
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل العشرون 20 بقلم ليله عادل
{ أقسى ما يمكن أن يعيشه الإنسان... أن ينكسر على يد من ظنّه سندا له،ويكتشف أن من كان ملاذ قلبه... صار سبب كل جراحه، فالحياة لا تجيد الرحمة، تختبرك بمن تحب،وتجرحك من حيث ظننت الأمان.
والنجاة؟ليست سلاما... بل قدرة على حمل الجراح والمضي..}
ليلةعادل✍️♥️
الفصل العشرين♥️🤫
[بعنوان: أثقال لا تري]
،تردد مكي قليلا قبل أن يقول: بخصوص رشدي، في حاجة غريبة عرفتها وحبيت أقولك عليها، يمكن توصلنا لحاجة.
نظر له سليم باستغراب، وضيق عينيه: حاجة إيه؟
مد مكي وجه موضحا: رشدي دخل صفقة سلاح مع تاجر سلاح أمريكى، اسمه ستيف كريستوفر.
اعتدل في جلسته، وحدق فيه بتركيز: معرفوش، مشتغلناش مع حد بالاسم ده قبل كده، ولا حتى من ترابيزة الإتفاق
أومأ مكي: أيوة، عرفه عن طريق عيسى الخياط، في معرفه قديمة بينهم.
عاد سليم بظهره إلى المقعد، وبدت عليه علامات التعجب: عيسى؟! هو ساب المخدرات واشتغل في السلاح؟
اوما براسه بإيجاب: بيشتغل في الأتنين دلوقتي..
ثم تابع بعد لحظة صمت: بس الصفقة مكانتش كبيرة، صندوقين كده، رشدي دفع تمنهم من حسابه الخاص، وبعدها بعتهم لأندريه، علشان يجيب مكانهم ألماظ.
رفع حاجبه بإستنكار: ألماظ؟! هو محتاج الكمية دي كلها ليه؟ الورش مفيهاش نقص!! أنا لحد أسبوع فات عامل جرد والكميات عندنا كبيرة وفيها فائض، وبنوزع دلوقتي على التجار!
مد مكي شفتيه بعدم معرفة، وساد صمت ثقيل للحظة، حاول سليم فيها التفكير في سبب حاجة رشدي لكل هذه الكميه من الألماظ لكي يخاطر مخاطره كهذه لجلبهم؟!
نظر لمكي، ثم تساءل: مين إللي دخلهاله؟
مكي موضحا: ريمون، عمل زي ما أنت عملت قبل كده، إداه سلاح، وخد قصاده ألماظ.
تمتم سليم بحيرة: طب هيكون عايزهم في إيه يعني؟!
هز رأسه بعدم معرفه: مش عارف، بس هحاول أعرفلك.
تنهد سليم بملل،قال بضجر: أنا زهقت من طيش رشدي وأفعاله المتهورة دى...
تابع بنبرة حاسمة: بس عموما أنا ملـيش دعوة، يعمل إللي يعمله، ولو دخل نفسه في مشكلة معاهم ولا هتدخل، أنا مش هفضل طول عمري شايل همه...
تغيرت نبرته قليلا اضاف: وبعدين المواضيع دي مش فارقة معايا دلوقتي، أهم حاجة عندي موضوعه مع ماسة.
نظر إليه مكي بتركيز: لحد دلوقتي مفيش أي حاجة، امبارح كان طول اليوم برا معرفش كان فين، ومن النهارده بدأت احطه تحت عيني واراقب كل تحركاته زى ماتفقنا، وهروح اراجع الكاميرات بتاعه الجامعه النهارده.
أومأ سليم باقتضاب: تمام
تنحنح مكي قليلا، ثم قال بجدية: في حاجة كمان حصلت كنت عايز اقولك عليها.
عقد حاجبيه باستغراب: خير؟ في إيه تاني؟!
تنفس بعمق قبل أن يكمل: عثمان النهارده الصبح وأنا بوزع الرجالة، طلب إنه يكون مع ماسة، وعشري قالي إن دي مش أول مرة يطلب كده، دايما بيبقى عايز يكون ضمن طقم الحراس بتوع ماسة.
انعقد حاجباه، وصوته خرج متحفظا: عثمان؟ وليه عثمان متلهف أوي كده إنه يبقى من حراس ماسة؟
رفع مكي كتفه بعدم معرفه: معرفش.
صمت لحظة، أضاف وهو ينظر لسليم مباشرة: بص، إحنا مش عايزين نسيب دماغنا تروح لحتة بعيدة، أنا من رأيي نوافق انه يبقى معاها، بس نحط عينينا عليه.
انتفض رافضا، بنبرة حاسمة: لا طبعا، أنا مش هجازف بيها...
توقف قليلا وكأنه تذكر شيء، ثم تساءل: هو مش عثمان ده كان ضمن طقم الحراسة بتاع الفيلا يوم ماهربت؟!
هز رأسه إيجابا: أه كان موجود.
ضغط على فكه، بينما أكمل مكي بسرعة: اسمعني بس يا سليم، خليه يبقي معاها، وأنا أحط عيني عليه، وهركب لها جهاز تتبع، وههكر تليفونه ونشوف ايه اللى وراه.
سليم دون تردد: هو كده كده لازم يتحط تحت الميكروسكوب، بس أكيد مش هيكون من ضمن حراس ماسة استحاله اجازف لحد ما افهم ايه اللي وراه...
تنفس بعمق ثم حسم قراره: من النهارده، انت وعشري وراويه مع ماسة وخدوبالكم منها كويس أوى، وهو هيبقى معايا انا، لحد مانشوف، هو عايز يبقى معاها عادي، ولا في حاجة تانية!؟
رمقه مكي بنظرة فاحصة، وسأله فجأة: محاولتش تسألها بعد مارجعتلها الذاكرة عن سبب هروبها المرتين الاولنيين ولا لسه معاندة؟ ولا مستني بعد أسبوع الفرصة؟
زفر باضطراب، وصوته خرج صادقا ومتعبا: بصراحة كنت ناوي أستنى بعد الأسبوع ماصدقت بقينا كويسين، بس فجأة لقيت نفسي بسألها، بس قالتلي إنها محتاجة شويه وقت تتنفس وبعدين هتحكيلي، ومن طريقتها حسيت إن في حاجة، بس مرضتش اضغط عليها.
تنهد مكي باستغراب: أنا لحد اللحظة دي بحاول أفكر في سبب يخليها تعمل كده ومش لاقي؟!
ابتسم سليم ابتسامة قصيرة، لم تصل إلى عينيه: صدقني مش أكتر مني..
تنفس بعمق وأكمل: بس عموما، انا هستنى لبعد الفرح، وهسألها تانى، ما أنا لازم أفهم مش هفضل متساب لخيالي كده كتير!!
توقف لحظة، وكأن الكلمات تثقل على صدره، وأضاف:
لازم أفهم ليه قالت كده عن رشدي؟! وليه الخوف اللي شوفته في عينيها لما صافيناز اعتذرتلها، في أفكار مش حلوة بتلف في دماغي مش عايز أصدقها.
نظر له مكي مباشرة، وسأله بهدوء: طب ما تقولي بتفكر في ايه؟!
مرر يده على وجهه بتوتر: زي ماقولتلك، خايف يكون رشدي تطاول عليها اوحاول يتحرش بيها، وهي خايفه تقولى علشان عارفه إني بغير لو عرفت حاجه زي كده اقتله، اما صافيناز يمكن خايفه ان انا ما اقدرش احميها كفايه منها و...
توقف لوهله، ثم هز رأسه بحيره: مش عارف...
تنهد محاولا إنهاء الحديث: عموما كلها اربع أيام.
أومأ مكي برأسه موافقا: عندك حق.
تبادلا النظرات بصمت ثقيل والأفكار تتلاطم براسهما.
قصر الراوي، 1:00ظهرا.
الحديقة العليا
جلست فايزة تتصفح هاتفها بهدوء، اقتربت منها إحدى الخادمات بخطوات هادئة، وقالت: فايزة هانم...
رفعت عينيها من الهاتف بانتياه، فمالت الخادمة برأسها بإحترام: مي هانم ولوجين هانم عايزين يقابلوا حضرتك.
صمتت للحظة، ثم قالت ببرود رزين: قوليلهم يجوا هنا.
أومأت الخادمة برأسها، وبعد قليل دخلتا بابتسامتين رقيقتين، وجلستا أمامها، تتأملان ملامح وجهها بدهشة واهتمام.
فايزة بابتسامة خفيفة: أهلا بالعرايس الحلوين، عاملين إيه؟
لوجين بابتسامه رقيقة: الحمد لله، ازي حضرتك يا هانم؟
فايزة بهدوء: أنا بخير، اتفضلوا اقعدوا.
جلسوا جميعا، فقالت مي بابتسامة مهذبة: بصراحة، حابين حضرتك تختاري معانا الديكورات وناخد رأيك فيها لو مش هنزعجك، لان بصراحه ذوق حضرتك في اختيار كل اثاث القصر خلانا نحس إننا هنبقى خسرانين لو ماخدناش رأيك.
مالت إلى الوراء بابتسامه خفيفه: ياريت متدخلونيش، ممكن رأيي ميعجبكمش.
لوجين بحماس: ليه؟ إحنا أصلا جايين نطلب رأيك وبعدين أكيد هنتناقش سوا.
فايزة بهدوء استقراطي: أنا دايما بحب الاثاث الفخم الراقي اللي مجرد ماتشوفوه تحسوا إن القطعة دي مختارة بعناية.
ابتسمت مي برقه: أنا كده كده بحب الحاجات الكلاسيك، فأنا وحضرتك هيحصل بينا اتفاق في كل النقشات تقريبا، لكن لوجين هي اللي بتحب المودرن ممكن هي اللي تتعبك شويه.
رفعت لوجين كتفها بخفة: أعتقد برضه حضرتك ممكن تختاري حاجات مودرن وملونة عادي.
فايزة بابتسامه: خلاص، مفيش مشكلة، عموما مبفضاش غير بعد الظهر، علشان في الأغلب بيبقي عندي اجتماعات كتير الصبح، خلونا مع بعض على تليفونات، انتم اختارتوا ايه لحد دلوقتي طيب، وصلتوا لايه؟!
اخرجت لوجين الكتالوجات بابتسامه: اختارنا شوية حاجات كده ممكن ناخد رأيك فيها.
اومأ فايزة برأسها وهي تتفحص الكتالوج، وعينيها تتنقل بين الصور بدقة.
وبالفعل، بدأوا في التحدث واختيار بعض المتعلقات، وكان الانسجام واضحا بينهم، على غير المتوقع.
على اتجاه آخر في حديقة القصر
جلس عماد على المقعد الخشبي، وبجواره صافيناز، بينما عيناه تلاحقان زين ومريم وهما يركضان أمامه، وضحكاتهما تتناثر في الهواء كشرارات ضوء صغيرة.
اقترب زين بخطوات سريعة، يده الصغيرة تقبض على ورقة رسم، ووجنتاه تحمران من الركض والفرح.
زين، وهو يلهث ويضحك: بابا بص! دي أنا وأنت!
مد يده وأخذ الرسمة مبتسما حين راها، اتسعت عيناه بدهشة، فالرسمة لم تكن طفولية عادية؛ بل دقيقة، ملامح الوجوه مرسومة بإتقان أقرب لرسام موهوب، لا طفل في عمر زين!
ربت على رأسه بحنان ممزوج بوجع يعرف أن هذا الطفل ليس من صلبه، لكنه أحبه بصدق كأنه جزء من روحه.
عماد بحماس: تحفة يا زين أنا مكنتش عارف إنك بتعرف ترسم حلو كده!
ثم رفع نظره لصافيناز متسائلا باستغراب: كنتي تعرفي إن زين بيعرف يرسم كده؟
أشعلت سيجارتها بعجرفة، ثم نفثت دخانها ببطء: لا..
عاد ينظر لزين، وارتقع حاجباه بإعجاب صادق: جميلة يا زين، ولو رسمتلي رسومات أحلى من دي أنا هجيبلك هدية حلوة.
زين بحماس طفولي: ماشي! وانت كمان خد دي، واعملها برواز وحطها عندك في المكتب.
ابتسم أكثر، واقترب ليقبله على جبينه: حاضر.
ركض ليجلس على الأرض بجانب مريم، كلاهما ينحنيان على أوراقهما وعلب الألوان.
ظل عماد ينظر إليهما بتأمل طويل، وحنان حقيقي يكاد يفيض من عينيه. يعلم أن دماءه لا تجري في عروقهما، لكنهما لا ذنب لهما في خطايا صافيناز، ولا ذنب له في إحساس الأبوة الذي لا يستطيع مقاومته.
التفتت عيناه لصافيناز بنظرة حادة، كارهة، تختنق بالغضب كلما تذكر ما فعلته، لكنه كتم كل شيء في صدره، يدفنه كما يفعل كل يوم.
مالت صافيناز نحوه قليلا، تخفض صوتها: قولي يا عماد إيه أخبار الشحنة الجديدة؟ إمتى هتوصل علشان خط الإنتاج؟
التفت إليها بملامح هادئة رغم ما يغلي بداخله: هتوصل أول الأسبوع، متقلقيش أنا واخد بالي من كل حاجة.
أشار بيده: بس برضخ لازم تيجي الشركة شوية، أنتِ بتفهمي في موضوع المواد أكتر مني.
هزت رأسها وهي تنفث دخان سيجارتها: أوكي، بس عايزة أركز الفترة الجاية في المجموعة وخليك أنت في شركتنا.
ضحك ضحكة ساخرة أكثر مما تبدو: هتركزي في المجموعة ليه؟ سليم مستحيل يديكي شغل.
رفعت حاجبها بثقة باردة: مجرد وجودي في المجموعة مش حاجة عادية.
نظر لها طويلا وهز رأسه إيجابا بصمت.
مجموعة الراوي، 2:00ظهرا.
غرفة الاجتماعات
جلس سليم على رأس الطاولة، بينما كانت المناقشات تدور من حوله، الأصوات تتداخل، والآراء تتصادم في نقاشات قوية وحاسمة، وبعد انتهاء الاجتماع، بدأ الجميع في المغادرة تباعا، إلا رشدي، بقي جالسا في مكانه، لم يتحرك، وكأن لديه ما لم يقل بعد.
نظر له سليم باستغراب: خير يا رشدي؟ في حاجة؟
تنهد موضحا، وصوته خرج هادئا على غير عادته: أنا الفترة الجاية هحاول أخلص الشغل اللي ورايا، بس ممكن تتابع الصفقة الجديدة بدالي؟
اومأ برأسه وقال بنبرة عمليه: ماشي، ابعتلي تقرير بكل اللي وصلتوله...
توقف لحظة، ثم نظر إليه بتدقيق: قولت لمي على الإدمان صحيح؟
خفض عينيه للحظة: كنت ناوي، بس مقدرتش.
تنفس سليم بعمق، وقال بعقلانية: بس اللي أنت بتعمله ده مش صح، خليك صريح معاها.
ابتسم ابتسامة خفيفة، أقرب للسخرية: والنبي يا سليم بطل دور الواعظ اللى أنت عايش فيه دى، عايز تفهمني يعني إنك زعلان عليا ومهتم بحياتي، وبتتمنالى الخير وحياة سعيده وكده!
شد سليم فكه، وصوته ارتفع رغما عنه: هو أنا ليه كل متكلم معاك تكلمني بالأسلوب ده؟ ديما عندك حتة الهجوم دي! وأنا مش هتمنى ليك الخير ليه؟ انت أخويا يا رشدي، آه متهور وطايش وساعات كتير بتستفزني، وببقي عايز اخنقك، بس في الأول وفي الآخر انت أخويا.
ابتسم بسخريه موجعه: أخوك أه، ودى من امتي؟! ولا بأمارة ايه، بإمارة ما طول حياتك عاملي فيها القاضي الجلاد المثالي اللى مبيغلطش وبتستقوي عليا، ولا بأمارة ما بتستنيلى غلطه علشان تسخن الباشا عليا، والنبي أطلع من الشويتين دول يا سليم علشان أنا وانت عارفين اللى فيها.
ابتسمت على شفتي ابتسامه جانبيه قال بعقلانية، ليس الدفاع عن النفس لكنها كانت توضيح:: لا انت اللي بتحاول تقنع نفسك ديما باني بكرهك، وبتعاقبني المقارنات اللي كانت بتعملها الهانم والباشا، ولو انا كنت بغضب عليك لما كبرت، لان أفعالك مكنتس طبيعيه، طبيعي دمي يفور، اغتصاب وقتل وقرف، طبيعي اتجنن..
مال للامام بصدق: بس صدقني أنا معنديش مشاكل معاك، ولو بقسى أو بشد عليك، فلأني خايف عليك، زي الأب اللي بيعاقب ابنه الطايش لما يغلط.
رفع حاجبه باستنكار: وإيه لزمة الكلام ده دلوقتي يعني؟ عايز توصل لايه!؟
تنهد وكأن الكلام خرج منه دون تخطيط: عادي، حسيت إني محتاج أقوله، والله يا رشدي، أنا نفسي نبقى كويسين مع بعض.
صمت قليلاً بتمنى أن يخبره بحقيقة ما يخفيه عن صفقه السلاح وغيرها قال: ولو في حاجة جواك، وعايز تقولها، أنا ممكن أسمعك..
نظر رشدي بعيدا، بتفكير ثم قال ببرود: لا مفيش.
زم شفتيه بأسف وكأنه يقول في نفسه مفيش فايده: تمام يا رشدي، براحتك.
تنفس بعمق، ثم أكمل بنبرة عقلانية ممزوج بنصح اخوي: بس أنت كمان كام يوم وهتتجوز وداخل على حياة جديدة، فياريت تفكر كويس في كل حاجه بتعملها وبلاش تهور، أنت زمان لما كنت بتعك في حاجه كنت بطولك، لكن دلوقتي هيبقي في حياتك زوجه وممكن بعد كام شهر أولاد، ففكر كويس قبل ما تعمل أي حاجه متهوره من أفعالك، لأن صدقني لما بنغلط هما اللى بيدفعوا التمن مش أحنا، أسأل مجرب.
نظر له رشدي متأثرا بصمت، لا ينكر أن كلمات سليم حركت شيئا عميقا في داخله، وبدأ يتسرب إليه شعورا خفيا بندم حاول تجاهله بأسف، فجزء من تجربته المره التي عاشها كان هو شريك أساسي فيها بل والعقل المدبر في الكثير من الأحيان!!
تنهد سليم بألم، وابتلع غصه مره تشكلت في حلقه: المهم فكر في كلامي كويس، وزي ما قولتلك، أنا معنديش أي مشاكل معاك، إحنا كنا صغيرين دلوقتي كبرنا، ولازم نقفل صفحات الماضي ونبدأ صفحة جديدة.
توقف لحظة، ثم تابع بابتسامة صادقة: وبما إنك بدأت تشتغل كويس، موضوع كرسي العرش ده مش شاغلني، ولو عايزه خده وأنا هساعدك توصله، زي ما قولتك قبل كدة، أما بالنسبه لشغلك فمتقلقش أنا هتابعه، بس ابعتلي التقارير، وقولي عملت إيه في موضوع المدارس.
ظل يطالعه بصمت وشرود، لا ينكر أن كلماته لامست شيئا دفينا في قلبه، شيئا حاول طويلا إنكاره، ومع ذلك، لم يصدقها كاملة!! او حاول الهروب منه..
فالماضي لم يكن سهلا لدرجة أن يمحى بكلمات، وما حدث بينهما لم يكن جرحا عابرا يمكن تجاوزه، كان لايزال مقتنعا أن سليم أخذ منه الكثير، حقوقا يراها حقا خالصا له، لا تنازل عنها.
ثبت نظره إلى الأمام، لم يستطع أن ينظر إليه، وكأن المواجهة قد تفضح ما يحاول إخفاءه، ثم قال بتوضيح: لسه بعمل دراسات وتقارير، بس اتسحلت في حوار الجواز.
هز رأسه إيجابا: تمام.
توقف رشدي: أنا همشي، سلام.
خرج رشدي، بينما ظل سليم ينظر إلى أثره لثواني، ثم تمتم بخفوت: ربنا يهديك يا رشدي، بس يا ترى عامل إيه في ماسة؟
تنهد وأمسك هاتفه، وضغط على الاتصال: إيه يا حبيبتي، انتِ فين؟
جاءه صوتها من غرفتها، وهي ترتدي ملابس خروج: أنا بلبس أهو علشان هنزل أقابل شوشو.
سليم باستغراب: مش لسه الميعاد متأخر شوية؟
ماسة بتوضيح: لا، قالتلي هنتقابل كمان ساعة.
اومأ برأسه: طيب، خدي بالك من نفسك، أنا هخلص شغلي وراجع على البيت.
ماسة:ماشي باي.
سليم:باي.
انتهت المكالمة، وساد صمت أثقل من أي كلام.
❤️________بقلمي_ليلةعادل _______❤️
في احد الكافيهات،3:00عصرا.
جلست ماسة على إحدى الطاولات، تحدق في هاتفها بملل، وبعد دقائق ارتفع رنين هاتفها، فنظرت إليه بابتسامة وأجابت: أيوه، انتِ فين؟ أنا قاعده اهو بقالي شوية، على الترابيزه اللى جمب الازاز.
رفعت يدها تلوح عندما رأت عائشة تبحث بعينيها في المكان، التقت نظراتهما، فتحركت عائشة تجاهها بخطوات سريعة.
فتحت عائشة ذراعيها بإبتسامة: ماسه، عامله ايه؟ وحشتيني.
توقفت واحتضنتها بقوة وقبلتها على خدها: أنتِ كمان وحشتيني أوي، طمنيني عليكي، عامله ايه؟
عائشه بهدوء: بخير الحمد لله، معلش بقي غيرت المعاد علشان راجعه إسكندرية النهارده، ومكانش ينفع نتقابل خمسه ونص زى ماتفقنا.
هز رأسها بتفهم: لا عادى ولا يهمك.
جلستا متقابلتين، وما زال الدفء عالقا بينهما.
عائشة بنبرة عتاب: كل دي غيبه؟ لأ أخص عليكي بجد، ده مكانش عيش وملح ده.
رفعت حاجبها بتعجب: أنا برضه! طب وأنت ليه مفكرتيش تكلميني؟!
هز رأسها موضحه: مش معانا أي حاجه! لا رقم، ولا عنوان، ولا أي تواصل، ده احنا اتفاجئنا أصلا لما شوفنا صورتك في خطوبه رشدي، بعدها بشوية مصطفى قالنا إنك فاقدة الذاكرة.
هزت راسها بإيجاب: أيوه فقدتها بعد حوالي 4 أيام من رجوعي، وقعت على راسي وفقدت الذاكرة، ولسه راجعة لي يدوبك من 10ايام.
عائشه بمزاح: هو أنتِ ناقصك أكشن في حياتك؟ ده كفاية الأكشن اللي مالي حياتك من زمان!
ضحكت وهي تلوح بيدها بتعب: أعمل إيه بقي، المهم انتِ عاملة إيه؟ طمنيني عليكي، وعلى ماما نبيلة، وإيهاب، ومصطفى المجنون ده.
أجابتها بابتسامه لطيفه: كلنا كويسين، وأنتِ وحشتيهم جدا، وبعدين خلاص احتمال ننزل القاهره قريب.
اتسعت عيناها باندهاش: بجد!! طب كويس والله، بدل ما أنتِ بتتعبي خالص في السفر من القاهره لاسكندريه، مشوار صعب.
اومأت برأسها بخفة: مصطفى قال كده برضه، أصل خلاص بقي ندى دخلت مصحة نفسية، فاللي كنا خايفين منها وعاملة مشاكل انتهت.
زمت وجهها بامتعاض، وارتفع حاجباها بنفور واضح: بصراحة أحسن، أنا اتصدمت لما سليم قالي إن هي اللي راحت قالتله، أنا استأمنتها ودخلتها بيتي تروح تفتش وتصور الخاتم ودور لحد ماوصلت لسليم! فظييعه.
زمت شفتيها بضيق: إحنا برضه اتصدمنا، حتي مصطفى من انفعاله ضربها، أنا أول مرة كنت أشوف مصطفى عصبي كده!
ضحكت ضحكة ساخرة، رفعت يدها كأنها تشير لحقيقة بديهية: ما أنا بقولك أخوكي ده اتجنن.
ضيقت عينيها، وتساءلت بتعجب: ليه بتقولى كده؟
تتنهد ونظرت لها باستغراب: يعني بعد اللي عمله مع مكي وسليم، ولسه بتسألي بقول عليه مجنون ليه؟
تجمدت لحظة، اتسعت عينها بصدق: عمل ايه مع مكي وسليم؟! أنا مش فاهمة حاجة!؟
ضيقت عينيها بصدمة من جهل عائشة: متعرفيش إن حصلت خناقة ومصطفى ضرب مكي بالنار؟
شهقت دون وعي، ووضعت يدها على فمها بصدمة، أما ماسة فعضت شفتها بارتباك، كأنها أدركت متأخرة أنها أفشت أمرا لا ينبغي قوله.
ماسة بتوتر خفيف: شكل مصطفي محكالكمش على إللي حصل.
مدت يدها بسرعة، وأمسكت كف ماسة بتوتر: بليز يا ماسة قولي ايه اللي حصل.
مررت يدها عبر شعرها بتوتر واضح: هقولك ...
وبدأت تروي لها كل ماحدث، وصوتها يرتجف أحيانا ويشتد وأحيانا أخرى.
وحين انتهت، وضعت عائشة يدها على خدها بذهول: ينهار أبيض! أقسم بالله حاسة إنك بتحكي عن واحد غير مصطفى أخويا، إيه ده؟!
مدت وجهها بأسف: أنا للأسف وقتها مكنتش فاكراه، ومعرفتوش، كنت بهجم عليه، بس لما الذاكرة رجعتلي واستوعبت اللي حصل نزلت وعاتبته، إزاي يعمل كده؟
وقبل أن تعقب عائشة، ظهر مصطفى فجأة خلف ماسة دون أن تنتبه له، قائلا بصوت منخفض لكنه قاطع: طبيعي كان لازم أعمل كده، لما أعرف إنك فقدتي الذاكرة بعد مارجعتيله بكام يوم بس.
التفتوا نحوه معا بصدمة حقيقية!
نهضت عائشة تشير له بيدها في ذهول: انت بجد أخدت مسدس من مكي وضربته بالرصاص؟!
مرر يده على جبينه، وقال مبررا: مكنتش أقصد، كانت لحظة انفعال، وسليم ضربني.
وقفت ماسة في مواجهته بعينين تتقدان غضبا، وارتفع حاجباها بحدة: سليم ضربك بعد ما انت رفعت المسدس في وشه وهددته، وحاول كتير يهديك وبرضه مكنتش عايز تهدى، ده حتى بعد ما حاولت أهديك فضلت تستفزه!
اومات عائشة ورفعت صوتها عليه: أيوه يا مصطفى! انت غلطت! مهما حصل مينفعش تعمل كده، افرض كان مات؟ كان هيحصل إيه؟ كنت هتتحول لقاتل يا دكتور!!
تنفس بعمق،ثم التفت لعائشة بنظرة فيها أمر واضح: عائشة بعد إذنك، وطي صوتك أحنا وسط ناس، وخدي المفتاح واستنيني في العربية شويه.
هزت رأسها بعند: لأ، مش هستنى في العربية.
أمسك المفتاح بيده بقوة، وصوته أصبح أكثر حدة: عائشه، أنا قولت استني في العربية يعني، استني في العربية، يلا.
وضعت ماسة يدها على كتف عائشة تهدئها: معلش يا شوشو، روحي دلوقتي وإحنا هنتقابل تاني أكيد.
هدات عائشة قليلا، وهزت رأسها إيجابا بصمت، ثم قبلت ماسة على خدها، وأخذت المفتاح وغادرت بخطوات مضطربة.
تحرك مصطفى نحو الطاولة، سحب الكرسي وجلس مقابل ماسة، بينما ظلت هي واقفة تحدق فيه، فرفع يده وأشار لها بصرامة: اقعدي.
جلست أمامه على مضض، ومازال الانزعاج ظاهرا في عينيها.
وفي تلك اللحظة، ومن زاوية بعيدة في المقهى، كان هناك شخص ما يرفع هاتفه ويشرع في تصويرهما خلسة؛ دون أن ينتبه إليه أحد!
اخذت نفاسا عميقا، وصوتها خرج من بين أسنانها بغل ظاهر وعتاب: أنا متغاظة منك، من يوم ماعملت اللى عملته في الفيلا.
انحنى للأمام قليلا، وأجابها بتحفز وهو يركز النظر في عينيها: متغاظه مني ليه؟ علشان كنت خايف عليكي، وبحاول احميكي؟!
رفع يده وهو يتحدث، كأنه يستعيد صورا لا يريد تذكرها: اللي انتِ حكيتيه عن سليم، وعن أهله، كان بشع، والمظهر اللي كنتي فيه يوم مانقذتك؟ كان بيحكي عن الأهوال اللي اتعرضتيلها على أيده..
استرسل، صوته ارتفع بنبرة دفاع يائس: إزاي يعني مش عايزاني أشك ان سليم ممكن يكون هو اللي خلاكي تفقدي الذاكرة؟! وأنتِ راجعه له مبقالكيش أيام، يعنى راجل حبسك 3 أيام في أوضه لوحدك؟! ورفع مسدسه على أخوكي، وفضل مهددك بأهلك سنه؟! واهله ناس مافيا مجرمين؟ وعيشوكي العذاب ألوان، ازاي عايزاني مشكش فيه؟!
انكسر صوته قليلا من شدة الانفعال، ولمعت عيناه بالغضب والخوف معا: حتى لو عندك إحساس إن في حاجات من اللي قالها رشدي مش حقيقة، هتفضل الحقيقة واحدة: سليم كان بيشتغل مع المافيا وكان بيتاجر في الآثار والألماس، والسلاح، ودي جرائم مش بسيطة، ومتقلش إجراما عن أي حاجه تانيه.
كادت أن ترد باتعترض، لكن مصطفى لم يمنحها فرصه: الرصاصة خرجت غصب عني يا ماسه، أنا مكنتش أنا، خوفت عليكي ومفكرتش في أي حاجه في اللحظه دى غير إن لا يمكن اسيبك معاه يأذيكي أكتر ولازم انقذك منه.
مال للأمام، صوته انخفض، بحنان ودعم صادق: أنا عارف إن ملكيش حد يقفله، ودى بيخليكي تخافي تستسلمي لتهديداته وتهديدات أهله، وأنا خوفت عليكي، وكنت عايز انقذك، مكنتش عايز اسيبك في إيد مجرم زي ده.
اسند ظهره للخلف، وصدره يعلو ويهبط من الانفعال، وعيناه لا تزالان معلقتين عليها وكأنه ينتظر حكمها.
كانت تستمع له بصمت وتفهم، هزت رأسها بهدوء: أنا متفهمه يا مصطفى طريقة تفكيرك وخوفك، وصدقني كل ده بيعنيلي كتير..
ثم أمالت جسدها نحوه، وصوتها أصبح أكثر جدية: بس فيه حاجات كتير أنت متعرفهاش، بالنسبه للحاله اللى شوفتني فيها يوم مانقذتنى، مش هنكر إن هو اللى عمل كده فعلا، بس طلع مظلوم كان واخد حبايه هلوسه، أخته حطتهاله في العصير وبسببها عمل اللى عمله.
رفع حاجبه متعجبا: وأنتِ مصدقه الفيلم الهندى اللى قالهولك ده؟
ابتسمت بخفة، وهزت رأسها بثقه: أيوه مصدقة، سليم مبيكدبش ومبيخافش، مش هيستخدم كذبة زي دي علشان يقنعني ويخليني أسامحه، أنا عارفة جوزي كويس، بعدين هو جاب صافيناز، وخلاها اعتذرتلي وباست إيدي كمان.
ابتلعت ريقها وتابعت بوجع: فاللي حصل يومها هو مكانش ليه أي ذنب فيه، هو كمان كان مظلوم زيي..
اهتز صوتها، وتحدثت من بين اسنانها: اتعملنا فخ، علشان يخلونا نكره بعض ويخلونا بعيد عن بعض.
وقفت دقيقة تتنفس ببطء، ثم اضافت بعينين تلمعان بالدموع: وطول السنين اللي أنا كنت متجوزة سليم فيها، حاولوا يفرقونا بكل الطرق، من أول ما اتجوزته ضايقوني كتير، ولما عرفوش جربوا بالتهديدات، رشدي وقف قدام عيني وقالي: "أنا بعمل كده علشان أكسر سليم بيكي، لانك نقطة ضعفه وطول ما أنتِ مش معاه بيكون مذبذب في شغله"
أضافت بصوت مرتجف: وهدف الهانم وصافيناز؟ إنهم يخلونا نتطلق، لأنهم مش راضيين على جوازنا، لما لقونا بعد كل ده ولسه مع بعض، و لما شافونا في الحفلة، رغم كل اللي عرفته، حبي لسليم متغيرش قرروا يعملوا موضوع الحباية، على فكرة أنا اللي كنت مقصودة، مش سليم، بس هو اللي شربها.
اضافت بعتاب اخوي: انت غلطت غلطه كبيرة يا مصطفي، انت عملت زيه بالظبط لما حسيت بالخطر على شخص عزيز عليك وبتحبه، سحبت مسدس مكي علشان تدافع عني، رغم إن ده مش تربيتك ولا تفكيرك ولا أسلوبك أصلا، وهو ده بالظبط اللي عمله سليم لما رفع مسدسه على عمار، ولما هددني بأهلي كان بيعمل كده لأنه حس بالخطر، فاتصرف حسب تربيته، كان فاكر إنه كده بيحافظ على وجودي معاه.
تنفست بعمق، وتابعت: انتم الاثنين عملتوا نفس الحاجة، بس الفرق الوحيد، إنه هو كان متربي كده، لكن انت معندكش اي مبرر للي عملته؟!
مصطفي باستنكار وضجر: أنت بتقولي إيه يا ماسة، تربية إيه دى اللى أنت بتبرريله بيها؟! دى شكله عملك غسيل مخ بجد، وبعدين متقارنيش بينا، أنا مش زيه!! أنا كنت بدافع عنك!!
ابتسمت ابتسامة حزينة، اضافت بعقلانية وهدوء: مش ببرر والله، وعارفه إن اللى عمله غلط وأنا اتوجعت منه وزعلت منه كتير، وأنت كمان غلطت، وأنا فاهمه السبب اللى خلاك تغلط كده، بس غلطتك دى خلتني أشوف حاجات كتير كانت غايبه عني، وأقيم علاقتي بسليم من منظور تاني، غلطتك خلتنى افهم إن أحيانا من كتر حبنا للناس اللي في حياتنا وخوفنا عليهم، ممكن يخلينا نعمل حاجات مش شبهنا بالمرة علشان نحميهم.
اتسعت عيناه، وصوته خرج بحدة لم يستطع إخفاءها:
أنت عماله تبرريله وتوجديله اعذار ليه؟! عايزة تفهميني إنك عندك استعداد تسامحيه وترجعيله بعد كل اللي عرفتيه واللى عمله فيكي؟
هز رأسها دون تردد: أيوه.
نظر لها بدهشة: ازاي ترجعي بعد كل ده؟
ابتسمت، ونظرتها مليئة بالإصرار: لأني شوفت إنه اتغير، أنا بحبه يا مصطفى، وسليم يستاهل فرصة.
تنهدت برفق، ثم تابعت بابتسامة، وثقة وحب يملأ عينيها: كمان، هو خلاني أخرج من غير حراس، ووداني الجامعة، وهيخليني اروح المجموعة واشتغل، واعتذر لأخواتي، بعدين أنا قولتلك أنا فهمت حاجات كتير، هو اتظلم، وأنا وهو بدانا نروح لدكتور نفسي استنى هحكيلك.
ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة ساخرة بعدم اقتناع، لكنه لم يعلق، وظل ينصت إليها وهي تخبره عما حدث منذ عودتها؛ حدثته عن العملية، وجلسات العلاج النفسي، وأسبوع الفرص، وبعد أن أنهت حديثها...
قالت بعيون لامعه: شوفت بقي اتغير ازاي، وأنا قررت أسامحه وأديله فرصة، وإن شاء الله الدكتور يساعدنا نتخطي كل حاجه سوا.
مال تجاهها، وانخفض صوته بجدية واستنكار: أنا مش قادر أصدق اللى بتقوليه بجد!؟ فرصة إيه إللى عايزه تديها لواحد شغال مع المافيا، دى بدل ماتبلغي عنه؟
اتسعت عيناها بصدمه: أبلغ عنه إزاي؟ أنت بتقول إيه يا مصطفي!!
انخفض صوته أكثر، حتي صار أخطر: بقولك اللي لازم تعمليه، مثلا حاولي تفتحي الخزنة بتاعته، وتشوفي أي أوراق تثبت إدانته، أنا فاكر إنك حكيتي إنه كان ليه مكان بيخبي فيه كل حاجة.
نظر لها نظرة ذات معنى: ومع واحد بيحبك حب هواسي زي ده، لو سألتيه عن المكان هيقولك.
كانت تستمع إليه بعينين متسعتين بالصدمه، ضغطت على أسنانها وحاولت الثبات وهي ترفع حاجبها باستخفاف: وبعدين؟
لوح بيده في الهواء، كأنه يرسم خطه:
وبعدين تقوليلي المكان ده فين وأروح أنا وإيهاب، ناخد اللي يدين سليم، وتحبسيه هو وأهله وتخلصي من العيله دى، لازم يتسجنوا ! دول ناس مجرمين! سرقوا البلد، وفلوسهم كلها حرام!
اتسعت عيناها، وصاحت بغضب: انت اتجننت يا مصطفى؟! إيه اللي انت بتطلبه مني ده؟ انت عايزني أسجن جوزي؟!
رد بنبرة قويه لازعه: هو انا قولت عليه حاجة غلط؟! او محصلتش؟!
ضربت الهواء بإحدى يديها بعصبية: أقسم بالله، انت اتجننت! مظبوط مش بتقول حاجة غلط بس هو تاب!
أجابها بشك: وانت مصدقه انه تاب؟
ردت بثقه: طبعا، مصدقه..
هزت راسها، بعينين ترقرق بالدموع بعدم تصدق وتفهم معا: يا لهوي يا مصطفى، أنا مش عارفة انت ازاي تفكر كده! بس انت مش غلطان، أنت عندك حق، اللي عرفته واللي سمعته مني عن سليم، يخليك تفتكر إن سليم ده وحش، بس والله العظيم سليم مش كده، وتاب...
حاولت اقناعه بهدوء: وانا مصدقه وواثقة فيه، وبعدين سليم اتغير خالص أنت متعرفش الفترة دي عامل إزاي؟! هو أنت مسمعتش اللي حكيته كويس ولا ايه؟!
تنهد بابتسامه صغيرة، وقال بتوضيح: سمعت، بس تفتكري أنا ممكن أزعل لو أنتِ كويسة في حياتك؟ بالعكس، أنا هبقى مبسوط، بس أنا خايف عليكي، طب علي الأقل اعرفي مكانهم وخليهم يبقوا معاكي كدرع أمان من غدر اهله.
هزت رأسها بعينان تلمع بالدموع: لا طبعا، أنا استحالة أخون سليم، حتى لو حمايه ليا منهم..
تنفست بعمق، ثم رفعت حاجبيها بحدة، مالت تجاهه، وصوتها خرج ثابتا بحسم: وأوعى تطلب مني حاجة زي كده تاني، وإياك يا مصطفي تفكر تأذي سليم أو تعمل اللي قولته ده من ورايا بأي طريقة؟ والله هزعل منك زعل كبير...
أشارت بيدها إشارة تحذير، وأكملت بنبرة لا ترتجف: ومش هتردد لحظه وهروح أقول لسليم، اللي انت عايز تأذيه ده يبقى جوزي وأنا لا يمكن أسمح إن حاجه تمسه، حتى لو هخسرك...
ابتلعت ريقها، برجاء ممزوج بالقوة ودموع: أرجوك يا مصطفي شيل الأفكار دى من دماغك، ومتحطنيش في موقف محرج، ولا تخليني أختار بينك وبينه لأني هختاره...
تنهد وحاول التوضيح، وهو يركز النظر في ملامحها: ماسه انا عايز احميكي مش اكتر، عايز أحميكي من الناس اللى دمروكي، كنت عايزك تلاعبيهم زي ما لاعبوكي وهددوكي.
خفت صوته باعتذار: ويا ستي سامحي وارجعي لسليم براحتك طالما دى هيريحك، وأنا أسف لو اتدخلت في حاجه متخصنيش، وأكيد مش هعمل كده من وراك يا ماسة..
ثم اضاف بحزن وخذلان: بس ارجوكي بلاش نبره التهديد دي، لأنها مش لايقه عليكي.
تنهدت ومالت لأمام بابتسامة حب اخوي: مصطفى ارجوك متعتذرش، ولا تضايق من طريقتي، انا مقصدش اهددك، بس أنت كلامك حقيقي ضايقني انا اسفه..
زادت نبرتها رقه وتأثر بتوضيح لطيف: أنت إنسان غالي عليا، وأنا بحبك، وبحبكم كلكم، لأنكم وقفتم جنبي كتير، خصوصا انت، صدقتني ودافعت عني في الوقت اللي كنت فيه لوحدى في الشارع، فتحتلي بيتك، وحافظت عليا، راجل تاني كان ممكن يستغل حاجات كتير، بس انت عمرك حتى مارفعت عينك عليا، كل ده بالنسبالي كبير، فمتزعلنيش منك، بلاش تطلب مني كدة تاني.
تنهدت وأضافت بصوت حنون ودموع: نفسي نفضل إخوات، ونفسي أنت وسليم علاقتكم تبقى كويسة، لأن سليم محتاج يكون له حد في حياته شبهك؛ لأن كل اللى حوليه تعابين، نفسي لو حصلت خناقة بيني وبين سليم اهقوله "هجيبلك أخويا الكبير، مصطفى." بس مصطفى العاقل الهادي مش اللي أنا شوفته في الفيلا..
مسحت دموعها وقالت برجاء وابتسامة: بس هرجع وأقولك أنا مسامحه، ورغم زعلي، فاهمة إن اللي حصل، كان غصب عنك، بس ارجوك يا مصطفى، متبوظش علاقتنا.
تنهد، وصوته انخفض موضحا بخجل: أنا مقصدتش أي حاجة وحشة، أنا بس خايف عليكي، ومش عايزك تتعرضي تانى لأذي النفسي اللى كنتي عايشه فيه، وأكيد أنا أخوكي، وأي وقت يحصل أي حاجة، كلمني علطول، هتلاقيني.
ابتسمت بيقين: أنا متأكدة من كده، ومتزعلش لو كلامنا مع بعض بقي قليل بعد كده، لأن سليم رافض إني أكلمك.
ابتسم بتفهم: طبيعي، حاجة متوقعة، هو راجل برضه ولازم يغير، بس خلي رقمي معاكي، عشان لو حصل أي حاجة.
أمسك هاتفها وكتب رقمه، ثم رن على نفسه: خلي أرقامنا مع بعض علشان لو حصل أي ظرف، نبقى مع بعض، ولا انت مش حابة؟
هزت رأسها بابتسامة: لا لا، عادي، أنا هتكلم مع سليم، مفيش مشكلة.
تنهدت ثم قالت بهدوء وهي تهم بالنهوض: معلش مش هينفع أقعد معاك كتير، علشان سليم ميضايقش، أصلا كنت عايزا أكلمك وأقابلك، بس هو رفض ومش هينفع اخون ثقته فيا..
اضافت برجاء: وبلاش تعمل حاجات متهورة ومجنونة كده تاني، ولو احتاجت أي حاجة كلمني، ماشي؟
هز رأسه إيجابا بابتسامه هادئة، فحملت حقيبتها، وقالت بابتسامه: طب سلام.
أشار بيده مبتسما: استنى هخرج معاكي.
دفع الحساب، وتحركا معها وكلاهما يزين وجهه ابتسامه مطمئنة.
كانت سيارة مصطفى متوقفة أمام الكافيه، بينما سيارة ماسة على الرصيف المقابل.
دخل مصطفى سيارته بعد أن أشار لها مودعا، فلوحت له بابتسامه، وانحنت نحو النافذه تقبل عائشه: شوشو هتوحشيني! دي مش محسوبة، المرة جاية تعال بقى عندي، سليم جابلي فيلا في المعادي على النيل تحفه، متجبيش الواد اخوكي ده غير لما العفريت اللى عليه ينصرف.
ضحكت عائشة: ماشي بس اخلص الميد ترم الأول.
اومأت براسها، ووضعت قبلة على خدها: سلام.
ثم انتصبت، رفعت يدها بإيماءة مودعه: باي باي.
على اتجاه آخر كان هناك شخص يرفع هاتفه خلسة، ليصور الموقف، بدا كأنه يبحث عن زاوية محددة، وكأنه يريد تسجيل شيء بعينه، دون أن ينتبه له أحد.
تحرك مصطفى بسيارته، بينما أدارت ماسة رأسها نحو الرصيف الآخر، انتقلت بحذر، ثم دخلت سيارتها، وقادت بهدوء نحو الفيلا.
فيلا سليم وماسة،4:00عصرا.
مكتب سليم
جلس خلف مكتبه العريض، أمامه اللابتوب وبعض الملفات المتراكمة، يحاول إنهاء العمل المتأخر، يتصفح أوراقا ويجري مكالمات قصيرة بصوت ثابت.
ووسط انشغاله، اهتز هاتفه فجأة، مد يده وفتح الرسالة دون اهتمام لكن ما إن ظهرت الصور أمامه حتى توقف عن التنفس لثانية.
مال برأسه نحو الشاشة، وضاقت عيناه وهو يقرب الصورة بأصابعه، كانت لماسة مع مصطفى !!
الصورة الأولى لهما داخل المطعم، والصورة الثانية عند السيارة، صورة أخرى وهي ترسل قبلة في الهواء، والزاوية توحي وكأنها موجهة لمصطفى داخل السيارة !
ثم صورة وهي منحنية نحو النافذة؛ اللحظة التي كانت تتحدث فيها مع عائشة لكن الالتقاط جعلها تبدو وكأنها تتحدث إليه هو!
تجمد وجهه، وقبض على الهاتف بقوة، والغضب بدأ يتسرب إلى صدره ببطء، من فكرة أنها لم تسمع كلامه وقابلت مصطفى رغم رفضه الواضح من قبل.
لكن بعد ثواني، تحرك عقله قبل غضبه، أدار الهاتف في يده، نظر إلى الصور مرة أخرى، ثم تمتم: مين إللي بعتلي ده وعايز إيه؟
ألتقط الهاتف وأتصل بعشري.
سليم بنبرة جامدة: إنتم فين يا عشري.
رد بصوت سريع: إحنا في العربية ورا ماسة هانم يا ملك، مروحين.
سليم، بصوت متماسك رغم الغليان: هو مصطفى كان قاعد معاها؟
عشري بتأكيد تلقائي: أيوة يا ملك، أخته جات قعدت معاهم شوية، وهو دخل سلم وأتكلم معاهم دقيقتين، بعدين أخته خرجت وهو قعد مع الهانم حبة كده، الموضوع كله مكملش ربع ولا تلت ساعة.
أغمض عينيه لحظة، مستوعبا التفاصيل، ثم تساءل: طب حسيت إن في حاجة مش طبيعية في المكان؟!
عشري بثقة: أكيد يا ملك لو كان في حاجة كنت هقولك، ليه حصل حاجة؟!
تنهد وهو يمسح فمه: لما تيجي ياعشري نتكلم، بس خد بالك من الطريق.
أغلق المكالمة ووضع الهاتف على المكتب يفكر بشرود: يا تري مين إللي بعت الصور، وليه؟!
اطلق زفير حاد، وشعر بالاختناق، كأن شيئا يضغط صدره، فنهض من مكانه فجأة، وبدأ يتحرك في المكتب ذهابا وإيابا، ثم بدأ بعمل تمارين ضغط كي يهدئ من غضبه قليلا.
ثم وقف عند النافذة، محاولا استعادة هدوءه، يدع الهواء البارد يلمس وجهه لبعض من الوقت.
ثم عاد إلى المكتب، جلس من جديد، وأخذ نفسا عميقا، فتح اللابتوب وحاول أن يركز في العمل لكن عينيه كلما ارتفعتا إلى الهاتف، كان الشك يلسع صدره، والغضب إنها لم تستمع لحديثه يضغط عليه أكثر...ثم رفع هاتفه وقام بالاتصال بمكي بقولك ايه هبعتلك رقم تشفلي تبع مين انا عارف انك مش هتوصل لحاجه بس جرب
اغلق سليم الهاتف بعد ان ارسل الرقم الى مكي ويضغط عليه يحاول ان يهدا يفكر..
منزل آلاء، 4:00عصرا
غرفة النوم.
جلست على الفراش، ظهرها محني، والقلم يتحرك فوق الورق بتركيز، قاطع تركيزها دخول محمود بإبتسامة غير مألوفة ترتسم على شفتيه، وهو يحمل كيسا بلاستيكيا بين يديه، قائلا بنبرة حب مصطنعه: لولو أختي حبيبتي، عاملة إيه؟
رفعت عينيها باستغراب، كأن عقلها لم يستوعب بعد هذا الأسلوب الجديد!
فاقترب منها وجلس على طرف السرير، وهو ينظر للكتب التي بين يديها: بتعملي إيه؟ بتذاكري؟
هزت رأسها إيجابا بصمت، فمد يده وأزاح الكتب من أمامها بلا استئذان: لا، سيبك من المذاكرة شوية، بصي جايبلك إيه؟!
فتح الكيس وأخرج منه فستان رقيق بلون اللافندر.
رفعت حاجبها بدهشة: وده من إمتى؟!
ابتسم بابتسامة ماكرة: هي فيها حاجة لما أجيب لأختي حببتي هدية يعني؟
أمالت رأسها، ورفعت كتفها بنوع من التعجب: لا مفيهاش، بس غريبة؟! أنا عمري ماشوفتك غير وأنت بتطلب مني فلوس.
ضحك ضحكة قصيرة: لا إن شاء الله مش هطلب منك تاني.
ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة بتمنى: ياريت يا محمود، ياريت ربنا يهديك وتركز في شغلك.
هز رأسه: متقلقيش، أنا ناوي أظبط كل حاجة...
صمت للحظة، وهو يحك في خده محتار كيف يبدأ معها الموضوع، ثم قال بابتسامه: كنت جايلك في حوار كده، هناكل من وراه الشهد.
اخذت نفسا عميقا، وأسندت ظهرها للخلف: آه أنا كنت متأكدة والله إن الاهتمام الزايد ده وراه سبب، والله ما معايا ولا مليم، فتشني.
لوح بيديه بسرعة: لأ لأ لأ، أنا مش جاي عايز فلوس، ده أنا جاي ومعايا حتت خبر هينقلنا فوق، فرقعة يا قلب أخوكي
نظرت له بإستغراب: أنا مش فاهمة حاجه!؟
أجابها موضحا بابتسامة واسعة: جايبلك عريس، وهياكلك الشهد كله، شهد إيه!!!! ده هيفطرك باتون ساليه، ويغديكي ديك رومي، ويعشيكي جمبري، ويخليكي تحلي ببقلاوة يا بقلاوة.
اتسعت عيناها بدهشة، قالت بارتباك: عريس!! عريس إيه؟! أنا مش عايزة عرسان، ومبفكرش في الجواز دلوقتي، أنا بفكر في دراستي وبس.
مده وجهه وقال بنبرة واثقة: مش تعرفي هو مين الأول، وبعدين تقولي مبفكرش في الجواز، بقولك هيأكلك الشهد كله ويخليكي تحلي ببقلاوة.
هزت رأسها وأشارت بيديها بضجر: الله الغني عن الشهد إللي يجيلي من طرفك!
زمجر فيها بجدية وسوقية: متتكلمي عدل يا بت، أنتِ نسيتي إني أخوكي الكبير ولا ايه؟ اتظبطي بدل ماظبطك.
في تلك اللحظة دخلت أنهار وهي تحمل بين يديها صينية عليها سندوتشات وكوب شاي، وقالت بتلقائية: أنا عملتلك يا حبيبتي شوية سندوتشات وكوباية شاي كده عشان تذاكري كويس.
ابتسمت آلاء بحنان: تسلمي إيدك يا حبيبتي، تعبتي نفسك.
تنهدت بحب وحنان: مفيش أي تعب.
وضعت الصينية على الكومودينو، ثم وجهت نظراتها لمحمود وقالت بضجر: عايز إيه يا محمود من أختك؟ متسيبها في حالها تذاكر.
ابتسم واقترب من أنهار: عايزلها كل خير يا أم محمود، جايبلها عريس.
وحين سمعت الخبر، ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها كأي أم تسمع أن ابنتها جاء لها عريس: بجد؟ والنبي يا ابني، عريس مين ده؟
قلبت آلاء وجهها وقالت بإستهجان: أنتِ هتعومي على عومه ياما.
أنهار بإبتسامة واسعة وسعادة تخرج من قلبها قبل عينيها: استني بس يا آلاء، مش يمكن يكون عريس ابن حلال، قول يا محمود مين هو.
هز راسة بسعادة وقال بحماس: آه عريس! إنما إيه ياما فوق فوق فوق! مكانتش تحلم بيه، عارفة مين؟ الحاج شاهين على سنه ورمحه.
تلاشت الابتسامة عن وجه أنهار، وانكمشت ملامحها وهي تحاول الاستيعاب: الحاج شاهين مين؟!
محمود بسعادة: الحاج شاهين يا امااا إللي شغال معاه.
اتسعت عينها، وهي تضرب صدرها براحة يدها: يا نهار أَبوك أسود يا محمود! ده قد جدها! وعياله ولادهم في المدارس!
اومأ براسه بلا مبالاة واستهجان: إيه يعني ياما؟ الراجل ميعيبوش إلا جيبه.
تدخلت آلاء، وصوتها يحمل استهجانا وغضب: شوفتي؟ علشان متفرحيش أوي، يعني الشمام ده هيجيب مين؟
أشار بأصابعه بنبرة رجولية حادة: أحترمي نفسك يا بت بدل ما ألطشلك، إيه مشكلتكم؟! ده الراجل زي الفل.
التفتت له أنهار، وضربته على كتفه بحدة ممزوجة بالتهكم: فل ايه يا موكوس يا ابن الموكوسة؟ عايز ترمي أختك لراجل أد أبوها؟
أدار وجهه لها محاولا اقناعها، كأن لا خطأ فيما يقول: هي كانت تحلم بيه! وبعدين، أنا أديت الراجل كلمة خلاص، وهو جاي بعد بكرة يكتب عليها.
صرخت آلاء، صوتها قاطع وحاد: وأنا مالي؟! حد قالك تديله كلمة؟ أنا لا يمكن أتجوزه! ولو جه هنا هقول كده قدامه وأصغرك فخدها من قصيرها وحل عني!
تشنج فكه، وعض على أسنانه، ثم انقض عليها فجأة، يمسك شعرها بقسوة: تصغري مين يا بنت الـ***؟ ده أنا أقتلك فيها!
صرخت وهي تحاول الإفلات من قبضته: أوعى! سيبني!
اندفعت أنهار لتفصل بينهما: أبعد عنها يا مفترِي! هو الجواز بالعافية؟!
زمجر، بصوت خشن وغاضب: آه بالعافية! أنا واخد منه فلوس ومديله كلمة!
تراجعت آلاء خطوة وهي تمسح دموع غضبها: قول كده بقى، عايز تبيعني علشان متداين، ده أنت ظلمك إللي سماك راجل!
أمسك كتفها بقسوة، ورفع يده الأخرى تحت فكها، وأظافره تغرس في بشرتها حتى أحمر المكان، قال بصوت حاد: يا بت احترمي نفسك واتظبطي بدل ما أظبطك، ولمي لسانك ده، بدل ما أقسم بالله هقطعولك.
اندفعت أنهار نحوه، تسحب ذراعها من قبضته بعنف:
سيب أختك! سبها يا مجنون!
تركها متضايقا، فالتفتت أنهار تسأله بحدة ودهشة: وبعدين هي الحاجة حكمة وافقت إزاي؟! دي تبهدل الدنيا عليه!
تلعثم وهو يشيح بوجهه: لا الحاجة متعرفش حاجة.
فتحت أنهار عينيها بدهشة: يعني إيه متعرفش؟!
قال موضحا بلا خجل: هيكتب عليها عرفي،
بينا كده عند المحامي.
شهقت أنهار، وضربت على صدرها من هول الصدمة وهي تصرخ: الله يخرب بيتك يا شيخ! أنت راجل أنت؟! عايز تجوز أختك عرفي! وبتقولها كده عادي؟ من غير كسوف ولا خجل ولا خشي؟ الله ياخدك يا محمود!
قال باقتناع غريب، يهز كتفيه بثقة عمياء: وفيها إيه يعني؟ هو الجواز العرفي حرام؟ ده حلال ونسوان كتير بتتجوز كده علشان المعاش، الواد توتو طلق مراته وكتب عرفي، علشان معاش أبوها، ومرات خالي نفس الكلام، ده أنا إللي شاهد عليها، وفي ناس كتير دلوقتي بيعملوا كده ياما أنتِ مش عايشة في الدنيا ولا إيه، المأذون بس الحكومة عملته، علشان إحنا بقينا كتير..
كانت أنهار تنظر له بصدمة لا تستطيع التحدث، أما آلاء لم تتحمل وانفجرت تصيح بصوت يقطر قرفا وغضبا: ما أنا قولتلك! ابنك ده مش راجل وعمره ماهبيقى راجل، عايز تجوزني عرفي يا واطي يا زبالة؟ واقف قدامي بتقولها عادي؟! اتفو على الرجولة، اتكسف على دمك.
اقتربت منه تحدق في عينيه بتهديد: والله يا محمود لو جه هنا لأبهدله وأبهدلك، وأفرج عليكم المرج كله.
اتغاظ وبدأ الدم يغلي في عروقه، وأسودت عيناه بلون خطر، فقبض على شعرها فجأة، شد رأسها للخلف بعنف حتى خلعت خصلات شعرها بين أصابعه
محمود بصوت جهوري متوحش: تفضحي مين يا بنت الـ***؟ ومين ده إللي مش راجل؟ ده أنا هطلع عين أهلك، وهربيكي من أول وجديد!
وفجأة صفعها صفعتين متتاليتين، صوتهم دوى في البيت، ثم جمع يديه، وضربها ببوكس قاسي في خدها.
صرخت، ترجع للخلف وهي تتوجع: اااااه سيبني! يا حيوان! سبني..
بينما انقضت أنهار تحاول فكها: سيبها! أبعد عنها يا شيطان! حرام عليك!
لكنه قد خرج عن السيطرة ألتفت لأنهار بوجه غاضب، قبض على كتفها بقسوة وصرخ بعينين غامت بالسواد: أطلعي بره، والله لأربهالك من أول وجديد!
سحبها من كتفها للباب، ودفعها بشده للخارج حتي كادت أن تقع، وكأنها ليست أمه، وأغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيب بنطاله، فبقيت أنهار تضرب علي الباب من الخارج وتصرخ: أفتح حرام عليك! سيب أختك! ربنا ينتقم منك.
بينما محمود، استدار إلي آلاء ببطء، وعيناه تقدحان شررا، تقدم خطوة وراء أخرى، يشمر أكمامه، وهي تتراجع بظهر مرتجف.
قالت بصوت يرتعش بالخوف ودموع والعجز: أنت، أنت هتعمل إيه؟
رد بوعيد: هربيكي، علشان شكلك نسيتي نفسك، الظاهر عشان بقالك كتير مخدتيش علقة، فطلعلك لسان، بس ورحمة أبوكي لأرجعك آلاء القطة المغمضة إللي متعرفش ترفع عينها فيا.
صرخت بين بكائها بتحدي وهي تستند على قوة هشة: أنا مش هخاف منك، ولا هسمحلك تمد إيدك وتستقوي عليا تاني.
ضحك بسخرية باردة: تسمحيلي!؟ مش بقولك محتاجة تتربي، وأنا إللي هربيكي.
ورفع يده فجأة وصفعها صفعة أطاحت بها إلى الأرض، وإنهال عليها بالركلات، وهو يصرخ ببحة رجولية سوقية بوعيد: بقى هتقفي قدامي؟ وتقولي لا؟ طب والله لتتجوزيه والنهاردة قبل بكرة!
كانت تصرخ بألم بين شهقات دموعها، انحنى لمستواها، قبض على شعرها بقسوة حتي كاد أن يخلع شعرها من جدوره بين يده، قرب وجهه منها، وصوته صار أخطر من الظلام نفسه: ولو فتحتي بوقك بكلمة مش عاجباني والله لأندمك عمرك كله وأعيشك في سواد، هتتجوزي غصب عنك يا آلاء فاهمة.
رفعت رأسها بصعوبة، ونظرت له بإحتقار، وبصقت في وجهه: اتفو!
ودفعته بقوة وهي تزحف بعيدا للخلف،وتقول بتحدي وهي تتشبث ببقايا قوة هشه: أنا مش هسكتلك وهفضحك قصاد الناس! وهقولهم إنك عايز تجوزني عرفي يا خسيس علشان الفلوس، عايز تبيع أختك، وإنك مش راجل! ولو هتموتني، مستحيل أقبل!
تجمد للحظة، ووجهه أحمر كالجمر، مسح بصقتها بهدوء مخيف وهو يعض داخل خده، وقال بلهجة مرعبة: بقي هتفضحيني قصاد الناس؟
ردت متحدية رغم ارتعاش صوتها وهي تحاول أن تقف: أيوة! وأفتح الباب ده! أنا مش هخاف منك تاني! ولا هخليك تاخد فلوس مني تاني ولا تبهدلنا! لو على موتي
قال ببرود مرعب: تبقي ميتة يا آلاء.
أنقض عليها كالأسد المفترس على فريسته، ينهال عليها باللكمات كأنها رجل لا فتاة، صرخت: اااااه أوعي، أبعد عني!
لكن ضرباته لم تتوقف، أمسك شعرها، دفع رأسها بقوة إلى خزنة الملابس حتى أرتج جسدها، كادت تفقد توازنها، والدماء تسيل من أنفها وفمها، وعيناها تتورمان، وفجأة بدأ يفك الحزام.
اتسعت عيناها رعبا، تحاول أن تلتقط أنفاسها المختلطة بالدم، وقالت بصوت متهالك: حرام عليك يا محمود، سيبني!
لف الحزام على يده، وقال بسخرية: مش كنتي لسة جامدة؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟؟
قالت بتوسل: طب سبني، وأنا هعتذر وهديك الفلوس، وكل حاجة بس سبني في حالي ومتجوزنيش.
ضحك بغل:لا هتتجوزي، ومش هسيبك، علشان تتعلمي تحترمي أخوكي الكبير.
وفجأة نزل عليها بتوكة الحزام ضربة تلو أخرى، قاسية، عمياء، بلا ذرة رحمة، كانت الضربات تشق الهواء وتصفع جلدها بقسوة تسمع في أرجاء الغرفة، أرتفعت صراخاتها متقطعة، موجوعة، يائسة.
حاولت أن تتملص من بين يديه، لكنه قبض على شعرها بجنون، وجرها كأنها قطعة قماش، دفعها دفعة قوية حتى ارتطمت بسن الكرسي، وقبل أن تستعيد توازنها قبض على يدها ولفها بطريقة عنيفة.
صرخت: إيدي يا محمود، هتكسرها حرام عليك، اااااه!
لكن صوته كان غارقا في العمى والغضب: هتقولي حاضر فاهمة، ومسمعش غير حاضر، وتتظبطي يا آلاء علشان أنتِ عيارك فلت، وبكرة هتتجوزي الحج لو عملتى حاجة والله لأرميكي من البلكونة وأقتلك!
ضغط أكثر فالتوت يدها بقسوة ثم صدر صوت حاد، صوت تكسر عظمة!
صرخة آلاء صرخه اخترقت المكان كمن ينتزع من صدره حياة كاملة، ثم انهد جسدها بعدها، تمايلت، عينها تهتزان، وأنفاسها تتقطع، ثم انطفأت فجأة.
غابت عن الوعي وهي ملقاة على الأرض، يدها ملتوية، وجهها ممزق، والدماء تنزف من جروحها كأنها تعلن انهيار دفاعها الأخير.
وقف محمود فوقها، يحدق فيها ببرودٍ غريب، كأن الملقاه أمامه لا تمت إليه بصلة، وكأنها ليست أخته التي تشاركه اللحم والدم؟!
تنفس ساكنا بلا ندم عدل قميصه بيده، مسح العرق والدم، ثم فتح الباب وخرج كأنه لم يفعل شيئا.
أغلق الباب خلفه بإحكام، ركضت إليه أنهار وهي تكاد لا ترى من شدة فزعها، اندفعت نحوه تضرب صدره وكتفه بعشوائية، وتصرخ بقلب مفجوع: عملت في البت إيه؟! منك لله! ربنا ياخدك يا شيخ، حسبي الله ونعم الوكيل فيك!
أمسك يدها بقسوة وهو يدفعها: بنتك مش متربية! ومش هفتحلها الباب، وهتتجوز غصب عنها.
ردت بعينين تغرقان دموعا، صوتها ينهش صدرها: بنتي مش هتتجوز! أمشي من هنا! أبعد! عننا غووور.
اقترب بوجهه منها، صوته عميق ملئ تهديد:
قولتلك هتتجوز غصب عنك وعنها، فاهمة؟
صرخت فيه وهي تدفعه: غصب عن مين يا كلب
كادت أن تضربه، لكنه قبض على يدها بقسوة أذهلتها، وقال بفظاظه: بقـولك إيه أبلعي ريقك كده وأسكتي لإني مش ناقص وجع دماغ، وبكرة هتتجوز الحاج، ولو عملت حركة واحدة مش على مزاجي والله لأقتلهالك!
قالها ثم دفعها بعيدا، وكأنها ليست والدته وخرج وهو يغلي غضبا، وأغلق باب الشقة بالمفتاح من الخارج، كأنه يسجنها داخل مصيبتها.
سقطت أنهار على الباب، تضربه بيديها وهي تبكي وتصرخ: منك الله، قلبي وربي غضبانين عليك! أفتحي يا بنتي! يا آلاء! بت يا آلاء مبترديش عليا ليه قوليلي عمل فيكي ايه اللى ربنا ينتقم منه؟!
جلست على الأرض منهارة، تضرب الباب بكفيها: آلاء بت يا آلاء، ردي عليا يا بنتي متوجعيش قلبي عليكي، أعمل إيه طيب؟ أجبله مين يقفله؟
رفعت رأسها للسقف ترتجف: يارب مليش غيرك ساعدني؟! بت يا آلاء انطقي! عمل فيكي إيه؟ أروح فين يا رب؟ البت هتضيع مني!
عم الصمت للحظة لا يسمع فيها غير صوت شهقات الأم.
وفجأة، خطرت لها فكرة.
أدخلت يدها المرتجفة في صدرها، اخرجت هاتفها وأمسكته بارتعاش شديد، وكأن النجاة في هذا الجهاز الضعيف. أخذت نفسا مرتجف وضغطت زر الاتصال.
سيارة مصطفى
كان يقود الطريق بسرعة ثابتة، وعائشة في المقعد المجاور، لا ترفع عينيها عنه لحظة، غير مصدقة ما قالته ماسة.
رمقها مصطفى بطرف عينه: هتفضلي بصالي كده كتير؟ قولى عايزه تقولى ايه؟!
رفعت رأسها، وتساءلت بصدمه: أنت فعلا ضربت مكي بالنار؟
اصطف بالسيارة علي جانب الطريق، تنفس بعمق، ألتفت لها ببطء: آه يا عائشة عملت كده، وكان غصب عني.
رفعت يدها بدهشة: غصب عنك إزاي؟ إزاي تعمل كده؟ لو كان مات كنت هتبقى قاتل يا مصطفى! فاهم يعني إيه قاتل؟!
تنهد موضحا: كانت لحظة غضب، وافتكرت إن سليم السبب في إللي حصل مع ماسة، مكنتش فاهم، سحبت مسدس والرصاصة خرجت غصب عني.
هزت رأسها بعنف، جسدها ارتعش بغضب وخوف: أي مبرر مش مقبول! أنت غلط غلطة كبيرة أوي! كنت هتبقى زيهم بالظبط، خوفك على ماسة مش مبرر يخليك تعمل كده؟!
أدار وجهه لإتجاه آخر: خلاص يا عائشه اقفلي على الموضوع دى مش عايز اتكلم فيه تانى.
لكنها لم تصمت، وتابعت باستهجان: لا هنتكلم لإنك كنت هتضيع نفسك، أبعد عن ماسة يا مصطفي، خلاص أنت عملت إللي يرضي ضميرك، وهي اختارت حياتها مع سليم عايز منها إيه ثاني؟!
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة: خلاص يا شوشو، أنا بس كنت محتاج أفهم، هي قاعدة معاه بإرادتها ولا غصب، ولما أطمنت خلاص.
نظرت له بعدم اقتناع، وتنهدت بتمني: ياريت.
وبينما كان مصطفى يعيد تشغيل السيارة، اهتز هاتفه فجأة، فرأى رقما لا يعرفه؟! قطب حاجبيه بإستغراب، ثم ضغط زر الإجابة.
مصطفي بتهذب: ألو السلام عليكم؟
هنا أتاه صوت أنهار بنبرة ممزقة، وهي تضرب على ساقها بيد مرتجفة: والنبي يا مصطفى يا ابني تلحق آلاء!
عدل من جلسته بدهشة: مالها خير؟ في إيه؟
أنهار بنبرة متعلثمة بين انهيارها وبكاءها وعجزها: الولا محمود إللي منه لله هيبيع البت! ومغمى عليها ومش بترد وهيبيعها! ملناش حد يا ابني والنبي تعالي! شكلها ماتت، مش بترد، مش عارفة أعمل حاجة وهو قافل بالمفتاح، والله يا ابني المفتاح معاه!
لم يفهم كل حديثها شيء، فهي لم تقول كلمات مفهومة أو موحدة، وكأنها قالت من كل جملة كلمة، بسبب ذلك الانهيار والاضطراب وخوفها الشديد
لكنه شعر من نبرة صوتها أن هناك مصيبة تحدث، اشتعل داخله القلق، فقال محاولا طمئنتها: طب خلاص أهدي، وصلي عالنبي كده، وأنا جاي حالا.
توسلت بين شهقاتها: والنبي يا ابني متتأخرش، ربنا يخليك البت مش بتنطق ومش عارفه عمل فيها ايه.
هز رأسه مسرعا: حاضر حاضر.
كانت عائشة تراقبه بقلق، وبعد الانتهاء قالت بريبة: في إيه يا مصطفى؟ مين دي؟
مرر يده على المقود، وقال موضحا بسرعه:دي مامت ممرضة عندي، طلبت مساعدة ومش عارف في إيه، معلش يا شوشو أنا هركبك من الموقف وأروح أشوفها عايزة إيه؟!
ازدادت نظرتها قلقا: طب مانروح مع بعض؟ يمكن محتاجة فلوس؟
هز رأسه وهو ينظر للطريق بحيرة وقلق: ما أنا معرفش أصلا ايه المشكلة؟! وأخوها مش كويس، وأنا كنت متخانق معاه قبل كده عشان ضربها، حوار كبير كده ومش عايز اخدك معايا وأنا مش فاهم، فاهمة قصدي؟
صمتت لحظات، ثم همست: ماشي، بس متدخلش نفسك في مشاكل يا مصطفى؟
رد وهو يضغط على الدركسيون: أنا عملت حاجه، ما أنتِ شايفه الست كلمتنى، وبتستنجد بيها وبتقولي محتاجلك، وعمالة تعيط وكلامها مش مترتب شكل في حاجة كبيرة، عموما زي ما قولتلك هركبك من الموقف، وهبقى معاكي على التليفون.
أومأت برأسها بصمت، فعاد مصطفى للقيادة مره أخري.
بعد دقائق، وصلا إلى الموقف، كان أحد الباصات على وشك التحرك خلال لحظات، وفيه مقاعد فارغة ساعدها مصطفى على حمل شنطتها، وتأكد أنها صعدت وجلست، ثم لوح لها قبل أن يغلق العامل الباب وينطلق الباص.
وقف للحظة يتابع ابتعاد الباص ثم توجه مباشرة إلى منزل آلاء.
فيلا سليم وماسة، 5:00مساء.
دخلت ماسة من بوابة الفيلا بسيارتها، وخلفها سيارة الحراس، توقفت أمام المدخل وترجلت، وبالتزامن كانت راوية وعشري يهبطان من السيارة الخلفية، كان عشري يحمل ثلاث علب بيتزا بين يديه.
اقتربت منه ومدت يدها لتأخذها بابتسامه: شكرا يا عشري.
فتحت لهم سحر الباب، فدخلت ماسة بخطوات هادئة.
سحر بابتسامة ترحيب: مساء الخير، عاملة إيه يا ست ماسة؟
سلمتها ماسة العلب: مساء النور، أنا تمام الحمد لله، معلش يا ماما سحر، بعد إذنك حطي الحاجات دي، على السفرة، وطلعي المخلل أللي أنتِ بتعمليه وسفن وكده.
ثم نظرت حولها بتساؤل: هو سليم فين؟
أخذت سحر العلب: في المكتب.
اومأت برأسها: خلاص هدخله، على ماتحضري السفره
تحركت بخطوات سريعة نحو المكتب.
مكتب سليم
كان يجلس خلف مكتبه، عيناه نصف شاردتين بين شاشة اللاب توب والصور التي أُرسلت إليه، يحاول التركيز في العمل، لكن التوتر كان ظاهرا علي ملامحه.
فتحت الباب ودخلت بإبتسامة واسعة، وهي تلوح له بخفة ودلع لطيف: Hello يا سالوملوم.
رفع نظره إليها بإبتسامة باهتة، والشرود لا يزال واضحا على ملامحه.
اقتربت منه حتى وقفت أمام المكتب بإبتسامة رقيقة: عامل إيه؟
سليم وهو يعتدل: الحمد لله، متأخرتيش.
أجابته موضحة: ما هو مكانش ينفع أتأخر علشان مسافرة إسكندرية، بس اتفقنا هنتقابل تاني إن شاء الله.
ثم نظرت للأوراق أمامه: بتعمل إيه؟
سليم بهدوء: كنت بخلص شغل لحد ماتيجي.
أزاحت بعض الأوراق وجلست على المكتب، تزم شفتيها بدلالها المعتاد: على فكرة الأسبوع بتاع الفرصة ده ممل جدا ومش فاهمــاه أصلا.
رفع حاجبه متعجبا: ممل ليه؟
ربعت قدميها على المكتب، لكن فجأة أخرجت تأوهات مكتومة، وأصفرت ملامحها، وضعت يدها على رأسها وفمها.
مال نحوها فورا بقلق واضح وهو يمسح على وجهها ويمسك يدها: مالك يا عشقي؟ فيكي إيه؟
ماسة بتعب: مش عارفة دوخت فجأة، وعايزة أرجع.
امسك كتفها برفق ليستندها: مش واخدة بالك إن ده بقى يحصلك كتير الفترة دي؟
هزت رأسها ببطء: أيوه، فعلا.
ناولها كوب ماء فاحتست منه قليلا، ثم وضعت يدها على أسفل بطنها محاولة تهدئة نفسها، فتح سليم درج المكتب وأخرج زجاجة عطر صغيرة، وضع قليلا منه على يديها ودلك معصميها برفق، ثم رش قطرتين على أصابعه وقرب يده من أسفل أنفها كي تستنشق الرائحة.
راقب ملامحها بتركيز وتساءل بقلق: ها أحسن؟
رفعت رأسها بإبتسامة، وهي تاخذ نفسا عميقا: خلاص، بقيت كويسة.
تنهدت، ثم أكملت بحماس، وإعتراض مدلل: أنا مش فاهمة إيه الأسبوع بتاعك ده إللي المفروض يغير رأيي ويخلينا نبقى كويسين مع بعض، وأنت 3/4 الوقت يا بتشتغل هنا يا في شغلك في المجموعة، وأنا يا في الجامعة، يا عند ماما، يا خارجة مع أصحابي، مش بنقعد مع بعض؟ غير شوية صغننين قد كده!
ضحك وهو يقترب بوجهه: أنا برضه مش فاهم اعتراضك؟!
لوحت بيديها موضحة بدلال: بصراحة أنا كنت فاكرة إن كل يوم هنخرج في مكان شكل، ونسافر توديني سويسرا إللي أنا بموت فيها، أو كل يوم محافظة شكل، أو تعملي مكان رومانسي، فستان حلو، شموع، بالونات ترقصني وتجيبلي عقد ألماظ وتكتبلي كلمتين جامدين! أي حاجه يعنى من الحاجات دى.
ضحك أكثر رغم ضيقه الداخلي، لكنه حاول التماسك، وتساءل: إنتِ مفهمتيش المعنى من إللي أنا بعمله؟!
امسكت يده بلطف، وهي تركز النظر في ملامح وجهه: فاهمة وبهزر معاك، بس مش معنى إنك اتغيرت وبتسيبني على راحتي، إننا منقضيش وقت حلو مع بعض.
اومأ برأسه: على فكره أنتِ نصابه، مش أول يوم ركبتك مركب وجبتلك بالونات، وبنقعد نلعب سوا ونتفرج على أفلام.
مدت ذراعيها ولفتها حول رقبته، بدلال واضح وهي تركز النظر في عينه: ماشي يا سالوملوم، طب سيبك من الشغل بقي وتعالي نقعد سوا بره، أنا جبت فطير، وإحنا ماشيين في الطريق ريحة الفطير قتلتني ركنت ونزلت جبت فطير بالسجق، وميكس جبن، وواحدة نص نوتيلا ونص سكر هتعجبك خالص، وبصراحة استخدمت شخصيتك ودخلت عشري يشوف إيد الشيف نضيفة ولا لأ ويزود جبنة.
ضحك رغما عنه وهز رأسه، ركزت ماسة في ملامحه تساءلت باهتمام: هو أنت كويس؟
هز رأسه بهدوء: آه كويس
أضاف وهو يؤمي برأسه: يلا تعالي نروح ناكل، أنا مستنيكي.
ساعدها على النهوض، وخرجا معا حتى وصلا السفرة، كانت سحر قد رتبت الأطباق والمخلل والمياه الغازية.
فتحت ماسة العلب: دي سجق، ودي ميكس جبن، ودي نخليها للتحلية
بدأت تضع له في طبقه وضعت لها أيضا، وشرعا في تناول الطعام.
انتبهت لتناوله الطعام بالشوكة والسكينة، فعلقت بمداعبه: أنت هتاكل بالشوكة والسكينة؟! يا عم كل كده!
سليم وهو يتناول الطعام: ملكيش دعوة، سيبيني آكل بالطريقة إللي بحبها.
رفعت حاجبها وهي تمسك قطعة بأصابعها بإعتراض: أقسم بالله أنت مابتعرف تاكل، الأكل ميتاكلش إلا كدة، امممم طعمة تحفه.
ثم وضعت له قطعة في فمه.
ابتسم وهو يمضغها، وتساءل: قوليلي عملتِ إيه مع عائشة؟
أجابته وهي تومي براسها: مفيش قعدنا نتكلم، وعرفت إنهم هينزلوا القاهرة قريب، وبعدين... آااا..
رفع نظره إليها، ينتظر أن تقول "قابلت مصطفى": وبعدين إيه؟
تساءلت بارتياك: هو أنت كويس؟
اومأ برأسه: كويس.
أخذت نفس عميقا وهي توميء براسها، وتساءلت بتوجس: يعنى متأكد إنك تمام؟! مش متضايق؟ الهرمونات تمام؟
رفع حاجبه وهو يتك على أول كلمة: الهرمونات؟ آه الهرمونات تمام! مالك يا ماسة؟
ترددت ثم قالت وهي تشعر بالتردد والخوف: بص بصراحه كده هو في حاجة حصلت بس والله صدفة، بس أرجوك متزعقش، أنا تعبانة ومش قادرة للخناق.
نظر لها بحدة خفيفة، ثم قال وهو يتابع تناول طعامه لكي يشعرها بالهدوء والطمأنينة: علشان مصطفى جالكم يعني؟
اتسعت عيناها بصدمة: إيه ده؟ أنت عرفت منين؟!
اومأ برأسه موضحا: كلمت عشري أطمن عليكم، قالي إنك راجعة، وإن مصطفى جه وقعد معاكم.
تنهدت بتأكيد: فعلا بس مش بالضبط كده، هفهمك،
وإحنا قاعدين، فجأة لقيت مصطفى بيسلم عليا، وبعدين طلب من عائشة تقوم، وقعد يكلمني، كان فاكرني قاعدة معاك غصب عني، فقولتله إني مكمله معاك بمزاجي، وإني بحبك، وعاتبته طبعا على إللي عمله، وهو فهمني إن إللي عمله ده كان غصب عنه.
أمسكت يده بأعتذار: أنا عارفة إنك طلبت مني مقعدش معاه، بس والله الموضوع حصل صدفة، وكنا في مكان عام، والموضوع مكملش ربع ساعة فبليز متزعلش.
تنفس بعمق، محاولا الهدوء: أنا مش زعلام، بس أنا غيران ومتضايق أكيد لإني كنت طالب منك متقعديش معاه، بس ماشي المرة دي هعديها، لكن من فضلك متعمليش كده تاني، ولو كنتي مع عائشة أو غيرها، ومصطفى جه، لو سمحتي متقعديش معاه، تقدري توعديني؟
نظرت في عينيه طويلا ثم هزت رأسها: لا مش هقدر أوعدك.
اتسعت عيناه باستنكار: يعني إيه مش هتقدري؟!
ماسة موضحة بهدوء: مقدرش أوعدك بحاجة ممكن معرفش أنفذها، أفرض حصل ظرف، واضطريت أكلمه، ده راجل أنقذ حياتي، ودخلني بيته، وأنا مديونة له، وأنت كمان لازم تبقى حاسس بكده فمش هديك وعد، بس هديك عهد؛ لو مفيش ظرف طارئ مش هكلمه.
هز رأسه بضيق: إيه إللى هيحصل يعني يخليكي تكلميه
مدت وجهها: محدش عارف الدنيا مخبيه إيه.
قلب وجهه بضجر وقلة فائده من النقاش معاها، فقلدته وقلبت وجهها بتكشير ودلع: بص بقى وشك عامل إزاي! كدة..
ضحكت بالا: خلاص بقي أضحك.
ظل جامد الوجه، فأضافت على نفس ذات الوتيرة بمداعبة: والله لو مضحكتش هعضك
ضحك رغما عنه: لا لا كله إلا العض.
رفعت حاجبها تقلده بطريقته: اهو كدة، رجالة متجيش غير بالعين الحمرا؟!
ضحك، فأضافت ماسة بهدوء: يلا كل بقي، أنا جعانة.
هز رأسه موافقا، وبدءا يتناولون الطعام، لكن ذهنه ظل مشغولا.
كان يكتم قلقه، والسؤال مازل يدور في ذهنه، من الذي أرسل تلك الصور؟ ولماذا؟!
ولكن بداخله كان سعيد أن ماسة واجهته بصراحة، وأنه لم يستخدم طريقته القديمه في التلاعب في الحديث معاها، لكنه أخفى عنها أمر الصور؛ لأنه لا يريد إخافتها.
منزل آلاء، 5:00مساء
كانت أنهار، تضرب الباب بكل ما لها من قوة، وتبكي: آلاء يابت ردي عليا متوجعليش قلبي عليكي، استغفر الله العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، قلبي وربي غضبانين عليك ليوم الدين يا محمود.
بينما آلاء ملقاة على الأرض، سايحة في دمها، غايبه عن وعيها.
بعد وقت قصير دق مصطفى الباب بعنف، جاء صوت أنهار وهي تنكي بحرقة: مين؟!
مصطفي بلهفة: أنا دكتور مصطفى يا حاجة!
نهضت مسرعة بقلب مخلوع: يا ابني الباب مقفول عليا بالمفتاح، محمود إللي ربنا ياخده قافل عليا بالمفتاح! أكسره يا ابني أكسره!
اتسعت ملامحه بتعجب وقلق، مسح وجهه، تراجع خطوة، ثم اندفع بكتفه، الضربة الأولى…الثانية…الثالثة…وانفتح الباب بعنف.
اندفعت أنهار تمسك ذراعه: ألحقها يا ابني! جوه! بقالها ساعه مبتردش!
تركها وركض نحو اشارتها، أندفع نحو الغرفة، فوجد الباب موعد!
أنهار بحرقة: قافل عليها بالمفتاح، أكسره هو كمان.
اومأ برأسه ودفع الباب بكتفه، فانفتح.