رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والعشرون 27 ج 3 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والعشرون 27 ج 3 
بقلم ليله عادل



3:00 مساء بتوقيت ميامي

الكوخ

كانت مي تجلس على الأريكة، تتحدث في الهاتف بيد مرتجفة، بينما جلس رشدي بجانبها ينظر إليها باستغراب وقلق، كانت ملامحها مشدودة، وعيناها تلمعان بالدموع، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة واضحة.

مي، بصوت مرتعش يكاد يختنق: إزاي يعني؟ إزاي محدش يقولي إن بابا تعبان؟! إزاي بجد؟!

أتاها صوت شقيقها حازم من الجهة الأخرى، محاولا تهدئتها: يا بنتي، بابا الحمد لله كويس، ده شوية تعب بساط؛ جاله التهاب رئوي واتحجز في المستشفى بس خرج وبقي كويس أهدي، إحنا مرضناش نقولك علشان منقلقكيش وأنتِ في شهر العسل. 

انتفضت من مكانها، ودموعها انسابت على خديها: أهدى إيه يا حازم؟! إزاي بابا يكون عيان طول الفترة دي وأنا معرفش؟ شهر عسل إيه وزفت إيه؟!

حازم، بنبرة متماسكة: اسمعي الكلام يا مي، بابا الحمد لله كويس، وخرج امبارح، وبقي كويس.

قالت بقلق، ومازالت الدموع تلمع في عيونها: طب ادهوني أكلمه.

حازم: طيب، ثواني

انتظرت للحظه ثم جاءها صوت راشد بنبرة متعبة حاول أن يخفيها:  عاملة مشاكل ليه مي؟

ارتعش صوتها فور أن سمعته: بابا حبيبي، عامل إيه؟ طمني عليكي.

راشد بهدوء مرهق: يا حبيبتي أنا بخير.

هزت رأسها بعنف وكأنه يراها: لأ، أنت مش بخير، صوتك تعبان.

تنهد بخفة: والله كويس، اطمني، عاملة إيه في شهر العسل؟ ورشدي عامل إيه معاكي؟ مبسوطه؟

أغمضت عينيها، ومسحت دموعها بطرف يدها: سيبك مني، طمني عليك أنت، أنت كويس بجد؟ متكدبش عليا.

أجابها بهدوء: والله كويس، دول شويه تعب بساط

ردت بقرار، والقلق ينهش قلبها: أنا هنزل مصر.

قال راشد بحزم: لأ، خليكي مع جوزك.

رفعت رأسها بعناد: لا أنا هنزل مصر بكرة، اخدت القرار خلاص، مش هقدر اقعد هنا وانت تعبان، خد بالك من نفسك بالله عليك.

ابتسم راشد رغم تعبه: عنيدة زي أمك…

ارتجف صوتها قليلا: أنا بس عايزة أطمن، واشوفك قصاد عيني علشان قلبي يهدى ويرتاح، خد بالك من نفسك ها 

راشد بتنهيدة: حاضر، وأنتِ كمان خدى بالك من نفسك، سلامي لرشدي، سلام.

مي بعينين ترقرق بالدموع: سلام.

أغلقت الهاتف، ظل رشدي ينظر إليها بتأثر، نهض واقترب منها قليلا، ومد يده يمسح برفق على ظهرها: اهدي بقى، اهو رد عليكي بنفسه اهو.

ردت من بين دموعها: بس صوته تعبان اوي.

انهارت دموعها أكثر، وجلست من جديد وهي تمسك رأسها بكفيها، جلس رشدي بجانبها مباشرة، وأحاط كتفيها بذراعه، يمسح على ظهرها بحنان: اهدي بقي، متعيطيش، إن شاء الله هيكون كويس، انتِ بس اللى طلعتي دراما كوين..

نظرت له، وقالت بصوت باكي: أنا قلبي كان حاسس، والله العظيم كان قلبي حاسس، وأنت قعدت تقولي إني بتوهم.

أمسكت يديه بقوة كأنها تستمد منه ثباتها، وقالت برجاء: رشدي، بالله عليك خلينا نرجع القاهرة، محتاجة اطمن قلبي اكتر، وحياتي.

رد دون تردد: بس كدة، ننزل حالا، بس أهدى.

أخرج هاتفه سريعا، وأجرى اتصالا: لو سمحت، عايز أحجز أول طيارة نازلة مصر، ميهمنيش إمتى، أول رحلة، احجزلي تذكرتين VIP، بكره؟ تمام مفيش مشكلة..

أغلق الهاتف، نظر لها ليطمئنها: خلاص يا ستي، حجزت تذكرتين، مفيش طيارة دلوقتي، أول واحدة بكرة الصبح.

مسحت دموعها: ماشي.

ثم هزت رأسها بعصبية وقلق: أنا مش هعرف أنام لحد بكرة... 

مسح على شعرها برفق: لا، هتنامي ونرتاح شوية، علشان تقدري تقعدي مع بابا مركزه، مش بين الوعي ولا وعي.

رفعت عينيها نحوة لا تستطيع الابتسامة حتى، ثم
انحدرت دموعها في صمت، تسقط واحدة تلو الأخرى على وجنتيها المرتجفتين.

تنهد رشدي، وشعر أن هذا الوقت لا يتناسب معه المزاح، فمد ذراعه وراح يمسح على ظهرها ببطء وهدوء، محاولا بث الطمأنينة في قلبها: اهدي يا مي، إن شاء الله هنوصل ونلاقيه كويس، ويزعقلك كمان إنك قلبتي الدنيا عليه.

أغمضت عينيها، واستندت برأسها إلى صدره، لكن دموعها لم تتوقف، وهمست بصوت مكسور: يا رب، بس يكون بخير.

قصر الراوي، 10:00 مساء 

غرفة طه 

كانت منى تجلس على المقعد، تحرك ساقها يمينا ويسارا بحركة لا إرادية، وعيناها تلمعان بتفكير عميق، وارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، عضت خدها من الداخل كأنها تكتم سرا لذيذا، ونظرت على الفراش، وجدت طه نائما بعمق، وتأملته طويلا، وفكرة خاطفة لمعت في رأسها، جعلت ابتسامتها تتسع أكثر.

نهضت ببطء، وتحركت بخفة حتى لا تصدر صوتا، فتحت الباب بهدوء، ثم خرجت دون أن تلتفت خلفها، واتجهت إلى الدرج، هبطت درجاته وقلبها يخفق بإيقاع خطة توشك أن تغير كل شيء.

مكتب عزت

كان عزت وفايزة لا يزالان جالسان يتحدثان عما حدث.

فايزة بقرار: عموما أنا بكرة هتكلم معاها.

ضيق عينه متسائلا باستغراب: هتتكلمي هتقولي إيه؟

وقبل أن تجيب، طرق الباب ودخلت منى بابتسامة ذات معنى: مساء الخير يا هانم، مساء الخير يا باشا.

نظر لها عزت باستغراب، بينما قالت فايزة بحدة: خير؟

تنهدت وجلست أمامهما، وضعت ساقا فوق الأخرى، تعبث بهاتفها كأنه لعبة: مفيش، طه نام.

فايزة بسخرية لاذعة: وأنتِ منمتيش ليه؟

ابتسمت منى بخبث: هو في حد بينام الساعة عشرة غير الكتاكيت؟ ده لسه بدري أوي، وبعدين حد ينام ويضيع اللي حصل من شوية ده؟ الحاجات دي يتحاكي بيها لسنين قدام.

ضيق عزت عينيه متسألا، وهو يمعن النظر في ملامحها وكأنه يحاول فهمها: يتحاكي بيها ليه؟

منى بهدوء مستفز: طبيعي يا باشا بعد الحب الكبير العظيم بين سليم وماسة، أقصد الخدامة اللي جابها من مزرعة منصور، وعملها هانم علينا كلنا..

قاطعها فايزة بحده قاتل: عملها هانم عليكي أنتِ، لكن عمره ماعملها هانم علينا.

ضحكت منى باعتراض مستفزه: لا عملها، وكان بيعشقها، بس سبحان الله، فجأة جت مضروبة عقله موت، وحاول يقتلها كمان!! غريبه!!

ضيقت عينيها بنبرة لازعه: ايه الغريب في كدة؟!

صمتت منى للحظة، وهي تحدق أمامها، تلعب بخصلات شعرها بطريقة شيطانية، ثم مدت وجهها نحو فايزة بنفس الوتيرة الغريبة والمثيرة للريبة تابعت: لا غريبة، وغريبه جدا كمان يا فايزة هانم.

أخذت فايزة نفسا عميقا، بشدة ومراوغه: أكيد طه قاللك، هو بيعرف يخبي عليكي حاجه، طبيعي يعمل اللي عمله بعد اللي عرفه.

ضحكت منى بخبث، وما زالت تلعب في شعرها، فهمت أن فايزه تراوغ، فقالت: فعلا، بصراحة لعبتوها صح أوى، وسليم يا حرام شربها.

تصلبت ملامح فايزة وشعرت أن هناك شئ كبير خلف كلماتها: تقصدي إيه؟

سندت منى ظهرها على ظهر المقعد، ورفعت عينيها للأعلى وقالت بهدوء: إنكم دبرتوا الموضوع لماسة.

اهتزت فايزة لوهلة، وكذلك عزت، لكن الأخير انتصب واقفا، وهو يهتف بحدة: ايه اللي انتِ بتقوليه ده، انتِ اتجننتي؟

ابتسمت منى ابتسامة جانبيه: تؤ، بقول الحقيقة يا باشا؟!

قال عزت بحدة: منى المراوغة دي مش أسلوبك، هاتي من الآخر عايزة ايه؟!

رفعت عينيها للأعلى، ثم نظرت إليه وهي لا تزال جالسة في مكانها، كأنها تهيمن على الموقف، كأن اللعبة كلها باتت بين يديها، وتتحكم في قوتها. 

قالت بنبرة حازمة ومليئة بالثقة: يعجبني فيك ذكاءك يا باشا، أنا سمعتكم من من يوم ما اجتمعتوا هنا وعماد قال فكرته، وأنتوا وافقتوا عليها.

سقط الصمت ثقيلا، واقترب منها عزت وهو يصيح بحدة: عايزة إيه يا مني؟

رفعت عينيها بثبات: مراد ياخد نسبة في المجموعة، حتى لو 1%، بس تبقى باسمه، ويبقى ليه مكتب وصلاحيات.

فايزة بسخرية: ما هو بيشتغل في المجموعة.

هزت منى رأسها: بيجي موظف، كأنه بيتدرب، أنا عايزاه ييجي مالك " أمير "

تسأل عزت ببرود خطير: ولو معملناش كده؟

هنا  زادت ابتسامتها بثقه غريبه، وتوقفت امامه وهي تقول: بسيطه هعمل كدة..

وفتحت تسجيلا في هاتفها، فانطلقت أصواتهم وهم يتحدثان عن ماسة، عن الخطة، وعن كل شي، فمنى تمتلك ادله خالصه تدينهم.

اشتعلت النيران في دم فايزة، ورفعت يدها لتصفعها،  فامسكتها منى قائلة: إيدك يا هانم، أنا مش ماسة.

عزت بصوت منخفض أشد خطورة من الصراخ: تفتكري التسجيل ده هيخوفني؟

نظرت له ببرود، وكأنها تعرف ماذا تفعل، واجابته بهدوء مريب: اممم طبعا، لأن لو جرالي خدش دبوس، كل حاجة هتوصل لسليم.

فايزة بغل: كان لازم أقطع رجلك يوم من أول يوم جيتي فيه هنا، وأنا عارفه إنك ملعونه، بس ابني أعمى.

نظرت لها منى بهدوء: مش هكون ملعونة أكتر من أب وأم فكروا يعملوا كده في مرات ابنهم.

جز عزت على اسنانه، فاللعبه اصبحت تتساقط من بين يديه، واصبح لا يستطيع الاستماع لها اكثر، فقال بانفجار: امشي من وشي الساعة دى يا مني، قبل ما أنسفك.

اومأت برأسها ببرود مستفز: بكرة مراد هيروح المجموعة، أتمنى العقد يكون جاهز، تصبحوا على خير.

قالت كلماتها وغادرت، فساد الصمت في الغرفة للحظة، ثم أمسك عزت الطفاية والقاها ارضا: أزاي سمعت؟!

فايزة بصوت مرتجف: معرفش، لازم نقتلها يا عزت.

عزت بحدة: واللي معاها؟ منعرفش حاطة التسجيلات مع مين.

فايزة بغضب وجبروت: نقتل أبوها وأخوها، نهددها.

هز رأسه: منى طماعة، ممكن تتشري، نديها فلوس ومنصب وتسكت.

فايزة بحكمه: الطماع مبيشبعش.

عزت ببرود مخيف: بس يقدر يسكت شويه، لما تديله شويه فلوس وترميهم في بقه، وبعدين ال 1% مش هيروحوا لحد غريب ده لحفيدي.

صاحت به الضجر باتساع عينيها: هتعمل لها اللي هي عايزاه!! هتفهم الحشره دي إن هي مسكانا بايديها؟!

تنهد عزت، وهو يتحرك في الغرفة ذهابا وإيابا، يشعر باختناق يطبق على صدره، مرر يده في شعره بعصبية ثم توقف فجأة وقال بصوت متحشرج: أعمل إيه؟ في حل تاني قدامك؟ لازم نسكتها، لحد ما نشوف الأول مخبية الحاجة فين.

اقترب من المكتب وأسند كفيه عليه، ملامحه متجهمة: ولحد ما نخلص من المصيبة اللي فوق، محدش يفتح الموضوع ده نهائي، بلغي صافيناز وعماد، وخليهم ياخدوا بالهم من كلامهم.

كان يحاول أن يبدو مسيطرا، لكن عينيه كانتا تفضحان قلقا يتسلل إليه لأول مرة.

أما فايزة، فظلت تنظر إليه بصمت، تدرك أن اللعبة خرجت من أيديهم، وأن منى لم تكن مجرد ورقة ضغط، بل قنبلة مؤقتة لا يعرفان متى تنفجر!!

في الفيلا التي يمكث فيها مصطفى. 10:00 مساءً 

جلس مصطفى في الحديقة، يحتسي قهوته بشرود، وعيناه تبحر في الأفكار عن حياته التي تغيرت فجأة.

وبينما هو في غارق في شروده، ظهرت آلاء واقتربت منه وهي ترتدي أسدالا، وابتسامتها الرقيقة تملأ وجهها.

آلاء برقه: مساء الخير يا دكتور.

التفت لها مصطفى، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة: مساء النور.

قالت باستحياء: ممكن أقعد مع حضرتك؟

هز رأسها بايجاب: ايوه طبعا، اتفضلي.

نظر إلى جبس ذراعها، وتساءل باهتمام: إيديك عاملة إيه دلوقتي؟

نظرت الى ذراعها، ثم نظرت اليه بابتسامة: الحمد لله، تمام

تسأل باهتمام: في حاجة نقصاكي؟

قالت وهي تبتسم بخفة: لا خالص...

ثم أضافت: وبعدين اكتشفت إن في لبس كتير، و٩٠٪ منه مقاسي، حتى ماما كل حاجاتها مقاسها مظبوط، مفيش حاجة ناقصة، كأن واحدة ست مختارة كل حاجة، وعارفة احنا محتاجين إيه.

اومأ برأسه بإيجاب ثم تساءل: طب والدواء بتاع والدتك؟

أجابته بخجل، وهي تلعب في شراشيب الاسدال بيدها: الدواء كله موجود، الحمد لله. 

صمتت للحظة، ونظرت إلي مصطفى، فشعر أنها تريد قول شيء، فمال برأسه قليلا: شكلك عايزة تقولي حاجة؟ قولي..

ابتسمت، ونظرت للأسفل بخجل، ثم التقت بعينيه، وقالت بفضول: بصراحة عايزة أعرف مين ماسة؟! أنا فهمت إن أهل جوزها عايزين يقتلوهم، وكانوا عايزين يشككوا جوزها فيها، علشان كده خطفوكم وعملوا اللى عملوه، بس أنا عايزة أفهم القصة، عرفتها ازاي؟!

رفع حاجبيه هو يقول بدهش: ايه ده؟ هو محدش حكالك عن ماسة؟

ابتسمت وهي تهز رأسها: بصراحة لا.

قال بنبرة حماسية، وهو يضع يده على فنجانه ويأخذ رشقه: أنا هحكيلك يا ستي، صلي على النبي

عدلت جلستها، وأجابت بابتسامه: عليه الصلاة والسلام.

استرسل على نفس ذات الوتيرة: كنت راجع من القاهرة في يوم ورايح إسكندرية، وأنا واقف عند الإشارة الحمراء، لقيت واحدة بتخبط على باب العربية، فتحتلها لقيت واحده بقميص النوم، قعدت في العربية وقالتلى اطلع بسرعة..

نظرت له آلاء بدهشة شديدة، لا تصدق ما تسمعه، رد على تلك نظره قائلا: ايه مش مصدقة؟

هزت رأسها موضحه: لا مش مش مصدقه؟! أنا مندهشة!

ضحك مصطفى بخفة وقال: لا ركزي معايا، لأن في أحداث جاية أكتر اندهاشا...

وبدأ يروي لها كل شيء، حتى يوم اختطافه، كانت آلاء تستمع اليه بدهشة وصمت، ولم تعلق إلا بتعليقات خفيفة، تحفظ اندهاشها واستغرابها، وفجأة طالت الجلسه، فاحضرت الخادمه العصير، وكلما غاص مصطفي في القصه، زاد لمعان عينيها من تأثرها بما تسمع..

شعرت آلاء أن شهامته وجدعنته تكبر في عينيها؛ لأنه عرض نفسه لكل تلك المخاطر من أجل فتاه لا يعرفها، فقط لينقذها..

لكنّها شعرت أن ماسة تحتل مكانا خاصا في قلبه، وأن هناك خيطا خفيا يربط روحه بها، ليس مجرد شهامة عابرة أو جدعنة عادية.

راودها سؤالا عن حقيقة مشاعره تجاه ماسة، لكنها تراجعت؛ إذ شعرت أنها أقل شأنا من أن تقتحم منطقة بهذا العمق، أو أن تطلب يقينا قد يوجعها إن جاء مخالفا لما تتمني!

وبعد أن انتهى، مسحت يدها على فخذها في حركة عفوية تعبر عن دهشتها، وقالت بتأثر صادق: بجد أنا مش عارفة أقولك إيه، أقسم بالله بعيدا عن القصة نفسها، آه طبعا قصتها تنفع مسلسل كامل، بس أنت كشخص، اللي عملته معاها ده حاجة عظيمة ونادرة في الزمن ده، والله فعلا مش لاقية كلام أقوله.

ابتسم، وحرك رأسه بخفة، وهو يشعر بأنه لم يفعل شيء: والله أنا بشوف اللي عملته ده مش حاجة فيها اندهاش كبير، ولا جدعنة زيادة، دي واحدة ربنا حطها قدامي صدفة، فكان لازم أقف معاها.

ابتسمت وقالت بلطف: شكلها بنت جدعة، أنا شوفتها، مش هي دي اللي جاتلنا الفيلا؟

أومأ بتأكيد: اه، ماسة جدعة جدا، ومحترمة، حد جميل، وإن شاء الله لما تتعرفي عليها، هتحبيها.

ذمت شفتيها بحزن: صعبان عليا جوزها كمان، أصعب حاجة في الدنيا أن حد يتعرض للي هم اتعرضوله، أنا كنت فاكرة محمود أخويا مصاص دماء، طلع بالنسبة لأهله قطة.

على ذكر محمود، نظر اليها وتساءل بانتباه: قوليلي صح، ماما وأخواتي كانوا عاملين معاكي ايه؟ في الكام يوم اللي أنا غبتهم؟

هزت رأسها بابتسامة: والله كلهم محترمين، محصلش أي حاجة، وعائشة كانت بتطلع تقعد معايا وكده، وحتى إيهاب.

نظر لها بشك متسائلا: يعني  عايزة تفهمني أن ماما كانت كويسة معاكي؟

قالت وهي تهز رأسها: والله أنا فهماه ومقدرة احساسها، أصل مش طبيعي ابنها فجأة ابنها يجيلها بواحدة ويقولها دي مراتي، أنا مش زعلانة منها.

صمتت للحظه تابعت بوجهه يملؤه الحزن: بس نفسي تفهم، إن أنا والله معملتش كده بخاطري.

اومأ برأسه قائلا: يا ستي، بكرة تفهم.

اومأت وهي تهم بالوقف: طيب، أنا هسيبك بقى، وأطلع أشوف ماما، أنا مش هنام، لو احتاجت حاجة قولي.

مصطفى: تسلمي، ما في خدامين هنا.

هزت رأسها، وتحركت خطوه، ثم توقفت وقالت: دكتور مصطفى.

نظر لها: أيوة.

قالت ونظراتها مليئة بالإعجاب والاحترام: ربنا يكتر من أمثالك ويجعل كل حاجة بتعمليها في ميزان حسناتك، بعد إذنك.

قالت كلماتها، وتحركت مبتعدة قبل أن تستمع لرده، وهي تشعر بشيء غريب يتحرك بداخلها، لكنها غير منتبه له، بينما ارتسمت على شفتي مصطفى ابتسامة هادئة، وعاد ينظر أمامه.

صعدت إلى غرفة والدتها، فوجدتها غارقة في نوم عميق، فتوجهت إلى غرفتها، خلعت الإسدال، وجلست على السرير، وأخذت تفكر في كل ما فعله مصطفى معها ومع ماسة؛ من اهتمامه بها، ونبل مشاعره وشهامته النادره، وحرصه على أن يصطحبهما معه هي ووالدتها، وكيف لم يسمح لأحد بأن يزعجهما.

ارتسمت ابتسامة على شفتيها تلقائيا، وشعرت بشيء غريب يبدأ في التكون في قلبها، دون أن تفهم ما هو بالضبط!

❤️________________بقلمي_ليلةعادل 

في صباح يوم جديد بقصر الراوي 6:00 صباحا 

غرفة ماسة وسليم

كانت ماسة مستغرقة في نوم ثقيل بجوار سليم، أنفاسهما متداخلة في سكون، وفجأة، دوى طرق متكرر على الباب.

تحركت جفونها ببطء، تحاول أن تستوعب الصوت، ضربت صدر سليم بكفها هامسة بنعاس: سليم، قوم افتح، شوف مين بيخبط كده؟ سليم الباب..

وفجاة، فتحت عينيها على اتساعهما حين تذكرت أن سليم نائم بجورها، وضعت يدها على فمها، وشهقة مكتومة خرجت منها، حتي كادت تفضح كل شيء.

بدأت تهزه بقوة هذه المرة، تضرب خده بخفة وهي تهمس بفزع: سليم! سليم قوم، لو حد شافك هنا هننفضح!

في الخارج، كان صوت فريدة يعلو مع الطرق: ماسة؟ أنتِ كويسة؟ افتحي، أنا فريدة!

  شهقت ماسة: يا نهار أسود، دي فريدة! قوم يا سليم!

فتح عينيه بتثاقل، وصوته خرج مبحوحا: في إيه يا ماسة…

ضغطت على كتفه بحدة: أختك على الباب! قوم بقى!

اعتدل فجأة بتشتت بسبب استيقاظه: إيه؟ طب أعمل إيه؟

نظرت حولها بارتباك: مش عارفة! روح أوضتك!

رد بتهكم هامس: أوضتي إزاي يعني؟ مش هعرف انط من سور لسور، هقع أنا لسه مش فايق..

عضت شفتيها: طب استخبى في الدريسنج!

أومأ سريعا، وانزلق إلى غرفة الملابس، أغلقت الباب عليه، ثم وقفت لحظة تلتقط أنفاسها.

أول ما فعلته أنها اندفعت نحو المرآة، تفحصت وجهها؛ مسحت أثر النوم، تأكدت أن المكياج ما زال ثابتا، رشت عطرا سريعا، ومشطت شعرها بأصابع مرتعشة.

ثم توجهت إلى الباب وفتحته دخلت فريدة بعينين متسائلتين: إيه يا ماسة؟ كل ده واقفة على الباب؟ 
قافلة على نفسك بالمفتاح ليه؟

أجابت بسرعة وهي تفسح لها الطريق: كنت في الحمام وقفلت عليا، أصلي خايفة سليم يجي يضربني تاني.

تغيرت ملامح فريدة، واقتربت منها تمسح على كتفها: طب تعالي احكيلي كده، إيه اللي حصل؟

جلستا على الأريكة، قالت فريدة بنبرة حائرة: فهميني بس، إيه الجنون اللي سليم قاله ده؟ أنتِ بجد خونتيه؟

صمتت ماسة لحظة، نظرت إليها من طرف عينيها، فقد حان وقت التمثيل.

بدأت ترتجف قليلا، وحاولت أن تغرق عينيها بالدموع:
بيتهمني بالخيانة وأنا والله يا فريدة ما عملت كده، أنا متربية وبخاف ربنا، مستحيل أعملها، حتى لو قلبي مبقاش فيه حاجة لسليم.

همست فريدة: أمال حصل إيه؟!

تنهدت ماسة، ثم بدأت تسرد حكايتها، تضيف إليها ما يخدم روايتها، تحدثت عن اكتئاب طويل، عن سنة كاملة كانت فيها حبيسة، عن ضرب وتهديد لأهلها، وعن خوف عاشته كل ليلة.

أضافت بصوت منكسر: هربت مرتين، وكان بيرجعني، هددني بإخواتي، حتى عمار ضربه بالنار.

شهقت فريدة: معقول؟

اومأت برأسها: امم، بس الحمد لله مجتش فيه.

واصلت حديثها، وقد أطلقت لخيالها العنان وبعد الانتهاء: والصراحة ف ال٦ شهور دول، والله غصب عني وعنه حبينا بعض، بس محصلش حاجة، لما سليم لاقاني الصراحه كان بيحاول يعني يبقى كويس معايا بس خلاص اللي جوه القلب راح يا فريده..

بلعت ريقها وأكملت: لحد ما سليم سمعني مرة وأنا بكلم سلوى وبقول إني حبيت مصطفى، اتجنن، ورجع تاني أسوأ من الأول، وضربني

ثم أضافت قصة الخطف، ورسالة المستشفى، وكيف أُخذت إلى هناك، وكيف وجدت مصطفى بجوارها، ثم قالت: أول ما خرجنا من القسم، خدنا على الفيلا وضربني أنا وهو، وقالي إنه قتله.. 

وضعت يدها على ذراعها كأنها تستعيد الألم: لما عرفت امبارح انه قتله شتمته، وقولتله هبلغ عنك، وضربته على دماغه وجريت، بس المره دي الضربه مكانتش قويه، وجابني من شعري، وضربني لحد ما جابني هنا..

نظرت إليها فريدة بذهول: أنا حاسة إني بسمع فيلم!سليم عصبي آه، بس يرجع كده تاني ليه بس؟

هزت ماسة رأسها بانكسار: معرفش…

ثم امسكت يد فريدة باستعطاف: أرجوكي يا فريدة ساعديني أهرب أنا واهلي، مش عايزة أكتر من كده.

ترددت فريدة: بس إزاي؟ هو مش هيسيبك.

اقتربت ماسة منها: أنتِ ممكن تحميني.

تنهدت فريدة بتأثر وصدق، وقالت: أنا هحاول أتكلم معاه، أنا مصدقاكي يا ماسة، مستحيل تخوني سليم، بس حوار خطفك ده، أزاي هو مشكش فيه؟

أجابت بسرعة: قولتله يحلللي حتى، بس مرضاش.

هزت فريدة رأسها بأسف: هو برضو له عذره، الوضع اللي شافك فيه صادم..

صمتت وتابعت بتفكير: أنا متأكدة، إن في حاجة مش مظبوطة....

ثم سألت فجأة: هو سليم فين؟

أجابت ماسة وهي تحاول تثبيت صوتها: معرفش، سابني هنا ومشي من امبارح..

وفي الداخل، خلف باب غرفة الملابس المغلق، كان سليم واقفا، يستمع إلى كل كلمة.. 

نهضت فريدة وقالت: طب أنا هروح أشوفه فين واتكلم معاه.

امسكتها ماسه من يديها وهمستت: بس بالله عليك يا فريدة، ما تقوليله إني حكيتلك، أحسن يضربني تاني.

اقتربت فريدة ووضعت يدها على خدها: متخافيش يا حبيبتي أنا معاكي، ومش هخلي سليم يضربك تاني.

ابتسمت ماسه بارتياح: شكرا، إنك صدقيني.

ابتسمت فريدة: طبعا لازم أصدقك، وبعدين اعملي حسابك، أنت هتنزلي تفطري معانا، يعني إيه يمنعك من الأكل والشرب، اتتجنن ده!

تراجعت ماسة للخلف بظهرها، وعيونها اتسعت وهي تشير بيديها برعب، تقول: لالا بالله عليكي يا فريدة  هيضربني تاني بالكرباك، ده علشان سحر جابتلي ساندوتش، ادها بالقلم، تخيلي عمل كده مع الست الكبيرة!

اتسعت عينا فريدة بصدمه، وهمست بذهول: للدرجه دي؟!

اومأت ماسة برأسها بإيجاب، وهي تنظر لها بخوف مصطنع..

فقالت فريدة بشدة وحسم: هتنزلي تاكلي على السفرة، ويبقى يعملك حاجة.

ماسة بتوتر ورجاء: يا فريدة…

قاطعتها فريدة بأمر لا يتقبل النقاش: مش عايزة كلمة يلا، البسي هدومك وخدي شاور لحد ما أروح أتكلم مع المجنون ده..

خرجت فريدة، وأغلقت الباب خلفها، بعد أن ربتت على شعر ماسه برفق، في تلك اللحظة اغلقت ماسة الباب بالمفتاح..

خرج سليم وهمس وهو يراقب: مشيت؟!

هزت رأسها إيجابا، فتابع مسرعا: أنا هروح أوضتي بسرعه قبل ما توصل..

هم بالتحرك لكن امسكته ماسة من كفه، وتسألت: هو كده الحراس مش هيشوفوك، وانت ماشي على السور؟

هز رأسه موضحا: لا يا حبيبتي، أنا أكيد مأمن نفسي، مكي مظبطلي الدنيا متقلقيش، المهم لازم أمشي دلوقتي قبل ما فريدة توصل.

هزت رأسها وهي تنظر له بقلق واضح: خد بالك من نفسك.

وبالفعل، خرج سليم من الشرفة بحذر، وتسلق السور بخفة وخطوات محسوبة، وهو يتفادى أي صوت قد يفضحه، كان النهار ساكنا من حوله، والهواء يحرك خصلات شعره وهو يتسلل على طول السور ويقفز من شرفه لشرفه، حتى وصل إلى غرفته، التي ترك باب شرفتها مفتوحا بالأمس.

غرفه سليم 

قفز إلى الداخل بخفة، عدل ملابسه سريعا واخذ يعبث بشعره كأنه استيقظ للتو، ثم اتجه إلى الباب وأدار المفتاح، وفتح الباب بهدوء.

وما إن فتحه حتى وجد فريدة تقف أمامه مباشرة، فقال بنبرة شبه ناعسة، وهو يفرك عينيه: إيه يا فريدة؟ إيه كل الخبط ده؟!

فريدة، وعيناها ثابتتان عليه: كنت عايزة أتكلم معاك في حاجة مهمة.

أدار وجهه قليلا متظاهرا بالإرهاق: بعدين يا فريدة، أنا دلوقتي مش فايق أتكلم مع حد.

لكنها دفعته بهدوء من كتفه، ودخلت الغرفة بثبات، ثم قالت بحسم: لا، هنتكلم.

تحركت وجلست على الأريكة، واضعة ساقا فوق الأخرى، وعيناها لا تفارقان وجهه.

تنهد ببطء، وأغمض عينيه للحظة، استعداد لفقرة التمثيل، ثم التفت إليها وتحرك نحوها بخطوات بطيئة: عايزة إيه يا فريدة؟

رفعت يدها تشير إلى المكان بجوارها: اقعد علشان نتكلم.

زفر باختناق واضح، وجلس متثاقلا بجوارها، مستندا إلى ظهر الأريكة، وقال بنبرة رسمية ساخرة: أفندم؟

مالت برأسها نحوه، وتساءلت بنبرة هادئه: ممكن تفهمني، ايه اللي حصل بالظبط؟

تنهد وقال بضجر: ما أنا قولتلك امبارح، مش لازم كل شويه أعيد وأزيد في حاجة ممكن تجرحني…

قلبت فريده وجهها وقالت بحسم، وهي تحرك إصبعها أمامه: اسمع، أنا مش هقبل منك أي كلام من اللي انت قولته امبارح، بتاع ملكيش دعوة، وخليكي في حالك، أنا سكت علشان كنت متفهمة غضبك، ومش عايزة أكبر الموضوع، لكن أنت دلوقتي هادي.

ارتسمت على شفتيه ابتسامه جانبيه بسخرية مقهورة بتمثيل متقن: مين قالك إني هادي؟! أنا جوايا نار، لو خرجت قادره تحرق الدنيا!

تسألت بحدة وهي تهز رأسها باندهاش: هو انت ازاي مصدق أن ماسة ممكن تخونك؟

رفع حاجبيه، وضغط على فكه بغضب: بقولك، شوفتها بعيني!!

مالت عليه متسائلة بغضب: شوفت ايه بعينك؟ شوفت مراتك في أوضة نوم مع واحد، وهي بتأكد انها كانت متخدره ومخطوفه! ليه معملتلهاش تحليل، هي والدكتور اللي أنت قتلته؟

عدلت جلستها، وهي تنظر إليه، وتحاول اقناعه بنبرة أكثر هدوء وعقلانية: مش يمكن يكونوا مظلومين؟ هي مش دي ماسة، تربيتك، حبيبتك؟ عشقك..

ابتلع ريقه، وهمس بمرارة: كنت مخدوع فيها..

هزت رأسها باعتراض ممزوج باليقين: لا يا سليم، أنا قلبي بيقولي إن ماسة صادقة، حتى لو قلبها حب واحد تاني، ده حاجة بتحصل غصب عن الواحد! 

اضافت بنبرة مليئه بالعتاب: وبعدين اللي انت عملته فيها اخر فترة، الصراحة يخلي أي ست مهما كانت بتحب راجل تكرهه، ازاي تعمل كده؟ ازاي يهون عليك تهددها بأهلها، وتضرب رصاص على أخوها؟

زفر بغضب، قائلا بنبرة تحملها مرارة: علشان هربت مني.

مالت عليه اكثر، لمست صدره بيدها، ولمعت عيناها بتساؤل عقلاني: طب مسألتش نفسك ليه هربت منك؟! بعد كل سنين الحب اللى كانت بينكم؟ هي هربت علشان زهقت من سلوكك في الفترة الأخيرة معاها.

أضافت بنبرة لازعه بعتاب: كام مرة قولتلك وحذرتك إن اللى بتعمله معاها غلط، الشدة الزيادة دى بتقتل اي حب، والبنت استحملت كتير بصراحه، كفاية عليها إنها استحملت حادثة ملهاش علاقة بيها، وانت عارف ومتأكد إن ورا الحادثة دي، اريك اللي قتلت أبوه. 

عض شفته السفلى، ونهض وهو يقول بشدة رجوليه: انتِ عايزاني اسامح في الخيانة يا فريدة؟

توقفت أمامه، تحدق فيه بعينين صارمتين: متسامحش، بس ارحمها، طلقها وسيبها.

رفع حاجبه بتعجب بعينين حدايتين: مش قبل ماخد حقي يا فريدة.

نظرت إليه، وقالت بنبرة ذات معنى: خد حقك من اللي خطف مراتك وحطها على سرير واحد ثاني عشان يكسرك؟! ويوهمك انها خانتك...

ارتسمت إبتسامة جانبيه ساخرة: وإنتي مصدقه العبط ده؟!

هزت رأسها بيقين: لا مش عبط، مش معقول تكدب في حكاية زي دي، وفي نسبه انك تصدق وتدور، ماسة مش بالساذجه دي، أنا مصدقاها، الموضوع ده في لعبه، أنا مش مطمنه..

تابعت بتأثر وهى تلمس ذراعه: مصدقة إنها مخانتكش يا سليم، واتخطفت فعلا.

ضحك بسخرية، وهي ينظر امامه: علشان انتِ طيبه يا فريدة، ففاكرة كل الناس طيبه زيك..

ثم زفر بضيق وهو يهز راسه: فريدة أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده، لو سمحتي، وبعد اذنك سبينى، علشان محتاج البس علشان الفطار.

هزت رأسها بأسف، وهي تزم شفتيها: طيب هسيبك على راحتك.

توقفت وتحركت مبتعده، امسكت بمقبض الباب لكنها توقفت واستدارت نحوه وقالت برجاء: دور ورا كلامها يا سليم؛ شوف الكاميرات، أنا معرفش تحليل المخدرات ممكن يفضل في دمها لحد دلوقت ولا لأ!  بس جرب، يمكن تكون صادقة، وتكون ظالمها، ويا سيدي لو اتأكدت إنها بتكذب، حط الحقيقة قدام عينيها، واعمل فيها اللي انت عايزة وقتها، بس دور، علشان متندمش بعدين!

رفع عينه ونظر لها لوهلة، خيم صمت طويل على المكان، ثم شاح بوجهه في اتجاه اخر دون أن ينطق بكلمة.

تنهدت فريدة، وهزت رأسها بأسف، وخرجت وأغلقت الباب خلفها، تحركت في الممر، وقد استقر في داخلها يقين بأن ماسة مظلومة وصادقة، وتفهمت ثقل الموقف على سليم.

هنا أخذ سليم نفسا عميقا، ونهض من مكانه، وتوجه أمام المرآة وتبسم وقال بتفاخر: آه عليك يا واد يا سلي، طلعت ممثل هايل، معلش بقى يا فريدة، مضطر.

ثم خلع قميصه واتجه إلى المرحاض.
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل 

على اتجاة اخر غرفه ماسة.

جلست ماسه على الفراش، عيناها تتنقلان بين شاشة هاتفها، بعد أن تركتها فريده وأغلقت الباب خلفها، كانت ترتدي ملابس الخروج، طرق الباب، دخل سليم وهو يرتدي بدلة أنيقة، وأغلق الباب خلفه.

توقفت حين رأته بابتسامة مشرقة: سالوملوم.

ابتسم لها بخفة وقال: أنا همشي دلوقتي، هنزل أفطر معاهم وبعدين أروح المجموعة عايزك تفضلي هنا معاهم شوية، علشان أشوف هيعملوا إيه.

رفعت حاجبها بتوتر: تفتكر ممكن مامتك تعمل فيا حاجة؟

هز رأسه مطمئنا: يعني هي ممكن تهينك أو تزعقلك كدة يعني، أنا حابب أسيبك معاهم لوحدك، أطول وقت ممكن عشان اشوف هيعملوا ايه بظبط؟ ومتخافيش، أنا هبقى متابع على التليفون كل حاجة، ومكي كمان هسيبه معاكي تحت، لو فيه أي حاجه كلميه يطلعلك.

صمت لوهله ثم قال: كمان و لو جت وكلمتك حاولي تقوليها انك محتاجه تهربي انتِ واهلك ومحتاجاها تأمن عليكم، شوفي هتقولك ايه؟!

اومأت برأسها موافقة، فتابع سليم بعينين يخرج منهم الدهاء: سيبيها هي اللي تتكلم اكتر، علشان نفهم هي عايزه منك ايه، فهماني. 

تنهد، وهزت رأسها: فهماك متقلقش عليا، وعلى فكرة، فريده قالتلي البسي وانزلي، نفطر تحت، انزل معاها ولا ايه؟

أومأ لها بصوت منخفض: اه انزلي عادي، بس طبعا لما تيجي تاخدك ارفضي، وخليها هي تلح عليكي، بعدها انزلى، وأنا لما أشوفك هتفاجئ واتعصب واشتمك، وممكن اضربك.

نظرت له بمرح قائلا: أنت استحليت الضرب ولا إيه، مشيها شتيمه بس، ضرب لا، وأياك ترتجل زى أمبارح…

هز رأسه بغلب: حاسس إني بلعب مع بنت أختي والله!

دفعته من صدره بخفه ودلال: طب يلا كراميل امشي بقى، قبل ما اختك تيجي وتقفشك تاني، وأضطر اخبيك تحت السرير المره دى.

ابتسم بسخرية خفيفة: طب استني نمثل شويه..

وفجأ صرخ بنبرة عاليه جهوره وهو يفتح الباب قليلا: أنا همشي وهروح المجموعة، لو فكرتي تعملي حاجة وأنا مش موجود، متعرفيش هيحصلك ايه؟! هعمل اللي حتى خيالك ميجبهوش.

صاحت ماسة: ربنا ينتقم منك، ومن أهلك، أنا بكرهك.

اتسعت عيناه بصدمه، وقرب وجه منها وقال بصوت هامس: لا بلاش دعاء، متفقناش على كدة!

ابتسمت بمرح: ياعم تمثيل، كمل كمل..

تنهد وتابع: وكمان بتدعي عليا يا قذرة، غوري من وشي. 

ثم تحرك واغلق الباب خلفه، بينما جلست ماسة على الفراش وهي تضحك، ظلت هكذا، تحاول أن تستعد ليومها الأول في قصر الراوي بمفردها، وفجأة، طرق الباب ودخلت فريده

فريده بلطف: يلا يا ماسة علشان ننزل نفطر.

هزت رأسها بخوف: لا مش عايزة، هيضربني.

اقتربت فريده بابتسامة وحزم: لا مش هيعملك حاجه، أنا معاكي، يلا، لازم تاكلي.

هزت رأسها عددت مرات برعب: علشان خاطري بلاش، سليم هيضربني ... 

صمتت لوهله ثم قالت: طب بصي، هاتيلي ساندوتش هنا بعد ما يمشي.

فريده بلهجة حاسمة: لا طبعا، هتنزلي تاكلي معانا، ولو حد اتكلم أنا اللي هقفله.

توقفت ماسة بتردد: علشان خاطري....

قاطعتها فريدة بحزم: قولت يلا.

سحبتها من يدها ونزلتا معا إلى السفرة.

علي السفرة 

كان الجميع جالسا على مائدة الإفطار، بما فيهم صافيناز وعماد، وفور رؤيتها، توقف سليم وتجهم وجهه قال بشدة: مين نزل الزفته دي هنا، القذرة أطلعي فوق يلاا، مش ناقصين سدت نفس على الصبح.

توقفت فريده أمامه بحزم: مش هتطلع فوق، وهتاكل معانا، مفيش حاجة اسمها تحرمها من الأكل والشرب.

سليم بغضب: اللي زيها يتحرقوا احياء، مش يقعدوا ياكلوا مع أسيادهم.

ثم نظر لماسة وقال بتهديد: اطلعي فوق احسنلك، بدل ما أنت عارفه انا ممكن اعمل فيكي ايه دلوقتي، يلا مش هعيد كلامي تاني.

كادت أن تتحرك ماسة بطاعه وعينيها تلمع بدموع زائفة، لكن فريده أمسكت يدها وقالت بشدة: والله العظيم لتقعد تاكل معانا، أنا قولتلك اللي فيها، اتاكد الأول، كده مينفعش...

ثم تابعت بشدة حاسمه: لو ماسة مقعدتش، أنا كمان مش هفطر.

قالت ماسة بخوف مصحوب برجاء: فريدة علشان خاطري خليني اطلع، أنا مش عايزة افطر.

فريده برفض قاطع: لا هتقعدي معانا، يلا يا ماسة اقعدي جنبي.

نظر لها سليم، وقال بضجر: يعني هتمشي كلامك عليا، وهتخلي واحدة زي دي تقعد تاكل معانا يا فريدة!؟

تابع باختناق وعصبيه: فريدة متضايقنيش، وخليها تمشي وتغور من وشي، انا كل ما اشوفها دمي بيتحرق.

فايزة بضجر: فريده، انا كمان مش عايزه الحشره الخدامه دي تقعد على سفرتي، انتِ أكيد مش هتمشي كلامك علينا كلنا؟ 

نظرت لها فريدة بهيمنه: لا همشي كلامي عليكم كلكم، ماسة هتقعد تفطر معانا.

ماسه برجاء ممزوج بالخوف: يا فريده، علشان خاطري، سيبيني أمشي…

فريده بأمر: هشش، هتاكلي معانا، أنا قولت كلمتي، اقسم بالله لو ما قعدت فطرت معانا، ما هفطر، ولساني مش هيخاطب لسانك يا سليم..

زفره سليم باختناق وقال من بين اسنانه: ماشي، انا هقبل وهعدي الموضوع المره دى بس علشان خاطرك يا فريدة.

ثم وجهه نظراته لماسة: وأنتِ حاضر ارجع من المجموعة بس وهوريكي، اقعدي اطفحي.

جلست ماسة وملامح الحزن والخوف ترتسم على ملامحها بتمثيل متقن،وبدأ الجميع بتناول الإفطار.

كانت هذه المرة الأولى منذ فترة طويلة التي تجلس ماسة معهم فيها، ليس فقط بعد ماحدث معها سابقا، بل منذ سنتين أو أكثر، منذ هروبها.

كان قلبها مثقلا بالغضب والحزن، ويديها ترتعشان وهي تضغط على أسنانها، وكأنها تريد أن تقتلهم، كانت تقطع الطعام بالسكينة وكأنها تتخيل أنها تغرسها في كل من أساء إليها.

كانت ترفع عينيها وتنظر إلى ملامحهم، والابتسامات تملأ وجوههم وهما يتناولون الطعام ويعيشون حياتهم بشكل عادي بعد أن سرقوا منها سنينا وخربوا حياتها ودمروها..

كانت طريقة تقطيعها للطعام بالسكين تعكس مشاعر الغضب الكامنة بداخلها.

لاحظت صافيناز ذلك، وعلقت بسخرية: إيه يا ماسة، متخيلة نفسك بتقطعي في سليم ولا إيه؟!

رشمت بعينيها بتوتر لوهله، وخافت أن يكون فضح امرها، بينما رفع سليم عينه نحو صافيناز ثم نحو ماسة التي كانت تجلس أمامه قائلا بشدة: اتعدلي واطفحي كويس، بدل ما اطلعك من غير طفح.

ثم مد قدمه من أسفل المائدة وضربها برفق على قدميها، نظرت له، فنظر لها نظرة حادة وكأنه يقول لها: خدي بالك من ملامحك، انتِ بتغلطي

ابتلعه ريقها وردت عليا بشده مريره: انا باكل كوبس، انتم اللى بتتلككولي.

فايزة باستعلاء مستفز: هنتلكك لوحده زيك ليه يا خدامه يا حشرة.

رفعت عينيها نحوها، ولم ترد، وظبت تبعث بطعامها، 
لم تستطع  الجلوس معهم أكثر على السفرة، كان بداخلها غل وغضب لم تستطع اخفاؤه، غضب لو اطلق له العنان قادر علي أن ينسف  القصر بمن فيه، توقفت فجأة، وقالت: أنا مش قادره أكل، أنا هطلع أوضتي.

فريده بحنان: أنتِ مأكلتيش حاجه، اقعدى كملي أكلك.

ماسه بهدوء: شكرا يا فريدة، أنا مش جعانه.

سليم بسخريه لازعه: أحسن، سيبها تغور في داهيه يا فريده.

تحركت ماسة نحو الأعلى، نظرت لها فايزة، ثم نظرت لسليم وقالت: أنت مستحملها أزاي بجد لحد دلوقتي؟ أنا لو منك كنت قتلتها وخلصت

اتسعت عينا فريدة بدهشه: في ايه يا مامي، ايه اللي بتقوليه ده؟

سليم بحدة: أنا مش عايز حد يتكلم في أي حاجة، ممكن تاكلوا وانتم ساكتين.

وبالفعل بدأ الجميع بتناولون الطعام، وبعد ذلك ذهبوا إلى المجموعة، ولم يبقِ في القصر سوي فايزه وصافيناز وعماد، وفريدة وزوجها.

على اتجاه آخر، في غرفة إبراهيم وفريدة.

دخلت فريدة الغرفة، كان إبراهيم يقف عند النافذة يدخن سيجارته، ويبدو علي ملامحه الضجر، اقتربت منه فريدة وأخذت حقيبتها، وهي تقول: يلا حبيبى علشان نروح المجموعه، في اجتماع مهم؟

قال إبراهيم بضيق وهو يحرك السيجارة بين أصابعه: فريده في موضوع مهم لازم نتكلم فيه.

توقفت أمامه باستغراب: الموضوع ده مينفعش يتأجل لما نرجع؟

هز رأسه بحسم: لا.

شعرت بقلق فقالت: طيب، في إيه؟

اخذ نفس عميق من سيجارته، زقال بقرار لا يحتمل النقاش: انت لازم تعملي حسابك إننا هنرجع من المجموعه على فيلا زايد.

رفعت حاجبيها بدهشة: ده ليه؟

اخرج نفسا عميقا باختناق: لأني مش هقدر أعيش انا وبناتي في الحياة دي أكتر من كده، بعد كل اللي بيحصل ده!

مدت شفتيها تحاول اقناعه: إبراهيم مش هينفع، أنا لازم أفضل هنا علشان خاطر ماسة، اديك شوفت اللي حصل.

زمجر قائلا بحسم: ما هو علشان اللي حصل واللي بيحصل، لازم نبعد، مش هقدر أعيش بناتي في الحياة المريضه دي، اختاري يا فريده بين حياتك وبناتك، وبين القصر ومشاكله.

توترت وقالت: طب ممكن بس تستنى يومين لحد ما سليم يهدى؟

قاطعها بصرامة، وهو يلوح بيده للأعلى: اقعدي براحتك لكن أنا والبنات لا، انا هخرج من المجموعه، وهروح على فيلا زايد، ده قرار ومش مسموح فيه بالمناقشه، ولو حد اتكلم، أنا ساعتها هاخد موقف حاسم مع الباشا والهانم، مش هيفضلوا طول عمرهم ممشيين حياتنا على مزاجهم!

زمت شفتيها، وقالت تحاول استعطافه: طب وماسة؟

اكتفي بنظرة صارمة، وهو يضغط على فمه: مليش علاقة، مش هقولك تاني فكري في البنات.

تنهدت ببطء، وأغمضت عينيها للحظة، تحاول جمع شتات نفسها، تعرف في أعماقها أن ما يقوله ليس اندفاعا، بل حقيقة مؤلمة.

فتحت عينيها، وقالت باستسلام: ماشي يا إبراهيم، اللى تشوفه.

فيلا عائلة ماسة، 1:00 ظهرا

جلست سلوى مع سعدية في الحديقة، يحتسون الشاي، وسلوى تلمس كوبها بخفة بينما عينها تتجول بين الأشجار.

سعدية بدهشة، وهي ترفع حاجبها: يعني اختك دلوقتي عند الملاعيين دول؟

هزت رأسها: أيوه…

ردت بلوم: كنتي روحتي معاها يابت، ازاي تسيبي اختك لوحدها؟!

ردت بتعجب: أروح أزاي بس، بقولك بيمثلوا عليهم، مينفعش اروح..

تنهدت سعدية، وتساءلت بعدم فهم: طب يعني كده هنعمل إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة؟ وقلقانه على أختك.

أجابتها مطمئنة: متخافيش، سليم معاها.

ثم تابعت بتوضح: أما بالنسبة لهنعمل ايه، فسليم هيكلمنا ويقولنا كل حاجه في وقتها.

تنهدت سعديه، وهي تنظر لأعلي: طيب، ربنا يحفظك يا بنتي، ويسترها معاكي أنتِ وجوزك، وينصركم عليهم يارب.

ثم أضافت، وهي تميل للأمام: بقول إيه يا بت انا هخلي أبوكي يكلم طارق ويتفق معاه على كتب الكتاب، على الأقل اطمن عليكي، بدل ما يبقى قلبي واكلني عليكي أنتِ واختك كده.

اتسعت عينيا سلوي، وقالت بتوتر: كتب الكتاب إيه بس في اللي إحنا فيه ده؟

ردت، عليها وهي تتكأ على الكرسي يتهكم: بت هاتي من الآخر، أنتِ ملكيش مزاج لللجوازة دي، صح؟

أشاحت بوجهها بعيدا وقالت: أنا بصراحع، عايزه أرجع لمكي…

اتسعت عينا سعدية، وقالت بسخرية لازعه: ما كان قصادنا، وبيتحايل، وقولنا لا، ايه احلو دلوقتي؟!

نظرت لها بحزن: كان غصب عني.

تسألت سعدية، وهي تقرب كوب الشاي من شفتيها: هو قالك إيه؟

رمشت بعينيها لا تسطيع أجابتها، فضغطت بيدها على فخذها بعصبية خفيفة: لسه متكلمتش معاه، مشغولين في اللي بيعملوه.

ثم نظرت إلي سعدية بعينين يلمأهما الرجاء: بصي، أنا هكلم طارق وهنهى معاها كل حاجه  مش ده اللي يهمك؟ بس والنبي يا ماما متضغطيش عليا، مش أنتِ بتحبي مكي؟

ردت، بنبرة أهدأ: آه بحبه، بس يا بنتي الراجل مش لعبة في أيدينا تعالي يجي، روح يروح؟ وطارق اللى بقالك فتره معشماه معاكي دى؟! هما لعبة في أيدك يا سلوي؟!

مدت يدها وأمسكت بيد أمها، وقبلتها برجاء، وعيناها تلمعان بدموع محبوسة: أنا هتصرف معاهم، بس والنبي يا ماما متجوزنيش واحد مش عايزاه وأنا في قلبي واحد تاني، أنا خلاص عقلت، والله عقلت.

كانت أصابعها ترتجف وهي تتشبث بكف أمها كأنها تخاف أن تسحب منها.

تنهدت سعدية بعمق، ونظرت إليها طويلا، ثم مسحت على شعرها بحنان خافت: طيب، أما نشوف آخرتها معاكي يا سلوي.

ابتسمت سلوى ابتسامة واسعة، وشعرت براحة تسري في صدرها كأن هما ثقيلا أزيح عن كتفيها، أغمضت عينيها لحظة وزفرت ببطء.

وبقي الصمت بينهما؛ صمتا هادئا، ما زال ثقيلا، لكن فيه بصيص أمل صغير.

قصر الراوي، 1:00 ظهرا.

غرفة ماسة وسليم.

جلست ماسة أمام التسريحة، تظبط مكياجها بدقة، تمرر الفرشاة على وجنتيها تتأكد أن كل شيء يبدو طبيعيا.

وفجأة، فتح الباب دون استئذان ودخلت فايزة

اتسعت عينا ماسة، واهتز جسدها للحظة قبل أن تستدير ببطء نحوها، شعرت بانقباض في صدرها، وشيء ثقيل من الضيق والكراهية يعتصر قلبها، قبضت على يديها بقوة فوق الطاولة، حتى ابيضت مفاصلها، محاولة أن تكتم غضبا لو خرج لأشعل المكان بأكمله.

أغلقت فايزة الباب خلفها بهدوء متعمد، ثم شبكت أصابعها أمامها، وأخذت تتفحص ماسة من أعلى إلى أسفل بنظرة باردة متفحصة.

رفعت ماسة ذقنها قليلا، تحاول أن تبدو متماسكة، رغم ارتجافة خفيفة في أطرافها

تسألت فايزة بنبرة قاطعه: أنا عايزة أفهم إيه اللي حصل؟!

ردت ماسة، بنبرة حادة مكتومة: ما هو سليم قالك.

تحركت فايزة في الغرفة بخطوات بطيئة متعمدة، وكأنها تفرض هيبتها في كل خطوة.

كانت عينا ماسة تتابع حركتها بحذر، حتى توقفت فجأة أمامها.

مدت فايزة وجهها، وقالت بصوت قاسي منخفض: سليم قال إنك خونتيه، وإنه جابك من حضن واحد اسمه مصطفى، وهربتي ست شهور، وكلام كتير غريب.

ارتفعت أنفاس ماسة، وشعرت بحرارة الغضب تصعد إلى وجهها، وقالت بنبرة مهتزة: كل اللي قالهولك صح، بس الحاجة الوحيدة اللي مش صح إني خونته، أنا مخنتوش، أنا اتخطفت.

تجمدت ملامح فايزة لحظة، ثم عقدت حاجبيها وتابعت كأنها لم تستمع من الأساس لآخر كلمتها: دي حاجة مكنتش أتوقعها منك يا ماسة، إنك تخوني...

تابعت بتهديد لازع: انتِ هتعيشي أسود أيام حياتك هنا، علشان فكرتي تخوني ابني، بقي واحده خدامه وحشره زيك تخون سليم الراوي؟ فاكره نفسك مين؟! ده انتِ حتت خدامه ملهاش تمن، جزمتي انضف منك.

وقفت ماسة فجأة من أمام التسريحة، واصطدمت ركبتها بالكرسي دون أن تشعر، اقتربت منها خطوة، وعيناها تلمعان بدموع مكبوتة وغضب محترق.

قالت بصوت يرتجف من القهر: أنا مخنتش! والله العظيم ما خنته!

ارتفع صدرها مع كل نفس، ويداها ترتعشان رغم محاولتها للثبات، وكأنها تحارب وحدها في معركة لا أحد يريد أن يسمع فيها الحقيقة.

أخذت نفسا عميقا، ثم رفعت رأسها فجأة، وعيناها تلمعان بتصميم غريب: بقولك إيه يا فايزة هانم، أنا عايزة أمشي من هنا، عايزة أهرب.

تراجعت فايزة نصف خطوة، ثم ضحكت بسخرية باردة، ورفعت حاجبها بازدراء:  هو أنتِ فاكرة إني ممكن أساعدك بعد ما خونتي ابني؟ يا سافله يا مجرمة.

اشتعلت عينا ماسة، وتقدمت خطوة، ويداها تنقبضان على جانبيها: أنتِ عارفة كويس أوي إني مخنتوش

ارتفعت شفتي فايزه باستغراب: وهعرف منين؟!

نظرت لها ماسة بقوة وسخط:  اصلها مش جديده عليكم، ومش بعيد تكونوا إنتوا اللي خطفتوني، وعملتوا كل ده، زي زمان لما رشدي أمر بضرب بابا بالعربية، وحطيتوا سم لسلوى، وهددتونا.

توقفت لحظة، وأنفاسها تتلاحق، ثم أضافت بإصرار: أنا عايزاكي تخرجيني من هنا، وتأمّنيني أنا وأهلي من سليم وشرة؛ ده مستحلف يقتلهم،  رشدي عرض على بابا وقت ما كنت هربانة إنه يساعدني.

تجمدت ملامح فايزة لثواني، لكن عينيها ظلتا قاسيتين: وأساعدك ليه؟ ما هو كده كده المراد هيتم، وهيقتلك.

ارتعشت شفتي ماسة، لكنها لم تتراجع، رفعت ذقنها بتحدي، رغم أن الدموع بدأت تتجمع في عينيها: صحيح المراد هيتم، وهيعذبني ويقتلني، بس...

اقتربت أكثر، وصوتها انخفض حتي صار أكثر خطورة: بس أنا هقوله، هتكلم، أنا طول السنين اللي فاتت ساكته عبشان أحمي أهلي، حتى لما هربت، ووقف قدامي وهددني بيهم، وضرب عمار بالرصاص… سكت...

ضغطت على صدرها بكفها وكأن الألم يعود إليها حيا من جديد: سكت لأني معرفش ممكن تعملوا إيه؟!

ثم رفعت عينيها مباشرة في عيني فايزة: لكن دلوقتي، معنديش حاجة أخاف عليها، هقول كل حاجة، ويمكن إحساسي يكون صح، وتكونوا إنتوا اللي خطفتوني.

انفجرت فايزة ضاحكة ضحكة قصيرة باردة، وهي تضرب بأصابعها على خشب المقعد في بلامبالاة..

مالت برأسها، وضاقت عيناها بمكر: تفتكري بقى سليم هيصدقك؟

اقتربت ماسة منها حتى كادت المسافة بينهما تختفي، وعيناها تشعان بإيمان غريب : آه هيصدق.

ابتلعت ريقها، لكن صوتها ظل ثابتا: هيصدق، علشان هو عارف إني معرفش حاجة عن تجارة الألماس والسلاح والآثار، مش ده كان شغلكم؟

وأكملت بنبرة متحدية: هيصدق، لأنه عارفني.

اندفعت فايزة فجأة، وأمسكت ماسة من شعرها بعنف، تشده بقسوة حتى ارتد رأسها إلى الخلف، وقالت، وهي تضغط على أسنانها: أنتِ بتهدديني أنا يا خدامة؟!

تأوهت ماسة، لكنها لم تصرخ، رفعت يدها وأبعدت قبضة فايزة عنها بعنف، ثم تراجعت خطوة وهي تشير بيدها بتحذير: متقربيش مني … اه بهددك!

كانت أنفاسها متقطعة، وعيناها تقدحان شررا من الألم والقهر: أنا خلاص خسرت الشخص اللي حبيته، وعرفت حقيقته، وحتى الشخص التاني اللي كنت فاكرة إنه هيكون عوض ربنا ليا، هو كمان خسرته لما ابنك قتله..

صوتها انكسر للحظة، لكنها تماسكت سريعا: أنا مش هسكت تاني، قولتلك أنا مش عايزة أي حاجة غير إني أمشي، مشيني من هنا، مش ده اللي حاربتوا عليه طول عمركم..

عقدت فايزة ذراعيها أمام صدرها، وعيناها تلمعان ببرود قاتل: أنا عايزة أخلص منك النهارده قبل بكرة.

ضحكت ماسة ضحكة قصيرة، مليئة بالمرارة، ومسحت دمعة سقطت رغما عنها: وأنا كمان والله نفس الشعور، جربت كتير، وكل مرة سليم كان بيرجعني، جربي بقى المرة دي حاجة تليق بفايزة هانم…

اقتربت خطوة، وصوتها صار أكثر حدة: أنا عارفة ومتأكدة إن إنتوا اللي ورا كل ده، إنتوا اللي خدرتوني وخدرتوا مصطفى، وحطتوني في المكان ده، أنا معنديش أعداء غيركم، إنتوا بس أعدائي..

وأكملت بإصرار: وصدقيني، هفضل طول عمري مصممة إني مخنتوش، وسليم ممكن ييجي في لحظة ويصدق مع الضغوط، ولو دور هيلاقي، أنتِ عارفة سليم كويس.

اشتعلت عينا فايزة، واقتربت حتى كادت أنفاسهما تختلط: متهددينيش يا حشرة، علشان النظرة دي أنا بكرهها، وهتجيب معايا نتيجة مش هتعجبك.

رفعت ماسة كتفيها بلا مبالاة مصطنعة، رغم ارتعاش أصابعها: يا ستي، أنا لا بهددك ولا بعمل حاجة، أنا عايزة أمشي من هنا، عايزة أمشي أنا وأهلي ونهرب ونعيش حياة بعيد عنكم، حتى لو خدامين.

صمتت لحظة، وأدركت أن فايزة لا يجدي معها التهديد، ولا ذلك الأسلوب الذي اتبعته، وأن التوسل والانكسار وإظهار الخوف هو ما قد يؤتي ثماره.

فأضافت، ودموعها تنهمر بتوسل: ارجوكي، أبوس ايدك خليني امشي أنا وأهلي، ورحمه بنتي ما خنت سليم،  اقسم بالله خطفوني، ساعديني امشي ومش هتشوفيني تاني، أنا عايزة أعيش مرتاحه أنا واهلي بعيد عنكم، ابوسك ايدك يا هانم.

ساد الصمت لحظة، ثم أدارت فايزة وجهها بعيدا، كأنها تفكر في أمر ما. 

شعرت أن ابتعاد ماسة عن القصر هو الأفضل، خاصة بعد أن قالت إنها قد تخبر سليم بما حدث، وأنه مع الضغوط قد يبحث، وإذا بحث ربما يجد ثغرات.

اخذت نفسا عميقا قبل أن تقول، بنبرة باردة: خلاص، أنا هكلم الباشا وأشوف..

ثم قالت بنظرة محذرة: بس الموضوع مش هيحصل بسهولة، واوعى تفكري تتكلمي فاهمه، اهلك لسه بين ايدنا..

فتحت الباب وخرجت، وبقيت ماسة واقفة في مكانها، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهها، تدل على أنها استطاعت إقناع فايزة، ولأول مرة تشعر بلذة كهذه.

على اتجاه اخر في  غرفة صافيناز وعماد.

جلست صافيناز وعماد وفايزة معا في الغرفة، والابتسامات تعلو وجوههم، وكاسات الخمر بين أيديهم وكأنها إشارة على انتصارهم.

صافيناز، وهي تدير الكأس بين أصابعها: يعني حضرتك خلاص مصممة؟

فايزة بثقة باردة: آه، هكلم الباشا لما يرجع، البنت دي لازم تختفي من حياتنا، ونقفل صفحتها بقي، هي دي نتيجه أفكارك  ياعماد..

قاطعها بابتسامة جانبية، قائلا بنبرة متعالية: مالها أفكاري؟ أفكاري دي هي اللي خلت سليم يعمل في ماسة اللي أنتِ شوفتيه على وشها، ويحاول يقتلها...

توقف لحظة، ثم أضاف بتباهي: وأفكاري دي هي اللي خلت سليم يقتل دكتور مصطفى.

فايزة بحدة منخفضة: بس مقتلهاش.

مد عماد وجه بهدوء بارد ممزوج بقسوة: بس كفاية اللي بيعمله فيها، هو بيكسرها واحدة واحدة، وبعدين يا فايزة هانم، اللذة اللي أنتِ شايفاها دلوقتي؛ إنه بيضربها، ويهينها، أعتقد ممتعة بالنسبة لك.

صمتت فايزة لحظة، ثم قالت بنفاد صبر: بس ماسة لسه فيها نفس، بقولك وقفت قصادي وقالتلي "هقوله"

اقتربت صافيناز من فايزة، وجلست بجوارها على الأريكة، وقالت بثقة: مامي، ماسة دي حتة عروسة بين إيدينا، ميتخافش منها، صدقيني خلاص، سليم مستحيل يصدقها في أي حاجة، دى أنا قلعتها فساتنها، وحطيت رأسها على صدر مصطفي وقلعته هدومه هو كمان، يعني مفيش مجال للشك.

عقدت فايزة حاجبيها قليلا: أنا بس خايفة فريدة وياسين يلعبوا في دماغه، فريده بتدافع عنها، دلوقتي سليم متماسك، بس لما ياسين ينزل التأثير هيكون عليه زايد وممكن يدور.

ابتسم عماد بثقة باردة وهو يرتشف من كأسه: مستحيل يا هانم، فكرتي متخرش الميه، مفيش راجل هيسامح مراته على اللي حصل مهما كانت المؤثرات، بقولك جابها من على السرير بنفسه، ومع اللي عملته صافيناز خلاص.

هزت صافيناز رأسها بإعجاب: بصراحة كانت فكرة رائعة يا عماد،  المهم لما ييجي الباشا نتكلم معاه ونخلص الموضوع ده..

صمتت لوهله وقالت بفحيح افاعي: عندي فكرة ممكن نهربها على مركب ونغرقها هي واهلها ونخلص منها للابد، قصادها احنا بنساعدها، بس في الآخر مستنيها مصير ينهيها هي واهلها، اهم حاجه ناخد الاذن من الباشا وبعد كده خلاص. 

أومأ عماد برأسه بشيطانيه: صح كده، ونخلص منها للأبد.

ساد صمت ثقيل بعد كلمته الأخيرة، لكن نظراتهم كانت مليئة بالاتفاق، وكأنهم حسموا أمرا لا رجعة.

على اتجاه آخر، في غرفة ماسة.

كانت تجلس أمام اللابتوب، تستمع لكل كلمة تقال.

اشتعلت نيران الغضب داخلها، وعيناها امتلأتا بشرار حارق، جزت على أسنانها بقوة، ثم أغلقت اللابتوب بعنف ووضعته بجانبها.

وقفت تتحرك في الغرفة كأنها أسد حبيس، والغضب يخرج من عينيها، قالت وهي تتحدث بعصبيه: إيه الناس دي؟! إيه الكره ده؟! هما إزاي كده؟! إزاي بجد؟! بتفتخر بفكرتك القذرة يا كلب؟! لا الكلاب أوفياء، يا خنزير يا قذر، بتفتخر باللي عملته فيا؟!

رفعت يدها تمسح دمعة ساخنة انحدرت رغما عنها:
إن شاء الله تعيش كل اللي اتعمل فيا في أكتر حد ممكن يوجعك ياعماد، حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنت وفايزة وصافيناز، ربنا ينتقم منكم، لازم كلكم تتحاسبوا

ضحكت بسخرية مريرة: عايزين تعملوا نفسكم بتهربوني؟! وفي الآخر تقتلوني أنا وأهلي؟! 

قبضت على يديها بقوة حتى احمرت مفاصلها: لو كنتوا قدامي، والله العظيم كنت خنقتكم كلكم! والقذرة التانية تقلعني هدومي!! ربنا ينتقم منك يا شيخه، وان شاء الله يا صافيناز تشوفي اللي اتعمل فيا فيكي.

تابعت بضعف شديد وحسرة بين دموعها: حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل.

في تلك اللحظة، رن هاتفها الاسم الظاهر على الشاشة: Aşkım.

فتحت الخط بسرعة، وصوته جاء هادئا من مكتبه: ماسة اهدي، اقفلي اللابتوب ومتتفرجيش على أي حاجة تاني غير لما أجي، ونسمع سوا.

همست بحدة: أنت سمعت اللي قالوه؟

رد بهدوء محسوب: سمعت كل حاجة، سيبك منهم، متخافيش.

تنفست بقوة وقالت بغضب وهي تتحرك بعصبي: أنا مش خايفة، بالعكس أنا بتمنى الباشا يوافق عشان يدوني التليفون اللي أنت عايز تاخد رقمه، بس أنا مخنوقه يا سليم، الحيوان اللي اسمه عماد بيتفخر باللي عمله فيا! 

توقفت وسألته بعصبيه: وبعدين أنت كدبت عليا ليه؟ ليه مقولتليش إن صافيناز قلعتني وعملت فيا كل ده؟ وإنهم نيموني جنب مصطفى على السرير وفي حضنه كمان؟! مش الكنبة زي ما قولت!

صمت لحظة، ثم قال بنبرة جادة: الكلام ده مش هينفع في التليفون.

قالت بسرعة: طب تعالى دلوقتي حالا.

تنهد: مش هينفع أجي دلوقتي حالا؟ أديني ساعتين كده وهكون عندك.

بصوت مختنق: أنا مخنوقه بجد..

قال بحزم، ورجاء: ماسة يلا اقفلي اللابتوب، متسمعيش ولا تشوفي حاجة تاني، علشان خاطري.

أجابت بصوت أهدأ: حاضر يا سليم، بس علشان خاطري ما تتأخرش عليا.

وصمتت لحظة ثم أضافت: على فكرة، مامتك كلمتني.

جاء صوته ساخرا: عشقي أنتِ ناسية إني حاطط مايكات عندك كمان؟

مسحت على وجهها بإرهاق: أيوه، مظبوط، بس أنا مخنوقة اوي يا سليم، متتأخرش

قال بنبرة أكثر ليونة: علشان خاطري تماسكي، وحياتك عندي لاجيبلك حقك منهم قدام عنيكي، بس اصبري وانتِ هتشوفي هعملك فيهم ايه..

ثم تابع بنبرة أكثر حنانا: أنا مش هتأخر عليكي، بس متسمعيش حاجة تاني… وعد؟

همست: حاضر… وعد.

أغلقت الهاتف، وأسقطته بجانبها على الفراش 

ثم جلست على الأرض، وأسندت ظهرها للحائط، وأغمضت عينيها، حاولت أن تنظم أنفاسها، شهيق طويل، زفير أبطأ.

لكن الغضب كان يتآكل داخلها كالنار تحت الرماد، ينتظر لحظة الانفجار.

مطار القاهرة، 3:00 عصرا 

خرج رشدي ومي من بوابة الوصول بخطوات سريعة، والقلق يسبق ملامحهما، كانت السيارة في انتظارهم، والحراس مصطفين بالقرب منها، جلست مي في المقعد الخلفي بجوار رشدي، بينما جلس شوقي في المقعد الأمامي بجوار السائق.

كانت أيديها متشابكتان بقوة، وركبتها تهتز بعصبية واضحة.

مي، بصوت متوتر: والنبي يا رشدي خليهم يمشوا بسرعة.

ضغط علي يدها محاولا تهدئتها: اهدي يا مي، اهدي يا حبيبتي، أنتِ من إمبارح منمتيش لحظة، وفي الطيارة  12 ساعة مغمضتيش عينك، اهدي...

نظرت له بحدة، وعيناها حمراوان من السهر والبكاء: أهدى إيه؟! أنت بتتكلم كأن اللي تعبان ده حد عادي!

رشدي، بنبرة هادئة رغم القلق: مش حد عادي طبعا، بس انتِ ممكن يحصلك حاجة من القلق ده؟ لازم تهدي، وبعدين إحنا متأكدين إنه كويس، ما هو رد عليكي وفي البيت..

أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى، تحدق في الطريق دون أن ترد، بينما دمعة جديدة تسللت من عينيها بصمت، فزفر رشدي باختناق.

وبعد قليل، توقفت السيارة أمام منزل مي.

نزلت مي قبل أن يفتح لها الحارس الباب بالكامل، وأخذت تركض إلى الداخل، ورشدي خلفها بخطوات سريعة.

وصلت الى الشقه خبطت على باب بشدة، فتحت لها تقي، واتسعت عينها بدهشة حينا رأتها: يخرب عقلك، جيتي برضو.

لكنها دفعتها وركضت نحو غرفه والدها، بينما دخل رشدي خلفها بإبتسامة مهذبه

تقي وهي تشير بيدها: ازيك يا رشدي، اتفضل، معلش هي مي لاسعه شوية.

ابتسم رشدي دون رد، وتحرك معها إلي الداخل

في غرفة راشد 

كانت راشد متمدد على فراش يبدو فى حاله أفضل، وحاتم وحازم يجلسون إلي جواره..

اقتحمت مي الغرفة، بصوت مرتجف يكاد ينكسر: بابا!

التفت اليها الجميع بصدمة.

حازم بتفاجاء: إيه ده؟! مي؟ 

ثم ضرب كفا بكف: يخرب بيت جنانك!

لم تلتفت مي لأي منهم، واندفعت نحو السرير، وانحنت على والدها تضمه ودموعها تنهمر بلا توقف: بابا حبيبي، طمني عليك، أنت كويس؟

ابتسم راشد بهدوء، وربت على يدها الممسكة بيده:
أنا كويس يا مجنونة.

في تلك اللحظة دخل رشدي وقال باحترام: مساء الخير يا جماعة، ألف سلامة عليك يا عمي.

رفع راشد عينيه إليه: الله يسلمك يا ابني.

نظر حازم إلى رشدي بلوم: إيه اللي أنت عملته ده؟ إزاي توافقها؟! طب هي مجنونة، تقوم توافقها؟

ابتسم رشدي بهدوء: كان لازم تتطمن بنفسها وتشوفه بعينها، أنت أكيد عارف أختك، مش هتبطل زن.

هز حاتم رأسه قائلا بنبرة خفيفة: والله عارفين جننها، معلش بقي بوظت عليك شهر العسل.

رشدي بلا مبالاة: عادي والله، نسافر تاني سهله، الأيام جايه كتير.

مد راشد يده ومسح على وجه مي بحنان، وهي ما 
زالت دموعها تهبط بلا توقف: خلاص يا مي، ليه كل الدموع دي؟ هزعل منك، أنا كويس اهو.

مسحت دموعها بطرف كمها، ثم انحنت تقبل يده مرة أخرى وهمست: لا متزعلش، المهم إني الحمد لله اطمنت عليك، كانت مرعوبه عليك، بجد انت كويس؟

ابتسم وقال مازحا: ما أنا زى البومب قدامك أهو..

ابتسمت وهي تحاول تهدئة نفسها: طب، إيه حصل بالضبط؟

رفع كتفه ببساطة: مفيش، الازمة اللي بتجيلي كل فترة، بس الحمد لله عدت على خير.

ربتت على صدره بحنان: الحمد لله يا حبيبي أنها عدت، وبقيت بخير.

نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحب والقلق معا، وقال برفق: أنا بخير طول ما أنتِ بخير، بس متكسريش فرحتك علشان خوفك عليا.

أجابته بابتسامة مشرقة: فداك ألف فرحة يا حبيبي.

قالت تقي لتحاول تخفف الأجواء: كفايه بقى  سلامات، بت يا مي، يلا احكلنا عملتي ايه في المالديف وميامي؟

ابتسمت مي، وبدأوا يتبادلون الاحاديث، وبدأ الجو يهدأ شيئا فشيئا.

لكن ظلت مي لبعض من الوقت ممسكة بيد والدها، لكنها لم تعد ترتجف كما كانت قبل قليل، أنفاسها انتظمت، وملامحها فقدت ذلك الشحوب الذي غزاها منذ أن علمت بخبر مرضه.

كانت تراقبه بعينيها في صمت؛ طريقة جلوسه، نبرة صوته، حتى ابتسامته الخفيفة وهو يمازح حازم، وكأنها تطمئن نفسها بالدليل القاطع أنه بخير.

ومع مرور الوقت، بدأت تعترف في داخلها أن حالته لا تستدعي كل ذلك التهويل الذي رسمته مخيلتها، نعم، هو متعب قليلا، لكن ليس كما تصورت، ليس على حافة الخطر كما أقنعت نفسها.

توقف رشدي وهو يضع فنجان القهوه: طب هستأذنكم أنا بقي، لأني راجع من السفر تعبان ومنمتش، محتاج اروح أنام شوية.

رفع راشد عينه نحوه قائلا: معلش بقى يا رشدي بوظت عليكم الهاني مون.

رشدي بهدوء: لا أبدا، مفيش أي حاجة، المهم صحتك، وأننا اطمنا عليك.

ثم التفت إلى مي: ميشو، اقعدي براحتك، ولو عايزة تباتي مع بابا مفيش مشكلة، لو هترجعي ابقي كلميني، ابعتلك السواق

هزت رأسها: لا هنام مع بابا النهارده.

هز رأسه بإيجاب: براحتك، بعد اذنكم.

غرفة سليم وماسة، 4:00 مساءً

كانت ماسه لا تزال تنظر سليم والغضب يلتف حولها كأفعى سامة، تجوب الغرفة ذهابا وإيابا، كأن الجدران تضيق بها وتطبق على أنفاسها، فمنذ أن انكشف لها أن عماد هو صاحب الفكرة، وتباهيه بما اقترفه في حقها، ومع اشتراك صافيناز في إذلالها ونزع ملابسها، وما نوا فعله لاحقا بها وبعائلتها، وكأن أرواحهم بلا قيمة لديهم!!

كان كل ذلك يؤجج في صدرها نارا لا تنطفئ، ويوقظ جراحا لم يلتئم بعد، ويعيد إلى ذاكرتها لحظات الانكسار التي حاولت طويلا دفنها، وكل ذكرى كانت كطعنة جديدة، وكل ضحكة سمعتها منهم كانت كصفعة على وجه كرامتها.

توقفت في منتصف الغرفة، وضغطت بيديها على رأسها كأنها تحاول إيقاف سيل الأفكار، لم يكن يؤلمها ما فعلوه فقط، بل استهتارهم، وشماتتهم، وحديثهم عن حياتها كأنها قطعة شطرنج تحرك، وتزال متى شاؤوا.

تنفست بعمق، لكن صدرها ظل مثقلا، وشعرت أن شيئا بداخلها تغير، وأن تلك الماسة الضعيفة التي انكسرت يوما لم تعد موجودة، وأن ما يولد الآن في أعماقها ليس مجرد غضب، بل كرها وحقدا وانتقاما أعمى.

ورغم حديث سليم معها، ووعده لها بأقتراب ساعة الانتقام، لم تعرف السكينة طريقا إلى قلبها؛ بل شعرت بثقل واختناق يضيق به صدرها، حتى كادت أنفاسها تنقطع

توجهت إلى الشرفة، ووقفت هناك تحاول أن تستجمع أنفاسها؛ عل شيئا من السكينة يتسرب إلى صدرها..

لكنها ما إن رفعت بصرها حتى تجمدت، حين وقعت عيناها على عماد، واقفا في الحديقة، يتحدث عبر هاتفه ويضحك، وفي يده كأس من الخمر يلوح به في استهتار.

امتعض وجهها لحظة، واشتد فكها حتى جزت على أسنانها.

تدفقت إلى ذاكرتها الأيام الماضية التي عاشتها مذعورة مكسورة، تذكرت لحظات دموعها، وانكسارها، ووقوفها على شفا تهمة تمس شرفها…

وهو صاحب الفكرة القذرة، يقف الآن ضاحكا، كأن شيئا لم يحدث وهو يمضي في حياته مطمئنا، وهي تحترق ببطء!؟

استنشقت نفسا عميقا محاولة استعداء بعض الهدوء، غير أن النار في صدرها ازدادت اشتعالا وفي لحظة خاطفة تغيرت عيناها، وحدة غريبة تسللت إليهما، حدة لا تشبهها... لا تشبه ماسة التي يعرفها الجميع.

ثم اندفعت خارج الغرفة، وكأن قوة خفية تدفعها إلى قدر لا عودة منه.

اندفعت إلي المصعد، وضغطت الزر بأنامل مرتجفة، ثم هبطت إلى الطابق الأول.

كانت الردهة شبه خالية، يلفها سكون ثقيل لا يقطعه سوى وقع خطواتها المتسارعة.

وأثناء عبورها، لمحت إحدى الخادمات تدفع عربة تعلوها صحون زجاجية.

توارت سريعا خلف عمود قريب، تحبس أنفاسها، توقفت الخادمة لحظة، ثم ابتعدت لتجلب شيئا نسيته.

عندها لمحت سكينا موضوعة على طرف العربة، فتقدمت بخطوات حذرة وسريعة، والتقطتها في لحظة خاطفة، ثم اندفعت دون تردد نحو الحديقة، بخطوات متسارعة وثابتة، كقضاء لا رجعة فيه.

كانت تمسك السكين بيد مرتجفة، لكن قبضتها عليها كانت قوية لدرجة أن عروقها برزت تحت جلدها، وعيناها لم تكونا عاديتين؛ كانتا مشتعلتين، وممتلئتين بسنوات من القهر والغضب والخذلان.

ومع كل خطوه تخطوها، كانت عيناها تزدادان قسوة وحدة، والقرار استقر في داخلها بلا رجعة: ستقتل عماد وتأخذ حق شرفها الذي حاول أن يدنسه بيدها، ستغسله بدمه

كل خطوة كانت تحمل ذكرى…وكل نفس يخرج منها كان مشبعا بالألم، قبضت علي السكين في وضع الهجوم و...
استووووب
ياتري ماسة هتقتل عماد بجد؟! توقعتكم
نتقابل بعد العيد رمضان كريم عليكم.
رجاء محدش ينسى يضغط على النجمه عشان تساعده روايه تنشهر وتستمر على الوتباد



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة