور، تسلقه بحذر، وبدأ يتحرك بخفة ويقفز بين الشرفات، قبل أن يقفز إلى شرفتها في حركة سريعة معتادا عليها.

فتح درفة الشرفة فجأة ودخل، فانتفضت ماسة فزعة: عاااا حرااامي!

وضع يده على شفتيه سريعا وهو يقترب: هششش، وطي صوتك!

همست وهي تضع يدها على صدرها: سليم! أنت بتعمل إيه؟!

ابتسم بخبث وهو يقترب: هقعد معاكي، أنتِ صدقتي إني هسيبك لوحدك بجد ولا ايه؟ ثم غمز لها

تبسمت بدلال وهي تلف يدها حول رقبته: طب وأفرض حد جه؟

تحرك صوب الباب، أغلقه بالمفتاح تركه به، ثم اقترب منها مرة أخرى، وقال ببساطة: أول ما الباب يخبط، عقبال مافتحي اكون نطيت وأرجع قبل ما يلاحظوا، سهلة.

ضحكت بخفة وهزت رأسها: أنت مجنون!

ثم ضمته سريعا: بس لا، جامد المشهد إللي عملناه

اومأ برأسه وهو يقول: أحنا طلعنا جامدين أوي.

سألته وهي تشير بيدها نحو المكنة: إنت إللي عملت كل ده؟

هز رأسه بإيجاب: أيوه، خليت سحر تجيبهملك امبارح بالليل والقصر فاضي؛ كان عندهم عشاء عمل، فاستغليت الفرصه، وقولتلها تجيبلك ماكينة قهوة وكاتل وحاجات تانية وتحطهم في شنطه، كأني باعتها تجيبلي حاجه من الأوضة.

وأشار للثلاجة الصغيرة: حتى البار مليان شوكولاتة وحاجات حلوة، عارفك متعرفيش تقعدي من غير ما بوقك يلعب

اتسعت عيناها بدهشة: أيوه كده! اهو كده الواحد يمثل بنفس بقى، أصل الصراحة حوار الأكل ده كان مسببلي أرق.

اقترب، وأخذ منها الكوب قبل أن ترتشف: متخافيش، مش هجوعك، ولا هسيبك دقيقة.

نظرت له نظرة ممتنة، وهدأت ملامحها تماما، وكأن مجرد وجوده بجوارها حتى لو قفز من شرفة لأخرى كاف ليجعل العالم كله أهدأ.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة