
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع عشر 19 بقلم ليله عادل
{ في لحظة واحدة، تتشابك الخيبات مع الآمال، الصمت مع الدموع، الريبة مع الدفء، لتتضح الحقيقة: الحب ليس كلمات تقال، بل شعور يختبره الزمن في أصعب اللحظات، ويظهر الحب الحقيقي حين تنهار العواصف، وتظل القلوب ثابتة، صامدة، لا تهتز. }
ليلةعادل✍️🌹
الفصل التاسع عشر♥️🤫
[بعنوان: في لحظات الصمت والدموع]
رفعت كوب العصير، وبدت على شفتيها ابتسامة واسعة، بينما ضوء الليزر يلمع فوق جبينها بين ضحكاتها، كان القناص يثبت يده وإصبعه يقترب من الزناد، واللحظة تتجمد كأن الهواء نفسه امتنع عن التنفس.
وفي اللحظة التي أوشكت فيها سبابته على الضغط، ظهر سليم فجأة، كأن الأرض انشقت وأخرجته!!
اشتعلت عينيا القناص بالغضب، وضغط على أسنانه بشراسة تنذر بإنفجار؛ فلم تكن هذه المرأة الأولى التي يكاد أن يقتلها ويظهر سليم فجأة من عدم.
ضرب الجدار بكفه، وتعالت أنفاسه بحدة قبل أن ينسحب من المكان بهدوء بارد.
على الجانب الآخر
كانت ماسة لا تزال تضحك مع صديقاتها، غير مدركة لما يحدث حولها، وحين توقف سليم أمامها، رفعت عينيها نحوه بتساؤل.
سليم بقلق: مبترديش على التليفون ليه؟
ثم ألقى نظرة سريعة على الفتيات وقال بتهذب: مساء الخير.
وقفت أمامه، اعتذرت من صديقاتها وسحبته من يده بخفة، وابتعدا جانبا.
ماسة بصوت خافت ومنزعج: إنت إيه إللي جابك؟! في ايه؟!
سليم متعجبا: كلمتك كتير ومردتيش فقلقت عليكي، وعرفت من راويه انك هنا فجيت.
رفعت حاجبها باستغراب وهي تخرج هاتفها: إنت رنيت عليا؟ ثانية واحدة...
تفحصت الشاشة، فرأت عشر المكالمات الفائتة منه.
ابتسمت ووضعت يدها على شفتيها بخجل: يا نهار أبيض، أنا آسفة يا سليم! كنت في محاضرة والتليفون كان صامت، أصل الدكتور دى رخم ولازم يخلينا نعمل الفون صامت.
ضحكت بخفة وقالت بمداعبه: ماتستخدم سلطتك، وقوله مراتي استثناء.
اومأ ضاحكا: بس كدة عيني.
ننظرة اليها بتساؤل: بس ليه جيتي الكافيه من غير ماتقولي؟!
ضمت شفتيها بلطف: محسيتاش مستاهلة أقول، أصل الكافيه قدام بوابة الجامعة، عديت الشارع وخلاص، وكنت محتاجة أشرب حاجة قبل المحاضرة التانية، أنت أضايقت؟!.
ابتسم وهز رأسه: لا مضايقتش بس قلقت عليكي... ضيق عينيه اضاف متسائل: وبعدين هو لازم تحضري المحاضره التانيه؟!
ماسة بدهشة: إزاي يعني؟
ابتسم وقال بمداعبه: أصلي بدأت أقتنع إن وقتي مينفعش أفرط فيه؟ وبصراحه عاملك مفاجأة هتعجبك أوى.
لمعت عيناها بتساؤل: مفاجأة ايه؟!
قرص خدها بمداعبه: لو قولتلك هتبقي مفاجأه أزاي، تعالى وأنتِ تعرفي.
ضحكت وهي توميء برأسها: ماشي يا كراميل، نكنسل المحاضره.
اومأ برأسه: أيوه كده، يلا تعالي.
رفعت إصبعها: ثواني أسلم على البنات الأول.
عادت إلى صديقاتها، سلمت ودفعت الحساب، ثم عادت له، فشبك أصابعه في يدها بثبات، وخرجا معا.
أثناء تحركهم نظر لها قائلا: هنركب عربيتي، والحراسة هتجيبلك عربيتك.
أومأت موافقة، واستقلوا سيارته، وانطلق الي وجهتهم.
💞_________________بقلمي_ليلةعادل
فيلا عائلة هبة، 12:00ظهرا.
دخل زيدان الفيلا وهو يغلي من الداخل من الغضب والمهانة التي تلقاها من عزت وفايزة، وما أن اجتاز الباب حتى وجد سامية وهبة في انتظاره.
هبة بقلق شديد: إيه يا بابا؟ طمني قالولك إيه؟
ألتفت لها بنظرة حادة، وصوته خرج لازعا: رفض، واتهانت بسبب عندك وغبائك! وهددوني...
قلب وجهه وهو يشير بيده: أسمعي أنا مليش دعوة، ومش هروح تاني! حلي مشكلتك لوحدك.
شهقت ببكاء: يعني إيه يا بابا؟ يعني مش هشوف بنتي تاني؟
زيدان بحسم قاطع: إللي سمعتيه، استني لما ينسوا اللي عملتيه، وياسين يهدى، بقولك هانوني وهددوني!
حاولت سامية تهدئته: أهدي يا زيدان، ده كان متوقع أصلا.
صرخ بغضب مكبوت: لا أنا متوقعتش إنهم يكلموني بالشكل ده! ولا إني أستنى ساعتين برا زي الكلب! مستني يدخلوني!
هبة بصوت ينفجر ألما: أنا مش هستحمل أبعد عن بنتي أكتر من كده! ولا هتنازل عنها ولو علي جثتي! علشان تعرف إن كان عندي حق لما قولت إني مش عايزة أخلف من العيلة دي! دول مافيا، وفاكرين نفسهم فوق الكل!
اقتربت منها سامية بسرعة: أهدي يا هبة! ياسين مستحيل يبعدك عن بنتك، سيبيه يهدى وأنا هروح أكلمه، وبعدين ماتكلمي فريدة أو سليم، هما محترمين وغير عزت وفايزة واخواتهم خالص، أو كلمي ماسة مرات سليم؟ مش صاحبتك؟!
تنفست بعنف وهزت رأسها بعناد، ودموعها تتساقط: أنا مش هكلم حد ولا هستنى ثانيه كمان من غير بنتي! أنا هروح أشوفها غصب عنهم.
اندفعت للخارج تركض كالمجنونة.
صرخت سامية خلفها: يا هبة! أصبري يا هبة أرجعي!ألتفتت نحو زيدان، تستغيث: قول حاجة يا زيدان! البنت هتتجنن!
قال ببرود موجع: مش هعمل حاجة، خليها تتحاسب على الخراب إللي عملته بإيدها.
سامية بصدمة: أحسن يعملوا فيها حاجة!
رفع يده بلا مبالاة: مش هيعملوا حاجة، قولي للحراس يمشوا وراها.
مسحت وجهها بتعب، وقالت وهى تلهث: أنا رايحة مع بنتي مش هسيبها لوحدها...
ركضت خلف هبة التي انطلقت بسيارتها كالسهم.
صرخت سامية في الحراس: اطلعوا وراها بسرعه.
قفزت سامية إلى سيارتها، وانطلقت تلاحق ابنتها، والطريق يقودهم مباشرة إلى قصر الراوي.
فندق الهرم، 12:00ظهرا
إحدى القاعات الكبيرة.
وقفت مي ولوجين في منتصف القاعة الواسعة برفقة منسق الحفل، يتفقدون التفاصيل الأخيرة ويتفقون على الديكورات.
نظرت لوجين حولها بتدقيق: أعتقد كده كله تمام، أنا عايزة كل حاجة تتعمل من غير ولا غلطة.
أضافت مي بجدية: وأهم حاجة، مش عايزة البوفيه يكون فيه أي أكل فيه خمور، ولا حتى يتقدم خمور، الموضوع ده ممنوع.
هز الرجل رأسه: طبعا يا فندم، زي ماتحبوا.
ألتفتت لوجين إليهما: إحنا هنعدي عليكم بعد بكرة نشوف التظبيطات وصلت لإيه، يلا يا مي.
أومأت برأسها، وتحركتا معا نحو الخارج.
وأثناء سيرهما، قالت لوجين بابتسامة: بقولك إيه، تعالي نكمل الحاجات إللي لسه عايزين نشتريها.
اومأت مي ايجابا بصمت، فأضافت لوجين: وأعملي حسابك، إحنا هنقابل مهندس الديكور، وبعدها نروح القصر، أو ممكن بكرة نروح القصر، نشوف الدنيا ماشية إزاي.
هزت مي رأسها : تمام مفيش مشكله.
لوجين بضجر: والله أنا مش عارفة، ياسين ورشدي دول حاطين إيديهم في المية الباردة كده ليه؟!
مي بتوضيح راقي: بيخلصوا شغل مهم علشان يكونوا فاضيين لفترة الهاني مون، أصل رشدي أخيرا أخد مشروع كبير اوي وعمله لوحده فلازم يثبت وجوده مينفعش أي غلط فهو عايز يظبط كل حاجة علشان وهو مسافر ميحصلش أي مشكلة.
اومأت لوجين: طيب يلا إحنا نشوف ورانا إيه.
سيارة سليم، 12:30ظهرا.
جلسا معا في المقعد الخلفي للسيارة، والهدوء يلف الطريق من حولهما.
عدلت جلستها في زاويته متسائلة بفضول: هنروح فين؟
أجابها بصوت منخفض غامض: في حاجة كان المفروض تحصل من أول ما رجعتي، بس أنتِ كنتي مقفلة دماغك، وبعدها فقدتي الذاكرة، دلوقتي جه وقتها.
ضيقت عينيها بتساؤل: طب ماتفهمني؟
أجابها بإبتسامة هادئة: هتعرفي لما نوصل.
هزت رأسها، ثم تنهدت.
ماسة بدلال: طب المفاجأة بتاعتك دى فيها أكل؟! أصلي جعانة أوي، ونفسي في كباب وحمام.
سليم مازحا: بقيتي بتاكلي كتير الفترة دي، بس ده ميمنعش إنك بتبقي أمورة لما بتتخني.
ضحكت وهي ترفع يدها في وجهه: خمسة! الله أكبر! كان عندنا كتكوت ومات.
ضحك بصوت عالي، فأضافت بثقة: بعدين أنا أمورة في كل حالاتي.
هز راسه بإيجاب بنظرة غزل: مقدرش أقول غير كدة ياقطعة السكر.
ضحكا معا، وهما يتبادلان النظرات ويتذكران الأيام الخوالي، ثم انطلقت السيارة مسرعة، يتعاقب الطريق من حولهما حتى وصلوا إلى بوابة الفيلا، توقفت السيارة أخيرا، فنظرت ماسة حولها بدهشة واضحة.
ماسة باستغراب: أنت جايبنا الفيلا؟
راقبها بنظرة هادئة، ثم أومأ إيجابا.
رفعت حاجبيها: والله العظيم أنا ما فاهمة حاجه.
أوما بصوت منخفض: أنزلي بس.
نزل الأثنان معا، وكان عشري واقفا عند باب الفيلا، ينتظر بصمت.
سليم تسأل: هي جوة؟
تلتفت له بمزاح وهي تعقد ذراعيها بمزاح: هي مين دي إللي جوه؟! مراتك إللي متجوزها عليا ولا إيه؟
لم يبتسم، ظل وجهه ثابتا، أما عشري فأومأ برأسه إيجابا فقط، كأنه يعلن أن الأمر جدي.
أمسك سليم يدها بثبات، وسحبها للداخل بخطوات محسوبة.
وما أن تجاوزا المدخل حتى وجدوا صافيناز واقفة في الانتظار، تنظر إليهما بترقب لا تخطئه العين.
تجمدت ماسة مكانها، واتسعت عينيها بذهول مفاجئ، الخوف تسلل إلى قلبها كالسم فاهتز جسدها للحظة، فتراجعت خطوة للخلف، وأمسكت بكفي سليم بشدة، كأنها تبحث عن سند أو أرض تقف عليها.
ألقى سليم نظرة سريعة على قبضتها المشدودة فوق يده، ثم رفع عينيه نحو وجهها، يتأمل ارتباكها باستغراب خفيف، ضغط على يديها بلطف، ومرر بأنامله على ظهرها برفق، بحركة هادئة تحمل في طياتها الطمأنينة، كأنه يحتضنها بين ذراعيه وسط الفوضى المحيطة بها، يحاول أن يخفف عنها رهبة اللحظة ويمنحها شعورا بالأمان.
سليم بنبرة منخفضة: مالك في ايه؟ أهدي أنا معاكي.
ابتعلت ريقها، وحاولت أستعادة أنفاسها، واستجماع قواها التي تلاشت عند رؤية صافيناز، تلك المرأة التى بسببها انهارت وتدمرت حياتها مع سليم، والتي جعلتها تعيش ثلاثة أيام من الرعب بالشارع.
فجأة اندفعت براسها، ذكريات الثلاثة أيام القاسية التي مرت بها والستة أشهر التى تليها، بل كل ما عاشته بسببها خلال العامين الماضيين؛ قلق وخوف وشيء يشبه الغصة القديمة المرة عاد يخنق صدرها، لكنها قاومته بكل مابقي فيها من جلد، في ارادت ألا تظهر ضعفها أمامها رغم كان مايعتمل في قلبها من مخاوف.
أما صافيناز، فوقفت تتأملها بنظرة ممتلئة بالضجر، وبشيء أعمق يشبه الكراهية التي تتخفى خلف قناع مجاملة هشة واعتذار كاذب، تحاول أن تبدو طبيعية، لكن ملامحها فضحت ضيقها بوضوح.
كل هذا مر في ثانية، لكن أثره أمتد في قلب ماسة كالدهر.
أشار سليم بيده نحو صافيناز وهو يقول بنبرة لازعة، وابتسامة لها معنى: صافيناز جاية تعتذرلك على المقلب السخيف إللي عملته يوم الحفله، وهي بتحاول تستخف دمها التقيل.
اقتربت صافيناز بخطوات محسوبة، وابتسامة مصطنعة تتدلى من شفتيها محاولة أن تبدو نادمة: أنا آسفة يا ماسة، والله مكنتش أقصد، كنت بهزر معاكي، بس سليم شرب العصير بالغلط.
رفعت ماسة عينيها نحوها للحظة، تأملتها لوهلة بدهشة، نظرت بعيدا وكأنها لا تريد أن تراها، وتخشى مواجهتها.
بينما كان سليم يحدق فيها بحدة لا ترحم وعينين لا تتحرك، نظراته كانت تحمل معاني كثيرة؛ تهديد، تحذير، وأمر صامت تفهمه صافيناز جيدا.
اقتربت صافيناز أكثر، وهي تحاول أن تبدو منكسرة: حقك عليا يا ماسة، عارفة إن الاعتذار جه متأخر، بس أنتِ اختفيتي فجأة، معرفش ليه؟!
وفجأة، مدت يدها وأمسكت بكف ماسة بقوة خفيفة، ارتعشت قلب ماسة وتسارعت دقاته، فهي لم تستطع فهم ما الذي يحدث، حتى فاجأتها صافيناز في اللحظه التاليه بانحناءة مفاجئة، ثم وضعت قبلة خفيفه على كفها.
اتسعت عينا ماسة بصدمة، بينما رفعت صافيناز راسها، ووضعت قبلة على جبينها بإبتسامة مصطنعة خلفها كراهية وحقد دفين.
حاولت ماسة الثبات، لكنها لم تستطع اخفاء الارتعاش الذي سيطر على جسدها، الدموع تكاد تنفجر من عيناها، ليس خوفا، بل صدمة واشمئزازا وفرحة أنها تأخذ حقها الآن.
ظلت عيناها معلقتين على وجه صافيناز، وهي تري تمثيلا رخيصا يخفى خلفه شيئا أعمق.
ظل سليم يراقب المشهد بصمت بنصف ابتسامه جانبيه ارتسمت على وجهه قبل أن يتساءل بدقئ: ها يا عشقي سامحتيها ولا؟!
ارتبكت ماسة ونظرت إليه بإرتباك واضح، أعادت نظرها لصافيناز، تحاول قرأت ما وراء التمثيل والاعتذار، فهي تعرفها جيدا، وتعلم أن هناك كره مختبئا خلف ذلك المظهر المنكسر الوديع، لكنها شعرت بثقل القرار: هل تسامحها، حتى بالكذب أمامه، لتمنع وقوع كارثة أكبر؟!
ترددت بين القبول والرفض؛ فكيف تسامح من دمرت حياتها، وهدمت كل ما كان لها؟ وكيف تتغاضى عن تلك الأهوال التي خلفت في روحها ندوبا لا تمحى؟ لكنها رغم ذلك، شعرت بانقباض عميق، وخوف لم تستطع تجاهله.
تعلم أن سليم، إن سمعها تقول "لم أسامحها"، فلن يكتفي بقبلة على اليد.
تعرفه جيدا، وتعرف كيف يأخذ حقها، وكيف يؤدب صافيناز ويجبرها على الخضوع، مهما كلف الأمر، وقد يدفعها إلى أن تنحني أكثر وربما يجبرها على تقبيل قدميها أمامه.
وصافيناز تلك التي لا تقبل إهانة ولا تطيق الانكسار إن وصلت الأمور إلى هذا الحد، فستتحول إلى وحش كاسر، سينقض عليها وعلى عائلتها بلا رحمة.
ارتجف قلبها، فهي ما زالت تخشاهم، ولم تمتلك بعد الشجاعة لمواجهة انتقام صافيناز إذا انكسرت كرامتها أكثر.
مسحت وجهها بكف مرتجف، بينما مرر سليم يده على ظهرها بلطف، وصوته منخفض لكنه يحمل قوة لا تقبل تحديا: ها يا حبيبتى مسامحاها؟! لو مش مسامحاها قولي، وأنا أخليها تعتذر صح لحد ماترضي.
ابتلعت غصتها، وأغمضت عينيها لحظة طويلة، كأنها تحاول حبس خوفها داخل صدرها، ثم همست بصوت خافت يكاد يسمع: مسامحاها..
هي لم تسامحها ولم تنس، ولكن حاولت تدارك الموقف، لكى تبعد نفسها عن سم صافيناز.
مرر يده على ظهرها، يمسح بخفة مهدئة: لو مش مسامحاها عادي براحتك.
أومأت برأسها، وقالت ببطىء كأنها تضغط على الكلمات لتخرج: خلاص يا سليم، قولت مسمحاها. المسامح كريم.
ابتسم ابتسامه جانبيه، وقال بمزاح خفيف: شوفتي بقى مراتي طيبة إزاي؟ وسامحتك.
صافيناز بإبتسامة باهتة: ماسة طول عمرها قلبها كبير.
سليم ببرود حاد: أنا كنت معاقبك، وواخد منك كل أسهمك، ومانعك من دخول المجموعة، حاليا ممكن أرجعك المجموعة تاني، لو ماسة وافقت، لكن الأسهم؟ لا.
ثم نظر إلي ماسة متأملا وجهها بإبتسامة: ها يا حبيبتى، إيه رأيك أرجعها المجموعة؟!
نظرت له ثم لصافيناز، وهمست بتوتر: رجعها.
هز رأسه بعدم اكتراث: تمام، من بكرة ممكن ترجعي المجموعة تاني، لكن أكتر من كده متحلميش...
أضاف بنبرة صارمة، وتهديد صريح: ولو فكرتي تستخفي دمك تاني؟ أنا كمان هستخف دمي، وأنتِ عارفة دمي قد إيه خفيف.
خفضت صافيناز رأسها بسرعة، وحاولت رسم الابتسامة: تمام يا سليم حاضر.
التقطت حقيبتها، واستدارت لتغادر، وفي اللحظة التي مرت فيها أمام ماسة رفعت عينها إليها بنظرة سوداء، ممتلئة بالحقد والوعيد، نظرة إعلان حرب جديدة.
ثم غادرت بخطوات ثقيلة تسمع وكأنها تسحق الأرض تحت قدميها، كانت أنفاسها متسارعه، وقلبها يغلي غلا وكرها وغضبا مكتوما يكاد يفيض من عينيها.
فكيف لابنة الباشوات أن تنحني لخادمة؟ كيف تجبر على طلب السماح ممن كانت تعتبرها لا شيء؟ ممن كانت تراها يوما أقلّ من ظلها؟
ذلك الإذلال كان أثقل من أن يحتمله كبرياؤها، لكنها اضطرت لابتلاعه مرغمة؛ فعودتها إلى المجموعة لن يتم إلا بهذا الخضوع، خضوع تمقته كما تمقت اسم ماسة نفسها، بل وسليم أيضا الذي أجبرها على هذا الانكسار.
بينما سكنت ماسة في مكانها عقب مغادرتها، كأن الهواء تجمد حولها، شهقت نفسا خفيفا، تحاول استيعاب ماحدث، بينما الرجفة الصغيرة في أطرافها مازالت تخونها.
لم تمر ثواني حتى اقترب منها سليم بخطوات هادئة، ثابتة، ووقف أمامها مباشرة، وأخذ يتفحص ملامحها بدقة، تساءل بصوت هادئ: بجد راضية ولا لأ؟!
زم شفتيه بضيق: بصراحة أنا مش راضي، وكان نفسي أعمل فيها أكتر من كدة، زي ماعملت فيكي، وأعرضها لكل إللي اتعرضتيله، بس أنا عارف إخواتي وعارف إيه إللي بيوجعهم.
حول نظره نحو الباب الذي خرجت منه صافيناز؛ وابتسامة باردة مرت على شفتيه، قبل أن يعود ببصره إليها أضاف: ولما ترجع المجموعة هخليها مجرد عسكري طيشة، مكانها الطبيعي إللي تستحقه.
ماسة بصوت صغير، يكاد يختفي: ليه؟! ليه مقولتليش قبل ماتعمل كده؟
رفع حاجبه بخفة، وملامحه فيها لمحة استغراب دافئ: إيه المفاجأة وحشة؟
هزت رأسها ببطء: لا، بس كنت عايزة أكون عارفة، أحضر نفسي على الأقل.
اقترب خطوة، ونظر إليها بنظرة ثابتة تبحث عن ذرة رضا، ثم تساءل بابتسامه: طب بجد راضية؟
تنفست ببطء، كأنها تتحدى الخوف الذي داخلها: آه خلاص، بس أنت عارف يعني إيه صافيناز تعتذرلي أنا ماسة ال...
وقبل أن تكمل، وضع أصبعه برفق على شفتيها: هششش...
سكنت للحظة، تنظر إليه بصمت، وعينين تترقرق بالدموع، أزاح يده من شفتيها ووضعها على خدها، يمر بأنامله عليه بلطف كأن لمسته وعد أمان لا ينقطع.
سليم بنبرة عميقة، تحمل حزما وحنانا: متقوليش الكلام إللي بيغيظني ده، أنتِ مقامك كبير يا ماسة، وأوعي تفتكري إن علشان كنتي فقيرة ووالدك ووالدتك زمان كانوا بيشتغلوا عندنا، يبقى صافيناز ولا غيرها ميعتذروش لما يغلطوا في حقك؟! لا تعتذر وتبوس الأيد كمان، وأنتِ من حقك تقبلي يا متقبليش.
هزت رأسها، وقالت بنبرة مرتجفة: بس صدقني هي كبيرة؟ علشان مغرورة، وأنت كسرت غرورها.
توقف لحظة عيناه تنخفضان نحوها بنبرة صوت أخفض، أقرب لتهديد لا يوجه لها بل للعالم كله: وأكسر أي حد يفكر يأذيكي يا ماسة، أنا عندي استعداد أحرق العالم كله، لو نزلت دمعة منك.
رفعت عينيها اليه بإرتباك واضح، وعينيها تترقرق بدموع محتبسة، نظرت له ثانية أطول من اللازم، كأنها لحظة اعتراف غير منطوق بتأثر وضعف.
وفجأة ألقت بنفسها بين أحضانه، وضمته بقلب يبحث عن أمانه الحقيقي.
رفع ذراعه ببطء، وأحاطها بالكامل، يحتويها بحنانه، وكأن حضنه هو الجدار الأخير الذي لن يسمح لشيء أن يمسها بعد الآن.
وبعد دقائق من ذلك العناق، أبعدها عنه قليلا، ومازالت كفاه تضمان كتفيها، وعيناه تغوصان في بحور عينيها بحنان، وقال بنظرة حماسة: بقولك إيه أنتِ مش كنتي جعانه؟! إيه رأيك نخلي سحر تعملنا غدا حلو، ونطلع نتغدى بره في الجنينة، قصاد النيل؟
نظرت إليه بصمت للحظة؛ فالتوتر الذي سيطر عليها افقدها شهيتها للطعام، لكنها حاولت أن تبدو طبيعية وألا تظهر ارتباكها حتى لا تثير شكه بها.
اومأت بهدوء: ماشي.
تنهد ثم نادى: سحر!
جاءت سحر بإحترام: أفندم؟
سليم بتهذب :من فضلك أعمليلنا الغدا في الجنينة برة.
هزت رأسها بإيجاب، بينما أمسك هو بيد ماسة وسحبها برفق، متجهين نحو الحديقة المطلة على النيل،جلسا هناك، وبدأ الخدم في تجهيز الطعام.
♥️_______________بقلمي_ ليلةعادل
قصر الراوي، 1:00ظهرا
وصلت هبة إلى القصر، وما إن توقفت أمام البوابة حتى تقدم أحد الحراس ليمنعها
الحارس بصرامة: مدام هبة، ممنوع الدخول.
صرخت بإنفعال: يعني إيه ممنوع الدخول؟ أفتح الباب!
الحارس بتهذب: يا فندم دي أوامر، حضرتك ممنوعة من دخول القصر في الوقت الحالي.
تساءلت بغليان: ياسين جوة؟
الحارس: أيوة يا فندم، ياسين بيه جوة.
تحركت بعصبية، هبطت من سيارتها، وأمسكت هاتفها تتصل بياسين لكنه لم يرد، وفي اللحظة نفسها
وصلت سيارة أخرى، ترجلت منها الحراس وسامية.
اقتربت سامية ومعها الحراس: يلا يا هبة، متعمليش مشاكل.
الحارس الآخر كان يتصل بالداخل، ليبلغ عن ما يحدث: شاكر هبة هانم بره ومعها حراسة وعايزة تدخل بالعافية.
صرخت هبة بعصبية: روح بلغ ياسين! وقوله إني بره! بدل ما أكسر البوابة دي!!
تحركت وأخذت تضرب بيدها على البوابة بقوة وغضب، وصوتها يتردد في المكان.
بينما سامية كانت تحاول إيقافها: هبة أرجوكي كفاية..
في الجهة الأخرى من الحديقة
جلست فايزة بهدوء تحتسي قهوتها، اقترب منها أحد الحراس، وقال بإحترام: فايزة هانم هبة هانم بره وعاملة مشكلة كبيرة، وعايزة تدخل بالعافية.
صمتت لحظة، ووضعت الفنجان بهدوء، ونهضت: محدش يبلغ ياسين، أنا جاية.
تحركت بخطوات ثابتة في الحديقة، وصعدت إلى السيارة الجولف وقالت بصوت حازم: وديني على البوابة يلا!
بينما كانت هبة على اتجاه اخر
تضرب على الباب بيدها بقوة، جسدها مشدود، وعيونها متسعة من الغضب، تصرخ محاولة لفت الانتباه، ويدها الأخرى ممسكة بالهاتف بأصابع مرتجفه من الغضب تحاول الاتصال بياسين الذي لم يرد!
على إتجاه اخر في غرفة ياسين
كان الهاتف موضوعا على الفراش والغرفة فارغة، وصوت المياه يتسرب من المرحاض.
عند البوابة
هبطت فايزة من السيارة الجولف بخطوات واثقة، وأشارت للحراس أن يفتحوا البوابة، وما أن فتحوها، حتي حاولت هبة الدخول بسرعة، لكن فايزة اوقفتها ودفعتها من صدرها بقوة.
فايزة بصرامة قاطعة: أوعي، تعدي الخط ده.
هبة بصياح غاضب: أنا هدخل أشوف بنتي غصب عنك! ومعايا القانون!
ابتسمت فايزة ببرود: تمام روحي للقانون وخليه ياخدلك بنتك..
وجهه نظراتها لسامية وقالت بنبرة غليظة: خدي بنتك وأمشي.
سامية غاضبة: هي من حقها تشوف بنتها! إللي بتعملوه ده عيب للعشرة حتي!
ابتسمت فايزة بسخط، وقالت بجفاف قاتل: العيب إللي بنتك عملته يا سامية، وده رد فعل قليل على إللي هي عملته، كويس إننا سيبينهالك عايشة.
قلبت هبة وجهها بغضب وتحدي: متتحدينيش يا فايزة هانم! أنا عندي كتير أقوله، وهفضحكم في كل حته، اتقي شري، أنا عايزة بنتي وبس.
اقتربت فايزة خطوة، وعينيها تلمع قسوة: أعملي إللي أنتِ عايزاه وشوفي أنا ممكن أعمل إيه.
على اتجاه آخر في غرفة ياسين
خرج من المرحاض مرتديا ملابس منزلية، يجفف شعره بالمنشفة، في تلك اللحظة، تعالي طرق الباب، ودخلت إحدى الخادمات، وعلى ملامحها توتر واضح.
الخادمة بارتباك: ياسين بيه
رفع رأسه ونظر إليها بإستغراب: في إيه؟
الخادمة بإرتباك: هبة هانم واقفة على البوابة، وعايزة تدخل بس الهانم مانعاها.
انقبض فكه بغضب مكبوت، واندفع خارج الغرفة وهو يقول بحدة: طب خلي بالك من البنت، ومتخليهاش تحس بحاجة.
عند البوابة.
صاحت هبة بغضب وهي تتحدي فايزه: هدخل غصب عنك وعن أي حد
حاولت الاقتحام، لكن فايزة صدتها ودفعتها للخلف، وأمرت الحراس بإخراجها.
كاد الحراس أن يمسكوها، لكن سحبها أحد حراسها للخلف وهو يصرخ ويصوب مسدسه: خليك مكانك أنت وهو.
تدخل حراس القصر، وكاد الأمر يتطور لمشاجرة حقيقية، حيث رفع الحراس أسلحتهم في مواجهة بعضهم البعض، إلى أن وصل ياسين مسرعا في تلك اللحظة.
اقترب بصوت جهوري غاضب: بس!! نزل سلاحك أنت وهو!! بسرعة! قولت نزل سلاحك
صمت الجميع فورا، وبدأوا في هبوط أسلحتهم
تقدم ياسين خطوة: أنتِ بتعملي إيه يا ماما؟
فايزة ببرود: بعمل الصح.
زفر بضجر: من فضلك يا ماما، أدخلي جوة.
فايزة بإصرار: مش هدخل.
ياسين برجاء: ماما لو سمحتي، مش عايز أشوف حد واقف هنا، يلا.
بدأ الجميع بالانسحاب، وبقيت فايزة ثابتة تنظر له بغضب
اقترب ياسين من هبة، وتساءل بنبرة جامدة: إيه إللي جابك؟
ردت من بين اسنانها: عايزة أشوف بنتي!
تدخلت سامية بهدوء: ياسين، هبة غلطت، بس أوعى تغلط بغلط أكبر البنت محتاجة أمها، متحرمهاش منها، أنت زعلان؟ حقك بس البنت ملهاش ذنب.
نظر إليها وزفر بضيق: أنا أصلا كنت هكلمها تيجي تشوفها، علشان البنت سألت عليها، وأنا مكنتش هسيب بنتي زعلانه، بس إللي هي بتعمله دلوقتي، مش طبيعي برضه.
هبة بضجر: أنا كلمتك ومردتش.
أجابها مفسرا دون أن ينظر إليها: كنت في التواليت، اتفضلي أدخلي.
ضيقت فايزة عينيها بضجر: أنت هتدخلها؟
هز رأسه بهدوء: آه هتدخل.
رددت بنبرة لازعة من بين أسنانها: متبقاش عاطفي يا ياسين! البنت دي لازم تدفع التمن!
نظر إليها بعينين صارمتين: ماما بعد إذنك، علشان خاطر نالا.
دخلت سامية وهبة، وأشار ياسين نحو السيارة، فجاءت سيارة الجولف لتأخذهم إلى الداخل، جلسوا فيها بهدوء مشوب بالتوتر، أما هبة فجلست تفكر بضجر، وعيناها تحدقان في الطريق بشرود وكأنها تزن كل خطوة ستتخذها بعد ذلك.
نظرت ساميه إلى ياسين بامتنان: شكرا يا ياسين.
ابتسم بخفة: العفو
ثم رفع عينه نحو هبة قائلا بنبرة جامدة: البنت متعرفش أي حاجة ولسة متكلمتش معاها، أنا قولتلها إنك مسافرة ومشغولة الفترة دى، ياريت متعمليش أي حاجة تخليني أندم إني سمحتلك تشوفيها.
لم ترد، وبقيت عيناها مثبتتان إلى الأمام، وجسدها متماسك لكن فيه توتر خفي في قبضتها على المقعد.
وبالفعل، دخلوا إلى الداخل، وبقيت هبة وسامية في الحديقة بينما دخل ياسين الى الفيلا لكي يجلب نالا.
وضعت سامية يدها بلطف على كتف هبة: شوفتي بقى مكانش هيحرمك من بنتك، فايزة وعزت هما السبب، انما ياسين راجل محترم، مهما كان متعصب ومتضايق منك، مش هيعمل كده.
لم ترد عليها، فقط اخذت تنظر نحو باب الفيلا بصمت.
غرفة نالا
دخل ياسين الغرفة، كانت نالا تجلس على الأرض تلعب بالعابها.
ياسين بنبرة مرحة: نالا الحلوة
رفعت عينيها نحوه بإبتسامة: بابي.
ياسين بإبتسامة وهو يداعب شعرها: هو أنتِ مش قولتلي ان مامي وحشتك وعايزة تشوفيها؟
نالا بحماس: أيوه يا بابي! هي هترجع من السفر إمتى؟
ضحك بخفة: هي رجعت تحت، يلا تعالي نشوفها.
قفزت بحماس وفرحه، فحملها وهبط بها إلى الحديقة، وفور أن رأتها هبة انهارت، وركضت نحوها تضمها بقوة، وتقبلها في وجهها ويديها مرارا بلهفه وشوق: حبيبتي، وحشتيني، وحشتيني أوي.
تساءلت نالا بعينيها الصغيرتين القلقتين: مامي أنتِ هتسيبيني وتسافري تاني؟
هزت رأسها، وقالت ببكاء: لا مش هسيبك.
تدخل ياسين سريعا: مامي دلوقتي مشغولة، وبتسافر كتير علشان شغلها، فمش هتبقى معانا كتير الفترة دي، زي ما قولتلك، لكن لما تيجى من السفر أكيد هتيجي وتشوفك زى دلوقتي.
هزت نالا رأسها باستسلام.
مدت سامية ذراعيها نحو نالا بإبتسامة دافئة: نالا مفيش وحشتيني لنانا؟
نظرت لها نالا بعينيها الواسعتين، وركضت نحوها بضجة طفولية: وحشتيني يا نانا! عاملة إيه؟
ضحكت سامية بخفوت، حملتها وضمتها لصدرها بقوة: الحمد لله يا حبيبتي.
أشار ياسين نحو المقاعد: اتفضلوا أقعدوا.
تحركوا وجلسوا في الحديقة.
جلست هبة على العشب، تضم نالا كل دقيقة، تقبل خدها ويديها، وكأنها تحاول تعويض غياب الأيام كلها في لحظة واحدة، أصابعها ترتعش وهي تمسح على شعرها، وعينيها لا تفارقها لحظة.
على بعد خطوتين، جلس ياسين على كرسي منفصل، يراقب المشهد بشيء من الوجع والضيق.
وهنا دخلت فايزة بخطوات واثقة ووجهها متجهم، وقفت بجانبه، وقالت بضيق واضح: مكنتش أعرف إنك عاطفي أوى كده يا ياسين؟
ياسين بعقلانية: مصلحة بنتي عندي أهم من أي حاجة في الدنيا، البنت كانت بتسأل عليها وبتعيط، وبعدين لازم نفهمها إن لوجين هتيجي وتعيش هنا.
تنفست فايزة بضجر وقالت بشدة: أوعى تكون فاكر إني هسمح إنك تودي البنت لهبة في الهاني مون.
توقف ياسين بجانبها وهو ينظر لها: أكيد لا.
ثم مسح على ذقنه موضحا: بس ممكن أخليها تيجي تقعد في الاستراحة مع البنت، بس مش هتخرج بيها، ولا هتعمل حاجة، حتى بعد كده، لما تيجي تشوفها في الويك إند، هتقعد معاها في الجست هاوس برضه.
ضحكت فايزة ضحكة قصيرة فيها اتهام: طيبة قلبك دي هي إللي عاملة فيك كده، أنا مش موافقة، وباباك برضه مش هيوافق، هبة مستحيل تدخل القصر بعد كل إللي عملته، إنسى إن ده يحصل، المفروض تتحرم من بنتها طول عمرها.
نظر لها نظرة فيها إنذار صريح: متضطرنيش آخد بنتي وأروح أعيش في الفيلا لوحدي، وهناك أعمل إللي أنا عايزه، بنتي مش هتدخل في حساباتكم.
لفت فايزة وجهها له بسرعة، وقالت بضجر: إللي أنت بتدافع عنها أوى دي، وزعلان إنك هتحرمها من البنت؟قتلت ولادك الاتنين! وإللي تعمل خطوة زي دي ممكن تقتل بنتك عادي، أوعى تنسى إن أنت هتتجوز وممكن غضبها والغيرة، يخليها تعمل حاجه في البنت، في ستات بيعملوا كده!
توتر وشد فكه بقوة: أنتِ بتخوفيني؟
رفعت كتفيها ونظرت داخل عينه بقوة: أنا بفوقك.
رد بثبات: هبة عمرها ماهتعمل كده.
ردت بسرعة، وعينين متسعتين: ومكانش متوقع إنها تقتل وتعمل إللي عملته برضه، بلاش الثقة دي.
هز رأسه معترضا بعدم اقتناع: في فرق كبير، وبعدين أنا أخدت قرار خلاص، وكنت هقولك أنتِ والباشا.
تنفست بحدة، وقالت باستسلام: ماشي يا ياسين براحتك، بكرة تندم.
نظر لها بصمت، ثم تحرك واقترب من هبة ونالا، انحنى إلى مستوى نالا، وسألها بابتسامة خفيفة: مبسوطة إنك شوفتي مامي؟!
هزت رأسها بحماس: مبسوطة أوي يا بابي.
وجه نظراته لهبة وقال بجدية منخفضة: هبة، تعالي ثواني.
وقفت في مكانها للحظة، تنفست بصعوبة، ثم تحركت بخطوات بطيئة نحوه
ياسين بصوت هادئ، ونبرة فيها قرار نهائي: أنتِ أكيد عرفتي إني هتجوز يوم الخميس، البنت ممكن تفضل معاكي، بس بشرط، هنا في الجست هاوس، محدش هيقربلك، ودى وعد مني.
نظرت له بإستغراب وضجر: أنت عايزني أقعد هنا؟ دول محدش فيهم بيطيقني.
أجابها بهدوء: أنا بوعدك، محدش هيقربلك ولو عايزة تجربي تعالي التلات أيام إللي فاضلين لو حد عملك حاجة، كلميني فورا...
أضاف وهو ينظر نحوها وكأنه يذكرها بالحقيقة: وبعدين محدش هانك هنا يا هبة، أنتِ إللي كرهتيهم فيكي من كلامك عليهم، حتى لو كلام حقيقي بس عمرك ماشوفتي منهم حاجة وحشه تجاهك...
تنهد وأضاف بحزم:
المهم، قدامك اختيار من اتنين، يا إما تقبلي تعيشي مع بنتك الشهر كله هنا في الجست هاوس، ياهتشوفيها كل ويك أند هنا برضه، عايزة تباتي براحتك، مش عايزة تيجي الصبح وتمشي بالليل،
بس البنت مش هتخرج بره القصر، ولازم نفتح معاها موضوع جوازي وطلاقنا النهاردة.
رفعت ذقنها، وقالت بصوت مهزوز لكنه متحدي: أنت فاكر إني هقبل بالأوامر دي؟ القانون معايا.
ضحك بسخرية: لسه برضه مصره على عنادك؟ تمام أعملي إللي أنتِ عايزاه.
قالت بحدة، والدموع تلمع في عينها: طبعا مش فارق معاك، عارف إني مش هكسب القضية.
رد دون تردد: أكيد.
تساءلت بضجر حزين: وهتستفيد إيه؟ لما تاخد بنتي مني؟
رد بحدة وازدراء: علشان خايف عليها منك، مش هعيش بنتي بعيد عنى مع واحدة زيك، ممكن تفسد عقلها؟ وتطلعها حقودة، ومتعرفش الرحمة زيك بالظبط.
رمقته بنظرة طويلة باردة: آه بس لو طلعت زي أهلك مجرمة، عادي؟!
قلب وجهه بضجر، وحاول الحافظ على هدوءه: أحترمي نفسك يا هبة، لإني والله واقف قدامك ومتحملك بالعافيه علشان البنت، بس متنسيش أنا في لحظة ممكن أبقى زي أخلاق أهلي إللي مش عاجبينك دول.
تراجعت خطوة، وقالت بضجر: متهددنيش يا ياسين.
اقترب نصف خطوة، وقال بصوت منخفض لكنه قاطع: وأنتِ احترمي نفسك، ومتخليش الحوار بينا يوصل لكده.
صمتت ثواني ثم قالت: هفكر، وهرد عليك.
حرك يده بإشارة إنهاء: طب يلا علشان نقول للبنت.
هبة بتردد: مش هينفع، لازم نصبر لحد ما نقعد مع ثيرابست، ويقولنا نبلغها ازاي.
هز رأسه واقفا: تمام.
ثم نظر لسامية قائلا بابتسامه: منورة يا هانم، ووقت ماتحبي تشوفي حفيدتك تعالي.
رفعت سامية عينيها نحوه بحزن: تسلم يا ياسين، بس زيدان زعلان جدا، عزت وفايزة كلموه بطريقة مش لطيفة.
ياسين بهدوء: طبعا زعلانين، حضرتك عارفة هبة عملت إيه، ومع ذلك قوليله ياسين بيبلغك اعتذاره، وأنا هبقي اتكلم معاهم، عن أذنكم.
أومأت براسها، فتركهم مع نالا وابتعد بهدوء.
جلست هبة مجددا قرب ابنتها، تضمها بقوة، فتمتمت سامية بحسرة وهي تنظر إليها: شايفة؟ ضيعتي واحد مش هتعرفي تعوضيه، رغم إللي عملتيه فيه، محرمكيش من بنتك، لو حد غيره مع عيلة زي دي كان زمانه دفنك، أنا هقوم أكلم زيدان أطمنه.
رفعت عينيها نحو والدتها، بنظرة فيها وجع وانكسار، ثم مسحت دموعها سريعا وعادت للعب مع نالا، وكأنها تحاول صنع لحظة أمان أخيرة قبل أن تنهار.
أماكن مختلفة، 2:00 ظهرا.
نرى مي ولوجين تتنقلان من محل لاخر لشراء باقي اللوازم التي تحتاجانها، وبعد الانتهاء، وضعتا المشتريات في السيارة، ثم توجهتا إلى أحد مطاعم الوجبات السريعة.
جلستا تتبادلان الأحاديث وهما تتناولان الطعام، في أجواء خفيفة تخفف من إرهاق اليوم الطويل.
تساءلت لوجين بحذر: هو أنتِ حبيتي رشدي إزاي؟ لإني حاسة إنكم مختلفين خالص، لو ميضايقكيش يعني ممكن تحكيلي.
ابتسمت مي بخجل، وأجابت وهي تلتقط لقمة من الطعام: لا هضايق ليه، هحكيلك عادي.
وبدأت تروي لها قصتها مع رشدي من بدايه تعارفهما.
اتسعت عينا لوجين بدهشة: واو، قصتكم تحفة، متوقعتش إن رشدي ممكن يكون كده! بس فعلا شكله حبك خالص.
ارتسمت ابتسامة رقيقة على وجه مي، ولمعت عيناها بوميض الحب: أنا كمان حبيته أوي، لإنه اتغير علشاني، وبيحاول يعمل كتير علشان يخليني مبسوطة.
صمتت لحظة، ثم تساءلت بفضول: وأنتِ بقي إزاي عرفتي تحبي ياسين، خصوصا إنه كان متجوز؟
تنهدت لوجين ونظرت للأمام لحظه، ثم ألتفتت إليها بارتباك، وقالت بخفوت: هتصدقيني لو قولتلك إني، لما قربت واتعرفت على ياسين، مكنتش حاطة في دماغي إني أحبه أو أقرب منه، كل حاجة حصلت بالصدفة، ده أنا كنت بحاول أزقه علشان يكمل في جوازته، ولما فهمت مشاعري قررت أبعد رغم إنه حاول يقرب مني، وكنت فاهمة مشاعره، بس رفضت أكون سبب خراب حياته وبيته...
تنهدت وهي تومأ برأسها بنبرة متأثرة: لحد اليومين إللي فاتوا لما عرض عليا إننا نتحوز بعد انفصاله من مراته رفضت، لدرجة إني روحتلها واتحايلت عليها، بس هي كانت إنسانة…
صمتت للحظة وهي تشد على اسنانها الأمامية فهي لا تريد أن تقول شىء عليها، تنهدت واضافت: ربنا يهديها، بس استفزتني لدرجة إني في نفس اللحظة قررت أروح لياسين وأقوله إني موافقه إننا نتجوز.
اختلطت مشاعر مي بين الدهشة والحيرة، وضغطت بيديها على الطاولة: أنا كنت معاها لحد ما رشدي فهمني إنها أجهضت مرتين!! اتصدمت! يعني علشان متضايقة شوية من والدته ووالده؟ تعمل الجريمة دي، بصراحة كل تعاطفي معاها انتهى، وحسيت فعلا إنها متستحقش ياسين، أنا للأسف متعاملتش معاها خالص، بس من كلام رشدي وإللى عملته حسيت إنها متستحقش الفرصة.
ابتسمت بخفة، وهزت رأسها بتساؤل مرح: يعني أنتِ مش شايفاني خطافة رجالة!
ضحكت، وهي تهز كتفيها بتوضيح وعقلانية: لا أبدا ! أنتِ شكلك إنسانة محترمة، وبعدين خطافات الرجالة دول بيبانوا، لو أنتِ خطافة رجالة مكنتيش سبتيه ولا رفضتي ولا روحتي لمراته، بس التوقيت وطريقة جوازكم هتخلي الناس تتكلم لأسف، فلازم تكوني مستعدة.
هزت رأسها ببطء، وهي تبتسم بتفهم: عندك حق، بس أنا عارفة نفسي وياسين عارفني كويس، الناس كده كده هيتكلموا، اتجوزنا بعد شهر اتجوزنا بعد سنه هيتكلموا، لأن في الفترة دي هنتكلم ونتقابل، حتى لو حاولنا نخفي الموضوع، بس بعد مانتجوز صورنا هتملا السوشيال ميديا والناس هتتكلم، وصورنا القديمة هتنتشهر لأن لينا صور كثيرة مع بعض، فاللي هيتقال دلوقتي هو نفسه إللي هيتقال بعدين، فخلاص بقى، مش فارقة، التأجيل مش هيفيدنا بحاجه غير إننا هنضيع وقت من عمرنا وأحنا مش سوا.
مي بإبتسامة، قالت بعقلانية وتشجيع واقتناع: صح، عندك حق، مادام مبتعمليش حاجة غلط وواثقة في نفسك، كملي.
ابتسمت لوجين، ورفعت يدها بخفة: بقولك إيه غيري الموضوع، وخلينا نتكلم في حاجات تفرح؟ مثلا بكرة نروح نبص على الفساتين، إيه رأيك؟ أنا أعرف مصمم أزياء حلو أوي، شريف درغام.
مي بحماس، وهي تمدغ الطعام: آه طبعا، ده مصمم مشهور جدا.
أكملت لوجين، وهي تلوّح بيدها: خلاص، نروحله ونشوف الكوليكشن إللى عنده ونتفق معاه عشان نظبط موضوع الفساتين.
هزت مي راسها بإيجاب حماسي: اتفقنا.
أخذتا يتبادلان الأحاديث والضحك مجددا، حتى انتهيا من الطعام.
أوصلت لوجين مي إلي المنزل، وأشارت بيدها مودعة بابتسامه، ثم رحلت.
قصر الراوي، 2:00 ظهرا.
دخلت صافيناز بخطوات ثابتة، تحمل حقيبتها بين كفيها بقوة، كأنها تشد عليها لتمنع نفسها من الانفجار، كانت ملامحها متوترة، يكسوها الضجر والغضب، وفي داخلها نار تشتعل بلا رحمة.
اقتربت إحدى الخادمات بخوف: أجيبلك حاجة يا هانم؟
ألتفتت إليها بحدة، وصاحت بغضب: أمشي من وشي!
تراجعت الخادمة بسرعة وهي ترتعش، بينما تابعت صافيناز سيرها، دخلت المصعد وضربت الزر بعنف، كأنها تريد أن تسكت شيئا يضج داخل صدرها، وما إن وصل المصعد إلى الطابق الأخير، خرجت مسرعة نحو غرفتها.
اندفعت إلى داخل الغرفة، وبدأت تكسر كل ما تصل إليه يدها، كأنها تحاول أن تسقط غضبها على الأشياء قبل أن يلتهمها، تتمزق من الداخل، فالاعتذار الذي قدمته لماسة، أثقل من قدرتها على الاحتمال، أكبر من كبريائها الذي شيدت عليه، اخذت تصرخ كمن أنكسر جزء من روحها.
صاحت بصوت يتشقق من القهر: أنا صافيناز الراوي! أعتذر للخدامة دى؟!
واستمرت في الصراخ والتكسير، والدموع تتساقط من عينيها بغزارة، كأنها تطفئ نيرانا اشتعلت فيها منذ سنوات.
حتى فقدت قوتها تماما، فانهارت على الأرض، تبكي بصوت موجوع، لأول مرة، بدا كبرياؤها محطما مثل الأشياء التي مزقتها حول
فتح الباب فجأة ودخل عماد بخطوات سريعة، وعيناه متسعتان من الصدمة وهو يرى الفوضى التي ملأت الغرفة.
قال بصوت يحمل قلقا واضحا: في إيه يا صافيناز؟ أنا سامع صريخك من تحت!!
رفعت رأسها إليه بملامح منهارة، وأنفاس متقطعه، لم تستطع حتى الكلام، فاقترب منها وجلس أمامها، وقال بنبرة منخفضة تحاول تهدئتها: في إيه يا صافي أهدى بس وفهميني بالراحة.
هزت رأسها بعنف، الدموع تتساقط بلا توقف: خلاني أبوس أيد الخدامة يا عماااااد، بقي أنا صافيناز الراوي أبوس أيد الزبالة دييي.
حاول كتم ضحكته بصعوبه، وقال وهو يربت على كتفها بحنان زائف: أهدي بس يا صافي، وأحمدى ربنا إنها جت على قد كدة؟!
ابتعدت عنه وهي تضرب الأرض بكفها وتصيح بغضب: أهدي اييييه، بقولك خلاني أبوس إيديها، قسما بالله لأحرق قلبه عليها.
تنهد عماد وقال محاولا تهدئتها: أهدي يا صافيناز، إللي عمله سليم ده حاجة بسيطة، مش روحتي واعتذرتي؟ خلاص.
نهض من مكانه، وقال بعدم اكتراث: معلش لازم أمشي دلوقتي، عندي اجتماع مهم، أهدي كده وأغسلي وشك، وأحمدي ربنا إن الموضوع عدى على خير.
رمقها من أعلى إلى أسفل يشعر بسعادة داخلية منه لإذلالها، ثم غادر بينما بقيت هي تحدق في الفراغ بأنفاس متلاحقة، وعينين تشتعل بالغضب.
💞_____________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة، 3:00 ظهرا.
الحديقة.
جلسوا على الطاولة أمام ضفاف النيل، أسفل البرجولة الخشبية التي تتوسط الحديقة، تحيط بهم الأشجار والزهور، والهواء العليل الذي يتسلل حاملا رائحة العشب والماء، ليغمر المكان بهدوء دافئ.
لكن داخل ماسة مازال يوجد فوضى كاملة، أخذت تتناول الطعام ببطء، أصابعها تلعب في طبقها بالشوكة، تضربه برفق فيصدر صوتا خافتا متوترا، عينيها لا تستقر؛ تارة تنظر إلى الطعام، وتارة ترفع نظرة سريعة لسليم، ثم تعود إلى طبقها مره أخري سريعا كأنها تخشى أن يقرأ ما يدور في رأسها، ترغب أن تساله، كيف أحضر صافيناز؟ وكيف أرغمها على الاعتذار وتقبيل يدها؟ ربما يطمئنها حديثه، وربما تفهم ما يدور في داخله.
كان سليم يراقب كل حركاتها بالطبع، لاحظ ارتباكها، وحركة يدها، وأنفاسها المضطربه، فرفع رأسه نحوها وهو يضع ما في الشوكة في فمه قائلا بنبرة هادئة لكنها مباشرة: فيه إيه، عايزه تقولى ايه، سامعك؟!
أشاحت بوجهها سريعا، وقالت بارتباك: مفيش.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة، ومال للخلف على مقعده براحة، وطوى ذراعيه وكأنه يعطيها مساحة للاعتراف: قولي يا قطعة السكر عايزة تقولي إيه؟ أنا حافظك.
نظرت اليه بتردد، وتنفست بعمق قبل أن تنطق: كنت عايزة أعرف، أقنعت صافيناز أزاى إنها تعتذرلي وتبوس إيدي؟
ضحك بخفة، ورد بثقه تليق بشخصيته: ده أسهل حاجة ممكن أعملها.
تساءلت باستفسار: إزاى برضو؟!
ضحك ضحكة قصيرة، فيها مزيج من اللامبالاة والغرور والثقة المفرطة، ومد يده يمسح فمه بمنديل، ثم قال: ماشي يا فضولية هحكيلك، بصي يا ستي، أول ما عرفت بعملتها يوم الحفله أنا ضربتها، وبعدها سحبت منها الأسهم وخرجتها من المجموعة والباشا طردها من القصر، وكتبت وصية إن في حالة قتلك أو قتلي كل حاجة هتروح للجمعيات الخيرية.
رفعت رأسها بسرعة، واتسعت عينيها بدهشة: إيه إللي إنت بتقوله ده؟
أجابها بهدوء: إللي سمعتيه.
ثم تابع بإستهجان ممزوج بإستغراب: هو أنتِ فاكرة إللي عملته فيكي ده حاجة عادية؟ ولا إللي أنا عملته فيها يكفي؟! ده أقل حاجة ممكن أعملها..
هز راسه بعينين تضئ بالدهاء: بس إللي بيوجعهم، مش الضرب إللي بيوجعهم، إنك تاخدي منهم نصيبهم والدليل، إن صافيناز الراوي المغرورة على كلامك قبلت إن هي تيجي تعتذرلك وتبوس أيد، علشان بس ترجع المجموعة، لو هي فعلا عارفة قيمة نفسها ومش طماعة وجشعة، مهما حصل مكانتش قبلت، بس هي عندها أهداف تانية في عقلها عايزة توصل لها
صمت للحظة وهو ينظر في الفراغ، تنهد وأضاف: روحتلها إمبارح وقولتلها لو عايزة ترجعي تروحي تعتذري لماسة بنفسك.
وتلاشى صوته، كأن الذاكرة سحبت المكان إلى الخلف...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلاش باك
قصر الراوي، الصالون
جلسا صافيناز وعماد على الأريكة، وفايزة على مقعد جانبي وسليم يقف أمامهم كأنه صاحب الحكم، صوته لا يرتفع لكنه يملأ المكان.
سليم، بنبرة حاسمة: هتبوسي إيديها وتقوليلها أنا أسفة. على كل إللي عملته فيكي ومكنتش أقصد.
توقفت أمامه بإعترض: أنا أعتذر لماسة؟! الخادمة أنت اتجننت؟!
اسودت عيناه بغضب لا يرحم، وفي لحظه خاطفه صفعها، ارتطمت بالأريكة، وامتد الألم على خدها، اتسعت عيناها.
بينما قفز عماد من مكانه: سليم! كده عيب ميصحش!
أشار له دون أن يلتفت: أسكت أنت خالص.
ثم التفت اليها قائلا: وبعدين أنت قاعد معانا ليه أصلا؟ أطلع برة.
عماد برجولية مصطنعة: دي مراتي.
جز على أسنانه، وقال بصوت منخفض لكن مرعب: أطلع برة يا عماد أحسنلك.
تردد عماد، تبادل النظرات مع فايزة، ثم خرج مضطريا
اقترب سليم من صافيناز، وإنحنى قليلا نحوها، وقد أصبح صوته خافتا لكنه يقطع الهواء كحد السكين، وقال بنبرة تهديد واضحة وهو يشير بأصابعه أمام وجهها: أياكي تتكلمي عن مراتي بالطريقة دي تاني، فاهمة؟ وتحمدي ربنا إني سايبك عايشة بتتنفسي، بس ده مش عفو، ده ذل.
اعتدل واقفا، وأعاد نفس النبرة الصلبة: أنا مخليكي عايشة علشان تدفعي تمن كل إللي عملتيه في ماسة،
وبسببك حصل إللي حصل، موتك بالنسبالي رحمة، وأنا مش عايز أرحمك.
مال برأسه قليلا: أصل هستفيد أيه بموتك؟! ولا حاجة! إنما لما تعيشي مذلولة قدامي، ساعاتها بس هنتقم واخد حقي؟ وهخليكي تتمنى الموت ومتطليهوش.
تنهد ثم حسم أمره بنبرة قاطعة: من غير رغي كتير هتروحي تعتذريلها، وتبوسي إيديها كمان، ولو عملتي أي حركه غير كده يا صافيناز يا ويلك مني، بكرة هبعتلك عربية تاخدك.
تجمدت صافيناز للحظه، ثم حاولت التماسك وتساءلت بمساوة: والمقابل؟!
ضحك بإستنكار: شوفي نفسك بس، أنتِ فين وأنا فين؟ وبعدين اتكلمي.
غامت عيناه بالسواد، وقال بنبرة قاطعه: مفيش مقابل؟
نظرت له بضعف ونبرة مهتزة: بس أنت قولتلي قبل كده، لو اعتذرت وماسة قبلت اعتذاري هتخليني أرجع المجموعة، وسليم مبيرجعش في كلامه، صح؟!
رمش بعينه لوهله، ثم قال بنبرة قاطعة: لو هي وافقت تسامحك، سلام.
قالها ثم غادر دون أن يلتفت، وبمجرد خروجه، ضربت صافيناز قدميها بالأرض بعصبية، وأمسكت بإحدى الفازات والقتها على الارض بعنف فتهشمت إلي قطع صغيرة.
نهضت فايزة واقتربت منها: إهدي يا صافي! لإن مفيش قصادك غير القبول.
تنهدت بغضب: يعني حضرتك موافقه على اللى بيقوله، دى عايزيني أبوس أيد الخدامه واستنى قبولها لاعتذاري كمان؟؟! هو إزاي بيبيع ويشتري فينا كده؟!
فايزة بهدوء وعقلانية: علشان روحنا في إيده!
وأنتِ غلطتي وقولتلك قبل كده أنتِ غلطتى غلطة كبيرة بغبائك، ولازم تدفعي التمن وتروحي تعتذريلها.
صافيناز بإحتقار واضح: أنا أعتذر للخدامة دي؟!
هنا دخل عماد المكان مؤكدا يحاول اقناعها: وتبوسي رجلها كمان لو لزم الأمر، ده عقاب سليم علشان بس حطيتي لها حباية بالغلط وهو شربها وضربها، تخيلي بقى لما يعرف الباقي؟ هيعمل فينا إيه؟! واحد واحد؟
صافيناز بتهكم: هو مفيش غير صافي؟ هي إللي تدفع التمن.
اقتربت فايزة وهمست بشيطانية وتهكم: أنتِ إللي حطيتي نفسك في الموقف ده، وبعدين خلاص، قربنا نخلص منها.
دققت النظر في ملامحها وكأنها تحاول إقناعها: اعتذري دلوقت وأقبلي بشروطه، علشان نوصل لغرضنا.
صافيناز بنبرة مهتزة: طب وافرضي الخدامه دي مقبلتش!؟
ضحكت فايزة ضحكة ساخرة مليئة بالاستهزاء: متقبلش ايه؟ يبقى لسة متعرفيش ماسة، دي جبانة، لو وقفتي قدامها بصة واحدة في عينيها تفهم الرسالة، إنك جاية تعتذري قدام سليم بس، لكن بينك وبينها يا ويلها من إللي هتعمليه فيها بعدين.
عماد بتأكيد: بالظبط تعيطي وتمثلي، بس عينيك تبعت الرسالة واضحة، بس خدي بالك، سليم مش بيفوت حاجة.
تنفخت صافيناز بغضب، وفتحت حقيبتها بعنف، وأخرجت حبة دواء، ابتلعتها مع الماء.
نظرت لها فايزة باستغراب: حبوب إيه دي؟!
صافيناز وهي تشعل سيجارتها بأنفاس لاهثة بضجر: مهدئة؟
جلست فايزة، وقالت بتحذير: طب متكتريش، مش ناقصين اتنين مدمنين.
عماد بإبتسامة خبيثة: متقلقيش يا هانم، الدكتور هو إللي كاتبها.
(بااااك)
💞_______________بقلمي_ليلةعادل
كان سليم يروي لها ما فعله، وصوته هادئ بطريقة أربكتها، كانت تستمع له بانصات وحاجباها مرفوعان بدهشه، وشفتيها ممتدتان في انقباض خفيف، كأن حديثه يضغط على صدرها.
قالت بتنهيدة طويلة خرجت منها محملة بإنكسار واضح: أنا مش عارفة ليه مش مستغربة.
أضافت بصوت خافت، فيه ثقة وحب، لكن ممزوج بخوف ومرارة: عارفاك، وعارفة طبعك، عارفة إنك قوي وبتقدر عليهم، وعارفة إنك قادر تعمل مع صافيناز أكتر من كده بكتير، وإن إللي عملته ده بالنسبالك رحمة.
هزت رأسها بحزن، كأنها تسلم اعترافا موجعا: بس أوعى تكون فاكر إن إللي قولته ده، هيفرحني أبدا بالعكس..
عقد حاجبيه باستغراب ولم يعلق، بينما نهضت ماسة ببطء، وقفت على حافة النيل، وأغمضت عينيها وهي تسحب نفسا طويلا، كأنها تجمع نفسها قبل العاصفة، تعرف جيدا أنهم لن يتهاونوا فيما حدث، ولن يمر مافعله سليم دون رد.
ظل يراقبها باستغراب لثواني، ثم نهض ووقف بجانبها، صوته خرج منخفضا لكنه حاد: أنا مش فاهم حاجة، في إيه؟ أنتِ مش مبسوطه إني رديتلك كرامتك وخلتها تعتذرلك؟!
ألتفتت له، وعينيها تلمعان بوجع واضح، وملامحها مرسومة بإبتسامة حزينة: جوايا سعادة مش عايزة تكبر، سعادة مُرة، لنجاح مُر!
هز رأسه بعدم فهم، حاجباه معقودان بإستغراب: يعني إيه سعادة مُرة لنجاح مُر؟
تنهدت وحاولت الشرح بعقل ثابت رغم خوف قلبها: يعني صافيناز الراوي يا سليم ياراوي مش هتقبل إللي أنت عملته، ولا هتعديه عادي، هي دلوقتي قبلت، علشان ترجع المجموعة، لكن بعدين...
ابتلعت غصة علقت في حلقها، واسترسلت: بعدين أكيد هتحاول تعمل حاجة وترد على اللى حصل.
قاطعها بنبرة قاطعة لا تحتمل أي نقاش: محدش يقدر يقربلك يا ماسة طول ما أنا عايش، ثقي فيا شوية.
ابتسمت ابتسامة موجوعة، فيها قوة وانكسار، وعينيها تلمع بدموع محتبسة: أنا بثق فيك يا سليم، بس هما قواي، وصدقني هي عمرها ماهتنسى إن أنا ماسة الخدامة وإن هي اعتذرتلي وباست إيدي.
قال بثقة ممتلئة بالغرور، ونبرة ثابتة لا تهتز: صافيناز مش هتقدر تعملك حاجة ولا هي ولا غيرها علشان الوصية، ولو حد فكر بس إنه يمسك أنا هدفنه حي، الوصية دي أنا عملتها علشان أضمن حياتك وأنا ميت لكن غير كده أنا مسؤول على حمايتك.
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة، خرجت منها كأنها تنهيدة محبوسة، ثم رفعت يدها في الهواء بضجر مكسور: وليه يا سليم؟! ليه نفضل نبص حوالينا واحنا خايفين وقلقانين ومش عارفين نرتاح؟
تابعت وهي ترفع وجهها إليه بثبات غريب وسط خوفها: هما بيكرهوني وبيكرهوك، والكره باين في عنيهم، وأنت عارف، وأنا عارفة، إنهم مستنيين اللحظة إللي يطعنوني فيها، علشان كده بقولك هو نجاح وسعادة مُرة، هم قبلوا بالذل إللي أنت فرضته عليهم بس علشان الفلوس، بس هما أكيد بيخططوا النهاردة، بكرة، بعده حتى بعد سنة ممكن يوصلوا لأهدافهم، وصدقني كل ما المدة تطول كل ما الكره والغل يزيد.
اقتربت خطوة منه، وأمسكت يده بكلتا يديها وقالت بدموع محبوسة في عينيها: أنا عايزاك تاخد بالك من نفسك، بلاش كبريائك وغرورك يعموك ويقنعوك إن إخواتك مش هيعرفوا يعملوا حاجة! علشان الوصية أو غيرها؟! وإن هما كده هيحطوا راسهم في الرمل وإنك مسيطر؟!
كانت تحاول إقناعه بنبرة فيها رجاء وفيها حكمة مرة تعلمتها من الخوف: صدقني أنت كده بتخلق من القطة السيامي أسد مسعور.
قلب وجهه وقال بضجر: على فكرة أنتِ بتضايقيني بكلامك ده، محسساني اني مش قادر أحميكي، وإن ممكن أي حد يجي يأذيكي، أنتِ مراتي، مرات سليم الراوي فاهمة، وبطلي طريقتك دي علشان أنا بدأت أتعصب.
أخرحت أنفاس طويلة وشدت على كفه بين كفها، وقالت وهي تركز النظر في عينيه: أنا مقصدتش كده، أنا عارفه أنك قوى وقادر تحميني، بس..
ارتسمت إبتسامة على وجهها الحزين، وقالت بتمنى من خلف دموعها: بس أنا نفسي نبقى مرتاحين، وعارفين إن لو نمنا من غير حراس ومن غير أبواب مقفولة بأقفال وسلاح محدش هيعملنا حاجة، نفسي في الراحة دي يا سليم.
رفع عينيه إليها، والنبرة التي خرجت منه هذه المرة كانت مهتزة، نبرة رجل قوي لكنه مرهق يريد الارتياح: أنا كمان نفسي فيها يا ماسة من ساعة مافتحت عيني بعد الغيبوبة،! لكن صدقيني، هما مستحيل يعملوا حاجة طول ما الوصية موجودة أنا متأكد من كده، أنا محافظ على حياتك بيها، هي ضمان حياتك وقت موتي زي ماقولتلك، مش بس من أهلي، من كل الناس.
مالت نحوه، كأنها تسند قلبها على يده، وهي تحتضنه بين كفيها بقوة: طب أنا كل إللي عايزاه إنك تاخد بالك من نفسك، وحياتي عندك متأمنلهمش مهما حصل، وحرس منهم، وبطل عند وكبر.
أومأ برأسه مبتسما، فتابعت بصوت فيه تنبيه وخوف ممزوج بالحب: أنا فهمت ليه في حفلة خطوبة رشدي مكنتش بتخليني أشرب حاجه، وأنت كمان أوعى تدي ضهرك ليهم، ولا تصدقهم وخد بالك من نفسك.
كان يستمع لها وهو يركز النظر في ملامحها يحاول أن يفهم ما بها، يشعر أن هناك شيء خلف كلماتها لكنه لم يعرف ما هو ؟!
أضافت بنبرة حكيمة، فيها فلسفة خرجت من قلب موجوع: أمي زمان قالتلي إن عدوك ممكن يكون أقرب من طرف العين وإن فيه ناس تعرف تضحك وتبين المحبة مش بس بشفايفها كمان عينيها ودول يتخاف منهم أوي، قالتهالي وأنت في الغيبوبة ساعتها مكنتش فاهمة، بس بعدين فهمت وكل يوم بفهمها أكتر وبصدقها أكتر.
توقفت لحظة، ثم أكملت بعمق: الحرب إللي بتخلص على إنك تمسك ورقة على إللي خصمك، دي مش حرب خلصت، ده نجاح مر، لأن النجاح الحقيقي إنك تنام مرتاح من غير ورقة ومن غير ضمان، ومن غير ما تكون ماسك على حد حاجة لإنك أصلا آمن.
ابتسم ابتسامة جانبية فيها سخرية خفيفة ودفء: أنتِ مديه إخواتي أكبر من حجمهم علي فكرة، بس ماشي، هعملك إللي أنتِ عايزاه يا قطعة السكر الحلوة إللي محلية حياتي وبقى شطور وبيقول كلام كبير أوي.
نظرت إليه نظرة طويلة، نظرة أثقلها ما يخنق صدرها من حديث يريد أن يخرج، لكن الشجاعة لم تكتمل بعد، ترغب أن تخبره بما فعلوه بها، لكن لسانها انعقد، وقلبها ارتجف، فسليم لا يمكن أن تلقى على مسامعه تلك الحقائق اعتباطا، بلا ترتيب، أو تمهيد، أوحساب للعواقب، بالأخص بعد ما فعله بصافيناز لأجل حبة واحدة فقط، فكيف لو علم الحقيقة كلها؟ ماذا عساه أن يفعل؟ كانت تخاف عليه من النار التي قد تشتعل في صدره قبل أن تفكر في خوفها على نفسها.
مسح علي خدها بخفة، وكأنه يحاول تهدئة بحر يضطرب بداخلها، ثم قال مبتسما محاولا تهوين الأمر عليها: بقولك إيه أنا قولت الأسبوع ده مش عايز خناق ولا نكد، يلا نكمل أكلنا.
اومأت بابتسامه، فجلسا يتناولان الطعام بهدوء، يتبادلان الحديث بودّ خفيف، وخلال ذلك، رن هاتف سليم، فقال بتهذب: معلش يا حبيبتي هرد، مكالمة شغل مهمة.
هزت رأسها بتفهم: اتفضل.
نهض ودخل الفيلا، بينما ظلت هي تحدق في آثاره بشرود، لم تستطع تتناول المزيد من الطعام، فتركت مقعدها، وتحركت نحو حافة النيل وجلست على الأرض، تحدق في صفحة الماء بشرود، وكأنها تبحث داخلها عن حل.
أمسكت هاتفها، وبعثت رساله للطبيب لتحجز موعدا، عله يخبرها ماذا تفعل، بقيت جالسة تفكر، والغصة لا تزال عالقة في صدرها.
في أحد الكافيهات، 4:00 عصرا
جلس رشدي علي الطاولة، يدخن سيجارته ببطء ويحتسي فنجان قهوته، وعيناه تتفقدان المدخل بين الحين والآخر، يترقب وصول راشد، وما هي إلا دقائق قليلة حتى ظهر الأخير بخطوات ثابتة، يتجه مباشرة نحوه.
نهض رشدي احتراما وصافحه، وقال بنبرة تحمل ودا ولطفا واضحا: بشمهندس راشد إزي حضرتك؟
راشد بابتسامة خفيفة: الحمد لله، ازيك يا رشدي.
ابتسم بلطف: الحمد لله
ثم أشار له بالجلوس: اتفضل.
أومأ برأسه، وجلسا متقابلين.
حاول رشدي فتح الحديث: تشرب إيه يا بشمهندس؟
راشد بنبرة هادئة: ممكن ليمون.
رفع رشدي يده للجرسون: هات واحد ليمون هنا، وهاتلي قهوة مكان دي.
صمت لحظة، وانحنى بجسده قليلا إلى الأمام، وصوته انخفض بنبرة أقرب للرجاء: أتمنى متكونش قولت لمي على المقابلة.
راشد بنبرة جافة لكنها بلا عداء: لا، بس إيه هو إللي حابب نتكلم فيه بعيد عن مي؟
أخذ رشدي نفسا عميقا، وكأن الكلمات تتزاحم داخله قبل أن تخرج: أنا كنت حابب أتكلم مع حضرتك بخصوص جوازي أنا ومي، أنا حاسس إن حضرتك مش راضي رضا كامل عن الموضوع.
هز راشد رأسه، وقال بعقلانية: مظبوط، وخصوصا بالسرعه دى، أنت شايف إنها خطوة صح؟
رشدي بهدوء وعقلانية: هي ولا غلط ولا صح، هي عادي، أنا مش شايف فيها أي مشكلة، إحنا عارفين بعض بقالنا أكتر من ست شهور، عرفنا عن بعض كل حاجة، فايه إللى يخلينا نستني؟! وفي الأول والآخر إحنا مبنعملش حاجة غريبة! وفي ناس كتير اتجوزوا أسرع من كده.
صمت لحظة، ونظر لراشد كأنه يفهم توتره وعدم رضاه الكامل عن سرعة الجواز، وقال: بس لو هنتكلم بصراحه، فأعتقد إنك معندكش مشكلة مع سرعة جوازنا، أنت عندك مشكلة معايا أنا كشخص.
راشد بإبتسامة تقدير: عاجبني صراحتك وذكائك، فعلا مشكلتي مش إمتى تتجوزوا، مشكلتي من الأول فيك كشخص.
اومأ رشدي برأسه، وقال بجدية: طيب أنا هسالك سؤال لو مدينا الخطوبة سنة أو سنتين تفتكر ايه اللى ممكن يختلف؟
تنهد، وتابع بنبرة تحمل العقلانية والجدية: أنا كنت واضح وصريح من أول لحظة مع حضرتك ومع مي، لا حاولت امثل ولا ألف وادور، صرحتها بكل شيء بمنتهى الوضوح وأعتقد إن طول الشهور إللى عرفنا فيها بعض ولا عمري زعلتها ولا ضايقتها، فليه حضرتك لسه معترض ومش قادر تديني الثقه لحد دلوقتي؟!
راشد بهدوء وعقلانيه: علشان مي بنتي الوحيده، ورقيقه وحساسه وحبها ليك عميها، وأنا من الأول كنت شايف إنك مش شبها ولا تنفعلها، بس مرضتش أكسر قلبها لما لقيتها متمسكه بيك وعايزاك، وافقت على الخطوبه وقولت يمكن تعقل وتفهم قد إيه أنتم مختلفين ومتنفعوش لبعض، لكن إنها تيجى وتقولى إنكم عايزين تتجوزوا وفجأة وبالسرعه دى، فمن حقي أخاف، ولا أنت شايف ايه؟!
هز رشدي رأسه متفهما، وقال بهدوء وصراحه: أنا عارف إن من الأول عندك تحفظات كتير عليا، بس أنا اشتغلت على نفسي صدقني، الخمرة بطلتها، البنات والسهر كل دى وقفته، بقيت مركز أكتر في شغلى وأنت بنفسك لسه مباركلي على المناقصة الجديده، والأهم من كل دى إني بحب مي ودى إللى خلاني اتغير علشانها وأي حد عارفني هيلاحظ التغير دى.
راشد متردد: بس التغيير ده لازم يكون نابع من جواك علشان أنت عايز كده، مش علشان حد تاني!
اومأ رشدي بتأكيد: أكيد، بس كل إنسان محتاج أيد تساعده عشان يتغير، لو مي مكانتش موجودة في حياتي مكنتش هتغير، لأن حياتي قبلها كانت ملهاش معني، لكن لما هي ظهرت في حياتي أثرت فيا بشكل كبير وادت لحياتي معني، وخلتنى حابب التغير دى وعايزه، هي كانت مجرد وسيلة مساعدة، طوق نجاة..
ابتلع ريقه، وأكمل بصراحه موجعه: على فكرة إللي يقول الإنسان يقدر يعيش لوحده ويتغير لوحده ده كداب، محدش هيقدر يتغير لوحده، الواحد بيبقي محتاج ايد تتمد له وتشجعه حتي لو بكلمه صغيرة، مش بيقولوا وراء كل رجل عظيم أمرأة عظيمه؟!
هز راشد براسه بإيحاب مؤيد: تمام يا رشدي، كلامك جميل، بس الأهم الأفعال، أنت فعلا اتغيرت شوية مش هنكر ومي بتحكي لي كتير، بس مش عايز التغييرات دي تكون لحظية.
صمت رشدي للحظة، ثم تنهد وقال بنبرة متأثرة: أنا عارف ومقدر خوفك على مي، وطلبت أقابلك النهارده علشان أوعدك واطمنك إني عمري ما هزعلها وهشيلها في عنيا، بس أرجوك وافق بقلبك وعقلك وبارك الجواز، مي المره إللى فاتت كانت مضايقه أوى علشان متخانقه معاكم بسبب الموضوع دى، وأنا مش عايزها تخسر الناس إللى بتحبهم بسببي، ولا تعيش الأيام دى وهي زعلانه كده!!
ابتسم راشد باعجاب واطمئنان: ماشي يا رشدي، أنا هبارك للجواز، ومش هخلي حد يفتح معاها الموضوع ولا يضايقها تانى.
ثم رفع أصابع يديه أشار بتحذير: بس أياك في يوم من الأيام تزعلها ولا تنزل دمعه من عيونها، ساعتها مش عارف هعمل فيك أيه.
رشدي بإبتسامة حانية: أطمن، مي دى عامله ملاك الرحمه إللى دخل حياتي نورها وأنا مستحيل اذيها أو ازعلها، وبكره إن شاء الله تعرفوني كويس، وتعرفوا قد ايه بحبها.
ابتسم راشد باطمئنان: لا إذا كان كده فمبروك يا عريس.
فيلا سليم وماسة، 5:00 مساءً
خرج سليم للحديقة بعد أن أنهى مكالماته، وما إن وصل الحديقة حتى لمحها، جالسة ضامة نفسها بقوة، كأنها تستند إلى آخر ذرة أمان متبقية لديها، كان ظهرها إليه، ورأسها منحني، وجسدها يهتز بخفوت لا تخطئه العين.
لاحظ شالا موضوعا على المقعد خلفها، فألتقطه واقترب نحوها بخطوات هادئة كي لا يفزعها، ووضع الشال على كتفيها برفق.
انتفضت في مكانها، وألتفت بنظرة مذعورة، لكنه ابتسم مطمئنا وجلس بجانبها قائلا بصوت دافئ: اتاخرت عليكي.
مسحت دموعها بسرعة بظهر يدها، وهزت رأسها نافيه وهي تتحاشي النظر إليه محاولة الهدوء.
حدق في وجهها مطولا؛ ملامحها المتوردة، عيناها الزجاجيتان، الارتجاف الخفيف في كتفيها !!
اقترب منها أكثر، رفع يده، ووضع أنامله برقة أسفل ذقنها، رافعا وجهها إليه ليجبرها أن تنظر في عينيه، كانت نظراته ثابتة، مليئة بقلق صريح لا يخفي نفسه: مالك شكلك معيطة؟
ابتلعت ريقها، وأجابت بصوت منخفض محاولة إخفاء كل شيء: مفيش دي تراب دخل في عيني ودمعت.
لكن ارتجاف صوتها فضحها، فضيق عينيه وهو يركز النظر في ملامحها الباكية، وتساءل بإستغراب: هو أنتِ بجد لسة متأثرة بالكلام إللى قولناه؟؟ ماسة محدش يقدر يعملك حاجة طول ما أنا عايش، حتي بعد ما أموت سايب ليكي الوصية تحميكي، فملوش لازمة إللى إنتِ عملاه في نفسك ده متحسسنيش أنى قليل ومش قادر أحميكي!!
تنهدت بعمق، وقالت: بعد الشر عليك يا سليم، عارفة إنك قادر تحميني، ومقدرش أقلل منك، بس زى ما قولتلك مش عايزة نعيش حياة كلها صراعات.
ساد الصمت للحظات، فزفرت بتعب، رمقت قدمه وتساءلت بأهتمام مغيرة للموضوع: رجلك عاملة إيه صحيح؟
ضحك بخفة، وقال بمشاكسة: بقيتي تعرفي تغيري الموضوع زي!؟
مالت عليه بجسدها وهي تربت على قدمه بدلال: قول بقى.
نظر لمحل نظراتها: كويس أهو الحمد لله.
ضيقت عيناها بحزم لطيف: والعلاج الطبيعي يا أستاذ، كل يومين تقولى هحجز بكرة ومبتحجزش، هات رقم الدكتور يا سليم أنا إللى هحجزلك.
ضحك قائلا: والله هحجز بس كنت مشغول أعمل إيه.
هزت رأسها بإصرار: لا أنا إللى هحجزلك بنفسي وهتروح غصب عنك.
صمتت لوهلة، اعتدلت قليلا بزاوية نحوه، تضيق عينيها بتهكم محب: وبعدين قولي بقى يا أستاذ، يا إللي عايزة أخنقك، عملت العملية إزاي من غيري؟! طب أفرض بعد الشر كان حصلك حاجة؟! إزاي سافرت كل الشهور دي وأنا غايبة ومدورتش عليا؟! عللل.
ضحك قائلا: وأنا مطلوب مني أجاوب على كل الأسئلة دي؟
رفعت حاجبها: أيوه طبعا! أنت هتختار؟!
ضحك: حاضر يا أم لسان.
تنهد، وبدأ يتحدث بهدوء ناضج: أنا لما عرفت باللي عملته صافيناز في موضوع الحبايه، عملت الوصيه زى ما قولتلك لسببين: أولا علشان أربيهم وثانيا والأهم علشان أحافظ على حياتك.
واصل بصوت أكثر جدية ممزوج بالوجع، بعينين تلمع بالدموع: أنا خدت قرار العملية في اليوم اللي جيتي فيه لأهلك، لما جريت وراكي ومعرفتش ألحقك، بسبب رجلي وعجزها، اتكسرت أوى وقتها وخدت القرار وأنا في العربية وقولت لمكي، بس مكنتش عارف هنفذه إزاي؟!
نظر بعيد وهو يسترسل مفسرا: من ناحيه هروبك وإني معرفتش مكانك؟! ومن ناحية احتياجي الشديد إن لازم أعملها؟! وقتها مكنتش لسة عرفت موضوع الحباية! بس كنت مرتاح إنك بخير لإنك زورتي أهلك، عاطفتي وقتها كانت سابقة عقلي، قولت لنفسي: ماسة بخير طالما جت بنفسها تشوف اهلها، وبعدها بكام يوم عرفت موضوع الحباية ساعتها روحت للمحامي ونقلت كل الصلاحيات والأسهم ليا وليكي علشان لو جرالي حاجه أبقي مطمن عليكي...
قاطعته بلهفه: بعد الشر عليك يا سليم، ربنا يخليك ليا.
ابتسم بخفوت، وتابع بصوته الهادئ، كأنه يشرح خطة حرب: وقتها كتبت إن كل حاجة هتروح للجمعيات الخيرية في حالة قتلك او قتلي، حتى فلوسهم إللي في البنوك اتجمدت، ومكانش فيه جنيه بيتحسب إلا بأمري، مكانش معاهم الا حسابات بسيطة.
أخذ نفسا عميقا، ونظر داخل عيناها بتأثر وبإبتسامة: ساعتها سافرت وأنا مطمن وعارف، إن لو جرالي حاجه أو لاقوكي قبلي، هيحافظوا على حياتك علشان الوصيه، وإللي خلاني أطمن أكتر إنك كنتي كلمتي أهلك قبل ما أدخل العمليات، رجالتى وقتها معرفوش يشفروا المكالمة لإن إيهاب كان مستخدم ترددات قوية، بس أنا اطمنت إنك بخير، ساعتها دخلت أعمل العملية وأنا مطمن، بعد أسبوعين تقريبا من سفري كنت بحضر نفسي وباخد أدوية معينة، وحاجات كده بتجهز الجسم.
ماسة بصوت خافت، لكنها مشدودة: كمل.
ابتسم قليلا: عايزة تعرفي يعني تفاصيل العملية هناك؟
هزت رأسها إيجابا، بعينين مفتوحتين بخوف وشغف معا.
تنهد تنهيدة عميقة، ومال بظهره قليلا للخلف قبل أن يقول: هقولك...