
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم ليله عادل
{ أحيانا الوقوف مع أشخاص نحبهم أو نشفق عليهم يجعلنا ندفع ثمنا لم نحسب حسابه، فنندفع، ونتجاوز حدودنا، ونفعل أشياء بدافع الوفاء أو الطيبة، ثم يأتي الندم متأخرا.}
الفصل الوحد والعشرين 🤫♥️
[بعنوان: على حافة الإندفاع]
اقترب محمود، والغضب يتخبط في صدره، أخرج المطواة من جيبه، وأحكم قبضته عليها، عاقدا العزم أن ينفذ ما جاء من أجله، لكنه تراجع فجأة متمتما بصبر منعدم: هدي نفسك يا أسطى؟ واستنى لما يطلع ويمشي واطلع خدهم على رواقه، وبعدها نبقي نفضي له..
هز رأسه موافقا، وأغلق المطواة، وتراجع بهدوء، بينما واصل مصطفى خطواته دون أن يلحظ شيئا.
توقف امام الباب وطرق، في الداخل جلست آلاء وإنهار في الصالة، أمامهم ساندوتشات وبعض الأدوية موضوعة على الطاولة
آلاء بفزع: يا لهوي ياما، مين ده؟
رفعت أنهار رأسها: يمكن يكون مصطفى.
آلاء بتوتر: أنا هبص من العين السحرية.
نهضت ووضعت طرحتها على راسها، اقتربت من الباب ونظرت عبر العين السحرية، وما إن رأت مصطفى حتى تنفست براحة، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها.
فتحت الباب، فقال مصطفي بابتسامه: صباح الخير.
آلاء بابتسامة: صباح النور، اتفضل يا دكتور.
تحرك مصطفى إلى الداخل وهو ينظر لها باهتمام: عاملة إيه النهارده؟ نمتي كويس؟
أومأت برأسها: احسن، والله محستش بنفسي اخدت الدوا ونمت.
دخل الصالة والتفت إلى أنهار: السلام عليكم، إزيك يا حاجة؟ عاملة إيه؟
أنهار بحنان: الحمد لله يا ابني، تعالى افطر معانا.
مصطفى معتذرا: لا، أنا سبقتكم.
جلست الاء وهي تتساءل: كلمت المحامي؟!
جلس على الاريكه: اه كلمته، بس مرضتش احكيله حاجه غير لما نقعد مع بعض كلنا والكلام يبقى قصادكم.
انهار بارتباك: طب كلموا يا ابنى خلينا نشوف هنعمل إيه.
اوما برأسه: حاضر .
اخرج هاتفه وبدا بعمل مكالمه: ألو، صباح الخير يا أحمد، عامل إيه؟
جاء صوت أحمد من الطرف الآخر هادئا، يحمل نبرة اعتذار واضح: الحمد لله، معلش يا مصطفي، امبارح كنت في عزا ومعرفتش اكلمك خالص.
مصطفى بتهذب: حصل خير.
صمت أحمد لحظة قصيرة، ثم قال بهدوء واهتمام: طب خير فيه إيه، قولت إن فيه مشكله كبيره، إيه إللى حصل؟!
تنفس مصطفى بعمق قبل أن يقول: في بنت تهمني، أخوها عايز يجوزها غصب عنها عرفي لراجل كبير في السن علشان مداين ليه، أخوها نفسه مش مظبوط، وشكله سوابق، ولما هي رفضت نزل فيها ضرب، فإيه الإجراء اللي نعمله دلوقتي؟
أحمد بتوضيح: والله يا مصطفى في كذا حل، بس مادام الواد سوابق، الواحد ميضمنهوش.
مصطفى بسرعة: طب قولي الحلول، أنا هفتح الاسبيكر علشان يسمعوك.
فتح الاسبيكر، وانتبهت آلاء ووالدتها للحديث.
مصطفى: يلا يا أحمد قول أنا معاك.
بدأ أحمد بترتيب أفكاره: أول حاجة، لازم تعمل محضر عدم تعرض، وانت اكتبلها تقرير بالحالة اللي هي جت المستشفي بيها، ومفيش مانع لو زودت شويه من عندك أنت فاهمني..
اومأ مصطفي: ماشي، سهله، وبعدين؟
صمت أحمد للحظه ثم قال بأسف: بس المشكلة إن الناس اللى من نوعيه الواد دى مبيخافوش وبتوع مشاكل، فدى يخلي رد فعله مش مضمون، والله أعلم ممكن يعمل فيها ايه، مستبعدش انه ممكن يحاول يقتلها..
شهقت أنهار مؤكده بخوف: والله يعملها! ده حالف ليموتها لو متجوزتوش!
تساءلت آلاء بصوت مكسور، محاولة إدعاء التماسك: يا ماما اصبري، خلينا نسمع، يعني يا استاذ أحمد أنا بعد ما اعمل محضر عدم التعرض، لو حصل حاجة هيتجاب ويتحبس..؟!
أجابها مؤيدا بتوضيح: مظبوط، بس وقتها الله اعلم هيكون عمل فيكي ايه؟! انا بصراحه بحس المحاضر دي مع الاشكال اللي زي اخوك ملهاش لازمه.
تساءلت آلاء بحيرة، وهي تدلع جبينها بتعب: طب مفيش حل تانى غير المحضر؟!
أجابها بتوجيه: لا فيه، إنكم تمشوا من المكان اللي هو ساكن فيه.
تنهدت آلاء بتعب وحيرة: نمشي نروح فين بس يا ربي؟!
ثم أضافت بترقب: طيب هو أنا مينفعش أرفض؟ أنا عندي 22 سنة.
أجابها موضحا: ينفع قدام المأذون ترفضي، وتعملي محضر زي ما قولتلك، بس إحنا خايفين من رد فعله،
فالاسلم إنك تروحي تستخبي عند حد الفترة دي، وتديله فلوس علشان يسكت، مادام هو كل اللي فارق معاه الفلوس، المشكله انه هيفضل يطلب كل شويه، ومش هنخلص..
بلعت آلاء ريقها وقالت بنبرة مكسورة: أنا معنديش حد اروحله، ولا حتى معايا فلوس، والناس اللي أعرفهم هو عارفهم، ومش هيقفوا معايا، ده عامل مشاكل مع ناس كتير، وبيخافوا منه..
تدخل مصطفى قائلا جدية حامية: طب ما تفضلوا عندى هنا، هما اصلا بايتين في شقتي من إمبارح يا أحمد؛ لأن خوفت اسيبهم ليعمل فيهم حاجه.
اعترض أحمد فورا: ماشي يا مصطفي بس هيقعدوا عندك لحد إمتى؟ وبعدين الواد ممكن يعرف، وساعتها يتقال عليكوا ألف كلمة، أو يتبلي عليكم ويبوظ سمعتكم انتم الاتنين.
مصطفى بصدمه: معقوله توصل بيه إنه يسوء سمعة اخته، ويتبلي عليها؟!
أحمد بثبات: عيل بالتفكير المقرف ده يعمل أكتر من كده، انت راجل عايش لوحدك، وهي قاعدة عندك؟ منتظر يتقال ايه؟!
شهقت أنهار: يا نهار أسود، ده أنا قاعده معاهم يا ابني! أنا أمها!
احمد: برضو يا حاجة، ممكن يتدعي عليكي ويقول إنك بتظبطي لهم القعدة، معلش اعذريني بس دى اللى بنشوفه كل يوم.
أنهار بصوت مرتجف: منه لله، والله يعملها، اللي يرضى يجوز أخته عرفي يعمل أكتر من كده، طب بالله عليك يا ابني دلنا نعمل إيه؟
أحمد بحزم: الأفضل تروحوا مكان تستخبوا فيه زى ما قولتلكم مؤقتا على الأقل، لحد ما نشوف الدنيا هترسي على أيه..
زفر مصطفي بضيق: طب معلش يا أحمد، تعالى نفكر في حل تانى، أكيد فيه حاجه تانيه ممكن نعملها غير إنهم يعيشوا هربانين يعني؟!
وأخذوا يتبادلون الأحاديث والمناقشات بمشاعر مضطربة، محاولين إيجاد حل للمأزق الذي وضعوا فيه.
❤️___________________بقلمي ليلةعادل
في أحد الكافيهات الهادئة، 1:00 ظهرا.
كان سليم لا يزال جالسا يدخن سيجارته ببطء، وكل بضع دقائق ينظر في ساعته وهو يزفر باختناق، ويهز قدمه بغضب، وفي اللحظة نفسها اقترب منه مكي.
رفع عينيه إليه، قائلا بحدة مكتومة: كل ده؟
سحب المقعد وجلس أمامه موضحا: كنت بخلص الحاجات اللي كنت محتاج أظبطها، وفرغت مكالمات رشدي اللي عملها النهارده، والحاجات اللي اتسجلت في المكتب، محبيتش اجيلك وإيدي فاضية، أومال فين ماسة؟
تنهد موضحا وهو يعود بظهره على المقعد: عند الدكتور، المهم وصلت لايه؟ قولي.
تنهد مكي قائلا: بص، رشدي النهارده مطولش، ومشي بعدك بحوالي 10دقائق، سمعت كل مكالماته، مفيش حاجة غريبة خالص كلها شغل وكلام مع خطيبته.
توقف لحظة، ثم أضاف: ماعدا مقابلته مع ياسين في مكتبه، قولت لازم تسمعها بنفسك.
أخرج هاتفه وبدأ في تشغيل الحوار الذي دار بين ياسين ورشدي، وبعد انتهائه نظر سليم إليه باستغراب، فالحديث الذي دار بين رشدي وياسين غير الذي قالته ماسة!!!
فرشدي قال في التسجيل إنه كان يطلب منها ألا تحكي أي شيء عما حدث بينهما قديما، حين تحرش بها حتى لا تنزعج مي، وكان يعتذرلها عما حدث.
أما ماسة فقالت أنه جاء لتحيتها، بعد طول غياب، وأراد تعريفها بمي!؟ فلماذا قد تخفي عليه حديثه عما حدث قديما إلا إذا كان كلاهما يكذب ويخفي شيئا ما!!
أغلق مكي التسجيل وقال بتلقائية حماسيه: شوفـت بقى؟ إن مفيش حاجه كبيره، وإنك مكبر الموضوع على الفاضي، حتى الجامعه أنا روحت وفرغت كل الكاميرات، وعرفت من عشري الأيام اللي ماسة راحت فيها، وقارنتها بالأيام اللي رشدي كان موجود فيها في الجامعة، لقيت إن رشدي راح الجامعة مرتين، وكانت ماسة موجودة فعلا بس مفيش أي حاجة لقطتهم مع بعض.
ضحك سليم ضحكة عالية نافيه بثقه: وحياتك أنا دلوقتي اتأكدت إن في حاجة كبيرة اوي إحنا مش لامسينها...
مال للامام موضحا: أنا سألت ماسة لما شوفته معاها في المكتب، قالتلي"كان بيسلم عليا وبيتفق معايا نخرج ويعرفني على مي" ورشدي على النقيض قال " كنت بعتذرلها على موقف التحرش وبقولها متجبش السيرة دى قدام مي" !!
رفع حاجبه متسائلا بهدوء حذر: إيه إللى هيخلي كل واحد فيهم يقول كلام عكس التاني، ولو فرض ماسه قالت لى كلام ونسيت الباقي، إيه إللى يخلى رشدي يستغل لوجين علشان يستفرد بماسه لوحدها علشان يقولها متقولش لمي؟!
هز رأسه بيقين: أنا كان جوايا شك إن فيه حاجه كبيره بينهم، بس دلوقتي اتأكدت، ولازم اعرف ايه اللى مخبينه..
صمت مكي، وضيق عينيه كأنه يفك طلاسم كلمات متقاطعة، عقله كان يعمل بسرعة، يربط الخيوط ببعضها قال ببطء: يعني رشدي كان بيشتغل ياسين؟ وماسة كانت بتشتغلك أنت؟ كل واحد فيهم حكي حاجة، غير التاني خالص!!
ابتسم ابتسامة صغيرو، وضرب على الطاولة بكفه ضربة حاسمه: بالظبط كده
ساد الصمت لحظة ثقيلة، أخرج مكي سيجارة وأشعلها، وسحب نفسا عميقا كأن الدخان يساعده على ترتيب أفكاره، نفثه ببطء، ثم تساءل بصوت مسموع: إيه يعني اللي ممكن يكون بينهم؟!
سليم بعصبية مكبوتة: معرفش، وحقيقي، أنا بدأت أتعصب.
مال مكي تجاهه، قائلا بستهجان: طب بقولك إيه، ما تحاول تضغط عليها شوية، وتجبرها تحكي
هز رأسه برفض هادئ، هدوءه متناقض مع النار التى داخله: مش عايز أرجع تاني يا مكي أتعامل معاها بخشونة، أنا مصدقت أطلع من الدايرة دي.
نفخ دخان سيجارته بعناد: يا عم أنت مش بترجع ولا حاجة، أنت بس قولها إنك كنت بتراقب رشدي، ولما التسجيلات اتفرغت، طلعت غير اللي هي قالته واسألها على بلاطة "في إيه؟ مخبياه عليا ؟!"
انخفض صوت سليم، وكأن الكلمات نفسها ثقيلة على صدره: خايف، خايف أخسرها، وأنا متعصب ممكن معرفش اسيطر على نفسي، ونرجع تانى لنقطه الصفر، أنا ما بصدق علاقتنا تتحسن شويه.
نظر له مكي متأثرا وقال بهدوء: طب كلم الدكتور واسأله.
هز رأسه نافيا: مش هينفع، هي هناك.
فكر مكي لحظة قبل أن يرد: خلاص، لما تمشي ابقى اسأله، وشوف هيقولك تتكلم معاها إزاي، حتى لو هتاخد حاجة مهدئة.
ساد صمت قصير، ثم عاد السؤال يلح عليه مرة أخري: بس برضو، إيه اللي ممكن يكون ما بينهم؟ أصلها استحالة تكون حاجة قديمه، إحنا بنتكلم في حوالي سنتين
زفر سليم بعمق، وكأن الزمن نفسه يحاصره: سنة وست شهور مشافتهمش، ولما ظهرت مقابلتش حد فيهم، يبقى أكيد اللي ما بينهم قديم.
توقف لحظة، ثم قال باحتمال مقلق: تفتكر ممكن تكون حاجه ليها علاقة بهروبها؟! يمكن هو اللى ساعدها تهرب مثلا؟!
نفى مكي برأسه بسرعة: مرتين الهروب كانت سلوى اللى مساعدها، وبعدين رشدي هيساعدها إزاي وليه؟
قبض سليم على فكه بضيق وغضب مكتوم: دماغي هتنفجر يا مكي مليون سؤال في دماغي ملهمش إجابة!!!
مكي بهدوء حاسم: أنا من رأيي تواجهها بكل دى وتخليها تتكلم، هي ليه مش عايزه تحكيلك أصلا، مش أنتم دلوقتي كويسين مع بعض، ايه يخليها معانده ومش راضيه تريحك طيب وتقولك في ايه؟!
هز رأسه بحيرة: مش عارف، ومش حاسس انه عند، حاسسها ساكته خوف، رودو أفعالها مؤخرا ديما مرتبكه ومتوتره وخصوصا لما بنفتح سيرة الموضوع دى!!
ثم تنهد قائلا وكأن القرار يثقل عليه: أنا هكلم الدكتور وأشوف هيقولى ايه، وأنت زود المراقبه رشدي أكتر، في حاجة جديدة بخصوص عثمان.
مكي مفسرا: حطيتله جهاز تتبع في العربية، وهكرت تليفونه، وشوفت حساباته في البنوك، طبيعية.
رفع سليم عينه بتركيز حاد: شوف حسابات أهله، مش حساباته هو بس، ممكن يكون عامل حساب فيك باسم تاني، داخل في حاجة فيها غسيل أموال عشان اسمه داير.
أومأ مكي بإصرار: أكيد هدور، اهدى أنت بس، وكله هيبقي تمام.
اومأ له وأخذوا يتبادلون العديد من الأحاديث، حول مواضيع عديدة، حتى تنتهى ماسه من جلستها مع الطبيب.
منزل مصطفى، 1:00 ظهرا.
كانوا لا يزالون جالسين يناقشون جميع الحلول الممكنة، لكنهم لم يتمكنوا من التوصل إلى حل مرضٍ، فتنهد مصطفى قائلا: أنا شايف إن اسلم حل إنهم يفضلوا هنا مؤقتا، ونعمل محضر عدم التعرض دى ونشوف هيحصل إيه، وأنت برضو يا أحمد حاول تفكر في أي ثغرة أو حل تاني لازمه دى غير اللى اتكلمنا فيهم.
أحمد متنهدا: ماشي يا مصطفي بس صدقني هي ملهاش حلول تانيه غير اللى قولتها، وقعدتهم في شقتك مش حل خالص، بس حاضر هفكر تانى ولو وصلت لحاجه هبلغك، وانت برضو لو جد اى جديد بلغني، سلام.
مصطفي: ماشي سلام.
ثم أغلق الخط، ونظر إليهم بأسف واضح.
نظرت إليه آلاء بخوف وعينين ترقرق بالدموع: أنا هاخد ماما وأمشي نشوفلنا أي مكان نروحه، مش عايزين نعملك مشاكل، كتر خيرك أوى على كل اللى عملته معانا.
مصطفى بنبرة هادئة: هتمشوا تروحوا فين يا آلاء بس اهدي، وبعدين أخوكي هيعرف عنواني منين؟! وحتى لو عرف معتقدش الموضوع هيوصل لدرجه انه يسوء سمعتك يعني، أنت مهما كان أخته ومحسوبه عليه، أحمد كان بيتكلم في أسوء السيناريوهات بس علشان نحط كل الاحتمالات والحلول قدامنا..
انهار بصوت مرتجف: بس هو مدناش حلول، ده خلانا نخاف أكتر يا ابني، كأنه حط على الجرح ملح.
تنهد وقال مدافعا عن صديقه: المحامين لما بييجوا يتكلموا، لازم يتكلموا بالطريقة دي، ويعرفك أسوأ الاحتمالات، بس هو هيلاقي حل، وبعدين هو ادانا حل، وقال نديله فلوس، وإحنا مش هينفع نديله فلوس، حتى لو معانا؛ لأنه مش هيبطل وأكيد المبلغ اللي اتدفعله كبير، مش صغير..
صمت لحظة، ثم أكمل بثبات: بصوا خلونا نهدى، وإن شاء الله هنلاقي حل، أنا هنزل دلوقتي أروح المستشفى أجيب التقارير، وأظبطلك كل حاجة، وأنا كده كده شاهد على اللي حصل.
نظرت له آلاء بعينين ممتلئتين بالياس: أحنا بنضحك على نفسنا، مفيش حل، دى نصيبي وقدري خلاص ومفيش مفر منه.
رد عليها بسرعة، رافضا نبرة اليأس: بلاش اللهجة دي يا آلاء، إن شاء الله هتتحل، ما ضاقت الا ما فرجت، وربنا كبير.
ثم نهض، قائلا: أنا هقوم امشي بقي، أنا بس جيت أطمن عليكم واشوف لو محتاجين أي حاجة؟
تنهدت الأم بتعب: شكرا يا ابني، إحنا بس محتاجين نرتاح ونعرف هنعمل إيه.
رد وهو مستعدا للمغادرة: إن شاء الله محلولة يا حاجة، ارمي تكالك على الله، وقولى يارب، عن إذنكم.
انهار بدعوه: ربنا ما يوقعك في ضيقه ابدا يا ابني ويستر طريقك قادر يا كريم.
غادر مصطفي وأغلق الباب خلفه، فعم الصمت المكان، تنهدت آلاء ونزعت حجابها وجلست بانهاك على الأريكه، فربتت أنهار على كتفها بحنان: متخافيش يا آلاء إن شاء الله هتتحل يا بنتى، قومي نصلي ركعتين وندعي ربنا يفرجها.
هز رأسها إيجابا بصمت وحزن يثقل قلبها: يارب يا ماما يارب.
في الأسفل
خرج مصطفى من باب العمارة، وكان محمود لايزال واقفا، وحين رآه أعطاه ظهره وراقبه بطرف عينه، وانتظر حتى رأى مصطفى يدخل سيارته، فابتسم ابتسامة خبيثة، وركض سريعا إلى داخل العمارة، أخرج ورقة، تأكد من رقم الدور، ثم طواها ورماها، وصعد السلم بخطوات متسارعة.
توقف أمام الباب وطرق عليه بعنف.
في الداخل، كانت آلاء جالسة مع إنهار وهي تحاول مواساتها، وحينما تعالى طرق الباب، انتفضت آلاء بفزع، فقالت أنهار محاولة تهدئتها: هو أنتِ كل ما الباب يخبط هتنتفضي كده يا آلاء، لا حول ولا قوة الا بالله، دي عين وصابتك والله، قومي يا بنتى افتحي، تلاقي دكتور مصطفى رجع ناسي حاجة ولا محتاج حاجة قومي افتحي.
هزت رأسها، وأعادت الحجاب على شعرها، وتقدمت نحو الباب، وما إن فتحته حتى تجمدت في مكانها، واتسعتا برعب وعادت للخلف وهي تهمس: محمود!!
أنهار من الداخل: مين يا الاء؟
اندفع محمود إلى الداخل، ودفع آلاء جانبا وهو يقول بنبرة ساخرة: أنا يا ام محمود
وضعت إنهار يدها على صدرها: يا نهار اسود! أنت عرفت مكاننا منين؟
قال ببرود مهدد: امال كنتي فاكرني مش هعرف؟! ده أنتم لو في حجر التعبان هجيبكم، ولا فاكره اني هفضل متقرص وانتِ جيباها في شقه الواد اللى ماشيه معاه على حل شعرها، ايه جايه تظبطيلهم المرور ولا ايه؟!
وخلال كل ذلك، كانت آلاء تقف في زاوية كتمثال مكسور؛ الصدمة تشل أطرافها، والدموع تنهمر بصمت، وجسدها يرتجف خوفا وضعفا، تجمعت الدموع في عينها وانكمشت على نفسها بلا وعي، تهز رأسها برفض وعجز، وذاكرتها تعيد عليا مشاهد من الضرب المبرح الذي تلقته منه، وكأن ألم تلك اللحظة عاد إليها من جديد!!
صرخت أنهار في وجهه، وامسكته من قميصه: اخرص يا كلب، اختك أشرف من الشرف.
نفض يدها قائلا بسوقيه ساخره: شرف ايه يأم شرف، ورحمه ابويا لأوديها الوحده الصحيه واكشف عليها، واعرف بقى بنتك مش عايزة تتجوز ليه؟؟
قال كلماته تلك واندفع ويمسك آلاء من شعرها، قائلا ببحه رجوليه: يلا يا بت قدامي..
آلاء ببكاء يقطع نياط القلب: حرام عليك يا محمود، ايه اللى بتقوله دى، أنا مش كده، ومفيش حاجه من اللى بتقولها دى حصلت والله العظيم، حرام عليك سيبني في حالي ...
زمجر بسوقيه وهو يحكم قبضته على شعرها حتي كاد يقتلعه: حرمت عليكي عيشتك، دى أنا جايبك من شقته يا بت وتقولي لي حرام، دى أنا هطلع عينك انت وامك اللى ممشياكي على حل شعرك دي
شهقت أنهار واندفعت تحاول تخليص آلاء: اخرس يا عديم الربايه، عايز منها إيه تانى، أمشي من هنا وسبنا في حالنا بدل ما والله هصرخ والم عليك الناس.
أجابها بسخريه: وماله اصرخي، وخلى الناس تيجي تشوف فضيحة بنتك، ونروح كلنا على القسم وأنا اخليهم يكشفوا عليها هناك..
صرخت آلاء وهو يسحبها من ذراعها السليم، وانهارت تحاول انتزاعها من بين يده، وهي تصرخ: سيبها! حرام عليك! مش مكفيك اللى عملته فيها.
لكنه لم يبالِ؛ كان قلبه حجرا
على إتجاه آخر في سيارة مصطفي.
أدرك أنه نسي هاتفه، فاغلق السيارة وصعد ليجلبه..
اما عند آلاء فقد تعالى صراخها، وملأ المكان، فزمجر محمود وهو يجرها بعنف: اكتمي بدل ما اطلع روحك، بقي بتسيبي البيت وجايه تقعديلي في بيت راجل غريب، عايزين تفضحوني في المنطقة!
على السلم، كان مصطفى يصعد من جديد، وما إن سمع صراخ آلاء حتى اتسعت عيناه وتسارع في خطواته حتى وصل عند باب الشقه، فوجد محمود يمسك آلاء من شعرها، وهي تصرخ وتحاول الإفلات، وإنهار تحاول التفريق بينهما.
اتسعت عيناه بصدمه وركض وهو يصيح ببحه رجوليه جهورة: اوعى، ابعد عنها.
دفعه بقوه ثم امسكه من تيشيرته، ووجه له لكمة أسقطته أرضا.
أما آلاء فارتمت في أحضان والدتها تبكي بارتجاف وانهيار، فالتفت مصطفي اليها متسائلا باهتمام: انتِ كويسة يا آلاء؟
وقبل أن تنطق وقعت عيناها على محمود ينهض، ويخرج مطوته، فصرخت بفزع، بينما صاحت انهار: يا نهار اسود! بتعمل إيه ده يا محمود؟
التفت إليه مصطفي ووقف أمامهم بحمايه، وقال بحذر: لم الدور يا محمود، اللي أنت بتعمله ده هيوديك في ستين داهية.
ضحك بوقاحة: نروح كلنا في داهية عادي، أخوها وقفشها في شقة واحد عازب، كل الناس هتتعاطف معايا، مش هيبصوا في خلقتكم، وهيتفوا عليكم ويدوكم بالجزم.
مصطفى بغضب مكبوت: عيب اللى بتقوله على أختك دى، وأنت عارف إنه محصلش، أختك كانت هنا ووالدتها معاها، علشان اللي حصل منك.
رفع المطواة عند جانب وجهه مصطفى، يهزها ببطء، وصوته ينقط تهديد: طب بقولك إيه يا دكترة، خلينا نحلها بالود أحسن، أنا هاخد أختي وأمي من غير دوشة وكإن محصلش حاجة، لكن لو هتفكر تعملي فيها سبع رجالة وتقف قصادي؟ صدقني هتزعل جامد.
نفض مصطفى يده بحزم، وقال ببحة مخيفة: تصدق يلا أنت عايز تتربى، وأنا بقى هربيك..
وفي لحظة خاطفة، اندفع نحوه وضربه برأسه، فترنح محمود قليلا، فانتزع منه المطواة وقذفها بعيدا، ثم أخذ ينهال عليه بالضرب.
تشابك الاثنان، ضربات متبادلة، أنفاس لاهثة، وصرخات آلاء تشق المكان.
إنهار كانت تصرخ وتستغيث، والضجيج جذب الناس، فتجمع الرجال بسرعة، واندفعوا ليفضوا الخناقة، واستطاعوا الفصل بينهما بعد جهد.
تراجع محمود خطوتين إلى الوراء، قائلا بعلو صوته: يعنى ضاحك على البت أختي وخليتها هربت من البيت وقاعده عندك من غير جواز، ولما اجي ادافع عن شرفي بتضربنى اشهدوا يا ناس، على الدكتور اللى مسكنينه في عمارتكم.
اتسعت عينا مصطفى، التفت حوله بسرعة، قائلا بحدة: أنت اتجننت؟! اتكلم عدل يلا! امك معاها يا واطي.
حين استمعت الاء لذلك لطمت على وجهها؛ فهي فضيح بجميع المقياس
اما أنهار صرخت: منك لله يا محمود، حسبي الله ونعم الوكيل فيك، والله العظيم ما حصل كده، محدش يصدقه.
محمود، بصوت فاضح يجلعل المكان: لا حصل، أنت بايته في شقته انت وبنتك وهو معاكم، وأنا أكتر من مره شايفهم مع بعض، كنتوا بتعملوا ايه ان شاء الله؟! ده أنا هفضحكم!
جز مصطفى على أسنانه بضجر، والغضب انفجر
وفجأة، سدد له لكمة قوية أطاحت بمحمود أرضا: اخرس يا كداب يا واطي، اللى بتفتري عليها دى أختك، أنت ايييه
اندفع نحوه مصطفي مره أخري، لكن امسكه احد الواقفين
نهض محمود بسرعة، وهو يصرخ: بس بتضربني علشان بدافع عن شرف أختي اللى مقعدها عندك يا دكتور يا محترم؟! وأقولك اتجوزها، تقولي أنا مش بتاع جواز، سبها وأديك مصلحتها، إيه شايفني مركب قرون..
اشتعل وجه مصطفى غضبا حتى احمرت عيناه، وصوته خرج خشنا ومكسورا من شدة القهر: اخرس! يا كداب يا واطي!
اندفع نحوه مرة أخرى، ولكن محمود كان أسرع هذه المره، وفتح المطواة فجأة، وفي لحظة فوضى اندفع حد السكين نحو يد مصطفى وانجرح كفه.
شهق البعض حولهما، وارتفعت الهمهمات كأنها موجة بشرية تهدر.
تراجع محمود خطوة للخلف، لكن الشر في عينيه كان واضحا، يلمع مثل حد السكين نفسه، وهمس بوعيد لمصطفي الذي أمسك يده متألما: المره دى تذكرة بسيطه علشان إيدك اللى اتمدت عليا، المره الجايه هتكون في قلبك..
ثم صرخ بأعلى صوته، صرخة يخفي بها خوفه، وهو يفر هاربا: والله! لابلغ البوليس! وهفضحك! هفضحك يا اللى عامل فيها دكتور محترم! وانت مدورها في شقتك.
ثم انطلق للخارج، والجيران يبتعدون عن طريقه وينظرون إلى مصطفى كأنه مجرم ضبطوه بالجرم المشهود بنظرات ملئيه بالاشمئزاز !!
وقف مصطفى وحده، يضغط على يده الدامية، بينما الناس تتناثر من حوله وتتراجع خطواتها، شعر أن كل ما بناه من احترام وسمعة طوال سنوات بدأ ينهار أمام عينيه في دقيقة واحدة.
اقترب رجل عجوز، نظرته تحمل لؤما صامتا لا يحتاج إلى شرح: بقولك إيه يا ابني، إحنا ناس طيبة ومش عايزين فضايح.
التفت إليه مصطفى، والغضب يدق في صدغيه: بتقول إيه يا عم الحاج؟! أنت كمان؟! ده كداب! وبعدين دي واحده قريبتي والواد ده مش تمام يعني.
هز الرجل رأسه ببطء، وصوته خرج جامدا كأنه حكم:
طب يا دكتور مصطفى إحنا بنقولك اهو، إحنا بيت محترم، ومش عايزين مشاكل
ثم تركه ومضى، تاركا وراءه أثرا أشد ألما من أثر السكين.
رفع مصطفى يده إلى جبينه ومسح وجهه بحركة يائسة، يشعر بالثقل يسقط فوق صدره كجبل لا يتحرك، لم يعرف من أين يبدأ، ولا كيف يصلح ما حدث!!
كل ذلك كانت الاء وانهار يتابعون الموقف، بعيون متسعه من الصدمه، والدموع تتجمع في عيونهم من شدة القهر..
لطمت أنهار على وجنتيها: يا لهوى اتتفضحنا، اتفضحنا منك لله يا محمود، يارتنى كنت مت قبل ما اجيبك.
بينما الاء كانت تبكي بحرقه، دموعها تنحدر على خديها في صمت ثقيل، دموع تشق وجهها كجروح، بينما عيناها الواسعتان ترتجفان بوجع صامت..
التقت نظراتها بنظرات مصطفى، وفي تلك اللحظة القصيرة قال كل ما عجز لسانها عن النطق به "خوف، انكسار، خيبة، وجرح يشبه نهاية الأشياء".
اقترب منهم مصطفى بخطوات سريعه، فرفعت عيناها صوبه وكأنها تبحث عن طمئنينه وسط الخوف، وقالت بصوت يخرج بصعوبه بين الأنين والمرارة: هنعمل إيه؟
رفع كتفيه بعجز، وقال بصوت متقطع وهو يمد شفتيه بأسف: معرفش، بس لازم نمشي من هنا.
هزت رأسها عدة مرات، وقالت ببكاء وكسرة: قولتلك من الأول سيبنا نمشي، وأنت اللى اصريت نقعد، ادينا عمالنا لك مشاكل أنت كمان وانت ملكش ذنب..
زفر مصطفي بختناق: ملوش لزوم الكلام دى يا آلاء، اللى حصل حصل، ادخلوا يلا غيروا هدومكم علشان نمشي من هنا.
اومأت برأسها، ولكن فجأة وقعت عيناها على يده النازفه، فشهقت بخوف، يبدو أنها لم تنتبه لها من قبل من هول صدمتها، وللتو رأتها، فاندفعت تمسك كفه بارتجاف: دم !!! أنت بتنزف، أنا أسفه، أنا السبب..
وضع منديل على جرحه وضغط عليه ليوقف النزيف: دى جرح سطحي يا آلاء، متخافيش، يلا ادخلى البسي زى ما قولتلك.
هزت رأسها بشده، وقالت والدموع تتجمع في عينيها من جديد: لا، مش هنروح معاك في حته كفايه اللى حصلك من تحت راسنا، وبعدين لازم تنظف الجرح..
تنهد مصطفي بارهاق: يا آلاء اسمعي الكلام أنا مفياش حيل للمناهده، الله يهديكي.
اومأت برأسها، وقالت بارتجاف: طب تعالى انظفلك الجرح الأول، بالله عليك.
أومأ لها، إذ لم يكن لديه طاقة للمناقشة أو الجدال، ودخل معها بخطوات بطيئة، بينما لا يكفّ عقله عن التفكير في الورطة التي أقحم فيها قسرا...
في العيادة النفسية، 1:00 ظهرا.
جلس الطبيب على مقعده يستمع إليها بهدوء، بينما كانت ماسة تتحرك أمامه، ويبدو عليها الخوف والاضطراب، وهي تروي له ما فعله رشدي معها في المجموعه.
ماسه بنبرة مترددة، وعيونها تفيض بالخوف والدموع: هددني تاني، وقف قدام عيني وهددني، هددني بسليم، قالي هيموت سليم لو فتحت بوقي.
توقفت تنظر له بانفاس متسارعه، ثم هزت رأسها برفض مضطرب: أنا مش هينفع أتكلم، مش هينفع أقول حاجة، أنا هفضل ساكته، هما مش عايزيني اتكلم، وأنا مش هتكلم، هستفيد إيه لما أتكلم؟ هستفيد إيه لما سليم يعرف؟ غير إن سليم هيقتلهم، وهيحصل مشاكل كتير ...
اضافت بضعف وووجع: أنا نفسي أعيش معاه مرتاحة، معرفته مش هتفيدني، بالعكس هدمر حياتي معاه، وممكن اهلي يدفعوا الثمن.
أشار الطبيب بيده بهدوء: طب ممكن تهدي وتقعدي علشان نتكلم بالراحة؟
جلست تهتز، كأن عاصفة ثلجية ضربتها من الداخل، وقالت بنبرة مرتجفة والدموع تتساقط من عينيها: أهدي أزاى بس؟! بقول لحضرتك رجع يهددني تانى، والمره دى مش بأهلي بس لا، وسليم كمان.
هزت رأسها وقالت بنبرة باكيه: يارتنى ما وافقت أروح معاه المجموعه، ياريني فضلت بعيده عنهم، أنا مش عارفه هما عايزين مني إيه تانى..
نظر إليها قائلا بعقلانية: طب ماتيجي نبص للموضوع من زاوية تانية، هما هددوكي لفترة، وساعدوكي تهربي مرتين، وبعدها رجعك سليم وفضلتي محبوسة سنة، خلال السنة دي كان ممكن يحصل تهديد مباشر لأهلك، لكن محصلش، حتى في ال6 شهور اللي كنتي هربانة فيهم محصلش حاجة، ولما رجعتي وحضرتي الحفلة، كان ممكن حد يقف معاكي ويهددك، لكن محصلش.
مسحت دموعها، وقالت بصوت مبحوح: سليم مكانش معرفش حد إني هربانه، وسلوي قالت إن رشدي راح لبابا المطعم وقاله إنه مستعد يساعدني اطلق من سليم، ويوم الحفله أنا كنت فاقده الذاكره وسليم مسابنيش لحظه.
الطبيب بهدوء محاولا اقناعها: حتى لو مش قادرين يتواصلوا معاكي، كان ممكن يتواصلوا مع سلوى، لأنهم عارفين انها عارفه، اشمعني رجعوا يهددوكي تانى دلوقتي؟!
هزت رأسها بخوف واضطراب: هو محدش هددني الا رشدي بس، قالي عيشي مع جوزك مبسوطه، بس متفتحيش بوقك علشان أنا مش هخسر مي بسببك، ولما حاولت اتشجع ومخافش زى ما قولتلي، قاله إنه هيقتل سليم.
تساءل الطبيب: مين مي دى؟!
ماسه بتوضيح: خطيبته، وخلاص هيتجوزوا..
هز رأسه بتفكير، وصوته خرج بثبات مقصود، كمن يحاول إعادة ترتيب الفوضى داخل رأسها: أنا شايف إن لو ركزتي في كلامه كويس، هتلاقي إن اللي بيقوله مبني على خوف مش على قوة.
رفعت رأسها باستغراب، ويدها تشد على طرف المقعد كمن يمسك شيئا يمنعه من السقوط.
اضاف الطبيب مشيرا بإصبعه: الطريقه اللى وصلك بيها كلامه على حسب ما حكيتي، مش طريقة واحد جاي يهدد، دى جاي يتوسلك بطريقة ملتوية، وهددك بس علشان يثبتلك إنه لسه قوي وزمام اللعبه لسه في ايده.
اتسعت عيناها بدهشه، كمن يستوعب الحديث للمرة الأولي! فتابع الطبيب بهدوء: بس الحقيقة إن اللى ماسك زمام اللعبة دلوقتي هو أنتِ، ولازم تفهمي انهم خايفين منك، خايفين تتكلمي علشان كده عايزين يضمنوا سكوتك.
تحركت يد على الطاولة بإيقاع هادئ، كأنه يضغط على الفكرة داخل رأسها: تهديد رشدي ليكي المره دى، مكانش علشان يأذيكي، لكن علشان خايف إنك تتكلمي والموضوع يتعرف فخطيبته تسيبه.
رفع حاجبه مستنكرا: انتِ مركزة؟ هو بيخوفك علشان يحمي نفسه منك، لأن واضح إن خطيبته دى متعرفش حاجه عن ماضيه.
بلعت ريقها بصعوبة، وهي تمسح جبينها محاولة تصدق حديثه، اقترب منها قائلا بتشجيع: متخافيش خليكي قوية، لو حسوا إنك خايفة هيستغلوكي تاني.
ثم أشار بيده: أنا عايزاكي توهميهم إنك مرعوبة وإنك مش هتفتحي بوقك، بس في الحقيقة روحي واحكي لسليم، صدقيني سليم لازم يعرف، هو قادر يحميكي.
اهتزت شفتيها وقالت بانفاس مضطربه: هو أصلا سألني من يومين، وأنا بعد الجلسه اللي فاتت قررت إني أقوله بس مقدرتش، قولتله استنى عليا يومين..
تنهد قائلا: عموما براحتك، متضغطيش على نفسك، الخوف اللى جواكي طبيعي وفاهمه بالنسبه للضغط النفسي اللي اتعرضتيله، وأنا معاكي واحده واحده هساعدك لحد ما تقدري تكسري حاجز الخوف دى وتعبري عن كل اللى جواكي.
نظرت إليه بدموع وامتنان: متشكره يا دكتور، أنا فعلا اللى حصل مكانش سهل عليا خالص، وبنى جوايا حاجز خوف كبير أنا مش عارفه اعديه، في الأول كنت مصدومه من اللى عرفته عن سليم وخايفة علي أهلي، لكن دلوقتي أنا كمان بقيت خايفه على سليم مش بس من تهديد رشدي، لكن خايفه عليه كمان الصدمه اللى هيتصدمها لما يعرف اللى حصل، الموضوع مش هيكون سهل عليه نهائي.
هز رأسه بتفهم: دى حقيقه فعلا، بس أنا وأنتِ معاه هنساعده يتخطى دى.
ثم قال مغيرا مسار الحديث: المهم، ايه اخبارك معاه، الأسبوع اللى اتفقتوا عليه آخره بكره خلاص؟!
هزت رأسها، واجابت بخفوت: لا اتفقنا نمده ٣ أيام كمان لبعد فرح رشدي وياسين.
مد وجهه ببساطة وهدوء: مفرقتش بس أنتِ حاسه بايه؟! قادرة تتخطي وتسامحي؟!
اومأت برأسها وعيناها تلمع بدموع وتأثر: أنا أصلا مسمحاه من قلبي وبحبه، بس اعتذار صافي وبعدها تهديد رشدي ضغطوني نفسيا وحسسوني إني رجعت للصفر تانى، أنا تعبت من الضغط النفسي اللى أنا فيه دى، لو سكوتي هيريحهم ويخليهم يسبونا في حالنا، خلاص هسكت ومش هقوله حاجه، بس يسبونا في حالنا.
أجابها بعقلانية: لو اخترتي السكوت، وانك تنسي كأن محصلش حاجة، رشدي بس اللي هيبقى مبسوط، علشان ده هدفه، لكن الباقيين؟ حياتهم مش مستقرة ولا آمنة وهيخافوا من سليم، وأنتِ عمرك ما هتبقي مطمنة، هتعيشي طول عمرك خايفة؟ ليه تستني اللحظة اللي ممكن حد فيهم يأذيكي تاني؟ احكي لجوزك وهو بنفسه هيحميكي؛ لأنه قادر فعلا يحميك، وصدقيني الموضوع ده تاعب سليم جدا، انا دكتوره وبقولك لازم يعرف.
هزت راسها بخفوت، كأن الكلمات أصابت شيئا عميقا داخلها: هو فعلا قادر، بس اللي هيحصل بعد كده هيبقى دمار، سليم مش هيسيبهم وهيحاسبهم واحد واحد، وانا خايفه عليه.
انحنى قليلا، نبرة صوته أعمق: ده أكيد، بس زى ما قولتلك إحنا هنكون معاه، وهنعرف إزاي نخلي غضبه أهدى، وياخد حقه بعقل، وخلي مكي جنبكم برضو؛ لأنه اكتر واحد بيعرف يهديه ويوازن الموقف.
تنهدت، ومسحت وجهها بكف مرتجف، محاولة تثبيت نفسها وهي تتوقف: ماشي يا دكتور، أنا متشكره جدا إن حضرتك وافقت على معاد للجلسه النهارده؛ لأن حقيقي كنت مضطربه جدا ومحتاجه اتكلم مع حضرتك.
نهض واقفا، ونظر إليها بثبات: الشكر لله، أنا تحت أمرك، ولو حصل أي حاجة تاني كلميني فورا، وزي ما قولتلك متخافيش وخليكي شجاعه، مش هقولك تاني سكوتك مش حل، سكوتك هيفضل مخلي حياتكم مش سليمه، وعمركم ما هتبقوا سعداء.
أومأت برأسها إيجابا، لكن عينيها ظلتا تحملان ارتجافا خفيا وخوفا بات يلازمها كظلها، ذلك الخوف الصامت الذي يأكل القلب من الداخل، دون أن يراه أحد.
منزل مصطفي، 2:00 ظهرا.
بعد انتهاء آلاء من تنظيف جرحه وضعت ضمادة علي يده، ودخلت تبدل ملابسها، وهبطوا جميعا إلي الأسفل، صعدوا السيارة، وانطلق بها على غير هدي
فجلست آلاء بجانب والدتها في المقعد الخلفي، تنظر من النافذة، ودموعها تنهمر في صمت، دموع ثقيلة عاجزة عن فعل أي شيء، فالأمر تعقد أكثر من الازم، وأصبحت وكأنها غرزت في وحل لزج يشدها إلى الأسفل، وكلما حاولت الخروج منه ازداد التفافه حول قدميها.
أما مصطفى..فكان غارقا في دوامة من التفكير، كان يشعر كأنه يسقط في حفرة لا نهاية لها، حفرة مظلمة تسحبه كلما حاول الخروج، عقله يصرخ، وقلبه يضرب صدره بقوة، ولا يعرف إلى أين يقودهم؟! ليس لديه مكان آخر ولا يعرف أحد، وبالطبع لا يستطيع اخذهم الى الاسكندريه خوفا من أن يعثر شقيقها على عنوانه هناك، ويفتعل المشاكل لعائلته...
كانت النيران تأكل في عقله الى اين يذهب؟! فهو يقود السيارة بلا وجه
توقفت السيارة عند إشارة مرور، ووقع نظره على إعلان كبير لعائلة الراوي، فرفع رأسه إليه، وتدفقت فكرة واحدة في ذهنه "ماسة"
كانت هي الوحيدة القادرة على مساعدته، الوحيدة التي تستطيع أن تقودهم إلى مكان آمن.
ركن السيارة على جانب الطريق، واستدار نحو آلاء وإنهار قائلا: أنا هعمل مكالمة مهمة، خليكوا زي ما أنتم.
هزتا رأسيهما، بينما ابتعد هو خطوات قليلة وهو يرفع الهاتف إلى أذنه.
عند ماسة
كانت قد خرجت للتو من عيادة الطبيب، يثقلها شعور بالضياع والارتباك، نعم، حديث الطبيب أراحها قليلا، لكنها ما زالت مشوشة.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفها، فنظرت إلى الاسم وجدته مصطفى فلم تجب، فحالها لا يسمح بالحديث الآن.
واصلت سيرها حتى المصعد، ورن الهاتف مرة أخرى، فتسلل إليها إحساس بأن هناك شيئا ليس على ما يرام، فترددت لحظة ثم أجابت.
ماسة بتمثيل لطيف: ألو، إيه يا مصطفى؟ عامل إيه؟
أتاه صوته من الجهه الأخري مرتبكا: الحمد لله، انتِ كويسة؟
اومات براسها: تمام، فيه حاجه ولا ايه؟
تنفس بعنف قبل أن ينطق: ماسة أنا محتاج منك مساعدة ضروري..
فقالت باهتمام وقلق: خير يا مصطفى؟
مصطفي بتوتر: في ناس تخصني، عندهم مشكلة كبيرة، ومش هينفع أشرح في التليفون، بس محتاجين مكان آمن يقعدوا فيه شوية.
صمتت لوهله، وظهرت الحيرة في عينيها لحظة ثم قالت بحسم: خليهم يجوا عندي الفيلا.
هز رأسه برفض: لا بلاش، لو في مكان تاني يبقى أحسن.
فكرت قليلا، ثم قالت بصوت هادئ: خلاص هبعتلك عنوان الفيلا القديمة، ونتقابل هناك.
خرج صوته ممتلئا بالامتنان: أنا آسف يا ماسة، والله ما لاقي مكان، وأنتِ أول حد جه في بالي.
ماسة بحزم: أوعى تقول كده، والله هزعل منك، يلا هبعتلك اللوكيشن ونتقابل هناك، باي.
مصطفى بامتنان: شكرا جدا.
أنهت المكالمة ودخلت المصعد، وصلت الى سيارتها، كان الحراس يتوقفون على جهه اخرى، اشارت لهم بيديها، فاقترب منها عشري.
فقالت بتوضيح: عشري عايزه اروح الفيلا القديمه، خلي راوية تيجي تقعد معايا عاشان أنا مش عارفة العنوان.
أومأ موافقا، ثم اتجه سريعا إلى السيارة ونادى راوية، ولحظات وظهرت راوية مهرولة، جلست بجانب ماسة تحركت السيارة ببطء مغادرة المكان نحو وجهتها، وقد نسيت تماما امر سليم الذي ينظرها في الكافيه...!
على اتجاه اخر عند مصطفى
عاد مصطفى إلى السيارة قال: أنا كلمت أحمد مبيردش هبقي اكلمه تاني، بس دلوقتي هوديكم تقعدوا عند واحدة قريبتي، مفيش مكان تانى في بالي إلا دى، لأن مادام عرف مكاني هنا أكيد عرف مكاني في إسكندرية كمان.
تساءلت آلاء من بين دموعها: هو اصلا عرف العنوان ازاي؟!
تحدث من بين اسنانه: مش عارف، بس هعرف هو جايبه منين، وهحاسب اللي ساعده، المهم دلوقتي إنكم تبقوا بأمان، وتروحوا تقعدوا عند قريبتي دي تمام؟!
آلاء بصوت مرتعش: طيب النهارده هنروح عند قريبتك دي؟! طب بكره ولا بعده ده بيقول هيعملنا قضيه ويعرف يجيب شهود، الناس اللي كانوا واقفين شافوني انا سمعت الراجل بيقولك والكاميرات كمان.
ضغط مصطفى على الدريكسيون بقوة: والله العظيم يا آلاء، أنا عن نفسي مش قادر أفكر، بس اللي انا عارفه ومتأكد منه انكم لازم تقعدوا دلوقتي في مكان أمين، لحد ما أحمد يرد ونشوف هنتصرف أزاى؟!
أنهار بضعف وقله حيلة: يا ابني، نزلنا هنا وسيبنا نحل مشاكلنا، متدخلش نفسك في مشاكل أكتر من كده كفايه اللى جرالك بسببنا.
استدار مصطفى نحوها بسرعة، وعيناه تلمعان بضيق والطيبه: إيه الكلام ده يا حاجة؟! لا طبعا، مش هيحصل، ولا هسيبكوا، اوعي تقولي الكلام ده تاني.
انهار بعجز: يا ابني...
قاطعها بنبره صارمه حاسمه: بعد إذنك خلاص، مفيش نقاش.
وأعاد تشغيل سيارته مجدادا، وقاد نحو فيلا ماسة بعد أن ارسلت اليه العنوان..
قهوة شيكو، 3:00 عصرا.
دخل محمود القهوه والغضب بادي على وجهه بوضوح، تقدم بخطوات سريعة، وصوته يسبق جسده: شيكو! هاتلي شاي هنا بسرعة!
جلس يلهث من شدة الانفعال، بينما عقله ينقب في احتمالات قاتمة:ما الذي سيفعله مع والدته وشقيقته؟
وماذا سيفعل هو مع الزعيم ومع شاهين؟
وبينما كان شاردا، دخل توتو بخطوات سريعة، وقد ارتسم القلق على ملامحه.
جلس أمامه قائلا: إيه يا محمود؟ في إيه؟ خضيتني يا جدع، ولا يا شيكو هاتلي حجر معسل هنا!
رفع محمود نظره نحوه بعينين مشتعلتين: أنا واقع في مصيبة سودا.
ضحك توتو بخفة وهو يسحب الكرسي ويجلس: وإيه الجديد يعني؟ ما أنت علطول واقع في مصايب!
مال محمود لأمام: البت أختي وأمي سابوا البيت وطفشوا!
تجمد توتو في مكانه: طفشوا إزاي يعني؟ وليه يطفشوا؟
اقترب شيكو ووضع الشاي وحجر المعسل، وبدأ في تجهيز الفحم، انتظر محمود حتى ابتعد، ثم أطلق الكلام دفعة واحدة: جبتلها عريس، رفضوه، ضربتها فطفشت!
سعل توتو من الصدمة: ومين العريس ده؟
محمود: الحاج شاهين.
اتسعت عينا توتو: يا نهار أسود، ده راجل كبير! دي بت أختك صغيرة قد ولاده! ليها حق.
لوح بيده بانفعال: مش باين عليه، وبعدين إيه المشكلة يعني؟! راجل ميعبوش إلا جيبه، وهيسامحني كمان في الفلوس اللى سرقتها، وهيدفعلى فلوس الزعيم اللي أنا واخدها، ويديني فوقيهم.
مال توتو على الطاولة وهمس: كنت خدهم بالمسايسة.
محمود بضجر: ولا مسايسه ولا بتاع، هم خلاص قفلوا الموضوع، وبعدين البنت اختي اصلا طلعت ماشيه مع واد علشان كده رفضت.
رمقه توتو بنظرة استنكار: إيه يا عم اللي انت بتقوله ده؟ اختك محترمة.
هز رأسه بضجر: بقولك أنا شوفتهم سوا واتخانقت معاه قبل كده، طلعت مقرطصاني! وامبارح بعد ماعملت معاهم مشكلة وسبتهم ولما رجعت الصبح، لقيتهم مش موجودين، بصيت على الكاميرات عند الواد عصفورة، لقيته واخدها هي وامي في عربيته، جبت عنوانه لقيتهم قاعدين في شقته! عملتهم فضيحة وقولت هبلغ البوليس!
مد توتو يده محاولا تهدئته: اهدى بس وروق، فضيحة وبلاغ ايه دى برضو اختك، انت خوفهم بس، عندي فكره انت روحله المستشفى اللى شغال فيها وهدده بسمعته، وساومه على فلوس وخليه يتجوزها ويدفعلك هو.
حدق فيه بعينين داكنتين: طب والحاج شاهين أعمل إيه؟
تنفس ببطء وهو يضع حجر المعسل على النار: روحله وقوله إن البنت عاصية بس انا بحاول، هو مش هيعمل معاك حاجة، المهم تخلص نفسك من الزعيم ده أهم واحد.
أسند ظهره إلى الكرسي، وصوته انكسر بين خيبة وندم: يا ريتني ماسمعت كلامك ومشيت معاك في حوار المخدرات دي، مكنش كل ده حصل.
فيلا سليم وماسة القديمه، 3:00 عصرا.
وصل مصطفى إلى الفيلا، وكانت البوابه منغلقه، فخرج من السيارة، ووقف على جانب الطريق يتصل برأسه.
مصطفي بتساؤل: ايه يا ماسة، أنا وصلت، انت فين؟
اتاه صوتها: أنا قربت أوصل اهو 5 دقايق وهبقى قدامك.
اغلق معها، نظر نحو آلاء ووالدتها من النافذة: خمس دقايق بس وجايه علشان تفتحلنا.
ثم توقف عند كبوت، وحاول الاتصال بأحمد مجددا، لكنه لم يرد، فأرسل له رسالة صوتيه "يا أحمد أول ما تخلص كلمني ضروري، في مصيبة حصلت"
أغلق الهاتف وهو يفكر، وفي تلك اللحظة توقفت سيارة ماسة أمامه، وترجلت منها وتقدمت نحوه.
ماسة بقلق: ايه يا مصطفى في ايه؟
نظر إليها قائلا:هفهمك بعدين، بس قوليلي هيكون في مشكلة ليكي؟
هز رأسها: لا مفيش أي حاجة، يلا اركب.
وجهت نظراتها لعشري: أنا هركب مع مصطفى.
نظرت ماسة إلى الأمن وقالت: افتح.
فتح أحد الحراس البوابه، فدخلت ماسة السيارة وجلست على المقعد الامامي بجانب مصطفي، ثم التفتت برأسها نحو آلاء وولدتها:. مساء الخير، عاملين ايه؟
ابتسمت آلاء وانهار معا بتهذب: أهلا وسهلا يا بنتي.
بينما قاد مصطفى السياره إلى الداخل.
وعلى اتجاه آخر بمسافة بعيدة قليلا حتي لا يثير الشكوك، وقف رجل ملثم، بسيارته يبدو انه كان يراقب ماسة، اخرج هاتفه وبدأ في التقاط صور لماسة وهي تصافح مصطفي، وأخري وهي تصعد سيارته، ثم تكرر الأمر، حين تحركت سياره مصطفى للداخل، حتى أغلقت البوابه
فتحرك مبتعدا وارسل الصور لرقم آخر وظل في مكانه منتظرا
في الداخل
اوقف مصطفي السيارة أمام المبني، وهبطوا منها جميعا، فتحركت ماسة مسرعه وفتحت الباب بالمفتاح: اتفضلوا.
تحركوا خلفها حتى منتصف الفيلا، اخذت ماسة تتحرك في المكان تشغل الاضاءه، وكان الاثاث مغطي بمفارش بيضاء.
نظر مصطفى حوله مستغربا: هو مفيش حد هنا ولا ايه؟
ماسة بتوضيح: لا، سليم لما بنسيب الفيلا، مبيخليش حد موجود، ممكن بس واحد أو اثنين من الأمن.
ثم توقفت قائلة باعتذار وتوضيح: معلش الفيلا متربه شويه لأننا مش عايشين فيها ومصطفي كلمني فجأة ومعنديش حد من الأمن يقدر يساعد.
اوما مصطفي برأسه: عادي مفيش مشكله، احنا كل اللي محتاجينه اوضه بسرير وخلاص.
مالت براسها باعتراض: ايه الكلام ده؟! لا طبعا البيت بيتكم يا جماعه، وأنا هبعتلكم حد من الخدم، وساعة واحدة وكل حاجة هتكون جاهزه
ثم أشارت بيدها: اتفضلوا مش هنفضل واقفين.
وتحركت بسرعة نحو الصالون، بدأت تزيل الأغطية بيدها: اتفضلي يا طنط، اتفضلي يا مودموزيل اقعدوا.
وبالرغم مما يعصف بداخلها من توتر واضطراب، استطاعت أن تحكم سيطرتها أمامهم، وتمنح اهتمامها لمشكلة مصطفى و ضيوفه، فمنذ زمن طويل، تعلمت كيف تحبس أوجاعها وتكتم توترها، وتمثل أن لا شيء بها؛ تعرف كيف ترسم الابتسامة الواهية، بينما يتآكلها الوجع بصمت من الداخل.
همس مصطفى مناديا: ماسة، تعالي ثانية واحدة.
اومأت برأسها، وتحركت معه، بينما جلست آلاء وانهار على الاريكة، مرتبكين ولا يفهمون شيئا.
توقفت أمامه، فقال موضحا: هما هيبقوا هنا لبكره أو بعده بالكتير، لحد بس ما أشوف هعمل ايه، لأن الموضوع حصل فجأة، المهم سليم ميعملش معاكي مشكله!!
رفعت حاجبها بضجر: هو انت بتبرريلي؟ عيب احنا مش اخوات، يقعدوا زى ما يحبوا، احنا أكبر من كده بكتير بس هم مين دول أصلا؟!
مصطفي مرتبكا: بعدين هقولك، بس هو ينفع نخلي شوية أمن هنا؟ غير الاثنين اللي بره دول! علشان حاسس إنهم ملهمش لازمه.
هزت رأسها ايجابا، فهي في حاله لا تجعلها قادرة على أن تلح عليه بسؤال او حتى تعلق على طلب الحارسه الزيادة: تمام، وبخصوص الامن، حاضر هقول لعشري يجيب طقم حراسه.
صمتت لوهله ثم قالت رغم اضطربها: بس لو في مشكلة، قولى وانا أكلم سليم يساعدك.
هز رأسه برفض تام: لا لا شكرا، مش محتاج منه حاجة.
ماسة بهدوء مطمئنة: يا بني والله سليم بيعرف يسد في الحاجات دي.
أجابها وهو يحاول التحكم في أعصابه: عارف، بس أنا مش عايز أستعين بمساعدة ضد القانون وبطرق زى اللي جوزك بيستخدمها...
ثم تابع برجاء لطيف: من فضلك يا ماسة، لو هسببلك أي حرج مع سليم قولي.
هزت رأسها مطمئنة: مفيش حرج ولا حاجه، بس فكر تاني، سليم أكتر حد ممكن يساعدك.
أومأ برأسه إيجابا بعدم اقتناع: معلش خليه بعيد أفضل الموضوع مش مستاهل.
اومأت له، وقالت بطمأنه: ماشي وأنا هخلي عشري يظبط كل حاجة متقلقش.
بعد لحظات ظهر عشري، رفع عينيه نحو مصطفى، ثم نظر لماسة قائلا: أمرك.
ماسة بسرعة: عايزاك تبعت لى اتنين من الخدم، يحضروا غرفتين للضيوف واللفينج من اللي فوق، ويظبطوا الجنينة، وكمان يعملوا غداء لشخصين، وكمان عايزاك تزود الحراسه هنا
أومأ برأسه موافقا: تمام، هجهز حراس من اللى معانا، وهخليهم يفضلوا هنا، ولما نروح هبعت حراس من الفيلا مع الخدم.
هزت رأسها: شكرا يا عشري
ثم التفتت إلى مصطفى: طب عايز مني حاجة تاني؟ معلش لازم امشي علشان مش قايله لسليم.
أجاب مصطفى بهدوء: شكرا.
نظرت ماسة لعشري وقالت بابتسامة خفيفة: طب أنا همشي وهتابع معاك.
واقتربت نحو آلاء وانهار وقالت بلطف: منورين والله، كان نفسي اقعد معاكوا اكتر، بس مش مستاذنه من جوزي.
ابتسمت أنهار بامتنان: شكرا يا بنتي كتر خيرك لو...
قاطعتها ماسة بسرعة: لا لا مفيش شكر، وكمان شويه وهيبقي عندكم اتنين في خدمتكم، لو احتاجتكم اي حاجه اطلبوها منهم، عن أذنكم
قالت كلماتها وتحركت إلي الخارج، بينما اقترب مصطفى منهم قائلا: أنا هفضل معاكم لحد ما الحراس ييجوا وأطمن عليكم.
تساءلت إنهار بقلق: طب هتعمل ايه يا بني؟
أجابها وهو ينظر حوله بجدية: هروح المستشفي اعمل التقرير زى ما اتفقنا، وهكلم احمد تانى واحكيله اللى حصل واشوف هيقولى ايه.
نهضت إنهار ونظرت إليه بقلق: طب يعني احنا هنفضل قاعدين هنا لحد امتى يا بني؟ أنا خايفة لحسن الولا يعمل اللي قاله ويرفع قضية بجد.
تنهد وقال محاولا طمأنتهم: بصي يا حاجة، أنا مش هعرف أقولك أي فكرة دقيقة دلوقتي، فعلا محتاج أكلم محامي يفهمني الإجراءات القانونية اللي ممكن تتعمل، الحاجة الوحيدة اللي مطمنلها إن طول ما أنتم هنا، محدش هيقدر يجي جنبكم، ولا هيعرف مكانكم أصلا، وحتى لو عرف مش هيعرف يعدي البوابة.
نظرت له آلاء بقلق: طب انت هتمشي وتسيبنا؟ وهنعرف منين طيب الحل؟
مصطفى بهدوء: ما أنا هاجي بكرة عشان اجيب التقرير واخلص الشغل اللى ورايا.
في تلك اللحظة، دخل الحراس ومعهم عشري، وهو يوجه لهم الأوامر بهدوء وحزم.
ثم نظر إلي مصطفي وهمس: ده رقمي يا دكتور، لو حصل أي حاجة كلمني، أنا همشي دلوقتي مع الهانم، والحراس اللي موجودين دول على كفاءة عالية، وهبعتلك حراسة تانية.
اقترب منه بهمس: بس فهمني الموضوع فيه عوق جامد ولا عادي؟
أجاب مصطفى مطمئنا: لا لا عادي خالص، مش محتاج كل الأمن ده، واحد بس يكون فاهم يكفي.
ابتسمت عشري: تمام، الهانم طلبت أكل للضيوف، نص ساعة وهيبقى عندكم.
قال عشري كلماته وغادر، بينما اقترب مصطفي من الاء: أنا همشي دلوقتي يا آلاء، التليفوني التاني معاكي، صح؟
هزت رأسها، واخرجته من جيبها: أه معايا.
مصطفي: طب، أنا همشي دلوقتي، ولو حصل أي حاجة هكلمكم.
هزت رأسها ايجابا بصمت، فخرج مصطفى بخطوات ثابتة، بعد أن ودعهم بهدوء.
♥️_________بقلمي_ليلةعادل________♥️
على اتجاه آخر، في الكافيه، 3:00 عصرا.
كان سليم لا يزال جالسا مع مكي، يتبادلان الحديث بهدوء، وفجأة، رن هاتفه بجرس الرسائل، فأمسك الهاتف وفتحه ظننا منه أنها ماسه، ولكن تجمدت نظراته حينما شاهد صور لماسة وهي تدخل الفيلا برفقه مصطفى بمفردهما !!
اتسعت عيناه بصدمه، فانتبه له مكي وتساءل بقلق: إيه يا سليم في ايه؟!
جز علي أسنانه الأمامية بشدة، ورفع هاتفه وقام بعمل مكالمه، وهو يشعر بالغضب يتصاعد ويتآكله من الداخل: الو، أيوة يا عشري، هي ماسة لسه عند الدكتور؟
اتاه صوت عشري من الطرف الآخر: لا يا ملك، احنا مخلصين من بدري، وماسه هانم طلبت اننا نروح على الفيلا القديمه بتاع المريوطيه، علشان تستضيف دكتور مصطفي وضيوفه، واحده ست كبيره في السن ومعاهم بنت كده شكلها مضروبه، وطلبت لهم حراسه.
صمت سليم للحظة، يحاول استيعاب الموقف، ثم قال: هي قاعده معاهم دلوقتي؟!
أجاب عشري: لا يا ملك، هى وصلتهم، وبعدين مروحين دلوقتي وراها، هي في عربيتها ومعاها راويه علشان مش عارفه الطريق.
تنهد سليم وقال بحذر: طيب، خد بالك منها، وفتح عينك كويس، وابعتلهم الحراس اللي الهانم طلبتهم
تساءل عشري بقلق: في حاجة ولا ايه؟
سليم بتنهيده: أعمل اللى بقولك عليه بس، ولما تيجى هفهمك.
أغلق الهاتف، وحدق في الفراغ بشرود، يفكر في أمر تلك الصور، وفي ذهاب ماسة إلى الفيلا مع مصطفى!! بالطبع أغضبه أنها لم تستأذنه، وخالفت أوامره واعتراضه على لقائها بمصطفى، لكن غضبه الأكبر كان من تلك الصور التي شاهدها؛ إذ بات على يقين بأن هناك من يتعمد الإيقاع بينهما !!
فإرسال صور بتلك الزاوية، لإظهار أن ماسة ومصطفى كانا متواجدين في الفيلا بمفردهما، لا تفسير له سوى محاولة إشعال غضبه وزعزعة ثقته بها، لكن من الذي يمكنه فعل ذلك؟
شيء في داخله كان يخبره أن مصطفى هو من يفعل ذلك عن عمد؛ فما فعله في الفيلا وضربه لمكي بالنار أكد له أنه يكن مشاعر تجاه ماسة، وربما هو من يفتعل مثل هذه الصدف، ويرسل له تلك الصور ليعصف الظنون في رأسه ويفتعل المشاكل بينهم، ومع ذلك، ظل السؤال الذي ألح عليه وأثار غضبه بشدة "لماذا ذهبت ماسة إلى هناك من دون إخباره؟"
انتبه له مكي، وتساءل بقلق: في إيه يا سليم، مالك؟
أخرج نفسا عميقا، واطلعه على الصورة، فضيق مكي عينيه وهو يتأمل الصورة، وتساءل: إيه دي؟ مش دى مصطفي؟! بيعملوا ايه في فيلا المريوطيه؟!
ضغط سليم على هاتفه، وعض شفتيه بضجر: مش عارف، عشري بيقولي ماسة وصلته الفيلا، ومعاه ست وبنتها باين، بس ليه الصورة دي وصلتني كده؟! كأن اللى بعتها قاصد يعرفني إنهم لوحدهم في الفيلا؟!
مكي بتفسير: دى نفس الرقم اللى بعتلك صور قبل كده؟
هز رأسه نافيا: لا رقم تانى، انت وصلت لحاجه من الرقم اللي بعتهولك قبل كده؟!
مكي موضحا: أنا دورت ولقيته باسم واحد متوفي، بس بحاول أوصل للمحل اللى اتباع منه الخط.
هز سليم رأسه، وتحدث من بين اسنانه: أنا حاسس إن مصطفي اللى بيعمل كده، علشان يشككنى فيها ويوقعنا في بعض.
مكي متعجبا: للدرجة دي؟ طب ومصطفي هيعمل كده ليه؟!
تنهد مرة أخرى، نظر إلى صورتهما في الهاتف، وفكر بصوت منخفض: يمكن بيحبها زى ما أنا شاكك، أصل ايه تفسير إن الصور دى مش بتتبعتلي إلا لما تقابله !!
مكي محاولا تهدئته: يمكن صدفه يا سليم، دكتور مصطفي محترم معتقدش إنه يعمل كده.
سليم باستهجان: لو كان محترم مكانش قوم أخته من القاعده المره اللى فاتت علشان يتصوروا لوحدهم في الكافيه؟!
مكي بحذر: طب ما تقول لماسه ووريها الصور؟ على الأقل تواجهه.
زفر بضيق وقال موضحا: مش هتصدق غير بدليل، وهتعمل معايا مشكلة، متعرفش هي منبهره بيه إزاي، وبتحبه جدا بسبب اللي عمله معاها، دى لو طولت تديله عنيها هتعملها، لازم يكون معايا دليل قبل ما أنبهها.
زفر، وتابع وهو يهدأ قليلا: خلينا نمشي، وأفهم منها…
مكي منبها: بس براحة عليها.
سليم بهدوء: حاضر…
مكي: وكلم الدكتور.
وقف سليم: ماشي
أخرج نقودا ووضعها على الطاولة، وتحركا معا نحو الخارج: من بكرة متفارقش ماسة، لحد ما افهم ايه اللي بيحصل.
ابتسم مكي ورد بثقة: حاضر، متقلقش.
منزل سارة، 3:00 عصرا.
الريسبشن
جلست سارة بجانب عماد على الأريكة، يتبادلان الأحاديث بهدوء مريب.
مدت وجهها بإستغراب، يبدو أن ما يقوله قد أثار اهتمامها: الفكرة عبقرية وغريبة بس أفرض معملتش رد الفعل إللي إحنا عايزينه، وقتها هتعمل إيه؟
هز رأسه بثقة: استحالة
إجابته وكأنها توضحله فجوات في خطته: أصل أنت مراهن على حاجات معينة، مش بالضرورة تحصل؟!يعني إفرض ماسة مقابلتش مصطفى؟
مال نحوها بمكر: هنخليها تقابله.
صمت للحظة وأضاف متجهما: عندك أفكار تانية؟! الخطة بتاعت الباشا، مش داخلة نفوخي، ماسة مينفعش تتقتل بأي طريقة من النوع إللي قالها عزت لازم موتها يبقى طبيعي، مفهوش أي شك.
تساءلت بإستغراب: أنت ليه أصلا عايز تقتلها؟ إنت مالك؟
اتسعت عيناه، بنبرة متعجبة: أنا كنت فاكرك أذكى من كده بكتير يا سارة، أنتِ ناسية إن ماسة عارفة كتير؟
اومأت براسها: تمام، عارفة كتير، بس إنت مكانش لك علاقة.
ضحك، وهو يلتقط قطعة حلوى من الصحن أمامه: مين ده إللي ملوش دعوة؟ سليم عارف إن صافيناز مبتتحركش غير بأوامري، وبترجعلي في كل حاجة.
نظرت أمامها بسخرية، وتلوح بيدها: علشان كدة راحت أجرت عيال من وراك!
احتدت نظراته، قائلا ببحة: سارة متهزريش في الموضوع ده.
ضحكت بخفة، وهي تضرب كتفه برفق أنثوي: خلاص متزعلش، بهزر معاك.
أضافت بنوع من الضمير: بس بجد أنا مش عايزاها تتقتل والله صعبانة عليا، ملهاش ذنب هتستفاد ايه؟!
تنهد، تنهيدة عميقة ونظر بعيدا: قتلها فعلا مش هنستفاد منه حاجة، سليم أثبت حتى وهي مش موجودة إنه مركز، بس قتلها أصبح حماية، لإن سليم لو عرف إللي إحنا عملناه فيها، هيقتلنا واحد ورا التاني..
عقد حاجبيه وهو يشير في وجهها وكأنه يذكرها بنبرة حادة: وأوعي تنسي إن بنته ماتت بسببنا، وثمنها هيبقى عيالي الأربعة، حطي ده في دماغك، أنا بحمي نفسي وبحميكي وبحمي ولادنا بقتل ماسة، يا روح ما بعدك روح.
تبادلا النظرات بتوجس؛ فهو محق قتل ماسة هو نجاتهم ونجاة ابنائهم.
تنهدت وأخذت نفسا عميقا، وهزت رأسها بالموافقة: عموما موضوع ماسة والحاجات إللي إنتم عايزين تعملوها مش مهمة أوى، يعني الخطة تمام، حتى لو جت فجأة من غير ما سليم يتحضر نفسيا، مش مهم.
هز عماد رأسه إيجابا بصمت، فتابعت بفضول: طيب أنت ناوي على إمتى؟
أمسك كوب الشاي، وقال موضحا: أنا هحطها تحت المراقبة، وهستنى بس وقت تكون فيه لوحدها، علشان هو مبيسبهاش.
أخرج هاتفه وضغط على الشاشة: بقولك إيه متعرفيش مكان لتعليم الرسم وتنمية المواهب كويس؟
هزت رأسها وتساءلت بفضول: لأ، بس ممكن أعرف، بتسأل ليه؟
مرر الهاتف بين يديه مبتسما: أصل زين طلع بيعرف يرسم حلو أوي، بصي دي صورة مصورها حاططها عندي في المكتب عند بابا.
أمسكت الهاتف ودققت النظر في الرسم، وابتسمت بإعجاب: فعلا حلوة أوي.
وضعت يدها على ذراعه متسائلة بتعجب: تعرف، أنا مستغربة إنك متغيرتش مع الولاد.
هز كتفيه وابتسم ابتسامة صغيرة، وقال بنبرة متأثرة: أتغير معاهم ليه؟! أنا بحبهم جدا، وعشت معاهم 8 سنين وفاكرهم ولادي! مش لازم يكونوا من دمي علشان أحبهم، واستحالة أكرههم علشان إللي عملته صافيناز، أنا أصلا ناوي أخدهم معانا لو معندكيش مانع.
اومأت برأسها: لا خالص أنا كمان بحبهم، مع إن بنتك رخمة، بس أنا هخليها تبقى شبهي، علشان شربت من صافيناز شوية.
مد وجهه يبتسم بسخرية: شبها!!! هي أصلا، عارفة عنهم حاجة ولا بتعبرهم؟
نظر في الفراغ قائلا: عارفة يا سارة، أحيانا بقعد أفكر، وأركز في علاقتها بالولاد، أحس قد إيه كنت غبي، هي عمرها ما كانت حنينة عليهم حتى وهما بيبيهات كان تمثيل.
مسحت على كتفه بلطف: إن شاء الله هنعوضهم، المهم قولي عملت إيه في المشروع بتاعك؟
أخذ رشفة من الشاي: خلاص الشحنة جاية، وطلبت من صافيناز فلوس، ووافقت.
ابسمت ابتسامة ماكرة: بس طبعا الشحنة مش بنفس المبلغ ده أقل بكتير.
هز رأسه ايجابا، فابتسمت سارة: أيوه كده يا عماد خلينا نشتغل بجد
قصر الراوي، 3:00 عصرا.
الاستراحه.
نري هبة وياسين يتجولان في الاستراحه، فقال ياسين بابتسامه وهو ينظر حوله: ايه رأيك، حلوة؟
لمست هبه بعض الديكورات، وقالت بابتسامه مصطنعه: ظريفة بس محتاجة أغير كل العفش ده.
رفع حاجبه مبتسما: أنا ممكن أجيبلك العفش بتاع أوضتنا.
ردت هبه بحزم: لا طبعا مش عايزهم، هات بس حاجات مشابهة لاوضه البنت.
اومأ لها: ماشي يا هبة مفيش مشكله، بس يلا خلينا نطلع للبنت، علشان عندى مشاوير مهمه ومش فاضي.
اومات موافقه على مضض، وتحركوا إلي داخل القصر.
غرفة نالا
جلست نالا على المقعد الصغير، وياسين وهبه بجانبها بابتسامة هادئة، يحاولان إيصال الخبر بطريقة تناسب سنها.
امسكت هبة يدها بحنان، برغم ما بداخلها من ضيق، لكنه لابد ان تفعل ذلك من اجل ابنتها: نالا حبيبة قلبي، أنا كنت عايزة أقولك على حاجة.
نظرت اليها نالا بفضول: قولي.
ابتسمت هبة بتصنع: بصي، انتِ عارفة لوجين؟
نالا ببراءة، وعينيها تتلألأ: آه جوجا.
واصلت هبة، وهي تمسك يدها برفق أكبر: هي هتيجي تعيش هنا مع بابي وهيتجوزها، وأنا وبابي مبقيناش مع بعض خلاص، بس أنا برضو هكون معاكي، وهنقعد في بيت صغير هنا في الجنينة حلو وفي لعب، ولما تحبي تروحي أوضتك، تقدري تروحي في أي وقت.
مالت نالا برأسها باستفسار: طب وانت ليه مش تعيشي معايا أنا وبابي ولوجين؟
تدخل ياسين مسرعا واقترب منها مبتسما بحنان: علشان مش هينفع، أنا وماما اطلقنا.
نالا بعينين مستغربة: يعني إيه تطلقته؟
هبه بهدوء وابتسامه مصطنعه: مبقيناش مع بعض زى ما قولتلك.
تتساءلت نالا بارتباك: وليه مش تكونوا مع بعض؟
ربت ياسين على يدها بلطف: علشان في حاجات بتحصل بين الكبار، وتخليهم ميعرفوش يكونوا مع بعض.
نالا بحيرة: أنا مش فاهمة حاجة.
ابتسم ياسين بحنان: حبيبتي، مش أنت بتحبي جوجا؟
نالا بحماس، تلمس دمية صغيرة بجانبها: أيوه، أنا بحب جوجا أوي.
ضحك ياسين بخفة: خلاص، هتيجي تعيشي معايا هنا في القصر، وماما برضو هتفضل جنبنا، علشان أنا وهي مبقيناش مع بعض، وانتِ هتفضلي مع ماما، وأنا هكون جنبك، وجوجا هتكون جنبك، هنعيش كلنا مع بعض في بيت واحد، بس الفرق إنك هتقعدي مع ماما في بيت تاني، مش في الأوضة دي.
نالا مبتسمة: ماشي مش مهم، بس هاخد اللعب بتاعتي معايا.
تتطلع إليها ياسين بحذر: يعنى أنتِ مش زعلانة؟
هزت نالا رأسها: لا مش زعلانة، أهم حاجة إن ماما تبطل تسافر كتير، علشان بتوحشني، وأنا مبسوطة، علشان جوجا هتيجي تعيش معانا أنا بحبها أوي، وهفضل ألعب معاها كتير علشان ماما بتزهق.
هبه بابتسامه مصطنعه: وهتحضري مع بابي الفرح، مع جوجا هي هتلبس فستان أبيض زي العروسة.
نالا بحماس، وهي تلمس فستانها بخيالها: أنا كمان عايزة ألبس فستان أبيض.
هبه بتهكم مبطن: هتلبسيه، متقلقيش.
ابتسم ياسين وهو يربت على كتفها: الحمد لله، كل حاجة مرت بخير، ومكانش صعب زي ما كنا متخيلين.
بينما هبه كانت تنظر له بضيق يخنق قلبها رغم الإبتسامة، فهي لابد أن تمثل الرضا لكي تعيش تستطيع العيش بجانب ابنتها، لكنها شعرت بالغير والضيق بسبب عدم حزن نالا ببعدها عنها، وترحبيها السريع بوجود لوجين!!