
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثامن عشر 18 ج 3 بقلم ليله عادل
انفتح الباب ببطء، ودخل سليم بابتسامة صغيرة ترتسم على وجهه: مساء الخير
اتسعت عينا ماسة، وسقط الكوب من يدها، والخوف ضرب قلبها بشدة تخشى أن يكون سمع شيئا؟!
بينما ضربت سعدية على صدرها، وحاولت تغير الموضوع بسرعة ودهاء: مش تاخدي بالك ياماسة؟!
نظر سليم نحو الزجاج المتناثر: بسيطه الحمدلله، بقيتي بتتخضي جامد يا ماسة.
ابتعلت ريقها، وقالت بتلعثم: أصلك دخلت فجأة واتخضيت، جيت أمتي!؟
أجابها بهدوء: لسه جاي حالا، سألت سحر عليكي قالت إنك هنا مع ماما، وإنها تعبانه...
ثم وجه كلامه لسعديه: مالك يا ماما، أحسن دلوقتي ولا اجيبلك دكتور!؟
سعديه بابتسامه: تسلم يا حبيبي أنا زى الفل، دى الموضوع كله كان شويه دوخه بس ماسه اللى قلبها رهيف وخافت.
هز رأسه بابتسامه قائلا: عندك حق والله يا ماما، بس صحيح ماله رشدي عمل ايه لماسه!؟
اتسعت عيناها في ذهول، واهتز داخلها بعنف، حتى صار وجهها شاحبا كأن الدم تراجع عنها دفعة واحدة.
ماسة بتلعثم: رشدي؟! ورشدي هيعملي ايه يعني هو انا أصلا بشوفه؟
سليم بهدوء موضحا: أصل وأنا داخل، سمعت ماما بتقولك احكي لسليم على اللى عمله رشدي؟! او حاجة شبه كدة، مخدتش بالي! عملك ايه؟!
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مرتعش محاولة أن تبدو طبيعية، رغم الارتباك الذي فضحها: آه، أصل كنت لسه بقول لماما، إن فرحه الخميس الجاي مع ياسين، واني متضايقه جدا عشان مش عارفه احضر نفسي ازاي؟! عايزه اشتري فستان جديد ومفيش وقت خالص ودبسوني بقرارهم المتهور بالجواز في أسبوع دى.
هز رأسه بعدم اقتناع ولكنه لم يعلق بشيء، وحاولت ماسة رسم ابتسامه مصطنعه على شفتيها خرجت مرتعشه رغما عنها، ورغم هدوئها الظاهري، كان قلبها يخفق بسرعة مؤلمة، كأنه يضرب ضلوعها بقوة.
قاطع سعديه الصمت، وهى تستأذن بخفة: طب يلا بقى عن إذنكم.
سليم مازحا: إيه ده؟ إذا جاءت الشياطين ولا إيه؟ اقعدي اتغدى معانا يا ماما.
سعديه بابتسامه: لا لا، متقولش على نفسك كده، أنا أصلا كنت ماشية، وكمان سايبه مجاهد في البيت مستنيني نتغدى سوا، خليها وقت تانى.
ثم التفتت لابنتها، وربتت علي كتفها بخفة: فوتك يا حببتي، ومتلميش أنتِ الازاز لحسن تتعوري؟ خلي حد يلمهولك.
هزت رأسها بإيجاب بتوتر: حاضر يا ماما، ومتنسيش اللي قولتلك عليه.
ابتسمت سعديه بخفة وردت بذكاء سعدية بذكاء: حاضر متقلقيش، بس أعمل ايه أنتِ عارفة عمتك، أعوذ بالله منها.
ثم تحركت للخارج وماسة وسليم خلفها، وعند الباب انحنت تحتضنها وهي تهمس: أوعي تنسي يا ماما، ونبهي على بابا وسلوى.
بالدتها الحضن وهي تجيب هامسه: حاضر، متقلقيش.
ثم رفعت صوتها وهي تلوح بيدها: سلام يا سليم.
ابتسم بخفة، ولوح لها: سلام يا ماما.
خرجت سعدية، وأغلقت ماسة الباب خلفها، وهي تتنفس بارتباك، ونادت: نويلا!
جاءت الخادمة، تميل برأسها بخضوع: أفندم؟
ماسة بتهذب وهي تشير بكفها: لو سمحتي في كوبايه مكسور جوه، شيليها واعمليلي كباية ليمون.
هزت الخادمة رأسها بابتسامه: حاضر، تحب أعمل لحضرتك حاجة يا سليم بيه؟
هز رأسه نافيا، فغادرت الخادمة بهدوء.
بينما اقترب سليم، يحدق في وجه ماسة باهتمام: شكلك مخطوف، ولونك مصفر، مالك؟
ابتلعت ريقها، وقالت بارتباك: أنا تمام مفيش حاجه، تعالي نطلع فوق.
تحرك معها نحو الدرج، وهو يتساءل: مش أنتِ كنتي عند مامتك؟ إيه اللي خلاها تيجي تاني؟ جت وراكي ولا معاكي؟
ماسة بتوتر: لا مجتش معايا، جت بعدي بشوية...
ثم نظرت اليه بشده، وقالت بحدة مصطنعه تحاول إخفاء ارتباكها ورائها: وبعدين إيه المشكلة لما ماما تجيلي؟ انت مش عايزها تيجيلي؟
أجابها موضحا بسرعه: لا مقصدش كده والله، بس أنتِ كنتي عندها فاستغربت!! وبسأل لو في حاجة.
ردت عليه بنفس الحدة المصطنعه: لازم يكون في حاجة يعني عشان ماما تجيلي؟
رفع حاجبه متعجبا: ماسة في إيه؟ أنا بسأل عادي، علشان قلقت.
صمتت لوهلة، ثم قالت بهدوء مصطنع محاولة لملمت الموقف: مفيش يا سليم اتخانقت مع بابا بسبب عمتي، ما أنت عارف إن ماما مبتحبهاش، قالتلها كلام مش حلو واتخانقوا فجت تشتكيلي.
سليم بابتسامه دافئه: عارفة، كنت فاكر إن الراجل والست لما يكبروا، خناقاتهم بتهدى، بس طلع ملهاش علاقة.
ابتسمت رغما عنها، وهمست بنبرة خافتة: أكيد الخناقات بتفضل بس بتتغير مواضيعها.
ضحك بخفة: ممكن، هنبقي نشوف محضرلنا نكد ايه في السن ده.
ابتسمت بارتجاف، وكانت علامات عدم الاتزان واضحة عليها، فما سمعته من سعدية، ودخول سليم المفاجئ، كل ذلك ضغط عليها بشدة، فترنحت فجأة وكادت أن تفقد توازنها.
أسرع سليم، وأمسكها من خصرها بلهفة: ماسة! مالك؟
همست بنبرة متعبة، وهي تلمس جبينها: مش عارفة، حاسة إني دايخة دوخت فجأة.
حملها بين ذراعيه وصعد بها الدرج، دخل غرفتها، ووضعها على الفراش برفق، ومسح على خدها وهو يتساءل بقلق: حاسة بإيه؟
وضعت يدها على صدرها بتعب: حاسه إن الدنيا بتلف بيا، وقلبي بيوجعني.
نهض بسرعة قائلا: هكلملك الدكتور.
أمسكت كفه سريعا باعتراض: مش مستاهله دكتور يا سليم، أنا بس لسه متأثره من خضتي على ماما، دلوقتي أشرب الليمون واهدى واكون كويسه.
هز رأسه بعدم اقتناع وهو يراقب ملامحها الباهته، فقال وهو يشير باصبعه بحزم: بس لو فضلتي تعبانه كده، هجبلك الدكتور من غير اعتراض.
هزت رأسها وهي تسحبه ليجلس جانبها، وتساءلت لتغير الموضوع: انت اتأخرت ليه؟
جلس وهو يفتح أزرار بدلته، وقال موضحا: متأخرتش ولا حاجه، أنتِ أول ما كلمتيني خلصت اللي ورايا بسرعة وجيت.
أومأت بصمت، وفي تلك اللحظة جاءت الخادمة بالليمون، أخذه سليم وساعدها لتجلس ثم ناولها الكوب.
أخذته وبدأت تحتسيه بهدوء ظاهري، ثم رفعت عينيها نحوه بارتباك وتساءلت: روح غير هدومك وتعالي، انت أكلت؟
هز رأسه نافيا بابتسامه: لا مستني نتغدى سوا، ولا اتغديتي من غيري؟
ابتسمت بخجل: أنا كلت عند ماما بصراحه، بس ممكن آكل تاني معاك، بس خليها شوية كده.
أومأ برأسه: ماشي أنا أصلا مش حاسس إني جعان دلوقت.
ثم وضع قبلة خفيفة على عينيها، وتحرك نحو الباب المشترك ودخل غرفته؛ ليغير ملابسه، بينما جلست هي تحتسي الليمون، محاولة استعادة بعض من الهدوء الذي غاب عنها منذ مجيء والدتها.
عاد بعد قليل وهو يرتدي ملابس منزلية، جلس قربها، وتساءل باهتمام: عاملة إيه دلوقتي؟! أحسن؟
اقتربت منه، وأسندت رأسها على صدره واومأت ايجابا بصمت، لم يتوقع فعلتها لكنها بالطبع اسعدته، فابتسم ابتسامة واسعة ثم اعتدل من جلسته وتمدد بجانبها، يحاطها بذراعه، وجذبها إليه حتى أصبحت بين أحضانه وأخذ يمرر أصابعه على شعرها بحنان، وهي بدورها وضعت ذراعها حول خصر وثبتت كفها على قلبه.
💞_______________بقلمي_ليلةعادل.
قصر الراوي، 5:00 مساءً.
الحديقة العلوية.
بعد أن غادر أهل لوجين، انتقلا إلى الحديقة العلوية قرب النافورة، وجلسا متجاورين على المقاعد الحجرية، قدمت لهما الخادمة العصير بابتسامة ثم انسحبت بهدوء.
رفعت لوجين عينيها تتأمل المكان: المكان هنا جميل أوي
ابتسم وهو يرتشف من العصير: لو حابه نعمل الفرح هنا، معنديش مانع.
هزت رأسها بسرعة: لا لا المكان هناك أحلى، وصاحبتي عملت فرحها هناك وكان تحفه، بس قولي صحيح قولت لنالا موضوع جوازنا ولا لسه.
تنهد موضحا: لا لسه، اصل امبارح اا
لكن دخول مي ورشدي في تلك اللحظة قاطع حديثه.
رشدي بمزاح وهو يقترب: ياسو اتأخرت عليكم ولا إيه؟
هز رأسه نافيا بابتسامه، فمد رشدي يده معرفا: لوجين دي مشمشتي، ودي يا مي القطة الشيرازي.
ضحك ياسين معلقا: أنا مش عارف انتِ مستحملاه إزاي يا مي بجد.
أجابته مي وهي تضحك بخفة: تكفير ذنوب.
رفع رشدي حاجبه معلقا: أنا تكفير ذنوب!
ضحكت مؤكدة: آه طبعا.
رشدي بمزاح: كدة يا مشمش بتكسفينى قدامهم وتشمتيهم فياا.
تدخلت لوجين ضاحكه: ماتبس يا رشدي بقي، خليني اسلم على ميوش.
ثم ابتسمت بترحيب: إزيك يا مي؟ عاملة إيه؟ مبسوطة إني اتعرفت عليك.
مي بابتسامة رقيقة: أنا أكتر.
أشار ياسين بيده: طب اقعدوا واقفين ليه.
جلسوا جميعا حول الطاولة، فتساءل رشدي: اتفقتوا على حاجة؟
هزت لوجين رأسها: لا خالص، مستنيينكم.
نظرت مي بترقب: طب أنتِ عندِك فكرة معينة ولا لسه؟
لوجين بحماس: بصي أنا الصراحة كنت عايزة الفرح يبقى في مكان مفتوح وصباحي، وكلنا نلبس أبيض، والفستان يبقى بسيط جدا، والميكب والطرحة على نفس الستايل، والمزيكا تبقى هيب هوب وبوب، بس طبعا كل ده اكتشفت انه مستحيل.
ضحك رشدي وهو يشير بيده: وطبعا قولتي الكلام ده قدام فايزة هانم؟
تنهدت وهي تزم شفتيها: اممم حصل ورفضت، وأنا كنت متوقعة، علشان كده بقى، أنا وأنتِ يا مي نقعد ونشوف هنعمل إيه بالظبط، أنتِ بتحبي الأجواء المجنونة ولا الكلاسيك؟
مي برقه: أنا بحب الحاجة الكلاسيك.
اومات لوجين: ماشي، نعمل ميكس! شوية كلاسيك وشوية مودرن.
رشدي مستفسرا: طب كلمتوا منظم الحفله ولا لسه؟
ياسين موضحا: آه وجاي في الطريق.
لوجين بحماس: خلاص لما ييجي نقعد كلنا ونقرر سوا يا مي هنعمل ايه ونختار سوا كل شيء.
رشدي مازحا: وإحنا ضيوف شرف في الفرح ولا ايه؟
لوجين ضاحكه: تحضروا الفرح كفاية؟ إيه رأيكم تلبسوا بدل بيضا مش سودا؟
هز ياسين رأسه حاسما: لا يا لوجين ده فرح رسمي لازم سموكينج وبابيون، والشكل الملكي، لازم.
هزت رأسها موافقة: ماشي هعمل الفرح بالطريقة اللي أنتم بتحبوها، رغم إنه مش حلو إن فرحي يبقى مش بطريقتي بس توعدوني بفرح تاني بالطريقة اللي أنا عايزاها؟
ياسين بابتسامة هادئة: عيني.
التفت رشدي نحو مي متسائلا باهتمام: وأنتِ يا مشمش داخلة من غير حماس كدة ليه؟ مالك؟ مفيش شكل معين في دماغك؟
عدلت جلستها بخجل: بصراحة، أنا نفسي الفرح بتاعي يبدأ بانشوده هشام عباس وبعدها نرقص على خدني بين ايدك لحميد الشاعري، وبعدها شعبي ورقص، وفي الآخر يا سهر الليالي.
ساد صمت مليء بالدهشة. رفع رشدي حاجبه وهو يضحك بدهشة: إيه البساطه دى، أنتِ عايزة تجلطي فايزة هانم! ده فرح في أوتيل 7 نجوم، مش في قاعة اللؤلؤة، بس وعد هعملك اللي أنتِ عايزاه أنا مبيهمنيش.
اكتفت مي بابتسامة دافئة، وفي تلك اللحظة حضر منظم الحفل وجلس يتناقش معهم في العديد من الافكار لوقت طويل.
المهندس: صعب نقرر آخر قرار من غير ما نشوف القاعة.
لوجين بحماس: طب ما نروح نشوفها دلوقت؟
تدخل ياسين وهو ينظر لساعته: أنتِ ناسيه إن المهندس جاي كمان شويه علشان الديكورات.
زمت شفتيها وقالت: اه صح طب خلاص نخليها بكرة في نفس المعاد.
هز الرجل رأسه موافقا وغادر بهدوء، فالتفتت لوجين لمي بحماس: إيه رأيك يا مي بعد ما نخلص، نروح نعمل شوبينج؟ أنا عندي حاجات ناقصاني كتير.
مي بتوتر: علطول كده؟
لوجين بابتسامه: آه طبعا مفيش وقت، لو مش عاملة حسابك في الفلوس، أنا معايا متقلقيش.
لوحت بيدها: لأ مش قصدي، أنا معايا فلوس، بس السرعة…
أمسكت لوجين يدها بحماس: يا بنتي فاضل أسبوع!عارفة يعني إيه أسبوع؟ ولسه قدامنا حاجات كتير أوي، دى غير تنظيم الفرح اللى هيحتاج تعديلات كتير مع المنظم علشان يناسب الشكل الرسمي اللى العيله عايزاه، علشان أنا لو اتسابت لدماغي هتلاقوني جايبه لكم سعد الصغير هو وفرقته.
ياسين ضاحكا: لا سعد الصغير ايه، دى الهانم كانت تقتلنا.
تدخل رشدي بنبرة حاسمه: جيبي اللي أنتِ عايزاه يا لوجين، فكك من امك يا ياسين، مش هيمشونا على مزاجهم في فرحنا كمان؟! اعملوا اللى تحبوه حتي لو هتقلبوا الفرح حنة شيماء! براحتكم ده فرحكم أنتم، واللي مش عاجبه يمشي.
لوجين بهدوء: مش عيب نمشي على شوية قواعد، أنتم عيلة كبيرة وليكم احترامكم، وبعدين ممكن نعمل فرح تاني ونفرح بطريقتنا، ليه نزعل مامتك وباباك من أول يوم؟ وبعدين حتى لو هعمل الفرح بالطريقة اللي والدتك عايزاها، ده مش معناه إني مش هعمل اللي يريحني، أنا بختار اللى بحبه بس في الإطار اللي يريح الهانم، وسعد الصغير ممكن يبقى دي جي.
هز مي رأسها مؤيدة: بالظبط، وعلى فكرة حفلة الخطوبة بتاعتنا كانت تحفة، وكل أصحابي لحد دلوقتي بيتكلموا عنها، بصراحه ذوق فايزة هانم فوق الخيال، أنا عن نفسي ممكن أسيبها تختارلي كل حاجة، ومتأكدة إن النتيجة هتبقى مبهرة.
ايدتها لوجين بابتسامه: والله أنا كنت دايما أقول لياسين نفسي آخد كورسات على إيد والدتك من كتر الشياكة.
مي بحماس: طب ما ممكن نستعين بيها، إيه رأيك؟
لوجين بتأييد: أنا معاكي جدا.
نظر رشدي وياسين إليهما بصدمة ممزوجة بالضحك.
رشدي ساخرا: أنتم اتصاحبتوا؟! وده رأيكم في فايزة؟!
ياسين ضاحكا: أنا مش مصدوم أنا عارف رأي لوجين من زمان.
رشدي ضاحكا: أنا بقى لسه واخد الصدمه.
اثناء ذلك جاء مهندس الديكور، وجلس يعرض عليهم الكثير من التصميمات، وبعد ساعة من الاختيارات…
المهندس بعمليه: تمام من بكرة نبدأ، والاستلام بعد أسبوعين بالضبط.
تنهد رشدي بضيق: كتير.
لوجين بهدوء: ما تسيبه ياخد وقته، إحنا أصلا هنكون في الهاني مون.
مي بتوتر: بس الأفضل كل حاجة تبقى جاهزة قبل السفر، علشان لو في حاجة عايزين نغيرها.
هزت لوجين رأسها موافقه، ثم نظرت للمهندس: طب حاول يا باشمهندس تخلص على يوم الأربع، يعني علي الأقل يبقي 80% من الشغل جاهز نشوفه، علشان نقدر نقول رأينا ولو فيه حاجه كده ولا كده نظبطها بسهولة.
هز المهندس رأسه بأسف: صعب جدا.
ياسين بعملية صارمة: مفيش حاجة صعبة، شغل كذا وردية، دي دهانات وديكور، مش برج!
هز المهندس رأسه مستسلما: حاضر بعد إذنكم.
نهضت لوجين بحماس: يلا احنا بقى يا ميشو، نروح نشوف اللي ورانا علشان نلحق.
نهض ياسين متسائلا: طب هنروح في عربية واحدة ولا كل كابل يجوا في عربيه؟
التفتت له لوجين وأشارت بيدها بحزم لطيف: وانت مين قالك أصلا إنك جاي معانا؟
علق رشدي متعجبا: يعني إيه الكلام ده؟
ضحكت مي بخفة ساخرة: يعني هنروح لوحدنا، تيجوا معانا ليه؟ ده لبس بنات!
رشدي بحدة مصطنعة: لبس بنات إيه؟! لأ أنا فيها يخفيها!
تنهدت مي وهي تربت على ذراعه: انت هتقعد مع أخوك واتكلموا في أي حاجة، عقبال ما نرجع، يلا يا جوجو.
لوجين بحماس: يلا يا ميشو
وضعت الفتاتان ذراعيهما في بعض، وخرجتا بخفة ومرح، وهما تضحكان كأنهما ذاهبتان لأحدي المغامرات الممتعه.
أما ياسين ورشدي فبقيا واقفين مكانهما، ينظران نحو الباب بدهشة
مد رشدي يده على كتف ياسين، وهو يومئ براسه بإحباط ومزاح: إحنا اتحلقلنا لنا يا ياسوو، انت خطيبتك عندها فرط حركة، وأنا مراتي هادية وكيوته مش قدها.
رفع ياسين حاجبيه مازحا: هي مش كانت قطة شيرازي؟ خلاص هتخلي القطة بتاعتك السيامي شيرازي زيها.
ضحك رشدي عاليا: المهم متقلبش بلدي في الآخر.
ضحكا الاثنين معا ثم جلسا مره اخرى.
انحنى ياسين للأمام قليلا، وتساءل بجدية: بقولك إيه صحيح قولت لمي على حوار الكوك؟
زفر رشدي بعمق: لسه، ومش عارف أقولها.
ثم اضاف بحماس زائف: بس أنا بحاول أبطل، وبقيت باخد جرعة واحدة بس بالليل.
هز ياسين رأسه بقلق صريح: مش هتعرف لوحدك يا رشدي، لازم تقولها قبل ما تتجوز، انتم هتبقوا في اوضه واحده ممكن تشوف القرف ده.
هز رشدي رأسه سريعا: لا أنا مخبيه في مكان سري.
نظر له ياسين بدهشة غاضبة: اسمع الكلام، اللي انت بتعمله ده غلط، أنا خايف عليك.
لوح رشدي بيده مطمئنا: متقلقش.
صمت ياسين لحظة، ثم رفع رأسه بابتسامة خفيفة: بقولك إيه، إيه رأيك نخرج كلنا مع بعض في يوم، ونقول لسليم وماسة يجوا.
رشدي بتوتر: ماسة؟!
هز ياسين رأسه إيجابا: أممم، انت وماسة علاقتكم كويسه، يعني مش زي الباقي، مش بحس إن في بينكم عداوة.
نظر له بارتباك، ثم أشاح بعينه بعيدا وهو يهز رأسه بصمت وشرود.
فيلا عائلة ماسة،6:00مساء
دخلت السيارة ونزلت سعدية، طرقت الباب ففتحت لها إحدى الخادمات.
الخادمة بابتسامة خفيفة: حمد لله على سلامتك يا ست هانم.
سعدية وهي تفك الحجاب: الله يسلمك، الحاج فين؟!
الخادمة: في اللفينج.
تحركت بخطوات مترنحة، فما عرفته قبل قليل أثقل قلبها بشدة.
غرفة المعيشة.
كان لا يزال مجاهد جالسا في انتظارها، وما إن رأها حتى اقترب مسرعا وهو يتساءل بقلق: قالتلك إيه يا سعدية؟ طمنيني.
وضعت يدها على فمه، وقالت بخفوت: هشش مينفعش نتكلم هنا الحيطان ليها ودان، تعالى نتطلع الأوضة فوق نتكلم براحتنا.
صعدوا الدرج ببطىء، حتى دخلوا غرفة النوم، فأغلقت الباب خلفهم جيدا.
غرفة النوم.
جلس على الأريكة، وتساءل بتوتر: ادينا طلعنا اهو طمنيني بقي يا سعدية، قالتلك ايه.
جلست بجانبه، وهمست بصوت منخفض: الكلام طلع أصعب بكتير من اللي قالته سلوى يا مجاهد.
اتسعت عينا مجاهد بصدمة، ورمش بخوف وهو يبتلع ريقه: يعني فعلا إخوات سليم مهددين ماسة بالعيال؟
هزت رأسها بحزن، وتابعت وهي تحاول كتم دموعها: مش العيال بس وإحنا كمان، البت شايلة في قلبها كتير.
ابتلع غصته، وقال بتوتر: طب هنعمل إيه؟!
هزت رأسها بقلة حيلة: معرفش، بس هي قالتلي اصبري ياماما، وطول ما إحنا ساكتين وهي ساكتة، إحنا في أمان.
انتفض بغضب، وضغط على حواف الكرسي بيديه باعتراض وخوف: أمان يا وليه! هما دول ليهم كلمه ولا يتآمنلهم؟ دول ميعرفوش ربنا! وممكن في أي وقت يغيروا الاتفاق ويقتلوا البت، أو يقتلونا.
سعدية بتوتر: يعني إيه يا مجاهد؟
تنهد ببطء، وقال موضحا بقلق: يعني ممكن يخافوا إن ماسة تحكي لسليم، فيهددوها تاني أو حتي يفكروا يقتلوها علشان يضمنوا سكوتها...
أضاف بقلق وتوتر: قبل كده البت كانت بعيدة عن إيديهم، لكن دلوقتي بتروح وتيجي لوحدها، من غير حراسة، وده يخوف !
تجمد وجهه، وقال بحزم: سليم لازم يعرف، هو قادر يحميها منهم، وأنا متأكده إن تهديدهم ليها دى خوف منه، ودليل على كدبهم اللى خايفين انه يتكشف.
اغرورقت عينا سعدية بالدموع، وأومأت برأسها بخوف: أنا قولتلها تحكيله، بس هي مرعوبه، بس عندك حق هم كانوا سايبينها عشان بعيدة عن إيديهم، لكن دلوقتي لأ؟
اومأ بحزم: جوزها لازم يعرف ولو مقالتلوش هقوله أنا، أنا مش مستغني عنها ولا عن أخواتها ولا هسيبهم عايشين مهددين كده واقعد ساكت.
وضعك يديها على قلبها، وقالت بدموع تهبط من عينيها: بقولك مرعوبه يا مجاهد، يالهوي لو تشوف شكلها تصعب عليك، كانت مرعوبه اووى وخافت لما عرفت إن سلوى قالتلنا.
كان ينظر إليها بتاثر شديد، والدموع تلمع في عينيه على ما تعانيه ابنته.
مسحت دموعها، ورفعت إصبعها بتحذير شديد: بقولك ايه مش عايزة مخلوق يعرف اللي حصل ده غيرنا حتى يوسف وعمار، وانا هنبه على سلوي تقفل بوقها خالص، هي قالتلي اصبري وخلاص ناوية تقوله، بس مستنية تعرف تقوله إزاي.
تنفس بعمق، ومسح بيده تمسح وجهه باختناق وقلة حيلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، كان مستخبيلك فين كل دى يا بنتي، ربنا يبعد عنك شرهم ويحفظك من أذاهم يارب، ادعي لها يا سعدية..
هزت رأسها بقلة حيلة ودموع: بدعي لها والله، ربنا ينتقم منهم ويحرق قلبهم زى ما واجعين قلبنا عليها.
مسحت دموعها وتابعت بحده وهي تشير بيدها بغضب: ومقصوفة الرقبه اللى اسمها سلوي تشد عيلها علشان ادلعت زياده لحد ما عيارها فلت، ولازم تحط معاها حد في موضوع اللى اسمه طارق دي.
نظر لها، وقال بهدوء: الجواز مش بالعافية يا سعديه، وهي واضح إن ملهاش غرض في طارق.
زمت شفتيها بتهكم: ما انا عارفة، بس مش هتفضل رايحة جاية معاه كده، البت سمعه وإحنا معندناش الكلام ده، هي عيشتنا هنا هتنسيك أصلك ولا ايه يا راجل.
تنهد قائلا: المهم خلينا في ماسة دلوقتي، ربنا بنصرها على العقارب اللي عايشة معاهم.
رفعت رأسها داعيه: يارب يا مجاهد يارب.
على اتجاه آخر في غرفة سلوى.
كانت جالسة على الفراش، وعيناها ممتلئتان بالخوف والقلق، أغمضت عينيها للحظة تحاول السيطرة علي قلقاها، لكنها شعرت بالعجز عن السيطرة عليه أمام احتمالات الخطر التي قد تحل بماسة وعائلتها، عقلها لم يتوقف لحظه، ظل يتخيل جميع السيناريوهات المحتمله، مما جعل قلبها يرتجف داخل أضلعها.
حاولت أن تهدأ، لكنها لم تستطع، وفجأة شعرت بوخز في قلبها، وحنين غريب يشدها.
تذكرت مكي، وشعرت بأنها تفتقده، وأنها بحاجة إلى الحديث معه، وسماع صوته، فتحت درج الكمودينو، وأخرجت صورته، وعيناها تلمعان بالدموع، أمسكت الصورة بين يديها، وظلت تتأملها بحزن عميق، ودموعها تنهمر بصمت على وجنتيها، كأنها تحاول أن تزرع فيه شعور حضورها رغم بعده.
سيارة لوجين، 6:00 مساءً
كانت لوجين تقود السيارة بسرعة خفيفة، ومي تجلس بجانبها تضم حقيبتها إلى صدرها بخجل لطيف.
تساءلت لوجين: بقولك في محلات معينة بتروحيها؟ ولا أي حاجة وخلاص؟
مي بهدوء: عادي أي حاجة، بس إحنا هنجيب إيه أصلا؟
لوجين بحماس: كل حاجه؛ لبس خروج، نوم، بيت، ولانچيري! أنا معنديش أي حاجة، أصل أنا مش من الناس اللي اتعملها جهاز والجو ده.
عضت مي شفتها بخجل: ولا أنا، مفكرتش في الحاجات دي خالص، ماما متوفية فمكانش عندي حد يقولي أجيب إيه، وصحابي عمرهم ماتكلموا معايا في الحاجات دي.
ربتت لوجين على يدها بحنان: يا روحي متخافيش إحنا مع بعض هنجيب كل حاجة سوا.
وبالفعل قادتها إلى أحد المولات الشهيرة، وأخذا يتنقلان من محل إلى آخر، كانت لوجين تتحرك بطاقة خارقة، تبدي رأيها في كل قطعة، تضحك وتجر مي جرا من مكان إلى آخر، وبرغم أنهما تعارفتا منذ ساعات قليلة، فإنهما تعلقتا ببعضهما بسرعة، ولم يتوقف الضحك بينهما.
الأسكندرية، 6:00 مساءً
منزل عائلة مصطفى
كانت نبيلة وعائشة تتحركان بخفة بين الأطباق، وترتبان الطعام على السفرة، وبعد الانتهاء نادت عائشة: إيهاب! مصطفى! يلا الأكل على جهز!
جلست نبيلة، ثم تبعتها عائشة التي بدأت تتناول الطعام دون انتظار أحد، وبعد لحظات، خرج مصطفى من الغرفة وبجواره إيهاب، واتجها للجلوس في أماكنهما، وبدأوا جميعا في تناول الطعام.
رفع مصطفى نظره نحو والدته: بقولك إيه يا أمي، أنا بكرة نازل القاهرة، ابقي ابعتي معايا شوية حاجات كده نخفف علينا.
هزت نبيلة رأسها موافقة، وهي تقطع قطعة خبز: ماشي.
نظرت عائشة له وهي تمضغ الطعام: يعني خلاص؟ آخر الشهر هنرجع القاهرة وهترحم من مشوار السفر دى؟
هز راسه وهو يتناول ما في المعلقه: أن شاء الله مادام إيهاب خلص ورقه إيه اللى يخلينا نستني.
تنهدت نبيلة، وأسندت ظهرها للمقعد بحزن: والله الواحد أخد على هنا، كفاية إني بفتح الشباك ألاقي البحر قصادي.
ضحك إيهاب بخفة: أول ما شوشو تخلص نبقي نرجع، مديري قالي وقت ما تحب ترجع الفرع تعالي.
نظرت عائشة لهما معتذرة: معلش بقى، عملتلكم ازمه، كلها سنتين ونرتاح.
ربت مصطفى على يدها بحنان: متقوليش كده يا شوشو.
نظرت نبيله لمصطفى وتساءلت: بقولك إيه يا مصطفى متعرفش حاجة عن ماسة؟
رفع حاجباه بدهشة من السؤال المفاجئ، وقبل أن ينطق قاطعه تعليق إيهاب متعجبا: وأنتِ بتسألي عن ماسة ليه بس؟ ومن امتى؟!
رفعت يدها كأنها تبرر: فيها إيه يعني؟ مش كانت عشرة ست شهور، وأكلت معانا عيش وملح!
إيهاب بتهكم: بس ده مكانش كلامك وقتها واخدتي موقف معاها مش لطيف، أنتِ وعائشة.
ارتبكت نبيلة، وقالت بدفاع: كنت خايفة عليكم، وبعدين المفروض تكون احسن مننا وتطمنا عليها، لكن طلعت قليلة الأصل وأول ما رجعت لجوزها نسيتنا.
قاطعها مصطفى بلوم: انتِ بعدتي عنها أنتِ وشوشو، وانتم عارفين إن ملهاش حد غيرنا، وطبيعي تزعل منكم.
ثم تنهد وهو يتابع تناول طعامه: وعلى العموم هي مش قلة أصل منها بس كانت فاقدة الذاكرة ولسه راجعلها من كام يوم بس.
اتسعت أعين نبيلة وعائشة في نفس اللحظة، بينما إيهاب ظل ثابتا لأن الأمر لم يكن جديدا عليه.
عائشة بصدمه: يا خبر!! أنت بتتكلم بجد؟ عرفت منين؟
أجابها موضحا بهدوء: سليم كلمني وروحتله علشان أعالجها من الصدمة، وافتكرت.
نبيلة بعدم فهم: لا فهمنا براحه! ايه اللي حصل؟
بدأ يروي لهم ما حدث، لكنه أخفى الجزء المتعلق بإطلاق النار والمشاجرة بينه وبين سليم، اكتفى فقط بشرح فقدان الذاكرة، وبعض التفاصيل العامة.
هزت نبيلة رأسها بصدمة: لا حول ولا قوة إلا بالله، هتلاقيها منين ولا منين بس؟! دي بتخرج من حاحة تدخل في حاجة.
إيهاب بهدوء: بس الحمدلله افتكرت.
زفرت نبيلة بضيق، ونظرت لمصطفي بلوم: مقولتليش ليه وقتها يا مصطفي، كنا زورناها يا ابني.
هز رأسه قائلا: عادي مكانش في داعي.
تساءلت مره أخري: معاك رقمها؟ نتصل بيها نطمن؟
هز رأسه نافيا بصمت، فتمتت عائشه بتساؤل: علشان كده اختفت، ولما ظهرت في صور خطوبة رشدي كانت بتضحك عادي!!
هو رأسه إيجابا بصمت، فتابعت بضيق من نفسها: الصراحه انا استندلت معاها جامد بس والله كنت بمتحن
إيهاب بهدوء: خلاص ملوش لازمه الكلام دى، المهم انها دلوقتي كويسة.
تبادلات جميع النظرات بصمت واكملوا تناول طعامهم
فيلا سليم وماسة، 7:00 مساءً
غرفة ماسة
كانت الغرفة غارقة في سكون ناعم، لا يقطعه إلا صوت أنفاس ماسة وهي تؤدي صلاتها بخشوع، وتدعو الله أن يرشدها إلى الطريق الصحيح.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب المشترك ودخل سليم وهو يقول: بقول لك إيه، ما تيجي نرو..
لكن صوته انكسر فجأة وهو يراها تصلي، فهو يعلم أنها في أيام عادتها الشهرية كما قالت؟! تحرك بخطوات بطيئة وجلس على الأريكة خلفها، مراقبا بصمت.
انتهت من صلاتها، وخلعت الإسدال، ثم التفتت إليه بابتسامة دافئة: نروح فين؟
رفع حاجبه باستغراب لم يستطع إخفاؤه: أنتِ بتصلي إزاي؟
طوت سجادة الصلاة ببطء، ونظرت له باستغراب مماثل: يعني إيه بصلي إزاي؟
وقف أمامها، مشيرا إليها بتساؤل: مش أنتِ من يومين قولتي تعبانة تعب بنات؟
ضحكت وقالت موضحه: اه اسكت يا سليم مطلعتش هي، اصل نفس الوجع بالظبط، وبقالي كام يوم كده مش عارفة في إيه.
اقترب منها خطوة، ومسح على يدها بحنا: طب مانروح للدكتورة؟ وتشوف عندك ايه، انت من شويه برضو كنت دايخه ووشك مصفر خالص.
هزت رأسها بثقة: مش مستاهلة دكتورة، أنا قولت لماما وقالتلي عادي، ممكن تكون محبوسه من التوتر اللى كان بينا بس.
هز رأسه بتفهم، لكن عينيه ضاقتا فجأة، ومال نحوها قائلا بنبرة: قولي بقى انك مش عايزة تروحي للدكتور، علشان منكتشفش إنك ولا تعبانه ولا حاجة، وإنك كنتي بتمثلي عشان انام جنبك واخدك في حضني؟ وقولتلي كدة عشان كبرياءك كأنثى مش هيسمح تقولي غير كدة؟
عضت شفتها بضيق طفولي، واقتربت منه تهمس بمكر وغيظ دفين: علطول فاهمني كده يا كراميل، قرب كده أما اقولك.
رفع حاجبه بتوجس، وتراجع خطوة: عايزة إيه؟
اقتربت منه أكثر، وقالت بصوت منخفض: قرب بس..
وفجأة أمسكت ذراعه وعضته عضة قوية، فقفز للخلف يصرخ وهو يسحب ذارعها منها: أنتِ اتجننتي يا ماسة! فيه ايه؟ كل شوية تعضيني؟! ايه يا ماما يتسننى؟ أجبلك عضاضة؟
وقفت تشير له بإصبعها بغضب مضحك: كل ما تستخف دمك عليا هعمل كده! بطل تستفزني.
مسح كفه مكان العضة، وقال باستفزاز: والله بعد العضة دي، أنا اتأكدت إني صح!
تحدثت من بين أسنانها بوعيد طفولي: متستفزنيش، هعضك تاني.
ضحك متحديا: ولا تقدري.
رفعت ذقنها: طب تعالى هنا.
هرب فركضت خلفه وهي تصرخ: تعالى هنا يا جبان! متجريش زي العيال!
أجابها ضاحكا: أنا عيال ملكيش دعوة!
خطفت مخدة ورمتها عليه، فرد بمخدة أخرى، ثم اشتعلت الغرفة بضحكات عالية وضربات خفيفة، كأنهما طفلان في منافسة صاخبة.
لكن ماسة توقفت فجأة، وضعت يدها على صدرها، وجلست على الأريكة تلهث: خلاص مش قادرة أجري والله تعبتني.
اقترب وهو يضع يديه على وسطه ساخرا: العظمة كبرت ولا إيه؟
ضحكت بصعوبة: والله فرهدت، بس مقولتش كنت جاي عايز ايه؟
جلس أمامها قائلا بابتسامه: كنت هقولك ننزل نقعد في الجنينة، ونشغل فيلم على الشاشة السينما، ونعمل فشار ونقضي سهرة حلوة، أو نلعب أي لعبة من اللي بتحبيها، أو حتى نروح الملاهي.
رفعت يدها باعتراض بلطف: لا ملاهي ايه مش قادرة أخرج، خليهم يطلعوا الشاشة بره ونعمل قعدة حلوة وفشار وحلويات كده.
هز رأسه موافقا: اتفقنا، أنا هروح أحضر وانتِ غيري هدومك وتعالي، وتقلي علشان الجو تحت برد.
هزت راسها إيجابا، فخرج سليم بعد ان وضع قبلة على عينها بحنان ولطف.
💕______________بقلمي_ليلةعادل
محل الانجيري، 7:00 مساءً
دخلت لوجين المحل بخفة وحماس، بينما وقفت مي عند الباب، مصدومة تخبي وجهها بطرحتها.
التفت اليها لوجين وأشارت بحماس: يلا خشي واقفه عندك ليه.
اومأت بخجل وتحركت بخطوات بطئيه
تجولت لوجين بين الأطقم الجريئة والعادية والبيبي دول، متحمسة ومتحررة، بينما مي كانت خجولة، لا تستطيع الاختيار، وكل ما تختار شيء، تنظرت لها لوجين باعترض معلقه بمزاح: ده بتاع تيتا ده متختاريش تاني..
نظرت اليها مي بخجل: أصل اللي بتختاريهم كلهم قللات الأدب أوي.
ضحكت لوجين بصوت عالي ورفعت طقما جريئا أمام مي وقالت: ده هيكون تحفه عليكي، متعرفيش رشدي بيحب ألوان إيه؟
انكمشت على نفسها، وقالت بخجل: معرفش وبعدين أنا مش هاخد ولا واحد من اللي انت مختارهم دول؛ مستحيل أقعد قدام رشدي كده.
ضحكت بصوت أعلى، وقالت بمهاوده: ماشي
صمتت للحظه ثم قالت: بصي عموما أغلب الرجالة بيحبوا الأحمر والأسود والأبيض، تعالي
وبالفعل تجولوا في المحل، واختارت لوجين لمي أكثر من طقم لانجري بألوان مختلفة، وأجبرتها على قياسها، كانت ميّ تشعر بإحراج شديد، لكنها استسلمت في النهاية للوجين، التي كانت مسيطرة على الموقف، تختار وتضحك بحماس، كما اختارت لنفسها أيضا بعض الأطقم وقامت بقياسها، وبعد فترة…
لوجين بحماس: بقول لك، إحنا مش هنقيس تاني، إحنا خلاص عرفنا مقاساتنا.
مي بخجل: يا ريت.
لوجين بابتسامة: تعالي نختار الطقم بتاع يوم الفرح بقي.
تحركت لوجين في المحل، ونظرت مي تتبعها بخجل، وفجأة رن هاتفها وظهر اسم رشدي على الشاشة.
مي بحماس: أيوه يا رشدي؟
اتاها صوته المازح من الجانب الآخر: لوجين اكلتك ولا لسه؟
ضحكت وقالت بدفاع: دي عسولة خالص بجد! معرفتنش عليها من زمان ليه؟
ضحك موضحا: ما انت عارف انهم لسه مرتبطين، مكملوش أسبوع.
ابتسمت بخفة: بس ما شاء الله عليها حبيتها.
سألها بفضول: طب انتم فين دلوقت؟ هنتقابل تاني ولا إيه؟
اومات براسها: بنجيب لبس..
أغلظ صوته بحماس مازحا: طب اتصوري وفرجيني علشان لو فيه حاجه ضيقه ولا مجسمه تغيريها، أنا راجل بغير.
ضحكت قائله: تشوف إيه؟ مش هينفع!
تساءل مستنكرا: ومش ينفع ليه بقي!؟
مي بخجل: علشان بنشتري لبس بنات.
ضيق عينه بتعجب: ما هو أكيد هتشتروا لبس بنات، اومال هتجيبوا لبس رجالة يا مي!
مي بتوضيح خجول: يا بني افهم لبس بنات، يعني للبنت بس.
رشدي بعدم فهم: يعني إيه؟ هو في لبس للبنت بس؟
مي بخجل: أه.
صمتت لحظة، ثم ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه فهمها: ااه، قصدك قمصان نوم، طب ما تقولي بجيب قمصان نوم.
صرخت فيه بخجل: احترم نفسك يا رشدي!
ضحك عاليا، وقال بخبث: خلاص يا محمود، بس كتري من الأسود والأحمر والأصفر علشان بحبهم.
اشتد خجلها حتى احمرت وجنتيها، وقالت بتلعثم: انت قليل الأدب وأنا غلطانه إني بكلمك.
ضحك عاليا، ثم قال بجدية وهو يحاول تمالك ضحكته: طب خلاص سكت اهو، بس كنت عايز اقابلك بعد ما تخلصي ونتعشى سوا، عايزك في موضوع مهم.
زمت شفتيها: مش هينفع أتأخر يا رشدي.
رشدي باستغراب: تتأخري إيه؟ الساعة لسه 7 ونص.
مي بتوضيح: لسه مخلصناش ولسه هنتعشى أنا ولوجين وهتوصلني، واتفقنا بكرة هنروح القاعة الساعة 12 وبعدها نكمل، أنا اكتشفت إنه ناقصاني حاجات كتير أوي.
رشدي بترجي وتمثيل: والله!! اليوم كله بكرة للوجين!! طب اديني ساعة لله؟
ثم أضاف بجديه مرتبكه: اسمعي بكرة لازم نقعد مع بعض علشان في حاجة مهمة لازم نتكلم فيها، ومش عايز اسمع اى اعتراض.
مي بابتسامة صغيرة: إن شاء الله.
وقبل ما يغلق، قال بصوته الغليظ بمزاحه المعتاد: ومتنسيش تكتري من الأحمر.
اتسعت عينيها وقالت بشدة: احترم نفسك بقولك، باي.
ضحك قائلا: طب لما تخلصي كلمينى، باي.
أغلقت الهاتف بخجل شديد، بينما انفجرت لوجين ضاحكة، بعد أن كانت تراقب المشهد من بعيد باستمتاع شديد
اقتربت منها، وفي يدها طقمين: الأول أبيض، قصير مع الروب الخاص به، والثاني كشميري ناعم يبدو جذابا.
رفعت القطعتين أمام مي، وعيناها تلمعان بالحماس: بصي أنا عاجبني الكشميري موت حاسة إنه مختلف ومش تقليدي، بس الأبيض ده هيبقى تحفة عليك.
وضعت هاتفها في حقيبتها، وشدت الكم بيديها بخجل: بس شكله عريان اوي يا لوجين.
نظرت للقميص الذي بين يديها، وضحكت باستنكار: عريان إيه يا مي؟ ده فوق الركبه يا بنتي! هو أه أول يوم مينفعش تبقي لابسة حاجة عريان اوي، بس برضو يعني أكيد مش هتلبسي أسدال يعني؟! فالشكل ده افضل إختيار.
هزت مي رأسها بخجل: لا، دوري على حاجة أطول، أنا بتكسف.
هزت لوجين رأسها بقلة حيله من خجلها المفرط: حاجه أطول!؟ الله يكون في عونك يا رشدي، تعالي يا مي ندور.
تحركا معا نحو ركن آخر، وبدأوا يتفقدون العديد من القطع، كانت مي ترفض قطعة تلو الأخرى، لا قصيرة، لا عريان، وهكذا
أما لوجين فكانت مبتسمة، صابرة، تعلم أن في النهايه ستقتنع مي بالطقم الذي اختارته لها منذ البداية، وبعد محاولات عديدة، عادت مي إلى الطقم الذي وقع اختيار لوجين عليه في البداية بتردد وخجل.
فضحك لوجين عاليا، ورفعت حاجبها بانتصار: ما كان من الأول.
فاخفضت مي عينيها بخجل: خلاص بقي يا لوجين.
قهقهت لوجين وقالت وهي تدلك ساقها المتعبة: بقولك إيه؟ أنا تعبت ورجلي وجعتني، كفايه كده النهارده ونكمل بكره.
اومأت موافقه: ماشي أنا كمان فرهدت.
تقدمتا نحو الكاشير، ولوجين أشارت للمشتريات الكثيرة، وقالت بلطف: لو سمحتي، عايزين كل حاجة في كيس لوحدها، وياريت حد ينزلهم معانا العربية تحت.
ابتسمت العاملة باحتراف: تحت أمرك يا فندم.
فيلا سليم وماسة، 8:00 مساءً.
الحديقة المطلة على النيل
جلس سليم أمام صفحة النيل، يحدق في مياهه الساكنة بشرود، فقد مضي يومين من هذا الأسبوع، وكل ما حدث بينه وبين ماسة من تقارب وحب كان يوحي له بأن فوزه بات محسوما عند نهايته، ورغم ذلك لم يتذوق طعم الراحة؛ إذ ظل شيء ما في قلبه يضغط عليه بلا هوادة ويعكر عليه شعور الانتصار القريب.
كان الحراس خلفه قد انتهوا من تجهيز شاشة العرض، وإعداد المكان، وإشعال القناديل وتنسيقها بعناية.
قاطع شروده صوت خطوات كفيلة بأن ترسم على شفتيه ابتسامة قبل أن يسمع صوتها.
اقتربت وهي تحمل كوبين من الشوكولاتة الساخنة، وعلى وجهها ابتسامة رقيقة: عملتلك هوت شوكليت معايا.
جلست بجانبه، وقدمت له الكوب، فأمسكه واخذ منه رشفة صغيرة، ثم مال نحوها قليلا وهو يقول بصوت دافئ: تسلم إيدك يا حبيبتي.
رفعت حاجبيها وتساءلت بتعجب: هو أنت ليه بطلت تقولي عشقي؟
ضحك وهو يحرك الكوب بين يديه: انتِ اللي قولتي بتحبي كلمة حبيبتي أكتر من عشقي.
مالت عليه وقالت بنعومه: قول حبيبتي كده.
ابتسم قائلا بدفئ: حبيبتي.
ارتسمت ابتسامه واسعه على وجهها، وهي تقول بنبره اكثر رقه: قول عشقي بقي.
زادت ابتسامته وقال بنبره اكثر دفئا: عشقي.
ابتسمت وهي تقول بحيرة: الاثنين حلوين، بص انت تقول دي شوية ودي شوية.
ابتسم وهو يؤمن براسه: بس كده؟ أوامرك يا فندم.
تنهدت، قائلة بجديه ورقة: كراميل، أنا كنت عايزة منك حاجتين، ممكن؟!
اومأ لها قائلا بمزاح: خير!؟ أنا مش مطمن للرقة دى.
ضحكت بخفوت وقالت: ظالمني والله أنا علطول رقيقة.
هز رأسه ساخرا: آه ما أنا عارف، والعضه اللى لسه معلمه في ايدي تشهد.
قهقت عاليا وقالت: تستاهل أنت اللى بتستفزني.
ثم عدلت جلستها في زاويته وهي تقول بجديه: أول حاجه كنت عايزه أسألك معاك رقم عائشة؟
ضيق حاجبيه متسائلا باستغراب: عائشة مين؟!
ماسه بتوضيح: عائشة، أخت مصطفى.
هز راسه بفهم: اااه، لأ معايا رقم مصطفى ومحمد بس، هيبقى معايا رقم عائشة ليه؟
زمت شفتيها وهي تاخذ رشقه من الكوب: طب أنا عايزة رقم عائشة؟ كلم مصطفى وهاتلي الرقم منه.
نظر لها باستغراب: عايزاه ليه؟
ابتسمت بدفئ وقالت موضحه: وحشتني، وعايزة أطمن عليها وعلي ماما نبيلة، واضبط معاها ونتقابل وهي في كليتها هنا.
حرك شفتيه باستغراب خفيف: ما أنا قولتلك تعالي نروح وأنتِ قولتيلي لأ، أنا زعلانة منهم.
اومات براسها بعينين بهما وهج حزين وقالت موضحه بتأثر: أنا بس زعلت إنها بعدت عني هي وعائشة، كنت فاهمه خوفهم فأنهم يبعدوني عن مصطفى وايهاب بس ليه هم كمان بعدوا عني وهم عارفين اني مليش غيرهم..!؟
ثم مدت وجهها بشوق، وعينين تلمع بالدموع وقالت بطيبه: بس والله وحشوني ومش هينفع أنسى كل الحلو وافتكر النقطة السودة بس زي ما الدكتور قال.
ابتسم بضعف وعينين تملع بالتاثر من حديثها، فاضافت وهي تقول بمزاح: فاكر اختبار الورقة البيضا؟
ضحك وهز رأسه: أيوه، بتاع الورقة اللي فيها نقطة سودة.
ضحكت من قلبها وهي تقول معلقه: يا نهار أبيض عليك، كل اما افتكر والدكتور بيعملك الاختبار ويقولك، شايف ايه تقوله ورقة بيضا وفيها نقطة سواد
ابتسم بانتصار: بس هو قالي إني كده بشوف الصورة الكاملة، مش بركز في جزئيه معينه، حاجة حلوة يعني، مش زيك سبت الورقه كلها وركزت في النقطه السودا.
ضحكت معلقه بعند: ما أنت كمان شوفت النقطه السوده.
رد عليها ضاحكا بعند اكبر: بس شوفت الابيض معاها لكن انتِ ما نتچتيه.
ضحكت بصوت عالي من قلبها، وقالت باعتراض ناعم: لا معلش انا اول مرتين قولت الورقه فيها نقطه سوداء، لكن لما قالي ركزي في التالته قولتله ورقه بيضاء فيها نقطه سودا.
ضحك من قلبه، وقال من بين ضحكاته: عموما احنا هنتعلم سوا نشوف الابيض.
ضحكت وهي تقول: اتفقنا.
اخذت أنفاسها من بين ضحكتها، وهي تضع يديها على قلبها، وقالت بهدوء: المهم دى كانت أول حاجه عايزاها.
ضيق عينيه بتساؤل: والتانيه؟
مدت شفتيها لأمام، كطفله تريد أن تطلب شيئا من والدها وتعرف انه سيرفض، وأضافت بنبره متوجسه: ثاني حاجه وبليز يا سالوملوم، متتعصبش وخليك لطيف ورايق، احنا بنتناقش، إحنا ناس كبيره وعاقلين.
ضحك وهو يضع الماج على الطاولة: خيييير أنا هادى ورايق اهو.
نظرت اليه وقالت بترقب ممزوجا بالتوتر: أنا عايزة رقم مصطفى كمان.
قالت كلماتها تلك واغمضت عينيها نصف غمضه، تنتظر ردت فعله العاصفه.
عقد حاجبيه وقال بنبرة جامده لكنها هادئه: وعايزه رقم مصطفي ليه ان شاء الله؟!
ابتلعت ريقها وحاولت التوضيح بترقب: عايزة اكلمه يعتي علشان افهم منه ليه عمل كده واعاتبه.
اتسعت عيناه بغضب، واشتدت الغيرة في قلبه، لدرجه جمدت ملامحه.
فمالت عليه وامسكت يديه وحاولت تهدئته بنظرتها الرقيقه: قبل ما تعترض وتعلي صوتك، افتكر إن الراجل ده أنقذ حياتي 3 مرات، وكان شهم معايا في الوقت اللي انا كنت فيه لوحدى في الشارع ومحتاجه حد يقف جنبي.
رد عليها بنبره حاده حاسمه لكنها هادئه: مقولتش حاجه، وشايله جميلته لحد دلوقتي بدليل أن سبته عايش بعد ما رفع سلاح في بيتي وضرب نار على أخويا، لكن كمان عايزاني أدي لمراتي رقم راجل غريب وتتكلموا، ليه حد قالك عليا إني أريال؟!
ابتسمت بخفه: ممكن تبقى برسيل.
زمجر بغضب: بلاش سخافة يا ماسة دى مش وقت هزار.
مالت عليه بخفه وهي تضحك، وقرصت خده بمداعبة: اومال اعمل ايه، وحياتي متكشرش وخلينا حلوين مع بعض.
تنهد، ثم تمتم بضيق ممزوج بحسم رجولي: تمام قابلي عائشه زي ما انت عايزه، وهوديكي إسكندرية تشوفي ماما نبيلة كمان، لكن مصطفى لا انسي، مصطفى ده اخره لو وقع في مشكلة، او احتاج حاجه هقف جنبه ردا للجميل غير كده لا، اما بالنسبه لعمل ليه كده يومها مش مهم، موضوع وانتهى.
تنهدت باستسلام: ماشي، طب يلا كلمه، وهات رقم عائشة.
نظر لها بتعجب: دلوقتي؟
هزت راسها وهى تضعت على يده برجاء: أيوه دلوقتي، ايه اللي يخليك تتصل وقت تاني؟ هي هي، يلا!
زفر ببطىء، وكان وجهه متجهما، بينما ماسة تنظر له بابتسامة تحاول تهدئته، ربتت على صدره بمهاودة: معلش يلا بقى علشان، نتفرج على الفيلم.
تنهد وأمسك هاتفه وقام بالاتصال، وانتظر الرد
علي اتجاه آخر، في منزل مصطفى
كان مصطفى جالسا على الفراش يقرا كتابا علميا بتركيز وهاتفه بجانبه، وبعد قليل تعالي رنين هاتفه، القي عليه نظره جانبيه من طرف عينه وحينما التقطت عيناه الاسم، تابع ما يقوم فعله ولم يهتم بالرد عليه.
عودة إلى سليم
رفع الهاتف عن أذنه بضيق: مبيردش.
ماسة برجاء وهى تمسك يديه: معلش، يمكن في التواليت ولا بيعمل حاجة ومش سامعه، جرب تاني.
زفر بحدة، ثم أمسك الهاتف وضغط اتصال مره أخري..
عند مصطفى
تعالي رنين هاتفه مره أخري، فنظر اليه بتفكير للحظه، ثم التقطه ورد بنبرة جامدة: عايز إيه؟
فتح سليم الاسبيكر، ونظر إليها هامسا: شايفه !؟
وضعت يدها على صدرها، تتحايل عليه بعينيها: معلش، حقك عليا.
سليم بجمود: عايز رقم عائشة لماسة.
صمت مصطفى لحظة: تمام هبعتلك.
وأغلق قبل أن يستمع لرده، فاتسعت عيني سليم قائلا: شوفتي، قلة الذوق…
ابتسمت وجلست بجانبه وضعت قبله على وجنته معتذره: معلش، انت برضو اديته علقة جامدة
سليم بنظر حادة: يحمد ربنا إني مقتلتوش.
مسحت بيده على كتفه: خلاص بقي يا سليم.
وفي تلك اللحظه رنه هاتفه برساله فقالت بلهفه: اهو بعت رسالة، هات الرقم.
فتح الرسالة بضيق، وأرسل لها الرقم.
أمسكت هاتفها بسرعة: استنى هكلمها الأول.
ضغطت الرقم، وبعد لحظات جاء صوت عائشة من غرفتها في المنزل: ألو مين معايا؟
ماسة بابتسامة: شوشو عاملة إيه؟ أنا ماسة.
عائشة بحماس وشوق: ماسة! عاملة إيه يا وحشة؟! ايه يا بنتي كده تنسينا خالص!
ماسة بتوضيح خجول: والله مكانش معايا رقمكم، وبعدين أنا كنت فاقدة الذاكرة أصلا، هو مصطفى محكالكمش؟
عائشة بلطف: حكى، حمد لله على سلامتك، عامله ايه دلوقتي
ماسة بتساؤل: الله يسلمك، كويسه الحمد لله، المهم بقولك هتيجي القاهرة امتى؟ عايزه اشوفك.
عائشة بتوضيح: أنا بعد بكره هبقي في القاهرة.
ماسة بتساؤل: طب ايه رأيك نتقابل؟
عائشة بموافقة: ماشي بس خليها بعد الساعة خمسة عشان عندي محاضرات.
ماسة: تمام على 5:30 اختاري مكان يكون قريب ليكي، أنا عارفة إنك بتركبي مواصلات.
عائشة: تمام نتقابل في مطعم في وسط البلد، علشان بنزل عبد المنعم رياض.
ماسة تمام باي.
عائشة: باي.
أنهت المكالمة، والتفتت لسليم بابتسامة واسعة: شكرا يا سالوملوم، اشرب بقي الهوت شوكليت، وشغل الفيلم علشان نتفرج عليه.
نظر لها من طرف عينه، فهو مازال غير راضي: طيب
ضحكت برقة، وأسندت رأسها على كتفه، بينما أحاط هو ذراعيه حول خصرها وضمها اليه بحنان وصمت.
على اتجاهٍ آخر، عند مصطفى.
كان يمسك هاتفه، غارقا في دوامة من التفكير؛ أراد أن يحدثها ويطمئن عليها، ولكن لا يعلم كيف!؟ فتنهد بعمق، ونهض متجها نحو غرفة عائشة، التي كانت منهمكة في المذاكرة.
مصطفى: إيه يا شوشو، ماسة كلمتك ولا لسه؟
هزت راسها: آه، لسه قافلة معايا، عرفت منين؟
مصطفى بتوضح: ما هو سليم كلمني علشان ياخد الرقم مني، المهم كانت عايزه ايه؟
عائشة: اتفقنا نخرج مع بعض بعد بكرة.
مصطفى بارتياح: خلاص، كويس قوي، أنا نازل بكرة القاهرة وراجع بعد بكرة، أبقى آخدك معايا لما تخلصي معاها.
عائشة: خلاص ماشي.
خرج وعاد الى غرفته وهو يتنهد فاخيرا وجد طريقه لكي يرها.
شركة كوين لمستحضرات التجميل، 10:00صباحا.
مكتب صافيناز
جلست خلف مكتبها، تتابع سير العمل بانتباه، وتجري عدة مكالمات سريعة، بنبرة عملية تخفي خلفها توترا لا يهدأ، وبعد قليل فتح الباب ودخل عماد قائلا بهدوء: صباح الخير.
رفعت عينيها وقالت بابتسامة خفيفة: صباح النور تعالى.
جلس على المقعد الامامي قائلا: كويس إنك رجعتي تركزي في الشغل تاني.
أومأت برأسها: آه بقالي كتير بعيد قولت ارجع أشوف الدنيا ماشيه ازاى.
هز رأسه بابتسامه مصطنعه: نورتي شغلك من تانى يا صافي.
صمت للحظه، ثم تساءل باستفسار: صحيح متعرفيش وصلوا لايه في موضوع ماسه؟ يعنى الباشا من ساعه ما قال محدش يدخل وإنه هيخلص، لا حس ولا خبر؟! الباشا رجع يفرض عليها حمايه تانى ولا ايه؟!
هزت رأسها: لا معتقدش، الباشا المره دى أصدر الفرمان بقتلها، والهانم قالت إنه اتفق مع قناص يقتلها بس معرفش ايه اللي مأخره لحد دلوقتي؟!
عقد حاجبيه: بس أنا حاسس إن الموضوع ده مش هينفع.
اقترب أكثر، وصوته صار أخفض وأخطر: سليم ذكي،
إحنا هناخد منه نقطة ضعفه، وساعتها هيبقى عامل زي الأسد الجريح، وبالوصيه اللى عاملها ممكن يزعلنا كلنا اووي.
توقف لحظة، وأكمل: والمستخبي هيبان وهتبقى خربت من كل ناحيه.
نظر إليها بتنبيه: وأوعي تنسي إن الباشا ميعرفش إن إحنا اللي ورا الحادثه، لا الجزء الأول منها ولا التاني.
استدارت بكرسيها، ومررت يدها في شعرها بتوتر: طيب وهنعمل إيه؟! إحنا ماصدقنا أصلا إن الباشا دخل معانا.
ابتسم ابتسامة باردة: أنا بصراحه عندي فكرة، بس مش عارف الباشا ممكن يوافق عليها ولا لأ؟!
قالت بسرعه: فكرة إيه دى؟!
أجابها بهدوء قاتل: نخلي سليم هو اللي يقتلها.
اتسعت عيناها بدهشه: ايه؟! ازاي
قال بثقة: هقولك.
بدأ يشرح خطته، وصافيناز تنظر إليه بصدمة بعيون لا ترمش، وأنفاس تتباطىء.
وحين انتهى، تساءلت بتردد: وتفتكر سليم ممكن يصدق؟
ابتسم بمكر: هنخليه يصدق.
تنفست بعمق، وضحكت بذهول: أنت عبقري بجد يا عماد، بتجيب الأفكار دى منين، خطه مزهله، أنا موافقة عليها وعجبتني جدا.
صمتت لحظة، وأضافت بخوف: بس سليم لو كشف اللعبه هيدفنا بالحيا.
عماد بثبات: امشي ورايا وهتكسبي، هو لحد دلوقتي حد عرف إن إحنا اللي ورا الحادثة؟
صافيناز: بس إحنا كنا متغطيين من إريك.
قهقه بعلو صوته: مظبوط، كنا متغطيين من إريك، ودلوقت هنتغطى من الباشا.
اومأت وقالت بتردد: أنا مش عارفة بابي ممكن يوافق على حاجة زي دي ولا لأ.
ابتسم بثقة: هيوافق، بصي احنا ممكن نستنى يومين، ونشوف هيعملوا ايه في موضوع القناص لو تم خلاص، متمش نقدم احنا فكرتنا.
أومأت بحسم: اتفقنا
مجموعة الراوي، 10:00 صباحا
مكتب عزت
جلس خلف مكتبه، بهيبه ونظرات ثابتة إلى الأمام، وفايزة أمامه، قامتها مرفوعة كعادتها، وعيناها تلمعان بترقب وصرامة.
وبعد لحظات، فتح الباب ودخل زيدان بخطوات مترددة، يمرر نظراته بين الاثنين قبل أن يقف أمام المكتب.
زيدان بتحية: صباح الخير.
عزت باقتضاب وهو يشير للمقعد: صباح النور يا زيدان، اتفضل اقعد.
جلس أمام فايزة، وهي تراقبه بنظرة فوقية، أما هو فكان ينظر تارة لعزت وتارة لها قبل أن ينفجر باعتراض قائلا: ينفع اللي بيحصل ده؟!
رفع عزت رأسه ببطء، نظراته باردة: إيه اللي بيحصل يا زيدان؟
مال للأمام قائلا بانفعال: أنا بقالي كام يوم بحاول اوصلك، واتصلت كتير وانت مبتردش! ولما جيت هنا يقعدوني بره زي أي حد غريب! حتى القصر الحراسة رجعوني!
تحركت فايزة في مقعدها، وتساءلت بنبرة تملكها الهيمنه والاستقراطيه: وإيه هو بقى الموضوع المهم اللي انت عايزنا فيه؟
أخذ نفسا عميقا: أنا سمعت إن ياسين هيتجوز، مبروك.
فايزة بهدوء مصطنع: الله يبارك فيك..
صمتت لحظة، ونظرت له نظرة ذات معنى: بس معتقدش إن انت جاي تبارك في جواز ياسين، يا ريت تدخل في الموضوع علطول يا زيدان.
نظر لها لحظة، وقال محاولا الثبات: اعتقد ان دلوقتي نالا الأفضل ليها إنها تعيش مع مامتها مادام أبوها هيتجوز.
عزت بنبرة غليظه: الأفضل من وجهة نظر مين يا زيدان؟
زيدان بهدوء: من وجهة نظر الصح، البنت تقعد مع مامتها أفضل من مرات أبوها.
كاد عزت أن يرد لكن قاطعته فايزة وهب ترفع يدها في الهواء باستإذان: بردو يا باشا، أنا هرد.
نظرت لزيدان نظرة حادة وقالت بنبرة ممتلئة بهيمنة والاستقراطية والسخط: انت لو هتتكلم عن الصح يا زيدان، المفروض هبه متشوفش نالا طول عمرها وتتحرم منها! بس احنا مش هنعمل كده، علشان نفسية البنت، هنخليها تشوفها في الويك إند، يومين في الأسبوع، بس مش دلوقتي خالص، لما ياسين يهدى، لأنه متعصب خالص ومش طايق يبص في وش بنتك.
مالت للأمام وأكملت بحدة: بنتك غلطت غلطة كبيرة اوي، غلطة انت عارف كويس تمنها في عيلة الراوي بيبقى عامل إزاي؟ كان لازم تفهم بنتك هي بتتعامل مع مين قبل ما تقدم على فعلتها الشنيعة دي.
عض شفته من الداخل من الوضع الذي وضعته فيه ابنته، وشعر بالإحراج والمهانة، ولكنه قال محاولا التبرير: أنا عارف إن هبه غلطت لما...
قاطعه عزت بحدة وهو يرفع يده: من غير كلام كتير يا زيدان البنت هتفضل موجودة معانا، وهبه لما تحب تشوفها تيجي القصر بمعاد لكن البنت هتعيش مع باباها، ومش عايزين كلام كتير.
ثم مال للأمام وصوته أصبح أشد قسوة: الست اللي تقتل ولادها، متستاهلش تبقى أم.
زيدان بصوت مجروح: يعني ده آخر كلام؟
صمت للحظه وكانه يحاول امساك باخر خيط: بس نالا عمرها ما هتبقى مبسوطة وهي عايشة مع مرات أبوها!
عزت بسخرية قاسية: أنا أدري بمصلحة حفيدتي يا زيدان، أنا مش هآمن على بنت ابني تعيش مع واحدة زي دي مرة تانية، واحده قتلت أحفادي وحرمتهم من حياتهم، أنا إيش ضمني إنها متحاولش تقتل البيت كمان..
تجمد وجه زيدان، وقاطعه بصدمه: ايه اللي بتقوله ده يا عزت!
ضرب عزت المكتب بكفه بنبره صارم: عزت باشا يا زيدان متنساش نفسك.
تنهدت وابتلع غضبه وتحدث في نبره مليئه بالسيطره والهدوء: انا بقول الحقيقة! هي مش بنتك قتلت ولادها بدل المره اتنين بحجه إننا مش عاجبينها؟ واللى تعمل كده مره تعملها التالته عادى..
ثم أشار باصبعه بنبره شديده اللهجه: أنا قولت مش هنتكلم كتير البنت هتفضل في القصر، وهبه تيجي بمواعيد تشوفها ومش دلوقتي، بنتك هي اللي بدأت يبقي تستحمل نتيجه أفعالها، أنا عديت إهانتها لينا وقتلها لأحفادي علشان خاطر ياسين، بس لو فضلت تزعجني كتير رد فعلي مش هيعجبك.
رمش زيدان ببطء، كأن جفنيه يثقلان من وقع الصدمة، كان قلبه يتضخم من الحزن والألم من تلك الإهانة وذلك التهديد، ومن الموقف المهين الذي وضعت فيه ابنته، لكنه رغم كل ما يشتعل داخله، لم يستطع أن ينطق بحرف واحد.
انخفضت كتفاه كأن الهزيمة نزلت عليه دفعة واحدة، وهز رأسه ببطء، في محاولة يائسة لإخفاء ما يشعر به، ثم اعتدل واقفا، وصوته خرج مبحوحا، هادئا رغم الانكسار الذي يحاول ستره: تمام يا باشا
خرج وهو يشعر بالاختناق والضيق والمهانة.
بعد خروجه، كسرت فايزة الصمت وقالت بانزعاج: بجد ناس وقحة! إيه الوقاحة دي؟ بعد كل اللي عملوه جايين بمنتهى البجاحة يطلبوا ياخدوا البنت؟ مش كفاية إن احنا سكتنا على عملتها السودا وسايبنها عايشه بعد اللى عملته في ولاد ياسين.
عزت بتنهيده: خلاص، هو مش هييجي تاني، أنا عارف زيدان كويس، عنده كرامة.
رفعت فايزة حاجبها بأمر: اسمع يا عزت البنت دي لا يمكن أسمح ان رجليها تدخل القصر تاني، وطبعا أنا مش هطمن علي نالا معاها خارج القصر، حدودها تروح الجنينه والحراس يكونوا معاها ولو فكرت تعمل حاجة رصاص مسدسهم يكون الرد، مع إن الرصاص دي أغلى من هبة.
عاد عزت بظهره على المقعد وهو يشير بيديه لتهدئتها: اهدي يا فايزة، احنا عندنا حاجات أهم نفكر فيها غير هبه.
فايزه بتساؤل: صحيح عملت إيه ف موضوع ماسة؟
هز رأسه باستياء: مفيش جديد.
تنفست بقلق شديد: أنا كل ما الموضوع دي بيطول بتوتر من اللي ممكن تتكلم في أي لحظة دي.
زفر بضجر: عندك حق، استنى اكلمه واشوف منفذش ليه لحد دلوقت.
رفع هاتفه وأجرى مكالمة، وملامحه متجهة: ميخائيل، ماذا أنجزت حتى الآن؟
جاءه الصوت متوترا من الطرف الآخر: لم أستطع تنفيذ المهمة حتى هذه اللحظة.
تقلص فكه، وقال بغيظ مكتوم تسلل من بين أسنانه: كيف لم تقتلها حتى هذه اللحظة؟!
توقف لحظة، ثم تابع بحدة أشد: إن لم تكن قادرا على أداء عملك أخبرني لأبحث عن غيرك، يبدو أنني أخطأت حين وثقت بك ميخائيل.
جاءه الرد ثابتا لكن يحمل ضيقا هو الآخر: ماذا عليا أن أفعل سيد عزت، سليم لم يتركها وحدها قط!!
هز رأسه بعدم اقتناع، وضاقت عيناه بغضب: أتريد أن تقنعني أن سليم لم يتركها حتى الآن؟!
جاءه الرد بصرامة واضحة: نعم لا يتركها قط، وكثير ما أكون على وشك قتلها ثم يظهر فجأة ويفسد كل شيء، ماذا تريدني أن أفعل؟
ثم أضاف بلهجة حاسمة: أعطني الإذن، وسأنهي لك أمرها في الحال، اخبرتك من القبل أن رصاصتي لا تخونني أبدا، فقت مرر لى أذنك وستقرأ خبر مقتلها غدا في جميع الصحف، ولا تقلق بشأن سليم.
قاطعه عزت بعصبية حادة: قلت لا تقترب منها وسليم معها ابدا.
آتاه الرد ببرود قاتل: إذا لا تجادلني، انتظر حتى أجدها بمفردها وسأقوم بقتلها في الحال.
أسند ظهره إلى المقعد، واندفعت من صدره زفرة طويلة أثقلت الجو، فيما مدت فايزة يدها لتضعها على ذراعه بخوف هامسة: بالراحه يا عزت.
ساد صمت قصير، مسح وجهه براحة كفه ببطء، وحاول كبح الغضب المتصاعد في داخله، ثم قال بصوت حاد كالسكين: ابقي خلفها، إلى أن تجد الوقت المناسب وأسرع بالتنفيذ، أنا لن انتظر كثيرا.
أغلق الخط، ويده تضغط على الهاتف بشدة، وحرارة الغيظ تشتعل في ملامحه.
الجالري الذي تعمل به سلوى،11:00ظهرا
جلست سلوى خلف المكتب، رأسها منحني، وأصابعها تعمل بخفة على قطع الإكسسوارات الصغيرة بدقه وتركيز.
وبعد دقائق، اقترب سليم بخطوات محسوبة، وصوته قطع هدوء المكان: صباح الخير يا سلوى.
رفعت عينيها إليه ببطء، أخذت نفسا عميقا محاولة إخفاء ضيقها، أشارت بيد مرتعشة: صباح النور، اتفضل.
هز رأسه برفض: مش هينفع نتكلم هنا، تعال نروح في حتة تانية، خمس دقايق بس وبعدها ارجعي لشغلك تاني.
اخذت نفس عميقا بتردد لوهله، نظرت لصديقتها: أميرة انا هخرج شويه وراجعة تاني.
تحركت امامه وهو خلفها حتى وصلوا الى الحديقه، ووقفا مقابل بعضهما، كانت سلوى تحاول أن تبدو هادئه، لكن ضيقها كان ظاهرا بوضوح علي ملامحها.
تساءل بصوت منخفض لكنه مباشر: إيه اللي حصل بينك وبين ماسة يا سلوى وخلاها زعلانة بالشكل ده؟
رمشت سريعا، وحكت أصابعها بتوتر، تحاول الهروب من عينيه: مفيش حاجة حصلت.
هز راسه وهو ينظر في ملامحه بتركيز قال بإصرار: لأ فيه، اليوم اللي اتقابلتوا فيه رجعت منهارة،وامبارح مطولتش عندكم ورجعت علطول وماما جت وراها ومكانتش كويسه بردوا؟!
ابتلعت ريقها، وقالت بحدة خافتة: زعلت منها، لما قالتلي انها سامحتك لان شايفه انك متستاهلش بعد اللى عملته فينا وفيها..
بدات نبره صوتها تهتز وقالت بتاثر: زعلت مني علشان خوفت عليها منك يا سليم، أنت لما بتتعرض لضغط بتخرج ده كله على أختي؛ ضرب وإهانة وحبس وإحنا بنشوف ده من بعيد وبنتحرق، واحيانا بينوبنا من الحب جانب أحنا كمان..
هبطت الدموع من عينيها بعتاب وتاثر: ليه أختي تعيش مهددة؟ ليه تمشي على سطر وتسيب سطر؟ النهارده كويس بكرة محدش ضامن؟! كان لازم أفوقها وأقولها الحقيقة علشان حبها عميها، لكن…
وقفت ثواني، وصوتها اهتز: زعلت مني وضربتني بالقلم، اختي أول مرة تمد إيدها عليا علشانك.
زم دشفتيه باسف، مر الألم في عينه قال بهدوء: أنا عارف إنك زعلانة مني، وإن اللي عملته معاكي مكانش يصح، بس أنا كنت متلخبط ومضغوط والله يا سلوي ومش عارف بعمل ايه، ولأسف متعلمتش اتعامل غير الطريقة الغلط دي، بس أنا دلوقتي بروح لدكتور وبحاول أتعالج، واكون انسان جديد.
واضاف بعقلانيا مفسرا: والدليل على كده ان رغم إنها هربت 6شهور، معملتلهاش حاجه لما رجعتها، بالعكس اعتذرت وجيت أمد إيدي ليكم عشان نبدا صفحه جديده.
رفعت حاجبها بحدة: علشان المرة دي ماسة هربانة وأنت غلطان فيها، مش زي المرة اللي قبلها.
اقترب خطوة معارضا: أنا لو شخص وحش مكانش هيفرق معايا، كنت هفكر بس إن مراتي هربت
6شهور برا بيتي، وأهلها بيكلموها ومحدش قالي، لكن رغم اني كنت عارف إنها بتتواصل معاكم، معملتش حاجة، ولا حتي حاولت اتجسس عليكم علشان أسمع المكالمات، وشلت الكاميرات والميكروفونات من عندكم، وكل اللي عملته إني راقبت التليفون علشان أعرف المكالمة جاية منين مش أكتر.
اقترب خطوة، ونبرة صوته رقت بصدق: وصدقيني أنا مش ناوي أزعلها ولا اعمل اي حاجه من اللى عملتها دى تاني، وبعدين تزعلي مني انا ماشي، لكن اختك لا متبعديش عنها، ماسة بتحبك وإنتِ بتحبيها، متسيبوش أي حاجة تفرقكم.
أخفضت رأسها وقالت باختناق: هو أنت فاكرني مبسوطة إني مبكلمهاش؟ دي توأمي ومقدرش أعيش بعيد عنها، وكنت ناويه اجيلها اعتذرلها واصالحها، خصوصا إنها وجعتني اووى لما جت امبارح ومشيت أول ما شافتني من غير ما تبصلي حتي، انا عارفه ان كلامي كان وحش، واني غلطت، بس حسيت إنها خانتنا لما سامحتك بسرعة.
رد بهدوء عقلاني: انتِ مشكلتك يا سلوى إنك واقفة عند نقطه ومش عايزة تتجاوزها، أنا غلطت أه، بس كلنا بنغلط وربنا بيسامح، ليه إنتِ مش عايزة تسامحي علي الأقل علشان تريحي أختك؟
سقطت دمعة على وجنتها فمسحتها بعصبية: علشان وجودك في حياة أختي خطر! وأنا خايفة عليها.
ساد الصمت للحظه، وكلماتها ضربت عقله بقوة ! فحدق فيها لثواني بصمت، وتساءل: خطر أزاى يا سلوي؟!
ارتبكت ولم تعرف ماذا تقول، فقالت باهتزاز: أقصد يعنى علشان بتزعلها وكده.
لم يقتنع ولم يخفي عليه ارتباكها بالطبع، فرمقها من أعلى لأسفل بشك، وفجأة ارتطمت برأسه جملة سعدية، حين قالت لماسة "أن تخبره بما فعله رشدي بها".
دقق النظر في ملامحها، وتساءل فجأة بطريقة غريبة، لعله يلتقط منها أي شيء: هو رشدي عمل إيه لماسة يا سلوى؟!
اتسعت عيناها، واهتز جسدها بعنف، شحب وجهها، وتسارعت دقات قلبها حتى خيل لها أنه يسمعها، لم تتوقع ذلك السؤال، فتلعثمت وصوتها خرج مرتجفا: رشدي؟! عمل إيه رشدي! معرفش اسألها.
اقترب منها وركز نظره في عينيها، مراقبا لانفعالاتها: متأكده يا سلوي؟! يمكن قالتلك حاجه، افتكري.
صمتت لوهلة تعشت من الداخل وهي تتشبثت بملابسها بيد مرتجفة، وقالت وهي تحاول اخفاء ارتباكها، بحدة زائفة: قولتلك معرفش، مفيش حاجة.
كانت تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها في الحال، بينما ظل هو ينظر إليها مطولا في صمت، قد فهم أن هناك شيئا كبيرا يخفى، وأن الشك الذي استقر في قلبه لم يعد مجرد ظن، بل يقين، وكل ما عليه الان أن يعرف ما الذي حدث؟!
مسح وجهه بيده وقال بهدوء ثقيل: تمام، المهم دلوقتي أنتِ وماسة لازم تتصالحوا.
أخذت نفسا عميقا تحمد الله بداخلها أن الأمر مر بسلام، وأعادت شعرها إلى الخلف، تحاول أن تبدو ثابتة رغم أن كل شيء بداخلها كان ينهار.
هزت راسها: اكيد هنتصالح.
ثم اضافت برجاء: وانت ياريت متوجعهاش تاني هي بتحبك أكتر مننا كلنا، والست اللي بتغفر لزوجها كل اللي انت عملته ده سواء فيها او فينا، لازم تحطها فوق راسك.
أجابها بهدوء وحب: اكيد يا سلوى ماسه دى حته من قلبي، ومقدرش أزعلها ولا اوجعها.
تسال باهتمام: مبسوطة في شغلك؟
أجابته ببرود مهذب: اه عن إذنك.
تركت المكان، وتركته واقفا، يتأمل الكلمات الثقيلة التي اصطدمت بقلبه.
الجامعه الامريكيه، 12:00ظهرا.
كانت ماسة داخل المحاضرة تستمع بتركيز، وقد وضعت هاتفها على وضع الصامت.
وبعد انتهاء المحاضرة، اتفقت مع صديقاتها أن يذهبن إلى الكافيه المجاور للجامعة، لحين بدأ المحاضره التي تليها.
اما سليم فقد أنهي لقاؤه مع سلوي، وحاول الاتصال بها كثير لكن للأسف لم تكن ترد، فلسوء الحظ قد نسيت هاتفها على وضع الصامت، وحتى نسيت أن تخبره بذهابها معهم للكافيه برساله نصيه كما اعتادت.
ظل هاتفها يهتز في حقيبتها، وهي جالسة مع صديقاتها وغير منتبهة له تماما.
في أحد الكافيهات المكشوفة جزئيا
مظهر عام لذلك الكافيه الذي يطل على المباني المحيطة، جلست ماسة مع أصدقائها على الطاولة، يتبادلون الأحاديث بمرح.
لعبت ماسة بخاتمها، وقالت بضيق: أنا كنت فاكرة إن ربنا تاب على دكتور كريستين، بس طلعت زي ما هي.
ضحك صديقتها بخفة: يابنتي، هتفضل زي ماهي، مبتتغيرش.
مالت صديقة أخرى نحوها قائلة بمزاح: يا ريت تخلي جوزك يفسحها لنا شوية.
ضحكت ماسة: شكلي هعمل كدة وهستغل سليم فعلا.
وأخدت الضحكات المتقطعة تتردد بين الطاولات، والأكواب تتصادم بخفة، وكأن كل شيء حولها بعيد عن الهموم.
على إتجاه آخر.
نشاهد ظل رجل يرتفع بخطوات مدروسة على الدرج، بوجه جامد، وعيناه لا تفارقان الهدف.
وصل إلى السطح، ووقف خلفه لحظة يتفحص المكان بعين باردة، انحنى، وفتح حقيبته السوداء بهدوء، وأخرج منها بندقيته.
جلس على الأرض، وأخذ يركب الأجزائها قطعة قطعة، ثبت المنظار، ومسح عدسته بطرف قميصه الأسود، أخذ نفسا عميقا، وكأن العالم من حوله تجمد.
تحرك حتى صار متمركزا على حافة السور، مد ساقيه بثبات، استقر السلاح بين كفيه، وخفض رأسه ببطء حتى ألتصق خده بجانب البندقية.
من خلال المنظار، بدت له ماسة من بعيد - جالسة وسط أصدقائها في الكافيه، تضحك، وتحرك يدها بخفة، تفصل بينهما مسافة كبيرة، لكنها بدت قريبة بما يكفي، قريبة كأنها في مرمى أنفاسه.
على اتجاه آخر في الكافية
لوحت ماسة بذراعيها: مفيش يعني غير إللي اسمه جلال ده اتواصل معاه؟!
أجابتها أحد أصدقائها: يا بنتي، ده الليدر بتاع الدفعة، فلازم تكلميه عشان تعرفي هتبقي في أي مجموعة.
صديقة أخرى بمكر: شكل سليم بيغير.
ضحكت ماسة بخفة: أيوة، بيغير أوي.
صديقة ثالثة ببساطه: مفيهاش حاجة يعني، هتفهمي منه شوية حاجات مهمة، إحنا عندنا 2 ليدارات شباب وبنت واحده بس دي باردة وحربوقة.
مالت ماسة للأمام، تضحك وتخبط كف صديقتها: هي ناقصة حرابيق كفاية اللي في حياتي، خلينا مع جلال.
رقعت كوب العصير بخفة، وبالتزامن، ظهر شعاع الليزر الأحمر على رأسها، ثابت ومستمر يلمع بين ضحكاتها..
والرجل أصابعه تتحرك والسبابة تقترب من الزناد...
تفتكرو ايه هيحصل؟!
استوووب.