رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع والعشرون بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع والعشرون
بقلم ليله عادل

{أصعب الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُخاض بعقول ماكرة، حيث يصبح الانتقام وأخذ الحق لذة بحد ذاته.} 

             [بعنوان: حروب لا تُرى] 

القلج،2ظهرا.

دخل رشدي بملامح متجهمة: إيه بقى الصداع اللي أنتِ عاملاه ده؟ بتتصلي على تليفوني؟ أنتِ اتجننتي؟

رحمة بتهكم: اهدى شوية على نفسك وابلع ريقك لتشرق، مالك داخل علينا بزعابيبك كدة ليه؟

قطب جبينه بضجر: اتكلمي عدل يا رحمة.

رحمه باستهجان: عايزيني اتكلم أزاى، وأنت داخل تزعق كده؟ بقولك جنة تعبانة ولازم تعمل عملية، وعماله تعيط وكل اللي على لسانها عايزه رشدي.

أشار بيده بضيق: تقومي متصلة بيا على رقمي.

هزت كتفيها بلا مبالاة: والله لو كنت بترد على الأرقام التانية، مكنتش اضطريت أتصل بيك.

جز على اسنانه قائلا: ماشي يا رحمة، ليكي روقه.

قال كلماته وتحرك نحو غرفة جنة.

دخل الغرفة بابتسامة مشرقة، فوجدها جالسة على الفراش ووجهها متجهم من البكاء.

جلس بجوارها قائلا: إيه يا جنة كل العياط ده؟ أمال فين بقى إحنا جامدين، وعاملين زي الأشباح ومبنخافش؟

ضمت شفتيها بطفولية ونظرت إليه بعتاب: أنا زعلانة منك؛ علشان مش بترد عليا.

ربت على رأسها بلطف: معلش كنت مشغول، وبعدين لازم تعملي العملية، إحنا مش جامدين وأقوياء؟

إسعاد تحمسها: كمان هناكل ايس كريم كتير اوي.

اضاف رشدى بحماس أكبر: اه وكمان هوديكي الملاهي والمطعم إللي بيلف، بس لازم تخفي الأول، وعلشان تخفي لازم تعملي العملية.

اخرجت شفتيها بحزن: طب أنا عايزة بابا وماما يبقوا معايا، كل العيال كان معاهم مامهتهم إلا أنا.

أجابها بمهاوده: بابا وماما قربوا يجوا خلاص..

وقبل أن ترد، دوى طرق شديد على الباب.

رفع رأسه باستغراب وهو يعقد حاجبيه!

وفي الخارج؛ كانت رحمة قد فتحت الباب بالفعل واتسعت عيناها بدهشه من وجود مي أمامها، فهي تعرفها جيدا، ورأت صور زفافهم على الفيسبوك.

لكن مي لم تنتظر، دفعت الباب ودخلت بغضب: هو فين؟

خرج رشدي ليري مايحدث، وحينما رأها اتسعت عيناه بصدمة !

اقتربت منه وهي تصيح بغضب: هو ده بقى الشغل المهم اللى عايز امضتك؟ ودي رحمة مديرة أعمال سليم يا كداب.

ظل واقفا مذهولا، لم تكن صدمته وخوفه لأنها كشفته فحسب، بل لأنها جاءت إلى هذا المكان تحديدا، فإذا علم أحد بهذا الأمر ستكون كارثة.

اقترب منها وأمسك ذراعها بعصبية: أنتِ جيتي هنا أزاي؟! انطقي!

سحبت يدها بعنف: ده اللي فارق معاك يا كداب، يا خاين.

ثم أكملت بمرارة: ديل الكلب عمره مايتعدل، أنا اللي غلطانة إني وثقت في واحد زيك.

وقفت رحمة في الخلف تضم ذراعيها إلى صدرها، وتراقب المشهد بابتسامة شامتة.

وفجأة...

خرجت جنة من الغرفة تتحرك ببطء، وحينما رأت مي قالت ببراءة ممزوجه بالسعادة: ماما !! أنتِ جيتي من السفر.

جمدت مي في مكانها وهي تنظر نحوها باستغراب، بينما ركضت جنة نحوها واحتضنت ساقها وهي تقول ببراءة وفرحه من بين دموعها: وحشتيني اوي، انتِ جيتي علشان تتطمنى عليا؟!

نظرت مي إليه بعدم فهم: أنا مش فاهمة حاجة...

ثم رفعت حاجبيها باتهام لاذع: مين دي كمان؟! إيه بنتك؟!

لم يعرف ماذا يقول، فالأمر كان صعبا عليه؛ جنه من ناحية، ومي من ناحية أخرى، لكن الأهم الآن أن يصحح لجنة سوء التفاهم أولا.

فاستنشق نفسا عميقا، وجلس أمامها على ركبتيه قائلا: جنة دي مش مامي، دي مي مراتي...

أضاف مصححا: مامي لسه مجتش من السفر.

رفعت جنة رأسها إلى مي، ثم عادت بعينيها إليه بحزن، وعينين تلمع بالدموع: فتكرتها ماما، أنت لسه قايلي إنها جايه.

مسح على خدها بحنان يزيل دمعاتها: أنا قولتلك هتيجي قريب، بس ده مش معناه إنها تيجي حالا.

عبث وجهها بحزن طفولي، فجذبها إلي احضانه، ثم وضع قبلة على رأسها: معلش يا حبيبتي روحي على أوضتك مع رحمة، وأنا هجيبلك انا ومي نقعد معاكي.

اومأت برأسها، وتحركت مع رحمة بحزن.

وقف يراقبها حتى دخلت، ثم نظر إلي مي متسائلا بحدة منخفضة: كلمة واحدة، أزاي جيتي هنا؟! الموضوع ده مش لعبة.

رفعت حاجبها بتحدي: لا أنت اللي تفهمني، مين دول؟ ومين البنت الصغيرة دي؟!

تابعت بحدة: بنتك ولا إيه؟

ثم سألت بسخرية: ومين مامتها اللي جاية من السفر دي كمان، مراتك ولا عشيقتك؟

ثم أضافت وهي تضحك بتهكم: وإيه جو المفتش كرومبو اللي كنت عامله ده؟ فندق، وتغير هدومك، وتاكسي، وعربية...

ثم نظرت إليه، وقالت بأمر منفعل: فهمنى ايه الحكاية.

رشدي باستهجان: ده أنتِ متابعاني من بدري بقى.

ردت بسخرية: من أول ماخرجت من القصر، أصلي سمعت المكالمة اللي كانت بينك وبين رحمة، مديرة أعمال سليم.

ثم مالت نحوه وتابعت: مع إن اسمها نور، يا كداب؟ 

وأشارت بإصبعها: ومتحاولش تكدب انا اتصلت بمكتب سليم واتأكدت.

ساد صمت ثقيل بينهما، أدرك رشدي أنه في مأذق حقيقي هذه المرة؛ فمي تعرف أكثر مما ينبغي، بحث في عقله سريعا عن إجابه، أو بالأحري كذبة أخري تنقذه من هذا المأذق.

رمش بعينيه وتمتم: يا ستي رحمة والحاجة إسعاد دول ناس أنا بساعدهم...

صمت لحظة ونظر بعيدا قبل أن يكمل بحزن مصطنع: من كام سنة طلع عليا عصابه وضربوا عليا نار، والسواق بتاعي مات وهو بيدافع عني...

ثم أشار نحو الغرفة بنبرة متأثرة: جنة دي بنته، كانت لسه يدوب عندها شهور لما مات، اقصد اتقتل..

اخفض رأسه بأسي مصطنع: واللي خلاني أحس بالمسؤولية أكتر ناحيتها، إني عرفت إن مامتا ماتت وهي بتولدها، وإنها ملهاش حد غير جدتها بس.

اتسعت عينا مي بتأثر: يا حبيبتي.

أكمل مفسرا: ورحمة جارتهم، بتساعد جدتها في تربيه جنة، يعني تعمل اكل تنظف، وأنا بديها فلوس كل أول شهر، خدامه يعني بس أنا مش بحب احسسها بكدة.

في الداخل كانت رحمة واقفه خلف الباب تسترق السمع، فتمتمت بغيظ: خدامة! يا ابن الل... يخرب بيت التمثيل.

نظرت إليها إسعاد الجالسه على الفراش: في إيه يا رحمه؟ واقفه كده ليه؟ ومين اللي جه برا؟

أجابتها: مرات رشدي، معرفش إيه اللي جابها.

اتسعت عينا اسعاد، ثم قالت معاتبه: طب تعالي هنا، عيب تتصنتي عليهم.

زفرت رحمه: عيب ايه، والنبي استني يا خالتي، ده ابن الكدابه عامل عليها فيلم هندي برا. 

في الخارج 

ابتلع ريقه، وتابع بتأثر مصتنع: البنت فاكرة إن باباها ومامتها مسافرين، مش عارف أقولها إنهم ماتوا، هي فاكراني صاحب باباها، ورحمة كانت بتكلمني علشان البنت محتاجة تعمل عملية اللوز، علشان كده جيت.

نظرت إليه متأثرة، ثم عاتبته: طب كدبت لية وقولتلي إن رحمه مديره اعمال سليم؟ ليه كل السرية دي؟ لو كنت قولتلي أنا عمري ما كنت همنعك.

أخفض رأسه قائلا: أول مرة جيت هنا وساعدتهم العيلة كلها فضلوا يتريقوا عليا، وإن رشدي بتاع البنات الفاشل يعمل خير؟ كعادتهم يعني..

تنهد بالم وهو يضيف: علشان كده بقيت بعمل كل حاجة من وراهم، أروح الفندق وأغير هدومي وأجي هنا.

نظر داخل عينيها واسترسل: ومرضيتش أقولك؛ علشان عارف إن الخير لما بيتقال ثوابه بيقل.

تبسمت ومسحت دمعه كادت أن تسقط من عينيها، وقالت بلوم خافت: برضو يا رشدي، أنا مراتك، كان لازم تقولي، ولو كل الناس اتريقوا عليك، أنا مستحيل أعمل كده، شوفت أنت حطيتني في موقف عامل أزاي؟

رد موضحا: ما أنا فهمتك القصة بقي.

هزت رأسها بابتسامة بريئه: وعلي فكرة مش معنى إنك حكيتلي يبقى كده هتضيع الثواب يا حبيبي، بالعكس أنت كده هتخليني أنا كمان آخد ثواب زيك.

امسك يدها، ونظر في عينها بجدية: أنا كل اللي بطلبه منك إنك توعديني إن الموضوع ده ميخرجش بره، ومحدش في القصر يعرف بيه، مهما كان مين...

وهمس بنبرة أخفض: حتى بينك وبين نفسك مينفعش تتكلمي.

أومأت برأسها مؤكده: متقلقش، هو أنا عبيطة؟ والله ما هقول لحد.

أطلق زفرة ارتياح أخيرا، إذ كان يخشي انكشاف ذلك السر أكثر من خشيته أن تكتشف خيانته لها.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وربت على يدها بارتياح: طب تعالي بقى ندخل لجنة.

جذبت يده نحوها، واوقفته قائلة بتردد: أنا مش عايزاك تزعل مني علشان شكيت فيك، بس امبارح كنت بكلم لوجين عادي، ووسط الكلام عرفت إن الاسيست بتاع سليم اسمها نور.

خفضت نظرها وتابعت: حاولت مركزش وألتمسلك حسن النية، بس النهارده لما سمعت المكالمة اتجننت ومحستش بنفسي غير وأنا راكبه العربية وماشية وراك.

نظر لها بلوم تمثيلي: كده يا مي تشكي في رشروش حبيبك؟! اخص عليكي، وكمان تعملي كل اللي عملتيه ده..

ثم رفع حاجبه وتساءل: وبعدين أصلا أنت مشيتي ورايا كل دى أزاى من غير ما أخد بالي؟

ابتسمت بشقاوة موضحه: كنت ماشيه بعيد اوي، يدوب مخلياك على آخر مرمي نظري علشان متوهش مني، هو أنا عبيطه يعني علشان امشي لازقه فيك بالعربية اللى لسه جايبهالي الصبح؟! كنت هتقفش وش.

رمقها بنظرة ساخرة: ماشاء الله، ده إيه النباهه دى كلها، اسمي الله عليكي بتلقطي اسرع من البلوتوث.

هز رأسه بحسره وتابع: لحقتي لقطتي كل دى امتي، دي أنت مكملتيش يومين حتي ومتعاملتيش مع حد فيهم، أومال لما تتعاملي معاهم بقي هتعملي فيا ايه؟!

رمشت عدة مرات باستغراب: مش فاهمة لقطت ايه، واتعامل مع مين؟!

هز رأسه: ولا حاجة، متشغليش بالك.

ثم تابع بجدية: بس بعد كده قوليلي كل حاجة، وأنا أوعدك مش هخبي عنك أي حاجة تاني، علشان منتحطش في الموقف ده مرة تانية.

ابتسمت وهزت رأسها: اتفقنا.

تحركا معا نحو الداخل، كانت رحمة تقف عند الباب، ذراعاها معقودان أمام صدرها، تنظر لهما بابتسامة جانبية يفهمها جيدا لكنه تجاهلها تماما، وتقدم نحو الفراش معرفا: مي مراتي.

إسعاد بترحيب: أهلا وسهلا يا بنتي، تشربي ايه؟

هزت رأسها برفض: تسلمي مش عايزه حاجه.

إسعاد باصرار: لا والله لازم تشربي حاجه، دي أول مره تيجي عندنا.

ثم نظرت إلي رحمه: هاتيلهم حاجه ساقعه يا رحمه. 

اومأت رحمه، وخرجت تجلب المشروبات، بينما اقتربت مي من جنه بابتسامه لطيفه: عاملة إيه يا جنة، تعرفي إنك جميلة اوي، وعينيكي حلوين خالص، لونهم إيه؟

رفعت جنه عيناها، وقالت بثقة: لون السما.

ضحكت مي برقة، وأمسكت يدها الصغيرة تقبلها: فعلا زي السما بالظبط، ما شاء الله عليكي.

نظرت جنة إليها وقالت ببساطة طفولية: على فكرة، أنتِ حلوة اوي.

مي بابتسامه لطيفه: أنتِ أحلى.

جنة بثقة طفولية: آه أنا عارفة إني أحلى.

جلس رشدي على طرف الفراش، وهز رأسه مبتسما: لا متخشيش معاها في حوار دي لمضة، حتى وهي عيانة لسانها طويل.

ثم مال قليلا نحوها، وربت على يدها بلطف: جنه إحنا اتفقنا إننا هنعمل العملية علشان نخف ونرجع نلعب، صح؟

عضت شفتيها بتردد: بس أنا شوفتهم كانوا بيعيطوا كتير وبعد شوية مشيوا ومرجعوش.

وضع قبلة على رأسها، وقال مطمئنا: لا ما أنا هوديكي مكان تانى حلو مفيهوش حد بيعيط.

ثم قال بتشجيع: وبعدين أحنا اتفقنا نكون أقوياء وجامدين، صح؟

تمتمت بخوف: بس أنا خايفة.

نظر لها متأثرا: متخافيش، أنا هكون معاكي، مفيش حاجه هتوجعك والله، ولو وجعتك هضربلك الدكتور، اتفقنا؟

ضحكت جنه بخفة: اتفقنا، هنضربه أنا وأنت.

تساءلت مي باستغراب: هما مين اللي كانوا بيعيطوا يا رشدي؟ أنا مش فاهمة حاجة.

أجابتها رحمه، وهي تضع المشروبات امامهم: العيال اللي كانوا معاها في القسم، بعد ما عملوا العملية فاقوا من البنج يعيطوا، فهي خافت منهم.

عقدت حاجبيها بتعجب: هو أصلا أزاي يكونوا مع بعض في نفس المكان؟ مش المفروض كل طفل ليه أوضة؟

تنحنح رشدي موضحا: ما هم كانوا مودينها مستوصف.

التفتت إليه باستغراب: يعني إيه مستوصف؟

أجابها بفهلوه: حاجة رخيصه زى مستشفيات الحكومة، بس إن شاء الله بكرة هنوديها مستشفى كويسة.

ثم ابتسم وهو يربت على كف جنة: وبعدها نجيبلك آيس كريم مانجا.

مي بابتسامه: آه، وأنا ورشدي كمان هنكون معاكي طول اليوم.

نظرت جنة بينهما بقلق: يعني بابا وماما مش هيجوا؟

مسح رشدي على شعرها: ما إحنا لازم نعمل العملية ونخف قبل ما بابا وماما يرجعوا من السفر، علشان لما يجوا نقدر نخرج معاهم ونلعب، مش هنفضل قاعدين كده، صح؟

فكرت جنة قليلا، ثم قالت ببطء: ماشي، بس إنتوا تبقوا معايا، ومتسيبونيش؛ علشان مزعلش منكم إنتوا كمان.

ابتسم رشدي وربت على يدها الصغيرة مطمئنا: لا أوعدك إحنا هنكون موجودين.

إسعاد لمي بابتسامه دافئة: أنتِ نورتينا يا بنتي والله.

وامسكت الكوب تقدمه لها: اتفضلي يا بنتي.

ابتسمت مي بخجل، واخذت الكوب منها: شكرا، ربنا يخليكي.

اخذ رشدي كوبه هو الآخر، ارتشف منه، ثم التفت إلى جنة: وري مي يا جنة إنك بتعرفي ترسمي، وريها رسوماتك.

لمعت عيناها بحماس، ونهضت بسرعة: ماشي!

ركضت نحو الطاولة، وأخرجت من الدرج بعض الأوراق الملونة، عادت بها مسرعة وجلست بجوار مي، ثم بدأت تقلبها واحدة تلو الأخرى.

جنة بفخر: بصي دي رسمت فيها السما والنجوم، وبصي دي قطة.

انحنت مي تتأمل الرسومات بابتسامة صادقة: ما شاء الله جميلة جدا يا جنة، أنتِ شاطرة اووي في الرسم.

اتسعت ابتسامتها أكثر وهي تريها رسمة أخرى: ودي أنا و... (توقفت لحظة) ده بابا ودي ماما.

مسحت مي على شعرها بلطف: حلوة اوي.

مر الوقت وهما يتحدثان ويضحكان حتى هدأت جنة واختفى الخوف من عينيها، ولم تعد تبكي كما كانت، وبعد فترة، هم رشدي ومي للمغادرة.

انحني رشدي يضع قبلة على رأس جنة: خلاص بقى بكرة نعمل العملية علشان نخف بسرعه؟

هزت رأسها موافقة بثقة طفولية: وأنت هتكون معايا، أنت وعدتني، ولو طلعت بتكذب هخاصمك يوم ويوم ويوم.

ابتسم وقال بنبرة مرحه: لا، أنا مقدرش على خصامك، بكرة هاجي ومعايا مي كمان.

ثم قبلها من رأسها وضمها لحظة بين ذراعيه.

اقتربت مي أيضا وقبلت خدها: باي يا جنة.

لوحت بيدها الصغيرة: باي يا مي.

وبالفعل غادرا المكان، بينما كانت جنة أكثر هدوءا واطمئنانا وقد اقتنعت أخيرا أن تجري العملية؛ لأنها اطمأنت أن رشدي سيكون بجوارها.

عند الباب، توقف رشدي أمامهم قائلا بجدية: أنا هعمل اتصالاتي، وإن شاء الله بكره نعملها العملية في مكان محترم.

ثم نظر إلى رحمة بحزم: ابعتيلي رقم الدكتور اللي كانت بتابع معاه، محتاج أفهم منه كل حاجة، علشان أبعت للدكتور التاني.

انتقلت عيناه إلى إسعاد، وأضاف بصرامة: وبعد كده أي حاجة تحصل لجنة تروحو بيها للدكتور فورا، وأحسن دكتور كمان، أنا مش ببعتلك فلوس علشان تحوشيها أنا ببعتها علشان تاخدي بالك منها، متحرموهاش من حاجة، مفهوم؟

هزت إسعاد رأسها بسرعة: حاضر يا ابني، وبعدين الدكتور ده شاطر، وعمل عمليات لكل العيال المنطقة.

تدخلت مي بهدوء: عادي يا رشدي مش علشان المكان بسيط يبقى وحش، وعملية اللوز أصلا عملية عادية يعني.

أشارت رحمة بيدها: قوليله والنبي! لحسن من ساعة ما جه وهو طايح فينا.

لوح بيده منهيا للنقاش: ولا تقولي ولا أقولها، أنا قولت كلامي.

ثم استدار نحو الباب: يلا يا مي.

تحركوا إلى الخارج، أما رحمة فظلت واقفة تتابع خروجهما وقلدته بصوت ساخر وهي تهز رأسها: ده أنت عيل كذاب!

ثم هزت رأسها وهي تبتسم بسخرية: بس لعبتك دي مش هتفضل ماشية كتير يا رشدي.

أغلقت الباب ثم عادت إلى الداخل.

أمام السيارة.

رشدي: أنتِ هتركبي عربيتك، وأنا هركب عربيتي، تفضلي ورايا لحد أقرب طريق تعرفي تروحي منه القصر، وأنا هغير العربيه واروح الفندق أظبط الدنيا وأرجعلك تاني.

اومأت موافقه، وبالفعل صعد كل منهم إلي سيارته، وانطلقت السيارات في هدوء.

إحدى شركات الاتصالات، 2ظهرا.

جلس عمار خلف مكتبه، يضع سماعة على أذنيه، منهمكا في مكالمة مع أحد العملاء.

اقترب منه أحد زملاؤه: عمار، في حد مستنيك برا.

رفع السماعة من على أذنه، وتساءل: مين؟

هز كتفيه: معرفش.

تنهد وخلع السماعة، ثم نهض وتحرك إلى الخارج.

وبمجرد أن خرج توقف فجأة حين وقعت عيناه على سليم.

نظر له نظرة جامدة، وكاد أن يستدير ويعود من حيث أتى، لكن سليم وقف أمامه قائلا: عمار اظن اننا كبار كفاية على اللي بتعمله ده؟ 

عمار بجمود: أنا مش عايز أتكلم معاك.

سليم بعقلانية: ماشي، أنا فاهم إنك واخد موقف مني وزعلان وده حقك، بس أختك وعلاقتك بيها ملهاش دعوة بأي حاجة بينا.

شد عمار فكه وقال بحدة: أختي اختارتك ومختارتنيش يبقي خلاص.

هز رأسه مفسرا: هي أه اختارتني، بس بعد مافضلت سنتين مختاركم وعرفت إني كنت مظلوم.

هز رأسه وتابع بصدق: أنا مش جاي أعيد نفس الكلام يا عمار، بس أنا كان من حقي آخد رد الفعل اللي أخدته، واللي حصل مني كان بالطريقة اللي اتربيت عليها..

نظر بثبات في عينيه: انت نفسك، لو اتحطيت مكاني صدقني هتعمل زيي وأكتر، يمكن مش نفس السلوك بالظبط علشان دي مش تربيتك، بس أكيد كنت هتزعل وتثور، ويمكن تضرب وممكن كمان ترفض تطلق وتقول هسيبها كده متعلقه.

أشار بيده كأنه يشرح حقيقة واضحة: كل واحد بيتعامل على حسب اللي اتربى عليه، وعلى حسب قدراته وسلطته، وحدوده، ولأسف كل ماحدودك بتكبر وسلطتك بتعلى، كل ما رد فعلك بيبقى أعنف، خصوصا لو في خلل جواك...

نظر له بثبات: زي ماقولتك أنا مش هنا علشان أبرر، أنا هنا علشان أقولك حاجة واحدة بس؛ البعد اللي انت عامله بينك وبين أختك وأهلك غلط، انت متصور أنك كدة بتعاقبهم مثلا؟

هز رأسه بإبتسامة آسفه: احبك اقولك انك غلطان، انت كده بتعاقب نفسك، هم اختاروا يسامحوا ويصلحوا، وانت اخترت متسامحش وده حقك.

رفع يده بإشارة خفيفة: بس مش حقك تعاقبهم على اختيارهم...

صمت لحظه، وتابع بصدق: حس بقيمة أهلك يا عمار، أهلك ناس كويسة وميستحقوش منك كده، غيرك يتمنى أهل زيهم...

لانت نبرته بابتسامه باهته فيها وجع حقيقي: عارف، رغم كل اللي عندي كنت أتمنى أهلي يبقوا زي أهلك؛ يحبوني ويخافوا عليا لنفسي مش لمصلحه، أهل احس معاهم بالأمان مش الخذلان.

صمت لحظة يحاول السيطره على إحساسه، ثم أكمل: وصدقني أنا وماسة دلوقتي محتاجينك أكتر من أي وقت فات خصوصا ماسة، العيلة هي السند والضهر والأمان، الإنسان لو شلت منه عيلته هيبقى هش يتكسر بسهولة، بس عيلة حقيقه مش شكل اجتماعي.

تراجع خطوة للخلف، قائلا: أنا مش مستني منك رد دلوقتي..

نظر له نظرة طويلة: بس فكر في كلامي كويس.

ثم استدار وغادر بخطوات هادئة، بينما ظل عمار واقفا في مكانه ينظر إلي أثره بشرود، فكلمات سليم الصادقة لمست شيئا عميقا بداخله.

أحد الكافيهات، 2ظهرا.

جلست سلوى تتأمل صور مكي علي الهاتف بابتسامة حالمة، وشعور بالأسى والندم يعتصرها على كل لحظة فاتتهم.

بعد قليل، وقف طارق أمامها، يحدق بها بنظرة تحمل العتاب والجمود: حمد لله على السلامة، لسه فاكرة رقم تليفوني؟

أغلقت الهاتف، وقالت بهدوء: اقعد يا طارق.

جلس على المقعد المقابل باقتضاب: افندم؟!

ردت بنبرة تحمل في طياتها حدة، كأنها تقنع نفسها أنها صاحبه الحق: أنا عايز أعرف انت زعلان وبتعمل اللي بتعمله ده ليه؟ عايز تبين إنك الشخص الغلبان في العلاقة دي، وأنا الشخص السيء؟

ابتسم بحزن، وقال بسخرية ممزوجة بالعتاب: لا يا سلوى أنتِ مش الشخص السيء ولا حتى الغلبان، انتِ مكنتيش موجودة من الاساس، وأنا كمان مكنتش بكلمك ولا بتصل لأني مش لاقيكي، مش هبادر مع حد مش عايزني، فهي كانت معامله متبادلة..

ثم أضاف بثقل: أنت محبتنيش يا سلوى ولا حاولتي، لسه عايشة في وهم الماضي ومعرفتيش تخرجي منه، نصيحة مني ليكي مادام لسه بتحبيه أوي كده ارجعيله، هو كمان شكله لسه بيحبك، اللي شوفته بيأكد ده حتى لو قال العكس..

عضت شفتيها بارتباك: صدقني أنا حاولت، بس أنت مخلتنيش أعرف أحبك أو أتقبل حتي فكرة إننا نتجوز.

تنهد وتمسك بالكلمات كأنه يعتذر لنفسه قبلها: صدقيني حتى لو كنت قيدتلك صوابع شمع مكنتش هتشوفيني برضو، أنا كنت بالنسبه لك مرحلة أو بوابة بتحاولي تهربي بيها من حبك لخطيبك السابق، بس انتي فضلتي موجودة جوه الحياة دي..

اخرج أنفاسه وهو يضيف بأسى: بس الغلط مش عندك، الغلط عندي أنا لأني قبلت إن إحنا ندخل في العلاقة دي وأنا عارف إن مشاعرك لسه مع شخص تاني، وصدقيني أنا مش زعلان منك، انتِ كنتي صادقة، مجيتيش قولتيلي بحبك ولا وعدتيني بحاجة وبعدين خليتي بيها.

نظرت له باعتذار وخجل: انا اسفه يا طارق.

توقف وهو يزم شفتيه: ولا حتى تعتذري..

خلعت الدبلة وأعطتها له: متهيألي لازم تاخدها.

ارتسمت نصف إبتسامة على شفتيه: خليها ذكرى.

رفع كفه في وجهها: أنا قلعت بتاعتي من زمان علي فكرة، أتمني لك السعادة عموما.

قال كلماته وتحرك مبتعدا، بينما تنهدت سلوى بارتياح؛ لأنها تخلصت من تلك العقبة الكبيرة، وحاولت الاتصال بمكى لكن لم يرد، نظرت امامها وفكرت بشيء ما ثم تبسمت، ودفعت الحساب وتحركت مبتعده.

فيلا مصطفى، 3عصرا.

جلس مصطفي في غرفته ممسكا هاتفه، وصوته يخرج مطمئنا: يا ماما أنا كويس والله متقلقيش عليا، والله الدنيا تمام هنا، الحمد لله موفرلي كل حاجة.

جاءه صوت نبيلة، يحمل دعاء وحنانا: ربنا يباركلك يا ابني ويحفظك، خد أخوك عايز يكلمك.

ابتسم: هاتي

ايهاب: صاصا وحشتيني.

أجابه: انت كمان يا هوبا، عامل إيه؟ في حد بيضايقكم؟ الواد اللي اسمه محمود ده جه تاني؟

طمأنه بهدوء: لا يا حبيبي كل الأمور هنا تمام، ومحمود ده محدش شافه أصلاا.

تساءل مصطفى: طب انتم محتاجين فلوس أو حاجه؟

رد مطمئنا: لا لا، إحنا تمام، خد شوشو عايزه تكلمك.

جاء صوتها مشتاقا: ألو؟

ابتسم تلقائيا بشوق: إزيك يا شوشو وحشاني، و ولحشني كوباية الشاي بتاعتك.

ضحكت بخفوت: أنت كمان وحشتني اوي يا حبيبي، عامل إيه؟ طمني عليك، هترجع إمتى بقى؟

تنهد وهو يمرر يده في شعره: والله ما عارف بس يعني شوية كده، أنا مبقاليش كام يوم هنا.

قالت بصدق: أقسم بالله فاتوا كأنهم شهور.

تساءل باهتمام: المهم قوليلي عملتي إيه مع محمد؟

تغير صوتها قليلا: خلاص الموضوع انتهى، أنا ومحمد فركشنا.

رد بضيق: أزاي يا شوشو؟ بطلي جنان، محمد راجل محترم وبيحبك، آه غلط وأنا زعلان منه بس بجد هيصونك.

جاء ردها حاسما هذه المرة: مصطفى أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده، ده قراري ومش هرجع فيه.

ثم غيرت الحديث: آلاء عاملة إيه؟

تنهد بعدم رضا: الحمد لله كويسة.

علي اتجاه آخر

رن الجرس الباب، فتحت الخادمة لتفاجأ بسليم أمامها.

سليم بوقار: مساء الخير.

اجابت باحترام: مساء النور يا بيه، اتفضل.

تسأل باهتمام وهو يتقدم: إيه الأخبار؟ ناقصكم حاجة؟

هزت رأسها مسرعه: لا يا بيه، كله تمام.

أومأ برأسه: طيب دكتور مصطفى فين؟

أشارت بيدها: ثانية واحدة أناديه، اتفضل، تحب تشرب ايه؟

أجابها بهدوء: قهوة مظبوطه.

تحركت مبتعده بينما تقدم سليم حتى وصل إلى الردهة، حيث كانت أنهار تجلس بهدوء تقرأ القرآن. 

سليم بتهذب: مساء الخير يا هانم.

رفعت نظرها وابتسمت: مساء النور يا حبيبي، عامل إيه؟

جلس بجانبها: الحمد لله أنتِ أخبارك إيه؟ محتاجين حاجة؟

تبسمت: لا يا حبيبي، تسلم.

ثم نظرت له بتردد: متعرفش حاجة عن محمود ابني؟

أجابها بهدوء: لا مفيش أي أخبار عنه، مظهرش خالص، أنتِ عايزة تطمني عليه؟

هزت رأسها برفض: لا، أهم حاجة إنه يكون بعيد عن الجماعة.

أجابها مطمئنا: اطمني، مش ظاهر نهائي.

صمتت قليلا، ثم تسألت: طب وأحنا هنفضل مستخبيين هنا كتير؟

تنهد قائلا: إن شاء الله لأ...

تابع بخجل: أنا عارف إنكم زهقتوا، ومش سهل تفضلوا محبوسين كده، بس والله غصب عني، أنا عملت كده علشان احميكم.

ربتت على يده بحنان: ربنا يعينك يا ابني على اللي أنت فيه.

عند مصطفى.

كان مصطفى يتابع حديثه: المهم ابقوا أدوا الرقم ده لمحمد علشان اكلمه، وفهموه الدنيا، لحد يوقعه بالكلام ويبوظ كل حاجة. 

قاطعه طرق الباب ودخول الخادمة: دكتور مصطفى، سليم بيه بره.

أومأ لها، ثم قال: طب أنا هقفل دلوقتي علشان سليم هنا، هبقى أكلمكم تاني، سلام.

أغلق الهاتف، وتحرك للأسفل، ليجد سليم جالسا مع أنهار.

مصطفى بابتسامة: وأنا أقول الفيلا منورة ليه؟

وقف سليم بابتسامه: أزيك يا مصطفي، عامل إيه؟

اومأ برأسه: الحمد لله.

سليم بتهذب: ممكن نتكلم شوية؟

ابتسمت أنهار وهي تهم بالوقوف: طب أسيبكم براحتكم.

اشار لها سليم سريعا باحترام: لا يا هانم خليكي، أنا هاخده ونطلع بره.

تحركوا معا إلي الحديقه، وجلسا متقابلين، والهدوء يحيط بهما.

تنحنح سليم: إيه الأخبار يا دكتور؟ كله تمام؟

أومأ براسه: آه تمام، في حاجه ولا ايه؟

تنهد سليم وهو يهز رأسه: لا عادي جاي اطمن عليكم، واشوف لو ناقصكم حاجه، وكمان أشكرك.

نظر له بخجل: أنا عارف إني حبستك هنا حاجه سخيفه، شغلك وقف ودنيتك اتعطلت وانت مش مضطر تقبل بده، فكان لازم اشكرك واقولك إن شاء الله الموضوع ده يخلص قريب.

ثم تابع بطريقته معتادة: وكمان قررت أرجعك المستشفى وكلمت الإدارة يصرفولك مرتبك عادي.

رفع مصطفى حاجبيه بدهشة وكاد أن يتعترض، لكن سليم اوقفه بنبرة حازمه: مفيش اعتراض، وزي ما قولتلك الموضوع دى إن شاء الله مش هيطول، قريب هنخلص من كل القرف ده وترجع لحياتك تاني.

واضاف بنبرة صادقة: وشكرا كمان على مساعدتك، الفيديوهات والتسجيلات اللي بتبعتها فادتني جدا، حتى إيهاب بصراحة شاطر، جابلي الصور من موبايل رشدي بسرعه.

ابتسم مصطفى بهدوء وهو يوميء برأسه: متشكرنيش يا سليم، أنا مبسوطه إني بساعدك، وانك وثقت فيا، بعدين أنا بعمل ده علشان ماسة؛ انت متعرفش هي بالنسبة لي ايه؟! انا بعتبرها زي عائشة، فبلاش شكر والكلام ده.

ابتسم سليم: برضو لازم أشكرك، وأطمن لو محتاجين اي حاجة.

مصطفي بتردد: هو في حاجة واحدة بس متردد أطلبها منك في الظروف دي.

هز سليم رأسه: متقولش كده، اطلب اي حاجة، لو عايز قنبلة نووية هجيبهالك.

ضحك مصطفى: لا يا عم مش للدرجة دي!

ثم اعتدل وقال: بس آلاء أنت عارف إنها بتدرس، البنت مجتهدة، وكان نفسها تبقى معيدة، والامتحانات قربت.

أومأ سليم باهتمام، فأكمل مصطفى: كنت عايزك تجيبلها المحاضرات وأنا هذاكرلها هنا، وتروح على الامتحانات، بس محتاجين المواد.

ابتسم سليم بثقة: بس كده؟ سهلة إديني بياناتها ومن بكره كل اللى محتاجاه هيبقي عندها.

في تلك اللحظة، دخلت الخادمة تحمل صنية القهوة، وضعتها بهدوء على الطاولة، فنظر لها مصطفي قائلا: ممكن لو سمحتي تنادي لآلاء.

اجابت: حاضر يا بيه.

غادرت، بينما التفت مصطفى إليه، وقد عادت الجدية إلى ملامحه: بقولك إيه، محمود مفيش أي أخبار عنه؟

هز رأسه نافيا: لا مظهرش خالص.

ثم أضاف بثقة مطمئنة: وبعدين ده عيل عبيط، أنا حاطط حراسة قدام العمارة، متقلقش.

لم يكد يتم جملته، حتى اقتربت آلاء بخطوات هادئة:
مساء الخير.

نظرت لسليم بابتسامة مهذبة: أزيك يا سليم بيه؟

بادلها الابتسامة بلطف: الحمد لله، قوليلي سليم بس.

نظر مصطفى إليها: انا قولت لسليم يجيبلك كل المواد اللي محتاجاها، وتذاكري هنا.

وقبل أن ترد، تدخل سليم بنبرة مازحة: ولو عايزة تبقي معيدة من غير حتى ما تدخلي الامتحانات أنا عندي استعداد!

ابتسمت آلاء، وأخفضت رأسها بخجل: لا متشكرة، أنا عايزة أنجح بمجهودي.

ضحك سليم وهو يهز رأسه: انتِ كمان؟! ماسة كده برضو، أقولها نسهلك الدنيا، واشتريلك الشهاده، تقولي لا! عايزة اذاكر وانجح بمجهودي..

زفر مازحا: إيه يا جماعة بتحبوا وجع القلب ليه؟

ابتسمت آلاء، وقالت بهدوء يحمل إصرارا: مش وجع قلب، بس إحنا عايزين ننجح بمجهودنا ونفهم، خصوصا دراستى مفيهاش هزار، دي أرواح ناس.

كان مصطفى يتأملها بابتسامة هادئة، تعكس إعجابه بخجلها وبإصرارها الصادق لإعتماد على ذاتها، دون الرغبة في اللجوء إلي طريق مختصر.

بينما ابتسم سليم باحترام: ربنا معاكي..

وأضاف بنبرة دافئة: ولو عوزتي أي حاجة قوليلي متتكسفيش، اعتبريني زي أخوكي بالظبط، اكتبيلي بس بياناتك وكل اللي محتاجاه، وخلال يومين كل حاجة هتكون عندك.

أومأت باحترام: شكرا.

ثم تحركت إلى الداخل، أحضرت ورقة ودونت فيها بياناتها وكل ما تحتاجه، وعادت إليه مره أخري: اتفضل.

أخذها وقال بثقة: تمام يومين وكل حاجة هتبقى عندك.

اعتدل واقفا: أنا همشي بقي.

مصطفى: ماتخليك قاعد شوية؟

هز رأسه بابتسامة خفيفة: لا معلش علشان متأخرش على ماسة، هي كمان محبوسة زيكم، ومبحبش أتأخر عليها.

أومأ له مصطفى: ماشي، سلملي عليها.

سليم بوقار: الله يسلمك، بعد إذنكم.

تحرك للخارج، تاركا خلفه هدوءا خفيفا.

نظرت آلاء تجاه الباب الذي خرج منه، وقالت بإعجاب: محترم أوي.

ابتسم مصطفى ابتسامة جانبية: ممم، بس مجنون.

ثم أكمل بخفة: الحمد لله ربنا هداه.

تنهدت آلاء: المهم إنه اتغير وفهم.

نظر إليها مطولا، ثم تساءل: ليه مخليتيش سليم يعينك علطول؟ على فكرة يقدر يعمل ده بجد مش كلام وخلاص.

خفضت نظرها بخجل، وقالت بهدوء: أنا عارفة إن الناس اللي زي سليم يقدروا يعملوا أكتر من كده بكتير، ده ممكن يعيني في وزارة الصحة كمان.

صمتت لحظة، ثم أكملت بنبرة أقوى: بس أنا عايزة أنجح بمجهودي؛ علشان أحس بالإنجاز، مش بعد كل السنين دي أروح أنجح بواسطة.

رفعت رأسها، وتابعت بثقة: أنا واثقة في نفسي وعارفة إني أقدر أوصل لوحدي، كل اللي عايزاه أعدي الترم ده بس، مش معقول بعد التعب ده الموضوع ينتهي بسهولة كده، وبعدين يا دكتور أحنا بنتعامل مع بني آدمين، معلومة واحدة غلط ممكن تنهي حياة إنسان، وأنا مقدرش أتحمل ذنب زي ده.

تنهدت بخفة، وابتسمت ابتسامة حالمه: وطعم النجاح بعد التعب بيبقى مختلف خالص عن الحاجة اللي بتيجي بسهولة.

ظل يستمع إليها بإعجاب واضح فقد أدهشه عدم استغلالها للفرصة، ووقوفها بهذا القدر من القوة والثبات، رغم ما تمر به من أزمة.

كانت قناعتها بذاتها وإيمانها بنفسها شيئا نادرا يستحق التقدير.

قال بابتسامة صادقة: بصراحة إعجابي بيكي بيزيد كل يوم يا آلاء، اللي زيك بقوا قليلين، وأنا واثق إنك هتنجحي، وهتحققي حلمك وتبقي دكتورة كبيرة.

ابتسمت بخجل، وخفضت نظرها مرة أخرى، أما هو فظل يتأملها بابتسامة تحمل معنى أعمق، وكأنه يرى أمامه شخصية مختلفة؛ فتاة جميلة، طموحة، قوية لا تشبه كثيرات في هذا الزمن.

منزل مكي، 3عصرا.

جلست ليلى أمام التلفاز تطوي الملابس بهدوء، وفجأة دوى جرس الباب.

نهضت تفتح الباب، ما إن فتحته حتى تجمدت ملامحها حين رأت سلوي أمامها.

عقدت حاجبيها بدهشة، فتنحنحت سلوي بابتسامه متوترة: مساء الخير يا طنط، أنا عارفة إنك متفاجئة بالزيارة الغريبة دي، بس كنت حابة أتكلم مع حضرتك شوية.

ظلت تنظر لها لثوان، تحاول استيعاب وجودها، ثم تنهدت وافسحت لها: اتفضلي.

دخلت سلوى بخطوات مترددة، حتى جلست في الريسبشن.

سألتها ليلي: تشربي إيه؟

هزت رأسها سريعا: ولا أي حاجة، شكرا.

جلست أمامها، وساد صمت قصير

كانت ليلى تنظر إليها نظرة مليئة بالأسئلة.

أما سلوى، فبدت مرتبكة، أصابعها تتشابك ببعضها، وعيناها تهربان، وكأنها لا تعرف من أين تبدأ.

أخذت نفسا عميقا، وقالت: أنا عارفة إن وجودي هنا عامل تساؤلات كتير، بس أنا حاولت أفكر في حل ومش لاقية، حسيت إن حضرتك الشخص الوحيد اللي ممكن يساعدني.

عقدت ليلي حاجباها بعدم فهم: أساعدك في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!

رفعت سلوى عينيها أخيرا، وقالت مباشرة: أنا عايزة أرجع لمكي.

ساد الصمت.

نظرت ليلى لها بصدمة واضحة، كأن الكلمات لم تصلها بشكل صحيح.

لكن سلوى أكملت بسرعة: أنا عارفة إنك مستغربة، بس والله العظيم في حاجات حصلت كانت غصب عني خلتني أعمل اللي عملته.

اعتدلت ليلى في جلستها، وملامحها أصبحت أكثر صرامة: مفيش حاجة في الدنيا تخليكي تعملي اللي عملتيه وتكسري ابني بالشكل ده.

رفعت سلوى صوتها قليلا، بعينين ممتلئتين بالدموع: لا في!

ليلى بحدة: لا، مفيش.

ردت بإصرار اكبر:لا في بس مش هقدر أقولك الأسباب، مكي عارف كل حاجة، وعارف والله إن اللي حصل كان غصب عني، حتى سليم فهم.

أضافت برجاء صادق: أنا بس كل اللي محتاجاه منك إنك تكلميه يديني فرصة.

انخفض صوتها أكثر، وانكسرت ملامحها: أنا بجد راجعة ندمانة وزعلانة من نفسي أكتر ما أي حد زعلان مني.

اقتربت منها، وأمسكت بيديها بقوة، كأنها تتشبث بآخر أمل، وتابعت ببكاء مكتوم: أرجوكي يا طنط ساعديني وكلميه، هو لو عايز يقولك السبب يبقي يقول هو، لكن أنا مش هقدر أقول.

ابتلعت ريقها، وأكملت بصدق: بس قسما بالله العظيم كان في سبب، وسبب كبير اوي خلاني أعمل كده، أنا عارفة إني غلطت، بس والله كان عندي سبب.

نظرت ليلي إليها لحظات، تتأملت دموعها، وارتجاف صوتها، وصدق انكسارها، فشعرت بشيء من الحيرة يتسلل إليها.

تنهدت ببطء، ثم هزت رأسها بحزم ممزوج بشيء من اللين: أنا هسأله وأفهم منه الأول، ولو اقتنعت بأسبابك ساعتها بس هساعدك.

توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة جادة: غير كده، متزعليش مني، أنا محبش ابني يرجع لحد وجعه وجرحه بالشكل ده.

هزت سلوي رأسها بلهفة: ماشي اسأليه واسمعي منه، وأنا متأكده إنك هتعذريني وتساعديني.

تبادل النظرات للحظات في صمت.

قصر الراوي، 3عصرا.

عادت مي إلي القصر وجلست تنتظر رشدي وهى تتصفح هاتفها.

بعد قليل، دخل رشدي وأغلق الباب خلفه قائلا بسخرية: مساء الخير على البطلة الهمامة، واضح إني قريب هقدملك في البوليس السري، تشتغلي في المهمات الصعبة.

اقتربت منه بابتسامة مشاكسة: وأنا كمان هشغلك معايا في البوليس السري يا رشروشي.

أضافت بغرور: بس على فكرة، أنا اللي هبقى الريسة.

نظر إليها بحدة: بطلي هزار اللي انتِ عملتيه ده أنا مش هعديه.

رفعت حاجبيها بغضب: مين فينا اللي المفروض ميعديش؟ أنا ولا أنت؟!

اقترب خطوة، قائلا بحده: أزاي تخرجي من غير ماتقوليلي وتعملي اللي عملتيه ده؟

أشارت بأصبعها قائلة: أنت السبب! لو كنت قولتلي من الأول، مكانش حصل ده كله، وبعدين أنا اعتذرت!

زفر بضيق: ماشي يا مي، بس بلاش التهور ده تاني، أنا بخاف عليكي..

اومأت له، وأمسكت بيده فجأة، وشدته وهي تقول بفضول: طب تعالى بقى احكيلي أكتر عن جنة.

اقترب منها خطوة حتى كادت المسافة بينهما تختفي وقال بنظرة ذات معني: لا أنتِ وحشتيني، امبارح نمت وسبتك، وأول امبارح كنتي بعيد عني وبنات افكاري زاروني فمينفعش تسيبيهم...

ثم فجأة جذبها إليه، وحاول تقبلها..

ابتسمت بخجل، وحاولت التملص: رشدي، بس!

رفع حاجبه بمكر: بس إيه؟ يعني رشروش موحشكيش؟

خفضت عينيها وهي تبتسم: وحشتني، بس خلينا نتكلم الأول.

مال برأسه وهمس بنبرة ذات معنى: ما إحنا هنتكلم بس في موضوع أهم.

وتابع بنظرة ماكرة: صح أنا لمحت حاجة في الدولاب.

نظرت له باستغراب: حاجة إيه؟

اجاب وهو يبتعد: لحظة.

تحرك مبتعدا، وتركها تنتظر بترقب وبعد ثواني، عاد وهو يحمل بين يديه بدلة رقص.

رفعها أمامها بإعجاب واضح: إيه الحلويات المستخبية دي يا ميوشة؟! أنا اتفاجئت بصراحة...

قالت بسرعة وهي تحاول تبرير الموقف: ده ده لوجين اللي أصرت..

قاطعها بابتسامة: صاحبة واجب طول عمرها القطة الشيرازي.

ثم أشار لها بها: يلا بقى البسيها وارقصيلي.

اتسعت عيناها: لا مش هينفع.

ضحك بخفة: إيه اللى قل نفعه، يعني جيباها نحطيها في الدولاب؟

هزت رأسها برفض: يا رشدي مبعرفش أرقص ما انت عارف..

اقترب منها خطوة، وقال بخفة: مش مهم ارقصي أي حاجة، حتى لو رقصة الكرنبة! أنا موافق.

ضحكت رغما عنها، وهي تردد باستغراب: رقصة الكرنبة؟!

اومأ لها وبدأ يتمايل بطريقة مضحكة، وهو يقلد حركة عشوائية: أه كده.

انفجرت ضاحكة: يخرب عقلك، إيه ده!؟ ده وقته يعني؟

سحبها نحوه بلطف: أيوه وقته إننا نفك شوية، كفاية جد بقى..

تابع بمزاح: بدل ما اروح انحرف، واشوفلي واحده ترقصلي.

نظرت له بشراسه: والله كنت دبحتك. 

ابتسم بمداعبه: طب ما طالما شرسين وبنغير كده، ماترقصيلي أنتِ علشان منحرفش.

ثم قال بحزم وهو يرفع حاجبه: أنا بجادل معاكي ليه أصلا؟ أنا هعد لحد تلاتة، لو مروحتيش لبستيها أنا هلبسهالك بنفسي.

اتسعت عيناها: نعم؟!

بد العد دون تمهل: واحد... اتنين.... تلا

وقبل أن يكمل، حاول أن يمسك الفستان الذي ترتديه، لكنها دفعته سريعا، وركضت ضاحكة، وصوته يلاحقها بخفة: طب والله ما هسيبك! 

وبالفعل، انطلق يركض خلفها، بينما كانت تضحك وتصرخ وهي تهرب منه في أرجاء المكان: والله العظيم يا رشدي لو ما بطلت هزعل منك!

رد وهو يضحك: أنتِ اللي بدأتي!

وقبل أن يمسكها، اندفعت سريعا إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها.

وقف أمام الباب وهو يلهث بخفة: افتحي.

اجابت من الداخل بصراخ: مش هفتح يا رشدي.

رشدي بضجر وهو يحاول فتح الباب: بلاش بواخه بقي يا مي، هو أنا هشوف حاجة مشوفتهاش قبل كده يعني؟

جاء صوتها بحدة: احترم نفسك يا رشدي!

ابتسم بمكر: حاضر، بس افتحي خدي البدله.

فتحت الباب فتحة صغيرة، ومدت يدها لتأخذ البدلة، لكنه حاول التسلل بوجهه: طب ما تسيبيني أدخل أساعدك، أربط حاجة، أظبطلك-

دفعت وجهه بيدها سريعا: لأ! برا!

ضحك وهو يتراجع: ماشي.

ابتعد يبدل ملابسه باسترخاء، واكتفى بشورت مريح، ورش عطره، ثم سرح شعره أمام المرآة وكأنه يستعد لعرض خاص.

بعد دقائق...

فتح الباب ببطء، وخرجت مي بخطوات مترددة، والخجل يكسو ملامحها.

التفت لها فورا، واتسعت ابتسامته، وفتح ذراعيه بإعجاب: الله الله، إيه الجمال ده!

نظرت له بتعجب ضاحكه: إيه اللى أنت عامله في نفسك دى؟

رد بحماسه وجنونه المعتاد: سبيني أقعد براحتي يا ستي متبوظليش المود، كفاية إن مفيش شيشة!

اقتربت منها وقال بوقاحه: بس مش مشكله، من بكرة نجيب شيشة ونبدأ في الدورس، اما دلوقت..

صرخ وهو يضغط على زرار الكاسيت: نولعهاااا.

ارتفع صوت الموسيقي، فجذبها نحوه بلطف، وبدأ يتحرك معها على النغمات.

كانت مي متوترة في البداية وحركاتها بسيطة، لكنه كان يضحك ويقلدها، ويعلمها بطريقة مرحة: لأ لأ كده... بصي... أهو! اعملي كدة.

ضحكت رغما عنها، وبدأت تتحرر من خجلها وتتحرك معه بعفوية.

وبعد دقائق، وضعت يدها على قلبها وهي تلهث: أنا تعبت، محدش قالك إني فيفي عبده!

قربها إليه قائلا: والله أنتِ أحلى من مية فيفي عبده!

ثم أضاف بحماس: بكرة نروح ناخد دروس بقى، ونبقى جامدين ونرقص سوا براحتنا.

هزت رأسها وهي تضحك: والله أنت مجنون!

رفع حاجبه: دي مش حاجة جديدة.

ثم نظر لها بنظرة مختلفة قليلا: بس دلوقتي دخلنا في المرحلة التانية وبدأ الحماس اللي بجد.

وقبل أن تستوعب، رفعها بخفة واتجه بها نحو الفراش.

ضحكت وهي تحاول الاعتراض: استنى! خليني آخد نفسي!

وضعها على الفراش قائلا بوقاحه: هديكي نفس، بس بطريقة أحلى.

وذاب المشهد بين خفة اللحظة ودفء القرب.

جناح صافي وعماد.

كانت لا تزال جالسة تنتظر عوته، وعلى الطاولة عدة أعقاب سجائر متراكمة داخل الطفايه، وقد بدا الضجر واضحا عليها وهي تهز قدمها بعصبية.

بعد قليل، دخل عماد، قال بهدوء وهو يخلع جاكيته: مساء الخير.

نهضت ووقفت أمامه مباشرة: كنت فين؟

أجابها وهو يضع مفاتيحه على الطاولة: في الشركة.

همهمت بخفة وهي تمد وجهها الامام: أممم...

ثم تسألت بنبرة ذات معنى: قولي يا عماد، لما الست تعرف إن جوزها بيخونها المفروض تعمل فيه إيه؟

توقف عن الحركة، ورفع عينيه إليها متفاجئا: في إيه؟ مالك؟

أمسكت هاتفها بعصبية وفتحته، ثم مدته نحوه: اتفضل شوف بنفسك.

تابعت بشدة: بقى تخوني أنا؟ ومع مين؟ صاحبتي!

نظر إلى الهاتف للحظة، وجز على أسنانه يسب رشدي بداخله، فهو اعتقد أن رشدي هو من أرسل تلك الصور إليها، فهي نفسها الصور التي هدده بها.

ابتلع ريقه وتذكر حديث سارة، فرفع عينيه بثبات وقال: أخونك ايه أنتِ اتهبلتي؟! دي سارة!

صافيناز بحدة: ما أنا عارفة إنها سارة! أنا عايزه تفسير للي قدامي دى؟

تنهد ببطء، ثم جلس على الأريكة بهدوء غريب: هو مش طبيعي لما أقابل سارة أسلم عليها؟ هي مش صاحبتي زيك؟ اعقلي يا صافيناز، متخليش شوية صورة هبلة زي دي تهد اللي بينا.

ثم أضاف وهو ينظر إليها بجدية: سارة دي صاحبتي من قبل ما أعرفك، وهي السبب في اننا نتعرف.

وتابع بعتاب خبيث: آخر حاجة كنت أتوقعها إنك تشكي فيا.

رمقته بملامح متوترة بين الغضب والشك: طب والرسائل اللي تحت الصور؟!

تنهد بضيق، وقال وهو يشير إلى هاتفه: ماتمسكي تليفوني وتدوري، ما أنتِ معاكي الباسورد، وكل الإيميلات الخاصة بيا، شوفي بنفسك، ده حتى الارقام التانيه اللي محدش يعرفها معاكي..

ثم أضاف وهو يمرر يده في شعره بتوتر: سارة في مصر فعلا، قابلتها صدفة وسلمت عليها، وكنت هقوللك بس نسيت بسبب الحوارات اللي حصلت اليومين اللي فاتوا..

لوح بيده نحو الهاتف وقال باستياء: بقى شوية رسايل هبلة زي دي، تخليكي تعملي كده؟ يعني بسهولة كده أي حد يوقع بينا ويكسر كل اللي بينا يا صافيناز؟

ضيقت عينيها وسألته: مين ممكن يعمل كده؟

أجابها وهو يجز على أسنانه: رشدي.

نظرت إليه باستغراب واضح: رشدي! ورشدي هيعمل كده ليه؟

قال موضحا: بعد اللي حصل مع ماسة جه وهددني، بس أنا مركزتش معاه وقولت عيل اهبل وشكله متقل في الشرب، متوقعتش إنه ينفذ تهديده فعلا.

ثم أشار إليها بحدة مكتومة: وباللي أنتِ بتعمليه ده هتحسسيه إنه صح، وإنه قدر يحط أيدي تحت ضرسه.

وتوقف لحظة قبل أن يضيف بلهجة جادة: على فكرة، اللي أنتِ عملتيه ده أنا مش هعديه.

ضيقت عينيها متسائله بشك: وأنا إيه اللي يخليني أصدقك يا عماد؟

نظر لها بصمت وقرر قلب الطاوله، فقال بنبرة مريرة: اية يخليكي تصدقيني؟! هو الموضوع وصل بينا لكده..

زفر ببطء: تمام يا ستي شكرا، وعموما أنا معنديش حاجة ممكن تخليكي تصدقي غير كلامي..

ثم تابع بمرارة مصتنعه: بس اللي أقدر أقوله إنك فعلا خليتي رشدي ينجح في اللي هو عايزه، إنه يبوظ علاقتنا في أكتر وقت إحنا محتاجين فيه لبعض.

صافيناز بحدة: يعني عايز صور زي دي توصلي، والمفروض أبقى عادي؟ لو الموضوع العكس، مش هتتعصب؟

هز رأسه: لا طبعا، هبقى واثق فيكي، وعارفة هعمل إيه كمان؟ هاجي أقولك إن في صور جاتلي، وإن في حد بيلعب بينا، لأني عارف مين هي صافيناز.

ثم نظر إليها بعمق وأضاف: لكن أنتِ أكدتيلي إنك متعرفينيش، يا خساره يا صافي.

ترددت قليلا، ونظرت إليه بشك، لكنه بدا واثقا لدرجة جعلتها تتراجع خطوة.

ثم قالت بعد لحظة: طب وسارة... ليه مقالتليش إنها في مصر؟

رفع كتفيه بلا مبالاة: معرفش، هي مش صاحبتك؟! كلميها واسأليها.

ثم التقط ملابسه وتحرك نحو الحمام وقال بإرهاق: بعد إذنك محتاج أخد حمام، تعبان من الشغل اللي بشتغلهولك.

وقبل أن يغلق الباب نظر لها قائلا: بس خدي بالك اللي إنتِ عملتيه ده أنا مش هعديه، شكك فيا ده مينفعش اعديه.

أغلق الباب، تاركا صافيناز واقفة مكانها، تحدق في الهاتف بين يديها، وعلامات الحيرة لا تزال تملأ وجهها.

عند رشدي ومي.

استلقت على صدره، رأسها فوق قلبه، تستمع إلى نبضاته الهادئة التي بدأت تعود لطبيعتها، خصلات شعرها مبعثرة، ووجنتاها محمرتان بخجل، بينما كان العرق الخفيف يلمع على جبينه وكتفيه.

أحاطها بذراعيه في صمت، وكأنه لا يريد أن يتركها تبتعد ولو لثانية.

رفعت عينيها إليه بخجل، وابتسمت ابتسامة دافئة: عارف يا رشدي أكتر حاجة بحبها فيك ايه؟

نظر لها باهتمام، فترددت لحظة، ثم قالت بخفوت: إنك بعد اللحظات دي مبتبعدش وتدينى ظهرك، ولا بتقوم تسيبني وتمشي..

ثم أكملت وهي تنظر في عينيه: بتاخدني في حضنك، وبتتعامل معايا بحنية مش كأني ماكنه atm..

مررها يده برفق على شعرها: عارف إن في رجالة كتير بتفكر في نفسها، بس أنا مش عايز كده، أنا عايزك تبقي مبسوطة علشان أنا كمان أبقى مبسوط..

نظر لها بعمق وأضاف: لو فكرت في نفسي بس، يمكن النهارده يبقى عادي وتتقبلي، لكن بكرة هتزعلي، وتبدأي تديني ده وانت مش قابله، مجرد واجب، وأنا مبحبش كده.

طبعت قبلة خفيفة على خده، وقالت بخجل ممتزج بصدق: أنا بحبك أوي يا رشدي..

وتابعت وهي تنظر في عينيه: ساعات بقعد أبص لنفسي وأبصلك، وأقول أزاي؟ أنا عمري ماتوقعت إني أحب واحد زيك..

تنهدت بخفة تسترجع ما كانت تظنه يوما: أحلامي وطموحاتي والراجل اللي كنت بتمناه، كانوا بعيد خالص عنك..

ثم ابتسمت له بحنان: بس بص إحنا فين دلوقتي، أنا معاك، ومقتنعة بيك، وبحبك..

خفضت عينيها لحظة، ثم رفعتهم من جديد: يمكن لو حد قالي زمان إني هتجوز واحد زيك وأحبه كده، كنت هضحك ومصدقش...

ثم أضافت بهدوء عميق: بس الحياة بتخبيلنا حاجات، مبنتوقعهاش، وتبقى أحلى بكتير من اللي كنا بنتمناه...

نظرت له بعينين يملؤهما الامتنان: خصوصا لما رجعتني علطول من شهر العسل من غير ما تضايق لما بابا تعب، أي واحد غيرك كان ممكن يزعل أو يتعصب...

ابتسمت بخجل وتابعت: كمان بعد كل اللحظات اللي بينا بحس إن الراجل اللي زيك مش اي ست تملا عينه، وممكن تكون له متطلبات واحتياجات معينه وانا لسه بتكسف وانت يعني صابر وتمام مش بتضايق..

ابتسمت له ابتسامة صادقة: كل الحاجات دي تخليني مش بس أحبك يا رشدي...

توقفت لحظة، ثم همست: تخليني اعشقك...

هزت رأسها وتابعت: أنا متأكدة لو كنت اتجوزت الشخص اللي رسمته في خيالي، مكنتش هبقى مبسوطة وسعيدة كده، وبجد أنا مبسوطة إنك عنيد وفضلت ورايا لحد ما أقنعتني أديك فرصة.

ثم ضحكت بخفة: مش عارفة بصراحة لو كنت رفضتك، كان هيحصل إيه؟

رد عليها بطريقته المعتادة، وهو يرفع حاجبه بغرور: كنتي هتخسري رشروشك.

ضحكت وضربته على كتفه بدلال: بطل بقى!

ابتسم وهو ينظر لها بصمت، يحاول استيعاب كلماتها، فلأول مرة يسمع هذا القدر من الحب الصريح، ولأول مرة يشعر أن هناك من يراه ويقدره.

تنهد، وقال بصوت هادئ: أنا كمان مستحيل كنت أتخيل إني أتجوز واحدة زيك، أو اتجوز من الأساس...

ثم ابتسم بخفة، ونظر في عينها بصدق: بس هو كده زي مبيقولوا، الحب أعمى لما بيدخل القلب مبيسيبش مكان لأي مواصفات.

صمت لحظة، وقال بصراحة أعمق: ساعات بحس إني ما استحقكيش.

ثم هز رأسه يرفض الفكرة: وساعات تانية بقول يمكن الدنيا بعتتك ليا بعد كل السنين دي علشان تعوضيني عن كل الوجع اللي عديت بيه.

رمش بعينيه، ولمعت فيهما دمعة خفيفة، وقال بصوت متردد وصادق: ساعات بخاف أخسرك، بخاف أي حاجة تخلينا نبعد، بخاف الدنيا تاخدك مني بعد ما صالحتني بيكي... 

خفض نظره يواجه حقيقة داخله: عارف إن لحد دلوقتي لسه متغيرتش للشكل اللي يليق بيكي!

ثم رفع عينيه لها بسرعة: بس أنا والله بحاول، وهفضل أحاول علشان بحبك..

اقترب منها قليلا، وصوته أصبح أهدأ: بحب الإحساس اللي أنا فيه معاكي وببقى مبسوط، أنتِ الوحيدة اللي حبيتي رشدي بجد وسمعتيه وقدرته.

صمت لحظة، ثم ضحك بمرارة خفيفة: عمر ماحد عمل معايا كده حتى أمي وأبويا، هما أصلا مش شايفيني، ناسيين إن عندهم ابن اسمه رشدي...

ثم أضاف ساخرا: بيفتكروني بس في المصايب، لو المطر نزل في أغسطس، يقولوا رشدي السبب!

ضحكت رغما عنها، فنظر لها باستغراب: بتضحكي ليه؟ ده حقيقي!

ثم أكمل بشرود ووجع: من فترة طلبت منهم مساعدة في حاجة قالولي بعدين عندنا شغل أهم..

تنهد: ساعتها كنت بقول يمكن بقى يشفوني مرة، ويحسوا إني محتاجهم.

ثم هز رأسه: ونسيت إن اسمها "يمكن".

رفع عينيه لها من جديد، وابتسم ابتسامة صغيرة: بس أنتِ معايا وده أهم.

نظرت له بحنان، ورفعت يدها تمسح على خده برفق: أنا هفضل دايما معاك مستحيل ابعد عنك، وهفضل معاك لحد ما تحقق كل حاجة نفسك فيها، انت متعرفش انا شيفاك ازاي، انا شيفاك احسن واحلى راجل في المجره..

ثم فجأة غيرت نبرتها بخفة، محاولة تلطيف الجو: بس قولي بقى اشمعنى الكرنبة؟ مفيش رقصة اسمها كرنبة يا رشدي؟

ضحك قائلا: أيوه ما أنا عارف إن مفيش حاجة اسمها كده!

ثم قال بمكر: بس أنا بحب الكرنب علشان طري ومقلبظ كده!

اتسعت عيناها وضربته على كتفه: تقصد إني تخينة؟!

رفع يديه يدافع عن نفسه: يا بنتي ما أنا بقول ده اللي عجبني فيكي!

ثم قرصها من خدها بمداعبه: ده اللي خلاني أحبك أصلا، أنا راجل بحب الست تبقى مليانة كده ومتغذيه..

انفجرت ضاحكة: يا نهار أبيض! يا ابني انت متربي فين؟ متأكد إنك متربي في قصر الراوي مش في الحواري!

ضحك وهو يهز رأسه: ما هو مفيش أحلى من البلدي!
بقولك ايه ما تجيبي بوسه...

ثم غمز لها بخفة، ومال نحوها، وطبع قبلة خفيفة على شفتيها، اخذ يتبادلان القبله بعشق ثم تحولت تلك القبله لقبله حاره عميقه ووو
♥️________________بقلمي_ليلةعادل 

فيلا عائلة ماسة، 4عصرا.

اجتمع أفراد العائلة في الردهة، يتبادلون الحديث في أجواء يغلب عليها الهدوء والاستقرار.

وفجأة فتح الباب، ودخل عمار بخطوات مترددة، وقال بصوت يحمل قدرا واضحا من الخجل: مساء الخير...

ارتفعت جميع الأنظار نحوه في لحظة واحدة، مزيج من الدهشة والترقب. 

ظلوا ينظرون إليه، فابتلع ريقه وقال بصراحة: أنا آسف.

سعدية معاتبه: أخص عليك يا ابني كل ده غيبه.

اقترب منهم قائلا: حقكم عليا، بس لازم تفهموا إن اللي عملته مكانش جحود ولا نكران لجميل سليم..

تنهد وأكمل: أنا بس كنت زعلان، على اللي حصل مع أختي ومعانا، انا مستحيل انكر فضل سليم علينا وإن هو السبب في كل ده ولولاه كان زماننا لسه خدامين..

رفع عينيه إليهم: بس كان لازم يعرف إن اللي عمله كبير والمسامحه فيه مش بسهولة.

أشار له مجاهد: اقعد يا عمار وفهمنا إيه اللي حصل وغير رأيك؟

جلس قائلا بتوضيح: سليم جالي واتكلم معايا، فكرت في كلامه، وبعد اللي فهمته وعرفته، اكتشفت إنه عنده حق، وان مش معنى إن اختي سامحته وانتم اخترتوا تسامحوه يبقى انا امشي وازعل منكم وازعل منها..

نظر لهم بصدق: والله كل الحكاية اني كنت زعلان علينا ومش عايز حد يقل من كرامتنا، حتى لو ليه فضل علينا.

هزت سعدية رأسها بتفهم: يا ابني إننا نسامح ونقبل الاعتذار ده مش قلة كرامة ده قلب كبير.

ثم أضافت بخشوع: ربنا بيسامح ويغفر لعباده إحنا مين علشان منسامحش؟

تنهد مجاهد براحة: الحمد لله يا ابني إن ربنا رجعك لعقلك ولينا بالسلامة.

تدخلت سلوى وهي تعقد ذراعيها: طب إيه بقى؟ أنت كده فهمت كل حاجة؟ ولا لسه في حاجة فيتاك؟

نظر لها عمار باستغراب: هو سليم اعتذرلي واتكلمنا عادي مقالش أي حاجه تانية، هو في جديد حصل ولا ايه؟

ضحك يوسف بخفة: ده في جديد وجديد كمان!

جلست سلوى بجانبه بحماس: يا حبيبي أنت فايتك فيلم أكشن محترم!

ثم أضافت بنبرة مشوقة: إحنا داخلين على مسلسل تقيل، ولازم تبقى بطل من أبطاله.

رفعت حاجبها: ومش عارفة إمتى هناخد الأدوار بس شكلها قربت.

رمش عمار بعدم فهم: أنا مش فاهم حاجة.

ابتسمت وربتت على كتفه: ركز بس كده وأنا هحكيلك كل حاجة من الأول.

وبالفعل، أخذت تسرد له كل ما حدث في غيابه، كان عمار يستمع إليها مذهولا، ملامحه تتبدل بين الدهشة والغضب وعدم التصديق وما إن انتهت...

قال بصدمة وغضب: هما عملوا في أختي كده؟! يا ولاد الكلب!

ثم تغيرت نبرته وظهر القلق واضحا: طب وماسة عامله ايه دلوقتي؟

ابتسمت سلوى بثقة: لا متخافش، أختك دلوقتي بقت ولا أجدعها ممثلة! فشر سعاد حسني في زمانها.

تنهد بحنين واضح: طب أنا كده مش هعرف أشوفها؟ وحشتني أوي وعايز اصالحها.

هزت كتفيها: مش عارفة بصراحة، بس أنت ممكن تكلمها دلوقتي! استنى هجيبلك الرقم اللي بنكلمها منه.

نهضت مسرعة وصعدت إلى الأعلى.

نظر مجاهد إليه وتساءل: كنت قاعد فين بقى؟

عمار ببساطة: في فندق.

تدخلت سعدية: رغم إني متضايقة منك بس خلاص، أهم حاجة تصفي مع أختك.

وقبل أن يرد، عادت سلوى تحمل الهاتف، مدته له قائلة: خد كلمها من هنا، إحنا مبنكلمهاش غير من التليفون ده.

أخذ الهاتف بيد متوترة، وضعه على أذنه ينتظر إجابتها وقلبه يسبقه إليها.

عند ماسة.

كانت جالسة في الشرفة تستمتع بالغروب، شعورها بالهدوء يملأ المكان، حتى رن هاتفها السري فجأة.

رفعت الهاتف، وعندما رأت اسم العائلة، اتسعت عيناها بسعادة واجابت بسرعة: ألو..

جاءها صوت عمار بحنين: ميسو، وحشتيني!

اتسعت عيناها بصدمه: عمار!

أجابها بحنان: أيوة عمار وحشتيني أوي، طمنيني عليكي

اهتز قلبها وغمرت الدموع عينيها وهي تتوقف: انت عمار بجد! انا مش مصدقه!

تبسم ورد بعينين تلمع بدموع ندم: أنا آسف يا ماسة حقك عليا، مكنش قصدي كل اللي حصل، بس صدقيني ده كله بسبب حبي وخوفي عليكي، ممكن تسامحي اخوكي الغبي.

هبطت دموعها واجابته مسرعه: مسامحاك يا عمار متعتذرش، أنا اللي آسفة، أنا السبب في كل اللي حصلكم.

مسحت دموعها وأكملت بابتسامه: انا مش مصدقه بجد، حاسه اني بحلم، انت وحشتيني اوي، ووالله العظيم اختياري لسليم وقتها مش معناه إنك قليل عندى، أنت أخويا وسندي وافديك بروحي. 

أجابها بهدوء: بلاش نتكلم في الموضوع ده، انا خلاص فهمت كل حاجة، المهم إننا رجعنا تاني غير كدة مش مهم.

هزت رأسها بفرحه: عندك حق أهم حاجه إننا اتصالحنا، ومستحيل نفترق تاني مهما حصل، احكيلي بقي ايه اللي حصل؟

واخذ يتبادلون الاحاديث بسعاده ودفئ، إلي أن استمعت لفتح باب، شعرت بتوتر، وقالت مسرعه: معلش يا عمار مضطره اقفل دلوقتي، هبقي اكلمك تانى.

اغلقت الهاتف بسرعه وأخفته خلف ظهرها، في نفس اللحظة دخل سليم فتنفست بارتياح: خضتني يا سليم، افتكرتك حد تاني! على فكرة لازم نتفق تخبط 3خبطات قبل ماتدخل.

اقترب منها وقبل خدها: ماشي، عملتي شقاوة ايه النهارده؟

هزت رأسها بسرعة: لا خالص! قاعده من الصبح زهقانة.

ثم اقتربت منه بدلال: هو أنت هتفضل حابسني كده؟ حتى أخرج أقعد في الجنينه شوية، زهقت.

مرر يده في شعره بتفكير: المشكلة إني كنت معتمد على فريدة تنزلك بس خلعت، وبعدين ما انا بجيلك بدري اقعد معاكي واعوضك اهو..

تنهد وتساءل: قوليلي صح رشدي جالك تاني؟!

هزت رأسها: لا مشفتوش خالص النهارده، ولا شوفت أي حد، فيه هدوء غريب.

ثم جلست على طرف الفراش بملل: قعدت شوية اتفرج عليه هو ومي، مملين جدا! مبيقولوش أي حاجة مفيدة، زهقت يا شيخ!

تجمد للحظة، وتساءل بدهشه: هو أنتِ بتقعدي تسمعي مي ورشدي طول ما هما مع بعض؟!

أجابت ببساطه: آه طبعا! مش أنت قولتلي محدش هيسمعهم غيري؟ فبقعد اسمع لحسن يفوتني حاجة! بس قالها ترقصله وكان في نظرات مريبة منه، حسيت اللي جاي مش مؤدب، فقفلت.

تنهد يمرر يده على وجهه بإرهاق، ثم جلس أمامها: يا ماسة يا حبيبتي الله يهديكي متسمعيش غير الكلام المهم، لو في حاجة تخصنا بس..

أضاف بجدية: أنا كده كده متأكد إن مي مستحيل تكون عارفة حاجة، بس علشان بطلت اثق في حد مخليكي تسمعيها هي كمان لاحسن تفاجئنا..

هزت رأسها بطاعة، وقالت بتذكر: صحيح كنت هنسي، مش أختك حد بعتلها صور لعماد ودبت معاه خناقه، بس الواد عماد يا نهار! أقسم بالله ممثل عالمي ده انا اللي عارفه أنه بيخونها اقتنعت، قلب الترابيزه عليها.

نظر لها بابتسامه واثقه: عارف! ما أنا اللى بعتلها الصور.

اتسعت عيناها بدهشه: أنت! أزاى!!

أجابها مفسرا ببساطه: مفيش، رشدي عمل فيا جميله وهدده بالصور دي، فخليت إيهاب يهكر فون رشدي ويجيبهم منه وبعتهم لصافي علشان اوقعهم في بعض، وكل واحد يجيب اللى عنده. 

نظرت له بدهشه، ثم اقتربت تقرص خده بطفوله: يخلاااثو يا سلوملوم بقيت خبيث أوي.

صمتت لحظه، ثم تساءلت بابتسامه ماكرة: وبمناسبة الخبث، مش عايز تقولي حاجة؟

نهض يخلع جاكيت بدلته: حاجة إيه؟

ابتسمت بمكر: حاجة كده عملتها.

نظر لها بعدم فهم: حاجه زى ايه مش فاهم!

وقفت أمامه، ووضعت يدها حول رقبته بدلال: زى إنك روحت لعمار وكلمته.

اتسعت عيناه، ورفع حاجبه بدهشه: طب كويس والله انه كلمك بالسرعه دي، متوقعتش انه يتأثر بسرعه، احكيلي إيه اللي حصل؟

نظرت له بعيون تلمع بالسعاده: اعتذرلي! وقال إنه عايز يشوفني، وكمان راح لبابا وماما واعتذرلهم.

ثم تساءلت بفضول: وبعدين أنت قولتله إيه، دى أنت ولا اللي سحر له.

ابتسم بهدوء، وهز كتفيه ببساطة: مقولتش حاجه غريبه يعني؟! بس يمكن خليته يشوف الصورة من زاوية تانية، خليته يحس بالنعمة اللي عنده، غيره يتمني يبقي عنده عيله بتحبه بجد مش مجرد صوره قصاد المجتمع.

نظرت له بتأثر، واحتضنته بقوة، دافنة وجهها في صدره: ما أنا معاك أهو، مش أنا كل عيلتك؟

ضمها إليه، ومرر يده على شعرها برفق، وهمس بصوت دافئ: أنتِ كل الدنيا، مش بس عيلتي يا ماسة.

رفعت عيناها بعتاب خفيف: طب انت ليه مقولتليش إنك هتروحله؟! 

أجابها ببساطه: واقولك ليه؟ علشان استعرض؟ بعدين انا اصلا مكنتش عارف كلامي هياثر فيه ولا لا، كانت محاوله والحمد لله نجحت. 

ضمته مره اخرى بشوق وحب: انا بحبك اوي يا سليم.

بادلها العناق، قائلا بعاطفه: وسليم بيعشق التراب اللى بتمشي عليه يا قطعة السكر..

ابتعد عنها قليلا، وأمسك وجهها بين يديه، وازاح خصلاتها للخلف، وقال بعشق وهو يركز النظر في عينيها: أزاي ممكن أعرف إن فيه حاجه مضيقاكي واسكت؟ أنا كنت مقرر اروحله بعد الاجتماع قبل مانيجي القصر حتي لو هيضايقني بالكلام بس مش مهم، أهم حاجة يصالحك ومشوفكيش زعلانه كده ابدا.

تنهد بثقل، وتابع: بس لأسف بقي حصل اللى حصل يومها وانشغلت معاكي بعدها... 

أظلمت عيناها بحزن حينما تذكرت ما حدث لها، فقال بنبرة مرحه محاولا تشتيها حتي لا تتذكر وتحزن ثانية: بقولك ايه أنا ميت من الجوع، تيجي نطلب أكل من بره، واقولهم إني بجوعك وباكل قدامك علشان أعذبك.

ضحكت رغما عنها، وضربت كفها بكفه بمرمح: أيوه بقي يا سلوملوم، هو ده. 

ثم اندفعت تحتضنه مره أخري، كأنها وجدت فيه ملاذها.

فى الحديقة

كان عماد يلتفت حوله يتأكد أن لا أحد يسمعه وهو يتحدث في الهاتف بصوت منخفض: يعني هي طلبت منك تراقبني؟

جاءه الرد: أيوه يا باشا لسه قافله معايا وطلبت تقرير يومي بكل تحركاتك، وأنا قولت ابلغك.

عماد: تمام يا فتحي، أنا هبقي اقولك تقولها ايه، وحسابك هيوصلك وزياده شويه علشان ولائك ده.

فتحي بفرحه: أنا تحت أمرك يا عماد باشا.

أغلق معه، وتمتم بغضب: ماشي يا رشدي الكلب، أنت اللى بدأت، أتحمل بقي.

ثم أرسل رسالة إلى سارة: الفترة دي مش هينفع نتقابل، رشدي باعنا لصافيناز وبعتلها الصور.

ثم مسح الرسالة وأعاد ترتيب هاتفه، وفي هذه الأثناء، لمح عثمان يتحرك بين الحراس، فاقترب منه: أنت جيت، كنت مستنيك.

عثمان بارتباك: انت اتجننت! جاي تقف معايا؟

ابتسم عماد بمكر: أنا بمسي عليك عادي.

ثم تساءل: رجعت إمتى؟

رد عثمان باختصار: النهارده.

ابتسم عماد: كويس الفترة الجاية محتاجلك

أومأ عثمان بارتباك وتحرك مبتعدا، بينما وقف عماد مكانه يفكر بشرود في كيفية الانتقام من رشدي.

في صباح اليوم التالي، 10صباحا.

استيقظ رشدي ونهض بهدوء، أخذ حماما سريعا وبالطبع لم ينس جرعته.

خرج بعدها وبدأ في تبديل ملابسه، وفي تلك اللحظة بدأت مي تستيقظ ببطء.

نظر إليها عبر المرآة: صباح الخير.

فركت عينيها بنعاس وهي تعتدل في جلستها: صباح النور، هو إحنا هنروح لجنة دلوقتي؟

هز رأسه بنفي: لا الدكتور قال بكره، وأنا بلغتهم.

تساءلت: يعني مش هتروحلها النهاردة؟

هز رأسه نافيا: لا مشغول.

فكرت لحظة، ثم قالت وهي تنهض: طب إيه رأيك أروحلها أنا علشان متزعلش، وكمان اجيبلها شويه لعب وكده.

أضافت بتأثر، وهي تزم شفتيها: بصراحة، البنت دي صعبانة عليا، أنا أكتر واحدة حاسة بيها، حاسة إنها مفتقدة أمها وباباها، فحابة أكون جنبها..

هز رأسه موافقا: ماشي روحي، بس هتعرفي تروحي لوحدك؟

ابتسمت بإحراج خفيف: بصراحة لا، بس ممكن اركب تاكسي.

رفع حاجبه بسخرية: وأنا جايبلك العربية علشان تركبي تاكسي؟ فين الشجاعة بتاعت امبارح؟

ضحكت بخفه: كانت شجاعة مؤقتة، وغيرتي عليك هي اللي قوتني.

وتابعت تحاول إقناعه: وبعدين هكلمك لو توهت.

هز رأسه وهو يلتقط ساعته: خلاص البسي وهاخدك في طريقي لأقرب نقطه وبعدين اركبي تاكسي، بس بسرعة علشان عندي اجتماع ومينفعش أتأخر.

هزت رأسها بحماس: ماشي.

وبالفعل، أسرعت تبدل ملابسها، وهبطا معا إلى الأسفل، كان وقت الإفطار قد مر، ولم يتبق في القصر أحد، إذ كان الجميع قد توجهوا إلى المجموعة.

تحرك رشدي بسيارته، وأوصل مي إلى مكان قريب، ثم هبطت واستقلت سيارة أجرة، بينما اتجه هو إلى المخزن حيث تحتجز منى، لأعطاها الحقنه المخدرة بيدة، فهو يشعر بنوع مظلم من الرضا عندما يقوم بذلك، وكأن ذلك انتقامه الخاص، أن يدفعها لتذوق ما ذاقه يوما.

مجموعة الراوي،10صباحا.

جلست صافيناز خلف مكتبها شاردة الذهن، لا تزال تفكر في أمر تلك الصور والرسالة التي وصلت إليها.

ورغم أن حديث عماد هدأها قليلا، إلا أن الشك بدأ يتسلل إلى داخلها، كأول مسمار يدق في نعش علاقتهما.

قاطع شرودها دخول فايزة: صافيناز محتاجة أتكلم معاكي شوية.

رفعت عينيها نحوها: اتفضلي يا مامي.

جلست على المقعد امامها: أنا بفكر نهرب ماسة ليلة الحفلة، الزحمة هتكون في صالحنا، الباشا هيجهز باسبورتات بأسماء مزورة، والموضوع هيتم بسلاسة.

أومأت صافيناز ببطء: فكرة كويسة، الحفلة هيبقى فيها حركة كتير ومفيش تركيز.

زمت فايزة شفتيها: بس موضوع موتهم لازم يبقى مقنع، الباشا مش هيغامر بسفينه علشان ماسة وأهلها، دول بالنسبة له ولا حاجة.

هزت صافيناز رأسها: عنده حق.

اومات فايزة: خلاص نقعد مع عماد ونتفق على كل حاجة، بتعجبنى افكاره الشيطانية.

تسألت صافيناز: ورشدي؟

لوحت بيدها بإهمال: انسيه خالص، رشدي دلوقتي مش مضمون.

أومأت صافيناز بملل: تمام يا مامي، شوفي هتعملي إيه وأنا هكلم عماد.

دققت فايزة النظر في ملامحها وتساءلت بشك: في ايه مالك؟

تنهدت ومدت يدها بالهاتف: امبارح جاتلي رسايل مش لطيفة خالص، صور لعماد مع سارة.

أخذت الهاتف، وبدأت تتصفح الصور بهدوء، ثم ابتسمت بسخرية: الصور مفيهاش حاجة يا صافي!

صافيناز بتوتر: عارفة... بس أنا-

قاطعتها بعقلانية: تبقي غبية لو شوية صور ورسايل تافهة زي دول يخلوكي بالشكل ده! أنتِ صافيناز الراوي فاهمة يعني إيه؟

نظرت لها بوجع: مامي أنتِ عارفة يعني إيه عماد يخوني مع صاحبتي؟

رفعت حاجبها ببرود: مفيش راجل مبيخونش ياصافي، ده طبيعتهم، خصوصا بعد سنين جواز، المهم قدام الناس هو متجوز مين.




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة