
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم ليله عادل
{ بعض القلوب لا تموت من الغدر، بل تتعلم كيف تعود، أقسى من قبل.}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل الثامن والعشرين🤫♥️
[بعنوان:صحوة قلب ميت ]
بدأت ماسة تقترب من عماد، والسكين بين يديها في وضع الهجوم، خطواتها بطيئة لكنها حاسمة، بقرار لا يعرف الرجعة.
كانت على بعد خطوات منه، وفجأة وقف أمامها جسد فصل بينها وبين هدفها "سليم"
الذي جاء منذ لحظات، فوجد السكون يخيم علي المكان بشكل مريب، تحرك متجها نحو الدرج، لكنه توقف حين لمح ماسة تتسلل من باب الزجاجي المؤدي إلى الحديقة، عقد حاجبيه باستغراب، وتراجع خطوة إلى الخلف، ثم تحرك خلفها بحذر، وحين لمح السكين بين يديها، اتسعت عيناه بصدمة، وأسرع يعترض طريقها ...
تجمدت ماسة في مكانها، وبرقت عيناها بدهشة، أما سليم فحدق فيها مصدوما مما كانت تنوي فعله.
لم ينطق بكلمة فقط نظر إليها نظرة حادة، ومد يده بسرعة، وأمسك بنصل السكين من جهته، غير عابئ بالحدة التي قد تجرحه، حاول أن يسحب السكين، وعيناه مشتعلتان بالغضب، لكنها تشبثت بها
بعينين حادتين تحملان غضبا وانتقاما لا يعرفان مثيلا..
ضغط سليم أكثر على حد السكين وهو يشدها من بين يدها، وفي لحظة، انغرز النصل في راحة يده، وقطرة دم حمراء تسللت ببطء على حافة النصل، لكن سليم لم يتركها
رفع عينيه إليها، بنظرة حادة كأنه يقول دون كلمات: سيبي السكينة، مش هينفع.
أما ماسة فحدقت فيه بضيق واضح، نظرة ممتلئة بالضجر والغضب والرفض، شدت قبضتها أكثر، ترفض أن يتدخل بينها وبين ما قررت فعله.
دارت بينهم حرب من النظرات دون كلمات فقط أنفاس متقطعة، وصوت احتكاك المعدن المرتجف بين قبضتيهما...
مرت ثواني، هي تشد وهو يشد، وعيونهما تقول كل شيء، كانت لحظات لكنها مرت كدهر كامل.
في تلك اللحظة، التفت عماد على الحركة، وقد انتبه أخيرا لما يحدث.
لكن سليم لمح ظله يتحرك من طرف عينه، فخرج صوته فجأة حادا: كمان عايزة تقتليني؟! هي وصلت لكده؟!
وفجأة رفع يده وصفعها، فتجمدت ماسة عند كلماته.
اقترب عماد يتساءل بذهول: في إيه يا سليم؟!
صرخ وهو يشد السكينه من بين يدها بقوة:
سيبي السكينة! بقولك سيبي!
دفع يدها بقوة، فسقطت السكين على الأرض.
قبض على ذراعها بقسوة انفعالية، وصاح بصوت يرتجف من الصدمة: عايزة تقتليني يا واطية؟! امشي قدامي!
لم تتحدث ماسة، فقط تنظر له بعينان متسعتان، وكأنها خرجت لتوها من غيبوبة الغضب الذي تلبستها.
سحبها إلى الداخل بخطوات متسارعة، وهو يزمجر: والله لأعرفك أزاي ترفعي سكينة على سليم الراوي! نسيتي نفسك يا حقيرة؟! يلا قدامي!
في تلك الأثناء كان رشدي قد وصل القصر..
فتح باب وتقدم نحو الدرج، وحين رأى ذلك المشهد، توقف يشاهد ما يحدث بعينين متسعتين من بدهشة.
بينما جاء عماد من خلفهم مذهولا.
التقت عينا رشدي بعماد، في سؤال صامت عالق بينهما: ماذا يحدث هنا؟
ثم رفع رشدي نظره إلى الأعلى، حيث كان سليم يسحب ماسة على الدرج بعنف وهو يصرخ ويتوعد لها، بينما بدأ الجميع يخرجون على صوته المرتفع.
خرجت فايزة من المكتب، وتبعتها صافيناز.
أما فريدة وإبراهيم فخرجا من غرفة المعيشة، ووقفوا جميعا يشاهدون ما يحدث، والذهول يسيطر على وجوههم، حتى سمعوا صوت إغلاق الباب في الأعلى.
فايزة بعدم فهم: في إيه؟
عماد وهو لايزال مذهولا: ماسة كانت ماسكة سكينة، وكانت عايزة تقتل سليم.
نظر رشدي اليه، وقال بصدمة: نعم؟! أنت بتقول إيه؟!
في نفس اللحظه نظر إبراهيم إلى فريدة، وقال بحزم: فريدة إحنا هنمشي حالا، أنا مش هقعد ثانية واحدة في القصر ده.
قال كلماته وتحرك، بينما وزع رشدي نظراته بينهم وهو يتساءل بحدة: أنا عايز أفهم في إيه! حد يفهمني!
تابع بنبرة ساخرة: ايه الفجوة الزمنية اللى وقعت فيها دى، أنا على حد علمي غبت عشر أيام مش عشر سنين؟!ماسة جت هنا أزاي؟! وتقتل سليم ليه؟! أنا مش فاهم حاجة!
نظرت إليه فايزة، وقالت بهدوء حاسم: مش هنا، تعالي نتكلم في المكتب.
أنهت كلماتها وتحركت نحو المكتب، لحق بها عماد وصافيناز بينما ظل رشدي واقفا للحظات في مكانه، يحاول أن يستوعب، ثم رفع عينيه نحو الدرج مرة أخرى، وتنهد ببطء قبل أن يتحرك هو الآخر نحو المكتب.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
في المكتب.
جلست فايزة على المقعد، تضع قدما فوق الأخرى، بينما جلست صافيناز على الأريكة، ووقف عماد بجانبها، وعيناه تراقبان الباب.
دخل رشدي وأغلق الباب خلفه، لم ينتظر لحظة، وسأل مباشرة: أنا عايز أفهم بقى أية الحكاية؟
ابتسمت فايزة ابتسامة جانبيه، وقالت بهدوء: مفيش، كل اللي نفسنا فيه يحصل من زمان، أهو حصل.
ضيق رشدي عينه متسائلا بعدم فهم: مش فاهم برضو عملتوا ايه؟!
صافيناز بضيق: استنى بس يا رشدي، قبل ماتفهم في حاجة مهمه لازم نفهمها...
وجهه نظراتها الى عماد وتساءلت: أنت متأكد يا عماد إنك شوفت ماسة بتحاول تقتل سليم؟!
أجاب بثقة: أيوه أنا كنت واقف في الجنينه بعمل مكالمة، وفجأة سمعت صوت سليم عالي، ولما قربت لقيته بيحاول ياخد السكينة من إيديها.
مرر رشدي يده في شعره بعصبية: أنا هفضل أسأل كتير، في إيه؟
عماد ببساطة ممزوجه بسخرية: مفيش يا سيدي، كان عندي فكرة، إننا نخلي سليم يشك في سلوك ماسة؟
ضيق رشدي عينيه بتساءل: أزاى؟!
تابع عماد وكأنه يحكي شيئا عاديا: زي ماسمعت، فكرت إن سليم لو شك في سلوك ماسة ووقتها هيقتلها بنفسه وساعتها الحكايه تخلص..
كان رشدي ينظر إليه بعدم فهم، وعيناه تمتلئان بالاستيعاب المتردد، فأومأ عماد برأسه ردا على نظراته: أنا هفهمك الحكاية من الأول.
توقف لحظة، ثم تابع: الحكاية بدأت لما بعت لسليم صور لماسة وهي مع مصطفى.
علي اتجاه آخر، عند سليم وماسة
وقفا سليم وماسة أمام بعضهما، والغضب يمتلكهما، لكن حاول سليم خفض صوته حتى لا يسمع أحد مايحدث.
سليم بغضب معاتب: إيه اللي كنتي هتعمليه ده، أنتِ اتجنتتي يا ماسة؟! كنتي هتبوظي كل اللى عملناه بتهورك ده؟
نظرت له، والغضب يشتعل في عينيها، وقالت بشدة: كنت عايزني اعمل ايه وانا سماعه وهو عامل يفتخر باللي عمله فيا هو وأختك؟ كأن إللي عمله ده عمل عظيم، لما داس على شرفي، وأختك القذرة اللي قلعتني هدومي ونيمتني في حضن راجل غريب؟ وواقفه بتضحك ومبسوطة بنجاح خطتها القذرة...
تابعت بانين وانكسار وهي تشير نحو نفسها: بتضحك على إللي عملته فيا...
واصلت وهي تجز على اسنانها بكراهيه: انا لو عليا، كنت دخلت إيدي جوه قلبها وعصرته ورميته للكلاب، بس الكلاب هتقرف تاكل منها ! لازم اقتله، انا شوفته قصاد عيني بيضحك، عارف يعني ايه بيضحك وفرحانه أن دي فكرته ونجحت؟!
ثم صرخت بنبرة مبحوحه بغضب: بعدين أنت أزاي أصلا متقوليش؟! أزاي تخبي عليا إن أختك قلعتني؟ وكل ده حصل معايا، ها؟
مد يده ليهدئها: اهدي وهفهمك.
ضربت يده بيدها المرتجفتين وهي تصرخ: أهدي! وهتفهمني؟! ايه الدم حن، هتبقي اختك القذرة على شرف مراتك..
نظر لها بتأثر، لم يعرف ماذا يقول؟! يفهم طبيعة غضبها، فتركها تفصح عن مشاعرها بصمت.
استرسلت دون توقف بدموع ووجع: متقوليش أهدي! مش ههدى! مش هفضل ساكته وأنا شايفه القذر اللي اسمه عماد عايش بيتنفس ويضحك وأنا حياتي اتدمرت! عشت أيام خايفة أخرج من الأوضة، خايفة اتحرك، وهو بياكل ويشرب وعايش حياته عادي، وأنا كده!
تنهد وهو ينظر داخل عينيها بعينين توعدها: وأنا قولتلك هجيبلك حقك...
تابع بضجر: كنتي عايزاني أقولك إيه؟ وأقولك إزاي بالحالة اللى كنتي فيها؟
تابع بعينين تشتعلان: عايزني اقولك ببساطه كده إن هما نيموكي في حضن مصطفى وقلعولكي! هقولهالك ازاي؟! ازاي يا ماسة ازاي؟!
ثم أخذ نفسا عميقا، وتابع بصوت أخف: في حاجات مينفعش تتقال، في حاجات لازم نسكت عنها ونخبيها علشان اللي بنحبه ميتجرحش، ومنتدمروش أكتر وأكتر، معرفتك مكانتش هتفيد أي حاجة غير إنك هتدمري أكتر وهتتكسري أكتر.
ردت بنبرة محشرجه: واديني عرفت.
نظر لها بثبات، وقال بوعد: وأنا مش هسيب حقك، هجيبلك حقك لحد عندك، وهتشوفي بعينك!
امسك يدها، وقال بصوت حازم وهو يركز النظر داخل عينيها: اصبري عليا، ولو حقك بالطريقة اللي هجيبهولك بيها معجبكيش، قوليلي عايزة أجيبهولك أزاي، وأنا هجيبهولك بطريقتك، ماشي؟
نظرت له بضعف، وجلست على الأريكة لا تعرف ماذا تقول، ثم انهارت بالدموع.
نظر لها بأسف لوهله ثم جلس على ركبتيه أمامها، أمسك يديها وقال وهو يقسم: ولله العظيم، هجيبلك حقك، وهكون كابوس ليهم.
رفعت عينيها إليه، والدموع تمحو ملامحها، تبادلت النظرات معه لحظة، هي بضعف ووجع، هو يحمل وعدا صادقا.
ثم أمسك رأسها وضمها إلى صدره، وربت على شعرها برفق، محاولا أن يمنحها القليل من الطمأنينة والحب وسط كل هذا الألم.
على اتجاه آخر، مكتب عزت.
كان رشدي يستمع لعماد بذهول تام، علق بدهشة: إيه اللي انت بتقوله ده؟! انتوا عملتوا كده فعلا؟ والباشا وافق؟!
أومأ عماد برأسه وكأنه لم يفعل شيء: أه وافق، والناس اللى نفذت كانت تبعه، أومال إحنا ممكن نعمل حاجة زي كده من غيره؟ ده كان سليم لقطها..
واضاف بسخرية: ده راداره مبيخيبش...
تابع، بإبتسامة واسعة وهو يعدل ياقة بتفاخر: بس ايه رأيك مش ملعوبه؟! انا خططي مبتخيبش، كش ومات الملك علطول.
هز رشدي رأسه بإيجاب بإبتسامة صغيرة مليئه بالانزعاج والاستنكار، قال مؤيدا: فعلا الأفكار الوس"خه دي، متطلعش الا منك يا عماد..
وفجأة اندفع نحوه، ولكمه بقوة حتى ترنح عماد وعاد إلى الخلف..
نهضت فايزة وصافيناز على الفور، اتجهت صافيناز نحو عماد لتطمئن عليه، بينما توقفت فايزة أمام رشدي بمنع، وهي تصيح فيه: ايه اللي بتعمله ده انت اتجننت؟؛
صرخ رشدي بانفعال: هو فيه جنان أكتر من اللى عملتوه؟!
فايزة بهدوء بارد: إيه مشكلة؟! انت أكتر واحد المفروض تكون مبسوط.
رد بغضب متعجب: أكون مبسوط بإيه؟! إنكم عريتوا ماسة ونيمتوها في حضن راجل غريب؟! ومكفاكمش كده وبس، لا كمان تبلغوا البوليس علشان يتعملها قضيه، إيه الفكرة القذرة دي؟ ده الشيطان نفسه مش هيقدر يفكر فيها!
عماد بغضب، وهو يضع يده على وجهه محل الضربة:
الفكرة القذرة دي هي اللي جابت سليم الأرض وخلتنا نرجع ماسة لجيبنا من تاني، وبعدين إيه المشكلة يعني؟ مكبرها كده ليه؟ هي هتكون أول ولا آخر ست جوزها افتكر انها ملبساه قرون.
نظر له رشدي من أعلى لأسفل باستحقار واشمئزاز: تصدق يا ياض يا عماد، أحنا ضحايا لعدم إجهاضك والله، ما هي الأشكال اللي شبهك دي، أهاليهم كان لازم يجهضوهم علشان منشوفش العينة الوسخ*ة دي!
ثم وجه نظره إلى صافيناز، وقال باحتقار: وانتِ قدرتي ازاي تقلعيها هدومها؟! دي ست زيك مهما كان إللي بينكم، دي مرات اخوكي!!! متوقعتش أنك بالقذرة والجحود ده؟!
هز رأسه بشميزاز، وهو يمرر اصابعه على جبيينه بضجر، فلم يتخيل قط أنهم يحملون تلك القذارة في عقولهم، أضاف غير مصدق: أنا مش مصدقكم، والله العظيم ما مصدقكم!
ثم وجه نظره إلى فايزة، وسألها بتعجب: بعدين مش دي ماسة يا هانم اللي كنتي بتقولي عليها محترمة؟! وأنا أشهدلها بكده، مستحيل اللعب مع سليم في موضوع الخيانه؟! ماسة بنت مؤدبه استحاله تعمل كدة.. راح فين كلامك؟ مخوفتيش حتى على شكلنا وسط الناس لو سليم مكانش لحق يلم الموضوع!؟
انتصبت صافيناز في وقفتها، وتساءلت بتعجب: أنا اللي مش قادرة أستوعب رد فعلك ده يا رشدي، بالذات بعد اللي عملته معاها زمان؟!
قطب حاجبيه وقال بنبرة لازعه: اللي عملته معاها زمان حاجة، واللي حصل دلوقتي حاجة تانية!
تابع وهو يضغط على كلماته باشمئزاز ممزوج بعدم التصدق: قضية زنا؟! وتقلعوها؟! إيه القرف ده؟!
رمقه عماد من أعلى لأسفل وهو يقول بنبرة ساخرة: والنبي بلاش الشويتين دول يا رشدي، علشان كل اللى أحنا فيه دى بسببك أصلا، مش هي مش دي ماسة اللى كنت هتغتصبها وهو جه انقذها منك؟! وكنت حاطت عينك عليها وعايز تاخدها من سليم؟!
ضحك بسخرية وهو يضيف: بلاش تعمل دور الشريف علينا عشان مش لايق عليك، واحد مغتصب وشمام زيك، مش لايق عليه جو .. ازاي .. ومينفعش، الله يرحم صفاء وغيرها.
قلب رشدي عينه وقال بنبرة رجولية من بين اسنانه: أنا بقى هعرفك المغتصب الشمام ده هيعمل فيك ايه؟!
وفجأة اندفع نحوه، ووجه له لكمة قوية جعلت رأس عماد يرتد للخلف.
صرخ عماد بغضب: أنت بتضربني يا شمام؟ طب تعالي!؟
رد الكمه وبدأ يتبادلان الضرب، حتي تحول المكان إلى فوضى، دفع... صراخ... ومحاولة من فايزة وصافيناز للفصل بينهما لكن دون جدوى
وفي تلك اللحظة انفتح الباب بعنف، ودخل عزت، وقد اتسعت عيناه بعدم استيعاب وهو يصرخ: في إيه؟! إيه اللي بيحصل هنا؟!
اندفع نحوهما سريعا وفصل بينهما بعنف وهو يهتف بغضب: بتعملوا إيه في بعض؟! أنتم اتجننتوا؟!
ابتعد رشدي، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، بينما ركضت صافيناز نحو عماد لتطمئن عليه.
صاح عزت بغضب: أنا محتاج افهم ايه اللي انتم بتعملوه في بعض ده؟!
اقترب رشدي من عزت بعينين مشتعلتين وقال: قولي انت ياباشا، إيه اللي انتم عملتوه مع ماسة ده؟!
ضيق عزت عينيه وقال بهدوء: عملنا إيه؟
رشدي بتهكم لازع: أزاي تقبل بالفكرة القذرة إللي النجس ده قالها.
تابع يتساؤل متعجب: هي ماسة دي مش اسمها على اسمنا! وده مش ابنك، مش اسمه سليم عزت عبد الله الراوي، يعني اللي كان هيحصل لها ده هيمسنا زي ما هيمس سليم بالضبط.
تابع بلوم لازع: أزاي يا باشا، يا عاقل، تقبل بالمزبله دي؟!
نظر إليه عزت من أعلى إلى أسفل باستغراب، يشعر ان الذي يقف أمامه ليس رشدي الذي يسبقه تاريخ اسود، لكنه لم يظهر أي رد فعل، وكأن كلمات رشدي لم تعني له شيئا.
تساءل بهدوء مهيمن: سيبك من موضوع ماسة، الموضوع ده انتهى خلاص، خلينا في الأهم بقى يا أستاذ، محتاج أفهم حكاية فستان فرح مراتك اللي كله كان الماظ.
صاحت صافيناز بانفعال: هو انت هتسيبه كده عادي بعد اللي عمله في عماد يا بابي؟!
نظر لها رشدي وقال بسوقيه: عايزة يعمل معايا إيه يا حربوقه؟ يعلقلى الفلكه؟
صافيناز باشمئزاز: هتفضل طول عمرك سوقي وهمجي
رشدي بسوقيه: طب ابلعي لسانك بدل موريكي السوقي ممكن يعمل فيكي ايه أنتِ كمان، أنا مش طايقك!
كادت أن ترد، ولكن سبقها عزت بحزم: خدي جوزك واخرجي دلوقتي يا صافي..
نظرت له بدهشة، فرد على تلك النظرة بحسم: يلا، اسمعي الكلام.
نظرت لرشدي بكراهيه وجزت على اسنانها ثم أمسكت عماد من يديه وخرجا معا: يلا يا حبيبي.
بينما ظل نظر عزت مثبتا على رشدي: ها، جاوبني.
رشدي بنبرة لازعه: متقلقش، مأخذتش حجر واحد من الورش.
جلس عزت على المقعد، وهز رأسه بايجاب: أنا عارف، علشان كده محتاج توضيح.
تنهد رشدي موضحا: مفيش، خدت صفقة سلاح، هو أنت فاكر إني معرفش أخلص صفقة سلاح زي كده؟ أنا رشدي الراوي برضو..
فايزة بسخرية لازعه: عرضت نفسك للخطر، وروحت جبت السلاح وبدلته بالألماظ عشان تعمل فستان لمراتك؟! طب سليم لما عملها زمان، كنا محتاجين فلوس إنما دلوقتي؟!
مد وجهه بلا مبالاه وهو يجلس على المقعد: والله مفرقتش، محتاج فلوس علشان مشكلة، محتاج أدلع مراتي، محتاج أجيب بيهم صفقة بومبم وأفرقعهم في العيد، كله كان بفلوسي وبشغلي محدش ليه دعوه، ولا حد ليه حق يقوللي عملت ايه وليه.
عزت بضجر: مفيش مشكلة، بس لما تعمل حاجة زي كده لازم تعرفني، أنت اسمك على اسمي، يعني لو كان حصلك حاجه كان هيقولوا عزت الراوي، مش رشدي الراوي!
رفع رشدي حاجبيه ينظر له باستغراب: يا سبحان الله، طب ما أنت عملت كده برضو مع ماسة ومفكرتش في اسمك، لو كانت اتسجنت كانت هتبقي فضيح لينا واسمنا هيبقي على كل لسان؟!
أجابه عزت موضحا بجمود وجبروت: أوعى تكون فاكر إني ممكن اخاطر باسم العيلة، او اني كنت هسمح إن الموضوع يتسرب ويتعرف...
تابع بشيطانيه: أنا بس كنت عايز سليم يصدق، ووجود الشرطه يخليه يصدق ويخاف على اسمه من الفضيحة، وميبقاش قدامه حل غير إنه يقتلها بإيده، لكن للأسف لحد دلوقتي لغز بالنسبالى إنه مقتلهاش، وهتفضل مصدر خطر وازعاج لينا طول ما هي معاه، حتي لو مش طايقها زى دلوقتي...
رشدي بضجر: هي مش هتتكلم، لو كانت عايزة تتكلم كانت اتكلمت من زمان، أنا اتكلمت معاها، وقولتلكم الكلام ده، بس برضو مفيش فايده.
تحركت فايزه لتجلس، وتساءلت بنبرة مستخفه: وكنا هنضمن سكوتها ازاي كان ممكن يجي عليها يوم وتتكلم؟!
رشدي بحده: تمام، بس كان في ألف طريقة علشان نضمن سكوتها إلا دي!
مالت فايزة براسها قليلا قالت بتعجب: أنا مش فاهمة، أنت ايه مشكلتك؟ وفعلا عماد عنده حق، ده مش أنت؟! لو كان سليم كنت فهمت، لكن أنت؟
أكمل عزت على حديثها ساخرا: واضح إن مي غيرت فيك كتير، بس الصراحه مكنتش اتوقع التغير، يوصل للمستوه ده.
ابتسمت فايزة بسخرية، وأضافت على حديث عزت: ولا تكون لسه حاطط عينك على ماسة، وبتحبها؟ وزعلان على اللي حصلها؟
ضحك رشدي بسخرية مرة: أنا فعلا ممكن أكون كنت حاطط عيني على ماسة زمان، وممكن اكون وسخ وعملت كل حاجة غلط، ومسبتش حاجة حرام إلا وعملتها، بس مش عديم الشرف والكرامة للدرجة دي، اللي إنتو عملتوه عدى كل الحدود، لازم تفهموا إن اللي حصل ده كان غلط.
عزت ببرود حاسم: وأنا قولتلك، اللي حصل حصل الموضوع انتهى، ملكش دعوة، خليك في مراتك، وفي مشروعك وبس،واقف اتفرج من سكات.
تنهد رشدي، وقد أدرك أن الحديث معهم أو عتابهم لن يجدي نفعا، فقلوبهم صارت سوداء كالفحم: ماشي يا باشا، أنا عارف مهما اتكلمت مش هنوصل لنقطه، عموما أتمنى القرف ده ميوصلش لمي، ولو عملتوا حاجه مقرفه تاني مع ماسة هتزعلوا، كفاية أوى القرف اللى حصل.
ثم تحرك وغادر المكان، نظرت فايزة إلي مغادرته، وقالت بدهشة: أنا مش مصدقة إنه ضرب عماد! وزعلانه على ماسة و كل اللي بيعمله ده!!
عزت بتفكير: رشدي بقى لغز زي سليم، مش فاهم في ايه؟!
فايزة وهي تضع قدم فوق قدم: صحيح ماسة حاولت تقتل سليم من شوية.
التفت اليها بسرعة وصدمه: إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟!
فايزة بتوضح: عماد شافها، كانت ماسكة سكينة، وسليم شدها منها وضربها.
تنهد وهو يفك اول أزرار من قميصه باختناق: أنا مستني اللحظة اللي ييجي فيها يقول إنه قتلها، ونخلص بقى من الكابوس ده.
فايزه بتوضيح: صحيح هي عايزة تهرب، وهددتني لو مساعدناهاش، هتتكلم...
نظر لها بصدمه، فردت على نظراته على نفس ذات الوتيرة: صافيناز قالت فكرة عجبتني، أننا نهربها هي وأهلها في سفينة مثلا وبعد كده نغرقها قضاء وقدر، وننهي القصة دي خالص.
نظر لها عزت قليلا بتفكير ثم قال: هتعرفي تهربيها؟
ابتسمت ابتسامة ثقه: هنهربها سوا يا عزت، عماد بكرة هيجيب تليفون ورقم جديد، هديهولها عشان نتواصل بيه مع بعض.
هز رأسه وقال بهدوء: تمام.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
عند سليم وماسة.
كانت ماسة ماتزال تبكي بين ذراعية، ظل يربت على ظهرها بصمت، حتى هدأت قليلا، ابتعدت عنه ببطء، وأخذت نفسا عميقا وهي تمسح دموعها براحة يديها.
تنهدت وقالت بصوت مبحوح: أنا هحاول يا سليم،
مغلطش تاني، وامسك نفسي، بس صدقني اللي سمعته وشوفته خلاني مفكرش.
نظر إليها بإبتسامة صغيرة: أنا عارف، عارف يا حبيبتي.
أخذت نفسا عميقا، ثم خفضت نظرها قليلا، فوقعت عيناها على يده المجروحه، فاتسعت عيناها، وتوقفت تحدق في كفه بصدمة وقلق: سليم! إيه ده؟!
نظر إلى كفه وكأنه انتبه للتو: آه... ده؟ تقريبا اتجرحت لما مسكت السكينة.
نهضت بسرعة وكأنها لم تحتمل المنظر، واتجهت إلى أحد الأدراج أخرجت علبة الإسعافات الأولية بسرعة.
بينما جلس سليم على الأريكة، وقطرات الدم تنزل ببطء من كفه، عادت وجلست بجانبه، وأمسكت يده بحذر.
قالت بقلق: هو أنت محسيتش بيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: والله ماحسيت، أو يعني مش حاسس بيه قوي.
بدأت تضع قطعة قطن على الجرح وهي تتساءل باستغراب: أزاي يعني؟
تنهد وقال بهدوء مر: مش عارف، يمكن من كتر الجروح اللي الواحد حاسس بيها جوه قلبه، الجرح اللي زي ده بيبقى عادي.
توقفت يدها للحظة، ونظرت إليه بتأثر، ثم أكملت لف الشاش حول كفه برفق، مسحت على يده وقبلتها ثم قالت بهدوء: طب دلوقتي، إحنا هنعمل إيه؟
تنهد، وقال: أنا هنزل تحت شوية، وهقفل عليكي الباب بالمفتاح، المفروض إني دلوقتي متعصب، وعايز أبقى لوحدي، بس هرجعلك تاني.
توقف وتحرك نحو الباب وغمز لها بمرح قبل أن يصيح بغضب مصطنع: لو سمعت حسك هموتك.
وبالفعل خرج وأغلق الباب خلفه بعنف، بينما ابتسمت ماسة إبتسامة باهته لم تصل إلي عينيها، وجلست على الفراش تحدق في الفراغ بصمت.
في الممر..
كان سليم يسير بوجه متجهم، في اللحظه التي كان رشدي فيها يصعد لأعلى، وما إن لمحه رشدى، حتي وقف أمامه قائلا: كويس إني قابلتك، كنت عايز أكلمك.
سليم ببرود: بعدين يا رشدي.
امسك رشدي كتفه وهو ينظر داخل عينه وكأنه يترجاه ان يهدأ ويتراجع عن موقفه: سليم اوعى تصدق اللى حصل، أكيد في حاجة غلط، ماسة مستحيل دي...
قاطعه سليم بنظرة حادة: رشدي، مش عايز أي كلام في الموضوع ده.
ثم نظر إليه وسأله: وبعدين أنت جيت إمتى؟
أجابه متنهد: لسه جاي، أصل أبو مي تعبان.
أومأ سليم برأسه باقتضاب: ماشي.
رشدي بطلب: طب تعالي نتكلم شويه.
زفر سليم بضيق: أنا مخنوق دلوقتي، ومش عايز أتكلم.
تركه واقفا، وتحرك مبتعدا في الممر، ظل رشدي ينظر لآثاره بضيق، لم يكن انزعاجه من منظر سليم فحسب، فهو ما زال يحمل ثقل الماضي في قلبه، لكن ماحدث مع ماسة أزعجه بشدة.
اقترب خطوة من غرفة ماسة، كان يريد طرق الباب والتحدث معها، لكن قبل أن يطرق، توقف فجأة، نظر حوله بتردد، متذكرا أن سليم ما زال في القصر.
شد فكه قليلا وسحب يده، وهو يفكر أنه لو تحدث معها الآن، قد ينفتح الكلام عن الماضي.
يعرف جيدا أن هذا الموضوع بلاخص لا يجب أن يصل إلى أذن سليم، أي كلمة، أو تلميح، قد يسمعها، ستكون كارثة.
زفر بضيق، ثم انسحب بهدوء من المكان، وهو يتمتم لنفسه: مش وقته...
تحرك في الممر حتى وصل إلى جناحه.
فتح الباب، لكن الغرفة بدت مختلفة الآن، الديكور الأثاث كل شيء، أغلق الباب خلفه ببطء.
ثم اتجه نحو الشرفة، وقف هناك لحظة، ينظر في الفراغ، وكأن شيئا ثقيلا يدور في رأسه، بعد ثوان رفع هاتفه، واجري اتصالا، انتظر قليلا، وما إن جاءه الرد حتى قال بنبرة منخفضة حادة: ألو، ايه يا شوقي، هو أنا مش قولتلك تدورلي ورا الزفت اللي اسمه عماد؟
جاءه صوت شوقي من الطرف الآخر: يا باشا أكيد جبتلك معلومات، بس معرفتش أكلمك علشان كنت في شهر العسل وكده.
رشدي بحدة: عرفت إيه يا شوقي اخلص؟
شوقي: بص بقى، هو داخل كذا مشروع، وصافيناز هانم عملت له توكيل عام، يقدر بالتوكيل ده يبيع كل حاجة.
قطب رشدي حاجبيه وقال بشدة: أنا عايز حاجات تجيب من الآخر، تحطه تحت ضرسي.
شوقي بتفاخر: في طبعا، هو شكله مرافق سارة؛ صاحبة صافيناز هانم.
اعتدل رشدي في واقفه، وقال بصدمة: أنت بتقول إيه؟!
شوقي بسرعة: أنا شوفتهم خارجين كذا مرة مع بعض، بس الصراحة مش عارف الموضوع بينهم إيه بالظبط.
ضغط رشدي على الهاتف بقوة وهو يقول: معاك صور؟
شوقي: أيوه يا باشا، هبعتهالك حالا
أغلق المكالمة وبعد ثوانٍ، أضاء الهاتف بوصول الصور فتح الرسائل ونظر إليها، فاتسعت عيناه ببطء؛ كانت هناك عدة صور لعماد وهو يصافح سارة، وأخرى يقترب منها ويقبلها على خدها، وثالثة كانت يده على ظهرها وهما جالسان معا في أحد الكافيهات.
ظل يتأمل الصور للحظات، ثم ابتسم ابتسامة باردة، وهمس وهو ينظر للشاشة: ده إحنا كده شكلنا هنلعب، والملعب هيولع بينا يا ثعلوب.
رفع الهاتف مرة أخرى واتصل بشوقي، ما إن رد حتى قال بنبرة حازمة: بقولك إيه يا شوقي، أنا عايزك تجيب آخر الحوار ده، فاهم؟ وتعرف الكلام على ايه؟!
شوقي: فاهم يا باشا.
رشدي بشدة: ركزلي مع سارة دي كويس، لو راحلها الشقة تاني، أو عمل أي حركة تبلغني فورا وتصور فيديو..
ثم أضاف بغل: أنا عايز عماد يبقى زي العجينه تحت ايدي.
شوقي بثقة: تمام يا باشا، أوامرك.
أغلق رشدي الهاتف، ثم نظر أمامه والابتسامة مازالت على وجهه، ضحك بخفة، وضرب بيده على السور المعدني، وتمتم بنبرة المعتادة: يمكن الصوره مفيهاش حاجه اوي، بس انا عارف اختي الحربوقه، وعارف كمان العبك منين يا ثعلوب.
💕_______________بقلمي_ليلةعادل
على اتجاه اخر في الهول.
كان الخدم والحراس يحملون حقائب سفر كبيرة ويخرجون بها إلى الخارج.
في تلك اللحظة خرجت فايزة برفقة عزت وحين شاهدا ما يحدث تبادلا نظرات الاستغراب.
قالت فايزة بطريقتها المعتادة: إيه اللي بيحصل ده؟شنط مين دى؟!
وقبل أن تجيب الخادمة جاءها صوت فريدة وهي تهبط الدرج وخلفها إبراهيم: شنطي أنا وإبراهيم والبنات يا مامي.
نظرت لها فايزة وقالت: ورايحين على فين كده؟!
توقفت أمامهما وقالت بثبات: أنا خلاص يا مامي خدت القرار وهنفذه، أنا مش هقعد في القصر تاني بعد اللي بيحصل ده.
قطب عزت حاجبيه وقال بضيق: مش إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده يا فريدة؟
فريدة بحزم: بس بعد اللي حصل واللي بيحصل دلوقتي، أنا مش هعيش بناتي في الجو ده.
علقت فايزة وهي ترفع حاجبها قليلا: وياترى ده قرارك، ولا...
ثم رفعت عينيها نحو إبراهيم وأكملت: ولا قرار إبراهيم؟
نظرت لها فريدة بثبات قبل أن تجيب: أنا وإبراهيم واحد يا مامي.
ثم قالت بهدوء: بعد إذنكم.
وما إن أنهت كلماتها حتى تحركت، وإبراهيم يسير بجانبها.
ظل عزت ينظر إليهما وهما يغادران، ثم التفت إلى فايزة قائلا بضيق: مكانش وقته أبدا اللي عملته فريدة ده.
ابتسمت فايزة ابتسامة خفيفة وقالت: بالعكس وقته، واللي عملته هو الصح.
ثم أكملت بنبرة أخفض وهي تقترب منه: علشان كده أنا مأصرتش إنها تفضل.
نظر لها باستفهام، فتابعت بفحيح افاعي: فريدة مؤثره بشكل كبير على سليم، ممكن تلعب في دماغه وتخليه يدور، وسليم لو دور ممكن يوصل لحاجة...
توقفت لحظة ثم قالت بنبرة حاسمة: وإحنا مش عايزين ده.
زفر عزت ببطء وقال بانزعاج: تمام، خلصينا من الموضوع ده بسرعة..
ثم أضاف محذرا: بس عرفيني كل خطوة، متعمليش حاجة من دماغك من غير ما تقولي.
ردت بثقة: متقلقش.
على إتجاه آخر في الحديقة العلوية.
كان سليم جالسا هناك شاردا، يفكر فيما يريد فعله، في تلك الأثناء اقتربت منه سحر، وهي تحمل فنجان قهوة.
قالت بهدوء: القهوة يا بيه.
أخذها منها: شكرا.
ثم التفت حوله يتأكد أن لا أحد قريب، وقال بصوت منخفض: بقولك إيه كمان ساعة كده طلعي أكل لماسة، وخدي بالك كويس أحسن حد يشوفك.
هزت رأسها قائلة: حاضر، متقلقش.
وفور أن لمح فايزة تقترب، نهض سريعا: لا خلاص، شيلي القهوة دى، أنا ماشي.
تحرك ليغادر، لكن فايزة أوقفته قائلة: رايح فين؟
رد ببرود: عندي مشوار شغل واحتمال أسافر، محدش يفتحلها مهما حصل.
فايزة بحدة خفيفة: لازم نتكلم في اللي حصل.
سليم دون أن يلتفت: مفيش كلام، بعد إذنك.
توقفت تنظر لآثارة بضجر ثم جلست مكانه تفكر، بينما تحرك سليم مبتعدا، وصعد إلى سيارته وانطلق خارج القصر.
الفيلا التي يقيم بها مصطفى 6مساء.
إحدى الغرف
جلس مصطفى خلف شاشة كبيرة منقسمة إلى مربعات صغيرة، يركز نظره فيها بدقة.
كانت عيناه تتنقلان بين اللقطات، يسجل ملاحظات، يوقف بعض المشاهد، يلتقط صورا محددة، ثم يرسلها إلى هاتفه.
في تلك اللحظة، طرق الباب بخفة، فقال: اتفضل.
دخلت آلاء، تحمل كوبا من الشاي، وقالت بابتسامة بسيطة:مساء الخير يا دكتور، لقيتك اتأخرت، بقالك كتير من بعد الغدا، فقولت أعملك شاي.
رفع عينيه إليها بابتسامة ودودة: شكرا يا آلاء، تسلم إيدك.
أخذ الكوب ووضعه أمامه، بينما جلست هي على المقعد المجاور، ونظرت إلى الشاشات بدهشة: هو أنت بتعمل إيه؟
أشار بعينه إلى الشاشات، وقال بهدوء: متفق مع سليم إني أساعده، هو دلوقتي مش واثق في حد، ومستحيل يلاحق يراقب أهله بنفسه فحبيت اساعده بدل ما أنا فاضي كدة.
هزت رأسها بتفهم، ثم نظرت للشاشات مرة أخرى، وقالت بتأثر: على فكرة، سليم ده صعبان عليا أوي...
تنهدت وهي تتتابع بثقل: من بره شكله راجل قوي وهيبة، أول ماشوفته حسيت بده، بس لما عرفت قصته، حسيت إن الفلوس والسلطة، على قد ما هي حلوة، على قد ما هي نقمة...
صمتت لحظة، ثم أكملت بصوت أهدأ: عنده كل حاجة، بس شوف أهله عملوا فيه إيه؟! حتى أمه وأبوه! حاجة مرعبة...
خفضت عينيها، وقالت بمرارة خفيفة: الضربة لما بتيجي من الأهل بتكسر أوي، أصل الإنسان ملوش في الدنيا غير أهله، هما عكازه اللى بيتسند عليه.
تابعت بإبتسامة محبه: يعني محمود أخويا ده، رغم كل اللي عمله فيا، بس والله ضفره برقبتهم، هو طيب وغلبان والله، بس الشيطان زين له اللي بيعمله...
نظر إليها مصطفى باستغراب: لسه بتدافعي عنه يا آلاء بعد كل اللى عمله فيكي؟!
هزت رأسها وأكملت: مش قصة بدافع عنه، بس الفقر مع الجهل عامل زي قنبلة موقوتة، بيخلي الغلط يبان صح، وأنا عارفة محمود أخويا مش ده أصله...
ابتسمت بحزن: دى كان شاطر في النجارة وكسيب، بس اتلم عليه أصحاي السوء ولعبوا في دماغوا، واقنعوه إن القمار بيغنى بسرعه، في الأول كان بيكسب، وكان بيجيب لنا كل حاجة، بس بعد كده؟ بدأ يخسر، ما القماره عامل زي البحر الهادي يشدك لحد مايغرقك...
رفعت عينيها نحوه: لحد ما بقي دلوقتي مستعد يدوس على أي حاجة حتى نفسه علشان يعوض، بس انا والله صعبان عليا اللى هو فيه، نفسي يفوق لنفسه ويرجع عن السكه دى، وأنا والله هسامحه على كل حاجه، أحنا الاتنين مهما كان ملناش اللى بعض، والله بدعيله في كل صلاه ربنا يهديه.
تنهد مصطفى، وقال بأسف: للأسف ناس كتير دلوقتي عايزة توصل بسرعة، شايفين اللي حواليهم بقوا أغنيا ومشهورين فجأة، فمستعجلين الطريق.
ثم تابع بلطف: ربنا يهديه، ويصلحلكم الأحوال بإذن الله.
تمتمت بخفوت: يارب
صمتت لحظة، ثم نظرت له بتردد، وقالت: على فكرة، أنا ممكن أساعدك.
ابتسمت بخفة، وتابعت: بدل ما أنا قاعدة زهقانة كده.
رفع حاجبه مبتسما: لحقتي تزهقي؟ ده إحنا بقالنا كام يوم بس!
ضحكت بخجل: أنا من تالتة ثانوي تقريبا وحياتي كلها ضغط؛ مذاكرة، وشغل، مكنتش بارتاح، يمكن اتعودت على الشقى.
هز رأسه بتفهم، وقال بخفة: طيب اعتبريها استراحة محارب بقي، علشان اللي جاي.
نظرت له باستغراب: مش فاهمة؟
اعتدل في جلسته، وقال بجدية: هكلم سليم يجيبلك المحاضرات، الامتحانات قربت ولازم تذاكري، أنت مش آخر سنه؟ مش عايزه تتخرجي ولا ايه؟!
اتسعت عيناها بفرحة: بجد؟ ينفع؟
ابتسم بلطف: طبعا ينفع، وأنا هذاكر معاكي كمان، ونبقي نظبطلك دخول الامتحان.
أشرق وجهها بامتنان واضح: يا ريت والله يا دكتور، أنا كنت شايلة هم الموضوع ده أوي.
قال بهدوء مطمئن: متشيليش هم طول ما أنا موجود، اتفقنا؟
هزت رأسها بابتسامة: اتفقنا.
أخذ رشفة من الكوب، ثم قال: يومين كده وهكلمه، علشان الفترة دي الدنيا عنده ملخبطة شوية.
هز رأسها سريعا بتفهم: مفيش مشكلة.
ثم أشار إلى الشاشة أمامه: طب بما إنك عايزة تساعديني، شايفة التسجيلات دي؟
مد لها فلاشة صغيرة: حطيهم على الفلاشة دي.
ابتسمت بحماس، وهي تأخذها منه: ماشي
❤️________________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي، 6مساء
جناح سليم وماسة
جلست ماسة على الفراش، تعبث بهاتفها وتقلب في التطبيقات بلا تركيز.
وفجأة سمعت طرقا خفيفا على النافذة، رفعت رأسها سريعا، لتجد سليم يلوح لها من الخارج، ابتسمت فورا، واتجهت نحو الباب الزجاجي لتفتح قفل الشرفة..
فتحته وهي تقول بقلق: أنا خايفة عليك من حوار المشي على السور ده، خايفة لا في مرة تقع.
ابتسم بثقة وهو يدخل: متقلقيش، فتحتي التسجيلات ووسمعتي حاجة؟
هزت رأسها بنفي: لا بصراحة، قولت أقعد شوية أقلب كده على فيسبوك أفصل.
سليم وهو يخلع سترته: طب أنا هاخد شاور بسرعة
وبعدين نشوف التسجيلات سوا، الكل فاكر إني
مش موجود، خرجت من القصر قصادهم بعدين دخلت محدش واخد باله، وشويه وسحر هتطلعلنا اكل..
أومأت برأسها بإيجاب: ماشي، بس فهمني الأول، فاكرينك بره إزاي؟
رد موضحا: مفيش، قولت للهانم إني خارج وعندي سفر، وخرجت فعلا بالعربية قدام كل الحراس، كلمت عشري، جه خدني، واستخبيت في عربيته، أنا كمان بعرف أدخل وأخرج من القصر من غير ماحد يحس بيا.
ابتسمت له بمداعبة وهي تغمز له: بقيت خطر.
رد بمزاح: طبعا وخطر اوي كمان.
اضاف وهو يمسح على شعرها برفق: مش هتأخر عليكي.
وبالفعل أخذ حماما سريعا، ثم عاد بعد دقائق وجلس بجانبها.
فتح اللابتوب، وبدأا يشاهدان ماحدث خلال اليوم، خصوصا المشاهد التي جمعت عماد برشدي.
مرت الدقائق وهما يراقبان الشاشة بتركيز بعد الانتهاء، شهقت ماسة بدهشة: إيه ده؟! إيه اللي أنا سمعته وشوفته ده؟!
مد وجهه وهو يقول باستغراب: معرفش، ولما خرجت من عندك، حاول يوقفني، كان عايز يكلمني، بس أنا مرضيتش، خوفت افقد اعصابي عليه.
قطبت حاجبيها بتعجب: طب هو عايز إيه؟ بيعمل كده ليه؟! بقى رشدي يزعل ويضرب عماد علشاني؟!
ضحكت بسخرية وتابعت: ممثل والله، للحظه صدقته، اصلك لو كنت شوفت طريقته معايا لما كان بيهددني تقول استحاله ده هو ده..
تنهد وهو يستند ظهره على ظهر الاريكة بتفكير: اكيد عنده هدف، في حاجة في دماغه، بس ايه هي بقى لازم نعرف ونركز.
زفرت باختناق، ثم أسندت ظهرها إلى الأريكة، نظر إليها؛ يشعر بثقل ما تمر به، ثم سحبها إلى حضنه ووضع قبلة طويلة أعلى رأسها كمحاولة للتخفيف عنها، وقال بنبرة لطيفة: بقولك إيه، تيجي نشغل فيلم كرتون؟
رفعت عينيها نحوه باستغراب: كرتون؟
ابتسم سليم بخفة: أيوه نفك شوية عن نفسنا.
سألته بتردد وهي ما بين أحضانه إليه: طب مش هنكمل التسجيلات، علشان تعرف اللي حصل؟
رد بهدوء وهو يهز كتفيه: بعدين...
ثم أضاف وهو يبتسم بمكر خفيف: وبعدين، في تلاتة بيسمعوا معانا.
اقترب قليلا وقال وهو يغمز بعينه: قطعة السكر بطلت تحب الكرتون وبقت تعشق النكد؟
ابتسمت أخيرا وقالت بدلال وهي تبتعد: هتفرجنى على سيمبا.
اتسعت ابتسامة وهو يقول بحماس طفولي: وعلى نيمو كمان!
ضحكت بخفة وبالفعل شغل سليم فيلما، وبدآ يشاهدانه معا، وبعد قليل جاءت سحر تحمل الطعام وتضعه دون أن تحدث ضجيجا أو يشعر بها أحد.
جلسا يتناولان الطعام ويشاهدان الفيلم، حاول سليم أن يسرق لها بعض اللحظات الهادئة بعيدا عن كل ما يحدث حولهما، وبقي معها باقي اليوم...
************
في صباح اليوم التالي
كان الصباح قد بدأ يتسلل إلى الغرفة في إتمام الثامنة صباحا،حين اقترب سليم منها محاولا إيقاظها برفق.
سليم بلطف: ماسة، يا عشقي، يلا قومي.
رمشت بعينيها بكسل وهي تتمتم بنعاس: إيه يا سليم، بتصحيني بدري ليه كده؟
اقترب منها أكثر، وأزاح خصلات شعرها عن وجهها برفق: علشان لازم أمشي دلوقتي قبل مايصحوا، يلا قومي.
تمطت قليلا، وقالت وهي تغلق عينيها مرة أخرى: طيب روح أنت، وسيبني أنام.
هز رأسه نافيا: لا مش هينفع.
فتحت عينها، ونظرت له بتعجب: ليه؟
رد موضحا: عشان لازم أربطك.
اتسعت عيناها وهي تعتدل في جلستها: تربطني؟! تربطني أزاي يعني؟
رفع الحبل أمامها، ثم اقترب منها بهدوء: مضطر أعمل كده، علشان لو حد جه وشافك، يبقى باين إني عاقبتك على العملة اللي عملتيها امبارح.
عقدت حاجبيها: طب افرض محدش جه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة: لا هييجوا، الهانم هتيجي علشان المفروض النهارده تسلمك التليفون.
زفرت باختناق: طب استنى شوية طيب.
رد باعتراض: استنى إيه؟ مش هينفع لازم أمشي.
رفعت يدها بسرعة: استنى هخش الحمام.
نهضت ودخلت المرحاض، وبعد لحظات خرجت وتوقفت أمام المرآة، أخذت تتفحص وجهها، تتأكد أن آثار علامات الضرب الخادعة مازالت ظاهرة كما هي.
ثم التفتت إليه، وقالت بنبرة خفيفة: بقولك إيه أنا كده تمام؟ ولا محتاجة أحط شوية علامات ضرب تاني؟
نظر لها بتفحص، ثم هز رأسه: لا مش محتاجة.
ثم أشار للحبل: تعالي بقى أربطك، علشان متأخرش
جلست على الأرض، وقلبت وجهها بدلال طفولي: هو لازم يعني، افرض اتأخروا؟ وبعدين أنت عارف إن عندى فرط حركه ومش بحب أقعد كتير، مش كفايه محبوسه في الأوضه، وكمان اتربط؟
تبسم على دلالها، وجلس أمامها وأعاد خصلات شعرها خلف أذنيها: معلش حقك عليا، هحاول متأخرش عليكي، وبعدين يا قطعة السكر أنا مش هربطك علشان أذنبك، أنا بس عايزه اوهمهم إني معاقبك.
زفرت بدلال: طيب.
شعر بانزعاجها، يؤلمه ما يفعله بها لكنه مضطر، صمت لحظة يفكر في شيء ما، ثم قال: طب بصي جتلي فكرة، إيه رايك أعلمك تربطي وتفكي نفسك، وكده كده هقفل عليكي الباب فهيبقي معاكي وقت قبل ما أي حد يدخل إنك تظبطي الدنيا، إيه رأيك؟
نظرت له بحماس، وكأنها تعلقت بأي شيء يخفف عنها: حلو ده، يلا ندرب!
ابتسم، وقال بجدية: بس لازم تبقي مركزة، مع الكاميرات كويس، علشان لو حد جاب المفتاح الاحتياطي وطلع فتح علطول!
هزت رأسها بسرعة: ماشي، اتفقنا.
قبلته في خده بدلال تابعت: أنت أحلى سلوملوم في الدنيا والله.
ابتسم على طريقتها، وبدأ يدربها ويشرح لها خطوة خطوة، وهي تحاول أكثر من مرة، تفشل تارة، ثم تعيد المحاولة تاىة أخري بإصرار، حتى نجحت أخيرا في إحكام الرباط عليها بقوة، نظر إليها بإعجاب قائلا: بس كده حلو، اثبتي على دي.
ثم أشار إلى الكاميرا الصغيرة في الغرفة: وبعدين لو حسيتي بزهق، أو عايزة أي حاجة، كلميني أنا سامعك وشايفك، ومش هتأخر عليكي برضوا.
اومأت له بالموافقة، وقامت تتمطئ ثم تسطحت على الفراش مرة أخري، فنظر ليها بزهول: أنتِ بتعملى ايه؟!
أجابته بكسل، وهي تحكم الغطاء عليها: هنام، مش أنت علمتني خلاص؟ أمشي بقي ومتقلقش.
هز رأسه بقلة حيلة، وقال بغلب: أقسم بالله، أنا ماخايف إلا من المهلبية اللى أنتِ فيها دى، ولو اتقفشنا هتبقي أنتِ السبب.
وضعت الغطاء فوق رأسها، وقالت: طب يلا روح أنت بقي علشان متتأخرش، ومتنساش تقفل الباب بالمفتاح، واقفل الستاير وأنت خارج.
رفع رأسه لأعلي ضاحكا: يارب صبرني.
ثم اتجه إلي الشرفه كي يغادر، فرفعت الغطاء عن رأسها، وقالت بتذمر طفولي: أنت مش ناسي حاجه يا سليم!
ابتسم بخفة، وتقدم نحوها، ثم انحني ليضع قبلة طويلة على جبينها قبل أن يتركها ويغادر دون صوت.
علي اتجاه آخر في جناح رشدي.
خرج من المرحاض، يلف منشفة حول خصره، بينما كانت قطرات الماء ماتزال تنساب على جسده
وقف أمام المرآة لحظة يتأمل انعكاسه، ثم مد يده إلى هاتفه وأجرى اتصالا: ألو يا نور؟ لما سليم يوصل المجموعة بلغيني؛ علشان محتاجه في موضوع مهم.
توقف لحظة يستمع ثم قال: ماشي، سلام.
أغلق الهاتف وبدأ في ارتداء ملابسه، ثم فتح أحد الأدراج، وأزاح بعض الجوارب جانبا، قبل أن يضغط على جزء صغير في أرضية الدرج.
فانفتح جزء مخفي بداخله فتح درج آخر، مد يده وأخرج كيسا صغيرا من البودرة، سكب قليلا منها على يده ثم استنشقها سريعا، قبل أن يعيد الكيس إلى مكانه ويغلق الدرج وكأن شيئا لم يكن، بعدها أمسك هاتفه مرة أخرى واتصل بمي.
دار بينهما حديث قصير، أخبرته خلاله أنها ستعود اليوم إلى القصر.
أغلق الهاتف، ثم نزل إلى الأسفل، جلس مع العائلة على مائدة الإفطار، وأثناء جلوسه رن هاتفه، كانت نور وأخبرته أن سليم وصل للمجموعة، ابتسم ابتسامة خفيفة وهو ينهي المكالمة، وانتظر حتى بدأ الجميع بمغادرة القصر، ونهض بهدوء واتجه إلى الأعلى نحو جناح سليم وماسة.
توقف أمام الباب للحظات ثم طرق عليه، في الداخل كانت ماسة لاتزال نائمه، وما إن سمعت لصوت الطرق حتى اعتدلت من نومتها سريعا، وارتسمت على ملامحها التوتر: مين؟
جاءها صوته من الخارج: أنا رشدي يا ماسة، افتحي.
اتسعت عيناها، ووضعت يدها على فهمها، وقامت مسرعة إلي الحبل لتربط نفسها كما علمها سليم، وهي ترفع صوتها قليلا بحزن: مقفول عليا يا رشدي!
سليم قفل الباب عليا، ورابطني!
ثم بدأت تمثل البكاء والخوف وهي تعقد الحبل حول قدميها جيدا: أنا بكرهكم، ربنا ياخدكم واحد واحد وينتقم منكم!
ثم تمتمت في سرها سريعا: بعد الشر عليك يا سليم
في الخارج، تجمد رشدي في مكانه مصدوما مما يسمع، وقال معلقا: طب اهدى، أنا مش فاهم حاجة!
جاءه صوتها ببكاء مصطنعا بتوسل: وحياة النبي يا رشدي افتحلي عايزة أدخل الحمام وأشرب شوية ميه!
ضحكت بخفوت، ثم أضافت بانكسار وهي تعقد الحبل حول يديها: حرام عليكم، أنا معملتش حاجة، حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم!
تنهد رشدي بضيق: طيب، استني.
ابتعد قليلا وتوقف عند الدرابزين، وصاح بصوت رجولي جهوري: أماني....أماني! أنتِ ياللي اسمك أماني!
خرجت أماني" كبيرة الخدم " من المطبخ مسرعة، وصعدت الدرج وهي تقول: أيوه يا رشدي بيه؟
أشار إلى الباب: عايز مفتاح الأوضة دي.
تجمدت أماني وهي تقول برجاء: لا الله يخليك يا بيه مش هينفع.
قطب حاجبيه بحدة: بتقولي إيه؟
حاولت التبرير بتوتر: اصل سليم بيه.
قاطعها بصرامة: أماني، أنتِ نسيتي نفسك؟
ثم أشار للباب: هاتي مفتاح الباب، يلا.
ترددت: أصل...
اقترب منها قليلا وقال ببرود مخيف: كلمة كمان، وهيكون آخر يوم ليكي هنا، ومش هيفرق معايا إنك بقالك سنين بتخدمينا.
خفضت أماني رأسها بعجز: حاضر.
ثم قالت بسرعة: هروح أجيب المفاتيح وجاية.
تحركت مسرعة تركض إلى الأسفل، بينما اقترب رشدي من الباب مرة أخرى وقال: ماسة اهدي أنا هفتحلك، دقيقة بس.
في الداخل، كانت ماسة انتهت من عقد الحبل حول قدميها، فتنهدت بارتياح.
في المطبخ
دخلت أماني مسرعة، وهي تفتش بارتباك في الأدراج بحثا عن المفاتيح.
نظرت إليها سحر وبعض الخادمات باستغراب.
إحدى الخادمات: إيه يا أماني؟ رشدي بيه بيصرخ كده ليه؟
أماني بارتباك: عايزني أفتحله باب أوضة ماسة هانم.
شهقت خادمة الأخرى قائلة: يا نهار إسود، بس سليم بيه!
أماني وهي تلتقط المفاتيح: نعمل إيه يعني؟ هو يبقي يتصرف مع أخوه بقي، مليش دعوة!
اقتربت منها سحر وقالت بصوت منخفض: روحي يا أماني، إحنا مش عايزين مشاكل معاهم، دول إخوات يا حبيبتي يصطفوا مع بعض.
ثم التفتت سحر إلى باقي الخادمات، وقالت بحزم: يلا كل واحدة على شغلها.
تبادلت معهن نظرة سريعة، ثم تحركت بخطوات هادئة نحو الحمام.
أغلقت الباب خلفها، وأخرجت هاتفا صغيرا كانت تخفيه في صدرها، فتحت صنبور الماء، ثم أجرت اتصالا سريعا بسليم، انتظرت قليلا حتى جاءها صوته: ألو، إيوه يا سحر؟
سحر بصوت خافت: أيوه يا سليم بيه، رشدي بيه دلوقتي كان بيصرخ على أماني عشان تديله مفتاح الأوضة الاحتياطي بتاعة الست ماسة، واضح إنه عايز يفتحلها الباب، قولت أعرفك علشان تبقى في الصورة.
اعتدل في جلسته فجأة: الكلام ده حصل إمتى؟
سحر: لسه حالا.
قال سريعا: طب اقفلي أنتِ دلوقتي.
أغلق الخط، ثم فتح اللابتوب بسرعة وضغط على أحد الملفات.
وفي اللحظة التالية ظهر على الشاشة ماسة جالسة وقد انتهت من ربط الحبل كما تدربا، بينما ضغط على الزر جاءه صوره صغيره للممر ورشدي متوقفا أمام الباب.
وضع السماعات في أذنيه، وأخذ يراقب مايحدث بعينين متيقظتين.
في القصر
كان رشدي لا يزال متوقفا أمام الباب بانتظار أماني وهو يصرخ: كل دى يا أماني؟!
في تلك اللحظه عادت أماني راكضة، تحمل مجموعة كبيرة من المفاتيح.
اماني وهي تلهث: جايه أهو...
أشار لها بعصبية: يلا، افتحي.
بدأت تبحث بين المفاتيح واحدا تلو الآخر بيد مرتجفة ثم وجدته اخيرا، فوضعته في الباب حتى انفتح، فأشار لها رشدي: امشي أنتِ.
ابتعدت أماني فورا ودخل رشدي الغرفة...
وما إن وقعت عيناه على ماسة حتى تجمد مكانه و اتسعت عيناه بصدمة.
كانت مربوطة على الأرض، وآثار الضرب واضحة على وجهها، لم يتخيل أبدا أن سليم قد يفعل بها كل ذلك.
ركض نحوها سريعا وهو يقول بذهول: إيه ده؟! إيه اللي حصل؟
نظرت له بعينين دامعتين وقالت برجاء: فكني يا رشدي والنبي، أنا معملتش حاجة.
أسرع يفك الحبال من حول يديها وقدميها: حاضر، حاضر.
وما إن تحررت حتى اندفعت نحو زجاجة الماء الموضوعة على الطاولة الصغيرة، وأمسكتها بسرعة وبدأت تشرب منها بنهم وكأنها كانت عطشى منذ ساعات طويلة.
وقف رشدي ببطئ ينظر إليها متأثرا، وفي عينيه شيء من الحزن على حالتها.
وفجأة ركضت نحو الحمام وأغلقت الباب خلفها.
وقفت أمام المرآة للحظات، تحاول أن تغوص أكثر في دورها، ترتب أفكارها سريعا.
كانت تعلم جيدا أن اللعب مع رشدي أخطر، ولذلك يجب أن يكون كل شيء محسوبا.
شدت سيفون المرحاض، وفتحت المياه قليلا حتى يبدو الأمر طبيعيا.
ثم خرجت بعد لحظات، تتنفس بصعوبة وكأنها مازالت مرهقة.
وضعت يدها على قلبها وهي تحاول تهدئة أنفاسها، ثم بدأت تفرد ذراعيها وساقيها مدعيه تخشبهما.
جلست ببطء على المقعد القريب وهي تفرد قدميها، كل هذا ورشدي لا يزال واقفا مكانه، ينظر إليها بصدمة.
اقترب منها أخيرا وجلس على المقعد بجوارها، ثم قال وهو ينظر إلى وجهها بقلق: إيه اللي حصل؟!
نظرت إليه وعيناها تلمعان بالدموع المحبوسة، ثم قالت بمرارة: أنت هتمثل عليا؟ ما أنت عارف كل حاجة.
توقفت لحظة ثم أكملت بصوت مرتجف: عارف إن أهلك هما اللي دبروا كل ده، وإنهم خطفوني، ونيموني في حضن مصطفى واتهموني في شرفي..
ثم أشارت إلى نفسها بانكسار: وأنا مظلومة، واخوك قتل الدكتور الغلابان اللي وقف جنبي، منكم لله ربنا ينتقم منكم.
رفعت عينيها نحوه مباشرة، وتساءلت بقهر: عايزين مني إيه تاني يا رشدي؟ مش أنت قولتلي متتكلميش؟ وأنا مش هتكلم، ومش هقول حاجة، والله ما هقول حاجة...
ثم همست بألم وبكاء: بس سيبوني في حالي بقى..
هز رأسه بسرعة موضحا بصدق: ماسة أنا معرفش حاجة صدقيني، كل اللي حصل دي أنا معرفش عنه حاجة.
نظرت له بسخرية وأشارت بيدها: هعمل نفسي مصدقه، واديك عرفت دلوقتي إنهم خططوا لكل ده.
اضافت بحدة: روح قول لسليم وبرئني.
تغيرت ملامحه قليلا، وهو ينظر بعيدا: مش هقدر أقول لسليم.
ابتسمت بمرارة: طبعا حاجة متوقعة.
ثم نظرت له بحده: أنت جاي هنا ليه يا رشدي؟
وليه فكتني؟
اقتربت كلماتها من الاتهام: عايز مني إيه؟ جاي تكمل تهديد؟
ثم اشتعل الغضب في صوتها: هو أنت مكفاكش اللي عملته فيا زمان؟ أنت وأهلك، واللي عملتوه دلوقتي كمان؟ جاي تكمل..
حدقت فيه بقوة: عايزين مني إيه تاني؟
تنهد ببطء وقال: أنا مش عايز منك حاجة صدقيني..
ثم أكمل بهدوء: أنا جاي أطمن عليكي وأساعدك.
فور أن استمعت إلى كلماته، ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة، بالطبع لم تكن تصدق حرفا مما يقوله.
رفعت عينيها نحوه بنظرة مليئة بالشك، أما رشدي فظل ينظر إلى وجهها، خاصة آثار الضرب الظاهرة عليه.
تغيرت ملامحه قليلا، وكأن المشهد آلمه بالفعل، ثم قال بنبرة بدت متأثرة: صدقيني أنا معاكي.
توقف لحظة قبل أن يكمل: وهحاول أثبت براءتك.
حدقت فيه لحظة طويلة، قبل أن تميل برأسها قليلا وتقول ببرود ساخر: أنت؟
ثم أضافت بابتسامة باهتة: هتثبت برائتي؟ غريبة اوي الحنية دي، مش شبهك يا رشدي.
ثم نظرت له بحدة، وقالت محاولة استدراجه: ولا يمكن عندك مصلحة تانية؟
نظر لها بحسم: مفيش اي مصلحه، أنا هساعدك تثبتي برائتك..
ثم أضاف بتردد: بس مينفعش أقول لسليم إيه اللي حصل.
عقدت حاجبيها متسأله: وليه مينفعش؟
صمت لحظة قبل أن يقول بصوت منخفض: علشان لو فتحت الموضوع ده، هفتح على نفسي باب كبير، حاجات أنا مش عايزها تحصل، لو بعتهم، هم أول ناس هيسلموني لسليم.
عدل من جلسته ونظر لها: ملكيش دعوة، أنا هخلي سليم يعرف إنك اتظلمتي بطريقتى.
ثم نظر في عينيها مباشرة: ماسة أنا معاكي ولو حصل اي حاجه عرفيني.
وتابع بنبرة تحمل معنى قديم بينهما: إحنا على اتفاقنا، طول ما لسانك جوه بوقك ومش هتحكي حاجة لسليم أنا معاكي.
ابتسمت ابتسامه جانبيه بسخريه وهي تنظر له من أعلى لأسفل: هي دي بقى المصلحه! خايف على حبيبه القلب احسن تعرف حقيقتك القذره..
نظرت إليه طويلا، وقالت بجمود: مش أنا بقولك الحنية دي مش لايقة عليك يا رشدي، وأكيد وراها حاجة.
تنهدت وهي تحول نظرها إلى الأمام: عموما، أنا اتفقت مع الهانم إنها تهربني، أنا مش عايزة أكتر من كده...
حدقت في ملامحه بثبات، وتابعت: تروح تقول لأمك ولأبوك ولإخواتك، إن اللي أنا عايزاه بسيط.
توقفت لحظة قبل أن تكمل: عايزة أهرب، وأمشي أنا وأهلي، وتأمنوا حياتنا، غير كده مش عايزة منكم أي حاجة.
رفع حاجبه قليلا: هتهربي أزاي؟
ابتسمت بسخرية خفيفة: عيب عليك يا رشدي، أنت آخر واحد يسأل السؤال ده..
ثم أكملت وهي تنظر إليه بحدة: ده أنت خرجتني قبل كده أكتر من مرة.
هزت كتفيها بلا مبالاة: ومش فارق معايا خالص أتبرأ قدام سليم.
نهضت وبدأت تتحرك في الغرفة ببطء وهي تتكلم، وكأنها تفرغ ما بداخلها: أنا تعبت منكم ومن المشاكل اللي عملتوهالي زمان، ودلوقتي.
توقفت للحظة ثم قالت بصوت متعب: أنا عايزة أعيش مرتاحة، عايزة أنام يوم واحد بس مرتاحة.
التفتت اليه وقالت بوجع: كفاية بقى..
ثم أضافت وهي تنظر له بنظرة فاحصة: والحنية اللي نازلة عليك فجأة دي، وإنك واقف معايا وعايز تثبت براءتي...
ابتسمت ابتسامة ساخرة: أنا متأكدة إنك بتعمل كده عشان حاجة واحدة بس.
اقتربت منه قليلا: علشان تفضل قدام مراتك ملاك، وأنا هديك ده يا رشدي.
رفعت يدها قليلا وكأنها تقسم: مش هقولها حاجة، ومش هفتح الموضوع.
لكن نبرتها تحولت فجأة إلى تهديد صريح: بس أقسم بالله العظيم، لو مهربتونيش قريب...
نظرت في عينيه مباشرة: هقول لسليم كل حاجة، وعليا وعلى أعدائي، ولو جيت بقى تاني، وحطيت عينك في عيني وقولتلي: هموتلك أهلك...
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت بهدوء مرعب: هقولك موتهم يا رشدي.
ثم أكملت بصوت منخفض: علشان الموت رحمة ليهم.
وأضافت بمرارة: الموت رحمة من إنهم يعيشوا في الحياة دي.
اقترب رشدي منها وتوقف أمامها مباشرة، ظل ينظر إليها لحظات قبل أن يقول بهدوء: أنا فاهم موقفك من ناحيتي، وليكي حق متصدقينيش..
تنهد قليلا: وأيوه أنا فعلا مش عايزك تتكلمي..
ثم أكمل بصراحة: وأكيد خايف على مشاعر مي، ومستحيل أسمح إن حد يخليني أخسرها.
توقف لحظة قبل أن يضيف بعينين تحولت لسواد خطر: واللي يفكر يعمل كده في يوم من الأيام، مش هتكفيني روحه..
ثم قال وهو ينظر إليها بجدية: بس أنا مش عايز أعاديكي تاني يا ماسة..
مسح على وجهه بتعب: أنا فعلا زهقت، واتعصبت جدا لما عرفت اللي حصلك.
ثم قال بنبرة صادقة نسبيا: وفعلا عايز أساعدك بس موضوع هروبك ده مش حل، سليم هيعرف يجيبك زي ما جابك قبل كده.
رفعت حاجبها وقالت بسخرية: لا المرة دي غير، لما الباشا الكبير يبقى معاكم، وكلكم تقعدوا مع بعض كده بربطه المعلم هتلاقوا حل، انتوا ديابه سعرانه تاخدوا دكتوراه في اذيه الناس.
ظل ينظر إليها لحظات، ثم مسح علي وجهه ببطء وقال: تمام يا ماسة، أنا هروح لسليم وأحاول أتكلم معاه يبطل يربطك كده.
ثم نظر إلى الحبال الملقاة على الأرض وسألها: هو أنتِ كنتي مربوطة كده من امبارح؟
أومأت برأسها بتعب: أيوه.
ثم قالت فجأة باستعطاف: بقولك إيه ماتخليهم يطلعولي أكل، أنا مكلتش من أول امبارح.
نظر لها بدهشة: بتتكلمي جد؟
ردت ببرود: أومال بهزر؟
هز رأسه بضيق: سليم اتجنن على الآخر...
ثم أضاف وهو يحاول تبرير الأمر: بس أنتِ أكيد فاهمة موقفه، هم ظبطوها عليه على المسطرة.
تنهد قليلا ثم قال بجدية: بس والله العظيم هعمل كل اللي في وسعي عشان أثبت براءتك.
اقترب خطوة وقال بنبرة منخفضة: خلينا مع بعض يا ماسة، صدقيني مصلحتك معايا..
ثم أكمل بصراحه: أنا أكتر واحد عارف وساختهم، وعارف أولهم من آخرهم..
وأشار إلى نفسه وهو يركز في عينه: حمايتك في إيدي، وأي اتفاق يحصل بينك وبينهم قوليلي عليه..
توقف لحظة: اتفقنا؟ مش هتخسري حاجة لو صدقتيني..
نظرت له قليلا ثم قالت: ماشي يا رشدي.
أومأ برأسه: أنا همشي، وهخلي سحر تطلعلك أكل.
وقبل أن يخرج، تصنعت ماسة الخوف فجأة وقالت بخوف: بس سليم ممكن ييجي يضربني تاني، خصوصا إنك فكتني.
رد بسرعة: لا مش هيضربك تاني، أنا هبقى موجود، متخافيش.
نظرت له نظرة غريبة وقالت بخفة ساخرة وتقليل:
أنت؟
رد عليها بنبرة معتادة: لا متبصليش كده بنظرات التقليل دي، أنتِ أكتر واحدة عارفة رشدي عامل أزاي.
قالت ببرود وهي تحول نظرها بعيدا عنه: أنتم كلكم زي بعض.
توقفت لحظة ثم أضافت بنبرة باهتة: أهم حاجة عندي دلوقتي، أنا وبس.
ظل رشدي ينظر إليها لحظة، بنظرة طويلة لم تفهم معناها، ثم استدار وخرج من الغرفة دون أن يقول شيئا آخر، وأغلق الباب خلفه.
بقيت ماسة تنظر إلى الباب للحظات باستغراب، ثم همست لنفسها: يا ترى وراك إيه يا رشدي، واللي بتعمله ده آخره ايه؟
وما إن اطمئنت لمغادرته، حتي تحركت سريعا نحو غرفة الدريسنج، وأخرجت هاتفا صغيرا كانت تخفيه، ثم اتصلت بسليم.
ماسة بلهفة: سليم، أنت شوفت اللي حصل بيني وبين رشدي؟
جاءها صوته هادئا: أيوه، سحر اتصلت بيا وقالتلي، وشوفت كل حاجه، وقاعد مستنيه.
ماسة بحيرة: أنا مش فاهمة ماله!
سليم بثبات: لما أرجع نتكلم.
ماسة بقلق: طب متتأخرش.
سليم موضحا: لا، مش هتأخر، بس لازم برضو أوهمهم إني شايف شغلي عادي.
ماسة: طيب، سلام.
ظلت متوقفة في مكانها، غارقة في التفكير في كلمات رشدي، وفيما يريده منها حقا، بينما القلق بدأ يتسلل إلى صدرها ببطء.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
على اتجاة اخري في ممر القصر.
بعد أن خرج رشدي من عند ماسة، كان يسير في الممر بخطوات بطيئة، فرغم قسوته، ورغم كل ما فعله في حياته، إلي أن شيئا في داخله كان يشعر بالضيق لأجلها، نعم ارتكب الكثير من الأخطاء، وكان جزءا من لعبة قذرة كادت تدمر حياتها، لكن في بعض اللحظات كان له وجه آخر.
فلا يمكن أن ينسى أحد أنه نفسه من قتل السائق يوم حاول الاعتداء عليها، وكان يحزن من معامله سليم القاسيه معاها في بداية زواجهم..
في تلك اللحظات كان يتصرف من قلبه لا من عقله، كان يتمنى أن يجد حلا يبرئها به دون الانسياق لشيء يكشف الحقيقة..
زفر بضيق وهو يسير، وفجأة سمع صوت صافيناز تتحدث مع إحدى الخادمات وهي تقول: السواق حضر العربيه..
توقف لحظة، ولمعت فكرة في رأسه، فابتسم ابتسامة خفيفة، واتجه نحو الدرج وصعد إلى الطابق العلوي حتى وصل إلى جناح عماد وصافيناز، لم يطرق الباب، وفتحه مباشرة.
كان عماد يقف أمام المرآة يعدل ربطة عنقه، رفع نظره عبر المرآة فرأى انعكاس رشدي خلفه.
ابتسم رشدي وقال بنبرته المعتادة: بخ!
لكن عماد لم يلتفت إليه، وظل يعدل ملابسه وهو يقول ببرود: طول عمرك قليل الذوق وعديم التربية، طبيعي تفتح الباب من غير ما تستأذن.
اقترب رشدي ببطء وهو يبتسم ابتسامة ساخرة معلقا: أكون قليل الذوق وعديم التربية، أحسن ما أكون ثعلوب يا ثعلوب...
اقترب أكثر وهو يكمل بسخرية لاذعة: لا ثعلب إيه، ده أنت غلبت الثعالب.
رفع حاجبه وأضاف بتحقير: أنت تشكيلة كده من حيوانات سيئة السمعة؛ خنزير على حرباية على ثعبان علي ضبع..
ثم قال وهو يضحك بسخرية: علشان الضبع بيحب ياكل اللحمة ميتة، يعني بياكل بواقي الاكل، يسرق الاكل، زيك كدة بتحب تاكل على حساب جثث الأبرياء.
اقترب منه أكثر: أنت تشكيلة حيوانات قذرة يا عمدة.
أخذ عماد زجاجة عطر ورش منها قليلا ببرود: خلصت؟ عايز إيه؟
ابتسم رشدي وقال بهدوء: حاجة بسيطة اوي.
أخرج هاتفه وبدأ يقلب فيه قليلا، ثم رفعه أمام عماد، كانت صورة له مع سارة، لم ينتبه عماد في البداية، فعلق رشدي متعجبا بسخرية: إيه ده، أنت مبتشوفش من بعيد؟
اقترب منه أكثر: هقربلك يا حبيبي.
قرب الهاتف من وجهه، وقال بنبرة لازعه بسخرية: شايف صورتك وأنت منور مع سارة؟
ثم قلب الصورة، وأظهر صورا أخرى.
مر توتر خفيف في عيني عماد لكنه تماسك سريعا،
والتفتت له، وقال بابتسامة باردة: المفروض لما توريني صور زي دي أخاف وأجري؟
ضحك بسخرية وهو يضيف: روح العب مع حد غيري، الصور دي متهزنيش.
ابتسم رشدي بهدوء: والله ممثل يا واد.
ثم اقترب قليلا وقال: يمكن الكلام ده يمشي على حد غيري، بس ميمشيش عليا..
ثم أضاف ببطء: ولو خال عليا...
رفع الهاتف أمامه: مش هيخيل على صافيناز!
تغيرت ملامح عماد قليلا، فتابع رشدي ببرد وهو ينظر للصور: عندك حق، الصور مفيهاش حاجة كبيرة...
ثم مال نحوه وهمس: بس تخيل بقى، لو الصور دي اتبعتت لـصافيناز، ومعاها نصيحه صغيرة "خلي بالك من جوزك، وصاحبتك الانتيم "
رفع حاجبه: تفتكر هتعمل فيك إيه يا عمدة؟ أنت عارف صافيناز كويس، الموضوع ده عندها كسر رقاب.
ثم أضاف وهو يضحك: بالمناسبة، الموضوع ده عرفي ولا شرعي؟ ولا كدة كدة؟!
لوح بيده بلا مبالاة: مش مهم، مش هتفرق كتير هي تعرف بطريقتها.
نظر له عماد بحدة: انت عايز إيه يا رشدي؟ بتعمل كل ده ليه؟
رشدي ببرود: عايزك تبطل وساخة، وتبعد عن ماسة وسليم.
ثم أضاف بضيق: وكفاية اللي حصل لحد كده، وإذا كنت فاكر إنها هتتكلم، اطمن، هي مش هتتكلم، بطل بقي توسوس للباشا زي ما كنت بتوسوسلي زمان.
ابتسم عماد بسخرية: أنا بس عايز أفهم، الحنية دي كلها ليه؟ علشان نفسك فيها؟
اقترب رشدي خطوة أخرى وقال بتهكم: أنا امبارح ضربتك بوكسين، النهارده هتزعل، ومفيش اللي يحشني عنك.
ابتسم عماد ابتسامة جانبيه: اهدى شوية يا رشدي،
اللي حصل ده كان مجرد فكرة...
نظر له بثبات: فكرة قولتها، زي أفكارك زمان، بتحاسبني ليه؟ حاسب اللي وافق ونفذ...
ثم قال ببطء: لأن مفيش خطوة واحدة في الموضوع ده كانت هتتم، إلا بموافقة الباشا، وتحت حمايته.
صمت لحظة ثم أكمل: آه كانت فكرة وسخة، وأختك حطت لمسات أقذر..
اقترب قليلا وقال بحدة: بس متتشطرش عليا، أنا مبعملش حاجة إلا بموافقتكم.
ابتسم رشدي ببطء: مظبوط
ثم أشار بإصبعه بتحذير: بس لو مبطلتش اللي بتعمله ده هتخسر كتير.
صمت لحظة، وأكمل بخبث: كفاية الفلوس اللي اتحولتلك، والتوكيل اللي اتعملك، لكن كرسي العرش بعيد عن شنبك.
اقترب أكثر وقال وهو يربت على وجهه باصبعيه: بلاش طمع يا عمدة، علشان ميقلش اللى عمال تجمعه، كفاية سايبك تكبش من صافيناز، بس أنا سايبك بمزاجي علشان هي حربوءه وتستاهل كل اللى يجرلها، فاتلم ولم دماغك الوس*خة دى شوية علشان مزعلش منك، وأنا زعلي وحش..
ابتعد قليلا، وقال بمراوغة: وعلى فكرة، الصور دى عينه بسيطه، لكن معايا حاجات تانية كتير هتزعلك أوي.
وأضاف ساخرا: وساعتها أنا هقعد أتفرج، وأنا شايف صافيناز بتروق عليك.
ثم استدار متجها نحو الباب، وقبل أن يغلق الباب أشار له قائلا: سلام يا ثعلوب.
خرج وأغلق الباب خلفه، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة، كان يعرف جيدا مدى صعوبة ما فعله الآن على عماد.
في الداخل...
ظل عماد واقفا مكانه، يقبض على يديه بقوة حتى برزت عروقها، صحيح أن الصور ليست فاضحة، ولا يوجد فيها ما يدينه بشكل واضح..
لكن المشكلة ليست في تلك الصور، بل في صافيناز، هو يعرفها جيدا، لو وصلت إليها تلك الصور، حتى لو كانت بريئة، فهي قادرة على تحويلها إلى بركان قد ينفجر في وجهه في أي لحظة، ويهدم كل ما يحاول فعله.
تنهد بضيق، وهو يتمتم: شكل كده يا رشدي، لازم أخلص منك قريب.
تابع بضجر: الضمير اللي صحي فجأة ده مش عاجبني خالص.
اقترب من المرآة مرة أخرى، وعدل ياقة قميصه ببطء ثم ابتسم ابتسامة باردة: بس خليني أفكر الأول، أقطم رقبتك منين وبسرعه...
مجموعة الراوي.
مكتب سليم،11:00صباحا.
جلس خلف مكتبه، عينيه مثبتتان على شاشة اللابتوب، يراجع بعض الملفات بتركيز، وبعد لحظات فتح الباب، ودخل رشدي بابتسامة صغيرة.
رشدي بطريقة المعتادة: صباحو.
رفع سليم عينيه عن الشاشة، وقال بهدوء: صباح الخير.
تقدم رشدي وجلس أمامه على المقعد.
تسأل سليم بنبرة خفيفة: إيه اللي جابك بسرعة كده؟ للدرجة دي زهقت من شهر العسل؟
هز رأسه بنفي: زهقت إيه بس؟! أنا قولتلك امبارح إن أبو مي كان تعبان، هي بقى متعلقة بيه جدا، كان لازم ننزل..
نظر إليه سليم متسائلا: طب هو عامل إيه دلوقتي؟
اومأ رشدي برأسه: كويس الحمد لله.
مد سليم وجهه وتساءل: تمام، طب ايه هتستلم الشغل بقى ولا هتكمل أجازة؟
هز رشدي كتفيه موضحا: هستلم بس مش النهارده..
واضاف بنبرة جدية: بقولك إيه؟! أنا عايز أتكلم معاك في موضوع.
أغلق سليم اللابتوب ونظر له: خير.
مال رشدي للأمام قليلا وقال: أول حاجة، أنا فتحت الباب على ماسة، وفكتها، واتكلمنا..
اضاف بتعجب مصحوب يضجر: إيه اللي أنت كنت عامله فيها ده؟ رابطها بالحبل؟!
تصلب وجه سليم، وقال بحدة: أنت إزاي تعمل كده يا رشدي؟ ومين أصلا سمحلك تفتح الباب؟
رفع رشدي يده مهدئا: ممكن تهدى، ومتتعصبش؟!
ضرب سليم المكتب بقبضته: متعصبش إيه؟!
رشدي بشدة: ايوه متتعصبش؟! انت ازاي تفضل رابطها بالحبل من امبارح؟! وكمان تمنع عنها الأكل وشرب والحمام؟! وهو أنت أسرها، وعلامات الضرب اللي في جسمها، مش كنت بطلت الجنان ده؟!
سليم من بين اسنانه بضجر: ده اقل حاجة اعملها معاها بعد إللي عملته الفاجرة، لا وكمان كانت عايزة تقتلني!
رشدي بانزعاج: فاجرة إيه بس؟ عيب، دي مراتك.
رفع حاجبه، ونظر له ساخرا: عيب؟!
تابع بمرارة: ماسة مش بريئة يا رشدي، انت متعرفش عملت ايه؟!
رشدى بهدوء: لا عرفت، الهانم حكتلي..
اضاف وهو يتساءل بلوم: أزاي مصدق حاجة زي كده علي ماسة؟
اجابه من بين اسنانه بوجع مصتنع: شوفتها بعيني.
هز رشدي رأسه بعدم تصدق: حتى لو!! مش كل حاجة بنشوفها أو بنسمعها تبقى الحقيقة، يمكن كذب!
ثم أكمل بنبرة متأثرة قليلا يحاول اقناعه: هي قالتلك إنها اتخطفت، ممكن تكون صادقة.
سليم بضيق: وقالتلي كمان أنها بتحب مصطفى، وعايزة تتطلق علشان تتجوزة.
تابع بنظره حاده: لو فعلا صادقه اشمعنا مصطفى يكون معاها؟! لو مخطوفه فعلا، فاللي خطفها هيحطها مع اي حد؟! هيعرف مصطفى منين؟
تابع من بين اسنانه: انا شوفتها معاه في اوضه النوم: اسكت يا رشدي، انت مش فاهم حاجة..