
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثامن عشر 18 بقلم ليله عادل
{"كل خطوة هي بداية لحياة جديدة ولحلم جديد، وحتى إن سرت في الطريق الصحيح، قد تأتي لحظةٌ تقلب الموازين كلها وتفاجئك فكن شجاعا ولا تخف."
الفصل الثامن عشر🤫♥️
[بعنوان:طريق لا يأمن مفاجآته أحد ]
أشارت إسعاد بابتسامه: اتفضل يا ابني، البيت بيتك.
تحرك رشدي بخطوات هادئة، يده تلمس الحائط بخفوت وكأنه يتحسس ذكريات المكان، مد رأسه من الباب نصف المفتوح، كانت جنة جالسة أمام الكمبيوتر، ظهرها الصغير منحني قليلا، وأصابعها تنقر على الأزرار بإيقاع مرح، وضحكتها الطفولية تملأ الغرفة وتطغى على ضجيج اللعبة.
رشدي، بصوت خافت ودافئ: جنة.
ركضت نحوه بقوة، قدماها تخبطان الأرض بخفة وهي تصيح باسمه: رشديييي!
قفزت في حضنه، ولفت ذراعيها صغيرة حول رقبته، تتشبث به، وعيناها تتلألأ بالحنين: وحشتني خالص!
شدها إليه، وعيناه تغوص في شعرها الذهبي، وإصبعه يمر برفق على ظهرها: وأنتِ كمان وحشتيني أوى.
ابتعدت عنه قليلا، وعيناها التي تشبه السماء توهجت بالحزن: بس أنا زعلانة منك، كده تسيبني كل الأيام والشهور الكتير دي؟
امسك كفها الصغيرة وقبله بحنان: معلش حقك عليا، بس كان عندي شغل كتير.
زمت شفتيها بطفولة وعتاب: هو أنت كده علطول مشغول؟
ابتسم ومسح على شعرها الذهبي: أنا أصلا هعوضك، هقعد معاكي النهارده كتير، وكمان يومين هاخدك ونخرج سوا خروجة حلوة.
رفعت حاجباها بحماس طفولي: بجد؟
مسح على رأسها بحنان: أيوه بجد، وجبتلك حاجات حلوه اووى برا تيجى نشوفهم؟
لمعت عيناها بفرحه طفوليه، ومدت يدها الصغيرة لتسحبه من كمه: ماشي يلا بسرعه.
خرجا إلى الصالة، كانت إسعاد جالسة على الأريكة، تنظر لجنة وهي تبتسم بسعادة تلمع في عينيها.
اخذت جنه تجر رشدي من يده بحماس طفولي، وكأنها تخشى أن يفلت منها قبل أن ترى كنوزها الصغيرة..
وفور أن وقعت عيناها على الأكياس، تركت يده فجأة وركضت نحوها بسرعة كادت تسقط معها.
إسعاد وهي تشير بيدها: يا بنتي بالراحة هتقعي!
ثم التفتت نحو رشدي وهي تهز رأسها بعدم رضا وكأنها تشكي له: أهو شوفت يا رشدي بيه؟ دي كده علطول، شقية ومبتسمعش الكلام، ديك النهار كانت هتقع من على المرجيحة من شقاوتها.
ابتسم وهو يقترب بخطوات ثابتة، ووضع يده فوق رأس جنة يربت عليها برفق ومداعبة: سيبيها تلعب وتتشاقى براحتها، دي طفلة.
بدأت جنة تسحب الهدايا من الأكياس بسرعة ولهفة، العرائس الأدوات المنزلية الصغيرة، الطيارة، العمود الموسيقي وغيرها، كل شيء يلمع في يدها الصغيرة كأنه كنز.
لمعت عيناها وهي تردد بسعادة: حلوين خالص يا رشدي!
ثم اندفعت نحوه فجأة وضمته وضعت قبلة على خده بطفولة محبة.
أكملت فتح الأكياس، ثم أخرجت مجموعة الملابس:
فستان باللون الروز، واخر أبيض، فساتين باللون مختلفه، الشوزات، البناطيل، البلوزات، توك شعر
جنة بزهول وسعاده: كل دول عشاني أنا؟!
ابتسم وهو يضع يده في جيبه بابتسامة: أيوه، أنا بقالي كتير مجبتلكيش هدايا حلوة، فقولت أجيبلك كتير مرة واحدة.
ركضت نحو إسعاد تشد يدها وهي تمسك احد فساتين: تيتا تعالي لبسيني الفستان الحلو ده، تعالي يلا عايزة ألبسهم كلهم!
رشدي بصوت منخفض: سيبيها، هي تعبانة، أنا هاجي ألبسك.
اتسعت عيناها، وعقدت ذراعيها على صدرها، وهي تقول بجدية طفولية: لا عيب، أنت راجل يا رشدي، تيته ورحمة قالولي مينفعش راجل يلبسني ولا يلمسني عيب وحرام.
ضحك بصوت عالي بينما إسعاد لوحت بيدها باستياء: جنه، عيب كده، هو انا مش قولتلك منقولوش رشدي كده تانى، قوليله بابا رشدي.
وهنا اتسعت عينا رشدي باضطراب له معنى، فنظرت اليه اسعاد بارتباك وتحممت محاولة لم الموقف: علشان رشدي كبير، وعيب ننادي له رشدى بس كده، وبعدين عادي رشدي يلبسك.
وضعت جنه يديها في خصرها ونظرت لهما نظرة جادة مضحكة: طب أعمل إيه دلوقتي؟ أنا عايزة ألبسهم! يعني يلبسهملي ولا لا!
إسعاد بتأكيد: اه رشدي عادي، اي راجل تاني عيب وحرام، يلا قولي لبابا رشدي لو في راجل قرب بنعمل ايه.
ضحكت وقالت بحماس: نعضه من خده، ونضربه على وشه، ونصوت ونلم عليه كل الناس؛ علشان يضربوه، واقول خاطفنييييي.
ضحكه رشدي وانحني يقبل وجنتها: شطوره يا جنه.
ثم مد كفه وهو يقول: يلا تعالي أنا هساعدك، علشان تيته تعبانة مش هتقدر تساعدك.
أمسكت يده بسرعة: طب يلا يا رشدي بسرعة.
حملا الشنط معا، و دخل معها إلى الغرفة، حملها بخفة ووضعها فوق الفراش، وقفت أمامه على المرتبة كأنها أميرة صغيرة فوق منصة عرض.
قال وهو يضع يديه على خاصرته: عايزة تلبسي إيه الأول؟
أشارت بيدها إلى أحد الفساتين: عايزة ألبس الفستان الروز.
هز رأسه بإيجاب: ماشي يلا.
رفعت سبابتها في وجهه بجدية طفولية: غمض عينك يا رشدي.
ضحك وهو يرفع حاجبه: اغمض عين إيه يا شبر ونص، هبص على إيه؟!
هزت رأسها بقوة: مليش دعوة، غمض عينك عيب.
تنهد ساخرا: طب هلبسك إزاي وانا مغمض!؟ حد قالك اني ساحر؟!
أشارت له بصرامة مضحكة: مليش دعوة، غمض عينك ولو فتحتهم هخزقلك عينك.
اتسعت عيناه بصدمه: تخزقي عين مين يا بت أنتِ، دي أنا لو عطست في وشك هطيرك.
ردت بسوقيه وهي تخبط على كتفه: تطير مين يا عم ولا تعرف تعمل حاجة اصلا.
اتسعت عيناه بصدمه: ايه كلام ده عيب، سمعتي الكلام دى فين
جنة بتلقائية: من العيال في شارع.
رشدي بنبرة جادة لكنها هادئه: لا إحنا مينفعش نقول الكلام ده تاني، ولو سمعتك بتقولي كده تاني هزعل منك، ومش هاجي تاني.
ردت بلهفه وخوف: لا خلاص مش هعمل كدة تاني، اسفه، بس غمض عينك.
اوما براسة ووضع أصابعه على عينه: أهو غمضت، خلصي بقي.
وقفت خلفه ووضعت كفها الصغيرة فوق كفه، لتتأكد أنه لا يرى شيئا.
ثم بدأت تحاول خلع الفستان الذي ترتديه، ولكنها لم تستطيع فتنهدت، ونادت بخجل طفولي: يا رشدي فكهولي، مش عارفة.
رد وهو لا يزال مغمضا: هفكه إزاي دلوقتي، إيدي على وشي!
ضربته بخفة على كتفه: متشخطش فيا كده، واتصرف ومتفتحش عينك أنا شايفاااك خليك مؤدب.
ضحك، صوته انخفض وكأنه يحاول ألا يثير غضب الأميرة الصغيرة: طب بصي إيه رأيك أرفع وشي لفوق كده وانا بفكه؟
وافقت فورا: ماشي، بس أوعى تبص!
رفع رأسه لأعلى، ومد يده للأمام يحاول البحث عن سحاب الفستان دون أن يلمح شيئا، أمسك طرف السحاب، وسحبه بحذر شديد، ثم رفع الفستان من عند كتفيها الصغيرة والبسها الفستان الجديد، وما إن انتهى، حتى أسرعت تقفز من مكانها وتتحرك نحو المرآة التي خلفه، وأغمضت عينيها لثانية، ثم فتحتهما، ونظرت إلى نفسها في ردائها الجديد، وهي تتمايل بخفة، وتدور حول نفسها بفرح.
كان رشدي واقفا خلفها، ظهره للمرآة، ولا يزال رافعا رأسه للأعلى كما أمرته، يضحك في سره ولا يجرؤ أن ينزل رأسه قبل أن تأذن له.
قالت بصوت مفعم بالنشوة: بص حلو إزاي؟!
وما إن التفتت إليه حتى وجدت رأسه ما يزال مرفوعا، فقهقهت بصوت عالي: خلاص يا رشدي نزل راسك
خفض رأسه وهو يبتسم لها، وعيناه تلمعان بدفئا لا يمكن إخفاؤه.
اندفعت فجأة بين أحضانه: شكله حلو خالص، شكرا يا رشدي، أنا بحبك خالص!
بادلها الحضن بحنان صادق: وأنا كمان بحبك أوي.
جنة بحماس لا ينتهي: يلا لبسهملي كلهم!
ظل يساعدها قطعة بعد أخرى، وفي كل مرة تنتهي من طقم، ترمي نفسها على صدره لحظة صغيرة، ثم تركض لتبدل من جديد، وبعد آخر فستان، رفع يديه باستسلام مازح: خلاص خلصنا عرض الأزياء؟
ضحكت وهي تهز رأسها: آه خلصنا!
ثم أمسكت يده: تعالى بقى نروح نلعب بره باللعب، بس بقولك اقعد كده.
تساءل متعجبا: أقعد إزاي؟
أشارت له: اقعد كده على السرير.
جلس على الفراش، فوقفت خلفه لثانية، ثم فجأة قفزت بركبتيها على ظهره.
ضحك وتساءل: بتعملي إيه إنتِ؟!
جنة بابتسامه مرحه: اقف بقى وطلعني بره، وطير بيا زي الطيارة!
ضحك وهو ينهض: ماشي!
حملها وخرج بها إلى الصالة، يفتح ذراعيه كالجناحين، وهي تقلده، وضحكها يملأ المكان.
رشدي بحماس: امسكي جامد علشان متوقعيش!
جنة: متخافش أنا شاطرة!
ظل يجري بها في الصالة، يلفها، يرفعها، ويميلها كأنها تطير، كانت تصرخ ضاحكة، وشعرها الذهبي يتطاير في الهواء، أمسكت فجأة بشعره من الخلف وهي تصرخ بمرح: يلا اجري أسرع! أنت طيارة بايظة!
رفع حاجبيه بدهشة مضحكة: أنا طيارة بايظة؟ طب تعالي هنا بقى!
قلبها بخفة، ووضعها على الأريكة وبدأ يزغزغها،
كانت تصرخ ضاحكه، وإسعاد تنظر إليهما بعينين تمتلئان بدفء البيت الذي افتقده الاثنان
💞_________________بقلمي_ليلة عادل
مجموعة الراوي, 10:00 صباحا
الروف، أعلى المبنى
الريح تهب بخفة فوق سطح المبنى، والمدينة تلمع بأضواء النهار.
وقف سليم في مواجهة ياسين، كتفاه مشدودان ونظراته ثابتة، بينما ياسين يبادله النظرة بعناد صامت.
سليم بصوت منخفض لكنه حاد، يتسلل منه الرفض بوضوح: أنت راضي؟ يعني اللي بتعمله ده عاجبك؟
تحركت ملامح ياسين باستغراب، وخرجت منه ضحكة قصيرة بلا روح: مش عارف إيه مشكلتكم، فريدة قالتلي نفس الكلام امبارح! هو الجواز بقي حرام ولا ايه؟!
اقترب سليم خطوة، وصوته ازداد عقلانية: لا مش حرام بس مش بالطريقه دى؟! وبعدين المجنونة التانية دي وافقت ازاي؟ وأهلها ازاي يوافقوا؟ أنا كنت فاكرها بنت عاقلة، طلعت مجنونة زيك بالظبط.
ياسين بعناد وضجر: مش كل حاجة لازم تتعمل بالصح، والحساب، وازاي وفين ومنين!؟ ايه المشكله يعني لما نخلي العواطف هي اللي تحركنا مش كل حاجه العقل، ومادام مبنعملش حاجه غلط ولا حرام فين المشكله؟!أنا هتجوز البنت اللي بحبها!!
رفع سليم يده باعتراض محاولا ارجاعه عن قراره المتهور: اللي يمنع إن مشاعرك ...
قاطعه ياسين بحدة وهو يلوح بيده باصرار ويقين: مشاعري أنا متأكد منها، وبعدين هي مش مجنونة، هي رفضت في الأول، وراحت لهبة، ولما راحت لها كلمتها بطريقة وحشة، واتكلمت في حقكم وفي حقي بأسلوب سىء، فلوجين اتضايقت من أسلوبها وفهمت إن عندى حق وجت وقالت لي موافقه نتجوز، و
قاطعه سليم وهو يضيق عينه، بنبرة جدية مكملا: هي جت وقالتلك يلا نتجوز، لإنها اتعصبت من الكلام اللي اتقالها، وانت نفسك اتعصبت واضايقت لما عرفت إنها سقطت، فالقرار اتاخد منكم أنتم الاثنين في لحظة غضب.
صمت ياسين للحظة، ثم رفع رأسه بثقة: يمكن! بس اللي متأكد منه إني بحب لوجين وعايز اتجوزها النهارده قبل بكرة.
ثم رفع صوته بنبرة حاسمة: وبعد اللي عملته هبة؟ بعد ما أجهضت مرتين من ورايا؟ وقالت عني اللي ميتقالش؟ لو آخر ست في الدنيا، مش هرجعلها.
زم سليم فمه بضيق، قال بصوت منخفض لكنه حازم: أنا ميخصنيش هبة، ولا هي تستاهل ترجع، وحقك كمان تاخد البنت لإنها مش أمينة، بس أنا بتكلم عليك أنت، خايف الوجع يكون عامي عينك، خد وقتك، اصبر، وارتبطوا، اعملوا خطوبة علشان متظلمش نفسك، ولا تظلم لوجين. ياسين ارجوك بلاش قرارات متهورة، أنت لسه متأثر.
هز ياسين رأسه بعدم اقتناع، وقال بحسم: سليم من فضلك انهي الموضوع ده، انا خلاص خدت القرار ومش هرجع فيه.
تنهد سليم ومسح وجهه ببطء: ماشي اعمل اللي يريحك..
ثم تسال بجدية: طب ايه نالا خلاص كده أكيد هتبقى معاك.
اومأ ياسين برأسه مؤيدا: اممم، اوعى تقولي لازم تعيش معاها والكلام دى لان الموضوع دى منتهي بالنسبه لي.
سليم بهدوء صارم: لا مش هقولك كده، بس برضو متحرمهاش منها، بس هي لازم تتربى.
اومأ برأسه، ثم تنهد وحك في خده وهو يقول: طب بقولك إيه، الفترة الجاية مش هقدر أركز في الشغل، ورشدي كمان خد القرار إنه يتجوز معايا، وهيفاتح مي في الموضوع، لو وافقت، وبنسبة كبيرة هتوافق لإن رشدي بيعرف يأثر عليها، أنت اللي هتشيل الشغل.
زفر وهو ينظر لأمام بعدم رضا: يعنى ملقتوش الا الأسبوع ده وتتجوزوا فيه؟!
ضيق ياسين عينه متسائلا: هي ماسة تعبت تاني ولا ايه؟
هز رأسه: لا، بس أنا وهي…
صمت للحظه، ثم زفر بضيق وقال: مش مهم، تمام ماشي هتابع، وكده كده مفيش حاجة مهمة الفترة دي غير مشروع رشدي، وهو اللي شغال عليه، الباقي الهانم وبابا وطه وفريدة يركزوا فيه، مش صعبة.
ياسين بتنهيده: عموما أنا ولوجين هننزل كمان يومين، نخلص الشغل اللي ورايا، علشان الاسيست الجديده دي لسه مش قد كده.
هز سليم راسه بإيجاب بإبتسامة وهو يمسح على ظهره ويقول: تمام مبروك يا ياسو.
ياسين بابتسامه: الله يبارك فيك هستناك انت وماسة
سليم: اكيد
المستشفى، 10:00صباحا
فى احد الادوار.
كانت آلاء واقفة عند الكونتر، تجهز تذاكر المرضى بسرعة وتركيز، يدها تتحرك بخفة وعقلها مرهق،
اقترب مصطفى وقال بصوته الهادئ: صباح الخير.
رفعت عينيها نحوه: صباح النور يا دكتور.
نظر إلى التذاكر بين يديها: خلصتي التذاكر؟
اومات براسها: آه، فاضل اتنين بس.
قال وهو يهم بتحرك: طب أنا في مكتبي لما تخلصيهم نادي لي علشان نمر.
هزت راسها باحترام: حاضر.
غادر مبتعدا، فمالت أحدي صديقتها وهي تتهكم بسخرية مبطنه ونبرة ذات معني: هو ماله دكتور مصطفى، علطول بيحب يمر معاكي ليه؟!
نظرت إليها آلاء بحدة: ابقي اسأليه.
وأكملت عملها بصمت، حتى انتهت وتوجهت إلى مكتبه.
مكتب مصطفى
جلس مصطفى خلف مكتبه يقرأ بعض التقارير بتركيز شديد، قاطعه صوت طرق الباب، تبعه دخول آلاء وهي تقول بتهذب: أنا خلصت يا دكتور وجاهزه.
رفع نظره اليها، واومأ برأسه وهو يغلق الملف الذي أمامه، توقف وهم بالخروج معها، وكاد يتجاوزها ليخرج، لكنه توقف فجأة، كأن سؤالا عالقا منذ أيام.
تسأل مصطفى باهتمام قوليلي صح، أخوكي عملك حاجه من آخر مره؟
خفضت عينيها قليلا: لا لسه مرجعش من آخر مرة.
مصطفى بتنهيدة صغيرة: وده طبيعي؟
هزت راسها بهدوء: أمم أحيانا.
هز رأسه، وتساءل بشكل غير مباشر سؤال ذات مغزي: طيب وإيه أخبار شفتات الشهر ده؟ برضه هشوفك أكتر ما بشوف دكتورة كوثر؟
ضحكت بخفة، ضحكة تخفي ورائها قلة حيلتها: يعنى ناوية على حوالي 20 ل 25 شفت، يعني هتشوفني لحد ما تزهق.
صدمه العدد وحاول تلطيف الأجواء فعلق بمزاح محاولا تهوين الأمر عليها: ياه كل ده؟ ده أنا باخد ١٠ بالعافية!
نظرت للأرض بخجل خفيف: محتاجاهم.
صمت للحظه كأن الكلمات علقت في صدره، وشعر بالأسف تجاهها وبرغبة حقيقية في مساعدتها لكنه لم يجد الطريق المناسب لذلك، فكر لثواني، ثم مد يده إلى جيبه، وأخرج مبلغا صغيرا، وقدمه لها بصوت منخفض ونظرة حاول أن لا يجرحها.
مصطفي بترقب: طب خدي دول خليهم معاكي، وبلاش تشيلي كل دى حرام عليكي صحتك، كمان الامتحانات علي الأبواب أقعدى في البيت ذاكري.
اتسعت عيناها، وتراجعت خطوة للخلف: إيه ده؟!
اقترب خطوة، ونبرة صوته فيها لطف واضح: متخجليش أنتِ زي أختي.
ارتعش جسدها للحظة، ودمعة ساخنة هبطت دون إرادتها، وقالت بصوت متحشرج: شكرا يا دكتور، أنا مش محتاجة صدقة ولا إحسان.
هز راسه مسرعا: بس ده لا صدقة ولا إحسان.
تسألت بحزن: أومال؟!
أجابها موضحا بهدوء: أختي وعايز أقف معاها.
اهتز صوتها، وكأن ثقل الحزن والحرج يضغط على صدرها، عجزت عن استيعاب أنها بحاجة للمساعدة، وكل شعور بالنقص يزداد داخلها، يجعلها تواجه نفسها بمرارة لا تحتمل.
قالت بنبرة قهر وعجز، ممزوجه بعزة نفس: لو أنا أختك بجد، أوعى تعمل كده تاني، أنا مش بقولك علشان تديني حسنة، أنا الحمد لله مش محتاجه حاجه، أنا بشتغل كتير علشان أحوش، واعمل حساب الزمن.
نظر اليها بحزن، ثم تنهد وقال بلطف محاولا إزالة حرجها: آلاء بلاش تكوني حساسة كده، أنا آسف مقصدتش، وبعدين ده مبلغ بسيط مش محتاج كل الدراما دي.
رفعت يدها تمنعه بلطف ولكن بحسم: أرجوك متعملش كده تاني.
هز راسه بهدوء: حاضر بس اوعديني لو احتجتي اي حاجه في اي وقت تكلميني على طول غير تردد او حرج وعد.
تبادل النظرات للحظه ثم هزت راسها بايجاب بابتسام ومكسوره
اضافه مصطفى بنبره مرحه قليلا: طب يلا نشوف شغلنا ولا ايه؟!
هزت راسها بإيجاب: يلا.
خرجوا معا لاتمام عملهم، كانت آلاء تشعر باحساس مؤلم بين الانكسار والقهر، لم تكن تتوقع يوما أن ينظر إليها بعين الشفقة، أو أن يقدم لها مبلغا من المال، وإن كانت في أمس الحاجة إليه؛ فقبول مثل هذا الأمر كان صعبا عليها.
أما مصطفى فكان يسير بخطواتٍ هادئة، يعتصره الأسى من أجلها، فهو لم يشأ أن يجرحها، وإنما أراد أن يقدم لها يد العون، ولو بقدر بسيط، عله يخفف عن قلبها بعض ما أثقله.
💞_________________بقلمي_ليلةعادل
منزل مكي،11:00صباحا
كان مكي ممددا على الأريكة، مستندا برأسه على قدم والدته التي كانت تمسح شعره بحنان.
كان الاثنان منسجمان مع التلفاز، يشاهدان أحد الأفلام، وفجأة تعالي رنين هاتفه، فجلس مستقيما وأمسك الهاتف، فوجد اسم سليم يلمع على الشاشة.
ابتسم ورفع الهاتف يجيب بحماس: الو.
جاءه صوت سليم من الطرف الآخر، وهو جالس في مكتبه بالمجموعة: وحشتني يا أبو إيد ونص.
ابتسم وهو يجيب: والله وانت؟
تساءل سليم بقلق: طب طمني دراعك عامل إيه؟
ضحك بخفة: كويس يا عم، ده خربوش، أنت قلبك بقي خفيف كده ليه.
سليم بحزم: مكي، اسمع الكلام، مشفش وشك لحد ما تخف خالص، خليك مع مامتك.
نهض مكي وتوجه الى الشرفه توقف عند السور: والله زهقت من القاعده، بس فعلا محتاج أقعد شويه معاها، قولي أخبارك أنت إيه؟ لسه صامت زى ما أنت؟
ضحك بصوت عالي وقال: لا في حاجات كتير حصلت، لما ترجع هحكيلك.
رفع حاجبيه بإبتسامة: حلو يومين كده وهرجعلك.
سليم بابتسامه: مستنيك، خد بالك من نفسك، وسلملي على طنط.
مكي بلطف: الله يسلمك
اغلق الهاتف ثم دخل الراسيبشن مرة أخرى، وجلس على الكرسي بجوار والدته.
تسألت ليلى بابتسامه: ده سليم؟
أجابها وهو يشبك أصابعه ويتمطى قليلا: اممم، كان بيطمن عليا.
سألت ليلى بهدوء: طب وعامل إيه مع مراته؟
مكي بابتسامة صغيرة: الحمد لله، ادعيلهم.
تنهدت ليلى بصوت مسموع: ربنا يهديهم لبعض.
ثم نظرت له نظرة طويلة، وتسالت بلوم ام تخشي على أبنها من الوحده: وانت بقى، ناوي تفرح قلبي امتى؟
أشاح بوجهه بعيدا، وظل صامتا، كأنه يطارد ذكرى لا تريد أن تمحى.
تابعت ليلى بإصرار ممزوج بوجع: يا بني نفسي أفرح بيك واشوفلك عيال، انت خلاص كام شهر وتكمل خمسة وتلاتين، لا اتجوزت، ولا شوفتلك أي حاجة تبشر، هتفضل حياتك كده؟
رفعت يدها وهي تلوح بقلق: صاحبك ده متجوز وعنده ست في حياته بتحبه وبكره يجبله عيل ويبقي عنده عزوته، وانت؟ لا زوجة ولا عيل ولا حد.
التقت عيناه بعينيها، وبرّبش بجفنيه وكأن كل كلمة نطقت بها قد لمست شيئًا دفينًا في أعماقه.
اضافت وهي تتسال بعتاب بعيتين ترقرق بالدموع: ليه كاتب على نفسك تعيش وحيد؟ ليه ميكنش ليك ست تستناك، أول ما ترجع من شغلك تاخدك في حضنها؟ وتنسيك تعب اليوم؟! ليه ميكونش ليك ابن يبقى سندك وعكازك لما تكبر؟
خفضت صوتها: أنا خايفة عليك يا مكي، العمر يسرقك وتلاقي نفسك فجأة لوحدك، لا اخ لا زوجه لا ابن ولا حتى ام.
أجابها مسرعا وهو يقبل يدها بتأثر بعد شر عليكي متقوليش كدة ربنا يخليكي ليا
ليلى بهدوء وواقعيه مريرة: دي سنة الحياة يا ابني، مش هعيش قد ما عشت، اسمع مني يابنى وخليني اطمن عليك.
رفع عينيه نحوها، اوما برأسه وهوينظرة قصيرة لكنها ممتلئة بالوجع وقال ببطء واقتناع: أنتِ عندك حق، بس أنا مش عايز أظلم واحدة زي ما كنت هعمل قبل كده.
اقتربت ليلى منه، وقالت بحنو: لا قبل كده كنت لسه خارج من وجع، بس دلوقت حتى لو الوجع موجود، مش هيبقى زي الأول، ولا أنت لسه بتفكر فيها؟
أخفض رأسه للحظة،قال بصوت متماسك لكنه موجوع حازم: أمي للمرة الألف بقولك، أنا وسلوى خلاص، حتى لو لسه في قلبي ليها حب، خلصت بينا..
أخرج أنفاس مثقله، أضاف وهو يهز رأسه بتأييد: بس أنتِ عندك حق لازم أحط حد للي أنا في ده وأشوف حياتي.
ابتسمت بحنان ممزوج برجاء: يا ريت يا بني ياريت، ربنا يكرمك ببنت الحلال اللي تستاهلك، حتى لو كانت سلوى.
رفع حاجبه باستغراب، وقال ساخرا: بتدعيلي بيها؟
ليلى بابتسامة: لو هي اللي هتريحك وهتبقى سعيد معاها ليه لأ؟ أكيد اللي عملته كان له سبب، دي كانت روحها فيك.
زفر بغضب مكبوت وهو يرفع يده قليلا: مش عايز كلام في الموضوع دى يا أمي لو سمحتي.
أضاف وهو يهرب من الحديث: هو أنتِ مش ناوية تفطرينا ولا ايه؟!
أدركت حد الألم في صوته، فقالت بلطف: حاضر هروح أحضر الغدا.
نهضت وتوجهت إلي المطبخ، بينما بقي مكي في مكانه، ينظر إلى الفراغ بعينين ممتلئتين بثقل كل شيء، كان قلبه يغرق بين الحب القديم والخذلان والمستقبل الذي يعرف أنه لا يمكنه الهروب منه أكثر من ذلك.
💞_______________بقلمي_ليلةعادل
فيلا عائلة هبة، 2:00ظهرا.
غرفة هبة
جلست هى على طرف الفراش، ظهرها منحني وكأن كل ثقل الدنيا فوق كتفيها، تبكي بصوت مكتوم، وهي تضم صورة نالا بين يديها، وتمرر أصابعها فوق الصورة، كأنها تلمسها بالفعل، وكأن هذه الصورة هي الشيء الوحيد الذي يثبت أنها أم.
وقفت سامية عند الباب، تنظر إلى ابنتها بنظرة ممتلئة بالحزن والأسف، تقدمت وجلست أمامها.
سامية بصوت منخفض: أنا كلمت زيدان، وقال إنه بيحاول يقابلهم ومش عارف، وبكره هيروحلهم تاني، خصوصا بعد ما انتشر أخبار عن جواز ياسين.
رفعت الصورة لثانية، كأنها تكلم نالا بشوق وانكسار: نالا وحشتيني أوي يا مامي.
تنهد سامية، وقالت بحنان وعتاب: أنا حاسة بيكي، بس اللي أنتِ عملتيه مكانش يصح يا هبة، أزاى جالك قلب تعملى كده!؟
رفعت رأسها فجأة، وعينيها حمرا من البكاء: قوليلي كنت أعمل إيه؟ اللي سمعته وعرفته هناك كان صعب اوي؟ وبعدين أنا حملت غصب عني مش بمزاجي!
نظرت لها سامية نظرة طويلة مؤلمة: وأنتِ كدة فرقتي عنهم إيه بقى؟
شهقت وهي تدافع عن نفسها: فرقت كتير! أنا محبتش أزود المجرمين نفر كمان؟ كنتي عايزاني أخلف تانى واجيب ولاد يكبروا معاهم، ويبقوا جزء من العصابة دى، وقتالين قتلة زيهم..!؟
هزت رأسها، وتابعت بحرقة: محدش فاهمني! محدش حس بيا! لما اكتشفت إن أهل جوزي قتلة، وإنهم بيعملوا كل حاجة غلط وحرام، كان مطلوب مني أعمل إيه؟
سامية بصوت حاد لكنه مكسور: تعملي زي ما العقل بيقول، تطلقي في هدوء.
كادت هبة ان تنطق، ولكن سامية قاطعتها وهي تشير بيدها: وأوعي تقولي عشان بتحبي ياسين، أنتِ اللي ضيعتي ياسين من إيدك.
مسحت دموعها بحدة، وقالت بصوت مرتعش: أنا مضيعتش ياسين، هو اللي أناني، وطول عمره عايز كل الناس تعيش بطريقته، مش قادر يفهم إن بقي عندى شغلي وبنتي، ومبقاش عندي وقت للكلام الفاضي ده، هو عايز يفضل عيل صغير، يسهر ويشرب ويعيش حياته كده وخلاص، وده مبقاش يناسب حياتي.
هزت سامية رأسها ببطء: كان ممكن تفهميه.
هبة بمرارة: فهمته كتير، وهو مفهمش.
صمتت سامية لحظة، تنهدت: بصي يا هبة أنا كنت ممكن اعذرك في كل اللى بتقوليه، بس بعد اللى عملته مرتين لا، للأسف حتي لو كانت أسبابك منطقية فأنتِ دمرتيها بأفعالك.
اخرجت انافسها ببطء، فهي في النهايه أم وتشعر بها أضافت: عموما اللى حصل حصل خلاص، وأنا جنبك علشان أنتِ بنتي، وعلشان كمان بنتك لازم تعيش في حضنك أنت أولي من مرات أبوها مهما كان.
ثم نهضت ببطء، وأغلقت الباب خلفها.
ظلت هبة وحدها في الغرفة، والصورة بين يديها، وقلبها بين نارين: هل حقا كانت مخطئة؟ أم أنها كانت على صواب؟! لم تعرف، كل ما كانت تعرفه الآن أن اشتياقها لابنتها بات يحرقها من الداخل.
الجامعة الأمريكية، 3:00عصرا.
خرجت ماسةمن المبنى، تحمل كتبها، وملامحها لأول مرة منذ زمن تحمل شرارة حماس طفيفة، نسمات الهواء تداعب خصلاتها، وابتسامة صغيرة تشكلت على طرف شفتيها.
وفي الجهة المقابلة، كان القناص قد جهز بندقيته داخل السيارة، رفع المنظار وثبت نظره على الهدف.
بيمنا ماسة كانت تلوح بيديها لأحد أصدقائها قائلة بابتسامة: لا، بكرة هاجي أكيد، لا هاجي باااي
وهنا وضع القناص، سبابته على الزناد مصوب الليزر على جبينها، واستعد لكي يطلق رصاصته لكن فجأة توقف سليم أمامها بإبتسامة واسعة، وشرارة الليزر ارتطمت في ظهره.
رفع القناص عينيه للحظة، أعادها إلى المنظار، وهو يضغط على أسنانه غيظا، فقد كان على وشك أن يطلق رصاصته، لكن مجيء سليم عرقل الأمور وجعله يتراجع، تمتم بغضب: «تمام يبدو أن اليوم ليس يومك».
أسند رأسه إلى الخلف، منتظرا تحركها أو رحيل سليم.
علي إتجاه آخر عند سيارة ماسة
اتسعت عينا ماسة حين رأت سليم يقف أمامها، عقدت حاجبها، وقالت بمشاكسه: إيه ده بقى إن شاء الله؟ إيه إللى جابك، إحنا مش اتفقنا إنك هتسيبني براحتي، ولا بتاخدني على قد عقلي!؟
وقف أمامها بابتسامة معللا بمزاح: مقدرش يا قطعه السكر، بس كان لازم أطمن عليكي، وأشوفك هتعرفي تروحي لوحدك ولا هتوهي؟! مش فاضي أدور عليكي أنا.
رفعت كفها بمشاكسة: مش هتوه، عرفت الطريق خلاص.
مال بجسده نحوها، وقال بصوت منخفض لكنه ثابت: تمام وأنا عايزك تروحيني عشان أشوفك شطورة فعلا ولا أسحب كلمة الصبح!؟
ثم اقترب منها وهو يقرصها من خدها بدلال: بعدين تعالي هنا، أنا براحتي أعمل إللي أنا عايزاه الأسبوع ده، وأنتِ تسمعي الكلام من غير جدال.
ابتسمت وهي تومئ برأسها: ماشي يا سلوملوم، يلا بينا نروح لإني جعانة موت.
هز رأسه بإيجاب، نظر الحراس أشار لهم، ثم دخلوا السيارة، وانطلقت ماسة بالسيارة وسليم بجانبها.
داخل السيارة
تساءل باهتمام وهو ينظر لها: عملتي إيه النهاردة؟!
التفتت إليه، وكادت تتحدث، لكن نظرته الحادة قطعت حديثها وهو يلوح بإصبعه: بصي قدامك!
تنفست بمشاكسة: على فكرة أنا بعرف أسوق كويس، بس مش بعرف الطرق.
أجابها بشدة لطيفة: بطلي لماضة، واتكلمي وأنتِ باصة قدامك.
هزت راسها بهدوء: ماشي، اتعرفت على بنتين وقضيت معاهم اليوم، إللي كانوا معايا بقوا في سنة تالتة دلوقتي، هو أنا بقالي كتير كده؟
اومأ بابتسامه: اممم.
زمت شفتيها بضيق طفولي: بس كل البنات أصغر مني 19، 20سنه، أنا الوحيدة اللي 25 ونص.
نظر إليها بظرة عاشقه، وقال بنبرة دافئه: هما آه 19 و20 سنه، بس أنتِ شكلك أصغر منهم كلهم.
قالت مازحه: بتجبر بخاطري يا كراميلتي!
رد ضاحكا: لا والله أنتِ شكلك صغنون وزي القمر يا قطعه السكر اللى محليه حياتي.
أومأت برأسها، ثم تساءلت بشك وهي تنظر إليه: إحنا هنمشي من الشارع ده صح؟
ألتفت إليها بنظرة غامضة، حاجبه مرفوع قليلا، وقال بغلاسه: أعرفي لوحدك.
ضيقت عينيها بضيق ومشاكسة: على فكرة هو الشارع ده.
تحركت يده على عجلة القيادة، ولم يعلق، مما جعل الأمر واضحا أنها تسير في الطريق الصحيح.
قالت بحماس: بصراحه يومي كان لذيذ أوي، وإنت عملتِ إيه؟
أجابها بإبتسامة: خلصت الشغل إللي ورايا وجيتلك.
اومأت برأسها وواصلت القياده بابتسامه واسعه تعبر عن مدى سعادتها ورضاها بكل هذا التغير والهدوء الذي طرأ في حياتهما مؤخرا خاصة سليم
على إتجاه آخر، سيارة القناص.
جلس بظهر مستقيم، وعينه ثابته على سيارتهم لا تتحرك، أصابعه تتحرك بخفة على عجلة القيادة، يحافظ على مسافة محسوبة بينهم، بحيث لا يكون قريب أكثر من الازم فيثير الشك ولا بعيد فيضيع الهدف.
في المرآة انعكس وجهه البارد وهو يتمتم: تمام نحن نسير في الإتجاه الصحيح.
ثم رفع هاتفه، وكتب رسالة " أتابعها بدقه وانتظر الوقت المناسب للتفيذ، لا تقلق".
وأعاد نظره للطريق متربصا
💞_____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي، 3:00عصرا.
غرفة نالا
جلست نالا على الأرض قرب السرير، وجهها مبلل بالدموع، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء، أمامها طبق صغير من الطعام، لكن يدها لا تقترب منه، والدادة تجلس بجوارها، تحاول أن تلاطفها بحنان.
الدادة: يلا يا حبيبتي كلي.
هزت رأسها بعنف، وشفاهها ترتجف: لا أنا عايزة مامي.
حاولت الدادة أن تبدو هادئة: مامي مسافرة يا روحي.
صرخت بصوت مخنوق: مليش دعوة! عايزة أكلمها في التليفون! هي كانت بتكلمني كل يوم! دلوقتي لأ؟!
مدت الدادة يدها تحاول إقناعها: طب كلي، وأنا هخليكي تكلمي مامي.
هزت رأسها برفض شديد، وركضت نحو الفراش واعتلت طرفه، ونامت على وجهها وهي تبكي بصوت مكسور: لا مش عايزة، أنا عايزة مامي، مامي بس…
وقفت وداد أمام المشهد عاجزة، زمت شفتينا بأسف، وزفرت بعمق تقاوم الدموع التي كادت تهرب، استدارت وخرجت من الغرفة بخطوات سريعة.
في الخارج، سألت أحدي الخادمات: ياسين بيه وصل؟
أجابتها بعجله وهي تغادر لمواصله عملها: لا مفيش الا فايزه هانم الا هنا في الجناح بتاعها.
تنهدت وداد وتحركت إلي هناك.
غرفة فايزة
جلست فايزة أمام التسريحة، تمشط شعرها بهدوء قاطعه صوت طرقات خفيفة على الباب.
فايزه بثبات: ادخل.
دخلت وداد بخطوات مترددة: فايزة هانم.
التفتت لها ببرود: عايزة إيه؟
بلعت وداد ريقها: نالا عاملة تعيط وعايزة مامتها، ورافضة تاكل خالص.
رفعت فايزة حاجبها: مقولتيلهاش ليه إن هبه مسافرة؟
هزت راسها بسرعة: قولت، بس هي النهارده معاندة خالص، وياسين بيه لسه مجاش مش عارفه اعمل معها ايه؟! من الصبح بتعيط.
هزت فايزة رأسها بإيجاب: طيب روحي أنتِ، أنا جاية وراكي.
توقفت لثانية أمام المرآة، رتبت طرف ملابسها، وتأكدت من هيئتها، ثم خرجت بخطوات محسوبة متجهة إلى الطابق الأعلى، حيث تبكي نالا وحيدة في غرفتها.
غرفة نالا
كانت ما تزال مستلقية على الفراش، وجهها مغمور بالدموع، أنفاسها متقطعة، ويديها الصغيرتين تضغطان علي الوسادة بقوة كأنها تحاول أن تمنع العالم من الاقتراب منها، دخلت فايزة أولا، تلتها وداد التي بقيت واقفة عند الباب، مترددة تشعر بالذنب لأنها لم تستطع تهدئة الطفلة.
اقتربت فايزة بخفة، نبرتها ناعمة لكنها خالية من أي دفء حقيقي: نالا الحلوة بتعيطي ليه؟
جلست على طرف الفراش، مدت يدها ومسحت على شعر الطفلة بحنان مصطنع: مالك يا روحي؟
رفعت رأسها ببطء، ودموعها تلمع على خديها، وقالت بصوت متلعثم ومكسور: مامي وحشتني يا ناناا، ودادا مش عايزاني اكلمها.
فايزة بهدوء، وكأنها تخبرها بشيء عادي: مامي مسافرة.
هزت رأسها: بس هي لما بتسافر كانت بتكلمني كل يوم، خليني أكلمها يا نانا.
عدلت فايزة شعر نالا جانبا، وهو تقول ببرود: هي مشغولة ومش فاضية، ولازم تتعودي إن مامي هتكون علطول مسافرة، مش هتبقى معاكي هنا، بابي معاكي والداد معاكي وأنا.
هزت نالا رأسها بعناد: بس أنا عايزة مامي كمان معايا.
انعقدت شفتا فايزة بابتسامة صغيرة، لكنها كانت ابتسامة من يفرض حقيقة لا يتراجع عنها: لا مامي خلاص مش هتيجي، مسافرة بعيد ومعهاش تليفون.
تجمدت نالا للحظة، وكأن الجملة صدمت قلبها الصغير: يعني إيه!؟
اقتربت فايزة أكثر، ووضعت يديها على كتفها بلطف بارد: يعني مامي راحت مكان بعيد، ومش هتبقى هنا تاني، ولازم تتعودي إن بابي بس اللى هيكون معاكي.
شهقت نالا بصوت مكتوم، خرج صوتها ضعيفا، مخنوقا: بس أنا عايزة مامي.
سقطت كتفا فايزة قليلا، وكأنها بدأت تفقد صبرها، لكنها حافظت على هدوء صارم: نالا اسمعي الكلام، وكلي علشان بابي ميزعلش منك، قولت مفيش مامي خلاص.
رفعت نالا صوتها بعناد طفولي: لا! في مامي!
اشتدت وجه فايزة حتى صارت حادة كالسكين، وصاحت بها بقوة، صوتها اخترق الغرفة: أنا قولت مفيش مامي! وهتاكلي غصب عنك! ومش عايزة عياط فاهمة!
شهقت نالا كأن الهواء انقطع عنها، واتسعت عيناها بخوف شديد، انفجرت في بكاء حار، بكاء طفل يشعر أنه يسحب من العالم الوحيد الذي يفهمه.
ركضت الداد وداد إليها، وضمتها لصدرها وقالت بسرعة، بصوت خائف ومستنكر في آن واحد: خلاص يافايزة هانم، أنا هسكتها وأكلها، خلاص.
وقفت فايزة جامدة، كتفاها مشدودان، نظرتها قاسية لا تعرف الرحمة، ردت ببرود أشد من الصراخ: ياريت فعلا تعملي شغلك، بدل ما منادياني أعملهولك.
استدارت وخرجت بخطوات ثابتة، خطوات لا تهتز حتى أمام بكاء طفلة على أمها.
ظلت وداد تجلس على الأرض بجانب الفراش، تمسك نالا بكلتي يديها، تربت على شعرها بحنان، بينما نالا تبكي في صدرها حتى اختنق صوتها من كثرة الألم.
كانت الغرفة صغيرة، لكن وجع نالا كان أوسع من أن تحتويه أربعة جدران.
فيلا سليم وماسة، 4:00 عصرا.
جلسا ماسة وسليم يتناولان الطعام، والبخار يتصاعد من أطباق الشوربة.
رفع سليم نظره اليها وقال متسائلا: عملتي إيه في المشروع إللي أنا مديهولك؟
ردت بكسل طفولي، وهي تحتسي الشوربة: مشروع إيه؟!
ضحك ورفع حاجبيه ساخرا: مشروع إيه!!! يا ما شاء الله يا ماسة، مفتحتيهوش!؟
أجابته بخجل: ما أنا مفضتش يا سليم.
هز رأسه يداعبها: وهنفضل ندلع كده كتير؟ أنا مش فاضيلك تعالي ديري أملاكك بنفسك.
ضحكت ورفعت كفها باستسلام: حاضر والله، النهاردة هقعد أبص عليه.
تنفس بإرتياح: تمام وأعملي حسابك يوم الخميس الجاي، عندنا فرح ويمكن يبقوا فرحين.
رفعت حاجبيها بدهشة، وتساءلت: فرح مين؟
ابتسم بخفة وهو يمضغ: فرح ياسين.
اتسعت عيناها ببراءة حقيقية: هو ياسين هيعمل فرح تاني لهبة؟! بيقلدنا.
هز رأسه نافيا: لأ مش لهبة، لوجين بنت كدة اتعرف عليها وهيتجوزها.
تجمد جسدها، واتسعت عيناها بدهشة، فأضاف متعجبا رد على نظراتها: ثانية واحدة! ثانية واحدة! هو أنتِ متعرفيش إن هو طلق هبة؟
هزت راسها: لأ معرفش، طلقها إمتى؟!
أشار بيده كأنه يخبرها بأمر طبيعي: طلقها من يومين وحب لوجين من فترة وهيتجوزوا.
وضعت يدها على جبينها في صدمة مريرة: يعني ياسين حب واحدة على مراته؟ وعايزني أحضر؟! أنت إيه بتبارك للخيانة؟
أشار بيده موضحا: لا لا استنى هفهمك.
رفعت صوتها أكثر قليلا: تفهمني ايه؟!
تنهد موضحا: هما كان فيه بينهم مشاكل بقالهم فترة، وأنا حاولت أقوله يديها فرصة، وفعلا حاول لكن هبة سقطت نفسها مرتين، علشان مكانتش عايزه تجيب أطفال تاني من ياسين.
ترقرقت دمعة في عينها بلا إرادة، وتمتمت بصوت مكسور: سقطت نفسها مرتين؟! وغيرها بيتمنوا طفل!!
مسحت دمعتها سريعا محاولة التماسك، غيرت الموضوع مسرعه: طب ومين الفرح التاني؟ وإيه موضوع ياسين ولوجين؟!
أجابها ببساطة: أحتمال يبقى رشدي، عايز يتجوز معاه، بس لسة هيفاتح خطيبته، انما ياسين ولوجين دول حكايتهم حكايه، بصي يا ستي.
بدأ يروي التفاصيل، بينما ماسة تستمع بعينين متسعتين ومشاعر متداخلة.
وفي النهاية هزت رأسها وقالت بنبرة صادقة: بص ياسين غلط، مكانش ينفع يبقى عارف واحدة على مراته حتى لو بينهم مشاكل، كان طلقها وخلاص.
رد بهدوء موضحاً: أنا معاكي جدا بس الموضوع مختلف ياسين لما اتعرف على لوجين إللي بينهم كان مجرد صداقة فقربهم من بعض خلى فيه مشاعر تحصل، ومن الناحية الثانية كان علاقته بهبة متدمرة برغم إنه حاول كثير وهي للأسف مرضيتش، ولما أنا كلمته يسافر ويفكر صح، عمل كده ورجع وكان خلاص حسم قرار إنه يطلق هبة، وهي كانت موافقة، لكن فجأة تراجعت، وبعدها بشويه عرف إنها سقطت نفسها للمرة التانيه، فحسم قراره وطلقها، الموضوع مكانش فيه أي خيانة مقصودة هي مشاعر حصلت فجأة.
تنهدت وهي تعبث بالشوكة: على فكرة لوجين محترمة، لو واحدة غيرها كانت لعبت عليه ومرفضتش، بس برضه ياسين غلط، ما أنت أهو بينا مشاكل كثير بقالنا فترة وعمرك يعني ما قربت من واحدة، وقولت أصل مشاعري غلبتنى.
ابتسم بلطف موضحا: أنتِ مختلفة عن هبة، وأنا مختلف عن ياسين، وأنا مبقولكيش إن ياسين مغلطتش، بس هو برضو مخانش؛ لإن هي كانت قابلة بخروجاته مع لوجين، يعني أنا مثلا لو عرفت واحدة وقربت منها وخرجت معاها بحجه الصداقه او الشغل أنتِ هتسكتي!؟
رفعت حاجبها بشدة: أقسم بالله أدبحك.
ضحك عاليا: شوفتي، هي بقي كان بالنسبه لها عادي، وبعدين ياسين غيري، يعني ياسين لسة على علاقة بصديقاته من قبل ما يتجوز.
سألها بجدية خفيفة: عموما هتيجي الفرح ولا لا؟!
ابتسمت بخفة وهي تومئ برأسها: آه هاجي.
وعادت لتناول طعامها، بينما ظلّ هو يراقبها مبتسمًا، مستمتعًا بذلك الدفء الذي كان ينساب بينهما كما في الأيام السابقة.
منزل القلج، 4:00 عصرا.
تركت جنة ألعابها فجأة، وتقدمت نحو جدتها وهي تفرك عينيها بتبرم واضح: تيتا أنا جعانة.
رفعت إسعاد نفسها عن الكرسي بصعوبة: هقوم أعملك جبنة وزيتون.
قطبت حاجبيها بتزمر: مش عايزة آكل جبنة وزيتون، بقالنا يومين بناكلهم زهقت.
رمقها رشدي باستغراب ممتزجة بالعتاب: جبنة وزيتون؟ من يومين ليه؟ هو انا مش بعتتلك فلوس؟!
زفرت إسعاد بتعب: والله يا ابني رجلي وجعاني خالص، ومش قادرة أخرج ولا أقف أطبخ، ورحمة عندها شغل.
رفع حاجبه قائلا بضجر: يعني إيه رحمة عندها شغل؟ مش تعملكم حتى أكل بسيط؟ تسبكم كدة؟!
ثم التفت لجنة، وصوته صار ألطف: أنا هجيبلك كل اللي أنتِ عايزاه، نفسك تاكلي إيه؟
جنة بإبتسامة واسعة: فراخ.
ابتسم بحنو: حاضر أنا عارف انك بتحبيها.
وبالفعل رفع هاتفه وطلب الطعام، وبعد وقت وصل الطعام، فصفقت جنة بفرح طفولي، وهي تهرول على أكياس الطعام.
أوقفها رشدي بنبرة حازمة: روحي اغسلي إيدك الأول.
هزت رأسها بتزمر: أنا جعانة.
رشدي بحسم: قولت اغسلي إيدك الأول.
تأففت: أوف طيب.
وحين توجهت إلى الداخل، التفت رشدي إلى إسعاد، صوته خرج منخفضا لكنه حاد بعض الشيء: أنا ملاحظ إن جنة أسلوبها بقى مش حلو خالص، متخليهاش تطلع الشارع كتير.
هزت إسعاد كتفيها بحيرة: يا ابني مبقدرش عليها والله، وبعدين هي صغيرة ولازم تلعب.
رد بثبات وحسم: تلعب هنا، وخلي أصحابها اللي أنتِ عارفة إنهم ناس محترمين يلعبوا معاها، غير كده لأ، وبعدين متحرموهاش من حاجة ولو يوم مقدرتيش تعمليلها أكل، اطلبي أكل من بره، إنما جبنة وزتون يومين ورا بعض، ميحصلش تاني؟
خفضت إسعاد رأسها: حاضر يا ابني.
عادت جنة في تلك اللحظة، وجلست بسرعة أمام المائدة: يلا بقى ناكل، أنا جعانة اوي.
ضحك رشدي وهو يفتح علب الطعام أمامها: يلا يا لمضه.
جلسا يأكلان معا، وجنة تتناول قطعة بطاطس تمد يدها بها نحو فم رشدي، فيفتح فمه بتمثيل مبالغ ليضحكها، فتضحك بصوت عالي كأن الجوع تحول إلى لعبة.
وظل اليوم ينساب بينهما طويلا، دافئا، مليئا بالركض والضحك واللعب، ومع اقتراب المساء، أخذت جنة ترخي رأسها شيئا فشيئا، جلست على قدم رشدي، مالت على صدره دون أن تشعر، جفناها يثقلان، وذراعها الصغيرة تستقر على صدره، كأنها وجدت أمان العالم كله هناك.
نامت ورشدي يتأمل ملامحها في صمت، يربت على شعرها برفق، وابتسامة خافتة ارتسمت على وجهه، ممزوجة بالسكينة والحنان، فيما الهدوء يلف الصالة وكأن اليوم أراد أن يختتم بهذه اللحظة.
حملها بين ذراعيه بحذر، ودخل بها الغرفة، وضعها على الفراش، أحكم الغطاء عليها ووضع قبله على جبينها، وكاد أن يبتعد ولكن قبضت بيدها الصغيرة على أصابعه بقوة، وعيناها تلمعان بنعاس وطلب: رشدي، خليك معايا النهارده.
ابتسم، وجلس بجانبها يهدهدها بهدوء: لا مش هينفع، لازم أمشي، ورايا حاجات كتير مهمة، وبعدين مش أنا وعدتك أخرجك يوم ونتفسح.
هزت رأسها ايجابا، فوضع قبله على وجنتها: طب يلا نامي، وهجيلك تاني.
نظرت إليها بعيون تلمع بالدموع: لا بات معايا، أنت أصلا مش بتيجي كتير.
رشدي بنبرة دافئة: هجيلك بكرة والله، أقعد معاكي اليوم كله ونروح الملاهي والسينما، وكل اللي نفسك فيه.
جنة بعينين تتلألآن: بجد؟
هز رأسه مطمئنا وهو يربت على يدها: بجد يلا نامي بقى.
ساعدها على الاستلقاء، وغطاها برفق، وظل يربت على شعرها حتى غاصت في نوم عميق، فنهض بهدوء واتجه نحو الخارج.
عند الباب، وقف أمام إسعاد، مد يده وأعطاها مبلغا من المال: خدي دول وبكرة هبعتلك حاجات للتلاجة، واليوم اللي متقدريش تعملي فيه أكل، خلي الجيران يعملوا، سيبك من رحمة.
اومأت برأسها موافقه بخجل، فهز رأسه وهم بالمغادرة، ولكن قاطعته إسعاد وهي تتساءل: مش هتستنى رحمة؟ دي نفسها تشوفك.
توقف للحظة، نظر بعيدا، ثم قال بصوت منخفض: بعدين مش فاضي.
ثم غادر مسرعا.
عند السيارة.
اقترب من سيارته، وقبل أن يصعدها، جاءه صوت رحمه، وهي تقول بنبرة لاذعة معاتبه: اتعودت تيجي وتمشي من غير ماتشوفني، زمان كنت أول ماتوصل تبعت تجيبني، مكنتش تقدر تستغنى عني.
زفر بملل وأغلق باب السيارة والتفت اليها: أزيك يا رحمه عامله ايه؟
أجابته بحزم وغيرة مكشوفة: أنا كويسة وأنت عامل إيه؟ سمعت إنك خطبت وهتتجوز.
رشدي بابتسامة سمجه: أه عقبالك.
زمت شفتيها بضيق: يعنى أنت شايف كده.
زفر بضيق: أنتِ عايزه مني إيه دلوقتي يا رحمه!؟ وبعدين تعالي هنا ينفع تسيبي جنة من غير أكل كده؟
رحمة باستهجان وسخرية: والله مشغولة، بشتغل وعايزة فلوس، وبعدين إيه المشكلة؟ ما هو طبيعي انت فاكر الفترة اللي غبت فيها كانت عايشه إزاي؟ ولا بتأكل إيه؟ وأنت ولا كنت بتسأل أصلا؟ ده انت سبتها سنين، وأنا اللي كنت قاعده معاها، وحتى الفلوس اللي كنت بتبعتها، كانت بتبقي كل فين وفين؟
ابتلع غضبه وقال بنبرة صارمة: كانت ظروف وخلصت، ومن هنا ورايح هركز معاها، وياريت تهتمي بالبنت شوية، الحجة كبرت ومبقتش قادرة على رعايتها.
اومات براسها بنبرة هادئه: متقلقش أنت عارف كويس، جنه دي بالنسبه لي ايه؟!
صمتت للحظه، مع غصة واضحة تخنق صوتها أضافت: طب هو انت كده خلاص نسيتني؟ واللي كان بينا بقى ولا حاجة؟
رشدي بجمود يقطع الهواء: هو ولا حاجه فعلا، أنا موعدتكيش بحاجة، ولا غصبتك على حاجه، أنتِ اللى عشتي في وهم من وحي خيالك وصدقتيه، ده مش مشكلتى، وأنا خلاص هتجوز، وكل واحد يشوف حياته.
رحمة، بضحكة ساخرة مرة: ماتقفل القديم الأول، قبل ما تفتح الجديد.
رشدي ببرود أقرب للإغلاق: هو مفيش قديم يا رحمة علشان أقفله، سلام.
دخل السيارة، وقادها مبتعدا، وقفت رحمة تحدق في أثره، وعيناها تمتلئ بالدموع.
فلاش باك — هضبة المقطم.
نرى رشدي ورحمه في سيارة ، ورحمة تلعب بأطراف طرحتها، وهي تنظر من حولها: حلو المكان، بس مش قولت هتفسحني زي المرة اللي فاتت؟
رشدي مازحا: ماشي بس بالعباية؟
ضحكت بنعومة أنثوية واضحة: مالها العباية؟ ما كانت عاجباك؟ وكنت بتقول مش عايز أشوفك غير وهي عليكي؟ غمض عينك بقى.
رفع حاجبه متسائلا: اغمض ليه؟
رحمة بنظرة مشاكسة: غمض وبس.
ضحك وأغمض عينيه، فنزعت العباءة والطرحة، وبقيت ببنطال وتيشيرت ضيق، وقالت: فتح عينك بقي.
فتح عينيه بدهشة وصفر بإعجاب: إيه الحلويات دي؟
رحمة بابتسامة: يلا وديني المكان اللي قولت عليه.
رشدي بنظرة شهوانية: لما اخد حقي لاول.
ضغط على زر فعاد مقعدها للخلف، اقترب منها أكثر، وهو يضحك ووووو......
عودة للحاضر.
مسحت دموعها، وصعدت السلالم حتى توقفت أمام شقه إسعاد، طرقت الباب، فتحت لها إسعاد، وما إن رأتها رحمه حتي قالت بعتاب: مبعتليش ليه أول ما جه؟
إسعاد بتعب: حقك عليا رجلي بتوجعني، ومفيش رصيد، وقولتله يستناكي والله بس كان مستعجل.
رحمة بضيق: طبيعي يبقي مستعجل، جنه فين؟
أشارت لداخل الغرفة: نيمها جوه، وجابلها حاجات وهدوم وأداني فلوس.
تنهدت رحمة براحة مريرة: ماشي كويس، أنا شوفته على فكرة.
ربتت إسعاد على كتفها: خلاص يا بنتي انسيه بقى.
هزت رأسها بصمت، ودخلت الغرفة، اقتربت من الفراش، وجدت جنة نائمة كالملاك، أنفاسها هادئة، انحنت ووضعت قبلة على جبهتها، جلست تتأمل ملامحها وكأنها تحفظها.
كانت الذكريات تمر في عقلها كالفيلم: ضحكاتها مع رشدي، حضنه، خروجاتهما؛ مطاعم، الملاهى الليلي وكل ما كان.
عدلت الغطاء، قبلتها مرة ثانية، ثم خرجت.
تنهدت وقالت لإسعاد: بكرة هعدي عليكم أعملكم شوية أكل.
إسعاد بطيبة: ماشي يا بنتي، هو قال برضه إنه هيبعت حاجات للتلاجة.
رحمة وهي تهم برحيل: تمام تصبحي على خير.
خرجت، تتحرك نحو شقتها، والليل يلفها محملا بذكريات لم تنطفئ، وانفعالات لم تجد مكانا ترسو فيه.
في أحد الشوارع المرج، 7:00 مساء.
كانت آلاء تسير بخطوات مرهقة، وآثار التعب واضحة على وجهها بعد يوم شاق في العمل، عينيها نصف مطفأتين، وكتفاها محنيان قليلا، وأثناء مرورها أمام الورشة التي يعمل فيها شقيقها، لمحها الحاج شاهين.
وقف مكانه، ومسحها بنظرة طويلة فيها إعجاب واضح، وشيء آخر مريب، رفع صوته مناديا: إزيك يا آلاء، عاملة إيه؟
توقفت باحترام، وضمت حقيبتها إلي صدرها: الحمد لله يا حاج، أنت عامل إيه؟
شاهين: زى الفل، أنتِ أخبارك إيه؟ والحاجة أزى صحتها دلوقتي؟
اومات برأسها: بخير الحمدلله.
هز رأسه بإعجاب، وبدأ يتفحص ملامحها من جديد: وأنتِ في سنة كام دلوقتي؟
آلاء بتوضح: آخر سنة.
شاهين بابتسامة: ما شاء الله، ربنا معاكي، محتاجة حاجة؟ أي حاجة أؤمري، ده أنتِ بنت الغالي الله يرحمه.
هزت رأسها باحترام: شكرا بعد اذنك.
قالتها بسرعة وابتعدت فورا، خطواتها متوترة، وكأنها تهرب.
أما هو، فظل يراقبها وهي تبتعد، ووضع يده على صدره كأنه يمسك قلبه، وعيناه تجريان خلف جسدها بنظرة جائعة.
شاهين بصوت واطي: بنت حلوة وطعمة والله.
وفجأة تعالي رنين هاتفه، فتحرك للداخل، وأغلق الباب خلفه، التقط الهاتف ورد: إزيك يا متولي، هتبعت الحاجة أول الأسبوع؟ أنا عايز أشتغل.
متولي بتعجب: مش لما تبعت الفلوس يا حاج؟ أنا كنت بكلمك عشان تبعتها.
قطب حاجبيه باستغراب: هو محمود مابعتهاش؟
متولي بستهجان: لا يا حاج مبعتش حاجه، ولا شوفت خلقته من آخر مرة.
نظر للامام بتفكير للحظه، ثم قال: ماشي يا متولي، هبعتهملك دلوقتي مع الواد شوكة، سلام.
أغلق الخط ونادى بصوت عالي: يا شوكة! تعالى.
دخل شوكة بسرعة: أامر يا حج
شاهين بجدية: اسمع هديك 30ألف، تبعتهم حالا لمتولي، بس قولي هو الولد محمود رجع يلعب قمار تاني؟
اومأ برأسه: آه شكله كده، وسمعت إن عنده حوار مع واحد اسمه الزعيم.
ضيق عينه متسائلا: الزعيم ده مين؟
شوكة بتوضيح: الواد معتصم قالي إنهم بتوع ترابيزات قمار من اللي فوق، مافيا، والواد محمود وقع معاهم.
جلس شاهين على المقعد الأمامي، فتح الخزنة وسحب المبلغ، وسلمه لشوكة: طب روح وودي الفلوس دي لمتولي، وحاول تتطقس وتفهمني إيه اللي بيحصل، بس بقول لك إيه...
اقترب شوكة قليلا، فتابع شاهين: على المتغطي.
هز رأسه: حاضر يا حاج.
خرج مسرعا، وبقي شاهين جالسا،يمسح ذقنه، تتنقل عيناه بين الباب والأرض ثم ترتفع كمن يخطط لأمر ما، يتنفس بعمق وينحني قليلا، قبل أن ترتسم ابتسامة خبيثة على شفتيه.
💞______________بقلمي_ليلةعادل
العيادة النفسية، 8:00 مساء.
الهدوء يملأ المكان، لا يقطعه سوى صوت عقارب ساعة الحائط وهي تدق بإيقاع ثابت، تقدم سليم وماسة إلى الداخل بخطوات متقاربة، يحملان بينهما مزيجا من الحماس والارتياح، وما إن دخلا حتى استقبلهما الطبيب بابتسامة واسعة: أهلا وسهلا ماسة هانم، وأهلا بمريضي المشاغب.
خفض سليم عينيه، وقال بصوت هادئ يملؤه الخجل: أنا آسف، عارف إن آخر مرة مكنتش محترم معاك، بس والله كنت تحت ضغط نفسي صعب.
لوح ياسر بيده بإيماءة مطمئنة، وأشار بابتسامة: مفيش أي حاجة، اتفضلوا.
جلسا جنبا إلى جنب على الأريكة، بينما جلس ياسر على المقعد المقابل لهما، ممسكا بلوحة ملاحظاته كعادته.
رفع نظره إليهما وقال بهدوء مهني: ها عملتوا الهوم ورك؟
التفتت ماسة نحو سليم، وارتفع حاجباها بدهشة وهي تتساءل: إيه ده؟ هو قالك على هوم ورك أنت كمان؟
هز رأسه موضحا: آه لما كلمته علشان أحجز ميعاد، قالي على شوية حاجات وعملتها.
ارتسمت ابتسامة فخر على ملامحها، ثم فتحت حقيبتها وأخرجت منها مجموعة كبيرة من الأوراق، ونولتها للطبيب بثقة واضحة: وأنا كمان عملته.
تجمد سليم لحظة، ينظر لأوراق بعينين متسعتين، وتساءل بدهشه: كل ده كاتباه عليا؟
أطلقت ضحكة خفيفة وهي تحرك يدها بمزاح: وياريتهم كفاية.
مد يده إلى جيب بنطاله وأخرج ورقة واحدة فقط، وقدمها إلى الطبيب وهو يتحاشي النظر اليها حتى لا تزيده إحراجا.
أخذ الطبيب الورقة، ورفع حاجبيه بدهشة مرحة: ورقة واحدة! فعلا رجل أعمال.
ارتفعت زاوية فم ماسة بمشاكسه، وقالت بسخرية مازحه: باين إنك بتحبني اوي، كاتبلي مشاعرك في ورقة واحدة؟!
أجابها مازحا: أعملك إيه أنتِ اللى رغايه.
تدخل ياسر بابتسامة حكيمة: على فكرة، مش معنى إنه كاتب ورقة واحدة يبقى مشاعره بسيطة، في ناس بتعرف تعبر بكلمتين، وناس بتحتاج كلام كتير، المهم العمق مش العدد.
ثم بدأ يقرأ في أوراق ماسة بتركيز، ثم انتقل إلى ورقة سليم، يقرأ سطرا هنا وآخر هناك، حتى أغلق الأوراق ووضعها جانبا دون تعليق.
رفع نظره اليهم وتحدث بنبرة عمليه: الجلسة دي انا مش حابب افصل ما بينكم، عايز تحضروا مع بعض وهنتعامل فيها مع المشاعر اللي محتاجة تتظبط ما بينكم، وعايز أتأكد من بعض المشاعر اللى كانت موجوده بينكم قبل كده، رجعت تاني ولا لسه فيها مشكله.
ثم تابع بهدوء محسوب: أنا فهمت من كلام سليم في التليفون أنكم اتفقتوا على هدنه لمدة أسبوع، فات قد إيه؟
أجابه سليم بهدوء: يومين.
التفت إلى ماسة بعينين متفحصتين: وأنتِ حاسة بإيه يا مدام ماسة في اليومين دول؟
رفعت كتفيها، وقالت بابتسامة متوهجة: حاسة إني تمام، متحمسة أوي.
وجهه نظراته لسليم ولوح له ان يقول مشاعره ايضا، فهز سليم رأسه وأجابه بعيون تلمع بالثقه: وأنا كمان متحمس ومتأكد إني أكيد هفوز.
ابتسم الطبيب بخفة: تمام جميل أوي، أنا شايف ملامحكم مشرقة ومتحمسة، ودي خطوة ممتازة في العلاج، والأجمل إنكم جيتوا مع بعض.
اعتدل في جلسته وأخذ يحدثهم بنبرة عمليه: إحنا مش هنتكلم كتير النهارده، أنا عايز أعمل شوية اختبارات نفسية بسيطة، المرة دي شايف لغة جسدكم مختلفة وحماسية، الابتسامة والراحة دي ماكانتش موجودة قبل كده، كل دي خطوات ممتازة.
هز الاثنان رأسهما بإيجاب، وهما ينظران لبعضهما بسعادة وارتياح، فأضاف الطبيب: طيب أول اختبار، عايزكم تقفوا بعد إذنكم.
وقف الاثنان، فتقدم الطبيب نحو سليم وعدل زاوية وقفته بخفة، وقال: سليم بيه، معلش ممكن تقف كده؟
اومأ برأسه وتحرك كما قال الطبيب، ثم أشار إلى ماسة: ماسة هانم، بعد إذنك، تعالي اقفي مكاني بالظبط وافتحي إيديكي كده.
توقفت ماسة خلف سليم فتحت ذراعيها كما طلب منها الطبيب، وهي تنظر إلى سليم بعينين مليئتين بالثقة والحذر في الوقت ذاته.
أضاف الطبيب بابتسامة، وهو يمد يده لسليم برابط أسود صغير: حضرتك هتربط دى على عينك، وهترمي نفسك عليها.
هز رأسه وهو يمسك الرابط بين أصابعه، وعيناه تلمعان بالحماس: آه عارف الاختبار ده، شوفت فيديوهات كتير.
اوما الطبيب بمهنية قائلا: وبعد ما سليم يخلص، هنبدل الأدوار، أنتِ اللي هتقفي، وهو اللي هيمسكك.
هزت ماسة رأسها بإيجاب، ومالت على سليم بابتسامة جانبية هامسة: عايزين نلعب اللعبة دي في البيت، عجبتني.
حاول كتم ضحكته: مش لعبة، بس ياحاضر!
لاحظ الطبيب تفاعلهما معا وسجل شيئا سريعا في مذكراته، ثم أشار بيديه: يلا يا سليم اربط الرابط، وبعد إذنك يا مدام ماسه اقفي زى ما قولت.
توقفت ماسة وفتحت ذراعيها خلف سليم، مع ترك مسافة صغيرة بينهما، بينما ربط سليم عينيه بحذر، ورفع صوته قائلا: طيب مستعدين؟
هز أرسهما بإيجاب قال طبيب:جو
هم سليم أن يلقي بنفسه للخلف على ماسة، لكنها رفعت صوتها تصيح بتوتر: استني تعالى يمين شوية.
تساءل الطبيب: ليه؟
أجابته بثبات: علشان إيدي الشمال أقوى من اليمين، أعرف أسنده كويس.
اومأ بإعجاب ودون ملاحظة جديدة: ممتاز، ده وعي عالي جدا.
تنهد سليم وأخذ خطوة إلى اليمين قليلا: كده تمام؟
أجابته باهتمام: آه أنا هنا واقفة وراك، متخافش.
قاطعها الطبيب بلطف: بعد إذنك، سيبه يعمل كل حاجة بنفسه.
هزت رأسها بإيجاب، وكان القلق يظهر على ملامحها خشية أن يقع سليم، لكنها حافظت على هدوئها، بينما الطبيب يراقب بدقة ويكتب ملاحظاته.
ثم صاح: ثلاثة، اثنين، واحد، جو!
بالفعل القي سليم نفسه على ماسة، وأحاطته بذراعيها بقوة، في البدايه شعرت بالخوف يسري في قلبها، لكنها في النهايه تنفست بارتياح: الحمد لله مسكته.
وقف سليم يستعيد توازنه، وعيناه تلمعان بالحماس، بينما ابتسمت ماسة بتوتر وخفة، والطبيب يدون كل شيء بدقة، ملاحظا قوة الثقة والوعي بينهما.
فك سليم الرابط من عينيه، بينما قال الطبيب بنبرة عمليه: دلوقتي هنبدل الأدوار.
هزت ماسة رأسها ووقفت، في المكان الذي وقف فيه سليم.
أشار الطبيب بأصابعه: ثلاثة، اثنين واحد، جو!
القت ماسة بنفسها على سليم بسرعة، فمسكها بثبات وحنان.
تفاجاء الطبيب بسرعت إتمامها الاختبار !
ضحكت ماسة بحماس وهي تعتدل في وقفتها: والله لعبة تحفة، لازم نلعبها في البيت.
تدخل الطبيب بخفة: للدرجة دي بتثقي فيه؟ ده انت مافكرتيش؟
ردت بثقة ومزاح: لأني عارفة إن مهما حصل سليم هينقذني، هو محاكلكش إنه نط ورايا في البحر ولا ايه؟!
ابتسم الطبيب وهو يدون ملاحظاته: جميل إنكم تثقوا ببعض كده، اتفضلوا اقعدوا.
جلسوا في أماكنهم، تابع الطبيب بكلمات ذات معني: مع إن سليم حكالي إنك قولتيله إنك مبقتبش تثقي فيه لما ما لقاكي بعد ال 6شهور.
ابتسمت وقالت بتوضيح: أنا فعلا قولت كده، لأني كنت لسه زعلانة منه ولسه تحت تأثير صدمة إنه لقاني، وكنت خايفه ومش عارفة هيعمل فيا إيه..
صمت للحظه وقالت بنبرة متأثر وكانها تشرح وجعها: كنت فاكرة إنه هيعمل زي ما عمل لما هربت آخر مرة، وفضلت مستنيه أي رد فعل منه، بس سكوته واعتذره كان راعبني، كنت فاكره ان ده فخ وفي حاجة كبيرة هتحصل بعدها، بس بعد ما فقدت الذاكرة، واللي عمله في الفترة دي!!
صمتت للحظه ثم تابعت بابتسامة: لما رجعتلي الذاكرة كنت طبعا فاكرة كل حاجه حصلت، وقتها قدرت اهدى وافكر وأوزن الاموار كويس، وافتكرت إن مش طبع سليم التمثيل او إنه يفضل هادي كدة، لا سليم بياخد حقه علطول، يعني لو كان متضايق أو عايز يعاقب أو يعمل أي حاجة، عشان كبرياءه اللى اتجرح، كان عمل مش استنى كل ده، خاصة لما عرفت من أهلي إنه معملهمش أي حاجة طول فترة غيابي، وغير اعتذاره، وده كان أول عربون بينا.
كان سليم يصغي لكلماتها بتركيز، يتأمل حديثها بتأثر وشيء من الندم لأنه لم يدرك حالتها في تلك الفترة، ومع ذلك، شعر بالفرح لأنها تفهمت أسبابه الحقيقية وراء أفعاله، ولأنها مثله تبحث عن خيط رفيع يعيد كل شيء أفضل ممّا كان
ابتسم الطبيب بهدوء، وقال بعقلانية وتفسير: أحيانا بنقول حاجات واحنا متعصبين أو تحت تأثير الصدمة، مش بتكون حقيقية، علشان كده دايما الكلمات أو القرارات اللي بتخرج مننا أثناء الاضطراب أو الغضب، 80% منها مش صح.
أومأت برأسها مؤيدة: دي حقيقة فعلا.
تابع الطبيب: المهم إنك رجعتي تثقي في سليم تاني.
هزت راسها بإيجاب إبتسامة واسعة: أكيد.
ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة واسعة ممزوجة بالراحة، حين سمع أنها عادت تثق به كما كانت من قبل.
اضاف وهو يوجه نظراته لسليم: خلاص اقتنعت إن ماسة مكانتش بتديك انصاف مشاعر، وانها كانت محتاجة حد يعينها تعدي المرحلة العصيبة اللي كانت فيها.
اوما براسه باقتناع نظر له: ااها.
نظر مره اخرى نحو ماسة وهو يشرح لها بهدوء: وأنتِ يا ماسة، اقتنعتي أن ردود أفعال سليم، حتى لو كانت خطأ، كلها نابعة من الحب ومن مخاوفه لفقدانك، وطبعا ده بسبب طريقة التربية غير السليمة والمعتقدات اللي اتزرعت فيه من وهو طفل، وده اللي كان السبب إنه يستخدم أسلوب مرفوض تماما معاكي كزوجة، حتى لو كنتي أخطأتي خطأ كبير جدا في حقك كزوج.
هزت راسها بإيجاب مقتنعه بهدوء: انا عارفه ومقتنعه بيه جدآ.
وجهه الطبيب نظراته لسليم تسأل: وانت رايك ايه يا سليم؟!
هز سليم راسه بتأكيد ووجه نظراتهه لماسة بتأمل وثقه تخرج من قلبه قبل عينه: انا واثق في ماسة، عشان كده انا متمسك بيها، وحتى لو معندهاش سبب حقيقي ملموس لهروبها، ومجرد ضغوط نفسيه، مش مهم.
وضع كفه فوق كفها بوهج عاشق، نظرت له ماسة بإبتسامة صغيرة بتأثر أضاف سليم بنبرة عاشقه مطمئنه: المهم ان احنا مع بعض.
تبادلا ابتسامة واسعة مليئة بالمحبة، وظلا يتأملان بعضهما لثوان بعشق، قبل أن يقطع الطبيب تلك اللحظة بصوته.
وهو يقول برضا: مدام انتم الاتنين وصلتوا لمرحله دي دي خطوه مهمه وحلوه جدا تعالوا بقي نكمل باقي التمارين سوا
اخذ الطبيب يوجّههما إلى بعض التمارين البسيطة، وعمل لهم بعض والاختبارات يتابع كل حركة بعين خبيرة، ويُدوّن ملاحظات سريعة.
أحد الكافيهات، 7:00مساء.
الأضواء الدافئة تنعكس على وجهي مي ورشدي وهما يجلسان متقابلين على طاولة صغيرة، أمامهما مولتن كيك يخرج منه بخار خفيف، وأكواب الشاي تلمع بحرارتها.
رفعت حاجبيها باستنكار لطيف: أخوك ده مجنون بجد! هيتجوز آخر الأسبوع؟ ده لسة مطلق من كام يوم!
ابتسم وأجابها ببساطة: بيحبها، هيستنى يكون نفسه مثلا؟
مي بعدم اقتناع: بس برضو يعني....
قاطعها وهو يميل للأمام، وعينيه تتقدان بحماس: بس إيه؟ اتنين بيحبوا بعض، إيه إللي يمنع؟ والله الواد ياسو طلع لعيب، فركش من يومين، ورجعلها، وهيتجوز آخر الأسبوع...
هز رأسه ممثلا الغلب والمرارة: الدور والباقي على الخايب اللي زى حضرتي، كنت فاكر نفسي مقطع السمكه وديلها، واديني اهو داخل على أكتر من ست شهور عارفك ولسة دبلتك في إيدك اليمين!؟
توقفت عن الأكل، ونظرت له بتوتر خفيف: تقصد إيه يارشدي؟ بتلمح لأيه؟
ابتسم بثقة: أنتِ عارفه أنا بلمح لايه، يعني ينفع ياسين يحب بعدي ويتجوز قبلي؟ ده حتى يبقى عيب في حقي والله!!!
ضحكت وضربت كفا بكف بسخرية محبة: طب أخوك وخطيبته! شكلهم عندهم ربع ضارب.
قاطعها وهو يلوح بيده بثقة أكبر: وأنا عندي تلات تربع ضارب، وهنتجوز معاهم خلصت.
اتسعت عينيها وهي تضحك: بطل هبل يا رشدي، مش هينفع، حتى لو أنا وافقت بابا أصلا مش هيوافق.
رفع حاجبيه، وصوته خرج هادئا: طب بعيدا عن باباكي ممكن أعرف ايه اللى ميخلكيش توافقي؟
تنفست بعمق، كأن الكلام عالق في صدرها: إننا لسة مخطوبين بقالنا شهرين و..
قاطعها يحاول إقناعها: وعارفين بعض قبلها بأربع شهور، يعني ست شهور حلو أوي، عرفنا عن بعض كل حاجة.
قاطعته وهي تشير بيدها: بس برضو لسه بدري، وبعدين أنت بتتكلم على أسبوع مش شهر حتى؟!
حدق فيها بثبات، وقال بلهجة ناعمة لكنها صادقة جدا: أنا محتاجلك في حياتي يا مي أكتر من كده!
نظرت اليه بارتباك: يعني إيه؟!
اتكأ بذراعيه على الطاولة، وانخفض صوته وهو يركز النظر في عينيها: يعني محتاجلك بشكل أكبر وأعمق، من غير قيود، مش عايز كل ما أحب أشوفك أروح أخد الإذن كل شوية!
نظرت له، قلبها يعلى وينخفض، بينما أصابعها تعبث بحافة الكوب بلا وعي.
أكمل وكأنه يقدم حجته الأخيرة: متعقديهاش يا مي، بقولك ياسين ولوجين فركشوا ورجعوا وهيتجوزوا كل ده في عشر أيام! وعارفين بعض بعدنا بفترة، ومع ذلك هيبدأوا حياتهم، وأنا وأنت من شهور وحياتنا واقفه مش بنتقدم فيها خطوة!؟
صمتت وارتعشت أنفاسها لحظة: رشدي أنت كده بتضغط عليا؟
مال للأمام وهو يشبك أصابعه بنبرة أصبحت أكثر جدية: مش بضغط عليكي ولا حاجه، أنا ببين لك إني بحبك ومحتاجك في حياتي، فكري براحتك وردي عليا، بس فكري كويس، مفيش حاجة تمنع إننا نتجوز، إلا لو أنتِ، مش واثقة فيا !؟
رفعت حاجبها بضيق: ايه اللى بتقوله دى، أكيد بثق فيك.
ضحك بخفة، وأكمل حديثه بنبرة أعمق: لا ما هو أصل السبب الوحيد إللي ممكن أفهمه، إنك تكوني لسه مش واثقة فيا، أو لسه مش بتحبيني كفاية!؟ كده أفهم، أنتِ ليه رافضة نتجوز مع ياسين ولوجين؟!
تنفست بصوت مسموع: يا رشدي، الجواز قرار مش سهل إننا ناخده بسرعه كده!؟ مش سلق بيض هو
رفع حاجبيه وأشار بإيده قائلا بعقلانية: وإيه اللى هيصعبه بس، وبعدين لو لسه خايفه ومش واثقه فيا فصدقيني، لو قعدنا 10 سنين مخطوبين، وقبلها 10 سنين متصاحبين، وأنا فيا صفات سيئه مش عايزك تعرفيها؟! صدقيني مش هتعرفيها طول ما أنا مش مخليكي تعرفيها؟! وأنا صريح معاكي من أول يوم، فهي هي هي سواء اتجوزنا دلوقتي أو اتجوزنا بعدين، بس الفرق اني بحبك ومحتاجاك جنبي أوي الفترة دي، وكمان علشان تساعديني أبطل شرب خالص.
هبطت عينيها وكأن كلماته لمست شيء بداخلها، ثم رفعت نظراتها اليه تتساءل بارتباك: طب لو أنا اقتنعت، هتقدر تقنع بابا إزاي؟
اتكأ على الكرسي وفتح ذراعيه بثقة: لا أبوكي ده
أول ما أنتِ تقتنعي، هو هيقتنع، أنا محتاجلك بجد يا مي، وبعدين يرضيكي الولا أخويا الصغير يتجوز قبلي؟ وكل إخواتي متجوزين وأنا لوحدي، ده أنا هتحسر!
ضحكت غصب عنها: رشدي إخواتك كلهم متجوزين من زمان، مكانش فاضل غيرك أصلا متستعبطش.
لوح بيده ضاحكا: بس المرة دي مختلفة..
صمت لحظة، مال عليها وهو يخفض صوته: مش نفسك نخرج بالليل في المطر، وناكل بيتزا سخنة سوا؟
تنهدت بصدق: أوي
ابتسم كأنه كسب نقطة: ومش نفسك نسافر بالليل، ونتفرج على النجوم واحنا بنسمع أغنية لأم كلثوم؟ رغم اني مبحبهاش؟!
ضيقت عينيها بتمنى شديد: أوي أوي يا رشدي.
اقترب منها قليلا، وانخفض صوته حتى صار أقرب لنبض يلامس قلبها؛ لا مزاح، ولا تشتيت، بل صدق رجل يعرف ماذا يريد.
رشدي بصوت ثابت، وعينه معلقة بعينيها: قوليلى هنعمل كل الحاجات دي إزاي؟! ونعيش كل إللي نفسنا فيه أزاي؟! وإحنا مش متجوزين! أنتِ ليه مترددة! هو أنتِ خايفة مني؟!
سقطت الكلمات في قلبها قبل عقلها، وشعرت بأنفاسها تتباطأ، وبصدرها يرتفع بنبضة مختلفة.
رفعت عينيها إليه ببطء، بنظرة ممتلئة بخضوع لطيف وقبول خجول ونقطة ضوء صغيرة تشبه القرار، وقالت بصوت منخفض: ماشي يا رشدي، نتجوز مع ياسين ولوجين.
اتسعت عيناه، كمن سمع جملة انتظرها لسنوات، مال بجسده للأمام، امسك يدها، وصوته خرج مكتوما من شدة الفرحة: يا نهار أبيض!قولي تاني كده، علشان أصدق!
ابتسمت بخجل، وخفضت عينيها ثانية،قالت بهدوء: موافقة نتجوز يا رشدي
صمتت للحظة، تساءلت: بس هنقنع بابا إزاي؟! كمان الديكور بتاع أوضتك ده مش عاجبني والفستان وتجهيزات الفرح كل دى هنلحق نخلصه امتي؟!