
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل العشرون 20 ج 2 بقلم ليله عادل
وفور أن رأى آلاء اتسعت عيناه بصدمة؛ وجهها مدمى، ذراعها ملتوية، جسدها ساكن، والدماء حولها كأن الغرفة تنزف معها.
صرخت أنهار من ورائه: يا نهار أسود البت ماتت! البت ماتت!
مسك كتفيها بسرعة قبل أن تنهار: استني بس! خلينا نشوف أهدي! أهدي!
أنحنى، ووضع أصابعه عند رقبتها ثم تنفس بأرتياح: متقلقيش الحمد لله، مغمي عليها بس، هاتي مية او برفان، أو أي حاجة تفوقها.
هرولت تعطيه زجاجة، رش قليلا على وجهها، فتحرك جفنها، ثم اتسعت عيناها فجأة، تصرخ بجنون: حرام عليك! سيبني في حالي! سيبنى.
أخذت تزحف للخلف برعب وهى تسند ذراعها، كانت لا تزال بين اليقظه والهذيان، فظلت تصرخ وتهز راسها كالمجنونة بأنهيار: أبعد عني حرام عليك.
رفع مصطفى يديه بسرعة، محاولا تهدئتها: أهدي يا آلاء! أنا مصطفى! دكتور مصطفى! أهدي، أهدي..
تجمدت نظرتها، دهشة وارتباك ، فهي مازالت لا تستوعب
اندفعت أنهار تضمها وهي تصرخ بحرقه: يا حبيبتى يا بنتي، حقك عليا سامحيني يا آلاء معرفتش احوشه عنك!
لكن صرخت بقوة من الألم، عندما ضغطت عليها أمها: آااه دراعي، دراعي! اااه.
اقترب مصطفى بسرعة، أمسك ذراعها يفحصه بحذر: ده مكسور!؟ إيه إللي حصل؟ مين عمل فيها كده؟
بكت أنهار وتوسلت اليه بعجز: خدها من هنا يا ابني الله لا يسيأك، خدها من هنا الأول وبعدين نحكيلك، محمود هيضيعها، والنبي يا ابني انجدها منه وخدها من هنا !
وقف مصطفى، حسم الأمر فورا: هي كده كده لازم تروح المستشفى حالا، وأنتِ يا حاجة تعالي معانا، مش هينفع اسيبك هنا بعد اللى شوفته دة.
آلاء بنبرة متعبة، مختلطة بالخجل والعجز: متدخلش نفسك في مشاكل يا دكتور،اتصلتي بيه ليه ياما؟ حرام عليكي.
أنهار ببكاء وعجز: سامحيني يا بنتي، كنت هعمل إيه؟ معرفتش أتصل غير بيه.
مصطفى بحزم وقلق: آلاء بلاش الكلام ده دلوقتي، من فضلك تعالي معايا.
رفضت آلاء، بصوت مكسور: أنا مش هروح في حتة، أمشي يا دكتور أنت مش قد أخويا، أنت راجل محترم متجبش لنفسك المشاكل، دى نصيبي ههرب منه فين!
توسلت أنهار إليه، صوتها يختلط بالرعب: متسمعش كلامها يا ابنى، وخدها من هنا، أخوها هيضيعها، والنبي يا ابني وحياة أغلى ما عندك أنقذها!
نظر مصطفى إلى نظرات الأم المتوسلة، ثم إلى آلاء، التي كانت في حالة صعبة جدا: طب لبسيها حاجة بس بالراحة علشان دراعها
ركضت أنهار أجلبت عباية وطرحة، معلقة خلف الباب وأخذت تلبسها لآلاء التى كانت تصرخ وهي تحاول الإفلات: بلاش يا ماما…
أنهار وهى تغلق لها العباية وتضع طرحة علي شعرها: عايزة تموتى، وتموتينى جنبك، حرام عليكي أسمعي الكلام
مصطفى بهدوء وحنو: آلاء بلاش عند، أنتِ لازم تروحي المستشفي لحسن يكون فيه نزيف داخلي.
استسلمت للوضع، فسحبتها أنهار من ذراعها السليم وتحركت، لكن انتبه مصطفى إنها لا تستطيع التحرك، فاسندها وتحركا و نزل الدرج..
فتح باب السيارة وساعدها على الجلوس في المقعد الخلفي بحذر حتى لا يلمس ذراعها المكسور، جلست أنهار بجانبها، صعد مصطفى، وأغلق الباب، ضغط قدمه على البنزين، فانطلقت السيارة.
أثناء ذلك رفع عينه نحو المرآة، وتساءل بصوت ممتلئ بالقلق والغضب: إيه إللي حصل؟! مين إللي عمل فيكي كده؟
كادت انهار أن تنطق، لكن آلاء أمسكت يدها بسرعة ونظرت إليه بنظرة مكسورة تفيض بالخزي والاضطراب: أنا إللي وقعت
رفع حاجبا باستنكار: وقعتي؟!
نظر للخلف لوهله من أعلى إلى أسفل يرى الكدمات، وآثار الضرب، والدم الجاف، والذراع المكسور، نظر للامام وتساءل بشدة: آلاء أنتِ شايفة شكلك؟ أتكلمي حصل إيه؟
ابتلعت ريقها وتهربت بعينيها، ترتجف: أنا… أنا…
قبل أن تتكلم انفجرت أنهار تبكي وتضرب صدرها: لا يا ابني هي موقعتش، محمود أخوها جابلها عريس
نظر في المرآه متعجبا: عريس؟! إيه علاقة العريس باللي حصل؟!
همست آلاء بخجل شديد وشعور بالكسرة: أسكتي يا ماما، بس.
صرخت أنهار باعتراض: بس ايه يا بت لازم نقوله، يا ابني الواد إللي مبيختشيش، ميعرفش يعني إيه رجولة ولا نخوة، كان عايز يجوزها لواحد قد جدها عرفي، ولما البت رفضت عمل فيها كده.
نزلت دموع آلاء بصمت وحاولت تخبئة وجهها، لا تريد لمصطفى أن يراها مكسورة بهذا الشكل وبهذا الضعف كأنها عارية.
وبعد قليل وصل إلي المستشفي
فتوقف أمام البوابه، وترجل أولا، ثم فتح الباب الخلفي وساعد والدتها على النزول، تلتها آلاء التي كانت تتألم بشدة من كثرة الكدمات التي غطت جسدها وذراعها المكسور.
أسندها مصطفى بحنان، وساروا ببطء نحو مدخل الطوارئ.
وما إن دخلوا حتى صرخ بصوت مبحوح يحمل قلقا: عايز كرسي بسرعة!
أسرعت إحدى الممرضات بكرسي، فجلست عليه آلاء، وبدأ مصطفى بدفعه، بينما كانت أنهار تسير بجوارهما ووجهها شاحب.
دخلوا غرفة الفحص، وساعدها على الجلوس فوق السرير.
توقف أمامها، نظر إليها باهتمام وقال بلطف: بصي يا آلاء إيدك مكسورة، هجيب الدكتور يكشف عليكي، ونعمل أشعة ونشوف نسبة الكسر، وبعدها نعمل الجبس، دلوقتي هديكي مسكن وهنضف الجروح شوية...
هزت راسها إيجابا بصمت وانكسار، فالتفت إلى أنهار: اقعدي يا حاجة وارتاحي شوية.
جرح مصطفى، بينما جلست أنهار تربت على قدمها بضعف، وصوتها مختنق: حقك عليا يا آلاء، سلامتك ألف سلامه، ياكش تنكسر أيده هو اللى مدها عليكي وعملت فيكي كده، حسبي الله ونعم الوكيل.
كانت آلاء صامتة، وجهها شاحبا، والكدمات والخدوش تغطيه بوضوح، لكن تلك الجراح الظاهرة، وذلك الكسر في ذراعها، لم يكونا شيئا أمام الألم الذي يعصر قلبها، فما أقسى أن يشعر الإنسان بإنكسار لا يراه أحد، قهر ينهش الروح قبل الجسد.
اليد التي كانت تراها أمانا وسندا هي نفسها اليد التي كسرت ظهرها اليوم.
شقيقها الأكبر، راجلها كما كانت تراه، بات يدفعها بيده إلى الهاوية بلا رحمة، عقلها يرفض استيعاب ذلك، قلبها لا يصدق إن من كانت تحتمي به يريد أن يسلمها لرجل آخر، يبيعها كأنها امرأة رخيصة، كأنها ليست شقيقته التي وجب عليه أن يحميها.
الصدمة والوجع والانكسار جعلوها كتمثال من جماد لا دموع لا صوت، فقط صمت ثقيل ونظرات مذهولة تحمل في أعماقها وجعا لا يوصف.
بعد قليل
عاد مصطفى مرتديا بالطو، يحمل مسكنا وإسعافات أولية وشاشا وبعض الأدوات، بدأ ينظف جروحها بعناية، ثم أعطاها حقنة مسكنة، وفي تلك اللحظة وصل طبيب العظام، فحصها وأجروا الأشعة، تبين وجود كسر وكدمات عديدة تستوجب الجبس، وبالفعل بدأوا في تجبير ذراعها.
وبعد انتهائهم، أخذها مصطفى إلى مكتبه.
مكتب مصطفى
جلست آلاء على الأريكة بملامح مرهقة، بينما كانت أنهار إلى جانبها منهكة هي الأخرى.
قال مصطفى قبل أن يخرج: خليكم هنا 5دقايق وراجعلكم.
هزت آلاء رأسها بصمت، اقتربت أنهار منها ونظرت إليها بقلق وهي تربت على ساقها: عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟
أجابت آلاء وهي تنظر للأمام، بصوت مبحوح لا يشبهها: كويسة.
أنهار بدموع: يا آلاء متعمليش فيا كده بالله عليكي.
حاولت أن تمنع دموعها، لا تريد أن تزيد أمها ألما فوق ألمها، اختارت القوة الوهمية: قولتلك كويسة يا ماما، متقلقيش.
في تلك اللحظة، دخل مصطفى بإبتسامة لطيفة وهو يحمل كيس طعام وعصائر: السلام عليكم، جبتلكم شوية ساندوتشات.
مد أحدهم لآلاء: يلا يا آلاء، كلي الساندوتش ده، أنتِ واخدة أدوية.
هزت رأسها بتعب: مش عايزه أكل، شكرا يا دكتور، أنا عايزة أمشي.
نظر لها بحدة حانية: مفيش حاجة اسمها مش عايزة، يلا كلي.
ثم ألتفت لوالدتها: اتفضلي يا حاجة.
نظرت له أنهار بحزن: ومين بس إللي له نفس ياكل يا ابني؟
حاول تهدئة الموقف: في إيه يا جماعة؟ كله هيعدي إن شاء الله، أنا هكلم محامي صاحبي، ونشوف هنعمل إيه.
أنهار بغضب مرتجف: نعمل إيه يا دكتور؟ أخوها جاي يقول هجوزها عرفي، هي دي فيها حل؟!
ما إن سمعت آلاء تلك الجملة حتى انهارت، وصاحت باكية بوجع وانكسار: كفاية بقي! حرام عليكي، أسكتي! مش كل شوية تقوليها.
اقترب منها مصطفى سريعا، جلس أمامها، حاول تهدئتها بصوت منخفض: يا آلاء اهدي، ومتكلميش مامتك كدة عيب، أنا لازم أفهم، وأنتِ كل ما والدتك تقول كلمة بتزعقيلها ليه؟
رفعت نظراتها المكسورة إليه، وانهارت دموعها دفعه واحدة، وكأنها فقدت السيطرة، وصوتها خرج مرتجفا يفضح الإنهيار الذي تحاول عبثا أن تخفيه، فخرجت الكلمات ممزقة بمرارة، تحمل وجعا أثقل من قدرتها على احتماله: المفروض أعمل إيه يا دكتور؟ أبقى مبسوطة يعني وأنا بسمع إن أخويا إللي كنت شايفاه ضهري بيبيعني! بياخد فلوس ويجوزني عرفي! أعمل إيه؟ كل مرة ماما تتكلم وتحكيلك وأسمع الكلام ده؟ أنت متعرفش الكلام ده بيكسر قلبي أزاى، قلبي مولع، مولع بجد، أنا نفسي أموت وأخلص من كل ده.
أحتضنتها أنهار وأخذت تبكي معاها بقلة حيلة: حقك عليا يا بنتي والله ما أقصد، أنا بحكيله علشان يساعدنا.
تنهد مصطفى بعمق، ومال نحوها قائلا بنبرة عميقة يحاول تهدئتها بحكمة: عارف إن الموضوع صعب، وفعلا مش منطقي تسمعي الكلام ده كل شوية، وأنا حاسس بوجعك، بس لو فضلنا كده مش هنوصل لحاجة، إحنا محتاجين نفكر، محتاجين حل...
زم شفتيه بأسف وأضاف بتأثر: فيه أوقات، للأسف مينفعش حتى ننهار فيها، لازم نكون أقوياء.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، باهتة، تحمل من الوجع والقهر أكثر مما تحتمل فتاة في عمرها، وقالت بصوت منخفض يختنق بين أنفاسها: لا من الناحيه دى متقلقش، أنا عارفة ده كويس، عارفاه يمكن أكتر من أي حاجة في حياتي, مفيش وقت إنك تعترض ولا إنك تقول آه ولا حتى تعيط، بس المره دى بالذات إن أخويا ي...
توقفت، وكأن الكلمات علقت في حلقها بمرارة، انخفضت دموعها بصمت، دموع تكسر النفس قبل العين، دموع ثقيلة تشبه اعترافا موجعا كانت عاجزة حتى عن نطقه، تريد أن تكمل لكن الجملة خرجت مبتورة، محملة بألم لا يوصف: بس إن أخويا أخويا يحط عينه في عيني ويطلب مني حاجة زي دي، ولما أرفض يضربني كده، مش قادرة والله مش قادرة..
هز رأسه بعينين تلمعان بتأثر صادق: أنا عارف، بس لازم أفهم وأعرف كل حاجة علشان أقدر أساعدكم، خليكي واثقة فيا، أنتِ زي أختي الصغيرة، ومستحيل أي كلمة أعرفها تطلع بره، ده وعد.
هزت رأسها بقلة حيلة وعجز، ومسحت دموعها براحة يديها، وقالت بصوت خافت: حاضر يا دكتور، هسيب ماما تحكيلك، وهسكت.
تنهد وقال بجدية: ماشي، بس الأول لازم تاكلي علشان المضادات الحيوي والأدويه اللي أخدتيها، وأنتِ يا حاجة كمان لازم تاكلي علشان تاخدى دواكي.
فتح الساندوتش ومده لآلاء بخفة، يحاول أن يخفف قليلا من سواد اللحظة: يلا بقى متخلينيش أتعصب، واشيلك شفتات الشهر كله.
أخذته بصمت، دون أن يهتز جفنها بإبتسامة، بينما أعطى الآخر لوالدتها.
تنهد، ونظر إليهم بعينين جادتين: قوليلي بقي يا حاجه إيه الموضوع بالظبط.
أخذت نفسا عميقا، محاولة جمع تفاصيل القصة، وقالت بأرتباك: إحنا مش عارفين كل حاجة، الواد جه وقال إنه عايز يجوزها للحاج شاهين صاحب الورشة إللي بيشتغل فيها، راجل عنده 60سنة، ومتجوز وعنده عيال، قال إنه واخد فلوس منه وعايز يسدد ديونه، ولما آلاء قالتله لا، نزل فيها ضرب بالشكل ده، وقالي كمان إنه هيجوزها عرفي؛ علشان مراته متعرفش.
تنهد بعمق، وقال بحزم هادئ: طب إنتم دلوقتي مش هينفع ترجعوا البيت، لحد ما أكلم محامي ونشوف حل، فهستضيفكم في شقتي لحد ما نكلمه ونشوف هيقول ايه.
نظرت له آلاء بإستغراب: نبات عندك أزاى يعني؟!
ابتسم قائلا بمزاح لطيف: زى الناس وبطلي أعتراضات شويه، هسميكي آلاء اعتراضات.
أنهارت بتردد: بس يا ابني
هز رأسه بأسف: مفيش حل تانى قدامنا، كده أمن ليكم، مؤقتا لحد ما نشوف المحامي هيقول ايه.
خفضن رؤسهم بعجز وقلة حيلة، تدرك كل منهما الحقيقة المرة، فهو محق، ليس لديهم مكان يهربوا إليه، ولا مفر من جنون محمود، ولا نجاة إلا بالاستسلام للظروف.
في أحد الكافيهات، 7:00مساء
جلس ياسين وهبة متقابلين على إحدى الطاولات، أمامهما أكواب العصير، والحديث بينهما يبدو جادا.
هبة بنبرة متماسكه: أنا فكرت في العرض بتاعك، وموافقة مؤقتا إني اقعد في الاستراحة، بس لو سمحت، عايزاك تاخدلي ضمانات كاملة من والدك ووالدتك، والدتك بالذات، إن مفيش أي حد هيضايقني.
مال للأمام وأجابها مطمئنا: أكيد يا هبة.
جلست منتصبة ورفعت عينيها نحوه: والبنت؟ هتفضل معايا علطول، ولما حد يحب ييشوفها هبعتها مع الدادة بتاعتها، ولازم أهلك يعرفوا إني هخرج براحتى، وهرجع براحتى، ولما اهلي يحبوا يزوروني يجوا في أي وقت.
اومأ برأسه مطمئنا: أكيد، مفيش مشكلة، ينوروا في أي وقت.
اتكأت على ظهر الكرسي وهي تعقد ذراعيها: بس افرض إني محبتش القعدة في الاستراحة؟ أنا مش هسيب الفيلا وحياتي علشان أقعد في استراحة عبارة عن أوضتين ومطبخ وريسبشن.
زم شفتيه قائلا: هو ده اللي عندي دلوقتي، مش هينفع تدخلي القصر
صمت للحظه ثم مد وجهه مقترحا:ممكن ابقي اكلم الباشا يبنيلك فيلا صغيرة في الجنينة الخلفية، المساحة هناك كويسة، بس لازم آخد رأي لوجين الأول.
ارجعت خصلاتها للخلف: تمام. عموما لسه هشوف هقدر أتحمل العيشة في الاستراحة دي ولا لأ...
عدلت جلستها قالت: وبمناسبة لوجين، أنا حجزت عند ثيرابيست ومعادنا كمان نص ساعه، علشان لازم نعرف البنت إنك خلاص هتتجوز.
اومأ برأسه: مفيش مشكله، أنا كمان عايز نالا تحضر الفرح.
اومات براسها بضجر مبطن: مفيش مشكلة، بس الثيرابيست هو اللي هيحدد
تبادلا النظرات بصمت مثقل بطبع هي لا تريد ذلك من قلبها لكن ابنتها جعلتها تتناول عن كبريائها
منزل مصطفى، شقة زواجه من ندى 8:00 مساء
فتح مصطفى الباب بالمفتاح، ودخل يفتح النور، قائلا بإبتسامة وترحيب: اتفضلوا نورتوا.
دخلت آلاء مع والدتها بخطوات بطيئة، مختلطة بالخجل، وهم يتحركون خلف مصطفى.
ابتسم وقال متأسفا: معلش الشقة ممكن تكون مكركبة شوية.
نظرت أنهار حولها بدهشة: ما شاء الله شقتك حلوة، أنت عايش لوحدك ولا إيه؟
اومأ برأسه موضحا: مش بالظبط، بصي الموضوع يطول شرحه اقعدوا يلا خلونا نكلم المحامي.
وبالفعل جلسوا جميعا، وامسك مصطفى هاتفه وقام بالاتصال بصديقه المحامي لكنه لم يرد: مبيردش؟!
انهار: الله اعلم بظروفه.
زم شفتيه قائلا: عموما انا هفضل وراه وهبعتله رساله انه يكلمني ضروري.
همم بنهوض وهو يقول: آلاء أسماء الادويه اللى مامتك بتاخدها ايه؟!
أجابته بخجل: ملوش لزوم يا دكتور، كتر خيرك لحد كده، أنا هبقي اشتريلها.
اجابها بحزم وحدة: بطلي عناد يا آلاء هتشتري ازاى بطلي بقي، اتفضلي اكتبيلي الادويه وتركيزاتهم بطلي تعملي فرق.
أخذت منه الورقه على استحياء، ودونت أسماء الادويه التي تحتاجها والدتها، فأخذ منها الورقه قائلا: خمس دقايق وجايلكم مش هتأخر.
غادر وأغلق الباب خلفه، فتنهدت آلاء بتعب: والله أنا مش عارفة إيه إللي بيحصل فينا ده، مش عارفة أوي وشي فين من دكتور مصطفى.
ابتسمت أنهار بطيبة وطمأنينة: بس والله راجل ابن حلال، إحنا من غيره كنا زماننا متبهدلين.
ثم نظرت حولها وتساءلت بفضول: هو ليه قاعد لوحده؟
آلاء بخجل: أنا معرفش عنه حاجة والله.
نظرت أنهار من حولها تفتش المكان بعينيها: شكلها الشقة إللي هيتجوز فيها، هو مش متجوز صح؟!
هزت آلاء رأسها: معرفش حاجة، إحنا مبنتكلمش في المواضيع الخاصه دي مع بعض، بس سمعت من الممرضات هناك إنه مطلق..
صمتت للحظة، ثم أضافت بخوف وقلق: تفتكري محمود دلوقتي بيعمل إيه؟
أنهار بتهكم ممزوج بنبرة لازعة: عمله أسود ومههبب، أكيد بيدور علينا.
أضافت بتعب: بقولك يا آلاء، ما تقومي توديني الحمام أنا مش قادرة.
توقفت بخفة وحذر، وساعدت والدتها لتوقف: تعالي.
على إتجاه آخر عند مصطفى
دخل الصيدلية لشراء الأدوية، ثم توجه الى السوبر ماركت واشتري بعض لوازم للثلاجة ،ثم دخل محل المشاوي وجلب بعض الطعام، وأثناء انتظاره، وقف على الرصيف غارقا في التفكير في آلاء ووالدتها، والخطر المحيط بهما، لم يشعر بالندم، بل بالعزم؛ والألم والغضب والاشمئزاز يختلطون داخله، فكيف لأخيها أن يفعل بها هذا؟!
أخذ عهدا على نفسه بحمايتها، لكنه لم يجد الطريقة بعد، تنفس بعمق محاولا ترتيب أفكاره، لكي يجد حلا مناسبا يحميها به من شرور أخيها.
قاطع شروده، قدوم العامل وتسليم طلبه، فأخذه ودفع الحساب، وتوجه عائدا إلي الشقه مره أخري.
في الشقه
كانت آلاء ووالدتها يجلسان في الريسبشن، متوترتين بعض الشيء.
دخل مصطفى، لكن قبل أن يقترب تحمحم بإحترام، فارتفع صوت أنهار: تعالى يا ابني اتفضل، هتستأذن في بيتك.
فاقترب وعندما دخل رمقهم باستغراب: مغيرتوش هدومكم ليه؟!
أنهار بهدوء: نغير هدومنا إزاي يعني؟
ابتسم وهو يضع الطعام والأدوية على الطاولة الصغيرة: اه معلش آسف، نسيت أقولكم، في الأوضة لو فتحتوا الدولاب هتلاقوا لبس لأختي ولماما.
رفعت آلاء حاجبها وعلقت: بس مينفعش نفتح أوض النوم ونفتش يعني عيب.
ابتسم مصطفى بخفة: طب تعالوا معايا.
نهضوا تحركوا معه نحو إحدى الغرف، وفتح لهم الدولاب أخرج لهم جلبيتين بيت، وأشار لهم: ألبسوا دول، واقعدوا براحتكم، اعتبروا البيت بيتكم.
أضاف بتوضيح: أنا جبت لكم الأدوية، وأكيد يا آلاء عارفة تاخديهم إزاي.
هزت راسها بإيجاب، فتابع: وجبتلكم كمان شوية أكل، وأنا همشي دلوقتي، وهفضل ورا المحامي لحد ما يرد عليا، وهبقي اعدى عليكم بكره.
نظر لهما بنبرة حازمة وحانية: ارتاحوا النهارده، ومتفكروش في أي حاجة، لإن طول ما أنتم خايفين، وتحت تأثير التوتر، مش هتفكرو صح.
نظر لألاء بعطف: حاولي تنامي، أنتِ تعبانة علشان خاطر مامتك حتي، شكلها تعبان خالص.
نظرت له بخجل وامتنان، وعينها تلمع بالدموع: أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا دكتور على كل إللي أنت عملته معايا ده...
ابتسم ونظر لها بحنو: مش عايزك تشكريني، أنا عايزك تسمعي الكلام.
اومأت برأسها: حاضر.
ابتسم ابتسامة دافئة: برافو، وزي ماقولتلكم، اعتبروا نفسكم في بيتكم، أنا همشي دلوقتي، لو احتجتوا أي حاجة، كلموني.
أخرج هاتف من جيبه ومده للآلاء: ده تليفوني الثاني، رقمي متسجل هنا ولو مرديتش أو حصل أي حاجة، كلمي إيهاب، أو دكتور محمد عبد الرحمن ، أكيد عارفاه.
ابتسمت أنهار وامسكت بيده: بعد الشر عليك يا ابني ربنا يديك الصحة وترجعلنا بالسلامة إن شاء الله.
هز رأسه: إن شاء الله، بس لازم برضو أحطكم بالصورة.
آلاء بعيون يملئها أمل وامتنان: أنا هستناك يادكتور، إن شاء الله مش هيحصل حاجة.
مصطفى بإبتسامة خفيفة وهو يخرج: عن إذنكم.
تحرك مصطفى نحو خارج الغرفة، وتحركت خلفه أنهار وآلاء، وعيناهما لا تفارقان ظهره، تحملان نظرات امتنان وشكر عميق لم يعرفا ماذا يقولان أمام هذا الكرم الكبير الذي لم تعتادهن عليه من قبل.
لم يكن هناك من يقف معهم بهذا القدر من الأهتمام، خصوصا وسط مشاكلهم، ومع شخص مثل محمود، ذلك المجرم الذي يجلب المصائب، لكن مصطفى لم يخف، ولم يتهرب، بل وقف إلى جانبهما، محافظا على أمانهما، لم يحتاجا للكلام، فعيونهما كانت تقول كل شيء حتى وصلا إلى باب الشقة.
أغلق مصطفى الباب خلفه.
وصمت المكان لبرهة، ابتسمت آلاء وعينها تتلألأ بالإعجاب، تحدق في أنهار: أنا شوفت كتير، وقليل، بس مشوفتش حد زي دكتور مصطفى ده.
ابتسمت أنهار بخفة: ربنا يكرمه مفيش زيه، شكله متربي تسلم تربيته.
مدت يديها، وأضافت بتعب: بقولك إيه يا بنتى، تعالي إديني الدوا، وأنتِ كمان خدي دواكي، وتعالي ندخل نستريح شوية
هزت راسها: تعالي يا ماما.
وبالفعل تحركا معا نحو الغرفة
تمددت أنهار على الفراش وأعطتها آلاء الدواء، وقالت بابتسامه حانيه: نامي وأرتاحي، أنتِ تعبتي أوى النهارده
أنهار بتعب: وأنتِ كمان تعالي أرتاحي حبة؟!
آلاء بهدوء: حاضر شوية بس.
هزت أنهار راسها وأغمضت عينيها بتعب مستسلمة للنوم بعد تعب يوم طويل.
بينما خرجت آلاء إلى الصاله، تتلفت حولها بشرود، كأنها ترى العالم لأول مرة بعد انكساره، نظرت إلى ذراعها المكسور، وملامحها التي لم تعد تعرفها، فقد تحولت حياتها في لحظة، إلى دمار كامل.
لحظة كانت كفيلة بأن تقضي عليها، لولا أن مصطفى لحق بها، ومع ذلك، مازالت حياتها حتى الآن معلقة على حافة الخطر.
شعرت بوجع في منتصف قلبها وكأن هناك شوكه مغروسة تؤلمها بشده؛ فما اصعب، أن يكون شقيقها الذي من المفترض أن يكون درعها وحصنها أول من يقوم ببيعها بالرخيص، بينما الغريب ينقذها ويحميها، يحاول أن يمنحها أمانا افتقدته.
جلست على الأريكة، وضمت نفسها كأنها تحاول أن تحتمي من العالم بذراعيها المرتجفتين، كان تعب الجسد، ووجع جسدها، لا يساوي شيئا أمام ألم قلبها.
انهمرت دموعها بصمت، وصرخات مكتومة خرجت من أعماقها ولم يسمعها أحد، وكأنها تساءل: إلى متى سأظل هكذا؟ وماذا ينتظرني بعد؟
لكن لم تأتها إجابة.
اشتد عليها الإرهاق، يبدو أن الأدوية التي تتناولتها بدأت تسحبها نحو النوم، لم تعد قادرة على المقاومة، نهضت بصعوبة، واتجهت نحو والدتها، وارتمت بجوارها، تبحث عن ذرة راحة عن إحساس أمان، حتى لو كان أمانا زائفا، مؤقتا، يكذب عليها قليلا لينقذها من نفسها.
فيلا سليم وماسة، 10:00مساء
غرفة النوم.
جلست ماسة على الفراش بجانب سليم، تقوم بعمل علاج طبيعي لقدميه، كان سليم مستجيب بشدة، مع الحركات وبعد الانتهاء اعتدل في جلسته.
اقتربت منه بإبتسامة وهي تمسح وجهه بالمنشفة: برافو، بقيت شطور خالص في العلاج الطبيعي، أيوه كده كمل بقى علشان تخف بسرعة.
بمزاح لطيف: مش عارف ليه بتتعاملي معايا كأني ابنك؟
اقتربت وهي تلمس خده: ما أنت ابني المشاغب فعلا...
وضعت قبلة على أنفه وتبسمت: علشان كده هعملك بكره كراميل يا أحلى كراميل؟
أمسك يدها بنبرة جدية قليلا: بمناسبة بكره صحيح، عندك ايه في يومك؟
رفعت كتفيها: ولا حاجه، مأنتخه ف البيت.
قرصه وجنتها: طب ايه رأيك يا مأنتخه، تيجى معايا المجموعه بكره؟!
اومأت برأسها: ماشي.
ضيق عينيه متسائلا: هو أنتِ ليه مفكرتيش قبل كده يكون ليكي مشروع خاص بيكي؟ زي سلوى، اشتغلت دلوقتي في ورشة وبتصمم وممكن تفتح مشروع خاص ليها باسم الماركة بتاعتها.
تبسمت ببساطة وهي ترفع كتفيها مفسرة: أنا معنديش موهبة زيها، الحاجة الوحيدة إللي بعرف اعملها حلو الأكل، سلوى من وهي صغيرة شطورة في الحاجات دي، وكنت بساعدها، أي حاجة كانت تبوظ كانت تصلحها وتخليها أجمل، وبتعمل اكسسوارات من الحاجات كانت بتبوظ من لورين ولارا وتعمل منها حاجات جميلة كأنها جديدة وتبيعها.
ابتسم بتشجيع: مش لازم يكون عندك موهبة، ممكن يكون حاجه بتحبيها ومهتمه بيها، فكري وشوفي حاجة واشتغلي فيها وأنا معاكي.
صمت للحظة كأنه يفكر ثم قال: أنتِ بتحبي البرفانات والميك أب والعناية بالشعر والجسم، ممكن تعمليلك شركة لمستحضرات التجميل؟! أو أنتِ وسلوى، تتشاركوا، هي بالتصميم، وأنتِ بالإدارة والتمويل..
تبسم وهو يمسك يدها: حابب يكونلك شغل وكارير وحياة..
تبسمت بإبتسامة حماسية: بصراحة الأفكار دي كلها حلوة! عمري مافكرت فيها، بس ماشي هفكر، حمستني.
سليم بابتسامه دافئة: فكري وأنا معاكي لحدما تبقي أحلى وأكبر سيدة أعمال مش في الشرق الأوسط في العالم كمان.
ابتسمت ابتسامة واسعة ثم مدت يديها وعانقته بشدة: أنا بموت فيك.
بادلها العناق: وأنا بعشقك.
عيادة مصطفى، 11:00مساء
دخل العيادة وأغلق الباب خلفه بإحكام، مد يده وأشعل الأنوار، فارتد الضوء على المكان الخالي ببرود معتاد.
اتجه إلى غرفته، جلس على الكنبة، وأسند ظهره وهو يحدق في الفراغ، عقله كان يعج بكل ما حدث خلال اليوم؛ حديثه مع ماسة، كلماتها، رد فعلها، ما جرى مع آلاء، واليوم الذي بدا وكأنه لا يريد أن ينتهي.
كان يوما ممتلئا بالأحداث، لكن وسط كل هذا الصخب، كانت آلاء هي الهاجس الأكبر، لا يعرف ماذا يفعل، ولا من أين يبدأ.
أمسك هاتفه واتصل بالمحامي مجددا… لا رد.
زفر بضيق، ونفخة اختناق خرجت من صدره، ثم كتب رسالة وأرسلها: «يا ابني أنا بكلمك من الصبح ومش بترد، كلمني ضروري.»
أغلق الهاتف ووضعه على الطاولة، ثم نهض من مكانه بتعب واضح.
سحب الاريكه لتتحول إلى فراش، فتح الدرج السفلي وأخرج وسادة وغطاء، اعتاد استخدامهما حين يبيت في العيادة.
تحرك بعدها إلى الدولاب، فتح الدرج الأخير، أخرج بيجامته، وبدأ يبدل ملابسه ببطء، واستلقى أخيرا على الفراش، حدق في السقف، وترك أفكاره تتشابك بلا ترتيب، الهدوء من حوله كان ثقيلا ولكن ثقل القلق على صدره كان أثقل.
منزل آلاء، 9:00صباحا.
دخل محمود الشقة وهو يصفق الباب بعنف، وصوته يعلو بغضب وحشرجة: ماما.
لم يجبه أحد.
وحينما وقعت عيناه على باب غرفة آلاء مفتوح، ركض عليها وجدها فارغه!!
فعلى صوته مناديا: آلاء، ماما !! مين اللى فتح الباب أنا مش قولت ميتفتحلهاش الباب.
وظل يتجول في الشقة كالمسوس، يدور حول نفسه، يفتح الأبواب، يخبط الدولاب، يقلب كل شيء بلا وعي، كمن يبحث عن روحه وحين لم يجد أحدا، جن جنونه.
أمسك هاتفه بسرعة وأتصل بآلاء، فوجد الهاتف يهتز في جيبه
مد يده في جيبه وجد موبايلها! فقد نسي إنه اخذوا منها، وقف يفكر لثواني والدم يغلي في راسه، ثم صاح غاضبا: هيكون راحوا فين؟!
أتصل على أمه، وجد هاتفها مغلق!
وقف في منتصف الصالة، أنفاسه تتلاحق بسرعة، صدره يعلو ويهبط كوحش محاصر، ضرب الحائط بقبضته بقوة، فاهتزت الصورة المعلقة عليه.
صرخ ببحة غاضبة: هما فين؟!
اندفع نحو الباب دون تفكير، فتحه بعنف، وهبط الدرج راكضا وهو يكاد يتدحرج من شدة التوتر.
خرج إلى الشارع، يتلفت بجنون، ثم ركض نحو ثلاث سيدات يجلسن أمام بيت.
وقف أمامهن وهو يلهث: حد شاف أمي؟! أو آلاء؟!
هزت الثلاثة رؤوسهن بالنفي، فازداد غضبه اشتعالا.
أتجه بسرعة نحو رجل يقف بعربة خضار كارو: بقولك يا حاج، شوفت أمي؟!
رفع الرجل حاجبيه بإستغراب: لا والله يا محمود، مشفتهاش.
قبل أن يكمل جملته، كان محمود قد تحرك، يبحث عن أي خيط.
نادى أحد الشباب الواقف أمام السايبر: يا عصفورة! شوفت أمي أو البت أختي؟
مسك عصفورة سيجارته وقال بلا مبالاة: أه شوفتها، أمبارح على المغرب كدة ركبت عربية مع واحد، هي والحاجة، وشكلها كانت عيانة.
تقدم نحوه مسرعا، وتساءل بصوت جاف وحاد: طب وريني العربية في الكاميرات مش المحل بتاعك فيه كاميرات؟
رفع عصفورة كتفيه ثم أشار له: تعالى...
دخل السايبر بسرعة، وعصفورة جلس أمام شاشة الكمبيوتر راجع التسجيلات، حتى ظهرت سيارة مصطفى واضحة في الصورة.
أشار عصفورة بيديه: أهم.
تجمدت ملامح محمود، واتسعت عيناه، ثم قال بغل داخلي يتحشرج في صدره: الواد ده أنا عارفه.
رفع يده إلى رأسه، يضغط على جبينه بأصابعه، يحاول استدعاء ذاكرة غاضبة، ثم فجأة اتسعت عيناه بصدمة:
أيوه ده الواد إللي ضربني قبل كده! قالت اسمه قدامي بس مش فاكر!
جز على اسنانه حتي كاد أن يفتك بها، ثم تنفس قائلا:
استنى كدة يا عصفور، هاخدله صورة.
أخرج هاتفه، وصور لقطة واضحة لوجه مصطفى من شاشة الكاميرات، ثبت الصورة لحظة، وبدأ الشر يتجمع في عينه.
ثم أمسك كتف عصفورة: شكرا يا صاحبي.
ثم اندفع خارجا كالعاصفة، يتحرك في الشارع بخطوات سريعة، وقف أسفل أحد البيوت.
رفع رأسه وصاح بأعلى صوته: يا شوكة! يا شوووكة! ثم صفر.
ظهر شوكه من شرفة إحدى الشقق: عايز إيه يا محمود؟
رفع محمود رأسه: ابعتلي مفتاح المكنة، عندي مشوار مهم.
هز شوكة رأسه: ماشي بس رجعها بسرعة، عندي وردية بالليل.
ألقى المفتاح ألتقطه محمود بقبضة محكمة.
ثم ركض نحو الموتوسيكل، وبدون أن يلتفت أو يفكر أنطلق بأقصى سرعة نحو المستشفى،كالسهم، يركض بلا اتزان، وكأنه ذاهب ليشعل الحرب
مجموعة الراوي، 9:00 صباحا
دخلا ماسة وسليم من باب المجموعة، ممسكين بأيدي بعضهما، وكان الحماس واضحا على وجه ماسة.
ابتسمت ماسه بعينين لامعتين: أنا مبسوطة أوي بجد!
نظر لها بإبتسامة حانية: المهم تكوني مستعدة، عندك شغل كتير النهاردة.
ضحكت، وامسكت يده بحماسها: مستعدة، مذاكرة ومركزة.
رفع حاجبه بمشاكسه: هنشوف، تحبي تسلمي عليهم قبل ما نبدأ؟
لوحت بيدها بخفة: فكك منهم!
ابتسم ودخلوا المصعد، وخرجوا معا، لكن أثناء خروجهم، لمحهما رشدي من بعيد وهو يخرج من مكتبه، تراجع خطوة للخلف بتوتر شديد، وشعر بالخوف.
فماسة أصبحت تقترب أكثر من أي وقت مضى والتهديد بدأ يقترب معها.
دخل رشدي مكتبه وأغلق الباب خلفه بعنف، مسح وجهه وكأنه يحاول طرد الرعب الذي اجتاحه، لم يكن يعرف ماذا يفعل، كل شيء بدا وكأنه ينهار من حوله، فقط ثلاث أيام، ثلاث أيام ويتزوج مي وينتهي كل شيء، شعوره بالعجز والخوف كان يضغط على صدره، وكأن الهواء نفسه صار ثقيلا.
حاول أن يسكن نفسه، لكن الأفكار ظلت تنهش عقله بلا رحمة: ماذا لو قالت كلمة خاطئة؟ ماذا لو كشف أمره؟
كل حركة وكل فكرة تزداد قتامة، والاضطراب يسيطر على كل تفكيره، وكأن الرعب يلتهمه من الداخل.
مكتب سليم
دخلت ماسة المكتب ومعها سليم، ونظرت حولها بدهشة: يا بقالى كتير مدخلتش مكتبك، من وأنا حامل في حور تقريبا.
مر طيف حزين على عينه، قبل أن يهز رأسه: فعلا، تعالي يلا نقعد علشان نبدا شغل.
تساءلت بدلال: بالسرعة دي!
هز رأسه بجدية: أيوة بطلي دلع، أقعدي على المكتب يلا
جلست على مقعد مكتبه بينما جلس هو على المقعد الامامي للمكتب وبدأ يتحدث بجدية: إحنا فاتحين مصانع لإنتاج الأجهزة الكهربائية المختلفة، ودايما بيشهدلنا كل إللي استخدموا المنتجات، إن الموتورات والخامات ممتازة بس في آخر سنتين تقريبا، بدأت نسب المبيعات تقل، مقابل التكلفة إللي إحنا بنصرفها لإنتاج كل جهاز، سواء ثلاجة، غسالة، تكييف... إلخ. بعض المدراء فكروا يقللوا متانة المنتج وكفاءته، بدل مايقدموا ضمان 10 أو 15سنة، يقدموا أقل وكل سنتين الزبون بيضطر يغير جهازه وقتها نكسب.
ماسة بحدة وحزم: وأنا لما أغير ثلاجتي بعد سنتين أو ثلاثة؟ أيه إللي يخليني أروح أشتري من نفس الشركة إلا لو أنا غبية، بالعكس هروح أدور على شركة تانية تخليني أشتري التلاجة كل 10سنين أو أكتر، ده فيه ناس طول عمرها مبتغيرش ثلاجتها!
ابتسم، وهز رأسه: بالظبط، دى رأي برضو، لو عملنا كده هنقلل من سمعتنا، بس هما شايفين إن مبيعاتنا قليلة لأن الأجهزة مكملة مع الناس يمكن من ٣٠ سنة، ولوفضلنا زي ما إحنا هنخسر فلوس، لإن محدش هيشتري، أصل هتشتري ليه وأنتِ جهازك شغال.
ضحكت بخفة: عندك حق، إيه هيخلينى أغير والجهاز شغال تمام؟!
ابتسم بتشجيع: فكريلنا في حل، يخلينا نزود المبيعات، وفي نفس الوقت منغامرش بسمعتنا.
ضحكت ماسة: هههههه ماشي! هفكر، بس أطلبلي مانجا، علشان أعرف أفكر بمزاج.
سليم ضاحكا: حاضر
مكتب عزت
جلس عزت على كرسيه، وفايزة إلى جواره، وصافيناز تجلس متحفزة، بينما وقف عماد أمامهم
عزت بضيق: إيه يا عماد؟ لحد دلوقتي ماشفتش ولا تنفيذ من فكرتك.
عماد، واثقا بنفسه: يا باشا فكرة زي دي لما تتعمل، تتعمل صح، ماسة لحد دلوقتي مخرجتش من غير سليم غير مرة، والمرة دي اتصورت واتبعتتله، السرعة مش مطلوبة، الدقة أهم.
هزت فايزة قدمها بعصبية: بالعكس! إحنا مش ضامنين هي ممكن تعمل إيه، ده جابها المجموعة النهاردة، ولاقيتهم عاديين جدا! مش حاساه إن فيه أي مشاكل بينهم!
صافيناز بنبرة واقعية: أنا من رأيي نهدى، ونكمل في خطة عماد يومين كمان وخلاص.
شبك عماد أصابعه: أنا بس مستني أشوف هتقابله تاني ولا لأ، ولو مقابلتوش عندي فكرة تانية، بس وقتها هقولها.
عزت، بشك: هو أنت ليه معملتهاش يومها؟
عماد بهدوء خطير: علشان كان لازم نجس نبض سليم الأول وبعدين ننزل بالتقيل، لو محصلش جديد خلال اليومين دول، هنفذ الفكرة إللي في دماغي.
تبادلا النظرات بصمت مثقل.
مكتب ياسين
جلست لوجين على مقعد المكتب عينيها مركزة على الأوراق والملفات، أصابعها تتحرك بسرعة على لوحة المفاتيح.
وفجأة، انفتح الباب ودخل رشدي مبتسما، بعينين تتلألأن بالمشاكسة: ايه دى القطه الشيزاي هنا؟ إيه إللي جابك؟ مش المفروض دلوقتي تبقي مشغولة في حاجات تانية؟
رفعت عينيها بتزمر: أعمل إيه لأخوك؟ طلب مني أساعده علشان نقفل الشغل إللى وراه، علشان نقدر نفضل في الهاني مون الشهر كله، فاضطريت أجي بس النهاردة.
وقف بجانب المكتب، واتكأ على الحافة مبتسما بمكر: طب بقولك إيه، عايز منك خدمة في السريع كده، بس بيننا وبين بعض.
رفعت حاجبها بنبرة شبه مستاءة: أنا حاسة إن كلكم بتستغلوني النهاردة وعايزين تخلصوا شغلكم على قفايا ليه، على فكرة، أنا عروسة زي زيكم.
اقترب أكثر، بنبرة جادة لكنه لا يزال يحمل دعابة خفيفة: يا ستي، الموضوع ملوش علاقة بالشغل، أنا عايزك تشغليلي سليم خمساية.
ضحكت بخفوت متعجبة: أشغلك سليم خمساية ليه؟
نظر حوله وكأنه يشاركها سرا: أصل عايز أخش أتفق مع ماسة على المفاجأة إللي عايزين نعملهاله في عيد ميلاده، ومش عارف أخرجه، الواد قاعد جوة، نازل رغي معاها ولازق بغرة.
ضحكت بخفة: وده نخرجه أزاى دى؟
ابتسم بخفة: أنا عارف بقى يا لوجين، أنت شاطرة وهتعرفي تحليها؟ أنا مش عايز أكثر من عشر دقايق، بصي أول ما تشوفيني معدي قصاد الباب أنهي الحوار
تنهد بحيرة: هتكلم معاه في ايه كل دى، أصل أنا علاقتي بمستر سليم مش أوي و...
قاطعها بسرعة، وابتسم بخبث: هو إيه إللي مش قوي؟ إنتِ مرات أخوه، اتكلمي في أي حاجة مش هتغلبي؟ بقولك عيد ميلاده وعايزين نعمله مفاجأة، فين الحماس؟!
ابتسمت بخفة، ونهضت وهي تغلق الملف: خلاص سبها عليا، أنت عايز تخرجه إمتى؟!
لوح بيده: يا ريت دلوقتي.
اومأت براسها: طيب حاضر، استنى
مكتب سليم
كانت ماسة تجلس تراجع بعض الأوراق، وسليم مقابلها يشرح بإبتسامة، حتى تعالي طرق الباب ودخلت لوجين.
لوجين بصوت جاد: صباح الخير مستر سليم، أنا عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم جدا.
نظر لها بإستغراب: تتكلمي معايا أنا؟!
هزت رأسها: آه بعد إذنك؟ موضوع مهم خالص وشخصي؟
اومأ بتعجب: حاضر...
نظر لماسة بلطف: ثانية واحدة، هشوفها عايزة أيه وأرجعلك نكمل، ركزي في النقاط إللي قولتلك عليها.
هزت رأسها موافقة، فتوقفت لوجين للحظة وقالت بابتسامه: أنتِ ماسة مراته صح؟
هزت راسها بتهذب: أيوة أنا.
تقدمت لوجين تصافحها بابتسامه ودوده: أنا لوجين، خطيبة ياسين.
ابتسمت ماسة نهضت تصافحها بإحترام، ثم ضمتها بإبتسامة رقيقة: ألف مبروك.
لوجين بإبتسامة واسعة: الله يبارك فيكي، لازم نتكلم كتير ونتعرف على بعض أكتر، بس الدنيا الفترة دي زحمة.
ماسة ببراءة: إن شاء الله، أنا حقيقي نفسي أتعرف عليكي وعلى مي جدا.
لوجين بأسف: والله العظيم نفسي، بس الدنيا زحمة بشكل فظيع.
ماسة بحماس:طب ما تيجي تتغدي معايا يوم؟ عندنا قاعدة على النيل تحفة.
تنهدت بأسف وتمنى: يا ريت، بس أديكي شايفة الوقت بيجري طيران ولسه ناقصنا حاجات كتير قبل الفرح.
حاولت ماسة إقناعها: يا ستي، ساعة بس، وبعدين الفرح لسة فاضل عليه 3 أيام، نخليها بكرة إيه رأيك؟!
لوجين نظرت للأمام بتفكير: طب هشوف مي، ولو كدة هكلمك، هاتي رقمك.
تحركت ماسـة وجلبت الهاتف، وأعطته للوجين، كتبت لوجين رقمها، ورنت على نفسها، وقالت: خلاص، هنتكلم بقى، مبسوطه إني اتعرفت عليكي.
اومأت ماسـة براسها: أنا أكتر بس أكدي عليا النهاردة، هتيجوا إمتى علشان أعملكم أكل تحفة؟
لوجين بابتسامه: حاضر.
ثم التفت إلي سليم: يلا يا مستر سليم!؟
اومأ برأسه، والتفت نحو ماسة يغمز لها قبل أن يتحرك مع لوجين للخارج، أما ماسة جلست مرة أخرى لتكمل عملها بتركيز.
في الخارج، وأثناء تحرك سليم ولوجين في ممر كان رشدي مختبئ، وفور أن رأهما ركض نحو مكتب سليم.
مكتب ياسين
جلست لوجين وسليم مقابل بعضهما على المقاعد الأمامية للمكتب لكن تركت لوجين الباب مفتوح حتى ترى رشدي.
سليم بإبتسامة: خير يا لوجين في إيه؟
رفعت يدها لا تعرف من أين تبدأ، ثم قالت بتلعثم: يرضيك إللي ياسين بيعمله معايا ده!
سليم باستغراب: عملك ايه ياسين؟!
تنهدت، تحاول أن تبدو جدية: جايبني المجموعة، وأنا عروسة.
سليم بلطف: طب كان ممكن ترفضي.
رفعت كتفيها ببراءة: هو قالي محتاج مساعدة منك، علشان الأسيست الجديدة مش شاطرة، وبعدين مش هو ده بس الموضوع...
توقفت لحظة، تفكر بسرعة، ثم قالت بنبرة حزينة متصنعة: دى كمان مش عايز يعملي أوضة نوم ليلا !!
رفع حاجبه بتعجب: مش عايز يعملها إيه؟!
لوجين بتمثيل وحزن: مش عايز يعملها باللون إللي أنا بحبه " ليلا" ومصمم يعملها أوف وايت أو فانيلا، وأنا بقول الألوان دي ماسخة وتقليدية!
وضع يده على فمه وحاولا كتم ضحكته، وقال بجدية: هو أنتِ جايباني هنا علشان تقولي إن ياسين مش عايز يخليلك الأوضة ليلا ؟
تنهدت بغضب: وأنت شايف إن الموضوع ده عادي؟ ده موضوع كبير جدا ! ومأثر في نفسيتى خالص، أنت أخوه الكبير أقنعه !
ضحك سليم أخيرًا، وهو يحاول السيطرة على نفسه:
حاضر هقنعه يعملهالك ليلا.
هم أن بتوقف، لكن لوجين نهضت مسرعة بلهفة، تمسك يده لتجلسه: أقعد أنا لسه بتكلم معاك! السرير.
رد وهو يجلس بمزاح: ماله ده كمان مش عايز يعملهولك بمبة مسخسخ!
قلبت وجهها بعيدا، ووجهها مليء بالغضب بتمثيل: أنت كمان بتتريق على مشاعري وعلى ديكوراتي؟! مش دي أوضة نومي؟! المفروض أعمل إللي أنا عايزاه، كنت فاكرة إنك الكبير العاقل زي ما بيقولوا ! عملت زي أخوك محدش كدة واقف جنبي أروح اشتكي لمين بس؟!
حاول كتم ضحكته بصعوبة، وقال بمهاودة: مقصدتش، بهزر معاكي، هكلمه حاضر، قوليلي بقى ماله السرير مزعلك في ايه؟!
أضافت بجدية مصطنعه: أنا عايزة السرير كلاسيك، وهو عايزه مودرن، وده موضوع كبير يا سليم!
سليم بابتسامه: آه طبعا بصي، هكلمه، يعملك كل الألوان وكل حاجة أنتِ عايزاه، هو ملوش دعوة، هو يدفع بس.
اومأت موافقه، وتتنهد تحاول جمع أفكارها أو إيجاد أي حوار يجعله يجلس: فيه حاجات كتير، عايزين نتكلم فيها، مثلا نخرج كلنا مع بعض، أنا وأنت وماسة ومي ورشدي، علشان نتعرف على بعض، أنا متعرفتش لحد دلوقتي على ماسة.
صمتت للحظة وتساءلت وهي تضيق عينيها: سليم هو إنت برج إيه؟
سليم: الأسد.
لم تركز أن عيد ميلاد أصحاب برج الأسد بعد حوالى شهرين من الآن، فكل تركيزها الآن منصب على تعطيل سليم حتى ينتهي رشدي، فمدت وجهها: آه، شخصيتكم بتبقى قوية جدا، ومسيطرة وحنينة.
سليم بإبتسامة: لوجين أكيد مش هنقعد نتكلم مع بعض في الأبراج ونسيب الشغل اللى ورانا ولا إيه؟!
نظرت له بصمت، لا تعرف ماذا تفعل؟! كل ما تريده الآن أن يخرج رشدي.
فهي لا تجد أي موضوع كي يجلس سليم معها أكثر، لكنها حاولت مرة أخيرة: عندك حق، أنا مش عارفة مالي حاسة إني متوترة ومش مظبوطة، اتجننت الصبح كمان وشديت مع ياسين بتكلم في حاجات ملهاش علاقة ببعض، أكيد أنت دلوقتي بتقول عليا مجنونة!
سليم بإبتسامة لطيفه: لا طبيعى كل البنات بيمروا بده خصوصا لو جوازهم جه بسرعة، بس أنتِ هتتجوزي إللي بتحبيه.
لوجين بإرتباك: أيوة أنا بحبه، ممكن تقولي الحاجات إللي ياسين بيحبها؟!
رفع حاجبه متعجبا: دلوقتي
لوجين برجاء وكأنها وجدت الموضوع: أيوه بلييز، أنت مش عارف دي هيفرق في حياتنا أزاى.
تنهد وبدأ يتحدث معها عن ياسين، ولوجين تستمع له بغير تركيز وتتمنى أن يمر الوقت بسرعة قبل أن ينتهي سليم من حديثه، لأنها لا تعرف كيف تواصل الموقف.
على إتجاه آخر، في مكتب سليم
كانت ماسة جالسة تقرأ الأوراق بحرص وتركيز، تبحث عن مخرج لمشكلة، كان الصمت يكسو المكان، حتي انفتح الباب فجأة.
رفعت عينيها بإبتسامة ظنت أنه سليم، لكنها تجمدت في مكانها حين رأَت رشدي يدخل، مر برد مفاجئ عبر عروقها؛ ولكنها تمالكت نفسها كي لا يفضحها ارتباكها.
دخل رشدي بخطى واثقة، بإبتسامة ترتسم على وجهه، وكأنه داخل لعبة يعرف أنه الفائز بها لا محال: ست الحسن! وحشتيني خالص، كل دى غيبه، عاش من شافك.
جلس على المقعد الأمامي للمكتب، وقال مازحا: والله ليكي وحشة، زي القمر وكل مابتكبري بتحلوي.
رفعت بصرها إليه بنظرة حادة: عايز إيه يا رشدي؟
تغيرت نبرة صوته فجأة، صار أضيق وأكثر حسابا: كل خير يا حبيبة قلبي...
صمت للحظة كأنه يقيس كلماته قبل أن يلقيها، ونهض من مكانه وتقدم نحوها، تتابع خطواته بعينها وحتى وصل إليها حاصرها بذراعيه من الجانبين، قائلا بوجه لا يخلو من التهديد: بصي يا ست الحسن إحنا هنتفق إتفاق صغير أوي.
رفع كفه وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة بتهديد حاد:
لو بوقك ده اتفتح، وبدا يتكلم ويلوك، أنتِ هتدفعي التمن، وهتزعلي أوي، بس لو بقيتي شطورة وبوقك اتقفل.
أغلق راحة كفه ونظر داخل عينها التي كانت تنظر له بإرتباك وخوف: مفيش حاجة هتحصل، وهنبقى حبايب أنا وإنتِ.
انتصب جسده وأضاف: وبيتهيألي أنتِ ذكيه، وهتختاري الاختيار التانى لأنك مجربة قبل كده زعلى وحش أزاى.
اهتزت للحظه من الخوف، وابتلعت غصتها، لكن سرعان ما تحركت عينيها وتحولت لسواد شرس، توقفت أمامه بعدم خوف وكأنها تواجهه: طب قولي يا رشدي هو أنا إيه إللي ممكن يمنعني إني أصرخ دلوقتي وأنادي لسليم ويجي يدفنك مكانك، قولي سبب واحد بس؟!
ضحك وهو يتحرك في المكتب: سبب واحد بس! بسيطه..
ألتفت لها وأزاح جاكيت بدلته قليلا يطلعها على مسدسه، وحين رأته تجمد الدم في عروقها واهتزت قليلا، وابتلعت ريقها بخوف.
أضاف رشدي على نفس ذات الوتيرة الهادئة لكنها حازمة مستخفة مليئة بتهديد: أصرخي، وخلي الأمير يجي، واوعدك أول ما الباب يتفتح رصاص مسدسي مش هعزه عليه.
اتسعت عيناها بصدمة: هتقتل أخوك؟!
ضحك بسخرية: أمال هستنى لما أخويا يقتلني؟!
ماهي يا قاتل يا مقتول، وأكيد هكون أنا القاتل مش المقتول، وطبيعي لما سليم يموت أنتِ خسرتي كل حاجة.
بدأت أنفاسها تتعالى بغضب، وصاحت من بين أسنانها: عايز مني إيه يا رشدي؟!
أقترب منها بهدوء، ومال برأسه ليكون في مستوى نظرها، وقال بنبرة بسبطه مهيمنة: كل خير يا ست الحسن، أنا عايزك تحطي لسانك جوة بوقك وكل حاجة حصلت ما بيننا زمان تنسيها كأنها محصلتش، أنا مش هخسر مي عشانك ولا هرجع لورا علشان غلطة عملتها زمان...
انتصب جسده وأضاف بهدوء وكأنه يترجاها ألا تجعله يفعل ذلك: أنا مش عايز أضايقك، ولا طالب منك حاجة غير سكوتك، كملي مع جوزك وعيشي مرتاحة، وأنا وعد مش هتعرضلك تاني، وصدقيني أنا مش عايز منك حاجة غير إنك تسكتي ومتحكيش لسليم حاجة، وانسي واعتبري كل اللى حصل زمان فيلم رعب وخلص بفوزك.
عاد مرة أخر لنبرته الحادة بنظرات غامت بسواد: لكن لو فكرتي تغدري، أو عقلك بس وزك تتكلمي، قسما بالله العظيم المرة دي أهلك هيبقوا جثث مش مجرد مش عربية تخبط ولا قناص واقف من بعيد، وقبلهم هقتلك سليم ذات نفسه.
رفعت عينيها التي أمتلات بالدموع، وقالت بحدة قاتلة: للدرجة دي خايف؟!
ابتسم ابتسامة قصيرة مليئة بالبرود، وتقدم خطوة: أنا مبخافش، وممكن دلوقتي أخرج وأبعت أي عربية تخلص من سليم، أو أحط له سم في الأكل، أصلا مشكلتي فيه؛ ومجرد ما سليم يموت اللعب معاكي هيبقى اتفه ما يمكن، أصل إللي إحنا كنا خايفين منه خلصنا عليه.
اقترب منها، وتابع بهدوء قاتل: أنا مش هخسر مي مفهوم، أسكتي علشان تضمني حياتك.
قرب وجهه من أذنها، وهمس فيها كتهديد نهائي: وحياة جوزك، وحياة أهلك.
في تلك اللحظة دخل سليم مبتسما، ولكن تلاشت بسمته حين وجد الأثنان وجها لوجه، والهواء قد اشتد توترا، خاصة أن سليم تلك الفترة قلبه مليء بالشك تجاه رشدي؟!
خطا سليم للداخل متسائلا بشك: واقفين كدة ليه؟
رأى رشدي فرصة ليمثل فأومأ بإبتسامة سطحية: كنت جاي أسلم عليها واقولها تتعرف على مي، ومش مصدقة إن خلاص يومين وهتجوز.
سليم بنبرة نصف مستغربة غير مصدقة: أنا كمان مش مصدق، مش عارف هي وافقتك أزاى؟!
ألتفت رشدي إلى ماسة كأنه يذكرها بتهديده: عموما ظبطي يوم بقى يا ماسة، ومتنسيش إللي قولتلك عليه، علشان ناكل من إيدك فطير، وحشني أكلك خالص.
أمعن رشدي النظرة إلى سليم بخبث كي يبرر ما قاله لها: ممكن يا سليم؟ ماسة تعملنا فطير بلدي من إيديها؟
اومأ بابتسامه: إن شاء الله.
رشدي: ماشي يلا باي.
خرج رشدي متأنيا، بعد أن القي عليها نظره ذات معني.
لم يكن يريد أن يهددها لمجرد التهديد، كل همه كان الحفاظ على سر واحد - سر يمكن أن يخسر كل شيء بسببه؛ لذلك اتخذ تلك الخطوة الوحشية.
أُغلق باب المكتب خلفه، وارتد صدى الإغلاق في الهواء كأنه ختم على لحظة ثقيلة.
وقفت ماسة في مكانها لثانية واحدة، لكنها كانت كافية ليظهر ارتجاف صدرها، كان قلبها يدق بعنف، كطائر حبس فجأة داخل قفص ضيق، نظرت إلى سليم، نظرة قصيرة.
وفجأة، وبلا تفكير اندفعت نحوه، وضمته بقوة، ذراعاها ألتفا حوله كأنها تبحث عن أمان مهدد بالضياع، ودموعها لمعت على أطراف رموشها.
أرتفع حاجباه بقلق، وأحاطها بذراعيه بهدوء، إحدى يديه تربت على شعرها، والأخرى تشدها إليه قليلا ليطمئنها.
سليم بقلق واضح: مالك؟ إيه إللي حصل يا حبيبتي؟
ابتعدت عنه سريعا، تنفست بعمق، ثم دفعت شعرها للخلف بإيماءة مرتبكة، محاولة إخفاء ما يدور داخلها: مفيش، أصل مبسوطة يعني إن إحنا جينا هنا ورجعنا نشتغل زي زمان وكده.
حدق فيها بتركيز، عيناه تبحثان عن الحقيقة خلف كلماتها، وقال بعدم اقتناع: أنا مش مقتنع خالص بالكلام ده، ما أنا كنت سايبك كويسه، رشدي قالك حاجة ضايقتك؟
ابتسمت ابتسامة مصطنعة، ورفعت يدها تربت على خده بلطف مبالغ فيه: يعني إيه إللي ممكن رشدي يقوله يضايقني؟ كل إللي قاله إنه عايزين نخرج وبلاش تختفي وكده.
رفع حاجبه بعدم تصدق: والله؟ والمرة إللي فاتت زعلانة عشان الفستان!
قضم شفتيه بضجر تساءل: لآخر مرة هسألك، فيه إيه بينك وبين رشدي؟ عملك إيه؟
تنهدت وهي تحاول الثبات: قوللتك مفيش، أنت إللي مكبر الموضوع.
رفع حاجبه بحدة وعدم تصديق: والله؟! طب أنا هجيبهالك من الآخر، رشدي حاول يتحرش بيكي يا ماسة؟
اتسعت عيناها بصدمة: إيه إللي بتقوله ده؟! لا، والله العظيم ما عمل كده! هو أصلا يقدر؟
سليم بغضب مكتوم: أمال فيه ايه؟!
مسحت وجهها بتوتر: مفيش حاجة، كان بيعتذرلي على سخافته معايا زمان، وقالي خلينا نتقابل علشان يعرفني على مي، وقالي إنه اتغير وهيبدأ صفحة جديدة في حياته.
ضحك بسخرية: آه عبيط أنا علشان أصدق الكلام دى!
ماسه بإصرار: يا سليم، دي الحقيقة.
سليم وهو يهز رأسه وينظر داخل عينيها: لا، مش الحقيقة، وأنا مش مصدق، ولا ها أصدق.
ثم أضاف بنبرة حاسمة: وها أعرف كل حاجة قريب أوي
زفر بإختناق جلس متساءل: المهم لقيتي حل.
ماسة بتوتر وارتباك: لا ملحقتش أفكر.
قالت بإرتباك مبطن: بقولك إيه، أنا عايزة أدخل التواليت.
ثم تحركت بسرعة وخرجت قبل أن ينفضح أمرها.
أما سليم فلم يكن يريد أكثر من ذلك، فالبرغم محاولتها التمثيل، كل شيء فضحها.
جلس على المقعد الأمامي للمكتب، فتح زر جاكيت البدلة بضيق، يفكر بإنزعاج شديد وهو يجز على اسنانه الأمامية بعينين غامت بسواد رفع هاتفه وأجرى اتصالًا بمكي... إنت فين؟ طيب خلص، لازم أقابلك. وصلت لحاجة في حوار الزفت ده….
بتاع الجامعة يا مكي.
زفر بإختناق تابع: ها أبقى أقولك، مش متعصب… ها أقولك. سلام.
أغلق الهاتف بعنف وهو يحدق أمامه، يجز على أسنانه حتى كاد يكسرها، ويقبض على كفه بقسوة. كان قادرا أن ينتزع الحقيقة منها انتزاعا، لكنه كبح نفسه؛ لن يعود لتلك الأساليب معها مرة أخرى. تركها تتنفس على راحتها، رغم أن رأسه كان يعصف بالأسئلة والقلق. كان متيقنًا يقينًا قاتلًا أن ماسة تخبئ شيئًا خطيرًا… شيئًا أكبر مما يتخيل، ولم يصل إليه بعد.
على إتجاه آخر في المرحاض.
توقفت ماسة أمام المرآة، واقفة بثبات هش، كأنها تتكئ على فراغ. شفتيها ترتجفان، وعيناها تلمعان بدموعٍ متحفزة. حاولت أن تبتلع الخوف والألم… لكنهما تمرّد، وخرج دفعة واحدة
أسندت كفيها على حافة الحوض، تحاول أن تمسك نفسها، أن تمنع السقوط، لكن الدموع أفلتت منها.
انحنت قليلا، وبكت بصمت أول الأمر… بكاء مكتومًا، ثم ما لبث أن تحوّل إلى انهيارٍ كامل.
تسلّلت كلمات رشدي إلى أذنها، تطنّ وتقرع رأسها بلا رحمة، تخنقها كحبلٍ من نار، كأفعى تلدغها بسمّها شعرت كأن أنفاسها تُنتزع منها قسرًا، كأنها تُخنق بلا رحمة. أخذ جسدها يهتزّ، ترتجف ولا تدري ماذا تفعل.
بعد كل تلك السنوات من الصمت، من الهروب، من محاولة النسيان… عادوا. عادوا ليهدّدوها.
عادت إلى الصفر مرّةً أخرى.
كانت قد صدّقت لوهلة أنهم ابتعدوا، أن الخطر صار خلفها، وأن تلك القوّة الهشّة التي تشبّثت بها طوال الوقت صارت كافية… لكنها الآن تكتشف أنها كانت وهمًا.
هذه المرّة لم يكن التهديد لها وحدها…كان لسليم.
لحبيب روحها.
اتّسعت عيناها برعبٍ صامت. وضعت يدها على فمها تكتم أنينًا كاد يفضحها، كأن الصوت نفسه خطر. عقلها يدور، يتخبّط، لا يرى مخرجًا.
رفعت رأسها فجأة، كأن فكرةً أنقذتها من الغرق.
الطبيب.
أخرجت هاتفها بسرعة من حقيبتها، أصابعها ترتعش، بالكاد تضغط الأزرار، قربت الهاتف من أذنها، وقلبها يخفق بعنف، كأنها تتعلق بالمكالمة كآخر خيط نجاة.
ماسة بنبرة مرتعشة: أيوة يا دكتور أنا ماسة،
من فضلك أنا عايز أشوف حضرتك النهاردة، ضروري.....لا لا ما ينفعش أتكلّم في التليفون فيه حاجة كبيرة ... بس... أسمعني أبعتلي رسالة كإنك إنت إللي محتاج تشوفني علشان أعرف أجيلك وسليم مايشكش في حاجة أيوة، بعد عشر دقايق.
شكرًا، شكرا أوي
أغلقت الهاتف... وأسندت جبينها على المرآة، تبكي بحرقة ثم اخذت ، تغسل وجهها بمياه باردة، تحاول أن تستعيد قدرتها على الوقوف، تعرف...أن اللحظة القادمة ستغير كل شيء.
مسحت وجهها، أخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تُعيد ترتيب ملامحها قبل أن تخرج.
المستشفى
ترجّل محمود من فوق الموتوسيكل، وضرب قدمه على الأرض جعلت الأرض تهتز قليلًا، كتافه مرفوعان، وعضلات رقبته بارزة من شدة الغضب.
تقدّم نحو بوابة المستشفى، لكنه فجأة توقف، كأن شرارة فكرة ألمّت بذهنه. دار نصف دورة، وبخطوة محسوبة اقترب من رجل الأمن الواقف عند المدخل.
رفع حاجبه، وقال بصوت غليظ رجولي: صباح الخير يا صاحبي.
رفع رجل الأمن رأسه، ونظر له بحذر: صباحو.
مد محمود يده ببطء داخل جيبه، بإيماء مقصود، وأخرج خمسين جنيه دسها في يد الأمن وهو يقرب جسمه منه: بقولك يا عمنا، فيه دكتور كدة حليوة شغال عندكم، أمي كانت بتروحله، أنا ناسي اسمه، ممكن تفكرني بيه؟ استنى هورهولك.
أخرج هاتفه، وأظهر لرجل الأمن صورة مصطفى التي ألتقطها من السايبر.
مال رجل الأمن بجسده إلى الأمام، دقق في الصورة، ثم هز رأسه بثقة: آه... ده دكتور مصطفى عبد الحميد بتاع الباطنة. دكتور شاطر جدًا.
تساءل بتوجس: وهو جوّه؟
هزّ الأمن كتفه، مترددًا، وهو يشيح بعينيه ناحية البوابة: لا... مارجعش من إمبارح.
أمال رأسه، وعيناه تضيقان: كان لوحده؟
الأمن بصوت منخفض، كما لو يخشى الغلط: ماشوفتش.
فهم محمود المعنى من النظرة، وسحب خمسين تانية، ورماها بإهمال في يد الأمن: ها... كده شفته ولا لسه؟
تنحنح الأمن، وبشكل أوضح قال وهو يعقد حاجبيه: كان معاه آلاء الممرضة. وتقريبًا إللي معاها دي أمها.
لمع الشر في عين محمود، تحدث وهو يجز علة اسنانه متسائلا: طب... تعرف عنوانه؟
رفع رجل الأمن حاجبه بكتفه وهو يؤمأ براسه بنبرة باردة: ما أعرفوش.
أخرج محمود خمسين أخرى بحركة عصبية ووضعها في يد الأمن: طب... كده؟
رفع الأمن كفيه كأنه يتبرّأ: والنبي ما أعرفه.
عض محمود على شفته بقوة، ووجهه تهجم بالخطر. أدخل يده في جيبه بسرعة، وأخرج منديلًا مطويًا، فتحه قليلًا... وبرزت منه قطعة حشيش. رفعها ببطء، ونظره مركّز على عيني الأمن:
إيه رأيك بقى؟ تعرف العنووووان... ومبروك عليك الحتة.
اتسعت عين الأمن... قرب جسده أكثر، ومد يده ياخد القطعة، لكن محمود قفّل المنديل بغتة بإيده، وابتسامة مائلة على جانب فمه: العنوان. الأول.
رجع الأمن خطوة، وصوته بدأ يتهدج: يا باشا، والنبي ما أعرفه. بس ها أدخل أسأل وأجيبهولك.
أشار له محمود بإشارة سريعة: يلا. بسرعة.
دخل الأمن متوترًا. أما محمود، فبدأ يتحرك ذهاباً وإياباً أمام البوابة وهو يتمتم بغضب مكبوت:
والله لربيكي يا آلاء... وها أوريكي يعني إيه تعملي كده. إنتي وأمك إللي هاتمشيكي على حل شعرك. والله لأكسر رجلكم... الراجل إللي زي الفل ده يترفد مش وش نعمة والله يا بنت الكل،ب لأوريكي إنتي والواد إللي ماشية معايا.
كان صوته منخفضًا، لكنه مليء بالشر.
بعد دقائق، عاد الأمن وهو يمسح جبينه قال بإبتسامة رجل مرتشي: بص... جبتلك عنوانين. واحد في إسكندرية، واحد في القاهرة. عايز أنهي؟
خطف محمود الورقة من يده بدون أن ينظر إليه:
هات بتاع القاهرة. بعدين نشوف إللي في إسكندرية.
بينما سلم له قطعة الحشيش ببرود: تسلم يا غالي.
الأمن بإبتسامة: أي خدمة أي وقت بتبقى عايز أي حاجة أديك عرفت المكان.
لم يلتفت محمود، صعد الموتوسيكل، مسك المقود بقوة، وبعين متوحشة داس البنزين بقسوة... وأنطلق، متجهًا صوب عنوان مصطفى.
مجموعة الراوي
مكتب ياسين
جلست لوجين خلف المكتب، منغمسة في عملها، عيناها مثبتتان على الأوراق أمامها.
في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخل ياسين بإبتسامة خفيفة، يحمل عدة تقارير بين يديه.
ياسين:إيه يا جيجي، خلّصتي ولا لسة؟
رفعت عينيها إليه سريعًا، ثم عادت تنظر إلى الشاشة: لا… لسة.
اقترب قليلًا، نبرته متسائلة: ليه كل ده؟
تنهدت، وأغلقت الملف أمامها: أصل رشدي كان عايزني في حوار كده.
جلس ياسين على طرف المكتب، رفع حاجبه بإهتمام.
حوار إيه؟
لوجين بوضوح: كان عايزني أطلع له سليم من عند ماسة، وأعمل أي حوار…علشان يعرف يتكلم مع ماسة لوحده، وبقول لك إيه... صح! إنت ناوي تجيب له إيه؟ للهديّة؟
رفع ياسين حاجبه: أنا مش فاهم حاجة.
لوجين، وهي تشرح بثقة: بص... أنا من رأيي إنك تركز في شغلك، وتقولي إيه الحاجات إللي هو بيحبها، وأنا أجيبها، أنا كل يوم تقريبا في المول
ياسين مشدود الحاجبين: يا بنتي فهميني براحة، إيه رشدي وماسة وهديّة؟ أنا مش فاهم حاجة!
لوجين ببساطة شديدة: الهدية علشان عيد ميلاد سليم
ياسين مذهول: عيد ميلاد سليم؟ إزاي يعني؟
تنهدت بملل: رشدي قالّي إنهم عايزين يعملوا له مفاجأة، حفلة بقى، وهديّة، وحاجات كده.
ياسين أعاد السؤال كأنه بيستوعب الكارثة بنبرة مزاح: رشدي... عايز يعمل حفلة لسليم؟ ويجيب له هدية؟ وبيتفق مع ماسة؟ إنتي بتهزري
هزت رأسها بثقة: هو قالي كده المهم هانعمل إيه في عيد ميلاد سليم.
عاد بظهره للخلف: عيد ميلاد مين يا لوجين؟ عيد ميلاد سليم فاضل له كم شهر!
تجمدت لوجين، ثم همست: بجد
اومأ ابتسم بسخرية خفيفة: حبيبتي برافو. رشدي اشتغلك.
لوجين بصدمة: طب هايبقى عايز منها إيه يعني؟ أكيد فيه حاجة.
نهض: هانشوف، بس أوعي تقولي لحد.
وأنا... ها أعرف رشدي كان عايز منها إيه؟! خلصي الشغل إللي وراكي.
لوجين: خلاص... قربت أخلص.
اومأ براسه بصمت، وخرج للخارج.
مكتب رشدي
كان بجلس رشدي على الأريكة يدخّن سيجارته ببطء، عيناه شاردتان يفكّر في حديثه الأخير مع ماسة... فهو لم يريد أن يهددها، لكنه ضغط عليها ليجعلها تفهم: لا تتحدث بأي شيء
قطع شروده صوت فتح الباب؛ دخل ياسين دون مقدمات.
رفع رشدي نظره، وأطفأ السيجار في الطفاية بلا اكتراث.
جلس أمامه، مال برأسه متسائلا: إيه يا رشدي... كنت عايز من ماسة إيه؟ وكمان... كنت بتشتغل لوجين وبتستغلها في حوارتك فيه إيه بالظبط؟
عاد بظهره للخلف، يمثل البراءة: أنا؟! أنا مش فاهم حاجة.
مال للأمام بنبرة حازمة: لا فاهم، إنت كذبت على لوجين وقولتلها إن عيد ميلاد سليم قريب علشان تفضيلك الجو مع ماسة إنت عايز من ماسة إيه؟
صمت لحظة... كأن رأسه فجأة فارغ من أي كذبة.
مسح وجهه بكفه، تنفس بعمق، ثم قال بصوت منخفض: هو... كان فيه كلام كده بيني وبين ماسة.
حوار... ماينفعش سليم يسمعه. وماتسألنيش إيه هو.
ضيق عينه بتعجب:وإيه إللي ممكن يكون بينك وبين ماسة؟
يرفع حاجبه بسخرية بنبرة لازعة: هو فيه إيه يا ياسين... هو أنا كلت منها حتة؟ ما هي موجودة جوة... لو كان حصل حاجة، كان زمانكم دلوقتي بتغسلوني هو سليم كان هايسيبني يعني.
نظر له مطولا لا يعجبه مايحدث ثم قال بهدوء لكن حازم: طب أسمع، ماتدخلش لوجين تاني في ولا حاجة من حواراتك، ولا تستغلها ماتستغلش إن هي على نياتها عشان تلم البلاوي بتاعتك.
رشدي يرفع يده باستسلام: ماشي... ماشي. خلاص.
توقف حدق فيه نظرة طويلة، نظرة تحذير صريح دون أن يعلّي صوته.
ياسين وهو يشير له بإصبعه: وأين كان البلوة إللي إنت عاملها، خد بالك من نفسك يا رشدي، وأنا مش ها أقول لسليم إللي حصل، وهنبّه على لوجين برضه ماتنطقش بكلمة.
قال كلمته بثبات، ثم استدار خارجًا وأغلق الباب خلفه.
ظل رشدي جالسا مكانه بلا حراك، يده تمسح رأسه بعصبية، وأسنانه تضغط على بعضها،كان هناك نبض ثقيل في رأسه، كأن مطرقة تضرب جمجمته من الداخل بلا رحمة.
الغيظ... القلق... والضغط الذي يحاول دفنه منذ أيام، كلّه انضغط في صدره مرة واحدة، حتى شعر بنار تشتعل داخله.
نهض من مكانه توجه للمكتب، مدّ يده إلى الدرج السفلي بسرعة فتحه أخرج كيسًا صغيرًا يحتوي على بودرة بيضاء.
نظر إليها لحظة... تلك اللحظة القصيرة التي تقف فيها النفس بين الانهيار والاحتياج.
ثم فتح الكيس...وضع قليلًا من البودرة على ظهر يده...وانحنى يستنشقها بعمق،كأن الهواء وحده لم يكن يكفيه ليبقى حيًا.
رفع رأسه بعدها ببطء، عيناه احمرّتا قليلًا،
وصدره توسّع بنفَس طويل، لكن التعب والخيبة، والسمّ الذي يبتلعه بإرادته، كلها بقيت عالقة فيه.
مكتب سليم
كان سليم ما يزال جالسًا في مكانه، غارقا في أفكاره، يستعيد في ذهنه رد فعل ماسة، ووجود رشدي في المكتب، بينما كان ينظر مكي ربما يقول له شيء يهدئ قلبه.
وفي الجهة الأخرى، كانت ماسة لا تزال في المرحاض… تحاول لملمة ما تبقى منها.
وبعد قليل، خرجت ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ مصطنعة، هادئة أكثر مما ينبغي، ابتسامة أتقنت رسمها منذ زمن؛ حين تعلّمت أن تُخفي اللاشيء… وتُقنع الآخرين أن كل شيء بخير.
دخلت بإبتسامة مرسومة بعناية: مش هانمشي بقي ولا إيه؟ أنا زهقت.
ضحك متصنعا: زهقتي؟ أمال لما تمسكي الشغل بجد هاتعملي إيه؟"
ماسة: هاتعود! يلا بينا
وقف وأمسك يدها: يلا بينا.
خرجا معًا، وبمجرد أن دخلا المصعد... رنّ هاتف ماسة، نظرت إلى الشاشة، باستغراب مصطنع وهي تقول: دكتور ياسر
نظر لها سليم ويعقد حاجبيه بإستغراب ثم رفعت الهاتف بتمثيل:
أيوه يا دكتور... لا، الحمد لله، أنا في المجموعة مع سليم... آه، الجلسة النهاردة؟ لا، تمام... حاضر... على الساعة كام؟... خلاص، حلو أوي... شكرًا يا دكتور."
أغلقت الخط، لتجد عيني سليم مسمّرتين عليها بإستغراب وشيء من الضيق: عايزِك في إيه؟
أخذت نفسًا خفيفًا، وابتسمت كأن الأمر بسيط:
بيقولي فيه جلسة النهاردة
سليم نظر لها بنظرة تشكك خفيفة: اشمعنا بقى الدكاترة دي مابتقابلنيش، ما بيقابلوش غيرِك. حتى مروان، مروان كان كده! كان بيعمل معاكي جلسات أكتر مني أنا حاسس إنهم مشخصنينها معايا.
ضحكت رغماً عنها، ضحكة خفيفة لتخفيف التوتر: هايشخصنوها معاك ليه يا سليم؟ أكيد أنا محتاجة أكتر، أو فيه حاجة.
رفع حاجبيه وسأل بنبرة لم يخفِ فيها استغرابه: أيوه يعني... عايزِك في إيه؟ وإشمعنا ماعملش معايا أنا كده؟"
نظرت ماسة إليه، ثم رفعت كتفيها بخفة محاولة أن تبدو طبيعية: ما أعرفش... ها أروح وأعرف وها أقول لك. يعني يمكن علشان خلاص هو عارف إن بُكرة آخر ميعاد في الفرصة، فعايز يعرف ها أعمل إيه، أو عايز يطّمن. خد بالك... هو لسه ما يعرفش إن إحنا أجلنا يومين كمان. وكده كده... لسة فاضل ساعة.
هزّ سليم رأسه بإيجاب، لكنه ظل يتأمل ملامحها كأنه يحاول يلقط منها أي حاجة مخفية:
"ماشي... خلاص. وأنا هاخد مكي ونقعد نتكلم كده في الكافيه إللي جنب العيادة... لحد ماتخلّصي طب إيه هانروح نتغدى سوا ولا بعد ما تخلصي.
رفعت عينيها إليه بابتسامة هادئة: لا تعال نروح نتغدى، نقعد مع بعض شوية وبعدين توصلني.
سليم هز رأسه بإيجاب، لكن عينيه ما زالتا تراقبانها:
خلاص تمام. ماشي.
بالطبع، كان يشعر أنها تمثّل يعرف ماسة أكثر من أن تنطلي عليه تلك الابتسامة… لكنه، رغم ذلك، لم يُرِد أن يضغط عليها.
فعل مثلها تمامًا، تصنّع العادي، وكأن شيئًا لا يشتعل بداخله، بينما الحقيقة أن النار كانت تأكله من الداخل.
وبالفعل، توجّها إلى أحد المطاعم، تناولوا الغداءً، حديثًا خفيفًا لا يشبه ثِقَل ما بينهما.
بعدها، ذهبت ماسة إلى الطبيب،
بينما جلس سليم في أحد المقاهي، يحدّق في هاتفه تارة، وفي الفراغ تارة أخرى… ينتظر مجيء مكي لعله يكون معه العلاج.
عمارة مصطفي
وصل محمود الى منزل مصطفى، ترجل من الموتوسيكل بخطوات ثقيلة، وعيناه تلمعان بالغضب والترقب. وقف أمام العمارة، يراقب كل حركة وكل تفصيلة من حوله.
لم تمضِ ثوانٍ حتى شاهد مصطفى يدخل العمارة، يتحرك نحو سيارته، فشدّ قبضته وعضّ خديه من الداخل، وجز على أسنانه حتى أختلط صريرها بصوته الداخلي.
فجأة تحرك بخطوات هجومية نحوه، بعينين غامت بسواد خطر، الأرض تكاد تترج تحت قدميه. أخرج من جيبه سكينًا مطويًا، (مطوى) فتحه ببطء، توجه نحو مصطفى.
احتمال تكمله الحلقه يكون يوم الثلاثاء
تفتكرو ايه هيحصل مع مصطفي؟!