رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع عشر 19 ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع عشر 19 ج 2 
بقلم ليله عادل



أوقات مختلفة، في ألمانيا 

المشفى 

نرى سليم يخضع لسلسلة من الفحوصات المتتابعة، ومكي بجانبه كظله لا يفارقه لحظة، يسانده بصمت متعب، ويدعمه بعينين يختبئ خلفهما خوف وقلق بأخوة ومحبة صادقة.

وفي المساء، حل موعد جلسة العلاج النفسي الأخيرة مع الدكتور ياسر، تلك التي سبقت ليلة العملية، خرج سليم من الجلسة مثقلا، كأن روحه تتحامل على جسده، أما مكي فكان يتفقده بقلق لا يحاول إخفاءه، رافقه حتي باب الغرفة، فألتفت إليه سليم قائلا بنبرة متعبة: مكي من فضلك سبنى لوحدى النهاردة.

مكي معترضا: أزاى يعنى، لا مينفعش أسيبك لوحدك أفرض احتاجت حاجة.

تنهد قائلا: لو احتاجت حاجة هبقي أتصل بيك، من فضلك متتعبنيش أنا محتاج أقعد لوحدى النهاردة.

مكي بعناد: طب هقعد جمبك على الكنبة ومش هعمل صوت.

ابتسم بخفوت: حاسس إني هموت وعايز تشبع مني ولا إيه.

اتسعت عين مكي بضجر: إيه إللى بتقوله دى، أنت هتعمل العملية وهتبقى زى الفل أنت فاهم.

هز رأسه متنهدا: طب معلش سبنى لوحدى النهاردة، ريحني.

واومأ برأسه مترددا وهو يتابع دخوله الغرفة واختفاؤه بعد غلق الباب بقلق. 

غرفة سليم بالمستشفي

دخل بخطوات مثقلة، وجلس علي الفراش بأفكار تتلاطم في رأسه، فهو على وشك أن يفعل شيء سيغير حياته للأبد، أما الموت أو الحياة، وأكثر ما كان يثقل قلبه "ماسة" فقد أراد توديعها بشدة، ولكن كيف وهو لا يعلم عنها شيء منذ عدة أشهر؟! 

أغمض عينه بألم ووضع يده علي جبينه يحاول كتم الأفكار بداخله، ثم زفر ومسح وجهه بيده، وأدخل يده في جيب القميص الذي يرتديه، وأخرج صورتها التي كان يضعها دائما بجانب قلبه، أمسك الصورة بين يديه، وأخذ يحدق فيها بعينين دامعتين ووجه محمل بالأسي والأنين، مرر أنامله على ملامحها، بأنفاس متسارعة وشهقات مؤلمة يحارب ألا تنفلت منه.

أمسك الهاتف ضغط على زر التسجيل، وأخذ يتحدث بوجع يقطع نياط قلبه: تعرفي إنك وحشتيني أوى، وإن احتمال مشوفكيش تاني.

ابتلع تلك الغصة المريرة التي تكونت في حلقه: أنا داخل أعمل العملية بكرة، ومش عارف إذا كنت هخرج منها ميت ولا صاحي، بس تعرفي إيه أكتر حاجة وجعاني، إن ممكن أموت وأنتِ بعيدة عني، مش هتكوني آخر حضن اترمي فيه ولا آخر حد عيني تشوفه...

تنفس بعمق يحاول تمالك أنفاسه، ولكن دموعه خانته وسالت منه دون وعي: وإللى واجعني أكتر إنك زعلانة مني، مكانش نفسي أموت وأنتِ زعلانة مني، كان نفسي ألاقيكي وأقولك إن إللى كان في آخر ليلة دى مكانش أنا، دى كان المسخ إللى صافيناز حولتني ليه بالحباية إللى شربتهالي، مكانش أنا يا ماسة والله، أنتِ لا يمكن تهوني على سليم حبيبك إنه يعمل فيكى كده وهو واعي، مكنتش أنا يا ماسة، والله ما كنت أنا.

أنفلتت منه شهقة بكاء، فتفس قائلا بصوت باكي وهو يدقق النظر في ملامحها وكأنها واقفة أمامه: لو بتسمعي التسجيل ده فأكيد هكون مت، فعايز أطلب منك طلب وأرجوكي متكسفنيش، دي آخر طلب هطلبه منك في حياتي..

اهتزت نبرة صوته برجاء موجع: لما أموت أبقي سامحيني، وتأكدى إن كل حاجة عملتها كانت حب وخوف عليكي علشان مقدرش أعيش من غيرك، مكانش قسوة ولا غرور زى ما أنتِ فاكرة، هو أنا أصلا من إمتي قدرت أقسي عليكي، أنا أسف يا حتة من قلبي وروحي، آسف على كل حاجة عملتها فيكي.

تنفس بعمق ومسح دموعه، وقال مودعا بعجز مؤلم: عارف إني ظلمتك كتير وكان نفسي أقولك الكلام ده وأنا باصص في عينك، بس للأسف الظروف حكمت بكده، عايزك متزعليش وكملي حياتك، أنتِ قوية وهتقدري، ومتخافيش أنا كاتب وصية أحميكي بيها حتى بعد ما أموت، فخدي بالك من نفسك وأضحكي ديما وأوعي تبكي، ومتنسنيش وافتكري أوقاتنا الحلوة سوا وأبقي أدعيلى، وخليكي عارفة إني عمري ماحبيت ولا هحب في حياتي غيرك، أنا بحبك أووى. 

ضم صورتها الي صدره وكأنه يحتضنها حضن الوداع الأخير، ولم يتمالك دموعه ولا شهقاته الموجوعة، فأغلق التسجيل، وتمدد على الفراش وهو يحتضن صورتها ويبكي بألم ووجع، حاول النوم ولكنه ظل متخبطا بين أوجاعه ولم تستطع عينه أن تتذوق طعم النوم في هذه الليلة، فهو لم يكن يخشي الموت ولكنه خشي الرحيل بعيدا عن أحضانها

في صباح يوم العملية

كان ممددا على الفراش ومكي بجانبه، دخلت الممرضة، أعطته دواءه ثم خرجت، تاركة الغرفة غارقة في صمت ثقيل.

اقترب مكي، سحب مقعدا وجلس بجانبه، وقال بقلق يفضح نبرة صوته: أنت متأكد من الخطوة دي؟

هز رأسه إيجابا: أيوة متأكد، هفضل لحد إمتى مهدد؟ خلينا نخلص..

تنهد بتعب ونظر للفراغ بشرود: وبعدين ما أنا كدة كدة ميت، أنت نسيت كلام الدكتور؟

اتسعت عيناه، واهتزت نبرة صوته بغضب: متقولش الكلام ده وبطل تعصبني عليك، ميت إيه!؟ ده كلام يتقال؟ أنت هتعمل العملية وهتبقى كويس، أنا متوتر عادى.

ابتسم، وربت على قدمه ليهدئه: متتوترش أنا كويس.

صمت لحظة ثم تابع بصوت أعمق: المهم عايزك توعدني، لو حصلي حاجة تدور على ماسة وتخلي بالك منها، هما مش هيعملوا حاجة بعد إللي أنا عملته بس برضو عايز أبقي مطمن وأنا سايبها في حماية أخويا.

هز رأسه بعنف بنبرة مرتجفة: إيه الكلام إللي إنت بتقوله ده؟ أنا مليش دعوة! إنت هتخرج، وتاخد بالك منها وتدور عليها بنفسك يا سليم، فاهم؟

سليم بنبرة متعبة وهو يحاول حبس دمعته: أسمع الكلام يا مكي وأوعدني علشان أبقي مرتاح

تجمدت دموع مكي بعينيه: لا مش هوعدك، علشان تخرج بخير.

أمسك يده بإصرار موجوع: علشان خاطري أوعدني، عايز لو جرالي حاجة ومت، أموت وأنا مرتاح وعارف إن أخويا هيخلي باله من مراتي ومش هيخلي حد يتعرضلها.

تأثر مكي بشدة، وحاول السيطرة على دموعه، وأخذ يتبادلان النظرات للحظة، نظرة رجاء من سليم، وضعف من مكي، حتي استسلم الأخير، قائلا بخفوت: حاضر يا سليم، متقلقش 

اومأ برأسه: أفتح درج الكومود

فتح الدرج، فرأى دوسيه أوراق وفوقه هاتف سليم.

سليم بتوضيح: الموبايل بتاعي عليه تسجيل أبقي أديه لماسة لما تلاقيها وقولها تسمعه وخليها تسامحني، والورق ده ليك إنت، أنا مرضيتش أديهولك قبل كده علشان عارفك.

فتحه مكي بإستغراب، فوجد ممتلكات وأموالا باسمه، فرفع عينيه بصدمة: إيه ده؟! إنت اتجننت؟!

أشار له بحزم: هتلاقي شيك، وحاجات تخص عشري أبقي اديهمله، ومبلغ كدة للرجالة كمان.

مكي بغضب مشوب بارتجاف: سليم أنا مش عايز أضربك والله العظيم، متستفزنيش، ايه العبط ده؟!

قاطعه قائلا بنبرة منخفضة: مكي متزعلش مني دي وصيتي لو سمحت أسمع كلامي.

تنفس بعمق، وهز رأسه بمهاودة فالوقت لا يسمح بأي جدال: ماشي يا سليم، عموما أنا واثق إنك إن شاء الله هتخرج، وكل الكلام ده مش هيبقي ليه لازمة بس هريحك.

تبادلا نظرات طويلة، بمزيج من الأخوة والحزن والخوف.

تنفس سليم بعمق قائلا: طب بقولك إيه سيبني لوحدى أصلي ركعتين قبل مايجوا يجهزوني للعملية.

نظر إليه بتردد للحظة، ثم اومأ برأسه مستسلما وغادر الغرفة.

نهض سليم وتوضأ، ووقف يصلي بخشوع، ومع آخر سجده أطال داعيا بنبرة مهتزة باكية: يارب أنا عارف إني عملت حاجات كتير غلط وحرام في حياتي، بس نفسي تسامحني، أنا يمكن مستاهلش بس إنت تواب ورحيم بعبادك، فيارب لو كانت دى آخر ساعات ليا في الدنيا وهتاخدنى عندك، خدنى وأنا طاهر من غير ذنوب، أنا اتعذبت كتير في حياتي والله يارب ورضيت، ابتلتني في مرضي وفي بنتي إللى ماتت حتى من قبل ماشوفها ولا ألمحها، وحرمتني بعدها من الخلفه وإني أكون أب ورضيت وقولت الحمد لله، حتى مراتي إللى بحبها قلبت عليا وبعدت من غير سبب وسابتنى لوحدى متعذب ورضيت، فلو هو ده عذابك ليا علي ذنوبي الكتير إللى عملتها في دنيتي أنا راضي والله يارب، بس أرحمني وأعفو عني، أنا مليش عين أطلب مغفرتك، بس أنا جايلك مكسور وبتوسلك تعفو عني وتسامحني وتغفرلي ذنوبي وتتقبل توبتي إللى توبتها من سنين.

انفلتت شهقاته من بين كلماته الداعية الراجية بغير إرادة منه، وبعد الإنتهاء جلس على سجادة الصلاه بهدوء وسكينة، ثم رفع يده داعيا بغصة تخنق صوته: يارب أحفظ مراتي في المكان إللى هي فيه وأبعد عنها أي شر يارب، ولو مت حنن قلبها عليا وخليها تسامحني يارب.

وضع يده على فمه بضعف شديد، ودار بعينه في المكان من حوله فاهتز جسده برجفة خوف الموت: يارب خليك معايا أنا خايف، وسامحني يارب أرجوك، استغفرك ربي وأتوب اليك.

وانفجر باكيا بضعف إنسان عاصي ملىء بالذنوب، يخشي لقاء ربه. 

وبعد قليل، دخلت الممرضة ومعاها مكي، جهزته للعملية، وتم دفعه وهو نائما على التروالى

أمام غرفة العمليات.

وقف دكتور ياسر، ومكي بجانبه ممسكا بيده بخوف لم يستطع اخفاؤه، فقال الدكتور ياسر بتشجيع ودعم معنوي: إن شاء الله هتخرج بالسلامة يا سليم، خليك قوي، إنت قدها، هشوفك بعد العملية إن شاء الله.

مال مكي بجسده محاولا المزاح رغم صوته المرتجف: أنا مستنيك، علشان نلعب ماتش بوكس، علشان ناوي أكسرك، بقالى كتير مغلبتكش.

نظر إليه طويلا: متنساش بس وعدك ليا.

لم يستطع الكلام فاكتفى بهز رأسه إيجابا، بدموع محبوسة داخل عينيه.

بدأت الممرضة في دفع الترولي، لكن فجأة صرخ مكي: سليم!

توقفت الممرضة، فاندفع نحوه، واحتضنه بقوة، وهمس بنبرة مهتزة: أنا مستنيك يا أخويا، متتأخرش.

هز رأسه بدموع يحاول كتمها ثم تحركت الممرضة داخل غرفة العمليات.

غرفة العمليات.

تم تعقيمه وحقنه بالمخدر، ونقله إلى سرير العمليات، فبدأ بالغياب عن الوعي تدريجيا وأثناء كل ذلك كانت صورة ماسة لا تفارق خياله، فهمس باسمها بخفوت قبل أن تهبط دمعة مريرة من عينيه ويغلقها في سكون تام.

بدأ الأطباء في عملهم بدقة عالية وهم يحاولون استخراج الرصاصة من ظهره، وأثناء عملهم بدأ نبضه ينخفض تدريجيا، وتعالت أصوات الأجهزة بصفير حاد، فتوتر الأطباء، ثم توقف القلب فجأة، فاتسعت أعين الفريق الطبي، وبدأت حالة من الهرج والمرج، والتوتر الشديد.

الطبيب بعملية: أحضروا جهاز الصدمات سريعا، وجهزوا حقنة ادرينالين، واستدعي دكتور إدوارد سريعا.

أمسك الطبيب بجهاز الصدمات: هيا!

صعقة ولا عودة.

مرة أخرى… ولا عودة.

في نفس اللحظة، خارج غرفة العمليات

كان مكي ينتظر بقلق بالغ، خرجت الممرضة بحركة سريعة والتوتر يخفي ملامح وجهها، فانتبه لها وتساءل بلهفة وقلق: ماذا حدث؟ هل سليم بخير؟!

أجابته بسرعة وهى تتحرك مبتعدة: المريض قلبه توقف.

اتسعت عينه بارتعاش ودموع، وهو يتسارع في خطواته للحاق بها فأمسك يدها متسائلا بإهتزاز: كيف حدث ذلك؟ هل مات!؟

هزت رأسها نافية: لا ولكن دعنى أذهب حتى استدعي الطبيب لإنقاذه.

غادرت مبتعدة، فوقف يتابع ابتعادها بعينين اغرورقت بالدموع وقلب يعتصر ألما، وضع يديه على رأسه بخوف وقلة حيلة، جلس على الأرض، والدموع تهبط رغما عنه وهو يتمتم: أوعى تموت يا سليم، أوعى تموت وتسيبني لوحدى، يارب نجيه وقومه بالسلامة يارب أنا مليش غيره.

انهارت دموعه بغزارة، واحتضن ركبتيه، للمرة الأولى يظهر مكي بهذا الضعف.

داخل غرفة العمليات 

أعطاه الطبيب حقنة الادرينالين، ثم صدمه بقوة أعلى، وبعد لحظات ثقيلة، عاد القلب، فتنفس الطبيب بارتياح، وأكملوا العملية.

خارج غرفة العمليات 

وفي هذه الثانية، رن هاتف سليم الخاص، نظر إليه مكي باستغراب للحظة، مسح وجهه وأخذ نفسا عميقا قبل أن يجيب ( كانت ماسة، كما رأينا سابقا)

وفور أن أغلق معها، خرجت ممرضه أخري ولكن بدي وجهها أكثر ارتياحا، فنهض من جلسته متسائلا بإهتزاز: أرجوكي، أخبريني كيف حال سليم، هل عاد قلبه للعمل من جديد؟!

قال آخر جملة بهمس داعيا داخله أن تجيبه بنعم، فهزت رأسها على عجل مطمئنة: نعم عاد لتوه، والآن نواصل سير العملية.

فتنهد بارتياح قليلا، وأخذ يدعوا له.

بعد عدة ساعات، خرج الطبيب من غرفة العمليات ويبدو على ملامحه الإرهاق، فهرول نحوه بلهفة: طمئني أرجوك، هل انتهت العملية؟ هل سليم بخير؟

هز الطبيب رأسه مطمئنا: هو بخير.

سأله ومازال القلق يطغي على ملامحه: ومتى أستطيع رؤيته؟

أجابه بهدوء مهني: ليس اليوم سنضعه في العناية المركزة إلى أن تمر الساعات القادمة بسلام يحتاج إلى 48 ساعة من الملاحظة الدقيقة، ويمكنك رؤيته من خلف الزجاج فقط.

ازدادت ملامح مكي توترا، وقال بصوت يختلط فيه الخوف بالاستغراب: لماذا؟ هل مازال هناك خطر؟ لقد أخبرتني قبل قليل أنه بخير!

أجابه بوضوح محسوب: لقد انهينا العملية بسلام، لكن الساعات المقبلة هي التي ستحدد مدى استقرار حالته.

تردد قليلا قبل أن يقول: أي أن الأمر لم يحسم بعد؟!

ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة: لا تقلق، سيكون بخير.

غادر الطبيب بهدوء، مسح مكي وجهه وأخرج أنفاس ثقيلة، وأثناء ذلك خرج سليم على الترولي والممرضين يدفعوه إلي الخارج، فنظر إليه بلهفة وقلب يعتصر ألما، 
وأخذ يتحرك معهم وينظر له بعينين مغرورقة بالدموع، حتى أدخلوه غرفة الرعاية المركزة.

وقف يتابعه من خلف الزجاج وهو يتمتم بالدعاء، متأملا أياه بوجع يعتصر قلبه، مرت الساعات ببطء ثقيلة على قلبه وهو مازال واقفا مكانه دون كلل أو ملل يدعو الله أن يستيقظ سليم بخير، وكل لحظة كان قلبه يخفق بشدة، منتظرا أن يفتح سليم عينيه.

وفي اليوم التالي

بدأ سليم يفتح عينه ببطء، فاهتز قلبه بالفرح، وركض لينادي الأطباء، فحضروا لفحصه سريعا، وبعد الانتهاء قال الطبيب: تسطيع أن تراه الآن، ولكن 5 دقائق فقط، ولا ترهقه بالحديث.

ارتدى ملابس معقمة، دخل إليه مرهولا، قائلا بنبرة مهتزة: حمد لله على السلامة يا أخويا.

رد بصوت متعب: الله يسلمك

مكي بإبتسامة فرح ودموع: خرجت تاني زي ما وعدتني؟

فهز رأسه إيجابا بإبتسامة باهتة متعبة.

مسح مكي علي راسه: متتكلمش كتير، أنا هطلع أقف برا علشان متعبكش، بس أنا جنبك متقلقش، أنت كويس والدكتور قال هتقعد 48 ساعة تحت الملاحظة وبعدها هتنقل غرفة عادية.

هز رأسه بابتسامة ضعيفة لا يقوى على الكلام.

خرج وظل يراقبه من خلف الزجاج، وكان سليم يستعيد وعيه شيئا فشيئا، لكنه لم يستطع منع دمعة انزلقت من عينه، كأنه يعاهد نفسه أن يعود قويا.

مر الوقت.

وخرج من الرعاية المركزة إلى غرفته، ساعده مكي على الجلوس وتبديل ملابسه، ثم جلس بجانبه وهو يحاول تخفيف الجو: حمد لله على السلامة يا عم، هنلعب الماتش وهخسرك كالعادة أول ما تبقى كويس.

ضحك بخفوت: الحمد لله كنت خايف أوي مخرجش منها تاني.

ربت على كتفه: الحمد لله إنك خرجت بخير، كنت قلقان عليك أوي، نشفت دمي.

سليم بجدية خافتة: المهم أنا مش عايز حد يعرف إننا لسة هنا، خليهم يفتكروا إننا سبنا ألمانيا.

اومأ يطمئنه: متقلقش.

أخرج الدوسيه وقطعه قائلا: خلاص ده ملوش لازمة.

نظر له بضيق: أنا مش قادر أتجادل معاك، بتستغل إني تعبان.

مكي بشدة مازحة: والله حتى لو كنت كويس هي خلاص قفلت معايا، أنا سكت وقتها بس علشان مكانش ينفع نتخانق.

ثم أضاف بمزاح وهو يمد يده بالهاتف قائلا بغمزة: وخد تليفونك أهو كمان، وعلى فكرة عايز أقولك حاجة هتفرحك؟ ماسة اتصلت.

اتسعت عينا سليم بدهشة: أنت بتتكلم جد؟

هز رأسه بتأكيد: والله اتصلت على الرقم السري، في اللحظة إللي قلبك وقف فيها، تقريبا حاسة بيك، بس مطولتش، كانت المكالمة من كفر الدوار من كشك على الطريق ومعرفناش نوصل لحاجة للأسف.

تنفس بعمق، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة مشبعة بالتأثر: الحمد لله، المهم أنها بخير.

قاطع حديثهم دخول الطبيب: كيف حالك اليوم يا بطل 

هز رأسه بإبتسامة باهتة: بخير ولكن لازلت لا استطيع تحريك قدمي جيدا.

بدأ في فحصه قائلا: هذا طبيعي، فالعملية كانت جزء من العلاج، والآن عليك أن تبدأ بمرحلة أخري مع العلاج الطبيعي والأدوية للتماثل للشفاء وممارسة حياتك بشكل طبيعي.

احتدت نظرة عينه وصاح بضجر: ما الذي تعنيه؟! اينبغي عليا الصبر مجددا وانتظار التحسن مع العلاج الطبيعي؟! ولما إذا عرضت حياتى للخطر وقمت بعمل هذه العملية، لما لم تقل لى ذلك من قبل، هل تتلاعب بي؟! أم أنك لا تعرف كيف تقوم بعملك جيدا.

الطبيب بنبرة عملية: أهدأ سيد سليم، العملية أجريت لاستخراج الرصاصة التى كانت تهدد حياتك، ولكن أيعقل أن تفتح عينك من العملية وتمارس حياتك بعدها في اليوم التالى وكأن شيء لم يكن؟! بالطبع لا، ولكن العلاج الطبيعي هذه المره لن يكون لمجرد التحسن، ولكن للشفاء التام فعليك بالالتزام بالتعليمات والعلاج والتحلى بالصبر.

تنهد بضيق: وكم من الوقت سيستغرق هذا ؟! 

الطبيب بعملية: مدة تتراوح بين من 6ل10 أشهر، حسب استجابتك والتزامك بالعلاج والتعليمات، فأنت من سيحدد تلك المدة.

هز رأسه بمرارة، فربت مكي على كتفه بمواساة: فات الكتير ومبقاش إلا القليل يا سليم، يعنى إنت استحملت سنين ومش هتستحمل كام شهر؟! إن شاء الله هتخف في أسرع وقت وهتبقى كويس. 

ومع مرور الأيام 

كان يحاول استرجاع قوته، يخوض جلسات العلاج الطبيعي، وجلسات العلاج النفسي بالتزام شديد، كان يضغط على نفسه ليعود أسرع.

وبعد فترة، انتقل إلى انجلترا لاستكمال العلاج الطبيعي، وكانت تلك المرحلة الأصعب، لا على جسده فقط بل على روحه التي كانت تحاول اللحاق بإيقاع الحياة من جديد.

رافقه مكي في كل خطوة، كظل لا يتخلى عنه، يهيئ له الجو، ويخفف عنه، ويمنحه الطمأنينة التي فقدها منذ زمن.

في أحد المراكز الطبية.

نشاهد سليم وهو يقوم بعمل العديد من الجلسات على ظهره وقدمه، بإصرار وعزيمة واستجابة سريعة فكان يريد التماثل للشفاء في أسرع وقت.

وقف مكي قرب الباب، يراقبه بنظرات قلقة، وعندما رآه يتصبب عرقا، اقترب منه قائلا: بلاش تعاند نفسك يا سليم، لو تعبت قول.

أجابه بنبرة مرهقة: عايز أرجع أمشي طبيعي بأسرع وقت.

مكي بحنو: هترجع، بس متضغطش على نفسك.

مرت الأشهر بطيئة وثقيلة، خضع خلالها للعلاج الطبيعي والنفسي بالتوازي، كان يقاتل ليستعيد عافيته بأسرع وقت، وبمساندة مكي الدائمة اكتمل شفاؤه، فعاد أخيرا إلى مصر.

(بااااااك)

كانت تستمع إلى حديثه بصمت ثقيل، ووجع يقطع أوصال قلبها، ودموعها تنهمر بلا توقف.

بينما سليم يسترسل حديثه بهدوء، وقد ارتجف صوته من التأثر.

مد يديه ليمسح دموعها برفق، وهو يقول: بعدين نزلت مصر، وفضلت أدور عليكي لحد ما ندى جاتلي.

ابتلعت غصتها، وقالت بصوت مبحوح ممزوج بالخوف والغضب، وهي تهز راسها بصدمة: يعني أنت كان ممكن تموت فعلا ومشفكش تاني؟!

توقفت فجأة أمامه، يديها ترتجفان وهي تحاول السيطرة على دموعها، لكن الكلمات خرجت منهما كفيض لا يكبح: إزاي يا سليم، إزاي جالك قلب تعمل فيا كده؟! 

خطت خطوة للخلف ودموعها تهطل بغزارة، وصوتها يرتجف بين الشدة واللوم: إزاي هونت عليك تعمل فيا كده؟! افرض الدكتور ملحقكش؟!  أنا كنت هعيش إزاي من غيرك؟ مفكرتش لو كان جرالك حاجة كان هيحصل فيا إيه؟! كنت هموت من غيرك.

اقترب منها وحاول مسح دموعها: أهدى، واسمعيني بس...

لكنها أبعدت وجهها، وصرخت بغضب موجوع: متقربش!  متلمسنيش

حاول تهدئتها مره أخرى، فاقترب وجذبها إلي احضانه رغما عنها: أهدي بقي قولت، خلاص كل دى عدي، وأنا بقيت كويس اهو.

لم تستوعب كلماته وحاولت الإبتعاد عنه ولكنها فشلت، عقلها توقف فقط عند لحظه توقف قلبه أثناء العمليه، فقالت ببكاء يقطع نياط القلب: أنا حسيت بيك، حلمت بيك حلم وحش وقلبي وجعني، ومكنتش فاهمه في ايه، نزلت في عز الليل وسافرت من مكان لمكان علشان أكلمك واطمن عليك، ولما سمعت صوت مكي مهدتش بس قولت هو أكيد كويس؛ ما هو مكي كويس وبيرد، بس  فضلت طول الليل قلبي مقبوض وحاسه روحي بتنسحب مني بالبطييء ومش عارفه اتصل تانى واطمن عليك.

تأثر بحديثها ودموعها، فاخذ يربت على شعرها بحنو، محاولا تهدئتها بنبرة موجوعة: يا ماسة أنا كان لازم أعمل كده، كان لازم أرجع قوي، علشان أعرف أرجعك، أنا اتكسرت في اللحظة إللي حاولت أجري وراكي ومعرفتش ألحقك، كان لازم أعمل العملية، بعدين أصلا الرصاصه كانت اتحركت بقالها فتره والدكتور قالي إن ممكن أموت في أي لحظه لو معملتهاش...

اتسعت عينيها بصدمة وابتعدت عنه: كمان !! والكلام ده عرفته إمتى؟!

سليم بنبرة مرتبكة: من الفترة إللي كنا فيها زعلانين في السنة.

جزت على اسنانها بغضب، وضربت صدره بغيظ وعنف: يعني عشت معايا سنة وأنت مخبي عليا، وبتموت بالبطييء..

أخذت تبكي بحرقة، فسالت دموع سليم على بكائها، وسحبها  إلي أحضانه مره أخري، وضمها بشدة، بينما هي تشبست به بقوة رغم كل ألمها، وظلا هكذا  لدقائق حتى بدأ صوتها يهدأ تدريجيا، وراح قلبها يستعيد بعض الاطمئنان.

تحدث سليم وهو يعانقها بإحتواء وعشق قائلا بحزن واعتذار: أنا أسف يا ماسة، بس أنا كان لازم أعمل كده، مرضتش أقولك وقت ما الرصاصه اتحركت علشان مترجعليش شفقه، ده كان هيكسرني أكتر، ولما خدت قرار إن أعمل العمليه، كان علشان لازم أحط نهاية للوجع وللألم ده، مكانش ينفع أفضل عايش وأنا خايف إن الساعة الجاية ممكن أموت.

شهقت بوجع وبكاء، ابتعدت قليلا ورفعت راسها نحوه وضعت كفها على خده وهي تدقق النظر داخل عينه برجاء: أوعدني، أوعدني لو حصل أي حاجة تاني مهما كانت، مستحيل تعمل حاجة من غيري، وأوعدني إنك هتعرفني كل حاجة ومش هتخبي عني حاجه تانى.

اومأ برأسه عدة مرات، بإبتسامة مشؤبة بالوجع وهو ينظر لها بثقة: وعد ياماسة.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة ممزوجه بالألم، ثم مدت يدها وضمته إليها بقوة، وغرست أصابعها في ظهره، كأنها تحاول أن تتخلص من كل الخوف والوجع الساكن في صدرها، وبقيا لدقائق طويلة هكذا في صمت كثيف، صمت يقول كل ما تعجز الكلمات عن قوله.

ابتعدت قليلا، لكنها لم تبعد عينيها عنه، غاصت نظراتهما معا في بحر واحد، ممتلئ بالشوق والحنين والاشتياق المؤلم، اقترب وجههما أكثر، واختلطت أنفاسهما، حتى تلاشى كل ماحولهما، ولم يبقى سوى حرارة القرب، وسكون اللحظة.

تعلقت عينا كل منهما بشفتي الآخر، واقتربا ببطء، أكثر وأكثر، كان الشوق يذيب المسافة بينهما، وشعر كل منهما بحرارة تتسلل إلى داخله، شوق ثقيل، موجع، لا يحتمل التأجيل.

حاولت ماسة الاقتراب أكثر، كأنها تريد كسر الحاجز، والوجع، والاضطراب الذي يملأ عقلها، وكأنها تحاول كبح انهيار داخلي يوشك أن يفلت منها.

بدوا كأنهما على وشك أن يتحدا في لحظة واحدة.

لكن قبل أن تلامس شفتيه شفتيها، اقتحمت ذاكرتها صورة مؤلمة؛ صورة تحاول نسيانها بلا جدوى ( وهو يحاول السيطرة عليها بالقوة محاولا اغتصابها)، ارتجف قلبها، وأغمضت عينيها بأسى، وعضت على أسنانها قليلا، تحاول صد موجة الخوف والذكريات لكنها لم تعرف.

شعر بتوترها، لكنه لم يبد أي رد فعل؛ لم يسأل، ولم يضغط، كان صامتا ومتفهما، فقط تنفس ببطء، وابتعد قليلا، رغم الوجع العميق الذي انغرس في قلبه؛ وجع يشبه ثقل العالم كله.

ابتسم لها برفق وقال بعفوية ومزاح : بقولك إيه، إحنا اتفقنا، متفيش عياط ونكد الأسبوع دى، أنتِ إللي بتخرقي الاتفاق كل شوية أهو.

ضحكت ومسحت دموعها بطرف كفها، وقالت ببراءة وهي تحاول التماسك: خلاص ياسيدي، ليك ساعة زيادة عندي، تبقى 8مش7.

صمتت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه وقالت: إيه رأيك نخلي نهاية الفرصة، يوم الفرح  الخميس يعني، بدل الثلاث؟

قطّب حاجبيه متصنعا الضيق بمزاح: أنتِ هتبقششي عليا؟

رفعت حاجبها، واجابته بمشاكسه: انت تطول؟! خلاص براحتك، أنا غلطانة.

ضحك فجأة، وجذبها من يدها إلى حضنه، يضمها بقوة وهو يمسح على شعرها بحنان: بهزر يا مجنونة، موافق طبعا.

أخذت نفسا عميقا، وانهارت دموعها من جديد، أحاطت بذرعيها ظهره ضمته بشدة، كأنها تخشى أن يفلت منها مرة أخرى.

قصر الراوي 

غرفة صافيناز، 8:00مساء.

كانت تشعل سيجارة تلو الأخرى، وأنفاسها متقطعة، والتوتر يلتف حول صدرها كحبل مشدود، مازال الغضب ينهشها.

فتحت درج الكومودينو بعصبية، أخرجت علبة الحبوب، تناولت واحدة دون تردد، ثم اتجهت إلى البار الصغير المصطفة عليه زجاجات الخمر، سكبت القليل في الكأس، وأسقطت الحبة بداخله، ثم احتسته دفعة واحدة،  لكن الاضطراب لم يهدأ أخذت كأس آخر

جلست على الأريكة، تشعل سيجارة جديدة، وتحتسي كأسا ثالثا، وعيناها شاردتان في الفراغ.

في تلك اللحظة فتح الباب، ودخل عماد قائلا بنبرة هادئة تخفي ما وراءها: مساء الخير.

دقّق النظر في ملامحها الشاحبة، والسيجارة بين أصابعها، والكأس في يدها، رفعت عينيها إليه بنظرة ذات معنى، يكسوها سواد ثقيل.

علق بنبرة ساخرة: إنتِ لسه على الوضع ده من الصبح؟

وقفت أمامه، وقد انفجر مابداخلها: وإنت عايزني أبقى عاملة إزاي يعني؟! قولتلك مخنوقه ومش قادرة أتحمل، وإنت نزلت شغلك وسيبتني عادي، كأن حرق دمي وزعلى ولا حاجة بالنسبه لك؟! شوف هو بيعمل ايه عشانها !

زفر بضيق، ومرر يده على وجهه: إنتِ بتقولي الجملة دي كتير يا صافيناز بدأتي تضايقيني...
اقترب خطوة، وصوته صار أكثر حدة: أنا عملت أكتر منه، أنا حطيت رقبتي في إيده علشان خاطرك، وأنتِ عارفه سليم لو شم خبر باللي أنا وإنتِ عملناه زمان، أنا هضيع....
تراجع قليلا، ثم أضاف بنبرة دفاعية: وبعدين هو أنا كنت بلعب، مش كنت بشوف شغلك إللى بقيتي مهملاه، أهدي بقى..

ابتعدت عنه وهي تضرب الأرض بكفها وتصيح بغضب: أهدي إييييه، بقولك خلاني أبوس ايديها، قسما بالله لأحرق قلبه عليها.

رفعت رأسها له وقالت بغل: لازم انتقم منها يا عماد، هكلم الباشا والهانم دلوقتي ونقولهم خطتك ولو موافقوش هنعملها لوحدنا، لازم انتقم منها وأحرق قلبه عليها.

نظر إليها وضيق عينه بخبث وقال بإبتسامة شيطانية: بصراحة يا صافي الخطة بتاعتي لو اتنفذت زي ما أنا مخططلها سليم مش هتقومله قومة تانى، ومش بعيد يموت نفسه وراها، يعنى هتبقي كش ملك.

لمعت عينيها ببريق شيطاني، وهرولت إلي هاتفها قائلة: عندك حق، أنا هكلم الباشا والهانم، واقولهم إن لازم نقابلهم حالا.

نظر إليها بإبتسامة شيطانية خبيثة، تسلل معها شعور لذيذ بالنصر؛ كأن اللعبة التي ظنها انتهت تمنح له فرصة أخرى، رأى في ذلك مدخلا للانقضاض من جديد، والانتصار هذه المرة على عائلة الراوي، وعلى سليم تحديدا.

فيلا سليم وماسة، 9:00 مساءً.

صعد ماسة وسليم إلى الطابق الثاني، وتوقفا أمام غرفمها، ألتفت إليها وتساءل بهدوء: هتنامي؟

نظرت له بتعب خفيف وهزت رأسها: لأ، لسه بدري محتاجة أغير هدومي وأخد شاور، من الصبح بيهم.

ابتسم ابتسامة صغيرة: وأنا كمان لما تخلصي تعالي نقعد شوية سوا.

أومأت برأسها: ماشي.

ودخل كل منهما غرفته، لكن بمشاعر مختلفة تماما.

كان سليم يشعر بضيق ممزوج بالأسف، كلما تذكر أنه كان على وشك تقبيلها، ثم تراجعت في آخر لحظة ! يعرف أنها لم تتعاف بعد، ولم تتجاوز ما مرت به، لكنه تأمل حتى أن يجتاز القبلة، أخد أنفاس ثقيلة بضجر، حاول تهدئة نفسه، مذكرا نفسه بأنها ما زالت في فترة الترميم، ولم يمض وقت طويل على منحهما فرصة جديدة، وجودها معه الآن هو الفوز الحقيقي، لا القرب الجسدي.

مسح وجهه براحة يده، وخلع جاكيت بدلته وألقاه على الفوتيه، واتجه إلى الحمام ليأخذ حماما دافئا، عله يطفئ ما يعصف بداخله.

على إتجاه أخرى عند ماسة.

جلست على الأريكة بثقل واضح فماحدث اليوم كان أكثر من قدرتها على التحمل، اعتذار صافيناز أعاد إليها خوفا لم يهدأ، وما جرى مع سليم في العملية، فكرة أنها كانت ممكن أن تخسره، أن يموت بعيدا عنها، وحدها كفيلة بسحقها.

هي لا تريد من الدنيا شيئا سواه، لكن كيف؟ وعائلته حاضرون في كل تفصيلة من حياتهما؟ ويحاربون حبهما..

شعرت بالاختناق، أنفاسها أصبحت ثقيلة، فوضعت يدها على قلبها تحاول تهدئته، والدموع تتجمع في عينيها رغما عنها.

ألتقطت هاتفها لتتأكد إن كان الطبيب قد أرسل لها رسالة لتأكيد الموعد أم لا، ثم بادرت بالاتصال: ألو أنا كنت باعتة لحضرتك رسالة علشان حابة أخد معاد.

توقفت لحظة، ثم أكملت بصوت متوتر: عارفة إن لسة كام يوم، بس فيه حاجة حصلت موتراني شوية ومشكلة تخص سليم.

أنصتت، ثم تنفست براحة خفيفة: تمام، خلاص تمام  ميرسي باي 

أغلقت الهاتف، وهي لا تعرف إن كان القادم أخف، أم أثقل؟! ثم عادت بظهرها على ظهر الفراش وأخذت تنظر للسقف بتعب لدقائق ثم نهضت وأخذت حمام دافئ. 

قصر الراوي، 9:30مساء

جناح عزت وفايزة

جلس  عماد وصافيناز أمامهم، تبادل الأربعة نظرات ثقيلة، وكأن التفكير في التخلص من ماسة صار عبئا يخنق الهواء حولهم.

عزت وقد بدا الضيق متحجرا في صوته: خير طلبتوا تقابلونا ليه؟ 

تحمحم عماد وقال موضحا: أبدا يا باشا كنا بس عايزين نعرف وصلت لإيه في موضوع ماسة، يعني لحد دلوقتي مفيش حاجة حصلت. 

زفر عزت بضيق: لسه مفيش جديد، اتفقت مع قناص يخلصني منها بس لسه مش عارف يلاقي وقت مناسب للتنفيذ، لإن سليم مش بيسيبها وأنا استحالة أقبل إن يحصل حاجة وسليم موجود.

أومأت فايزة بتوتر: بالتأكيد…

مال عماد بجسده إلى الأمام، وعلى وجهه ملامح مكر شيطاني تتشكل ببطء: طب وإحنا محيريين نفسنا ليه يا باشا، بعد إذنك يعنى أنا كان عندى خطة أفضل بس عايز حضرتك تديها الضوء الأخضر.

اومأت صافي مسرعة: أيوة يا بابي خطة عماد عبقرية فعلا، وكمان مش هتدخلنا في متاهات مع سليم على الوصية. 

رفع عزت عينيه نحوهم بحدة، وضيق عينه بتساؤل: وإيه هي خطتك يا عماد

عماد بفحيح أفاعي: هقولك يا باشا، بس ركزوا معايا، علشان الموضوع ده محتاج تكتك وتركيز كويس، ومينفعش فيه غلط، لإن الغلطة فيه بفورة.

وأخذ يشرح خطته الشيطانية، وصوته يهبط ويرتفع بثقة، كانوا يستمعون إليه بعيون متسعة ووجوه جامدة من الصدمة؛ فكل مايقوله بدا أكبر من قدرتهم على الاستيعاب، وأخطر مما توقعوا.

وحين انتهى، ساد صمت ثقيل، قطعه عزت وهو يتفحص عماد من أعلى إلى أسفل بنظرة إعجاب صريح: مكنتش متوقع إنك شيطان كده يا عماد.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية، وقال بثقة لا تخلو من مكر: تلميذك يا باشا.

كانت صافيناز تتابعهم بإبتسامة فرحة؛ أرادت بها أن تمنح عماد ثقة أكبر، وتؤكد له أنها تقف في صفه بلا تردد: شوفت علشان تثق في عماد وتديله الثقة يا باشا.

تدخلت فايزة بنبرة حاسمة: خلاص من بكرة تبدأ، والباشا في ضهرك.

عزت: تمام وأنا هكلم الراجل اللى اتفقت معاه وانهي معاه الموضوع.
أضاف بتحذير وهو يقول بجدية: مش عايزين أي غلطة، سليم مينفعش حتى يشك.

ابتسمت فايزة ابتسامة واثقة وقالت بهدوء خبيث: هيشك إزاي؟ لو اتعملت صح زي ما عماد قال.

رمقها عماد بثقة، وقال بلهجة قاطعة: متقلقوش.

وساد صمت ثقيل يخبئ تحته نية لم تدفن بعد، بل أُعيد ترتيبها.

علي اتجاه آخر في غرفة طه ومنى

كان طه متمددا على الفراش، عينيه معلقتين بشاشة التلفاز، وبجواره طبق فاكهة وحلويات يتناول منه بلا اكتراث.

في تلك اللحظة، دخلت منى بابتسامة مرسومة بعناية على شفتيها، ابتسامة لا تخلو من نشوة خفية، كأنها أمسكت بخيط رفيع يقودها لاكتشاف ما.

رفع عينيه نحوها متسائلا بفتور: كنتي فين كل ده؟

اقتربت بخطوات هادئة، وقالت بنبرة أنثوية دافئة: كنت تحت يا توتي.

عقد حاجبيه، وعاد يسأل وهو يقلب نظره بينها وبين الشاشة: ما أنا عارف، قصدي بتعملي إيه أنت نازله بقالك كتير؟ 

تمددت بجانبه، ومدت يدها تلتقط قطعة حلوى، ثم قالت وكأنها تلقي خبرا عابرا: كنت عايزة أسأل فايزة هانم هتعمل إيه في موضوع المعازيم بتوع الفرح، لقيتهم كلهم متجمعين، ونازلين ودودة.

اعتدل في جلسته وقال بنبرة حاسمة: منى، أنا قولت ملناش دعوة بالحوارات دي.

التفتت إليه بسرعة: إزاي يعني؟ بقولك شكلهم بيتفقوا على حاجة!

تنفس بعمق، وقال وهو يهز رأسه: هما من وقت ظهور ماسة وهما مش مظبوطين.

أومأت برأسها قالت بذكاء: بالظبط، بس المرة دي شكل الباشا معاهم، وموافق.

ألتفت إليها وقال بيقين: مستحيل.

اقتربت منه أكثر وقالت بثقه: بقولك شوفتهم بعيني، كلهم متجمعين في جناح الهانم، والباشا معاهم، ونازلين ودوده، كان نفسي أسمع حاجة، بس معرفتش من الخدم.

ساد صمت قصير، قطعه طه بضجر: الموضوع كده بيكبر، وأنا قولتلك خلينا بعيد زي ما اتفقنا.

تنهدت وقالت بثبات: تمام كده كده أهم حاجة عندي إن مراد يكون جنب سليم، ويبقى ليه مكانه، غير كده خلاص…

صمتت لحظة، ثم أضافت وهي تثبت نظرها عليه: بس إللي بيحصل ده مش تحضير فرح، ده تحضير لمصيبه، أنا عارفة كويس الاجتماعات دي.

ابتسمت بخبث شيطاني وكأنها تعرف ما يريدون فعله بينما تجمد طه لثانية، دون رد، اكتفى فقط بتغيير القناة، لكن يده كانت مشدودة على الريموت، أكثر مما ينبغي.

فيلا سليم وماسة، 10:00مساء

غرفة سليم 

توقف أمام النافذة، يدخن سيجارته بشرود، والهواء العليل يلامس وجهه فيخفف من ثقل أفكاره، كانت إحدى أغاني عمرو دياب تنبعث من الجرامافون، فتملأ المكان بنغمة مألوفة، محملة بذكريات لا تنسى.

يفكر في ردة فعل ماسة، في خوفها الغريب من صافيناز، ذلك الخوف الذي بدا له مثيرا للانتباه، كما عادت تتردد في أذنه جملة والدتها، جملة لم تفارقه منذ أن سمعها: «قولي لجوزك رشدي عمل فيكِ إيه؟»

بدأ يمسح على جبينه بأنامله، يحاول أن يجد سببا أو خيط لكنه لم يجد

بعد قليل، انفتح الباب المشترك بهدوء، ودخلت ماسة، كانت ترتدي سلوبت شتوية ثقيلة من الفرو بشكل أرنب، وشعرها مرفوع على هيئة قطتين، وفي قدميها لكلوك على شكل أرنب، بدت كأنها خرجت للتو من عالم طفولي، لطيف وكيوت بشكل مبالغ فيه.

اقتربت منه وتوقفت بجانبه، دون أن تنظر إليه مباشرة، فقط ترمقه بطرف عينيها  بدلال طفولي: كارملتي.

تأملها من أعلى لأسفل باستغراب، قبل أن ترتسم ابتسامة خفيفة على شفتيه: إيه إللي إنتِ عاملاه في نفسك ده؟ مش كبرنا على الحاجات دي؟

ضيقت عينيها وقالت بمداعبة: اتكلم عن نفسك، أنت كبرت إنما أنا لسه صغيرة يا حبيبي، أنا لسة هكمل 26 سنة، مش أنت أللي كمان شوية وتكمل 35! يعني رجل برة ورجل جوة…

ضحك بصوت عالي: يخرب بيت اللماضة!

انتبهت للأغنية وقالت معلقة: عمرو دياب؟ فاكر أول أغنية سمعناها له وإحنا مع بعض؟

هز رأسه وهو يتأملها بعينين لا ترمشان: طبعا فاكر كان شريط ليلي نهاري، لسه نازل، وإنتِ كنتي قاعدة تغني وإنتِ بتشربي النسكافيه الخطير بتاعك.

ابتسمت بفرحة طفولية: ينهار! لسه فاكر كل ده؟

اقترب بوجهه من وجهها، بنظرات أشعلت في قلبها نارا خفية، وسرت قشعريرة في جسدها: أنا مبنساش أي حاجة تخصك.

نظرت إليه بصمت، وقلبها يدق بسرعة، أنفاسها تعالت داخل صدرها وهي تحاول الثبات أمام تلك النظرات التى تشعل داخلها الكثير، ابتلعت ريقها، وحاولت تغيير الموضوع، فأخذت نفسا عميقا وهي تنظر من النافذة: الجو حلو أوي.

ثم أشارت حولها: الأوضة بتاعتك كمان جميلة أول مرة أركز فيها كده.

بينما هو كان ينظر إليها من أعلى لأسفل بابتسامة مختلفة، انتبهت لنظرته، فالتفتت إليه باستغراب وهي تضيق عينيها: أنا عايزة أعرف إنت بتبصلي وتضحك ليه؟

مال برأسه وقال مبتسما: أصل شكلك حلو أوي، وعايزة تتاكلي بصراحه، ومش مصدق نفسي إني اتغريت بلبس الطفولة إللي إنتِ لابساه ده.

هزت كتفيها بمداعبة أنثوية ناعمة: كراميل؟ إنت بتتغرغر حتى لو لابسة خيشة!

ضحك عاليا: دي حقيقة، بس بقالك كتير ملبستيش كده.

صمتت لحظة، ثم قالت بهدوء، وعيناها تهربان بعيدا: بعد الحادثة حياتنا بقت سودا حتى الفساتين إللي كنت بحبها نسيتها يا سليم، نسيت ماسة قطعة السكر، فحبيت أنسى همومنا شويه، ونرجع للنقطة إللي كنا فيها قبل الحادثة، بما إننا في فترة فرصة وإجازة نرجع لأول حياتنا.

نظر إليها طويلا، لا يعرف ماذا يقول!؟ 

ثم فجأة، وبنبرة أخف، حاولت كسر الصمت: إيه رأيك نلعب بنك الحظ؟ أنا مش جايلي نوم، وبعدين بكرة عندنا ميعاد مع دكتور ياسر، هو بعت لي رسالة، بعت لك؟

أخرج أنفاسا هادئة: آه، لسه باعتلي، وبكره كمان هروح جلسة العلاج الطبيعي.

هزت رأسها بتشجيع: كويس أوى خلاص بكره نروح للدكاترة وننزل نلف على فستان ليا علشان الفرح، كده كده مش ناوية أروح الكلية بكرة

هزت رأسه، وقال بتردد خفيف، وبنبرة تحمل رجاء صريحا: بقولك إيه، مينفعش تبطلي تروحي الكلية كام يوم، ونخلينا مع بعض.

رفعت رأسها ونظرت إليه بابتسامة متسائلة، بعينين مليئتين بالمداعبة: وهنعمل إيه مع بعض؟

مد يده بحركة عفوية، كأنه لا يملك إجابة واضحة، لكنه ابتسم بخفة: مش عارف نخرج، نعمل أي حاجة، حتى لو تحضري محاضرة واحدة بس المهم نقضي الأيام الجاية دي سوا.

غمزت بعينيها بخبث لطيف: خايف تخسر يا سالوملوم؟

ابتسم بثقة هادئة: سليم مبيخسرش.

رفعت حاجبها بتحد، تحاول إخافته بمكر أنثوي: طب حضر نفسك بقى يعني علشان مقابل الهزيمة؟

هز رأسه بيقين، وعيناه ممتلئتان حبا وثقة: لا، لإني واثق إني هكسب.

ضحكت بخفة، ثم سحبته من يده قائلة: طب يلا تعالى نلعب.

تحرك معها ليجلسا على الأرض دخلت غرفتها سريعا، وأحضرت الكوتشينة وبنك الحظ، ثم عادت وجلست أمامه، وبدءآ اللعب بحماس وضحك، وأجواء دافئة مليئة بالألفة والبساطة، كأن العالم كله اختصر نفسه في تلك اللحظة الصغيرة.

وبعد وقت طويل، ومع هدوء الليل، توجه كل منهما إلى غرفته، وناما على إحساس خفيف بالطمأنينة، كأنهما استعادا جزءا ضائعا من نفسيهما.
💕______________بقلمي_ليلةعادل

مجموعة الراوي، 9:00صباحا.

ترجلت صافيناز من سيارتها بعدما أن فتح لها أحد أفراد الأمن الباب، خرجت كالملكة، رأسها مرفوع وعينان تتطلعان من أعلى لأسفل على المبنى، كأنها عادت إلى مملكتها. 

بدأت تتحرك بخطوات واثقة نحو الداخل، وبدأت تتلقي الترحيب من الجميع بعد عودتها.

صعدت المصعد، وتحركت في الممر بخطوات ثابتة، مرفوعة الرأس، يسبقها حضورها قبل أن تصل.

وفي اللحظة نفسها خرج رشدي من مكتبه، وما إن لمحها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، اقترب منها وتوقف أمامها مباشرة.

رشدي بسخرية: حربووقة عاش من شافك.

توقفت وقلبت عينيها ببرود، قالت بإستفزاز: رشدي؟! مكنتش أعرف إنك هنا، مش المفروض بتحضر لفرحك؟

اقترب أكثر، حتى كاد وجهه يلامس وجهها: مينفعش أفوت عليا لحظة زى دي، وأرحب بأختي الحرباية...
ثم ضحك بخبث: ثعلوبك فين؟ ولا لسة سليم مرضيش عنه؟ قوليلي كانت إيد ولا رجل؟

انتصبت في وقفتها وتساءلت بحدة: تقصد إيه؟

ابتسم ابتسامة جانبية لاذعة: أقصد خلاكي تبوسي رجليها ولا إيديها علشان ترجعي المجموعة ويرضى عنك؟
جزت على أسنانها بضجر، فأضاف بسخرية لازعة: بس أوعي تفتكري دخولك هنا هيخليكي ترجعي زي الأول، هو رجعك علشان يخليكي زي الكرسي إللي هتقعدي عليه.

ضحكت ضحكة قصيرة، وأزاحت شعرها إلى الخلف بثقة: شوف مين إللي بيتكلم!

اقتربت خطوة، ونظرت داخل عينه: أوعى تفتكر إنك هتستفزني بكلامك ده، أنت أكتر واحد المفروض يخاف، علشان لو ماسة اتكلمت، سليم هيزعلك أوي، ومش بعيد الفرح يتقلب جنازة.

نظر لها بإبتسامة جانبية وكأنه لا يبالي بما تقول، وضع أصابعه على خده يستمع لتهديدها، فتابعت علي نفسي ذات الوتيرة المهددة بسخرية: من رأيي يا رشدي متستفزنيش، وأوعى تقولي أنا معايا إللي يحميني...
ثم ابتسمت ابتسامة ذات معنى: أصل إحنا كمان معانا إللي يحمينا، زيك بالظبط..

ضحك رشدي بسخرية مستنكرا: هو أنتِ وأمك كل شوية تهددوني بماسة؟ أنا مبتهددش.

اقتربت منه أكثر، وصوتها صار أخطر: لا، أنت بتتهدد يا رشدي..
توقفت لحظة ثم اضافت بثبات: زمان كان ممكن أخاف منك وأعمل للسانك الطويل ده حساب، إنما دلوقتي؟ مكالمة تليفون واحدة لحبيبة القلب كفيلة تدمر حياتك كلها...

استدارت لتكمل طريقها، ثم توقفت وعادت تنظر إليه: بس قولي أخبار الشم إيه؟

ابتسمت بخبث: أو بلاش، ست الحسن بتاعتك، لو خدت حباية شجاعه وراحت قالت للكراميل بتاعتها كل حاجة، تفتكر هيحصل إيه؟

اقتربت خطوة أخيرة اضافت: هتقوله رشدي هددني، ومعرف صافيناز وفايزة؟

رفعت حاجبها مسترسله: متعملش نفسك ملاك، أنت إللي كنت في الوش، وأنت إللي فكرت ونفذت، ودايما في الواجهة...

مالت برأسها قليلا أكملت: إحنا كلنا شياطين، وكلنا في نفس المركب، ومحدش فينا هيغرق لوحده...

أضافت ببرود قاتل: وزي ما أنت قولتها زمان، إحنا عيلة بتحب بعض أوي، ولما نغرق، بنغرق كلنا.

ضحك رشدي ضحكة ساخرة، واقترب فجأة، وجذبها من شعرها بعنف، وقرب وجهها من وجهه حتى كادت أنفاسهما تختلط، وقال بنبرة لازعة مهددة، بصوت منخفض كالفحيح: لا لا لا، أهدي علي نفسك كده، أنا مبتهددش...

أبعد رأسه قليلا، لكنه ظل ممسكا بشعرها بإحكام أضاف: عايزة تكلميها؟ أديكي رقمها ولا أجيبهالك بنفسي؟

ابتسم ابتسامة جانبية مظلمة: روحي قوليلها مش فارق معايا، بس يوم ما أنتِ تقولي، أنا كمان هقول، ما أنا لساني مش مقطوع!!

اقترب أكثر، ونبرته صارت أثقل: بس معتقدش إنك حابة تحرقي نفسك وتموتي الفترة دي، أعتقد عندك أهداف تانيه عايزه تعيشيلها..

حدق فيها بعينين ضيقتين: أنا متأكد، أكتر ما أنا متأكد إني شايفك قدامي، إنك مستحيل تنطقي بحرف لا لمي ولا لغيرها...

شد على شعرها أكثر: عارفة ليه؟ علشان يوم ماتتكلمي هتحرقي نفسك قبل ماتحرقيني...

تنفس بعمق، استرسل ببرود قاتل: أنا ممكن أخسر مي عادي، لكن لما أخسرها هحرقكم كلكم، ما أنا حياتي مش هتبوظ لوحدى!

اقترب من أذنها وهمس: وصدقيني الكارت إللي معايا مبيهزرش وبيؤش، وبيه أنا في الأمان، يعني محدش هيطلع خسران غيرك...

ترك شعرها، وتراجع خطوة: متنسيش أنتِ بتلعبي مع مين، أنا مش سليم.

نبرته ازدادت حدة: واذا كان سكوتي الفترة إللي فاتت خلتكم نسيتوا نفسكم وافتكرتوا انكم تقدروا تهددوني، فملحوقه أفكركم مين هو رشدي... 

اقترب نصف خطوة إضاف بتهكم: أنا كنت ساكت بس علشان مليش مزاج أخش في حوارتكم، وبالنسبة لماسة أنا عارف أحمي نفسي منها أزاى، بس أنتِ بقى هتعرفي تحمي نفسك مني إزاي؟

استدار وهو يتمتم محذرا: خلي حربك مع سليم أحسنلك، علشان أنا لو دخلت على الخط قسما بالله لازعلك جامد.

التفت بعينين مليئتين بالاحتقار: أنا عارف إنك بت سم، بس سمي أنا أقوى من سمك بكتير.

 تحرك مبتعدا للخارج.

ظلت صافيناز تنظر إلى أثره بغضب مشتعل،
وجزت على أسنانها بعنف، حتى سمع صريرها في المكان، لكن سرعان ماتبسمت؛ فالمهم أنها عادت إلى المجموعة، ولن تسمح لواحد مثل رشدي أن يعكر صفوها، وكأن تهديده لا يشعرها بأي خوف، بل يوحي لها أن التخلص منه، إن أرادت، أسهل مما يتخيل!!

وصلت إلى مكتبها، فتحت الباب ودخلت وكانها تدخل إلى حصنها، توقفت للحظة في المنتصف، تتأمل المكان بنظرة سعيدة، وكأنها تستعيد قوتها، جلست على مكتبها، وأخذت نفسا عميقا، تعرف تماما أنه أعادها مجرد هواء، لكنها خطوة لا يستهان بها بالنسبة لها.

رفعت هاتفها واتصلت بعماد: إيه يا عماد، أنا في المجموعة، في المكتب، متقلقش، قريب اوي هقنعهم يرجعوك.

جاءها الرد من الطرف الآخر: المهم يا حبيبتي، إنك تثبتي وجودك، تبقي في المجموعة حتى لو مشتغلتيش فترة.

صافيناز بإبتسامة واثقة: أكيد، سلام دلوقتي.

أغلقت الهاتف، ونظرت حولها مجددا بابتسامه، ثم رفعت الهاتف الأرضي الخاص بالمكتب وقالت بنبرة عمليه: ألو، أنا عايزة كل التقارير لكل المشاريع الأخيرة الخاص للمجموعة، نص ساعة وتكون قدامي، وأطلبيلي قهوة

أغلقت الهاتف، وثبتت نظرها إلى الأمام، وتمتمت بخبث: هنشوف مين هيضحك في الآخر.

على اتجاه آخر عند رشدي

وصل إلى الخارج وهو ممسك بهاتفه، يضغط عليه بقوة وهو يجري مكالمة سريعة: ألو صباح الخير.. بقولك إيه، لبسي جنة، أنا في الطريق، مع السلامة.

أنهى المكالمة ورمى الهاتف في جيبه بعصبية، توقف أمام سيارته، كان شوقي، ذراعه الأيمن، يقف في انتظاره. وحين رآه، أشار له بيده إشارة سريعة وحادة.

اقترب شوقي خطوة، منتصب القامة: أفندم يا باشا؟

مال برأسه قليلا، وخفض صوته، وعيناه تلمعان بحدة: عايزك تأب وتغطس، وتلاقيلي أي حاجة أمسكها على صافيناز وعماد، وخصوصا عماد...

ابتسم ابتسامه جانبية خبيثة وتابع: عماد أكيد وراه بلاوي، ولو دورت وراه هتلاقي كتير، أنا متاكد إن جدعنته مع صافيناز مش حب...

هز رأسه: أوامرك يا باشا.

استدار نصف استدارة، فتح باب سيارته، ثم توقف لحظة ونظر إليه من فوق كتفه: أنا هروح المشوار إياه، ظبط بقى.

اوما براسه: تمام يا باشا.

دخل سيارته، أغلق الباب بقوة، وأدار المحرك، وانطلق بالسيارة مخلفا وراءه صمتا مشحونا

على اتجاه آخر في مكتب سليم

جلس سليم خلف مكتبه، يركز في الأوراق أمامه، حتي قاطعه مكي وهو يمد رأسه من الباب قائلا بمزاح: فاضي ولا أجيلك وقت تانى

رفع رأسه، بإبتسامة واسعة فور أن رآه، ونهض من مكانه وهو يقول بنبرة مازحة: لو مش فاضي أفضالك، عامل ايه يا أبو أيد ونص وحشتني.

ضحك مكي وهو يحرك ذراعيه: لا خلاص بحرك إيدي اهو، رجعت بإيدين كاملين تاني.

اقترب منه سليم واحتضنه بقوة: حمد لله على السلامة.

بادله العناق بإبتسامة خفيفة: الله يسلمك، عامل إيه يا خويا؟

سليم وهو يشده: الحمد لله، أنت أخبارك إيه؟

جلسا معا، على المقاعد الأمامية للمكتب مقابل بعضهما: كله تمام 

سليم بلوم خفيف: متأخرتش؟ مش كنت قايللك ارتاح، وخدلك إجازة شوية؟

تنهد وهو يميل بظهره على المقعد: ما أنت عارف، مبعرفش أقعد في البيت، وديت أمي عند خالتي وجيت علطول.

أومأ بقلق حقيقي: بس أوعى تكون لسة تعبان.

ضحك ضحكة قصيرة رجولية: يا راجل! أنا كنت باخد رصاص وبرجع الشغل تاني يوم، دي شاظية! أنا بس كنت محتاج أقعد مع أمي شوية.

مال للأمام بنبرة ودودة: طب وهي عاملة إيه؟ وحشاني، نفسي أعدي أشوفها.

مكي بابتسامه: الحمد لله تمام، هي كمان بتسلم عليك، وبتقولك تعالي علشان تعملك الأكل إللى بتحبه.

سليم بلطف: إن شاء الله هاجي أنا وماسة.

رفع مكي حاجبه بمداعبه: قولي صحيح إيه الأخبار الحلوة إللي أنا سامعتها دي؟ أطلقت سراحها أخيرا؟!

أسند ظهره على الكرسي، وابتسامة دافئة لمعت في عينيه: ده إللي كان لازم أعمله من زمان، أنت كان عندك حق، بس أن مكنتش بعمل كده زمان رخامه، كنت خايف عليها غصب عني.

اعتدل مكي في جلسته، واومأ مؤيدا بجديه وعقلانيه: أي حد يطلع من حادثة زي إللي خرجت منها طبيعي يعمل كده ومحدش يقدر يغلطك، بس إنت طولت في الأزمة، غير إنك كنت رافض تروح لدكتور يساعدك تعدي إللي حصل وحاجات كتير دخلت في بعض…

أضاف وهو يركز النظر في ملامحه بإصرار: وهفضل أقولك، أنتم الاتنين غلطانين، لو إنت غلطت بخوفك الزياده، هي غلطت بردة فعلها..

تنهد سليم، وبسمة صغيرة ظهرت على ملامحه: سيبك من إللي فات وخلينا في دلوقتي، أنا مبسوط، حتى الدكتور ياسر مبسوط بالتقدم إللي حصل.

مكي بصوت مهتم: طب أحكي إللي حصل بالتفصيل؟

اومأ برأسه بابتسامه، وبدأ يسرد له ما حدث في فتره غيابه، والسعادة تخرج من عينه: مفيش بعد المشكلة إللي حصلت والصمت إللي كنت فيه اتعاتبنا شوية، راحت ماسكة فازة وكسرتها وقالتلي لو صلحتها هديك فرصة تثبتلي انك اتغيرت وتستاهل، واتفقنا ناخد أسبوع، وإني أوريها  إن إللي اتكسر ممكن يتصلح ويرجع أحسن.

عاد بظهره على المقعد، وتابع على نفس ذات الوتيرة بعقلانية: مكنش في دماغي وقتها طريقة، بس وأنا في الورشة بصلح الفازة حسيت إن الهدايا والحاجات المبهرة مش هي الحل، حسيت لازم تشوف إني اتغيرت بجد، وأول خطوة روحت اعتذرت لأهلها.

اتسعت عينا مكي بدهشة: بجد؟! إنت وصلت للمرحلة دي؟!

اوما براسه، وهو يزم شفتيه بأسف: بس عمار ويوسف وسلوى مقبلوش الاعتذار، وسبت ماسة تتحرك براحتها وتسوق العربية تروح الجامعة، والحراس معاها من بعيد.

ابتسم مكي برضا حقيقي: جميل أوى، طب إنت حاسس بإيه بقى؟

سليم بإبتسامة أمل: فرحان لكن برضه مش عايز أطير عايز أفضل واقف على أرض ثابتة، ومتجاوزش الخط الأحمر علشان لو حصل حاجة، متوجعش زي وقت فقدان الذاكرة.

اومأ مكي بتأييد: عندك حق، ربنا يصلحلكم الأحوال بإذن الله.

أشار سليم بيده بتوضيح: بعد كده، أنت إللي هتبقى معايا وعشري مع ماسة.

اومأ برأسه بإيجاب ثم قال بحماس ومزاح: بقولك ايه ماتيجي ماتش بوكس النهاردة، لو كسبتك تعزمنى على كباب.

رفع حاجبه: طب لو أنا كسبتك.

ضحك بثقة: لا أنا ناوي أضربك علشان اخد حقي، فهكسب.

ضحك سليم: اتفقنا...
ثم صمت لحظة، ورفع يده يحك رقبته بتردد، قبل أن يتنهد: بقولك إيه في حاجة كده حصلت، كنت ناوي أصلا أجيلك عشان آخد رأيك فيها، مش عارف أنا مدي الموضوع أكبر من حجمه ولا هو فعلا بالحجم ده.

نظر له بإهتمام، وقد شعر بإرتباكه: خير في ايه؟

تنفس بعمق، وقال: أول امبارح، لما رجعت من المجموعة لقيت ماما سعدية موجودة وأنا داخل سمعتها بتقول لماسه «قولي لسليم على إللي عمله معاكي رشدي!»

ضيق مكي عينيه: رشدي؟!

هز راسه ايجابا بشك: آه ولما سألتها، قالتلي إنها كانت بتتكلم عن الفستان، إللي هتحضر بيه الفرح...
توقف لحظة، ثم أكمل بجدية: أنا طبعا مقتنعتش بالكلام دى، وارتباكها، وخوفها، ونظراتها، أكدوا لي إن في حاجة غلط، ولما سألت سلوى هي كمان اتوترت أوي.

عقد مكي حاجبيه: طب لو رشدي مضايق ماسة، هتخبي ليه؟ وهيشوفها فين أصلا؟

زفر بإختناق قائلا بحيرة: ما هو ده إللي محيرني، ممكن مقالتش علشان خايفة إني أعمل حاجة، مش عارف تفتكر ممكن يكون حاول يتحرش بيها لما كانت في القصر؟!

هز رأسه سريعا: لا يا عم متخليش دماغك تروح لبعيد يخاف أصلا بعدين بقلها يجي سنتين بره القصر.

سليم بحيرة: اومال هيكون عملها إيه وخايفة تقوله.

هز رأسه بتفكير: يمكن يكون شافها في الجامعة وغلس عليها، مش خطيبته مع ماسة في الجامعه، وارد يكون شافها هناك وعاكسها او قالها كلمتين من بتوعه، وهي مرضيتش تقولك علشان عارفه إنك بتغير، ومامتها طبعا بالنسبه لها حوار زى دى كبير وعيبه فطبيعي تقولها قولى لسليم، وسلوي أنت عارف إن ماسة مبتخبيش عنها حاجه. 

رمقه بعدم اقتناع وهز رأسه بحيره: مش عارف، مش مقتنع! 

مكي بهدوء: أصل هيتقابلوا فين غير كده؟ ماسة في أي مكان بتروحه، الحراس وراها، لو كان حصل حاجه كان حد من الرجاله بلغك، المكان الوحيد إللي ممكن يشوفها فيه هو الجامعة...

صمت لحظة ثم أضاف: وبصراحة، أنا شايف إن رشدي، رغم غلاسته القديمة، كان دايما ألطف واحد فيهم في تعامله مع ماسة، آخره كان بيغلس عليها قدامك عشان يضايقك شغل اطفال يعني، وبقاله فترة ماشي مظبوط. من ساعة ما اتعرف على البنت إللي هيتجوزها، يعني مش حاسس إن فيه حاجه من ناحيته نقلق منها.

ابتسم سليم ابتسامة باهتة بسخرية: رشدي ده أنا مضمنوش من هنا لبكره، ممكن يمشي عدل فترة ويرجع، أنا مش عايز أضغط عليها، خصوصا إني وعدتها..

تنهد وهو يهز رأسه برفض وأضاف: بس في نفس الوقت، مش مطمن، يمكن يكون مضايقها في حاجة، وسلوى اكدتلي إحساسي برد فعلها.

مكي بتهوين: صدقني والله هيطلع حوار تافه وأنت إللى مكبر الموضوع.

أطرق سليم برأسه: يمكن، بس برضه خليه تحت عينك، وحطلي كاميرات وميكروفنات في مكتبه.

ابتسم مكي، وهز رأسه موافقا بخفة: إذ كان على كده بسيطة ومحلولة، وبرضه علشان تطمن هراجعلك بنفسي الكاميرات بتاعة الجامعه واقولك إللى لقيته، أنا متأكد إن تخميني هيطلع صح. 

هز سليم راسه بإيجاب، وساد بينهما صمت ثقيل، صمت رجلين يعرفان إن القلق الحقيقي لا يأتي من الواضح بل من الغامض
💕_____________بقلمي_ليلة عادل 
القلج، 10:00صباحا

منزل الحاجة إسعاد.

وقفت جنة أمامها، ترتدي بنطلون جينز وبلوزة بيضاء وجاكيت بمبي، وشعرها منعكش بقسوة، وملامحها مكفهرة، وراحتا يديها تضغطان فوق صدرها بغيظ طفولي واضح.

جلست إسعاد على الأريكة، مسنودة على عكازها، تحدق فيها بقلق محبب وهي تقول بصوت متنهد: طب أعملك إيه يا جنة؟ رحمة في شغلها تعالي أعملك ديل حصان وخلاص.

هزت رأسها بقوة، برفض طفولى: لا أنا مش عايزة ديل حصان! عايزة أعمل تسريحة حلوة مليش دعوة!

رفعت إسعاد حاجبها، وفي صوتها نبرة تهديد لطيف: عيب يا جنة، والله لأكلم رشدي وأقوله ميجيش.

قفزت تجاهها بسرعة، عيونها تلمع محاولة تسترضيها: يا تيتة أنا بس عايزة أعمل تسريحة حلوة، علشان نتصور صور حلوة أنا ورشدي!

تنفست إسعاد ببطء: طب أعملك إيه طيب؟

جنة بلهفة: خلاص هروح لطنط رشا تسرحلي شعري.

لوحت إسعاد بيدها: استني أكلمها الأول.

ذهبت جنة إلى الشيفونيرة، التقطت الهاتف القديم وقدمته لإسعاد بحماس، أخذته منها، ضغطت الأزرار  رفعته إلى أذنها: صباح الخير يا حبيبتي عاملة إيه؟ يا رب ما أكون صحيتك، لأ الحمد لله، معلش ممكن جنة تعدي عليكي؟ تسرحيلها شعرها، أصلها خارجة ورحمة مش موجودة، ربنا يخليكي هبعتهالك دلوقتي، سلام يا بنتي.

أغلقت الخط ونظرت لجنة: يلا روحي بسرعة، ومتتأخريش ومتعمليش شقاوة!

صفقت بفرح: ماشي!

فتحت الدرج، أخذت علبة بلاستيك مليئة بالتوك والشرائط.

هزت إسعاد رأسها وهي تضحك: هتاخدي كل التوك بتاعتك؟

جنه بتوضيح: أيوة يمكن نعمل تسريحة صعبة وتحتاج كتير!

أشارت إسعاد نحو الباب: روحي ومتقفليش وراكي، مش هقدر اقوم تاني.

جنة: حاضر يا تيتة.

خرجت تقفز من الفرحه، وبقيت إسعاد تشغل التلفزيون، تحاول تتسلى وتقتل وحدتها.

بعد دقائق سمعت خبط خفيف على الباب.

إسعاد بصوت مرتفع: خشي يا جنة الباب مفتوح!

لكن الذي دخل رشدي، بابتسامة واسعة وصوت هاديء: صباح الخير يا حاجة.

رفعت عينيها، وانفرجت ملامحها ابتسامة: تعالي يا ابني اتفضل، جنة راحت عند رشا جارتنا تسرحلها شعرها، أصل رحمة مشغولة النهاردة.

اومأ برأسه: تمام، كمان شوية في ناس هيوصلوا، جايبين شوية حاجات للثلاجة، لو ناقصك حاجة قوليلهم.

إسعاد بدعاء: كتر خيرك يا ابني ربنا يوسع عليك يارب.

وقبل أن تكمل حديثها، فتحت جنة الباب بقوة، وما إن رأت رشدي حتى صرخت بصوت يطير من الفرحة: رشــدي!

ضحكت إسعاد وهي تشير لها: عيب يا جنه، مش قولتلك قولي بابا رشدي.

رشدي بابتسامه، وهو يفتح ذراعه لها: سيبيها تقول إللي هي عايزاه.

ركضت جنة عليه وحضنته بقوة، ضحك بخفة وهو يبادلها العناق ويربت علي شعرها المصفف: يا سلام إيه التسريحة الحلوة والهدوم الجميلة دي؟

مسك يدها الصغيرة بلطف: يلا بينا، عشان نخرج، قولي لتيتة باي.

شبكت أصابعها في يده، والتفت ملوحه بسعاده: باي يا تيتة!

خرجا معا، فتح رشدي باب السيارة، ومال بجسده يساعدها على الصعود، انحنى يربط لها حزام الأمان، ثم التفت وجلس بجانبها  وأدار المحرك، لتبدأ السيارة في التحرك ببطء 

كانت جنة تتمايل في الكرسي بحماس لا يهدأ، قدماها تتحركان فوق بعضها: هتوديني فين يا رشدي؟

سألها وهو يركز عينه على الطريق: أنتِ مفطرتيش، صح؟

هزت رأسها الصغيرة: لأ.

تساءل وهو ينظر لها بطرف عينه: طب عايزة تكلي إيه؟

قالت باعتراض: أكل إيه هو ده وقته، وديني الملاهي!

ضحك، وهز راسه بخفة: يا بنت بطلي لماضة نفطر الأول، وبعدها نروح الملاهي ونلعب براحتنا.

قطبت حاجبيها لكنها وافقت: ماشي، بس أنا مش عايزة فول وطعمية والنبي يا رشدي.

ابتسم وهو يرمقها من زاوية عينه: لأ مش هناكل فول وطعمية، هناكل أكل حلو.

صمتت لحظة، نظرتها راحت لملابسه وساعته، ثم سألت بفضول كبير: رشدي، هو أنت غني، ومعاك فلوس كتير؟

رفع حاجبه متعجبا السؤال، لابتسامة صغيرة ظهرت على شفايفه: أيوة غني ومعايا فلوس كتير.

ألتفتت له باندهاش طفولي: رحمة قالتلي إنك ساكن في قصر، زي إللي في التلفزيون، وأهلك زي أهل إنجي.

ضيق عينه باستغراب: مين إنجي؟

رفعت يديها بحماس وهي تشرح: إنجي! اللي في الفيلم! أهلها كانوا أغنياء وعايشين في قصر، وباباها حاجة كده بالشين..

رفعت راسها لأعلى وكأنها تتذكر ثم قالت: اه افتكرت، باشا

ضحك وهو يهز رأسه: أيوه، أهلي كده فعلا.

صمتت ثواني، ثم ضمت شفايفها، وقالت بعتاب طفولي: طب ليه متاخدناش نعيش معاك في بيتك الحلو؟ ليه سايبني أنا وتيتة في البيت الوحش ده؟

تجمد للحظة، ثم رفع يده ومسح على وجه، كأنه يزيح كلمة ثقيلة من على قلبه، فهو لم يتوقع أن يخرج منها ذلك الحديث!

أجابها موضحا بخفوت: علشان مينفعش تعيشي معايا، فيه حاجات البنوتات الصغيرين إللى زيك ميفهموهاش، وبعدين هو أنتِ البيت إللى عايشه فيه مش عاجبك، مش معاكي رحمه وأصحابك وناس كتير بيحبوكي هناك؟!

زمت شفتيها بحزن طفولى: هو البيت بتاعنا حلو، بس البيوت التانية أحلى، بيت طنط رشا أحلى، وبيت  رحمة وداليا ونور صحابي أحلي، فيه بيوت كتير أحلي من بيتي أنا وتيته.

ظل يحدق في الطريق بصمت، وأصابعه شدت على الدريكسيون لحظة ثم ارتخت لكنه ظل صامتا، لا يستطيع ان يتفوه بكلمة أو يعلق.

جامعة المستقبل، 10:00صباحا.

جلست سلوي على إحدى الطاولات داخل الحرم الجامعي، تنتظر أحدهم، كانت كل بضع دقائق تنظر إلى ساعتها بقلق واضح، وبعد قليل اقترب منها طارق.

طارق بفتور: صباح الخير.

رفعت عينيها نحوه: صباح النور، اتأخرت كده ليه؟

جلس أمامها على عجل: أيام امتحانات بقي ومش فاضي، أنا أصلا يدوبك أقعد معاكي خمس دقايق بس.

تنهدت بضيق: أنت علطول مش فاضي!

رفع حاجبيه بإستغراب: تقصدي إيه؟

تنهدت ثم قالت بنبرة مكبوتة: أقصد إنك كل ماكلمك تقول مشغول، حتى اليوم إللي كنت زعلانة فيه بسبب موضوع ماسة مهتمتش، ولا حتى فكرت تكلمني وتشوف مالي.

رفعت صوتها قليلا: كأني ولا حاجة بالنسبة لك.

رد وهو يمسك هاتفه، يرد على إشعار عابر وكأن الحديث معها تفصيلة لا تستحق الانتباه: علشان الموضوع حسيته بسيط 

ضحكت بسخرية مريرة: بسيط؟! 

تابعت بوجع: طب لما أخدت جايزة وطلعت من أفضل المصممات؟ برضو مهتمتش تقولي مبروك.

هز كتفيه بلا مبالاة: هي أول مرة يعني؟! وبعدين دي اكسسورات مخترعتيش الذرة يعني يا سلوي...
تابع بنفاد صبر: وبعدين أنتِ بتطلبي مني اهتمام، وأنا اصلا مش حاسس إني حاجة بالنسبة لك.

تجهم وجهها: مش حاجه بالنسبة لى أزاى يعني؟

قال بنبرة معاتبة حادة: يعني أنتِ بتطلبي اهتمامي وأنتِ أصلا مش مهتمه بيا !!

نظرت له بتهكم متعجبه: اومال مين إللي دايما بيتصل؟ مين إللي كل شوية يسأل ويهتم؟ ده أنا كل ما اكلمك تقولي مش فاضي مشغول.

تنهد بختناق: أنا مبحبش كلام التليفونات، وبمل بسرعة..
ثم نهض من مكانه معتذرا: معلش يا سلوي مش هقدر أقعد أكتر من كده عندى محاضرات، نبقي نتقابل مره تانيه.

سلوى ببرود موجوع: ماشي أنا كمان عندى شغل في المكتب لقضيه كبيرة شغالين عليها ومش فاضيه.

هز رأسه بلا مبالاة: طب سلام.

 تركها، وتحرك مبتعدا بخطوات سريعة، فظلت تحدق في ظهره حتى ابتلعه الزحام بين الطلبة، أطلقت زفرة عميقة تحاول بها تثبيت أنفاسها المتخبطة.

وعاد عقلها، دون إرادة منها إلى مكي، تذكرت صوته حين يسألها باهتمام حقيقي رغم ضغطه الدائم، كيف كان يقتطع من وقته المزدحم دقائق ليطمئن عليها، لا ليبرر غيابه كما انه كان دائما حريص على تشجيعها في موهبتها 

ضحكت بسخرية موجوعة، فالمقارنة جاءت قاسية، أقسى مما توقعت.

زفرت بضجر، تشبك أصابعها فوق الطاولة بقوة،
وعيناها تلمعان بمرارة ثقيلة، مرارة مقارنة لم تكن تريدها، لكنها فرضت عليها فرضا

برج القاهرة، 10:30 صباحا

المطعم الدوار.

جلس رشدي وجنة على أحدي الطاولات قرب الزجاج الواسع الذي يكشف القاهرة وهي تدور ببطء تحتهم، كان الفطور مرتبا بعناية أمامهما: كرواسون طازج، مربى وزبدة، وشرائح لانشون والجبنه الرومي، وعصير طازج، وتوست دافئ تفوح منه رائحة الخبز.

مد رشدي يده نحو الكرواسون وهو يبتسم بخفة، ونظراته تتحرك على وجهها بمرح: ها حلو الفطار ده ولا إيه؟

ضحكت وهي تمضغ قطعة توست صغيرة: حلو أوي يا رشدي، حبيته.

رشدي بإبتسامة واسعة: طب يلا خلصي كل ده.

هزت رأسها إيجابا، وهي تنظر حولها بإستغراب: هو المحل ده بيدور زى المروحة يا رشدي.

اوما بإيجاب: آه بيلف.

وضعت يدها على فمها وضحكت ببراءة طفولية بلهاء: يااه أول مرة أشوف حاجة كده!

ضحك ثم أشار لها نحو الطعام: يلا يا ست جنة كلي.

اومأت بطفوله، وبدأت تأكل بتلذذ، وعينها لا تترك المنظر المتحرك خلف الزجاج.

وبعد انتهائهما من الفطور، نهض وأخذها ليتجولا في البرج، وألتقطا صورا كثيرة وهي تضحك من قلبها كلما حاول أن يضبط زاوية الصورة.

ثم اشترى لها بالونات ملونة، وما إن أمسكتها حتى تركتها تطير للسماء وهي تصرخ منبهرة وتضحك.

بعدها خرج بها إلى الملاهي، وظل يلعب معها في الألعاب المختلفة وكأنه طفل مثلها

اخذا يدخلان لعبة ويخرجان لأخرى، يأكلان فشارا، ثم آيس كريم، ويضحكان بلا توقف، وكان يمسك هاتفه من وقت لآخر ليصورها وهي تركض أو تتأرجح، وكأن اللحظة نفسها أهم من الصورة.

قضى معها وقتا ممتعا وقتا صافيا، خفيفا، يشبه الجنة التي تحمل اسمها.

إحدى البواخر النيلية الكبيرة، 1:00ظهرا.

كان ضوء النهار ينساب عبر الزجاج الواسع، وينعكس على صفحة النيل الهادئة، فيمنح المكان طمأنينة خادعة.

جلست ماسة وسليم متقابلين على الطاولة يتناولان الغداء، بدت ماسة مستمتعة بالطعام، تأكل بشهية واضحة وارتياح.

ابتسمت وهي تتذوق لقمة جديدة: الأكل هنا تحفة بجد.

ابتسم برقة: ألف هنا.

صمت لحظة ونظر اليها بشرود، الكلمات التي سمعها عن رشدي، مازالت تضغط على صدره بثقل مزعج، يريد أن يفهم ويهدئ ضجيج أفكاره.

رفع نظره إليها فجأة: عشقي

همهمت بهدوء: اممم؟!

تنفس بعمق قبل أن يتكلم: كنت عايز اسألك على حاجة، وأتمنى تجاوبيني بصراحة.

رفعت نظراتها اليه، وهزت رأسها بابتسامه: أكيد.

توقف الزمن لثواني، ثم خرج السؤال مباشرا بلا تمهيد: رشدي عمل معاكي إيه يا ماسة؟

تجمدت ملامحها، وابتلعت ريقها بصعوبة، وظهر التوتر واضحا على وجهها: رشدي !؟

مال للأمام قائلا بجدية: أوعي تقوليلي مفيش، أنا سمعت والدتك بتقولك: «قولي لسليم على اللي عمله رشدي».
ازداد توترها، وشدت طرف فستانها بين أصابعها دون وعي... وو
استووووب
تفتكروا ماسة هتعمل إيه؟
وهل سليم هيسكت ولا شكه اللي كبر في رشدي هيخليه يتحرك؟ خصوصا بعد ما بدأ يراقبه، وبعد مارشدي نفسه بقى بيراقب صافيناز وعماد، وكلهم بقوا شاكين في بعض، يا ترى مين هيقع قبل التاني؟! 

               الفصل العشرون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة