
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثامن والعشرون 28 ج 2 بقلم ليله عادل
ضيق عينه باستغراب: هي قالتلك إنها بتحبه؟! ولا سمعت؟!
هز سليم رأسه بتأكيد مرير: اممم وقفت قصاد عيني وقالتلي انها حبته، وكانت هتقتلني امبارح لأني قتلته.
صمت رشدي للحظة، يحاول استيعاب مايقوله، شعر أن هناك شيء خاطئ لابد أن يعرفه؟!
بينما كان سليم يراقبه بدقة، يدرس أثر الحديث عليه ويحاول كشف ما وراء الصمت.
تنهد رشدي، وقال باعتراض: اكيد قالتلك كدة علشان توجعك وتعصبك..
نظر بعيدا، تابع بنبرة صدقه: أنا أكتر واحد عارف ماسة بتحبك قد إيه؟! مش معقول كل الحب ده اتغير فجاه؟! سليم اهدى واوزن الأمور، وفكر صح، مستحيل ماسة تعمل كدة، أنا متأكد في حاجة غلط.
واصل رشدي حديثه يحاول إقناعه، بينما عاد سليم بظهره متكئا إلى الخلف، وأخذ يرمقه من أعلي لأسفل بنظرة باردة، مليئة بعدم التصديق.
في داخله كان متيقنا أن رشدي ليس بهذه الطيبه؛ فمنذ متى وهو يدافع عن ماسة بهذا الشكل؟ اليس هو نفسه من هددها من قبل؟! بل وكان سببا في هروبها أكثر من مرة.
شرد ذهنه فيما فعله مع عماد بالأمس، وأخذ يفكر في التغير المفاجئ الذي طرأ عليه، فليس من المعقول أنه تغير هكذا لمجرد زواجه من مي!
توقف عقله عند السؤال الذي طرق رأسه بإلحاح: يا تري عايز توصل لايه يا رشدي من اللى بتعمله ده؟
لاحظ رشدي شروده، فتوقف عن الحديث، وقال متعجبا: سليم أنت معايا؟
انتبه اليه وتغيرت ملامحه في جزء من الثانية، اعتدل في جلسته، وعاد وجهه إلى هدوئه المعتاد: أه بسمعك.
تابع يحاول إقناعه: أنت مش هتخسر حاجة لو دورت، ولو طلعت مش بريئه طلقها وسيبها تمشي، لكن الضرب والتعذيب ده مش صح.
ابتسم سليم ابتسامة باردة: الخاطية بتتقتل.
ثم أضاف بنبرة مظلمة: وأنا هقتلها، بس بعد ما أعذبها، انت لو مكاني هتعمل اكتر من كدة.
نظر له رشدي بقلق، وحاول اقناعه: صدقني يا سليم،
أنا متأكد إن ماسة مظلومة، أنت نفسك قبل كده أنقذتها مني!
ظل سليم ينظر إليه لحظة طويلة، ثم قال بنبرة تحذير حادة: رشدي ملكش دعوة بالموضوع ده، خليك في حالك، وأياك تفتحلها أو تحاول تحميها تاني، كده هتبقى بتعاديني...
فتح رشدي فمه ليعترض: يا سليم-
قاطعه سليم بحدة: ولا كلمة، اقفل على موضوع ده....
ثم رفع عينه اليه، وقال بخبث: سيبك من ماسة، في موضوع أهم بكتير يخصك لازم تعرفه.
عقد حاجبيه باستغراب: موضوع ايه؟!
مال سليم للأمام وقال بهدوء ثقيل: أنت عارف مين اللي خلاك تدمن؟ انت مأدمنتش بسبب الكام شمه بتوع نيللي الله يرحمها..
تابع بشر خبيث: الموضوع ابعد من كدة في حد ورا الحكاية دي..
تجمد رشدي في مكانه، وقال ببطء: مين؟
سليم دون تردد: منى.
شهق رشدي بدهشة: منى؟! أزاي؟
عاد بظهره للخلف وقال ببرود: هي اللي زقت عليك نيللي؛ علشان تخليك تدمن.
ظل ينظر إليه بعدم تصديق: أنت متأكد؟
رفع سليم حاجبه بسخرية خفيفة: عيب تسألني سؤال زي ده يا رشدي.
اقترب رشدي أكثر وقال بحدة: عرفت ازاي، مين قالك؟
لوح سليم بيده بلا مبالاة: مش مهم عرفت منين وأزاي؟! المهم إننا لازم نعرف هي ليه عملت كده؟! وتتعاقب.
جز رشدي على أسنانه بغضب وهو ينهض بانفعال: بنت الكلب، والله لأوريها!
رفع سليم يده مهدئا بتصنع: اصبر بس اهدى، مش كل حاجه تتحل بجنونك...
ثم أضاف بنبرة اخبث: أنا أصلا مكنتش عايز أقولك علشان اندفاعك ده؟!
ضرب رشدي المكتب بقبضته بعصبية: أومال أعمل إيه؟! بنت الكلب دي دمرت حياتي!
سليم بهدوء: خلينا الأول نعرف السبب، وبعدين ناخد حقك، اقعد خلينا نتكلم.
هز رشدي رأسه بعنف: لا يا سليم، لازم أنتقم مش هستنى افهم أسباب.
تحرك نحو الباب وقال بحدة: والله لأعرفها مين هو رشدي الراوي وادفعها الثمن.
رفع سليم صوته بتمثيل وهو ينهض ببطىء: يابنى اصبر الأمور مبتتحلش كدة؟!
لكن رشدي خرج من المكتب بعصبية ولم يستمع له، جلس مكانه مره أخري بابتسامة ماكرة، وأخذ يدير مقعده يمينا ويسارا ببطء، وهو يتمتم: طول عمرك متهور يا رشدي، يلا هي بنت حلال وتستاهل..
في تلك اللحظة رفع هاتفه، وضغط على رقم، انتظر قليلا، ثم قال: إيوة يا مكي، عايزك تعرفلي رشدي هيعمل ايه مع مني.
ثم أنهى المكالمة بكلمة مقتضبة: سلام.
وضع الهاتف ببطء، وأدار كرسيه قليلا واستند إلى ظهره، رافعا بصره للأعلى بابتسامة باردة؛ وشعر لأول مرة منذ زمن أن انتقامه بدأ يؤتي بثماره.
علي اتجاه آخر.
خرج رشدي من المجموعة بخطوات سريعة، والغضب يكسو ملامحه، وجد شوقي متكئا على سيارته وهو يحتسى قهوته، فوقف أمامه بوجه متجهم قائلا: شوقي عايزك تجيبلي منى على مخزن المعادي حالا.
عقد حاجبيه بعدم فهم: منى مين يا باشا؟
اجابه بنبرة حادة: منى مرات طه! شوفها في أنهي مصيبة، وجيبها يلا!
هز رأسه بسرعة:حاضر يا باشا.
تحرك مسرعا نحو سيارته.
بينما صعد رشدي سيارته هو الآخر، أدار المحرك بعنف وانطلق بها مسرعا.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
في احد النوادي الرياضية12:00 مساء.
كانت منى تخرج من النادي، تحمل حقيبتها على كتفها وتسير نحو سيارتها.
فتحت الباب وكادت أن تصعد، لكن فجأة توقفت سيارة جيب سوداء بجوارها، وفي لحظة واحدة هبط منها رجلان ملثمان.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، أمسك أحدهما بذراعها بقوة، بينما وضع الآخر يده على فمها.
حاولت الصراخ: ممم...!
كانت تضربهما بيديها وتحاول الإفلات، لكنهما كانا أقوى، حملاها بسرعة إلى داخل السيارة، وانغلق الباب بقوة، وانطلقت السيارة مسرعة...
بينما ظلت منى في الداخل تحاول الصراخ والضرب بعنف لكن دون جدوى..
كلية أسنان عين شمس، 12:00مساء
الكافتيريا.
كانت عائشة تجلس مع صديقاتها في الكافتيريا، يتبادلن الأحاديث والضحكات الخفيفة بعد المحاضرة.
وفي هذه الأثناء، اقترب محمد من الطاولة وهو يقول بنبرة لطيفة: السلام عليكم.
رفع الجميع رؤوسهم نحوه، فهم يعرفونه جيدا، وردوا التحية بخفوت: وعليكم السلام.
أما عائشة فتجمدت في مكانها قليلا، وظهر الضيق واضحا علي ملامحها.
ابتسم محمد بخفة: إيه يا شوشو، عاملة إيه؟
لم تنظر إليه، واكتفت بالرد وهي تنظر أمامها: الحمد لله.
تردد لحظة ثم قال: ممكن نتكلم لوحدنا؟
تبادلت صديقاتها النظرات مع بعضهن، ثم بدأن ينهضن واحدة تلو الأخرى.
إحدى الصديقات: إحنا هنجيب حاجة من هناك ونرجع.
تركوهما وحدهما، جلس أمامها، ومرت لحظة صامتة بينهما، حتي تنهد وقال: أتمنى تكوني هديتي شوية، ونعرف نتكلم بقى.
ثم أضاف بحذر: ولا لسه متعصبة مني ومش عايزة تتكلمي؟
رفعت عينيها نحوه أخيرا وقالت بحدة هادئة: متعصبة منك دي تقولها لو إحنا متخانقين على حاجة ضايقتني، مش بعد اللي حصل...
رد بسرعة: أنتِ فهمتيني غلط.
ابتسمت ابتسامة جانبية مليئة بالمرارة: لا أنا فهمتك صح..
ثم أضافت وهي تنظر إليه بثبات: على فكرة يا محمد، أنا لقطت الحتة دي فيك من زمان.
تنهدت قليلا: علشان كده كنت دايما خايفة.
رفعت كتفيها قليلا: إحنا مش زي بعض، أفكارنا مش واحدة، اختياراتنا مش واحدة ورؤيتنا مختلفه..
وأشارت بيدها بخفة: الحاجات اللي أنا بشوفها عادي وتنفع، أنت بتشوفها لأ...
ثم أضافت بنبرة أهدأ: وبتبقى هجومي أوي وقاسي، ودي حاجات كفيله تنهي اي علاقه وتبوظ اي جوازه، اهم حاجه في الجواز والعلاقه بين اي اثنين هي التفاهم، ممكن نكون مختلفين في بعض الاشياء بس في حاجات مصيريه مينفعش نبقي مختلفين فيها وده اللي حصل.
رد بسرعة مفسرا: أنا خايف على مصطفى، مصطفى ده أخويا.
نظرت اليه، وقالت باستهجان: أنت عمرك ماهتخاف على مصطفى أكتر مننا، ولا أكتر من نفسه...
ثم أضافت بهدوء: كان ممكن تقول رأيك بطرق تانية.
هزت رأسها، وأكلمت بحسم: بس دي شخصيتك يا محمد للأسف...
رفعت عينيها إليه مباشرة: وأنا مش حابة نكمل، خلاص الموضوع بينا مش نافع، أنت بالنسبة لي بقيت مجرد صديق لأخويا وبس.
نظر لها بصمت للحظة، ثم قال بهدوء حزين: عارفة، على قد ما أنا زعلان بس مش متفاجئ...
خفض عينيه، وأكمل وهو يزم شفتيه: أنتِ محبتنيش...
رفع عينيه إليها مرة أخرى: حاولتي بس معرفتيش..
ابتسم ابتسامة باهتة: طول عمري أنا اللي بجري وبحاول، وأنتِ دايما خايفة، ومترددة...
هز رأسه وتابع: مش عشان موضوع باباكي، بس لو كنتي حبيتيني بجد، كنتي صدقتيني.
صمت لحظة، وتابع: مكنتيش هتخافي...
ثم قال بهدوء مؤلم: بس أنتِ محبتنيش يا عائشة.
وقف من مكانه ببطء: أنا مش هضايقك تاني، بس أنا دايما هبقى جنبك، لو احتاجتيني.
قال كلماته الأخيرة، وتحرك مبتعدا، كانت خطواته بطيئة، كأن كل خطوة تبعده عنها أكثر مما كان يتخيل يوما..
أما عائشة فظلت جالسة في مكانها، تنظر أمامها إلى نقطة بعيدة دون أن ترى شيئا، كانت تعض خدها من الداخل بقوة، محاولة أن تمنع تلك الغصة التي ارتفعت في صدرها...
امتزج في عينيها الضيق بالحزن، ثم أخرجت نفسا طويلا ببطء، كأنها تحاول أن تهدئ قلبها.
بعد لحظات...
جاءت إحدى صديقاتها وجلست أمامها وهي تتساءل بقلق: إيه؟ عملتوا إيه، اتصالحتوا؟
هز رأسها، وأجابتها بهدوء: خلاص كل حاجة انتهت.
عقدت صديقتها حاجبيها: طب ما كنتي تاخدي فرصة.
أجابتها وهي تنظر بعيدا: الفرصة دي بتكون لحد أكون حاسة اني واثقه فيه..
صمتت لحظة قبل أن تضيف: بس أنا ومحمد عمرنا ما وصلنا للنقطه دي..
ثم غيرت الموضوع فجأة وهي تحاول التماسك: بقولك إيه؟! تعالي نكمل مذاكرة.
هزت صديقتها رأسها بالإيجاب، لكنها ظلت تنظر إلى عائشة بأسف، وهي تشعر بالحزن من أجلها.
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي
غرفة ماسة وسليم 12:00ظهرا.
جلست ماسة على الفراش، مسندة ظهرها إلى الوسادة، تشاهد التلفاز بهدوء بينما تقضم تفاحة في يدها، يبدو على ملامحها هدوء غريب كأن شيئا لم يحدث، وفجأة انفتح الباب بعنف قليلا، ودخلت فايزة.
رفعت ماسة عينيها فورا ونهضت من مكانها بتوتر خفيف.
توقفت فايزة أمامها، تتفحصها من أعلى إلى أسفل بنظرة قاسية، ثم قالت ببرود: ولسه ليكي نفس تاكلي بعد اللي عملتيه امبارح يا حشرة؟
ثم أشارت إلى التفاحة في يدها: ومين دخلك الأكل ده؟ ده هيكون اخر يوم ليه هنا.
رفعت يدها تعبث في شعرها بلا مبالاة وقالت:
ابنك.
تجمدت ملامح فايزة قليلا: ابني؟
جلست علي الفراش مرة أخرى، وأخذت قضمة أخرى من التفاحة: أه والله العظيم ابنك الشمام، جه وفكني لما كنت مربوطة، وجابلي أكل، وقعد يقولي كلام غريب بس أنا مشترتش.
تقدمت فايزة خطوة، حتى توقفت أمامها، ضيقت عينيها وهي تراقبها بدقة، ثم قالت ببطء: قوليلي يا ماسة، قلبك ازاي جامد كده وأنتِ بتكلميني؟ رغم إنك عاملة مصيبة؟! مش مصيبه عاديه تؤ، دى خيانه!
ماسة بهدوء: أنا معملتش حاجة، وأنتِ عارفة كويس إني مظلومة، ورشدي أكدلي ده.
تغيرت نظرة فايزة قليلا بتعجب: قالك إيه رشدي؟
ابتسمت ماسة ابتسامة خفيفة: ابقي اسأليه؟!
اقتربت فايزة منها أكثر وقالت بتهديد وهي تنظر داخل عينيها: أوعي تكوني فاكرة إنك لما هددتيني انك هتحكي لسليم كل حاجة، ده يخلي قلبك يجمد وتكلميني كده وإني هخاف منك.
ثم أضافت بفخر واضح: أنا فايزة رستم آغا.
نظرت إليها بحدة: متنسيش نفسك، افعصك تحت جزمتي.
ثم مالت بجسدها قليلا نحوها وقالت بصوت منخفض: أنتِ لسه امبارح، كنتي بتصرخي..
ثم رفعت يدها وأزاحت شعر ماسة عن وجهها، ولمست مكان الضرب على خدها، وقالت بثبات وهي تركز في عينيها: لسه العلامات على وشك مخفتش، بلاش الأسلوب ده معايا اياكي تتحديني، انتِ بالنسبة لي حشرة، اوعى تكوني فاكرة الكلمتين اللي قولتيهم خوفوني، تبقي غبيه يا ماسة.
ابعدت ماسه وجهها عن مرمي يدها، وقالت بثبات: حضرتك عايزة مني أيه؟
فايزة بلا مبالاة: ولا حاجة.
اعتدلت في وقفتها، وأدخلت يدها في جيبها، وأخرجت هاتفا صغيرا ذو أزرار ووضعته على الطاولة أمامها: ده تليفون هنكلمك منه، وهيبقى وسيلة التواصل بينا عشان نبلغك بكل حاجة.
توقفت لحظة ثم قالت: أنا بلغت الباشا، وهو وافق يهربك...
صمتت لحظة قبل أن تكمل: مسألة أيام، لأن عندنا حاجات أهم منك...
ثم قالت بنبرة حادة: فخليكي عاقلة احسنلك.
ثم تحركت بضع خطوات نحو الباب، وكادت تخرج لكنها توقفت فجأة، والتفتت إليها مرة أخرى وقالت: هو أنتِ بجد كنتي عايزة تقتلي سليم امبارح؟
اتسعت عينا ماسة، وظهر التأثر واضحا على ملامحها، ثم قالت بصوت منخفض يحمل ألما حقيقيا: أه...
توقفت لحظة، ثم رفعت عينيها نحوها: كنت هقتله
من وجعي، ومن اللي بيعمله فيا، ولأنه قتل مصطفى، وهددني إنه هيقتل أهلي...
انخفض صوتها أكثر: كنت عايزة أخلص منه، أنهي العذاب ده.
نظرت فايزة إليها لحظة طويلة، ثم قالت: عذابك هيخلص قريب.
ثم أضافت بتحذير واضح: أوعي تفكري تعملي حاجة تانية زي كده، علشان اقسم بالله اوريكي العذاب ألوان، أنتِ لحد دلوقت مجربتيش عذاب فايزة، الا سليم سامعه..
انهت كلمتها واستدارت بعدها وخرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفها.
ساد الصمت المكان، فنهضت ماسة، وتقدمت ببطء نحو الطاولة، أمسكت الهاتف الصغير بين أصابعها ونظرت إليه قليلا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة؛ فهذا بالضبط ما كانت تريده، أن تمتلك هذا الهاتف، الذي سيجعل خيوط اللعبة بين أيديهم
أخذت تقلبه بين أصابعها، وهمست لنفسها بهدوء: كدة احلوت أوووي..
ثم أنزلته ببطء، وعادت تجلس كما كانت من قبل، كأن شيئا لم يحدث.
مدت يدها إلى التفاحة، وأكملت أكلها في هدوء، وعيناها عادت إلى شاشة التلفاز، لكن خلف ذلك الهدوء الظاهر كانت ابتسامتها الصغيرة ما تزال على شفتيها.
في أحد المخازن المملوكه لعائلة الراوي.1:00 ظهرا.
كانت منى مربوطة على كرسي، عيناها معصوبتان بقطعة قماش، وفمها مكمم، حولها عدد من الحراس يقفون في صمت ثقيل.
فجأة فتح باب المخزن بقوة، ودخل رشدي ووجهه يشتعل غضبا، وحقد قديم يطفو على ملامحه، توقف أمامها مباشرة...
رفع يده بإشارة للحراس، فاقترب أحدهم ونزع العصابة عن عينيها.
رمشت عدة مرات حتى وضحت الرؤية، وما إن رأت رشدي أمامها حتى اتسعت عيناها بصدمة.
اقترب هو بنفسه وفك القماش عن فمها.
منى بذهول: أنت اتجننت؟!
ابتسم ابتسامة باردة: تقصدي عقلت، بقيت بشوف صح...
انحنى قليلا نحوها وعيناه تشتعلان، وقال بنبرة حادة: بقى يا واطيه، تعملي كده في رشدي الراوي؟ أنتِ اللي زقيتي نيللي عليا، علشان تخليني مدمن! ولبستيها في الواد الويتر، بقى انتِ تغفليني انا والباشا، طبعا ابوكي واخوكي اللي ساعدوكي، ما الموضوع ده ميعديش كده من تحت ايديهم، بس وشرف امك نوجا لهدفعك الثمن وادفعهم معاكي..
اتسعت عيناها بصدمة، وبدأ قلبها يدق بعنف، فذلك الأمر مر عليه سنوات طويلة، وكانت تظن أنه دفن للأبد، كيف علم؟! لقد تأكدت بنفسها آنذاك أن كل من شهد أو علم بذلك قد اختفى، بل إن بعضهم قتل حتى لا يبقى أي أثر للحقيقة، فكيف وصل إليه الأمر بعد كل تلك السنوات؟!
ارتجفت أنفاسها قليلا، بينما راحت عيناها تراقبانه بقلق حقيقي لأول مرة.
ابتعلت ريقها، وحاولت الثبات والتلاعب: أنت بتقول إيه؟ انا مش..
قاطعها بصفعه قوية، جعلت رأسها ترتد إلى الجانب، وهو يصيح بغضب: كنتي فاكرة إن اللي عملتيه مش هيتعرف؟!
ثم صفعها مرة أخرى، وتابع: عملتي كده ليه؟!
صفعة ثالثة، تابع صارخا بانفعال: انطقي! عملتي كده ليه؟! اوعى تلاوعى بالكلام، انطقي عملتي كدة ليه؟
كانت تتألم من الضرب وأنفاسها تتقطع، ثم رفعت عينيها إليه، وقالت بكره: علشان هددتني!
توقف رشدي لحظة، فتابعت بغل وهي تنظر في عينيه: هددتني بأولادي، كان لازم أدفعك التمن...
أكملت بصوت مرتجف: كنت بحمي نفسي ولادي منك ومن شرك بعد ما هددتني انا وطه.
ضحك بمرارة وهو يقول: يمكن حميتي أولادك مني؟! بس محميتهمش من شرك، ولا من غلك ولا طمعك يا عقربه.
اقترب منها أكثر وقال ببطء: أقسم بالله، لآخد حقي، وحق كل إللي عملتيه معايا، ساعة بساعة يا اوسخ واحده شوفتها في حياتي.
رفعت رأسها بعناد: لو قربت مني هنهيك، انت روحك في إيدي...
اقتربت بوجهها منه وقالت بتهديد: هروح أقول لـسليم كل حاجة، ولمراتك كمان، وقتها هتنتهى
تهدج صوتها، وهي تقول بارتعاش: سيبني امشي يا شدي وانسى اللي حصل، احنا كده خلصانين، انت هددتني بعيالي، وانا خدت حق التهديدات دي.
ثم تابعت بسخرية وتقليل: بعدين أنت اللي ضعيف وكملت، لحد علمي نيللي مكنتش لسه وصلتك للشم.
ابتسم بسخرية وفجأة أمسك شعرها بعنف قائلا بنبرة مرعبه: أنتِ فاكرة إنك هتخرجي من هنا حية؟!
شد شعرها أكثر وهو يصرخ: ده انا هسسفكك التراب وهخليكي تقولي حقي برقبتي، وتندمي على اليوم إللي فكرتي فيه تلعبي مع رشدي يا بنت كلب..
واخذ يضربها على مختلف جسدها ووجهها بيده بعنف
صرخت من الألم: طه مش هيسيبك! ولو اختفيت الدنيا كلها هتعرف! أنا معايا مستندات تيدينك، الناس دي لو عرفوا إني اختفيت هيطلعوا الورق وهيدمروكم.
اقترب منها أكثر وقال ببرود: أنا مبخافش ومبتهددش.
ثم قال ببطء: ومش هتخرجي من هنا، غير لما آخد حقي منك.
بصقت الكلمات في وجهه باشمئزاز: أنت ضعيف وجبـان وشمام، ولا هتعرف تعمل حاجة، فاكر نفسك سليم!! مهما حاولت تقلده هتفضل مجرد كومبارس فاشل ومزعج.
اشتعل غضبه، وأمسك شعرها بقوة وبدأ يصفعها مرارا، وهي تصرخ حتى نزفت شفتيها.
تدخل الحراس وأبعدوه عنها قليلا، وقال وهو يلهث من شدة الغضب: أنا بقى هوريكي، المدمن الجبان هيعمل إيه؟!
ابتعد قليلا ثم قال للحراس: أنا همشي دلوقتي، كل ساعة عايزها تاخد علقة.
ثم أضاف ببرود: بس متموتش، لحد ما أقرر هعمل فيها إيه.
ثم نظر إليها فجأة، وقال بأمر: هتتصلي بطه، وتقولي له إنك هتباتي بره.
رفعت رأسها بعناد: مستحيل أتصل.
ابتسم ببطء: جميل...
ثم أخرج هاتفه وفتحه أمامها، فظهر على الشاشة قناص يوجه سلاحه نحو ابنها تيم الذي يقف من أصدقائه بالشارع أمام سيارته.
اتسعت عيناها بصدمة: تيم...!
رشدي بهدوء مرعب: كلمة واحدة مني، وهتبقي أم المرحوم
ترددت أنفاسها، فتابع بنظرة باردة تحمل قسوة: مش مصدقة؟
رفع الهاتف قليلا وقال: بهجت...نقذ
صرخت: استنى..
ابتسم بسخرية: أيوه كده، ابلعي السم يا عقربه واسمعي الكلام...
ثم أشار للحارس: ادوها تليفونها.
فك أحد الحراس قيد يدها وأعطاها الهاتف.
اتصلت بيد مرتجفة، حتي أتاها صوت طه: أيوه يا منى؟
حاولت أن يبدو صوتها طبيعيا: أيوة ياحبيبي، أنا هبات النهارده عند بابا، بقالي كتير مشوفتهوش.
توقفت لحظة: ماشي... باي.
أغلقت الهاتف ببطء، نظر إليها رشدي مبتسما: جميل، توتي بيسمع الكلام بسرعه..
ثم قال للحراس وهو يتجه للخروج: خلو بالكم من العقروبه دي، عايزها تاخد احلى واجب.
فتح باب المخزن وخرج تاركا خلفه صدى صراخها في المكان.
❤️________________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي، 3:00مساء
جناح مي ورشدي
دخلت مي غرفتها وهي تتحدث في الهاتف: آه يا حبيبي، أنا لسه جاية أهو هتتأخر؟ خلاص هقعد أستناك، لا لا مش هتغدى، هستناك، باي.
أغلقت الهاتف وألقته برفق على الفراش، ثم وقفت تنظر حولها إلى ديكور الغرفة، وإلي حياتها الجديده التي بدأت الآن..
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها وهي تتأمل المكان، ثم دخلت غرفة الملابس، وقفت تتفحصها بإعجاب، ثم ابدلت ملابسها وأثناء خروجها طرق الباب.
مي: اتفضل.
دخلت إحدى الخادمات وهي تقول باحترام: مساء الخير يا ست هانم.
مي بلطف: مساء النور.
ابتسمت الخادمة وقالت: أنتِ نورتينا يا عروسة، أنا خدامتك مفيدة، أي حاجة تحتاجيها أنا تحت أمرك...
ثم أضافت: رشدي بيه كلمني وقالي أبقى معاكي من دلوقتي.
ابتسمت مي بأدب: شكرا جدا، ممكن تعمليلي كوباية نسكافيه؟
مفيدة: بس كده؟ عيني حاضر، مش عايزة تتغدي؟ أصل هنا مبيتغدوش، بيتعشوا الساعة سبعة، وبيفطروا الساعة ستة الصبح.
أومأت برأسها: لا، مش عايزة أكل هستنى رشدي، اعمليلي نسكافيه بس.
مفيدة: عيني حاضر.
خرجت مفيدة من الغرفة، بينما توجهت مي نحو الشرفة.
جلست هناك تستمتع بالهواء الهادئ، بعد قليل عادت مفيدة تحمل كوب النسكافيه، وضعته أمامها وانصرفت بهدوء.
أمسكت مي بالكوب وجلست تحتسيه، وهي تعبث بهاتفها وتتصفح الإنستجرام.
توقفت أصابعها فجأة عندما ظهرت أمامها صور لوجين وياسين وهما يستمتعان بشهر العسل.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم ضغطت على زر الاتصال.
وضعت الهاتف على أذنها وهي تميل برأسها إلى الخلف في المقعد بابتسامة: جيجي وحشتيني.
جاءها صوت لوجين من الطرف الآخر: ميوشي! عاملة إيه، وحشتيني.
اجابتها بابتسامة: تمام، شوفت صوركم، جامدة جدا.
ضحكت لوجين: وأنتِ فين صورك؟ ولا أنتِ من النوع اللي بيخاف من الحسد؟
هزت رأسها وهي تنظر إلى فنجانها بضيق: لا يا ستي، إحنا أصلا نزلنا مصر من كام يوم.
لوجين بدهشة: ليه كده؟
تنهدت مي قليلا، ومررت يدها في شعرها: علشان بابا تعب شوية، بس الحمد لله بقى أحسن.
لوجين بسرعة: الف سلامه عليه، طب مادام اطمنتي عليه ارجعي.
حركت كتفيها قليلا وهي تنظر للسماء: مش هينفع، رشدي كمان عنده شغل ومحتاج يركز فيه، دى حتي رحمة مديرة أعمال سليم كلمته كذا مرة وأحنا في شهر العسل، بس أنتِ عارفه رشدي كان بيكبر دماغه ومش بيرد عليها.
لوجين بتعجب: هو سليم غير نور مديرة أعماله؟
عقدت مي حاجبيها قليلا: معرفش، اللي كلمته اسمها رحمه وقالى مديرة أعمال سليم!!
لوجين بتردد: ممكن يكون غيرها، خسارة نور كانت ممتازة، المهم انتِ كويسه؟
صمت مي للحظه تفكر في حديثها، شعرت أن هناك شيء خاطىء، لكنها تابعت حديثها، وقالت بنبرة حاولت جعلها طبيعية: تمام يا روحي، كنت بس بطمن عليكي إنجوي يا حبي، سلميلي على ياسين... يلا، سي يو.
أنهت المكالمة، وخفتت ابتسامتها قليلا وهي تنظر إلى الهاتف بين يديها كأن شيئا ما بدأ يثير فضولها.
هزت رأسها وكأنها تطرد الفكره من عقلها: بلاش هبل يا مي اعقلي.
عادت تمسك بالكوب وترتشف منه مرة أخرى، بينما تُمسك بالهاتف بين يديها، تعبث به بلا وعي، وتتنقل بين تطبيقاته دون تركيز؛ فذهنها شرد بعيدا عند كلام لوجين، وأخذت الأفكار تعصف بعقلها...
عقدت حاجبيها وهي تهمس بداخلها بتشوش: ازاي اسمها نور وهو قال رحمة؟! طب رشدي هيكدب عليا ليه؟ يمكن فعلا سليم غيرها..!!
لكن مرت بخاطرها ذكريات قديمة، واتاها صوت آخر يهمس بداخلها ساخرا: وميكدبش ليه؟ ده كان بتاع بنات أصلا، حتي في شهر العسل كان بيعاكس بنات قدامك!
تنهدت وهي تهز رأسها: هتبقي ليلتك سودا يا رشدي، لو طلعت بتكلم بنات فعلا!
تسارعت أنفاسها، وأخذت تقلب الاحتمالات في رأسها، وهي تحدق في الفراغ أمامها، وفجأة لمعت فكرة في رأسها أرادت بها أن تقطع دائرة الشك بداخلها.
اعتدلت في جلستها، وشدت قبضتها على هاتفها، ثم ضغطت على الاتصال، وحاولت أن تغير نبرة صوتها قليلا: ألو مساء الخير، لو سمحت ممكن تحولني على مكتب الاسيست الخاصة بسليم الراوي، معاك المدير التنفيذي لشركة جيو.
مرت لحظات قصيرة، ثم جاءها صوت امرأة من الطرف الآخر: مساء الخير.
ابتسمت مي بخفة وقالت: أستاذة نور معايا؟
رد الصوت بهدوء: أيوه، أنا نور، مين معايا؟
تجمدت للحظة واتسعت عيناها، ثم أغلقت الهاتف بسرعة، وهمست من بين أسنانها: كده يا رشدي...؟ ماشي يا رشدي... ماشي.
مجموعة الراوي.
الممر
كان سليم يتحرك في الممر بخطوات هادئة، وخلفه نور تعطيه بعض المعلومات، بينما كان يهز رأسه بين الحين والآخر بإيماءة موافقة، في تلك اللحظة...
كان رشدي هو الآخر يسير في الممر، قادم لتوه من الخارج، توقف سليم أمامه متسائلا: إيه يا رشدي؟ جاي منين؟ وعملت إيه مع منى؟
ثم التفت إلى نور وقال بتهذب: نور، من فضلك اسبقيني على المكتب.
أومأت نور برأسها موافقة، ثم تحركت مبتعدة.
اجابه رشدي بنبرة ساخرة: خدتها فسحة لمخزن المعادي.
رفع سليم حاجبه قليلا وسأله: وناوي تعمل إيه؟ بلاش تهور ولا جنون، اهدى.
أجابه بانزعاج، ووجه متجهم: مش حاطط حاجة معينة في دماغي، لسه بفكر.
مرر سليم عينه عليه قائلا بتفخيم مفتعل: بس الصراحة، متوقعتش إنك هتعمل حاجه بالسرعه دي؟!
رشدي بابتسامة جانبيه: أنت بس اللي شايفني قليل...
ثم ابتسم بسخرية: مش أنت بس العيلة كلها.
نظر إليه سليم بتركيز: أنا عمري ماشوفتك قليل، كنت دايما بقول إن فيك حاجات كتير مني، بس لو بطلت اندفاع وركزت شوية.
ثم سأله فجأة: بس قولي عرفت ليه عملت معاك كده؟
هز رأسه: لسه بس هتقر.
تسأل سليم: طيب رجعت ليه دلوقتي؟
أجابه ببساطة: عايز أقعد مع شوقي شوية وأتكلم معاه، نشوف هنعمل إيه وأفكر على مهلي، خصوصا إن مي في القصر مش هبقي على راحتى.
أومأ سليم برأسه وقال بهدوء: تمام، لو احتاجت حاجة أنا معاك، سلام.
تحرك مبتعدا متجها نحو مكتبه، بينما أكمل رشدي طريقه إلى مكتبه.
وحينما وصل سليم إلى المكتب، جلس علي المقعد وفتح اللاب توب أمامه، وضغط على بعض الأزرار حتى فتحت الكاميرا المثبتة داخل مكتب رشدي، وظهرت الصورة أمامه بوضوح.
كان رشدي جالسا خلف مكتبه يفكر في منى، وكيف يعاقبها، ويأخذ حقه منها.
فتح هاتفه وكتب في محرك البحث: "إزاي أخلي واحد يدمن بسرعة؟" وبالطبع سليم لم يكن يرى مايكتبه على الهاتف.
ظل يبحث قليلا، ثم بدأ يدون بعض الملاحظات على ورقة أمامه، بعد دقائق دق الباب.
رشدي: ادخل
دخل شوقي، وجلس أمامه.
نظر اليه رشدي وتساءل: عملتوا معاها ايه؟
هز شوقي كتفيه: ولا حاجة، بس قولت الرجالة كل شوية يدوها قلمين، مش عايزين نتقل عليها أوي.
ثم سأله: اؤمرني يا باشا، المفروض دلوقتي نعمل معاها إيه؟
رشدي ببرود: ولا حاجة، سيبها قاعدة زي الكلبة في المخزن، هاتولها أكل وميه، ولو عايزة تدخل الحمام تدخل.
ثم أشار بإصبعه محذرا: بس فتح عينك كويس، منى دي دماغها سم..
ثم ابتسم بسخرية: ممكن تضحك عليك وتقولك بطني وجعاني ولا تعبانة، اعرف إنها بتشتغلك.
اومأ شوقي برأسه، وقال بحذر: بس اسمحلي أقول حاجة يا باشا...
تابع باستحياء: موضوع منى هانم يعني..
ضيق رشدي عينه: ماله
ابتع شوقي ريق: اللعب معاها لازم يتفكرله كويس، حضرتك عارف هي بنت مين وأخت مين.
ابتسم رشدي ابتسامة باردة: شكلك أنت اللي نسيت أنت شغال مع مين.
ثم قال بثقه: رفعت وحسام شغالين عندنا، وبعدين هما كمان هيتعاقبوا أزاي يتجرأوا يعملوا كدة في رشدي الراوي.
ثم انحنى قليلا للأمام وقال: أنا عايزك تجبلي معلومات عن شغلهم اللي شغالين عليه دلوقتي، هاتلي كل حاجة، علشان بعد كده يفكروا كويس قبل ما يقفوا قدامي.
تابع بتنبيه: الفترة الجاية شغلك الشاغل يبقى عماد
وطبعا رأفت وحسام.
أومأ شوقي فورا: اعتبره تم يا باشا.
أشار رشدي بيده: طب روح أنت.
نهض شوقي وغادر المكتب، بقي رشدي وحده، نظر إلى الورقة أمامه، وارتسمت على شفتيه ابتسامه شر شطانيه.
منزل سارة 4:00 مساء
غرفة النوم.
جلس عماد وسارة بجانب بعضهما على الفراش، كان يبدو على ملامح عماد التوتر
قالت سارة بتعجب: هو ده الموضوع المهم اللي مخوفك كده؟
ابتسمت بتعجب ساخر: إخص عليك يا عمدة، بقي رشدي حتت العيل العبيط دى يخوفك؟! ده مهزق العيلة، عيب في حقك.
تنهد وهو يمسح على ذقنه بضيق مفسرا بتوتر: مش خوف، بس لازم أقلق.
مالت نحوه قليلا وهي تعقد حاجبيها: تقلق ليه؟
اجاب وهو يزم شفتيه بصجر: افرضي نفذ وورى الصور لصافي؟! أنتِ عارفة صافيناز لو وصلتلها الصور دي، هتعمل قصة كبيرة.
ابتسمت بثقة وهي تهز كتفيها بلا مبالاة: يبعت...
نظر لها بدهشه! فتابعت بشطانيه: قولها إنك قابلتني وسلمت عليا من يومين؟! وإني في مصر وهي أصلا عارفة إننا أنتيم ولو شوفتني في أي مكان هتاخدني بالأحضان عادي..
اقتربت أكثر وهي تكمل بنبرة واثقة: ولو حصل وبعت الصور ساعتها نقلب الترابيزة عليها، أنها ازاي تشك فينا...
ثم لوحت بيدها باستخفاف: سيب الموضوع ده عليا.
ظل صامتا لحظة، وعيناه تفكران بعمق: برضو لازم أفكر في حاجة تخلصنا من رشدي، وكمان لازم أخفف مجيتي هنا لحد ما أشوف هعمل معاه إيه.
هزت رأسها وهي تبتسم بدلال: ماشي يا عمدتي، خلاص بقى روق.
لكنه ظل عابثا، اقتربت منه أكثر، ووضعت يدها على كتفه وهي تقول بنبرة لعوب: أنا هعرف أروقك أزاي.
اقتربت أكثر فأكثر وووو
مجموعة الراوي
مكتب سليم
جلس سليم خلف مكتبه ومكي أمامه، والصمت الثقيل يملأ المكان.
نفث مكي دخان سيجارته وقال: أنا برضوا مش فاهم، سلمت منى ليه بعد كل السنين دي؟
أجابه بهدوء: لأنها كانت عارفة اللي حصل مع ماسة ومقالتليش..
ثم أضاف وهو ينظر أمامه: فضلت ساكتة، ومش بس كده! دي ساومتهم كمان، فبالنسبة لى زيها زيهم ومشاركه معاهم بسكوتها، ولا يمكن أسامحها عليه.
رفع رأسه قليلا: المهم أنا عرفت من رشدي إنه وداها مخزن المعادي، أنا عايز صورة لمنى وهي هناك.
هز مكي رأسه بثقة: سهلة، اديني ربع ساعه وهتبقى عندك...
ثم سأله باهتمام: المهم هتعمل إيه مع رشدي؟
هز كتفيه بلا مبالاة: ولا حاجة...
ثم قال بهدوء مخيف: هفضل سايبه مؤقتا..
أخذ رشفة من قهوته ثم أكمل: عايز أشوفه هيجمع إيه عن عماد وهيعمل معاه ايه؟! لأن الموضوع اكيد مش هيقف على الصور اللي هدده بيها الصبح، عايز اعرف ايه الحاجات التانيه اللي هيمسكها عليه؟! ولا هو بيهوش علشان يخوف عماد؟! وأكيد طبعا عماد مش هيسكت وهيرد.
صمت لحظه، ثم قال: أنا عايز الصور دي، بس المشكله إني مش واثق في حد ومش عايز أفتح على نفسي دايرة، عايز اللي يفضلوا شغالين معايا يبقوا ناس إحنا متأكدين منهم، وللأسف مفيش منهم حد هيعرف يهكر فون رشدي وعرفان مشغول.
مكي: طب ماتكلم إيهاب، هو مش بيعرف يهكر وممكن يساعدك، وحد نثق فيه..
هز سليم رأسه: أنا فكرت فيه فعلا، خلاص هكلمه على الرقم اللى بينا واخليه يجيبلي الصور دى.
ثم ابتسم ابتسامة خبيثة: ونشوف بقي ممكن نلعب بالصور دى أزاى..
أضاف وهو يطفئ السيجارة: رشدي طلع خطير، أخطر مما كنت متصور، متوقعتش أنه ينفذ بالسرعه دي، ومش عارف ناوي يعمل ايه معاها؟! هو قالي أنه بيفكر لسه.
رفع مكي شفتيه متعجبا: غريبه إن رشدي حكالك..
اوما سليم براسه: ممكن يكون بيعمل كده علشان يقرب مني، في خطه في دماغه؟! اصلك انت مشفتوش الصبح وهو عمال يقنعني ان ماسه بريئه، ولما ضرب عماد امبارح والنهارده هدده، مش فاهم ناوي على ايه؟! بس انا معاه للآخر.
سأل مكي: هتسيبهم يخلصوا على بعض؟
ابتسم سليم: آها، وهلعب معاهم كمان، موضوع عماد ورشدي ده أنا مكنتش حاطه في دماغي، جالي لحد عندي، تفتكر ينفع أسيبه كده؟
أكمل بابتسامه خبيثه: ولا لازم أستغله؟
عقد مكي حاجبيه: وهتستغله أزاي؟
أجابه: لما أشوف الصور الأول وأجمع أفكاري؛ لأني مكنتش عامل حسابي للحوار ده زي مقولتك.
لوح بيده وهو يتابع: المهم سيبك من كل ده، أنت ليه مش عايز ترجع لسلوى؟ ماسة حكتلي إن سلوى طلبت ترجع وإنت رفضت.
نظر مكي بعيدا وقال بصوت منخفض: مش عايز أتكلم في الموضوع ده.
سليم بحزم: لا هنتكلم، عشان مينفعش منتكلمش فيه...
تنهد ببطء وهو يتابع بضيق: حياتك إنت وسلوى اتدمرت بسببي، وبسبب أهلي..
تابع موضحا: كنت عايزها تعمل ايه؟! انت قولت قبل كده، سلوى معندهاش نص سبب، بس سلوى طلع معاها أسباب كتير.
نظر إليه مكي باستغراب: أزاي يعني؟
نهض سليم من مكانه، وفك زر جاكيت بدلته، ثم جلس أمامه وهو يميل بجسده نحوه قائلا بعقلانية: سلوى زي ماسة، سلوى اتهددت زي ما ماسة اتهددت، حتى لو التهديد مكانش مباشر عليها.
مكي معرضا: كان ممكن تقولي ببساطه.
رد سليم باستهجان عقلاني: هتقولك إزاي، وهي متأكدة إنك هتيجي تقوللي؟ هما خافوا، خافوا يا مكي..
تابع نبرة متأثرة قليلا: سلوى وماسة كان لسه فيهم براءة، وفي السن ده الدنيا كانت لسه مضغطتش عليهم، ماسة مقويتش غير لما خرجت للدنيا، ونفس الكلام سلوى...
ونظر إليه بلطف ورجاء: بلاش تبقى قاسي، وتضيع حبك من بين إيدك.
صمت مكي لحظة طويلة ثم قال: يمكن إنت عندك حق...
تنهد بعمق تابع: بس أنا مجروح منها، مش قادر أنسى إنها بعدت، يمكن عندك حق إنها خافت، ومكانش ينفع تقول ..
لكن صوته انخفض بوجع: بس أنا اتكسرت منها كتير.
سليم بهدوء: كان غصب عنها، ولازم تفهمها، وبعدين البنت جت لحد عندك وقالتلك أنا آسفة وبحبك غلطت، واعترفت بغلطتا خلاص، عايز أكتر من كده إيه؟
تنهد مكي وهو ينظر في عين سليم بقهر: مش عارف انسى ولا اعدى، أصلا ساعات بحس إنها محبتنيش كفاية، هي يمكن حبت الحب اللي أنا بديه لها انما حبتني أنا؟ لا..
رفع سليم حاجبيه معلقا: طب لو هي محبتكش، رجعت ليه؟
مد مكي وجهه: ضميرها وجعها...
ثم أضاف وهو يشيح بنظره بعيدا: علشان عرفت إنها ظلمتني.
هز سليم رأسه رافضا فورا: لا طبعا، هي بتحبك وندمانه.
رفع مكي عينيه إليه وقال بثبات: صدقني هي كده، ومش هقولك تاني، أنا وسلوى مختلفين عنك انت وماسة، هي نفسها مختلفه عن ماسة..
نظر بعيد وكأنه يتذكر وجع قديما: كانت قاسية زيادة لما بعدنا، وراحت اتخطبت...
ونظر إليه: مختارتنيش، كان ممكن تبعد، ومتتخطبش...
هز رأسه أضاف: بس هي عملت نفس الغلطة تاني.
سليم بتعقل وهدوء: أكيد غلطت، بس عندها سبب كان بتحاول تنساك، هي حلت الغلط بغلط اكبر، بسبب قلة خبراتها.
مكي بضجر: متبررلهاش يا سليم.
هز سليم رأسه: أنا مش ببررلها، أنا بس بحاول أوضحلك الصورة.
تنهد مكي: أنا شايف الصورة واضحة، بس مجروح، مش قادر أقتنع، ولو حتى اقتنعت، الموضوع خلاص مش نافع.
أخرج نفسا طويلا: دلوقتي في حاجات أهم نركز فيها
نظر له سليم طويل شعر أن الحديث معه الآن لن يجدي نفعا، ربما على سلوى فعل شي يقنع مكي اكثر حتى يسهل عليه الحديث: ماشي يا مكي..
ثم أضاف بجدية: بس لازم تدي سلوى فرصة وتسمعها...
ثم قال بصدق: أنا مستحيل أسامح نفسي إن حياتك اتدمرت بسببي، وبسبب أهلي واللي عملوه، صدقني، أنا مش بجيب حقي لوحدي...
وأشار بيده: حقي وحق ماسة، وحقك أنت كمان.
صمت مكي قليلا، ثم قال بهدوء: سيبها للأيام يا سليم، الله أعلم بكرة مخبي إيه.
ثم سأله: المهم دلوقتي هتسيب منى كده مع رشدي؟
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة: آه، هسيب كل حاجة ماشية زي ما هي، أنا هقعد أتفرج واستمتع، وآخد اللي أنا عايزه، وكل واحد هيطلع اللي عنده.
مكي هو ينهض: طب هقوم انا علشان اجبلك الصور اللى عايزها لمني؛ عارفك مش عايز تدخل على ماسة وايدك فاضيه.
غمز له وتحرك مبتعدا، بينما ظل سليم جالسا في مكانه، ينظر أمامه بابتسامة هادئة، ثم امسك هاتفه، وقام بعمل مكالمه، انتظر قليلا حتى جاؤه الصوت من الاتجاه الآخر فقال: أيوه يا إيهاب أزيك عامل ايه، كنت عايز منك خدمة...
في أحد المستوصفات الاهليه.
غرف التحضير.
جلست جنة على الفراش تبكي بحرقة، ودموعها تنزل بلا توقف.
إلى جانبها جلست إسعاد تمسح على شعرها محاولة تهدئتها، بينما وقفت رحمة بالقرب منهما تنظر بقلق،
كان المكان مزدحما بالأطفال، وأصوات البكاء تملأ الممرات، وأمهات يحاولن تهدئة صغارهن والآخر نائمون بسبب البنج.
شهقت جنة وهي تمسح دموعها بيدها الصغيرة: لا أنا مش عايزة أعمل العملية! أنتو ضحكتوا عليا!
ربتت إسعاد على كتفها بحنان: يا حبيبتي متخافيش، دي حاجة بسيطة خالص، وهتاكلي ايس كريم.
هزت جنة رأسها بعناد ودموعها تتساقط: لا! مش هعملها! أنا عايزة رشدي، أنا عايزة بابا وماما!
نظرت رحمة إلى الهاتف بقلق: ما هو مش بيرد، بس هييجي، متخافيش.
في تلك اللحظة دخل الطبيب إلى الغرفة، ونظر إلى جنة وهي مازالت تبكي، اقترب وسأل بهدوء: لسه بتعيط؟
تنهدت رحمة: أيوه يا دكتور، خايفة جدا، لما شافت الاطفال اللي متبنجه واللي بيعيطوا.
هز الطبيب رأسه بتفهم: طيب، أنا هخليها آخر واحدة حاولوا تهدوها..
ربت على كتف جنة برفق ثم خرج، حاولت إسعاد ورحمة إقناعها مرة أخرى، لكن دون جدوى.
مرت الساعات ببطء، وجنة مازالت تبكي وترفض العملية، والخوف يسيطر عليها، وعندما عاد الطبيب مرة أخرى، وجدها مرهقة، وحرارتها بدأت ترتفع بسبب الخوف والبكاء المستمر.
تنهد الطبيب وقال بجدية: لا كده مينفعش، هنأجل العملية لبكرة.
نظرت إسعاد إلى رحمة بقلق، بينما ظلت جنة مستلقية على الفراش ودموعها لا تتوقف.
مخزن المعادي.
كانت الغرفة غارقة في العتمة، ضوء خافت يتسلل من مصباح قديم في السقف، جلست منى على الأرض، أمامها طبق طعام وزجاجة ماء لم تلمسهما.
وجهها كان يحمل آثار الضرب، شفاهها متورمة، وعيناها متعبتان من البكاء، فجأة فتح باب الغرفة ودخل رشدي بابتسامة عريضة ترتسم على وجهه، وقال بسخرية: اتمنى تكون القعده في الفندق عندنا عجبتك يا عقروبه.
نهضت منى بسرعة واقتربت منه وهي تقول بضجر: رشدي، كفاية لعب عيال بقى.
ثم قالت بغضب: سيبني أمشي، هتستفيد إيه من اللي بتعمله ده؟
أجابها ببرود: هاخد حقي.
ضحكت بسخرية رغم ألمها: حقك؟! لما تحبسني كده تبقى بتاخد حقك؟ تبقى غبي...
ثم رفعت رأسها بتحد: أنا مش زي ماسة، ولا زي أي واحدة لاعبتها قبل كده، أنا منى رفعت القاضي، عندي أهل وعيلة أنت عارفهم كويس..
اقتربت منه خطوة وقالت بحدة: وطه أخوك لو غبت هيسأل عليا.
ثم أكملت بنبرة تهديد: ووقتها أنت اللي هتزعل، خرجني واعتبر اللي حصل ده محصلش أحسنلك.
ابتسم ابتسامته المعتادة، وقال ساخرا: اهدي يا عقروبة وابلعي سمك، أنتِ عارفة كويس إني مبخافش...
ثم لوح بيده باستخفاف: والتهديد بتاعك ده، ميجيش معايا سكة.
رمقها من أعلى إلى أسفل وقال بابتسامة باردة: بس جامدة يا منى، سمك لسه بيجري في عروقك، وقوية وده كان متوقع، بس ولا فارق معايا...
ثم انحنى قليلا لمستوها وقال بنبرة مظلمة: وأنا عارف كويس أوي أزاي أكسر سمك.
واعتدل واقفا وهو يبتسم: وهخليكي، تدفعي تمن كل لدغة يا عقروبه..
ابتسم أكثر واضاف: بعدين هو مين قالك إني هحبسك بس هنا؟! وان هو ده بس عقابك؟
عقدت حاجبيها بقلق: تقصد إيه؟
اقترب منها خطوة وقال بهدوء مخيف: دلوقتي هتعرفي.
ثم أشار بيده فجأة، في لحظة، أمسكها رجلان من ذراعيها بقوة.
صرخت وهي تحاول الإفلات: إيه ده؟! أنتوا بتعملوا إيه؟!
نظر إليها رشدي مبتسما وهو يميل بجسده قليلا نحوها: هتعرفي حالا.
صرخت وهي تحاول المقاومة: ابعدوا عني!
ثم نظرت إليه بغضب: هتعمل إيه يا مجنون؟!
رفع رشدي الحقنة أمام عينيها وقال بمرح ساخر: بابا هيديكي حقنة حلوة، عشان تشكريني بعد كده.
صرخت بفزع: رشدي! متتجننش!
اقترب أكثر وهمس: ده أنتِ هتدعيلي، طباخ السام لازم يدوقه يا منوش.
ثم غرس الإبرة في ذراعها، صرخت وهي تحاول الإفلات، لكن الرجلين كانا يمسكانها بقوة.
بعد لحظات، انتهى وتركها تسقط على الأرض وهي تلهث.
نظر إليها بابتسامة باردة: كل يوم من ده...
ثم أشار إلى نفسه: وبإيدي أنا يا عقروبه، لحد ما اخليكي تيجي تبوسي ايدي ورجلي عشان تاخدي الجرعه..
رفعت رأسها نحوه بعينين مليئتين بالكراهية: هقتلك يا رشدي...
ثم صرخت: والله لأقتلك!
ضحك بخفة: هنشوف الكلام ده.
ثم استدار نحو الباب: سلام.
خرج من الغرفة، وقال بلا مبالاة وهو يسير في الممر: ادوها جرعة كمان بالليل انا عايزها في خلال أيام تكون مدمنه.
أومأ الرجال برؤوسهم موافقين، بينما داخل الغرفة كانت منى ما تزال على الأرض، جسدها يرتجف والظلام يبتلع المكان من حولها.
💕__________بقلمي_ليلةعادل_________💕
في الصحراء
كانت سيارة سليم متوقفة في منتصف الصحراء، لا يحيط بها سوى الفراغ والرمال الممتدة.
كان يجلس بداخلها بمفرده، يضع يديه على المقود وينظر أمامه بشرود، بينما الصمت الثقيل يملأ المكان.
بعد دقائق...
ظهرت أضواء سيارة چيب تقترب من بعيد، توقفت خلفه مباشرة.
فتح الباب، وهبط منها رجل قوي البنية (عرفان )
تقدم بخطوات ثابتة، ثم فتح باب السيارة ودخل دون مقدمات، وجلس بجوار سليم.
التفت إليه سليم فورا وقال بنبرة جافة: ها يا عرفان، أتمنى تكون جايب حاجة مهمة بعد الغيبة دي.
ابتسم عرفان بخفة: غيبة إيه يا ملك؟ هو أنا لحقت!
ثم أضاف وهو يخرج هاتفا من جيبه: عموما جبتلك اللي أنت عايزه.
رفع الهاتف قليلا وهو يغمز له: الفيديو.
حك سليم يده على المقود ببطء وقال ببرود: لسه فاكر...
ثم أضاف بنبرة ساخرة خفيفة وهو ينظر له أخيرا: دى أنا كنت نسيت.
هز عرفان كتفيه: أعمل إيه بس يا باشا، ما هو اللي اسمه عماد ده، مراحش لسارة إلا النهارده.
ثم رفع الهاتف وهو يضغط عليه: بس صورتلك فيديو عالمي، عامل واحد وتلاتين دقيقة.
اقترب قليلا وهو يقول بنبرة مازحة: حتت فيديو نار! عماد كان مظبط الأداء على الآخر...
وأضاف وهو يهز رأسه بإعجاب ساخر: والبنت سارة دي طلعت معلمة
صمت سليم لحظة، ملامحه لم تتغير، ثم قال ببرود شديد: أنجز، اكيد مش جايبنى علشان تشكرلي في أداء عماد وسارة.
مد يده قليلا نحوه، وقال بعملية: فين الفيديو؟
عرفان وهو ينظر إلى الهاتف: هحولهولك حالا.
وبالفعل ضغط عدة أزرار، وبعد لحظات وصل الفيديو إلى هاتف سليم.
فتح سليم المقطع فورا، تحركت عيناه على الشاشة لثوانٍ ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
رفع عينيه ببطء نحو عرفان وقال بإعجاب خفيف: لا جامد فعلا...
ابتسم عرفان وقال بسرعة: استنى، في فيديو تاني أجمد...
ثم أرسل مقطعا آخر، هذه المرة كان الفيديو من زاوية مختلفة، يوثق الاتفاق الذي حدث عن صافيناز بالصوت والصورة..
فتح سليم الفيديو وشاهده قليلا ومع كل ثانية كانت ابتسامته تتسع أكثر.
أوقف المقطع فجأة ونظر إلى عرفان: كويس يا عرفان.
ثم أضاف وهو يشير إلى الهاتف: أنا عايز بقى أي حوار يتم مابينهم شبه الكلام دى، أو أي حاجة تلقطها، ابعتهالي
ابتسم عرفان بثقة: متقلقش يا سليم بيه هو أنا تلميذ؟
ظل سليم ينظر إليه لحظة، ثم قال فجأة: طب بقولك إيه؟ عايز منك مجموعة متفجرات تهد جبل.
رفع عرفان حاجبيه بدهشة، تابع سليم: عايزك توفرهالي بسرعة، قبل يوم الحفلة، يعني الحد جاي كل حاجه تبقي جاهزه، وتستني مني الخطة اللى هتتحرك بيها، مش عايز غلطه يا عرفان.
عقد عرفان حاجبيه أكثر وسأله: أشمعنى يوم الحفلة
ابتسم سليم ابتسامة غامضة وقال بهدوء: عايز احتفل بيهم على مزاجي.
صمت عرفان لحظة وهو يفكر، ثم قال بثقة: مفيش مشكلة.
رفع إصبعين وقال: يومين بس، وكل المتفجرات اللي أنت عايزها هتكون عندك، وكل حاجة هتمشي على المسطرة زي ما أنت عايز.
ثم قال بخبث: وهخليك تحتفل بيهم بطريقتك.
نظر سليم إليه بابتسامة باردة ثم أمسك هاتفه، وضغط عدة أزرار بسرعة بعد لحظات، اهتز هاتف عرفان نظر إليه، كانت رسالة تحويل مالي، مبلغ كبير بالدولار.
رفع عرفان عينيه نحو سليم بإبتسامة، أما سليم فكان ينظر أمامه بهدوء، كأنه بدأ يخطط لليلة لن ينساها أحد.
❤️______________بقلمي ليلةعادل
قصر الراوي،
جناح رشدي ومي
كانت مي متمددة على الفراش، تشاهد أحد الأفلام على التلفاز، ولكن عقلها كان في مكان آخر؛ لا تزال غارقة في التفكير في كذبة رشدي، كانت تعلم في قرارة نفسها أنه ليس كاذبا، بل صريح دائما، إلي أن هذا الأمر تحديدا لم تستطع فهمه.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ودخل رشدي، قال بابتسامة واسعة وهو يقترب: الحلوة اللي منورة الدنيا وحشتيني.
رفعت عينيها نحوه لكنها كانت خاليه من أى مشاعر، ابتسمت له، فمال نحوها ووضع قبلة على جبينها، ثم جلس أمامها وهو يمسك يدها: عاملتى إيه من وقت ما جيتي.
مدت وجهها بنبرة باردة: ولا حاجة، قعدت اللعب في الفون واتفرج على افلام، الجو عندكم ملل، مفيش حد.
ابتسم بخفة: كلهم في المجموعة، بس اتعودي، احنا عايشين في بيت عيلة اه، بس كل واحد مع نفسه.
ثم أضاف: على فكرة ماسة هنا.
رفعت حاجبها بدهشة: بجد؟ ولا حسيت بيها؟
نظر لها موضحا فهو لا يريد أن يعرفها الحقيقة: الفترة دي متخانقة مع سليم، لما تفك اقعدي معاها، ولوجين كمان هتيجي، مش هتملي.
ابتسمت بخفة: ماشي...
ثم تساءلت بخبث: عملت إيه بالشغل؟
أجابها بتنهيدة: قرف، من وقت ما روحت استلموني مسبونيش.
اومأت وقالت بنبرة ذات معني: رحمة أكيد استلمتك.
رفع رشدي حاجبه وكأنه لم يفهم، فقالت بنبرة عاديه: ايه يا رشروش، رحمه مديره اعمال سليم!
هز رأسه متذكرا: آه .. فعلا، بت سخيفة، ادتنى شغل كتير! كأن سليم ما صدق إني رجعت، ادها اوردارت كتير ليا...
نظرت له وهي تحافظ على ثبات ملامحه بإبتسامة، ثم نهض وهو يقول: أنا هروح أغير، وهخليهم يحضرولنا العشا
مي ابتسمت: ماشي.
تساءل وهو يفك أزرار قميصه: بابا عامل إيه؟
أجابت: كويس الحمد لله، بكرة هروحله.
تحرك نحو غرفة الملابس، وبدأ يبدل ثيابه، بينما ظلت مي جالسة في مكانها، لكن عينيها كانت معلقة بباب غرفة الملابس، تنظر إليه بضيق مكتوم؛ لقد تأكدت أنه كاذب.
حتى اللحظة الأخيرة، كانت تمنحه حسن الظن، وتبرر له؛ ربما أخطأ في الاسم، ربما سوء فهم، ربما أشياء كثيرة، لكن الآن لم يعد هناك "ربما"، هو كاذب وهناك سر وراء كذبته!
جزت على أسنانها ونهضت تنوي مواجهته، لكن فجأة توقفت وعادت لتجلس مرة أخرى؛ كأن عقلها سبق اندفاع قلبها، فذكرها أن المواجهة مع رشدي لن تجدي نفعا؛ هو رجل ذكي يعرف كيف يلتف بالكلام، ويخرج من أي مأزق دون أن يترك خلفه أثرا، وهي لا تملك دليلا، المعركة محسوب له.
أخذت نفسا عميقا، وقررت أن تنتظر حتى تمتلك شيئا قاطعا، شيئا لا يستطيع إنكاره.
خرج رشدي بعد قليل، وجلس بجانبها، يبتسم كعادته، وقال بخفة: بقولك إيه تعالى نطلب أكل من برا أحسن، أنا جعان، هناكل هنا النهارده إيه رأيك؟ ولا عايزه تتعشي معاهم تحت؟
هزت رأسها بالموافقة، بملامح ثابتة لا تعبر عن شيء، فنظر إليها بتفحص وشعر أن بها شيء ما، فتساءل: أنتِ كويسة؟
أبقت عينيها على التلفاز ممثلة الانشغال بمتابعة الفيلم: آه كويسة.
أمسك بيدها، وركز النظره فيها: مش باين، شكلك مش كويسة، أصلا من أول ما جيت وأنا حاسس.
سحبت يدها برفق، وقالت بنبرة عادية: كويسة يا رشدي، بس زهقت كنت لوحدي طول اليوم، رغم إني جاية بعد الضهر.
ضيق عينيه قليلا: هو في حد ضايقك ومش عايزة تقولي؟
هزت رأسها مسرعه: لا والله، مين هيضايقني؟ أنا مشوفتش حد أصلا بقولك ملل بس.
تساءل بقلق: طب هو بابا لسه تعبان؟
رفعت حاجبها بضيق خفيف: أكيد بابا مش هيكون تعبان وأسيبه، قولتلك أنا كويسة، يلا اطلب أكل خلينا ناكل، أنا جعانة.
هز رأسه أخيرا، وبدأ يطلب الطعام.
جلسا يتناولان الطعام، ومي تحاول بكل ما تملك أن تبدو طبيعية وهادئة كأن شيئا لم يحدث.
لكن داخلها كان هناك ضجيج بالأسئلة والشكوك، كانت تعلم أن أي خطأ بسيط قد يفضحها أمامه، ورشدي ليس بالسهل، لذلك، ارتدت قناع الهدوء بإتقان، ورغم كل محاولاتها، كان ذلك الإحساس ينهشها؛ إحساس أي امرأة تشك أن الرجل الذي تحبه يخونها.
اختارت الهروب مؤقتا، فلجأت إلى النوم، فقط حتى لا تنكشف وحتى تمسك عليه دليلا قاطعا.
على اتجاه آخر في جناح سليم وماسة.
كانت ماسة تجلس في الشرفة على الأرجوحة، تتأرجح ببطء وهي شاردة الذهن، عيناها معلقتان في الفراغ.
بعد قليل فتح الباب، ودخل سليم، وفور أن رآها، تحرك نحوها مباشرة بابتسامة عريضة ترتسم على وجهه، كانت تشعر بوجوده حتى قبل أن يتكلم.
وقف خلفها، ووضع إحدى ذراعيه فوق صدرها في إحاطة دافئة، بينما دفع الأرجوحة بيده الأخرى برفق
في تلك اللحظه ارتسمت على وجهها ابتسامة كبيرة، وأمسكت بذراعه فوق صدرها وقالت بنبرة عتاب خفيف: اتأخرت عليا.
وضع قبله على خدها مفسرا: كان في شوية حاجات كده بظبطها في الشغل، حاجات مهمة لازم أخلصها.
ثم أضاف وهو لا يزال يدفع الأرجوحة: وبعدين أنا لازم أسيبك لوحدك أكبر فترة ممكنة، علشان أشوف كل واحد عنده إيه؟! وهيعمل إيه؟!
توقف قليلا ثم قال: تعالي أنا عايزك في حاجة.
نهضت معه وهما مشبكان اكففهما ببعضهما، توقفا في منتصف الغرفة، أخرج سليم هاتفه وفتح صورة، ثم أراه لها، نظرت ماسة إلى الشاشة باستغراب، فاتضحت الصورة، كانت منى مربوطة، وآثار الضرب واضحة عليها.
اتسعت عيناها بصدمة: إيه ده؟!
اقتربت من الهاتف أكثر: دي منى!
رفعت عينيها إليه بسرعة: إيه اللي عمل فيها كده؟
سليم بهدوء: رشدي.
ازداد استغرابها، بينما ابتسم سليم ابتسامة باردة ورد على نظراتها بنبرة يحملها الجمود: كان لازم تدفع تمن سكوتها، أي حد كان عارف حاجة ومقالش عليها يعتبر مشارك بسكوته، ولازم يدفع التمن.
نظر إليها: أوعي تقوليلي إنك مسمعتيش الفيديو.
تنهدت ماسة، وقالت بمرارة: لاشوفته، كلهم تاجروا في شرفي عادي.
سليم بهدوء: وحقك بيتجاب، ومنى كانت أول واحده، اما الباقي قريب اوي ...
نظرت إليه بتفكير: هو أنت ليك يد في اللي حصل ولا أيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة: أكيد، زمان منى بعتت واحدة اسمها نيللي علشان تخلي رشدي يدمن، وقتها مكنتش فاهم ليه، كنت فاكرهم بيخلصوا على بعض، كبرت دماغي وقولت مليش دعوة، وخليها معلومة معايا يمكن احتاجها
ثم نظر إليها: ولما عرفت إنها كانت عارفة وسكتت، سلمتهاله، هو بقى اللي عمل فيها كده.
عقدت ماسة حاجبيها: طب ليه منى أصلا تخلي رشدي يدمن؟
هز سليم كتفيه قليلا: مش عارف، يمكن ساومته أو هددته زى ما عملت مع الهانم والباشا، بس رشدي دماغه سم، لعبت مع الشخص الغلط، وأكيد مسكتلهاش فعملت اللي عملته.
أخرجت ماسة نفسا طويلا وقالت بضيق: إيه العيلة دي بجد، مقرفين اوي
نظر إليها بصمت، فقالت فجأة: آه صح، مامتك النهارده ادتني التليفون ده.
ادخلت يديها في جيب البيجامه واخرجته، اخذه سليم من بين يديها، ثم ابتسم: طب حلو، كده بدأنا الشغل بسرعة.
قالت ماسة: أنا اكتشفت إن عليه أرقام صافيناز وعماد والباشا، طبعا مش الارقام اللي معانا أرقام تانيه، بس مفيش رشدي.
هز سليم رأسه: تمام.
اضافت ماسة: وصحيح، مي كمان جت النهارده؟
اقترب منها وقال بجدية: طيب اسمعي بقى، ركزي معايا.
توقفت تنظر إليه: بعد كده أنتِ اللي هتسمعي تسجيلات جناح رشدي.
رفعت حاجبيها بدهشة: يعني أنت سبت كل اخواتك وعايزني اراقبلك رشدي؟ هما كلهم مقرفين، عيلتك كلها عقارب...
تابعت باشمئزاز: بس رشدي ده بالذات، أنا بكرهه.
هز سليم رأسه: مش علشان رشدي، علشان مي أنتِ عارفه انها محجبة، ومش هينفع لا أنا ولا أي راجل يراقبها، وأكيد هتقعد براحتها في أوضتها.
اقتربت منه وقرصت خده بدلال: يخلاثو علي حبيبي المؤدب يا نااااس!
ثم قالت بمزاح: والله يا ابني، أنت مفروض تعمل تحليل DNA.
رفع حاجبه باستغراب، فأجابت على نظراته: بتبص كده ليه؟ اصل أنت مش شبه العيلة دي.
ابتسم ابتسامة خفيفة: لا، أنا كنت أوحش منهم كمان، بس ربنا هداني.
هزت رأسها رافضة: لا لا يا سلوملوم، أنت مش زيهم، حتى وأنت جبار، بس كان عندك مبادئ.
ثم قالت بدلالها الطفولي: المهم، أنا نفسي في مشمش.
تركها وجلس على الأريكة وهو يخلع حذاءه: مشمش إيه بس في اللي احنا فيه ده؟ كمان أحنا في شتا.
قالت بإصرار: والله شامة ريحته من الصبح.
ثم اقتربت منه وجلست على قدمه ولفت ذراعيها حول راقبته: هاتلي مشمش يا كراميل.
نظر إليها وهي تتدلل عليه وقالت: وحياتي، نفسي في مشمش.
ضحك باستسلام: طيب، هجبلك مشمش.
ابتسمت ابتسامه واسعه وضمته: انت احلى كراميل في الدنيا كلها بموت فيك.
ضمته بشدة وهو أيضا.
❤️______________بقلمي_ليلةعادل
في صباح يوم جديد بالقلج
كانت جنة جالسة على الفراش، تمسح دموعها بيدها وهي تبكي.
هزت رأسها بعناد وهي تقول بين شهقاتها: لا، مش هروح هناك تاني، أنا عايزة رشدي، كلموه قولوله يجي دلوقتي!
نظرت اليها إسعاد بحزن، وربتت على كتفها: يا حبيبتي رشدي مسافر، وبعدين العملية دي هتخففك؛ علشان تلعبي مع أصحابك.
هزت رأسها بقوة وهي تبكي: لا أنا عايزاه، مش هعمل العملية غير لما ييجي!
تنهدت رحمة وهي تنظر إلى إسعاد بقلق: خلاص يا خالتي نكلمه وخلاص.
نظرت إليها إسعاد: بس هو منبه عليا منكلموش، هو بس اللى بيكلمنا.
زفرت رحمة بضيق: طب نعمل إيه دلوقتي؟! دي مصيبة، البت لو معملتش العملية ممكن يحصلها حاجة!
ثم أكملت بعصبية: مش هو اللي ابتلانا بيها؟ خلاص بقى يشيل! ولا هو فالح بس يحاسبنا لو حصلها حاجة!
مدت يدها قائلة: هاتي تليفونك أكلمه، الأفندي عاملي بلوك!
نظرت إسعاد إلى جنة التي ما زالت تبكي وتردد بصوت ضعيف: أنا عايزة رشدي...
تنهدت بحيرة، ثم أخرجت هاتفها وأعطت لرحمة.
قصر الراوي
في الحديقة
كان مي ورشدي يجلسان معا، يتناولان الكيك ويتبادلان الحديث، وبعد أن انتهوا قال رشدي: يلا بينا بقى نروح لبابا.
ثم صمت قليلا، وأضاف بنبرة مداعبة: بس هنروح أزاي؟
نظرت له باستغراب: يعني إيه هنروح أزاى؟ هنروح بعربيتك!
ابتسم وهو يضع يديه في جيبه: هو أحنا فعلا هنروح بالعربية فعلا، بس مش بعربيتي.
ثم أخرج المفاتيح ولوح بها أمام عينيها، فنظرت له بدهشة: إيه ده؟
اقترب منها بابتسامة: عربيتك الجديدة يا ميوشتي، مبروك.
اتسعت عيناها: إيه؟ أنت جبتلي عربية؟! لا لا مش عايزة.
رفع حاجبه بخفة: هو إيه مش عايزة؟ هو أنا باخد رأيك ولا ايه؟
ثم أمسك بيدها: تعالي أوريكي عربيتك.
ابتسمت رغما عنها، وتوجهت معه نحو الجراش، وفور أن وصلوا الى هناك، رأت عربية مرسيدس موديل السنة، لامعة بشكل يخطف الأنفاس.
نظر لها بحماس: ايه رأيك؟!
نظرت لها بإعجاب: تحفة!
نظر لها وقال بابتسامة واثقة: العربيات دي كلها والموتوسيكلين دول بتوعي، المربع ده كله خاص بيا، أي عربية تحبي تركبيها شاوري بإيدك بس، وهتلاقي حد من اللي واقفين بره جابلك المفتاح فورا، اتفقنا؟
ردت بحماس، وعينيها بتلمع: اتفقنا!
رشدي بحماس: تعالي بقى ناخد لفة حوالين القصر نشوف سواقتك، لسه فاكرة ولا لأ.
ضحكت: يلا!
وبالفعل صعدت إلى السيارة، وأدارتها، في البداية كانت متوترة، لكن وجود رشدي بجانبها وتشجيعه المستمر جعلها تشعر بالثقة والهدوء، قادت السيارة داخل القصر، ثم خرجت قليلا وعادت مرة أخرى.
هبطت من السيارة، فقال رشدي مبتسما: لا لا، أحنا كده بقينا خطرين! وبنعرف نسوق جامد، شكلنا هنعمل مسابقات قريب أنا وأنتِ.
قالت بدلال: طبعا، مش رشروش اللى مدربني؟
ضحك وقال: طب سيبي العربية هنا بقى؛ علشان نروح بيها، وتعالي نطلع نغير هدومنا.
اومأت له، وسارا معا إلي الداخل، وأثناء سيرهم رن هاتف رشدي، أخرج الهاتف من جيبه ونظر إلى الشاشة وكان الاسم الظاهر "جنتي" توتر للحظة، لكنه حاول أن يبدو طبيعيا.
رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء: ما ترد.
لوح بيده بلا مبالاة: تؤ مش مهم.
قطبت حاجبيها: رد ممكن تكون حاجة مهمة.
وضع الهاتف في جيبه وأمسك يدها: طول ما أنا معاكي، مفيش حاجه أهم منك، إيه رأيك نتغدى برا النهارده بعد ما نخلص عند باباكي؟
كادت أن تجيبه، لكن هاتفه رن مرة أخرى، اخرجه بعصبيه، وقال بضجر: شكلنا مش هنخلص، معلش يا ميوشي اسبقيني أنتِ وأنا هشوف عايزين ايه، وجاي وراكي.
أومأت برأسها وتحركت إلي الداخل، وما إن أطمئن لدخولها، تحرك مبتعدا وأخذ ينظر حوله ليتأكد أن لا أحد يسمعه.
كانت مي تراقبه جيدا، حتى اختفى قليلا بين الأشجار.
رفع الهاتف إلى اذنه، وقال بغضب: في إيه يا رحمة؟ نازلة رن رن! قولتلك مليون مرة متتصليش على الرقم ده!
رحمه بضيق: أعملك إيه؟ إحنا كلمناك كذا مرة على الرقم التاني ومبتردش! وأعتقد تعب جنة حاجة مش بسيطه.
رشدي بتوتر: جنة مالها؟
رحمه بنبرة لازعه: هتعمل عملية اللوز.
زفر بعصبية: والمطلوب مني أعمل إيه يعني؟ أجي أعملها العملية أنا؟
رحمة بسخرية: لا يا خفيف تيجي تشوفها، البنت عايزة تشوفك وبتعيط، إحنا حجزنالها في المستوصف وكنا خلاص هنعملها، بس فضلت تعيط ومش راضية تعملها، وعايزك، تعالي شوفلك حل معاها.
تجهم وجهه، وقال بضيق: مستوصف!! يعني كل الفلوس اللى ببعتها دي وفي الآخر تروحوا مستوصف؟!
في تلك اللحظة، كانت مي تتسلل خلف الأشجار بهدوء، توقفت خلف شجرة كبيرة تسترق السمع.
رشدي بصوت منخفض: خلاص يا رحمة أنا جاي بس متتصليش على الرقم ده تاني، فاهمة؟ سلام ... يوو خلاص يا رحمه قولت جاي سلام.
وأغلق الهاتف فورا.
تجمدت مي للحظة عن سماع الاسم، وتمتمت بضيق: رحمه تاني يا رشدي!!
ثم ركضت بسرعة إلى الأعلي، لتبدل ملابسها، تحاول أن تبدو طبيعيه كأن شيئا لم يحدث.
بعد لحظات دخل رشدي وهو يقول بسرعة: ميشوا معلش مضطر اروح المجموعة في ملف مهم نسيت أمضي عليه.
رفعت عينيها إليه بهدوء مصطنع: آه، طب كويس إنك رديت.
تنهد قائلا: معلش يا حبيبي، الحسابات لو باظت هتعمل مشكلة معايا، وأنا مش ناقص مشاكل مع الباشا.
ابتسمت ابتسامه مصطنعه وقالت: واضح إنهم ما صدقوا إننا رجعنا وهيرموا عليك الشغل كله.
هز رأسه: آه والله يا بنتي، عذاب.
اقترب منها قليلا: مش هتأخر عليكي.
أومأت برأسها بالإيجاب وهي تحاول أن تبدو هادئة وطبيعية.
تحرك إلي غرفة الملابس ليبدل ثيابه، وبعد لحظات خرج ووضع قبله على وجنتها وهو يأخذ مفاتيحه وغادر، ظلت مي تنظر إليه بصمت، ثم نهضت ببطء وأخذت تتحرك خلفه دون أن يشعر.
صعد سيارته وانطلق بها خارج القصر، بعد ثوانٍ قليلة، صعدت مي سيارتها هي الأخرى وانطلقت خلفه.
كان يقود بهدوء، ومي خلفه على مسافة آمنة، تحاول ألا تلفت انتباهه كانت بالطبع تشعر بالتوتر لأنها جديده في قياده السيارات وبمفردها وتقود أيضا مسافات طويله بأماكن لا تعلمها لكن غريزتها الأنثوية تغلبت على خوفها.
بعد حوالي نصف ساعة توقفت سيارة رشدي أمام فندق كبير، وقفت مي بعيدا تراقبه من خلف الزجاج وهي تضيق عينيها.
ترجل رشدي من السيارة ودخل الفندق بسرعة، انتظرت لحظة، ثم نزلت هي الأخرى وتبعته بحذر، دخل المصعد فوقفت مي أمام المصعد تراقب الأرقام وهي تتحرك: الثالث... الرابع...ثم توقف الرقم عند الخامس.
فتحت باب المصعد المجاور وضغطت على رقم 5، وعندما خرجت، وجدت نفسها في ممر طويل هادئ، لمحته من بعيد وهو يسير حتى توقف أمام غرفة، ثم فتح الباب ودخل.
وقفت بعيدا في طرف الممر، تراقب الباب، تقدمت وهي تنزي الهجوم عليه ثم توقفت فجأة، وهمست لنفسها وهي تعقد ذراعيها: لا استنى شوية، لحد ما اقفشه متلبس الحيوان.
انتظرت حتي مرت دقيقة، ثم دقيقتان، وقبل أن تتحرك نحو الباب، وجدت باب الغرفة يفتح، تجمدت مكانها واختبأت خلف زاوية الجدار بسرعة، خرج رشدي لكن مظهرة كان مختلفا تماما.
كان يرتدي بالطو طويل، وكاب، وكوفية ملفوفة حول رقبته، ونظارة كبيرة تخفي نصف وجهه، بدل ملابسه بالكامل وكأنه شخص آخر !!
نظرت إليه باستغراب وتمتمت: إيه اللى هو عماله في نفسه دى؟
تحرك نحو المصعد، انتظرت لحظة ثم تبعته.
هبط وخرج من الفندق، والمفاجأة أنه أوقف تاكسي!
ضيقت عينيها بدهشة: تاكسي؟! وسايب عربيته؟! هو في ايه؟!
صعدت سيارتها بسرعة، وتبعته مرة أخرى، تحرك التاكسي في شوارع لم تكن تعرفها.
قصر الراوي
جناح صافيناز وعماد
جلست صافيناز في الشرفة تمسك كتابا بين يديها وتقرأ بتركيز، وإلى جوارها فنجان قهوة ترتشف منه بين حين والآخر، وفجأة أضاء هاتفها يعلن عن وصول رسالة.
رفعت عينيها عن الكتاب، والتقطت هاتفها لتري الرسالة، وما إن رأتها حتي تجمدت ملامحها، واتسعت عيناها بصدمة.
ظهرت على الشاشة صور لسارة مع عماد (تلك الصور التي هدده رشدي بها)، بدأت تقلب الصور بسرعة، تنتقل من صورة إلى أخرى، وتقربها بإصبعها لتتأكد مما تراه.
وفي أسفل الصور، كانت هناك رسالة، قرأت الكلمات ببطء: خدي بالك من جوزك يا مدام صافيناز، شكله بيلعب مع الانتيم، تقريبا حن لشقاوة زمان.
عقدت حاجبيها، وحدقت في الصور مرة أخري بعدم تصديق، وكتبت: أنت مين؟ أنا هعرف أوصلك وهدفعك التمن غالي، والصور اللى أنت باعتها دى فيك ولا تهز فيا شعرة.
جائها الرد ساخرا: لا يا هانم الصور مش فيك، وأنا عارف إنك ذكية وهتقدري تتأكدى بنفسك، إن الأنتيم في مصر ومسافرتش زى مفهماكي، بأمارة سفريات دبي الكتيرة.
ظلت تحدق في الشاشة لثواني طويلة، تفكر في أمر تلك الرسائل.
نهضت من مكانها بعنف، واتصلت بعماد وهي تجز على اسنانها، وتتحرك في الجناح ذهابا وإيابا كالمجنونة، ولكن وجدت هاتفه مغلقا !!! فاسودت عيناها، وقامت بعمل مكالمه: أيوه يا شاكر، أنا هبعتلك رقم دلوقتي، عايزاك تعرف مين صاحبه، وكمان شوف عماد باشا فين دلوقتي وبلغني.
وألقت الهاتف بجانبها، وجلست تحدق في الفراغ والنيران تأكل قلبها من كثرة الغضب.
في احد المناطق المجهوله
توقف التاكسي في منطقة شعبية ضيقة، دفع رشدي الأجرة ونزل، لكن مي لم تقترب، ظلت مختبئة بسيارتها بعيدا، رأت رشدي يركب سيارة أخرى كانت مصطفه على جانب الطريق؛ تلك السيارة التي يذهب بها دائما عند جنه.
عبست وهي تضرب المقود بيدها: ايه العبط اللى بيعمله دى بقي؟!
تحركت خلفه مرة أخرى بحذر وهي تحافظ على بعد المسافة بينهم حتى لا يراها، وظلت هكذا حتي وصلوا أخيرا إلى منطقة القلج، كان المكان غريبا عليها، اول مرة تأتي إليه.
تمتمت وهي تنظر حولها: ودى جاي هنا يعمل ايه؟ ورايح فين بالظبط؟!
توقف رشدي أخيرا أمام بيت إسعاد، خلع الجاكيت والنظارة والكوفية، تلك الأشياء التي كان يخفي بها ملامحه، وبعد لحظات أصبح بملابسه العادية التى خرج بها من القصر.
أطفأت مي المحرك ونزلت هي الأخرى، واختبأت خلف أحد السيارات المركونة، تراقبه.
تقدم رشدي نحو الباب ثم طرقه، بعد لحظات فتح الباب وظهرت فتاة تقف أمامه ودخل للداخل
تصلبت مي في مكانها، وجزت على أسنانها بقوة، والغيرة تشتعل في عينيها، وهمست بغضب: بقى هي دي رحمه، والله لأوريك واوريها..
واندفعت بقوة نحو الباب رفعت يدها وطرقت عليه بعنف، لحظات قليلة مرت، ثم فتح الباب ووقفت رحمة أمامها.
اتسعت عيناها بدهشة وهي تحدق في مي، وفي نفس اللحظة ظهر رشدي خلفها، تجمد مكانه، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية.
بهتت ملامحه، وهو يتمتم بصدمه: مي...؟!
استوووب
تفتكرو مي هتعمل ايه، وايه هيحصل؟!