رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع والعشرون ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع والعشرون ج 2 
بقلم ليله عادل


شدت صافيناز على أسنانها: مامي أنا غيرك، مقدرش اعمل كدة؟! واغمض عيني، أنا عايزة أتأكد.

هزت فايزة رأسها: في حاجات لما بنتأكد منها بتوجعنا، بعدين هتستفيدي إيه؟

صافيناز بحدة: لو طلع بجد هقتلهم بإيدي.

ابتسمت فايزة بسخرية: لو قتلتيها هي مفيش مشكلة ..

ثم أضافت ببرود ماكر: انما عماد؟ لا، عماد مش راجل عادي نرميه، إحنا دلوقتي محتاجينه يبقى في الصورة؛ لأن يوم ما كل حاجة تنكشف هو اللي هيبقى الكبش اللي نضحي بيه علشان ننقذ نفسنا.

رمشت صافيناز بعينيها، وصوتها خرج مهتزا: أنا بحبه يا مامي، عماد كل حياتي، أنا عملت كل حاجة عشانه، ومستعدة أحرق الدنيا كلها عشانه، أزاي بعد ده كله يخوني؟

نظرت لها نظرة ثابتة، وقالت بهدوء عملي: أنا قولتلك يا صافي بلاش تحبيه بالشكل ده، وخليه هو اللي يحبك، علشان اللحظات دي! شايفة نفسك عاملة أزاي دلوقتي؟ ضعيفة.

ثم أضافت بصرامة: مينفعش تبقي بالضعف ده، أنتِ من عيلة الراوي، اللي يخلينا نضعف نتخلص منه.

صمتت لحظة، تراقب ملامح ابنتها التي اغرورقت عيناها بالدموع، ثم تنهدت وقالت: طب هو قالك إيه؟

مسحت صافيناز دمعة خانتها، وقالت: قال إنه شافها صدفة وسلم عليها، وأن ممكن يكون رشدي هو اللي بيعمل كده علشان يوقع بينا.

عقدت حاجبيها باستغراب: ورشدي هيستفيد ايه لما يعمل كده؟

أجابت بضيق: يمكن علشان اللي عملناه مع ماسة..

ثم زفرت باختناق: أنا مش عارفة يا مامي، انا مخنوقة ومش قادرة أفكر.

اجابتها بحسم: حطيه تحت الميكروسكوب هو والبنت دي، علشان نتأكد فعلا صدفة ولا في حاجة.

هزت صافيناز رأسها: أنا فعلا عملت كده وكلفت حد يراقبه.

فايزة بفخر: برافو يا صافي، تصرف سليم وعقلاني، كده أنتِ بنتي صح.

وتابعت بوعيد: ولو اتأكدنا إنه بيخونك، وقتها سيبيلي أنا الموضوع.

أومأت صافيناز ببطء، أكملت فايزة: المهم خلونا نركز دلوقتي في موضوع ماسة أهم، بالليل نجتمع ونظبط كل حاجه.

ردت باختناق: حاضر يا مامي.

ثم فتحت درج مكتبها بعصبية، وأخرجت علبة صغيرة، أخذت منها حبتين، ثم التقطت كوب الماء وابتلعتهما دفعة واحدة.

حدقت فيها فايزه بنظرة مستغربة، وقالت باعتراض: الدوا اللي بتاخديه ده إيه نظامه؟ مش شايفة إنك زودتيها الفترة دي؟ أنا مش ناقصة يبقى عندي اتنين مدمنين.

صافيناز بضجر: مدمنين ايه يا مامي! ده مهدئ، أعصابي تعبانة، هو أنتِ مش شايفة اللي بيحصل حوالينا؟

مالت نحوها تدقق في ملامحها بجدية: أنتِ اللي مش شايفة نفسك، بصيتي في المراية آخر مره امتى؟ الهالات اللي تحت عينك اللي بتغطيها بالمكياج، وعصبيتك، وإيدك اللي بترتعش، والمهدىء اللي مبقتيش تقدري تستغني عنه؟! شايفه ان كل ده طبيعي؟! 

ضحكت صافيناز بسخرية مريرة، وهي تفرد ذراعيها:
حضرتك شايفة إننا عايشين في جو طبيعي؟! إحنا في كارثة! حاجة واحدة بس لو اتكشفت هتوقع كل حاجة وراها!

تنهدت فايزة بضيق: عموما اللي أنتِ فيه ده مش طبيعي، بس خلينا نخلص من ماسة الأول ونهربها، ونقفل الملف بشهادة وفاتها، وبعدها نشوف موضوع الحبوب دي لأني مش هقبل يبقى عندي اتنين مدمنين.

نهضت من مكانها، وتوجهت نحو الباب، ثم التفتت لها: وحوار عماد حتي لو حقيقي ميستهلش توصلي نفسك لكده بسببه.

خرجت وأغلقت الباب خلفها، بينما ظلت صافيناز تحدق في الفراغ، وأفكارها تتصارع داخل رأسها.

القلج،11ظهرا

هبطت مي من السيارة الأجرة، تحمل عدة أكياس، طرقت الباب، ففتحت لها إسعاد بابتسامة: أهلا وسهلا يا بنتي اتفضلي.

دخلت مي قالت بلطف: صباح الخير، رشدي قالكم إن العملية اتأجلت؟

هزت رأسها: آه، كلم رحمه قبل ماتروح شغلها اصلها كانت هتاخد أجازة النهارده، بس قالت تروح شغلها مادام اتأجلت، وهتاخدها بكرة إن شاء الله.

تنهدت مي: ربنا معاها، هي فين جنة؟

أشارت إسعاد: في اوضتها، اتفضلي ياحبيبتي.

تحركت نحو الغرفة، فوجدت جنة مستلقية على بطنها على الأرض ترسم، ويبدو أنها أصبحت أفضل قليلا.

ابتسمت مي بحنان: إيه الجمال ده؟! ده إحنا النهارده بقينا حلوين خالص!

رفعت جنة عينيها، ونهضت بسرعة: ميييي!

إسعاد بتنبيه: اسمها طنط مي ياجنة عيب كده.

هزت رأسها بعناد طفولي: لا! هقولها مي، هي هتبقى صاحبتي زى رشدي!

رمقتها إسعاد بحزم: عيب يا جنة، اسمعي الكلام.

لكن مي انحنت تقبل خدها: سيبيها براحتها، تقول اللي هي عايزاه.

ثم نظرت لجنة بعينين دافئتين: وأنا موافقة نكون صحاب بس بشرط.

سألت جنة بحماس: إيه هو؟

مي بخفة: تسمعي الكلام، وتاكلي كويس.

ضحكت جنة، ووافقت فورا، ثم نظرت حولها وتساءلت: هو فين رشدي؟

ابتسمت مي وهي تضع الأكياس: لا رشدي مجاش، عنده شغل كتير النهارده، بس قالي لو خلص هييجيلك، وبعتلك معايا شوية حاجات بصي.

اتسعت عينا جنة بسعادة، وأخذت الأكياس تفتحها بحماس: الله! حلوين خالص!

ثم أمسكت بالألعاب وقالت بفرحة: تعالي العبي معايا بيهم!

ضحكت مي: يلا بينا.

إسعاد: تشربي إيه يا بنتي؟

مي بابتسامة: ولا أي حاجة يا طنط، متتعبيش نفسك.

ردت باصرار: لا والله أبدا، أنا كنت هعمل فطار أصلا علشان جنة، تفطري معانا بقى يمكن تاكل.

مي وهي تداعب شعر جنه: لا طالما علشان جنه يبقي ناكل سوا.

وبالفعل، ذهبت إسعاد لتحضير الفطور، بينما جلست مي تلعب مع جنة، تحاول أن تدخل البهجة إلى قلبها الصغير، تتعامل معها بحنان واهتمام، وكأنها تعوضها عن شيء تعرفه جيدا.

اجتمعوا بعدها على مائدة الفطور، وتناولوا الطعام معا، وسط ضحكات جنة المتدللة عندما تفتعل مي قصة طائرة جديدة بين كل لقمه والأخرى لإطعامها. 

مر الوقت سريعا بين لعب وحديث خفيف، ودفء نادر في بيت بسيط.

وبعد عدة ساعات، نهضت مي تنوي الذهاب لوالدها: أنا مضطره امشي بقي، خدي ده رقمي يا طنط، لو حصل أي حاجة، أو رشدي كان مشغول ومردش كلميني علطول.

ابتسمت إسعاد بامتنان: ربنا يخليكي يا بنتي.

لوحت لجنه: باي يا جنة.

لوحت جنة هي الأخري: باي يا مي.

غادرت بابتسامة هادئة، وقلبها ممتلئ بالرضا، سعيدة لأنها استطاعت أن تدخل الفرحة إلى قلب جنة، وتشعرها ببعض الحنان ولو لوقت قصير.

مجموعة الراوي3مساء

جلس سليم خلف مكتبه، بينما كان مكي يجلس امامه يحتسى قهوة

سليم بعملية: المهم، أنا عايزك تخلصلي حوار آلاء ده، وهات لماسة محاضرتها هي كمان، اهي تلاقي حاجه تشغلها بدل ما هي قاعدة لوحدها.

هز مكي رأسه: حاضر، بكره باذن الله هتكون كل حاجه عندك.

اومأ سليم بصمت.

دقق مكي النظر في ملامحه، كان يبدو عليه الضيق فسأله: مالك يا سليم؟ شكلك مش عاجبني؟!

زفر بضيق: رجوع رشدي دى خانقني، حاسس في مره هفقد أعصابي عليه ومش هقدر اسيطر على نفسي.

أشار مكي بيده مهدئا: لا والنبي يا سليم اهدى بلاش جنان، متبوظش كل اللى عملته.

ضغط على أسنانه بضجر: غصب عني يا مكي، كل ماشوفه عايش حياته عادى، وافتكر اللي عمله في ماسة، ببقي نفسى افضي رصاص مسدسي في قلبه، لا وكمان بيمثل عليا دور الملاك وقال ايه جاي يصالحني علي ماسة!

مرر يده في شعره بعصبية: نفسي أفهم اللي في دماغه، أنا متأكد إن في فكرة وس،خة في دماغه، اكيد رشدي مبقاش محترم وضميره صحي فجأة كده، دي لو إبليس نفسه تاب، رشدي ميتوبش...

زفر باختناق وهو يضيف: مش عارف أعمل إيه؟! أنا مخطط وعارف هنتقم من كل واحد أزاى، إنما هو مش ماسك عليه حاجه، ولو روحت قولت لمراته مش عارف هتصدق ولا لا، ومش عايز العب علي المكشوف دلوقتي..

نظر لمكي وقال بصوت يختنق بالألم: قولي اعمل ايه يا مكي؟ اكسره ازاى زى ماكسر مراتي وهي بيتي وفي اوضة نومي؟

تبسم مكي ببساطه: رشدي مش صعب يتلعب عليه، هو مبيكرهش حد قدك، اقنع الباشا يرجعه طيشه تاني، او اعمل كام موقف جدعنه قدام مي وخليها تشكر فيك قدامه وتنبهر بيك، ده انت ممكن وقتها تخليه ينتحر.

صمت سليم يحدق في الفراغ بتفكير: ممكن هفكر...

قاطع حديثهم طرق على الباب، ثم دخلت نور تحمل ملفا في يدها، قدمته باحترام: سليم بيه، ده التقرير اللي حضرتك طلبته عن إنشـاءات مشروع الكباري.

أخذ الملف وبدأ يتصفحه سريعا: هو كده المفروض كام كوبري اشتغل؟

أجابته: أعتقد3، كل حاجة مكتوبة عند حضرتك يا فندم.

أغلق الملف بهدوء: تمام يا نور، اتفضلي.

تحركت إلى الخارج، بينما عاد سليم ينظر أمامه، وعقله لا يزال غارقا في أفكاره المعقدة، وفجأة ارتسمت ابتسامة غريبة على وجهه: لقيتها !

نظر له مكي باستغراب، فاعتدل في جلسته وتابع: أنا عرفت هجننهم وألففهم حولين نفسهم أزاي.

ضيق مكي عينيه بتوجس: هتعمل إيه؟

سليم بهدوء مخيف: أنت اللي هتعمل، هتروح مشوار صغير لكوبري من الكباري..و

اتسعت عينا مكي: لا يا سليم مينفعش دي أرواح ناس.

رد سريعا: اسمعني بس.

مكي برفض قاطع: قولت لا يا سليم، فكر في أي حاجه تانيه إنما أرواح الناس لأ.

مال للأمام، ونظر له بثبات: ومين قالك إني هقتل ناس ملهاش ذنب علشانه؟ نشوف كوبري لسه مشتغلش بس يكون مهم، ونوقعه..

توقف لحظة، ثم أكمل بشيطانيه: وباقي الكباري اللي اشتغلت، نضرب تقاريرها، ولحد ما لجنة الفحص تيجي، وتثبت إن التقارير دي مش حقيقيه، يكون حصل بلبلة..

نظر له مكي بصدمة، بينما واصل سليم بفحيح: وساعتها المشروع هيتسحب مش من رشدي بس! من المجموعة كلها، يعني ضربتين في ضربة واحدة...

ارتسمت ابتسامة باردة على وجهه: نخسر عزت ملايين، ونهد سمعة العيلة في أهم وقت، وقت افتتاح مصنع البترول، فالبورصة تقع، والمستثمرين يسحبوا اسهمهم، ووقتها عزت مش هيلاقي غير رشدي يفش غله فيه، وبكدة ابقي رذلت على الاثنين، لحد ماضرب الضربه القاضيه يوم الحفله.

صفر مكي بإعجاب: يخرب بيت دماغك، الله يعين اللي يقع تحت إيدك.

سليم ببرود: هم اللي بدأوا والبادي أظلم.

مال للأمام وقال بنبرة خطره: المهم ركز معايا، واسمع اللى هقولك عليه...

علي اتجاه آخر، عند مكتب عزت

وقف عمار أمام السكرتيرة وتساءل: عزت باشا موجود؟ 

اومأت له: أيوه يا فندم، اقوله مين؟

قاطعها وهو يتحرك: لا أنا اللي هبلغه.

تقدم نحو الباب، بينما لحقت به السكرتيرة: يا فندم كده مينفعش!

في الداخل، كان عزت يجلس مع فايزة وبعض المديرين يتناقشون في العمل، قبل أن يقطعهم دخول عمار وهو يصيح ساخر: أهلا وسهلا بالناس المحترمة! اللي بتكون قدام الناس ملايكة، وفي الحقيقة الشيطان يخجل منهم. 

وقفت فايزة بحدة: انت بتقول ايه يا امعه انت، مين دخل الحشرة دي هنا؟!

نظر لها عمار باشمئزاز: أنا مش حشرة يا فايزة هانم أنتوا اللي حشرات..

اتسعت عيناها بصدمه: انت اتجنيت، بتكلم اسيادك كده؟! نسيت نفسك يا خدام يا فلاح، فعلا اوباش.

نظر له عزت نظره قاتمه: عايز ايه يا ولد، عامل دوشه كده ليه؟!

صرخ بهم: انا عايز اختي اللي ابنكم خاطفها ومانعنا عنها سنين، لازم تعرفوا اني مش هسكت وهفضحكم في كل حتة.

فايزة باحتقار: ده ولد قليل الأدب ولازم يتربى! ارموا بره.

حاوله المديرين المتواجدين ان يسحبوه للخارج بعد ان قامت السكرتيرة بالاتصال بالأمن.

اشتد صوت عمار: اتربى؟! طب ربوا ولادكم الأول!
أنا مش هسيبكم لو هدفع عمري كله.

تقدم عزت نحوه بغضب: اللي بتعمله ده مش هيعدي بالساهل يا عمار، وهتدفع تمنه غالي! 

رد، وعيناه تشتعلان: هتعملوا إيه أكتر من اللي عملتوه في أهلي وفي ماسة؟!

صرخت فايزة للمديرين الذين يمسكون به: فين الأمن يرموا الحشرة ده بره.

قاومهم وهو يصرخ: مش همشي غير لما أقابل سليم! سليم يا سليم ..

اخذو يدفعوه للخارج بشده في الممر وهو مازال يصرخ.

في الأسفل

كان عشري يقف يحتسي كوبا من القهوة، انتبه إلى حركة غير طبيعية من رجال الأمن، يندفعون إلى الداخل بسرعة، فامسك بذراع أحدهم متسائلا: في حاجة جوه ولا إيه؟

أجابه الرجل بسرعة: بيقولوا أخو مدام ماسة عامل خناقة مع الباشا والهانم!

اتسعت عينا عشري، وألقى بالكوب من يده، ثم ركض مسرعا.

في ممر 

كان عمار ما يزال يصرخ بعنف، بينما بعض المديرين يدفعون به للخارج: فين سليم؟! خلوه يطلعلي! ويقابلني رجال لراجل.

في تلك اللحظة، اندفع الحراس إلى الداخل.

صرخت فايزة: خدوه! ارموه بره! وربوه خلوه يعرف ازاي يكلم اسياده.

اخذ الامن يدفعون به وهو يقاوم ويحاول ابعادهم!

عند سليم 

كان لايزال منهمكا مع مكي في التخطيط لما يريدون فعله، وقطع تركيزهم أصوات ضوضاء قادمه من الخارج.

عقد سليم حاجبيه: إيه الدوشه اللى برا دى؟ 

هز مكي رأسه: مش عارف، ماتشوف في الكاميرات علي الاب عندك. 

وفجأة اقتحم عشري المكتب وهو يقول بأنفاس متسارعة: سليم! الحق عمار هنا وعامل مشكلة!

تبادل سليم نظرة سريعة مع مكي، ثم اندفع خارج المكتب مسرعا، وخلفه مكي وعشري، ليجد الحراس يسحبون عمار بعنف.

صرخ بصوت جهوري: إيه اللي بيحصل هنا؟! نزل ايدك انت وهو، سبوه.

عمار بسخرية لاذعة: أهلا بالمحترم، اللي عامل فيها ابن ناس! وهو في الاصل عارف نفسه..

نظر له سليم للحظة، وعلامات الحيرة ترتسم على وجهه، لم يفهم سبب مجيئه، فالأمور قد انتهت بالفعل، وتصالح مع شقيقتة، ومن المفترض أنه استوعب كل ماحدث.

أدار بصره سريعا حوله، فوجد نظرات عزت وفايزة مثبته عليه ينتظرون رد فعله.

بحث في عقله عن حل سريع لهذا الموقف، فهو لا يريد الصراخ عليه فيكفي ماحدث بينهم من قبل، ولكنه مضطر للحفاظ علي ما بدأه.

أشاح نظره وقال بحده متوترة: امشي ياعمار باحترامك، بدل ما المره دى الرصاص تبقى في نص دماغه مش في الهوا. 

رمق مكي بنظرة ذات معنى قائلا: خده من هنا يا مكي، ولو عتب هنا تاني اكسرله رجله. 

فاندفع مكي يمسك بعمار محاولا إنهاء ذلك المشهد سريعا قبل أن يتفاقم الأمر، بينما صاح عمار بنبرة متحدية وهو يغادر مع مكي: مش هسيبك يا سليم، وهتشوف يا أنا يا أنت!

سحبه مكي للخارج، بينما ظل سليم واقفا مكانه، ملامحه متصلبة، وعقله يضج بالتساؤلات، لم يكن يريد أن يصل الأمر لهذا الحد لكنه مضطر أن يفعل ذلك أمامهم.

اقتربت منه فايزة، وقالت بضيق: لازم تخلصنا من القرف ده، شوفت الفضيحة؟ علشان تروح تناسب شوية رعاع!

عزت بنظر شرسة: سليم انا مش هسمح إن التطاول دي يتكرر تاني.

التفت له ببرود قاتل: متقلقش يا باشا أنا هعرف كويس أعلمه الأدب وحالا.

ثم تحرك مبتعدا بخطوات سريعة.

في الأسفل.

كان مكي يدفع عمار بعصبية وهو يتمتم: إيه اللي انت عملته ده يا بني؟! كنت هتبوظ كل حاجة

أخذ يدفعه بقوة محسوبة؛ لم تكن عنيفة، لكنها بدت كذلك لمن يراها، استمر في دفعه حتى خارج المجموعة.

لحق بهم سليم، توقف امامه وقال بحده مفتعله: أنت أزاى تيجي لحد هنا وتعمل اللي عملته ده؟! هتدفع تمن اللي عملته دى غالي!

ثم دفعه بقوة وفتح باب السيارة بعنف وأدخله فيها، وصاح في مكي: اطلع يا مكي.

صعد مكي وبدأ يقود، وعمار في الخلف كان هادئ بشكل غريب.

ساد الصمت لثواني داخل السيارة، قبل أن يقطعه سليم بنبرة منخفضة: إيه اللي أنت عملته ده يا عمار؟ هو أنا مش جيتلك امبارح وخلاص صالحت اختك؟ أنا بجد مش فاهمك!

نظر له عمار بحده: بتسألني أنا؟ اسأل نفسك، هتفضل طول عمرك زى ما أنت، عمرك ماهتتغير.

سليم بتبرير متوتر: أنا كنت مضطر أعمل كده قدامهم، هو محدش فهمك اللى حصل؟

عمار بهدوء: فهمت كل حاجة...

وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة فجأة: وجيت العب معاك، هما كانوا محتاجين حد فينا يعمل كده، يظهر كأنه عايز يشوف ماسة ويتخانق معاك لانك رافض. 

اتسعت عينا سليم، ثم ضحك: يخرب بيت دماغك، ده أنا صدقتك!

غمز عمار بمكر: علشان تعرف إن تمثيلي عالي برضو، وممكن اخد دور في المسلسل ده.

نظر مكي إلى عمار معاتبا: طب يا عم كنت ابعتله رسالة ونبهه بدل مانشفت دمنا!

عمار بتبرير: ما أنا معيش أرقام أقدر أوصله منها، وبصراحة الفكرة جتلي فجأة.

ابتسم سليم بهدوء: المهم إنك تكون سامحتني ومش زعلان مني بجد.

تنهد عمار، وهز رأسه: اممم، سامحتك..

ثم أضاف برجاء: بس أوعدني إنك متزعلش ماسة تاني، ولا تخلي حد يأذيها، ودفعهم ثمن اللي حصل زمان واللي حصل دلوقتي. 

أومأ سليم بثبات: متقلقش كل اللي أذاها، هيبكي بدل الدموع دم.

أومأ عمار وهو يقول بنبرة موضحه بثقل: صدقني يا سليم، أنا معملتش كده عشان أنا وحش، بس كنت موجوع على أختي، اللي حصل منك مكانش سهل وأنا مكنتش هشوف نفسي راجل لو قبلت الإهانة وعديت بسهوله.

مد سليم يده وربت على كتفه: فاهمك، أهم حاجة عندي دلوقتي علاقتك بماسة تتحسن.

عمار بتساؤل: طب انا مش هعرف اشوف ماسة خالص؟

هز سليم رأسه: لا طبعا هتشوفها، بس استني شويه..

تابع بتنبيه: وتاني مره متعملش اي حاجة من غير اتفاق، وهبقي ابعتلك الارقام اللى تقدر تتواصل معايا عليها.
❤️____________بقلمي_ليلة عادل

قصر الراوي، 5مساء

دخلت مي القصر، فاستقبلها أحد الخدم: حمد الله على السلامة يا هانم.

ابتسمت بخفوت: الله يسلمك، في حد موجود؟

اجابتها: لا يا هانم، مفيش غير الست ماسة في أوضتها.

زفرت بضيق، وأشارت لها: ماشي، اتفضلي أنتِ.

تحركت نحو الدرج، ودخلت غرفتها بملل بدلت ملابسها وارتدت ترنج بيتي مريح، وتوجهت إلى جناح ماسة.

عند ماسة

كانت جالسة تشاهد التلفاز وتتناول بعض المكسرات.

طرق الباب، فاتسعت عيناها بقلق وسارعت تخفي الطبق أسفل الأريكة وتغلق التلفاز، قبل أن تقول: ادخل.

دخلت مي مبتسمة باستحياء: مساء الخير، قولت أجي أقعد معاكي شوية، من وقت مارجعت متقابلناش.

أومأت ماسة برأسها: طبعا اتفضلي.

دخلت مي لكنها توقفت فجأة، عندما رفعت عيناها علي وجهها وتساءلت بقلق: إيه اللي في وشك ده؟

تجنبت النظر إليها، وقالت بارتباك: عادي، متشغليش بالك.

اقتربت مي أكثر، وأمسكت بذقنها وعيناها تتسعان بصدمة: عادي إيه بس، مين اللي عمل فيكي كده؟! مش معقول سليم؟!

أبعدت ماسة وجهها، وقد بدا عليها التردد فهي لا تحبذ ان تكذب عليها لاكنها مضطرة: لا سليم.

اتسعت عينا مي، ورفعت يدها إلى فمها بذهول: الحيوان ده ضربك ليه كدة، وازاي تسكتيله؟!

تنهدت وهي تقول بهدوء متعب: الموضوع كبير يا مي، وعلي فكرة أنتِ مش هينفع تفضلي هنا معايا.

مي بأحراج: أنا أسفه إني بفرض نفسي عليكي بس انا قولت نكون اصحاب؟

نظرت لها ماسة بصدق: تفرضي نفسك ايه بس متقوليش كده يا حبيبتي، والله نفسي تقعدي معايا ونتكلم، انا اصلا نفسي أخرج من الأوضة دي، بس أنا خايفة عليكي، لو حد شافك معايا، ممكن تحصل مشكلة كبيرة، وسليم ممكن يضربني تاني علشان دخلتك.

اشتعل الغضب في عيني مي: إيه الهمجية دي؟! يضربك ليه؟! أنتِ عايزة تقولي إنه حابسك هنا غصب عنك؟!

أومأت ببطء: أيوه، ومانع إن حد يكلمني.

شهقت مي بذهول، وأمسكت بيدها: لا، كده كتير! تعالي ننزل الجنينة، وتحكيلي كل حاجة.

سحبت ماسة يدها، وعيناها امتلأتا بالخوف: بلاش والنبي يا مي، سليم هيضربني.

احتضنتها بحنان: متخافيش أنا معاكي، ولو فكر يعملك حاجه هخلي رشدي يقف له! مفيش اي حاجة تبرر إنه يضربك ويحبسك كده! أحنا مش في سجن!

تنهدت ماسة، وهي تشيح بوجهها: خلاص بقى يا مي مش مهم، خلينا قاعدين هنا وشويه وامشي قبل ماييجي.

هزت رأسها بعناد: لا والله أبدا! هتنزلي معايا ولو عمل حاجة أنا اللي هقفله! في إيه؟ اسكتي بقى، منظرك ده مخليني متعصبة بجد!

ثم توقفت وسحبتها بلطف: يلا تعالي معايا.

ترددت ماسة، وعضت على شفتيها بقلق: بس أنا خايفة...

ربتت على يدها بحنان: متخافيش، مش هييجي دلوقتي، وبعدين مفيش حد هنا أصلا، تعالي بس.

تنهدت ماسة أخيرا باستسلام: طب استني، ألبس حاجة تنفع أنزل بيها.

ابدلت ملابسها بسرعة، وارتدت فستانا بسيطا، ثم خرجت حيث كانت مي تنتظرها، وهبطا سويا إلى الحديقة.

كان الخدم يراقبون المشهد بدهشة وخوف، يتهامسون فيما بينهم، غير مصدقين أن ماسة خرجت أخيرا من عزلتها.

جلسوا على المقاعد، وطلبت مي عصير، بينما أغمضت ماسة عينيها، تسحب نفسا عميقا كأنها تتذوق الحياة لأول مرة: يااااه، من ساعة ماجيت هنا مشوفتش الشمش، شكرا يا مي..

تأثرت مي: يا حبيبتي للدرجة دي؟

نظرت في عينيها بجدية وتساءلت: هو بيعمل معاكي كده ليه؟ سليم شكله حد رقي جدا، ورشدي قالي انكم متجوزين عن قصه حب كبيرة.

تنهدت بعمق، وخفضت عيناها بألم: الموضوع كبير أوي، مختصره إن الحب لوحده مش كفاية لنجاح العلاقه.

على بعد خطوات قليلة، كانت هبة تتجول في المكان بهدوء، ممسكة بيد نالا، لمحتهم يجلسون، فمالت نحو ابنتها وقالت: نونو، إيه رأيك نروح نسلم على طنط ماسة؟ فاكرها؟

أومأت الطفلة بحماس: آه لعبت معايا فى فرح انكل رشدي.

ابتسمت هبة، وتحركت في اتجاههما...

كانت مي لا تزال تنظر إلى ماسة، تحاول فهم ماحدث: طب إيه المشكلة إنك تحكيلي وتفضفضي؟ يمكن أعرف أساعدك أو اخلي رشدي يتكلم معاه، والموضوع يتحل.

رفعت عينيها نحوها وكادت أن ترد، ولكن صوتا قاطعها: مساء الخير؟

التفتت الاثنتان، لتجدا هبة تقترب منهما بابتسامة خفيفة، تمسك بيد طفلتها.

توقفت ماسة، وقالت بهدوء: أزيك يا هبة.

ثم بادرت بالتعريف: دي هبة طليقت ياسين .. مي مرات رشدي.

ابتسمت هبة وهي تهز رأسها: أنا حضرت الفرح وسلمت عليها بس أكيد مش فاكراني.

وقعت عينا ماسة على الطفلة، فانحنت إلي مستواها، وقالت بحنان: عاملة إيه يا نالا؟ وحشتيني أوي، عرفاني؟

هزت الطفلة رأسها: آه انتِ طنط ماسة مرات انكل سليم، كنتي بتلعبي معايا في فرح أنكل رشدي! وبابي قالي إنك كنتي بتاخدي بالك مني وأنا نونو.

ضحكت بخفة، وقبلت خدها: شاطرة، كنت بحبك خالص.

تساءلت نالا بطفوله: أنتِ عندك واوا في وشك؟!

نظرت ماسة بارتباك: اها وقعت.

ردت بطفوله تربت على كتفها: معلش.

نظرت هبه تتفحص وجه ماسة: إيه صحيح اللي في وشك ده؟! 

اجابتها باختصار: وقعت من على السلم.

زمت هبه شفتيها بعدم تصدق: اممم ماشى، انتِ جيتى امتى؟!

جلست ماسة: من حولي 4 ايام، وانتِ ازاي هنا.

جلست هبة، وقالت بضجر: أوامر، إني لازم أعيش في الاستراحة مادم عايزة بنتي، ما انتِ فاهمه اللى فيها..

تنهدت وهي تتابع: اليومين اللي فاتوا كنت عند ماما علشان عيد ميلاد هنا اختي.

نظرت لها، وتسألت بشك: ماسة قولي الحق اللي في وشك ده مش وقعه ده ضرب صح؟!

اشاحت بوجهها، فتابعت هبه بضيق: ضربك تاني؟! ياما قولتك لازم تاخدي موقف حاسم معاه بس انتِ مفيش فايدة..

مي بصدمة واضحة: هو سليم طول عمره كده؟!

أجابت هبة ببرود: من ساعة ماتجوزها تقريبا، ده مره ادها علقه موت..

مي بصدمه: أنا مصدومة فيه، سليم بحسه ارقي واحد في اخواته.

ارتسمت على ملامح هبه نصف إبتسامة ساخرة: لا ماهو سليم كده يبان محترم وهو في الاصل حاجة ملهاش وصف، وياسين كمان، كلهم كدة، ماعدا رشدي وقح ومعترف مش بيتلون زيهم، سورى يعنى يا مي.

تدخلت ماسة بسرعة: يا جماعه مينفعش الكلام ده قدام البنت.

أشارت هبة لأحدى الخادمات: خدي نالا ووديها عند الألعاب، خليها تلعب شوية.

ثم انحنت للطفلة بابتسامة: روحي يا حبيبتي، العبي في المرجيحة.

تحركت الطفلة مع الخادمة...

وعلي اتجاه آخر، كان سليم قد وصل، صعد مباشرة إلى الغرفة، فتح الباب، ثم توقف فجأة، وعيناه تجولان في المكان الفارغ.

عقد حاجبيه باستغراب، ودخل يبحث عنها فلم يجدها، توجهه نحو الشرفة فوجدها تجلس هناك، فكر لحظه هل يتركها لتفسح عن نفسها، ام يذهب ويتصنع المشاجرة؟ لكنه شعر انه لابد ان يهبط لجلبها خصوصا، أن فايزة رأته وهو يصعد، وبعد ما حدث مع عمار لابد أن يكون غاضبا الآن، فاستدار وهبط بخطوات متسارعة.

صرخ في إحدى الخادمات: ماسة فين؟!

ارتبكت الخادمة، وأجابت بخوف واضح: فـ... في الجنينه يا فندم مع مي هانم.

جز على أسنانه، وقال بنبرة غاضبة: هو أنا مش قولت ممنوع تنزل؟! كلكم هتتحاسبوا!

لم ينتظر ردا...بل تحرك فورا نحو الحديقة.

عند ماسة 

نظرت لها هبة بجدية: ايه اللي حصل خلاه يعمل فيكي كدة؟

تنهدت وأشاحت بوجهها: أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده...

اقتربت مي منها، وقالت بلطف: يا بنتي احكي يمكن نقدر نساعدك.

صمت لحظة، ومررت يدها على وجهها بتوتر، تبحث عن الكلمات لكن قبل أن تنطق، جاءها صوت سليم الجهوري يهز أرجاء المكان: ماسة!

فقط سماع صوته كان كافيا لجعلها ترتعش، و ارتبك الجميع للحظة.

اقترب منها بخطوات حادة، وعيناه تشتعلان غضبا: أنتِ أزاي تخرجي من باب الأوضة؟! فاكرة علشان رشدي فكك خلاص؟!

تراجعت خطوة للخلف، وتلعثمت بصوت مهزوز: أ-أصل... أصل...

صرخ في وجهها: أصل إيه؟!

وفجأة، اندفع نحوها وأمسكها من شعرها بعنف: أنا هعرف أزاي أحاسبك على اللي عملتيه ده!

تقدمت مي بسرعة، ووقفت أمامه، تدفعه بعيدا عنها: سبها! أنا اللي خرجتها!

نظرة إليها بحدة، وقال ببرود قاسي: وأنتِ تخرجيها على أساس إيه يا مدام مي؟!

ردت بغضب: على أساس إن اللى بتعمله ده ميصحش.

نظر لها ببرود: ملكيش دعوة!

رفعت ذقنها بعناد، وعيناها تمتلئان بالغضب: لا، ليا!

وأشارت نحو ماسة، التي كانت تمسك شعرها بألم: أزاي تفضل حابسها كده؟! دي مش عمايل ولاد ناس؟!

ابتسم بسخرية باردة: شكلك بتحبي تسمعي ملكيش دعوه كتير.

تدخلت هبة بسرعة، وهي تنظر له بقلق: سليم! في إيه لكل ده؟ مينفعش كده، ده مش أسلوب حوار.

صرخ دون أن يلتفت إليها: قولت محدش له دعوة!

ثم عاد ينظر إلى ماسة، وعيناه تشتعلان، وانحنى فجأة وسحبها من شعرها بعنف: أما إنتِ حسابك معايا عسير!.

صرخت ماسة بألم، بينما حاولت مي وهبة أن يبعداه عنها: سيبها! حرام عليك!

لكن سليم دفعهما بعنف، وأخذ يسحبها من شعرها نحو الداخل...

كانت صرخاتها تمزق المكان، ويديها تحاول التمسك بأي شيء، بينما خطواته لم تتوقف.

حاولت الفتاتان اللحاق به، لكنه كان أقوى، فدفعهما بعيدا دون تردد، وصعد بها الدرج وسط صرخاتها المستغيثة...

في تلك اللحظة، كانت فايزة تقف في الردهة، تتابع المشهد ببرود.

قالت بهدوء حاد: هبة مي، تعالوا هنا.

التفتت مي إليها بصدمة وغضب واضح: أزاي حضرتك سيباه يعمل فيها كده؟!

أجابتها ببرود قاسي: واحد ومراته مينفعش حد يدخل بينهم.

مي بتعجب: أزاي يعني؟!

نظرت لها فايزة نظرة حادة، وقالت بنبرة قاطعة: شكلك مبتسمعيش كويس يا مي، اللي يدخل نفسه في حياة غيره يبقى إنسان مش متربي كفاية.

ثم التفتت إلى هبة: وأنتِ أزاي تدخلي القصر من غير إذن؟ انتِ نسيتى حدودك.

هزت هبة رأسها بضيق: لا فاكرها، عن اذنكم، اشوفك وقت تاني يا مي.

تحركت لتغادر، لكن فايزة أمسكت يدها لتوقفها: كنتي فين اليومين اللي فاتوا؟

ردت بجمود: استأذنت من ياسين اروح عيد ميلاد أختي، وخدت البنت معايا، حاجة تاني؟

نظرت لها فايزه بنظرة ذات معنى ثم تركت يدها، فتحركت هبة بعد أن ألقت عليها نظرة من أعلى لأسفل بضيق، ثم غادرت في صمت.

بينما ظلت مي واقفة مكانها، تنظر إلى فايزة باستغراب وعدم استيعاب...

التقطت فايزة تلك النظرة، فابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بهدوء محسوب: بصي يا مي، أنتِ لسه متعرفيناش كويس، ولا تعرفي إيه اللي حصل بين ماسة وسليم...

فتحت ذراعيها، وتابعت: وأنا طبعا مش في موقف يخليني أشرح...

ثم نظرت لها مباشرة، وأضافت بنبرة أوضح: بس حابة أوضحلك علشان أنتِ خلاص بقيتي من العيلة، وكمان علشان متشوفيش ابني في صورة الراجل العنيف اللي بيعنف مراته، ماسة غلطت غلطة كبيرة لا تغتفر...

ومالت قليلا للأمام، تهمس وكأنها تلقي حكما نهائيا: غلطة تمنها الموت، فبلاش تحكمي قبل ماتعرفي.

هزت مي رأسها برفض، وعيناها تمتلئان بالغضب: مهما كانت غلطتها، مينفعش يضربها كده! حضرتك عندك بنات-

رفعت فايزة يدها، تقاطعها بحدة: أوعي تقارني بناتي بالحشرة دي!

ثم أضافت باحتقار: ماسة دى كانت خدامة، وأهلها صعاليق، لكن أنا بناتي أنضف منها بكتير، أنتِ متعرفيش حاجة..

نظرت لها من أعلى لأسفل، ثم قطبت حاجبيها: وبعدين إيه اللي أنتِ لابساه ده؟

نظرت مي إلى نفسها باستغراب: في إيه؟ ماله الترينج؟!

قاطعتها، بنبرة هادئة تحمل في طياتها استعلاء واضح: بصي يا مي البيجامات والتريننجات واللبس ده مكانه أوضة النوم...

رفعت حاجبها قليلا، وأكملت: إنما أول ماتخرجي منها، لازم تلبسي لبس يليق بالمكان اللي أنتِ بقيتي فيه...

تابعت، وعيناها تضيقان بتركيز: أنا عارفة إن رشدي مش هيقولك الكلام ده؛ لأنه دايما ماشي عكس التيار، وبيتبع سلوكيات متليقش بينا، بس أتمنى إنك تكوني فاهمة كويس المكانه اللي بقيتي فيها وتحاولي تغيري ده...

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأضافت: أنا مبسوطة منك إنك غيرتي في رشدي كتير وياريت كمان تغيري السلوكيات السوقية اللي هو متعود عليها..

ثم ربتت على خدها بخفة مصطنعة: ماشي يا مي.

تحركت خطوتين، لكنها توقفت فجأة، والتفتت لها مرة أخرى بنظرة حادة: وآه بلاش تدخلي نفسك في حاجة متخصكيش تاني، مفهوم؟.

ثم تحركت مبتعدة، بينما ظلت مي تنظر إليها بضيق، ثم رفعت عينيها إلى الأعلى، وتمتمت بعناد: لا مستحيل أسيبها تتضرب كده.

واندفعت مسرعة نحو الأعلى

عند سليم وماسة.

وقفت في منتصف الغرفة تتحسس شعرها، وتتمتم بضيق: على فكرة، أنت مسكتني من شعري جامد، وأنا زهقت من القعدة هنا، كنت سبنى شويه.

حاول تهدئتها: يا ماسة أنا فاهم ومقدر بس مينفعش، فايزة شافتني وأنا طالع فكان لازم اعمل كده، وبعدين أن متأكد إن مي هتيجي تاني، اصبري ووقتها هستغل الفرصه و

وقبل أن يكمل، دوى طرق على الباب.

سليم بابتسامه: أهي جت..

تغيرت نظراته فجاه، ففهمت ماسة ورفعت يدها تلقائيا تحمي وجهها، وفي لحظة صفعة قوية صرخت، ففتحت مي الباب، واندفعت تهتف: ابعد عنها! حرام عليك!

نظر لها بحدة: قولتلك ملكيش دعوة! اطلعي بره.

في نفس التوقيت، كان رشدي يصعد الدرج وهو يدنن اغنية، لكنه توقف عند الصوت، ثم أسرع بخطواته.

داخل الغرفة

وقفت مي أمام ماسة تحميها، بينما رمقها سليم بغضب: مي بعد أذنك اطلعي بره، انا بحاول احافظ على حدود الأدب لحد دلوقت.

هزت رأسها بعناد: مستحيل اسيبها! هي علشان ملهاش حد يعني تعمل فيها كده؟! على فكرة دي مش رجولة!

وفي تلك اللحظة، اقتحم رشدي الغرفة: في إيه؟!

أشارت مي بسرعة: الحق يا رشدي! سليم بيضرب ماسة!

تصلب وجه سليم، وقال بأمر: خد مراتك واطلع بره يا رشدي، أنا لحد دلوقتي بحاول ألتزم بالأدب معاها.

مي بحدة: طب التزم الادب مع مراتك افضل، وبعدين هتعمل إيه يعني؟ واصلا اللي أنت بتعمله ده يأكد أنك ولا تعرف حاجه عن الأدب ولا الرجوله. 

ابتسم سليم بسخرية قاتمة: اسألي جوزك أنا بعرف أعمل إيه كويس، صدقيني لو واحده غيرك قالت اللي قولتيه دى كنت حاسبتها على كلامها.

تدخل رشدي بنبرة حازمة: سليم متكلمش مراتي كده.

اشتعلت عينا سليم واشار بيده: طب علشان مكلمهاش كده؟ خدها واطلع بره! وفهمها إنها ملهاش دعوة! دي مراتي أعمل فيها اللي أنا عايزه!

رشدي بحدة: لا طبعا مينفعش تحبسها وتضربها كده، اللى أنت بتعمله ده مينفعش.

سليم بعند: لا هضربها وهحبسها وهتفضل قاعده هنا زي الكلبه.

اشتعلت مي، وردت بعناد: لا، هتنزل! هي مش في سجن!

تدخل رشدي سريعا، بنبرة حازمة: بس يا مي أنا بتكلم.

ثم نظر إلى سليم: سليم، تعالى معايا.

لكن سليم لم يتراجع، وقال ببرود: أنا قولت خد مراتك واطلع بره.

ثم نظر لماسة وقال: اما انتِ تعالي هنا.

كاد ان يسحب ماسه من ذراعها، لكن في اللحظة، نفسها دون تفكير، دفعه رشدي بقوة من صدره: بس بقى!

أسرعت مي واحتضنت ماسة، بينما نظر سليم بحدة:
أنت بتزقني يا رشدي؟

دفعه مرة أخرى للخارج، بينما تحرك سليم متعمدا أن يبدو الأمر وكأنه صراع حقيقي، حتى خرجا من الغرفة.

توقف أمام الباب، وقال رشدي بصوت غاضب: أيوه بزقك، كفاية اللي بتعمله ده! إحنا اتفقنا إنك هتدور، ولو لقيت حاجة اعمل اللي أنت عايزه.

سليم بحدة: أنت مش فاهم ولا حاسس بيا! لو كنت مكاني، كنت دفنتها حية هي وأهلها.

تنهد رشدي بضيق، وقال بإصرار: دى لو كانت عملت كده بجد، إنما أنا متأكد إن ماسة مظلومة! أنت كنت عاقل يا سليم، مالك؟

صمت لحظة، ثم أضاف: دور ورا الموضوع، وأنا متأكد هتعرف توصل للحقيقة..

ضيق سليم عينه وقال وكأنه يعطيه فرصه أخيرة: أنا مش فاهم ايه اصرارك إن هي مظلومه؟! هو أنت عارف حاجه ومخبي عليا يا رشدي؟! 

ارتبك للحظه، ثم رمش بعينيه وابتلع ريقه، وقال بمراوغة ونبرة متقطعة: أنا أعرف حاجة؟ حاجة ايه؟ وهعرف منين؟ أنا كنت مسافر، وبعدين أنت أصلا كنت خافيها بقالك سنة ونص ولا سنتين؟

توقف لحظة يجمع كلماته، ثم قال بجدية: أنا بتكلم بس علشان ماسة يوم مادخلت القصر كانت يدوب 16سنة، اتربت هنا، وعارفين أخلاقها كويس..

اقترب خطوة، ونظر له مباشرة: وأنت جوزها، ومش عارفها؟

نظر له سليم نظرة مظلمة: ولو مطلعتش مظلومة؟

هز رشدي رأسه بثبات: ساعتها هبقي معاك في اي قرار تاخده، ولحد ماتتأكد سيبها تعيش شوية، علي الأقل تاكل وتشرب وتنزل من الأوضه، دي بني آدمة برضو.

صمت سليم لحظة، فها هي تلك الفرصة التي كان يريدها كي يستطيع إخراجها من ذلك السجن التمثيلي ولابد أن يستغلها.

تنهد وقال أخيرا: ماشي يا رشدي، هخليها تنزل، بس لو مطلعتش مظلومة، هحاسبك معاها.

هز رشدي رأسه: وأنا هدور معاك.

أشار سليم بيده: طب خد مراتك وامشي.

رشدي بتردد: سليم...

رد عليه بجدية: قولتلك خلاص مش هعملها حاجة، وعد.

تردد رشدي لحظة، ثم نادى: مي، يلا.

تشبثت بها ماسة، وهي تبكي بخوف مصطنع: لا والنبي يا مي متسبنيش هيضربني..

نظرت لها مي بتأثر، ثم التفت إلي رشدي بقلق: يا رشدي...

قاطعها بثقه وهو ينظر نحو سليم: يلا يا مي، سليم مبيرجعش في وعودة، ومادام وعد يبقي مش هيعمل حاجه.

ترددت للحظه، ثم ربتت على شعرها بحنان: متخافيش أنا جمبك، لو حصل أي حاجه هجيلك علطول.

ثم انسحبت وغادرت مع رشدي.

وقف سليم لحظات يتأكد من مغادرتهم، ثم أغلق الباب، واستدار نحوها بابتسامة واسعة: خلاص يا ستي إفراج، تقدري تنزلي براحتك من غير ماحد يشك فينا...

وضع يده على خدها برفق، وعيناه تحملان صدقا مختلفا: مش قادر اوصفلك حوار حبستك ده كان مضايقني أزاى، وكنت شايل همك وبحاول أخلص شغلي بسرعه علشان اجي أقعد معاكي ومتحسيش إنك لوحدك، بس خلاص يا ماستي الحلوه افراج ..

نظرت له بحنان، وضعت يدها فوق يده: يا حبيبي أنا مش زعلانة، انا فاهمه..

صمتت لحظة، ثم قالت بتأثر: بس زعلانة إن مي شيفاك بالشكل ده، دي بنت طيبة خالص.

أومأ برأسه: عارف، بس لازم نمشي في اللعبة دي للآخر.

فجأة احاط خصرها بذراعيه حتى التصقت به، وهمس بنبرة خافتة تحمل مزيجا من المداعبة وشوق: وبعدين سيبك منهم، يعني واحد زيي استغل الموقف وخلاكي تخرجي من الحبس الانفرادي، ملوش مكافئة؟

ارتسمت على شفتيها ابتسامه فقد فهمت مايريد، تراجعت للخلف تتمايل بدلال: لا مفيش...

لم يمهلها فرصة، جذبها إليه مرة أخرى، وعيناه تلمعان: لا، أنا مش بسيب حقي.

ابتسمت، ورفعت يدها تتلاعب بأزرار قميصه بخفة: وحشتك يا كراميل؟

اقترب أكثر، وصوته يهبط إلى همس دافئ: في كل لحظه بتوحشينى؟

ضحكت بخفة، حملها بين ذراعيه فجأة، لتتشبث بعنقه وهي تضحك، وتقول بدلال: سليم استنى طيب!

اتجه بها نحو الفراش، ثم وضعها برفق، وعيناه لا تفارقانها... اقتربا اكثر ثم أكثر وووووو

عند رشدي ومي.

دخلت مي تتمتم بانزعاج وهي تخلع حجابها: بصراحة أنا متعصبه جدا من اللي بيحصل مع ماسة ده.

اغلق رشدي الباب، التفتت له بغضب واضافت: أخوك ده طلع مريض نفسي، أزاي يعمل اللي عمله ده؟ مهما كان ذنبها، أزاي يعاملها كده؟ وحتى والدتك شايفة ده طبيعي! مين اللي قاله إن الرجولة في المهانة؟ ده قذارة مش رجولة!

تنهد رشدي موضحا: الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة.

نظرت له بدهشة: أزاي يا رشدي؟ انت مش شايف وشها؟

أجابها بثقل: شايف، بس سليم للأسف اتلعب عليه، حد ابن حرام بعتله صور ليها وقاله إنها خانته.

اتسعت عينيها من الصدمة: أيه؟!

اكمل رشدي: أممم، للأسف، والمشكلة أنه حكمها صح وخلاه يصدق.

تمالكت نفسها وقالت بحزم: لو بيحبها مفروض ميصدقش.

أومأ براسه: أيوه بس هو غصب عنه، الشخص اللي صوروه معاها، ماسة عشان تضايق سليم قالته انها بتحبه..

نظرت له بعدم فهم: أنا مش فاهمة حاجة!

اجابها وهو يزفر بضيق: الموضوع كبير يا مي، بس الاتنين مظلومين صدقيني.

ردت بطيبه: طب انت هتسيبهم كده؟

أجابها بحزم: هساعدهم أكيد.

وأضاف بمزاح: بس انتِ طلعتي قلبك جامد ووقفتي قصاد سليم.

تنهدت وقالت: واقف قصاد الجن، أنا بكره الرجالة اللي بيضربوا ستاتهم، مهما حصل.

ابتسم وقال باهتمام: المهم، انتِ كويسة؟

أجابته بإبتسامة: الحمد لله، متأخرتش عليا.

أجابها وهو يفتح أزرار قميصه: ما أنا خلصت شغل علطول وجيتلك، عملتي ايه عند جنه؟

ابتسمت بحب: سألت عليك، وفرحت اوى بالحاجات اللى جبتهالها، أنا حبتها أوي.

ابتسم بخفة وهو يتجه ناحية الحمام: ولسه هتحبيها أكتر لما تعرفيها، أنا هدخل آخد شاور.

تحرك مبتعدا، بينما جلست مي على الأريكة، تعبث في هاتفها، لكن عقلها لم يكن حاضرا ظلت تسترجع ماحدث..

صرخات ماسة، نظرات سليم، وبرود فايزة، شعرت بانقباض في صدرها، وكأن شيئا ثقيلا بدأ يتشكل داخلها، إحساس بأن مايحدث في هذا البيت أكبر وأخطر مما تتخيل.

بعد وقت...

كان رشدي قد أنهى حمامه، وجلس بجانبها، يعبث بهاتفه للحظات، ثم رفع عينيه نحو الساعة وقال: مشمش، تحبي ننزل نتعشى تحت معاهم، ولا ناكل هنا؟

هزت رأسها بحماس: لا ننزل، أنا بقالي كام يوم هنا ومتعشتش معاهم ولا مرة مينفعش كده، وكمان عايزة أروح أجيب ماسة، حرام تفضل محبوسة، تنزل تقعد معانا شوية في الجنينة.

ابتسم: ماشي زي ماتحبي.

ردت بحماس: طب أنا هقوم أكلمها تجهز نفسها.

وبالفعل، نهضت مسرعة، لفت حجابها، واتجهت نحو غرفة ماسة...

عند سليم وماسة.

كانت مستلقيه داخل أحضانه، يحيطها بذراعيه، وصوتهما منخفض.

قال بشوق وهو يمرر يده في شعرها: كنتي وحشاني اووي يا قطعة السكر.

ابتسمت بخفه: وأنت كمان يا كراميل، بس بجد ضحكتيني على عمار.

ضحك بخفة: طلع مجنون زيك، شكلها جينات!

ردت بخفه: أيوه طبعا، أحنا جامدين في التمثيل! مش زيك!

ضحك معلقا باعتراض: بس يا ماما، أنتِ كنتي أوفر قدام مي أصلا! 

اعترضت بحده: أوفر إيه يا فاشل؟! ده اسمه تنوع، مرة أعيط، مرة أبجح، مرة أزعق! إنما أنت، تمثيلك كله عصبية! لازم تطور نفسك!

قرب وجهه منها وهمس أمام شفتيها: طب ماتكسبي فيا ثواب وتعلميني...

ضحكا معا، وكاد أن يغرقا في قبلة عاشقة، وفجأة دق الباب.

تجمد الاثنان، واتسعت أعينهما.

نهضت بسرعة، التقطت روبها وارتدته مسرعه، وهي تقول: مين؟

جاءها صوت مي من الخارج: أنا يا ماسة افتحي.

اجابتها بلهفه: سليم قافل عليا بالمفتاح.

زفرت مي بغضب: طب أنا هخلي رشدي يفتحلك، المهم جهزي نفسك علشان تنزلي تتعشي معانا.

ناولت سليم ملابسه، وأجابتها بحزن مصطنع: بلاش يا مي أحسن سليم يضربني تاني، وبعدين أصلا محدش بيحبني هنا.

مي مطمئنة: متخافيش أنا ورشدي معاكي.

تنهدت ماسة: خلاص ماشي، بصراحة أنا جعانة مكلتش من الصبح.

مي بهدوء: ماشي ياحبيبتي، هروح أقول لرشدي يفتحلك.

ابتسم سليم بخفه وهو يغلق أزرار قميصه: أنا هروح أوضتي من السور وإنتِ انزلي معاهم، ونتقابل تحت ياقطعة السكر.

اقترب، وطبع قبلة خفيفة على خدها: متنسيش تظبطي مكياج الضرب علشان ساح معانا.

غمز لها بشقاوة، فابتسمت واتجهت إلي التسريحه تضبط مكياجها، بينما خرج هو من الشرفة.

عند مي.

كان رشدي في انتظارها، وعندما رأها تساءل: إيه؟ هتنزل؟

هزت رأسها بضيق: أيوه، بس انزل هات مفتاح اوضتها علشان اخوك قافل عليها.

وتابعت وهي تتجه لغرفة تغير الملابس: وأنا هدخل أغير لبسي بسرعه على ماتيجي، مامتك الصبح قالتلي مينفعش انزل تحت كده.

عقد حاجبيه باستغراب: ليه ماله لبسك؟ ما أنتِ زى القمر أهو والترينج أوفر سايز وجميل.

رفعت كتفيها موضحه ببساطه: مش عارفه، هي قالتلى إن هنا في بروتوكول وكده فهغير.

امسك بيدها يوقفها برفض: لأ البروتكول دى تنفذه على نفسها، إنما أنتِ تلبسي اللي أنتِ عايزاه، محدش له دعوة.

ابتسمت بهدوء: يا رشدي مش عيب حد يوجهنا للصح، كلامها كان حلو وانا مقتنعه بيه.

قال بضيق خفيف: بقولك ايه مش عايز هري كتير هتنزلي كده يعني هتنزلي كده، ومتزوديش يامي بدل ماتجنن وانزل اقعدلهم بالبكسر تحت! الحاجات تعملها مع اي حد تاني، أنتِ لا.

ضحكت رغما عنها: طب أهدى أحنا مش في خناقه.

قال باصرار: أنا قولت كلمه واحده، لبسك مفيهوش حاجه وزي القمر، يبقي هتنزلي كده.

حاولت الاعتراض، لكنه شدها بخفة: يلا اسبقيني على أوضة ماسة على ما أجيب المفتاح واجيلك.

عند عماد وصافيناز.

وقف عماد أمام المرآة، يرش عطره ببرود، بينما كانت صافيناز بجانبه تضع إكسسواراتها. 

كانا يستعدان للنزول، لكن التوتر كان يملأ الأجواء، عيناها كانت تلاحقه بين الحين والآخر، في حين تعمد هو تجاهلها تماما.

التفت إليها أخيرا، وهو يهم بالمغادرة: أنا هستناكي تحت.

قطبت حاجبيها، وقالت بحدة: أنا عايزة أفهم مين إللي المفروض يزعل؟! يعني انت كمان اللي زعلان وامبارح نمت على الكنبه وسبتني. 

التفت اليها، وعيناه تحملان مزيجا من الغضب والخذلان: أكيد طبعا لازم أكون أنا اللي زعلان، مش بتشكي فيا وسيبتي واحد فاشل وشمام زي رشدي يلعب في دماغك؟

هز رأسه بلوم: خسارة يا صافيناز كنت فاكرك أذكى من كده..

تنفست بحدة، وحاولت التماسك: سارة كل مرة بتنزل مصر بتقولي، اشمعني المرة دي مقالتليش، وحتى لما اتصلت بيها مردتش...

قاطعها بنفاد صبر: وأنا مالي؟! إيه دخلي في كل ده؟ أنا مش قادر أصدق لحد دلوقتي إنك تشكي فيا بعد كل اللي عملته عشانك.

ثم أشار بيده بعصبية: أنا حياتي لو غفلت عنها ثانية، هدفع التمن، وأنتِ عارفة ده كويس، يوم ما كل الحوار ده ينكشف أنا اللي هتسلم، إنتوا كلكوا إخوات في بعض عيلة واحدة! 

اجابته بنبرة متوسلة: عماد، متقولش كده أنت عارف كويس إن أنا بح..

قاطعها بمرارة: كنت عارف بس طلع لا، عن إذنك.

استدار وغادر الغرفة دون أن ينظر خلفه بإبتسامة رجل بدأ يسترجع اللعبه بين يديه. 

ظلت واقفة مكانها، تنظر في أثره، قبل أن تجز على أسنانها بغيظ، وعيناها تلمعان بالغضب. 

رفعت هاتفها بسرعة، واتصلت: قولي عملت إيه؟ وصلت لصاحب الرقم؟

صمتت لحظة، ثم اشتد صوتها: يعني إيه بتاع حد مش موجود؟! انت لازم تعرفلي مين اللي بعت الرسايل دي فاهم؟!

أغلقت الهاتف بعنف، ثم صرخت بغضب وامسكت الدواء الذي على السطح واخذت منه حبايه وهي تاخذ انفسها بصعوبه ويديها تهتز قليلا.
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل 

في أحد الأماكن المجهولة،7مساء

مظهر عام لاحد الكباري على وشك الانتهاء، والجو مظلم يخيمه الهدوء.

جلس بعض العمال، الذين يبدو أنهم الحراس، يراقبون المكان.

قال أحدهم مبتسما: الجو سقعه اوى النهارده، ما تيجوا نولع اولحتين برا يدفونا، ونعمل عليهم شويه شاي.

وبالفعل تحركوا من مكانهم وقام احدهم بتولع الأولح، بينما توجه ذلك الرجل إلى مكان الشاي وبدأ في عمله، أخرج من جيبه قطرة ووضعها في البراد، ثم صب الشاي في الأكواب ووزع على العمال.

بعد وقت قصير، بدأ الجميع يشعر بالنعاس وناموا جميعا. 

ابتسم الرجل بهدوء، ورفع هاتفه ليجري مكالمة: تمام يا بيه، خلاص الدنيا تمام.

ما إن اغلق الهاتف حتى ظهرت ثلاث سيارات: أحدهم جيب واثنتان نصف نقل. 

خرج من الجيب رجل يضع مسك أسود يخفي وجهه، وكانت عينه الوحيدة الظاهرة تكشف أنه مكي.

أشار بيديه: يلا بسرعة، نفذوا اللي اتفقنا عليه.

تحرك الجميع نحو الكوبري، حاملين بعض الأدوات والمواد الخاصة بالعملية، بينما بقي مكي متوقفا أمام سيارته.

بعد وقت، جاء أحدهم وقال: تمام يا باشا، كلها ساعتين وهتسمع أحلى خبر.

أومأ مكي براسه: تمام، وباقي حسابكم عرفان هيبقي يديهولكم، يلا اتحركوا بسرعه. 

ثم صعد إلى السيارة وتحرك الجميع.

أما الكوبري، فكان أحد أعمدته مضطربا، حيث بدأت مادة معينة تآكل في البناء، مهددة بسلامته.

قصر الرواي7مساء

التف الجميع حول طاولة الطعام، وبعد دقائق هبط رشدي ومي وبرفقتهم ماسة.

ساد الصمت لوهلة، وارتسمت الدهشة على الوجوه؛ فلم يتوقع أحد وجودها بينهم.

لكن فايزة لم تترك الأمر يمر، وقالت بحدة: مين اللي جاب الحشرة دي هنا؟!

كادت ماسة ترد، لكن مي سبقتها، وقالت بثبات: إيه المشكلة لما تقعد تاكل معانا؟

نظرت لها فايزة بحدة: هو أنا مش قولتلك يا مي إن عيب نتدخل في حياة حد!

تدخل رشدي بنبرة حاسمة: أنا اللي نزلتها، وهتقعد تاكل معانا.

رفعت فايزة حاجبها، وقالت بسخرية: وسليم بقى هيوافق على الكلام ده؟

في تلك اللحظة، اقترب سليم، ولم تترك له فايزة فرصة، وقالت مباشرة: أنت موافق إن البتاعة دي تقعد معانا على العشا؟

نظر إليها سليم للحظة، ثم قال ببرود: إيه اللي جابك هنا؟ اطلعي فوق.

نظر له رشدي: سليم إحنا اتفقنا..

تبادل النظرات بين رشدي وماسة لحظه، ثم قال بنبرة حادة ظاهرية: ماشي، اترزعي اطفحي، وبعدين اطلعي على أوضتك، مش عايز اشوف خلقتك...

اتسعت عينا فايزه، بينما سحب سليم المقعد وجلس دون أن ينظر لها: سيبيها يا هانم، إما نشوف أخرتها.

تدخلت مي بهدوء ورجاء: بعد إذنك يا سليم أنا وماسة هنقعد شوية في الجنينه العلوية بعد العشا.

نظر إليها لحظة، بنظرة طويلة تحمل شيئا من الضجر، كان في داخله يرغب أن يمنحها مساحة للتتنفس قليلا، لكنه في الوقت ذاته أدرك أن الموافقة بسهولة قد تثير الشكوك حوله، لذلك وجب عليه أن يبدو حذرا في قراره.

تريث لثوان، وكأنه يزن الأمور بدقة، ثم قال: نبقى نشوف الكلام ده بعدين.

جلست فايزة بملامح متحفظة، وتسألت بتوتر مبطن تخشى ان يكون السليم قد سامحها: يعني إيه أسيبها؟ أنت غيرت رأيك ولا إيه؟ في جديد حصل؟

تنهد وقال بنبرة جامدة: مفيش جديد، بس هسمع كلام رشدي، وهحاول أصدق اللي هي قالته وهدور ولو طلعت صادقة، هعتذرلها قدامكم، وهجيب اللي عمل كده، وهحرقه في وسط الهول...

ثم توقف لحظة، ونظر نحوها بعينين قاسيتين، وأكمل: بس لو طلعت كدابة هحرقها هي وأهلها، وحتى رشدي اللي بيدافع عنها هيتحاسب حساب عسير.

نظر رشدي إليه بثبات، وقال بثقة: صدقني أنت اللي هتعتذرلها، وهتطلب منها السماح على اللي عملته.

رمقته فايزه بضيق، بينما لوح سليم بيده بملل: أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده.

تدخل عزت بضيق واضح: بس أنا مش حابب واحده بالاخلاق دي تقعد على سفرتي.

رد سليم ببرود وهو ينظر نحو مي: علشان خاطر مي النهارده هعديها.

ثم حول نظراته إلي رشدي: وعلشان خاطر رشدي، هستنى لحد ماتأكد، يلا خلينا ناكل ...

نظرت فايزة لعزت بتوتر، بينما رمق الجميع رشدي بضيق واضح، ثم اشارت فايزة للخدم ليضعوا الطعام.

نظرت مي نحو ماسة التي كانت تجلس بجوارها وقالت: متخافيش انا جنبك ومصدقاكي. 

ابتسمت ماسة بامتنان: شكرا يا مي.

بدأ الجميع في تناول الطعام، غير أن التوتر كان يسري في قلوبهم، رغم محاولاتهم إخفاءه. 

لم تفارق نظرات القلق أعينهم، وكان صمت ثقيلا يخيم على الأجواء.

فالتغير المفاجئ في تصرفات سليم يثير في داخلهم خوفا حقيقيا؛ فمجرد اقتناعه بكلام رشدي، وتفكيره في البحث عن الحقيقة يعني كارثة بالنسبة لهم، لذا أدركوا أنه لا بد من الإسراع في إنهاء الأمر والتخلص من ماسة قبل أن ينكشف كل شيء.

التفتت فايزة نحو مي، ونظرت لها من أعلى لأسفل بضيق، وقالت بحدة: هو أنا مش قولتلك يا مي مينفعش تنزلي باللبس ده هنا؟!

كادت أن ترد، لكن رشدي رفع عينيه نحو فايزة، وقال بطريقته المعتاده: والله مراتي تلبس اللي هي عايزاه براحتها، محدش له كلمه عليها غيري.

ثم أضاف بابتسامة خفيفة: هي بتتبع سلوكيات جوزها عادي، إحنا بنحب نقعد مرحرحين محدش له دعوة.

نظرت له فايزة بضجر واضح: هتفضل طول عمرك سوقي!

تناول رشدي الشوكة بهدوء، وبدأ يأكل وهو يقول دون أن ينظر لها: كلي من طبقك بس يا حاجة...

ثم رفع عينيه إليها بثبات: مش إحنا اتفقنا كل واحد يخليه في حاله؟ ببقي خلاص أنا ومراتي أحرار.

حاول عزت كسر حدة التوتر، فغير مجرى الحديث إلى موضوع آخر، في محاولة إعادة الأجواء إلى طبيعتها...

ابتسم وقال بخفة: ده أول مرة تحضري العشاء معانا من وقت ماجيتي يا مي.

ردت بخجل: اه كنت بتعشى أنا ورشدي فوق.

سألها عزت: وانتِ مبسوطة هنا؟

تناولت لقمة، وقالت بنبرة خافتة: اممم، بس القصر الصبح بيكون فاضي خالص وبزهق.

عزت بهدوء: ما احنا بنكون في المجموعة علشان عندنا شغل مهم الفترة دي.

ابتسم طه وسألها بلطف: والدك عامل إيه دلوقتي؟ أحسن؟

ابتسمت ابتسامة لطيفة: الحمد لله بخير، أحسن كتير.

فايزة بنبرة استقراطية: أنا بعتله بوكيه ورد، المفروض يحصل زيارة بس الفترة دي مشغولين في افتتاح المصنع الجديد.

مي بتفهم: آه طبعا فاهمة رشدي قالي، علشان كده أغلب الوقت مش موجودين في القصر، ربنا يعينكم.

وفجأة رفع رشدي شوكته تجاه فم مي قائلا: حبيبتي افتحي بوقك، وخدى مني دي!

نظرت له مي بخجل وتردد، لكنه أصر بابتسامه استفزازية، فهو يعرف جيدا كم تنزعج فايزه من هذه الأمور: يلا افتحي بوقك، مكسوفة ليه؟ يلا يا حبيبتي...

تناولت من يده على استحياء، بينما تابعت فايزه طعامها وهي ترمقهم بضيق، ولكنها آثرت الصمت، فهي تعرف أن رشدي سليط اللسان.

ضحك عماد علي الموقف رغما عنه، ثم تنحنح، ونظر إلي مي بابتسامه خبيثة قائلا: منورة السفرة والله يا مدام مي، إن شاء الله الفترة الجاية نقعد كلنا مع بعض، ونتعرف عليكي أكتر.

رفع رشدي عينه، وقال بطريقته المعتادة: وهي مش عايزه تتعرف على حد.

رفعت مي عينيها نحوه باحراج، وكأنها تقول: عيب كده!

لكن رشدي ابتسم، ورد علي نظرتها بسخرية: لا ده ثعلوب، إحنا واخدين على كده مع بعض ودي طريقتنا.

ثم نظر لعماد: صح يا عمده.

اومأ عماد بضحة سمجه: اه طبعا يا رش رش.. 

ثم تابع بخبث، وهو يلتقط مافي شوكته: طب بالله عليكي يا مدام مي احضرينا، مش من حقي يبقي عندى فضول أعرف أكتر عن البنت اللي خلت رشدي يتغير كل التغيرات دي؟

أومأ طه برأسه بتأييد: فعلا، محدش كان يتوقع خالص إن رشدي يتغير بالسرعة دي، حقيقي انتِ عملتي المستحيل.

أكمل عماد حديثه بشيطانية متعمدة: كفاية حوار إدمانه بس، أحنا حاولنا نقنعه كتير يبطل وكان بيرفض، فكنت عايز أفهم أزاي أقنعتيه يبطل من غير مايروح مصحة؟!

اتسعت عينا رشدي بشكل صادم، حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وتسارعت دقات قلبه بعنف، بينما توقفت اللقمة في فمه، عاجزا عن بلعها أو حتى النطق، فهو لم يتوقع ان يفعل عماد ذلك وبتلك الطريقة.

ساد صمت ثقيل على الطاولة، ونظر الجميع نحو مي، بنظرات مثقلة بالتوتر والترقب، بينما كانت هي تنظر لعماد بتعجب، وكأنها لم تستوعب بعد ما قيل!!

لكن عماد لم يتوقف، بل استرسل بنبرة أخبث، بدت وكأنها عفوية، لكنها كانت مقصودة، تحمل انتقاما واضحا: أصل عندي صاحب زيه مش عايز يدخل مصحة، والهيروين من أكتر الحاجات اللي لازم المريض يدخل مصحة، فأزاي خليتي رشدي يبطل؟

ثم أضاف بابتسامة رجل يعلم أنه أصاب هدفه بدقة:
ده طبعا غير التغييرات التانية بقى بتاعت البنات والسهر والشرب وكده، لا بجد احكيلي عملتيها أزاي؟

قال كلماته الأخيرة وهو يتناول ما في شوكته ببرود، وكأنه أنهى ما أراد قوله، وجلس ينتظر النتيجة مستمتعا بالاضطراب الذي أشعله حوله.

حدق فيه رشدي بصدمة، وعيناه تتلألآن ببريق مختلط بين الخوف والغضب؛ فقد وضعه في موقف لا يحسد عليه، تاهت أفكاره، ولم يعد يدري ماذا يفعل، أو كيف يخرج نفسه من هذا المأزق الذي وضع فيه فجأة.

أما سليم، فقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، تحمل قدرا من الشماتة الخفية فلم يتوقع أن يرد عماد بتلك السرعه وبتلك الطريقة الخبيثة.

أما ماسة فكان لها شعور آخر تماما، نظرت إلى مي بحزن عميق، بعينين تحملان فهما موجعا لما تمر به، كانت تعرف جيدا معنى أن تطعن في من تحب وتنخدع فيه، إحساس يكسر شيء بداخلك يصعب ترميمه، لكن هذه المرة مختلفة؛ هذه ليست كذبة يمكن أن تكتشف، ولا وهما قد تستيقظ منه، هذه حقيقة، وحقيقة الخذلان أكثر قسوة.

أما مي فكانت لاتزال مصدومه مما سمعته، وتحاول استيعابه.

تنحنحت وتحدثت أخيرا، وهي تتساءل بارتباك متلعثم، والكلمات تخرج منها بصعوبة: هيروين إيه، أنا مش فاهمه حاجه؟!

كانت عينا رشدي تتركز على عماد بغضب جز على أسنانه وقبض على كفيه، صامتا، مدركا حجم الموقف.

بينما مي من جانبها، بقيت مصدومة، تردد بصوت مهتز: انا مش فاهمه هو رشدي مدمن هروين؟ انت بتقول إيه؟!

وضع عماد يديه على فمه وقال بنبرة متوترة كأنه يحاول تصليح الموقف: شكلي لخبطت في الكلام ولا ايه، لا لا متاخديش في بالك، ده أنا بهزر معاكي..

تدخلت فايزة بسرعه، وهي تنظر لعماد نظره قاتلة: معلش يا مي عماد هزاره سخيف شوية، مفيش الكلام ده.

لكن مي لم تقتنع، نظرت إليهم بعينيها الحادتين: لا مش بيهزر، كان بيتكلم بجد، ولما لقيتوني مش عارفه بتحاولوا تغيروا الموضوع وتقولوا هزار.

حولت نظراتها نحو رشدي وقالت بنبرة شديد اللهجه: إيه موضوع الهيروين ده؟ أنت مدمن يا رشدي؟!

ابتلع ريقه، وبدأت ضربات قلبه تتسارع، قبل أن يقول بنبرة منخفضه بتوتر: أنا هفهك..

اتسعت عينيها بصدمه: تفهمني؟! يعني كلامه صح؟! 

هبطت دموعها وركضت لأعلي، فنظر لعماد الذي ارتسمت على وجهه ابتسامه خبيثه بغل: وحياة أمي لأعرفك يا عماد...

ثم هرول خلفها مسرعا: مي... مي... اصبري!

بينما التفت طه إلي عماد معلقا: إيه اللي أنت عملته ده!!

عماد بتصنع البراءه: أنا معرفش، كنت فاكر إنه قالها...

رمقته فايزه بنظره يفهمها جيدا: الأسلوب اللي اتبعته ده مش محترم خالص! وميليقش بواحد زيك يا عماد، اللي انت عملته ده اقل ما يسمى بيه انه أسلوب سوقي ميطلعش من واحد جنتل مان زيك.

نظر نحوها وقال تصنع: اسلوب ايه يا هانم انا مش فاهم قصدك؟!

ارتسمت على شفتيها نصف ابتسامه ونظرت داخل عينه، وقالت بنبرة هادئه لكنها مهيمنه: أنت فاهم كويس انا اقصد ايه؟!

تدخل سليم بهدوء: رشدي غلطان برضو، كان لازم يقولها، لأنها كده كده كانت هتعرف في يوم من الايام.

عزت معارضا: بس الأفضل مكانتش تعرف بالطريقة دي...

هز رأسه قائلا: دي نتيجة أفعاله، أنا قولتله كتير يعرفها ومسمعش كلامي.

تنهد عزت بملل: خلاص اللي حصل حصل، خلينا في المهم عندنا حاجات اهم من رشدي ومي..

ثم نظر نحو سليم، وأضاف بجديه: خد بالك، يوم الأحد مش عايز غلطه في افتتاح المصنع.

ارتسمت على شفتيه ابتسامه تحمل في طياتها الكثير: متقلقش يا باشا، دى هيبقي يوم عالمي!

وعاد الجميع لتناول الطعام مره أخري، وكأن شيئا لم يحدث.

أما عند رشدي ومي

دخلت مي غرفتها وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح ثم عادت بظهرها للخلف، والدموع تتساقط بغزارة على وجهها.

حاول رشدي فتح الباب ومنحها فرصة للاستماع إليه، لكن قلبها كان مثقل بالصدمة؛ لم تستوعب ما عرفته للتو، رغم أنها كانت على دراية ببعض مظاهر ماضيه المظلم، شرب الخمور، معاشرة النساء، وربما أشياء أكبر، لكن إدمانه للهيروين كان صدمة حقيقية، كانت تبكي بحرقة، والوجع يقتحم قلبها.

فيما وقف رشدي خلف الباب، قلبه مثقل بالندم، والدموع تلمع في عينيه... نعم، ذلك القلب الأسود الحاقد، الذي اعتاد ألا يهمه شيء، عيناه الآن ممتلئا بالدموع، ويده ترتجف من ثقل الوجع داخل قلبه، يترجى مي أن تفتح الباب، وتستمع له لعله يستطيع أن يجعلها تسامحه.

رشدي بنبرة متوسلة: مي علشان خاطري افتحي... اديني بس فرصة أشرحلك، والله العظيم كنت عايز أقولك من أول لحظة بس خوفت تمشي وتسبيني. 

التقط انفاسه وأكمل بلهفه يحاول إقناعها: والله حاولت أبطل علشانك يا مي، ونجحت وقللت الجرعة، بس معرفتش أبطل خالص.

صمت لحظه، وتابع بتوسل وندم: أنا عارف إنه كان لازم تعرفي وإني خيبت أملك، بس أنا عايزك تسمعيني مرة واحدة وبعدها اعملي اللي أنتِ عايزاه...

كانت تستمع له بدموع، ويديها على فمها تحاول كتم الصرخة، بينما وجع قلبها يفتك بأعماقها ويعصف بها. 

جلست على الأرض، تضم قدميها، ودموعها تنهال بصمت، لكنها بدأت تعلو رغما عنها، كأن الحزن يريد أن يخرج كله دفعة واحدة.

بينما استرسل رشدي دون توقف برجاء وآسف: أنا آسف يا مي، عمري ماعتذرت لحد، وأنتِ الوحيدة اللي أقدر أعتذرلها، لو سمحتي افتحي...

صمت للحظه يجمع شجاعته، ثم استمر بصوت مكسور: صدقيني، اللي حصل تحت مكانش صدفة، هو كان قاصد يضايقني، علشان يبعدك عني، وموضوع الإدمان والله العظيم حصل غصب عني، اتحطيت فيه غصب عني، واحده كانت بتحطلي مخدرات في الحاجات اللي بشربها وأنا مش واخد بالي، الموضوع كبير اوي.

كان صوته ينهار أحيانا، لكن عزيمته على طلب السماح كانت تتألق في كل كلمة: افتحي يا مي، دقيقة واحدة بس، اديني فرصة أشرحلك، وبعدها اعملي أي اللي أنتِ عايزاه، بس افهميني.

لكنها لم ترد، ولم تغفر، وصل إلى أذنه أنينها، فاشتعل وجهه بالغضب والوجع، واسودت عيناه من شدة الانفعال. 

لم يستطع كبح شعوره بالكراهية تجاه عماد، ذلك الوغد الذي فضحه أمامها بتلك الطريقة الحقيرة، اجتاحه شعور واحد: سيقتل عماد ويتخلص من سمومه وشره.

ضرب الباب بغضب، ثم اندفع مسرعا إلى الأسفل، قلبه مثقل بالغضب والخذلان، وعيناه تلمعان بوميض الانتقام والألم.

علي السفرة.

كان الجميع لا يزالون يتناولون الطعام، كأن شيئا لم يكن، وفجأة اقتحم رشدي المكان، صائحا بنبرة رجولية جهورة: عماااااااد!

فجأة قفز عليه كما يقفز الفهد على فريسته، ووجه له لكمه صارخا: هقتلك يا ابن الكلب! مش هسيبك دقيقة واحدة عايش!

ركض عزت وطه بسرعة محاولين الامساك به لكنهم لم يستطيعان فغضب رشدي قد اكسبه قوة غيريبة، فاقت كل من حوله. 

أما سليم وماسة فوقفا متفرجين، يتبادلان نظرات مبطنة بابتسامة خبيثة. 

تدخلت صافيناز محاولة إبعاد رشدي: ابعد إيدك عنه!

لكن رشدي دفعها بقوة إلى الخلف، وواصل توجيه لكماته لعماد الذي حاول الدفاع عن نفسه، فبادله بعض اللكلمات هو الآخر.

دفعه عماد بعيدا فسقط رشدي على السفرة ووقع على الأطباق، فأمسك طبقا وضربه على رأس عماد، فجرح ونزفت رأسه.

صرخت فايزة وصافيناز من الرعب عندما رأوا الدماء تتدفق على وجه عماد.

صرخت فايزه: الحقهم يا سليم هيموتوا بعض.

صرخ عزت وهو يدفعه: كفايه جنان بقي.

في تلك اللحظه ركض سليم نحوهما، امسك رشدي من ظهره ودفعه بعيدا قائلا بغضب تمثيلي: ايه اللي أنت بتعمله ده يا رشدي؟ أنت اتجننت! امسكه يا باشا! ده اتجنن.

حاول طه وعزت تثبيت رشدي، بكل قوتهم.

وقفت فايزة عاجزة عن السيطرة على الوضع، فيما اكتفت ماسة بالمشاهدة، بينما اندفعت صافيناز نحو عماد تحاول إيقاف نزيفه.

صرخ رشدي بغضب وهو يحاول التملص منهم: سيبوني اموته! الحيوان الخبيث ده، اللي بيعمل كل مصيبة من تحت لتحت.

أضاف بوعيد: بقي أنا تعمل معايا كده؟ وحياة أمي ما هسيبك!

نظر سليم لعماد وقال بخبث قاصدا إشعال الأمر أكثر: الصراحه يا عماد عنده حق، مكانش ينفع تقول لمراته إنه مدمن، ما إحنا عارفين إنه مقلهاش، كان لازم تاخد بالك.

حاول رشدي التملص وهو يصيح: أنت بتكلم مين يا سليم، دى وسخ، وكان قاصد كل كلمه قالها، والله لأقتله.

دفعه سليم قائلا: بطل جنان تقتل مين؟ أكيد عماد مكانش يقصد، ولا أنت كنت تقصد يا عماد؟

نظر له عماد باستهجان: هو اللى بدأ الأول، أنا برد على وساخته معايا.

نظر إليهما بخبث أكبر: هو انتوا أصلا بينكم حوار؟! طب بتنكشه ليه يا رشدي، ما أنت عارف عماد مبيسكتش...

ثم أضاف بمكر ولؤم: بس برضو يا عماد الحركه اللي انت عملتها وحشه اوي، متطلعش من حد جنتل مان زيك مهما حصل. 

كانت ماسة تضع يديها على فمها تحاول كتم ضحكتها بصعوبة، مدركة أن سليم يشعل نيران الغضب بينهما أكثر.

تابع سليم بهدوء خبيث: عموما رشدي بدأ وعماد رد، نقفل بقى الموضوع على كده، احنا عيلة، والمسامح كريم. 

رشدي بوعيد: والله هقتلك يا عماد وهتشوف!

سليم بحزم: يا ابني بطل بقي، ايه يا باشا انت هتفضل واقف متفرج كده.

ثم وقعت عينه على السكاكين، فأشار بيده: وبعدين شيلوا يا جماعة السكاكين دي من هنا، رشدي متهور ومنقدرش نتوقع رد فعله، كفاية فتح دماغه...

في تلك اللحظة، لم تستطع ماسة كتم ضحكتها فانفجرت ضاحكة بصوت عالي؛ فهي تعلم في داخلها أن سليم يفعل ذلك عمدا ليشعل غضب رشدي أكثر، ودفعه للتهور والإمساك بالسكين وقتل عماد.

التفت فايزة على صوت ضحكتها، وصاحت بنظرة حادة: بتضحكي على إيه؟

ضحكت ماسة بسخرية: أصلكم عيلة مناخوليا بصراحة، فطبيعي أضحك على اللي بيحصل ده.

فايزة بحدة: ماسة، متنسيش نفسك.

ردت ماسة بابتسامة جانبيه شامته: يا ستي منسيتش، بس والله المشهد يضحك، سبحان الله حقي بيجيلي من غير تعب، بصي هو اللهم لا شماتة..

ثم ضحكت وأضافت: بس أنا بصراحه شمتانة!

عزت بضيق: سليم شوف مراتك، مش ناقصينها!

التفتت لها سليم وأعطاهم ظهره، ثم غمز لها بخفة وقال بخشونة متصنعه: هو أنتِ مش طفحتي؟ يلا على أوضتك، بتشتمي في أخويا اللي بيدافع عنك يا واطية؟ غوري من هنا، يلا!

رفعت حاجبها ببرود: حاضر، طالعة.

وقبل أن تبتعد، مدت يدها وأخذت تفاحة من على الطاولة، وبدأت تأكلها وهي تتحرك بخطوات هادئة، وتدندن بسخرية لاستفزازهم: قولوا للي أكل الحرام يخاف، بكرة اللي كله يفسده، يا با الغني بالحرام لو شاف ابن الحلال يحسده، ناس بتعبي في شكاير، مآسي ومعاصي وخساير، مين باع ضميره ده ماله، مهما يستف في ماله... مصيره مستقصده

ثم ابتسمت بخبث: يا رب يجعلكم نصيب من نهاية المسلسل.. يابعده

وأثناء ذلك، استغل رشدي انشغالهم مع ماسة، ودفع عزت وطه بقوة، وذهب ينقد على عماد من جديد، وفي نفس اللحظة، اندفع شوقي إلى الداخل وهو يلهث: الحقنا يا رشدي بيه مصيبه!
الدنيا اتقلبت فجأه على رشدي، تفتكروا هيقدر يقف ضد كل ده؟ توقعاتكم


                 الفصل الثلاثون من هنا 


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة