
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثامن عشر 18 ج 2 بقلم ليله عادل
ابتسم ابتسامة دافئة وقتل: هديكي رقم لوجين، وظبطوا مع بعض كل حاجة، أنتم البنات هتعرفوا تحلوا الموضوع سوا، إحنا هنمشي على خطاها.
مال عليها بخفة، وهمس بنبرة تجمع بين المرح والجدية: أما الحاج سيبيه عليا، بس تمسكي بيا ها؟ ومفيش مانع كمان تهدديهم بالانتحار!
قهقت وضربت كفه بخفة، بينما ابتسم هو بشوق مكتوم: قسما بالله نفسي أحضنك وأبوسك دلوقتي وأنتِ مكسوفه وعسوله كده، بس خايف على برستيجي من القلم اللى هيرن على وشي واحنا وسط الناس.
ضحكت وهي تشير بيدها بتحذير: أيوه خليك مؤدب.
هز رأسه، وهو يغمز بعينه: هتروحي مني فين، كلها أسبوع ومش هتشوفي غير قلة أدبي.
ضحكت بخجل، وقالت بحدة: اتلم بدل ما أغير رأي تاني.
ابتسم وهو يرفع يديه مستسلما: لا وعلي ايه، سحبتها مؤقتا.
في العيادة النفسية
بعد ان انته سليم وماسة من الاختبارات، مال بظهره إلى الكرسي، أطلق زفرة طويلة، ثم قال بابتسامة مهنية هادئة:
ممتاز جدا… كده حلو كفايه اوي لحد النهارده وان شاء الله بعد يومين، ممكن نعمل جلسه كمان، بس انا بس حابب اقعد مع ماسة هانم خمس دقائق كده لوحدنا؟!
رفع سليم عينه له باستغراب: اشمعنا يعني؟!
نظر له الطبيب بصرامه مهنيه لطيفه: عشان اللي انت عملته ده احنا اتفقنا ايه منسالش، احنا في جلسه علاج نفسي، فطبيعي إني احب اقعد مع مريضتي لوحدي والعكس صحيح فما ينفعش نسال؟!
مد سليم وجهه هز رأسه بإيجاب بصمت، نهض من مكانه وربت بخفة على كتف ماسة قبل أن يخرج.
انغلقت الباب خلفه، وساد صمت قصير، رفع الطبيب نظره إلى ماسة، يراقب ارتجافة أصابعها فوق طرف مقعدها: طيب يا ماسة قوليلي، ليه مكملتيش باقي الكلام اللى كتبتي؟أنا، محبتش أسأل قدّام سليم
رفعت عينيها نحوه بتردد، وصوت أنفاسها صار مسموعا..
تابع الطبيب وهو يميل بجسده قليلا للأمام، نبرة صوته أكثر دفئا: اتكلمتي عن خوفك، وأسباب كتير، بس في نقط سيبتيها ليه؟ هي دي نفس النقط اللي رفضتي تتكلمي فيها قبل كده؟
ابتلعت ريقها، وضمت كفيها فوق ركبتيها هزت راسها وهمست وكأن الكلمة ثقيلة: اممم، هي.
رفع الطبيب حاجبا: طب ليه رافضة تكتبيها؟
هزت رأسها ببطء، نظراتها تهرب بعيدا:مش رافضة، أنا خايفة.
تسأل بتعجب: خايفة من إيه؟
ساد صمت طويل، عيناها تلمعان بقلق والخوف، وكأن الكلمات محبوسة خلف جدار سميك.
ضيق عينه باستغراب: للدرجة دي الموضوع صعب؟
أومأت برأس خفيف، تخرج معها زفرة متكسّرة:
أيوه، صعب اوي كل ما أجي أكتبه بحس إن القلم بيتجمد في إيدي، ونفسي بيضيق.
اسند الطبيب ظهره وأخذ لحظة يفكر، ثم قال بنبرة هادئة تشبه يدا تربت على كتفها: بصي يا ماسة، أيا كان اللي مخبياه، وأيا كان وجعك، ليه حل،
الخوف عمره ما كان حماية، أوقات بيكون سجن. وإنتِ محبوسة جواه من زمان، لازم تحكي وتشتركيه مع حد يكون عنده من الوعي ان يوجهه ويرشدك لحلول، مينفعش تفضلي محبوسه جو القفص مخوافك.
رفعت رأسها نحوه، وارتعاشة شفتيها يعكس توترها الداخلي: أنا خايفة ناس بحبهم يتأذوا.
هز الطبيب رأسه ببطء، يراقب انهيار جملتها الأخيرة قال بعقلانية:وسكوتك، بيأذيكي زي ما بياذيهم،
إنتِ شايفة حياتك مع سليم بقت عاملة إزاي؟ نفسيتك انهارت، وهو كمان اتأذى، فكري لو اتكلمتي، يمكن تلاقي حل للمشكلة اللي كنتي فاكرها مستحيل
ثم مال نحوها قليلًا، صوته ينخفض: مش عايزك تقولي حاجة دلوقتي عايزك تفكّري كويس في كلامي وتتشجعي لما تبقي جاهزة احكيلي لان ماينفعش تفضلي طول عمرك سكته تاكدي 90٪ من حل مشكلتك مع سليم انك تحكي.
نظرت إليه بتوتر واضح، أصابعها تتحرك بلا وعي كأنها تبحث عن شيء تمسك به هزت راسها بإيجاب فهي تعلم انه محق.
ابتسم الطبيب مطمئنا: وتأكدي، إني هنا عشان أساعدك، مش عشان أضغط عليكي ممكن تتفضلي.
توقفت ماسة فجأة، تعدل حافة حقيبتها بتوتر واضح: ماشي هانادي سليم.
الطبيب وهو يقف من مكانه: لا كفاية كده النهارده.
أومأت برأسها بصمت، نظر إليها الطبيب مطولا، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة تحمل فهما: مستنيكي كمان يومين عشان تحكيلي.
هزت رأسها موافقة، بلا كلمة واحدة..تحركت بخطوات هادئة خارج الغرفة.
كان سليم يجلس على الأريكة في الردهة، ساقاه ممتدتان قليلاً، وكتاب مفتوح بين يديه..
وفور أن شعر بظلها يتوقّف أمامه، أغلق الصفحة بعلامة صغيرة ورفع نظره نحوها بمزاح محبب:
إيه؟ خلصتي؟ نم عليا.
ماسة بصوت منخفض: آه..
اوما براسه بمزاح: طب هدخل أنم عليكي أنا…
هم بتحرك، لكنها أمسكت أصابعه بسرعة، قبضتها الصغيرة متوترة فوق يده: لا، هو قالي خلاص.
التفت إليها بدهشة طفيفة: خلاص إزاي؟ أنا اتمينتجت ليه؟
خرجت منها ضحكة خفيفة رغماً عنها، ضحكة قصيرة لكنها كسرت ثقل الجو: معرفش بقى يا سليم، خلينا نمشي.
تأمل ابتسامتها المرتبكة لحظة انتي كويسه
هزت راسها بإيجاب شبكت أصابعها بإصابعه هز رأسه موافقا، وصوته عاد دافئا: يلا… تعالي نتعشا.
سار الاثنان نحو الخارج، والكلمات التي لم تقلها ما زالت تعلق في صدرها بثقل لا يراها غيرها.
قصر الراوى،8:00مساء.
غرفة نالا
كانت ماتزال جالسة على الفراش بملامح حزينة كأن اليوم كله أثقل من قدرتها الصغيرة على الاحتمال، والدادة تجلس بجوارها وتربت على شعرها بحنان.
فتح ياسين الباب بابتسامه واسعه وما إن رأها بملامحها الحزينه وعينيها المتورمتين من كثرة البكاء خفتت ابتسامته، واقترب منها مسرعا، وهو يتساءل بقلق: نونو حبيبة بابي، مالك يا حبيبتي؟
وداد بصوت منخفض: من الصبح زعلانة وبتعيط، ومش عايزة تاكل خالص.
نظر ياسين إلى ابنته، قال لوداد: طب روحي خليهم يحضروا العشا، أنا هآكل أنا ونالا.
هزت رأسها وغادرت بهدوء، فالتفت ياسين إلى نالا، ورفع ذقنها بإصبعه برفق: إيه بقى؟ مش عايزة تاكلي ليه يا قلبي؟
ترقرت عيناها بالدموع، وقالت بصوت حزين مرتجف: مامي وحشتني أوي، عايزة أشوفها.
تنفس ببطء، وحاول أن يبقي هادئا: مامي مسافرة يا نالا.
هزت رأسها بعنف، وقالت بصوت باكي: لا مامي لما بتسافر كانت بتكلمني، دلوقتي لأ!؟
ابتلعت ريقها، وأكملت بانهيار: وناناا قالتلي إنها سافرت خالص بعيد ومش هتيجي تاني.
قبل أن ينطق بكلمه، نظرت إليه، وتساءلت بخوف طفولي بريء: هي مامي راحت عند ربنا يا بابي، زى مامت دينا؟!
تجمد واهتز صدره من الداخل للحظه كأن جملة الصغيره صفعت رأسه، مال عليها بسرعه وأمسك وجهها بكلتا يديه: لا يا حبيبتي اسمعيني، مامي هتيجي والله، مش أنتِ بتثقي في بابي؟
مسحت دموعها، وهزت رأسها بخفوت: أه.
قال بثبات رغم النار التي تشتعل في داخله: خلاص وعد هكلم مامي أخليها ترجع من السفر بسرعه وتجيلك.
لمعت عيناها بالفرحه وعدم التصديق: بجد؟
اقترب أكثر، وقبل رأسها: بجد.
ارتمت في حضنه بقوة، وذراعاها تطوقان عنقه فبادلها العناق بالقدر نفسه من القوة، لكن القوة هنا لم تكن من أجلها فقط، بل لحبس غضب يشتعل داخله منذ معرفته بما قالته والدته لها ربت علي ظهرها بحنان حتى بدأ صوت بكائها يخفت تدريجيا،وبعد دقائق، طرق الباب ودخلت الخادمة وهي تحمل صينية الطعام.
وضع نالا على الفراش بلطف، ثم جلس إلى جوارها وأخذ يقرب منها الملعقة: يلا ناكل مع بعض عشان انا جعان اوي، ولا عايزه بابي يزعل!؟
نظرت له بعينين برئتين: لا مش تزعل، بس هتخليني أشوف مامي؟!
اوما براسه وهو يمسح على خدها: وعد هخليكي تشوفيها قريب.
نظرت إليه بعينين متورمتين من البكاء، لكنها لم تعاند، اقتربت وأخذت أول لقمة وهو يشجعها بابتسامة دافئة، شيئا فشيئا بدأت تستجيب، وتطعم نفسها نصف اللقمة وتترك النصف الآخر في يده، وكأنها تطمئن بوجوده فقط.
وبعد أن انتهت، مد يده يداعب خصلات شعرها بخفة: إيه الشطارة دى كلها، أنتي بنوتي حلوة وشطورة كده أزاى.
أطلقت ضحكة صغيرة تحمل حزنها كله، وكان ذلك كافياً لياسين. حملها بين ذراعيه، وأسند رأسها على كتفه وهو يهدئها حتى غلبها النوم، متشبثة بقميصه كأن حضنه بيتها الوحيد. نامت بسلام بين ذراعي والدها الذي وعد صمتا ألا يؤذيها أحد غطاها جيدا، قبّل جبينها، وغادر الغرفة بهدوء.
الصالون
جلست فايزة تحتسي قهوتها بهدوء على مقعدها، بينما تنساب موسيقى تركية رائقة في الخلفية، اقترب ياسين بخطوات غاضبه، وقال بغضب مكبوت: ممكن أعرف إيه إللى حضرتك قولتيه لنالا دي؟
رمشت ببطء، وقالت ببرود: قولت ايه؟
ياسين بنبرة جامدة: البنت تصورت إن هبة ماتت! قالتلي راحت عند ربنا!
مالت فايزة برأسها قليلا للخلف، وقالت بلا مبالاة: هي فعلا مش راجعه تاني.
اشتد وجهه وصاح بغضب مكتوم: مش بالطريقة دي، ولا بالأسلوب ده! البنت اتخضت، ورجعت لقيتها معيطه ومصدقة إن أمها ماتت!
هزت كتفيها بتراخي ثقيل: والله يا ريت تقولها كده، هبة فعلا بقت في حكم الميته بالنسبه لنا ومش هنشوفها تاني.
تقدم خطوة، وقال بحدة: ماما لو سمحتي حاسبي على كلامك مع البنت، علشان لو رجعت تاني لقتها معيطه بالشكل دي تاني، هاخدها وامشي من هنا.
نظرت اليه بجمود، وقالت ببرود: اهدى يا ياسين، أنا كل اللي قولته إن مامي مسافرة، هي اللي خيالها واسع.
رفع يده باعتراض: من فضلك لو مش هتعرفي تهديها يبقى خليكي بعيد أحسن.
هزت راسها بجفاف يجرح: تمام، قولتها أنك هتتجوز؟
ارتسم الضيق على ملامحه، فتنفس بعمق: لسه، بعد إذنك.
صعد لغرفتة، بينما بقيت فايزة مكانها، ترتشف قهوتها وكأن شيئا لم يحدث.
💞________________بقلمي_ليلةعادل
سيارة سليم
جلست ماسة بجانب سليم، يديها فوق حقيبتها تتحرّكان بتوتر خفيف، ووجهها يحمل بقايا ارتباك لم يغادرها بعد.
قطع سليم الصمت بصوت هادئ: تيجي نروح الأرزونا؟
التفتت إليه، أومأت برأسها بموافقه: ماشي فيها أكل؟
ضحك وهو يرمقها من طرف عينه: أها فيه، طب قوليلي الدكتور قالك إيه؟
شدت حقيبتها أكثر، وكأن السؤال لسع داخلها قالت بمراوغه: لا سر يا حبيبي.
نظر إليها ثانية، هذه المرة بملامح أكثر عمقا، وكأنه يريد أن يمرر دفئه إليها عبر نظراته: بس عارفة؟
أنا مبسوط اوي يا ماسة إنك رجعتي تثقي فيا تاني،
متعرفيش الموضوع ده كان مزعلني ومعصبني قد إيه، بجد حاسس ان انا طاير من فرحه لانك رجعتي تاني تشوفي سليم الأمان.
رفعت ماسة عينيها نحوه، وابتسامة خفيفة تتفتح على شفتيها: وأنا كمان مبسوطة إنك رجعت تاني سليم حبيب.
مد سليم يده نحو يدها، وأمسكها بحنان واضح.
التفت بكامل وجهه نحوها لحظة، وعيناه لا ترمشان، ممتلئتان بحب ووعد لا يتراجع: أنا وعدتك، المرة دي مختلفه، مش هسمح لنفسي أضيعك تاني.
ارتعشت أنفاسها، ونظرت إليه بعيون تلمع بدموع خفيفة، ابتسامة حب ترتجف على شفتيها.
لم يقل أحدهما شيئًا بعدها لكن الجو امتلأ بما يكفي من المشاعر التي لا تحتاج كلمات.
توجها بعد ذلك إلى العوامة الارزونا، على النيل كان النيل يلمع تحت ضوء القمر، والموسيقى الهادئة تنساب حولهما.
جلسا إلى الشلط قرب السور، يتناولان العشاء، ويتبادلان أحاديث خفيفة، ضحكات، ابتسامات، ونظرات دافئة كأنها تلملم شقوق الأيام الماضية.
كانت تلك الليلة، تشبه بداية جديدة، أهدأ، وأنقى، وأكثر صدقا مما عرفاه من قبل.
منزل مي،9:00مساء.
جلست في غرفتها تتململ على الكرسي بقلق، تفكر في طريقة مناسبة لفتح الموضوع مع والدها؛ فهي تدرك جيدا أن موافقته ليست أمرا يسيرا.
رن هاتفها باسم رشدي، فالتقطت الهاتف وهي تمسح عرق يدها بتوتر، وضغطت على زر الإجابه فأتاها صوت رشدي من الطرف الآخر متسائلا بقلق: إيه يا مي، كلمتيه ولا لسه؟
مي بارتباك: لسة يا رشدي.
رشدي بحماس: ليه بس؟ اخرجي قوليله وانجزي بقى.
نهضت ببطء: طيب طيب، اقفل ولما أخلص معاه هبقي أكلمك، سلام
أغلقت الهاتف وهي تعض أصابع يدها بتوتر، لا تعرف ماذا تفعل ومن أين تبدأ حديثها؟! ثم أخذت نفسا عميقا وخرجت إلى الصالة حيث كان والدها جالسا يشاهد التلفاز.
مي بابتسامه مرتبكه: مساء الخير يا بابا.
رفع عينه اليها: مساء النور يا حبيبتي.
داعبت طرف بيجامتها بخجل: ممكن أتكلم معاك شوية؟
هز رأسه بابتسامه: آه طبعا، تعالي.
جلست مي بارتباك، وأمسك والدها الريموت وأخفض صوت التلفاز واعتدل في زاويتها بابتسامه: خير بقي يا ستي عايزه تتكلمي في ايه، أنا سامعك.
حكت خلف أذنها بأرتباك: كنت بتكلم مع رشدي النهاردة، وقالي إن ياسين أخوه هيتجوز الخميس الجاي.
رفع حاجبيه بدهشة: هو مش كان لسة منفصل؟
هزت رأسها بإيجاب، وهي تحاول أن تمتلك الشجاعة: اه بس دي مش ده موضوعنا.
تساءل بهدوء: اومال؟!
تنفست بعمق تحاول استجماع شجاعتها، قالت كلماتها بسرعه وخفوت: الموضوع إن رشدي قالي نتجوز معاهم، وأنا وافقت.
حدق فيها للحظات بعدم استيعاب، تساءل بعدم فهم: يعني إيه تتجوزوا مع ياسين؟ مش فاهم.
ابتلعت ريقها موضحة: يعني نتجوز الخميس الجاي.
اتسعت عيناه وصاح بغضب: وأنتِ وافقتي على العبط ده؟ أنتِ اتجننتي يا مي؟!
هزت رأسها بإعتراض: لا يا بابا، مش عبط، أنا عارفة رشدي كويس وبحبه.
قاطعها بحزم وهو ينهض من جلسته: الموضوع ده مرفوض.
توقفت أمامه، وهي تتحدث بجدية: مرفوض ليه يا بابا، لو سمحت خلينا نتكلم.
نظر لها بحدة واستهجان: نتكلم في إيه؟ وبعدين أنتِ عارفه إني مكنتش موافق على رشدي أصلا، ووافقت على الخطوبه بس لما لقيتك متعلقه بيه ومحبتش أزعلك، لكن عايزه تتجوزي آخر الأسبوع وأنتم مبقالكمش شهرين مخطوبين!؟ أنا لا يمكن أوافق على الجنان ده.
تنهدت وهي تحاول إقناعه: بس يا بابا أنا أعرفه من قبل الخطوبه بفتره، وبعدين مهما اتخطبنا عمري ما هعرفه عنه كل حاجه، الجواز حاجة والخطوبة حاجة تانية.
هز رأسه بإيجاب، وحاول الحفاظ على نبرته: مظبوط بس الخطوبة بتبين بعض الصفات، وأعتقد إن عندك من الوعي إللي يخليكي تتحكمي وتختاري صح.
نظرت له بإصرار ورجاء: يا بابا أنا بحبه ومقتنعة بيه جدا، إيه إللي يخلينا نستنى؟
مسح وجهه بكفه بنفاذ صبر،تنهد ونظر إليها متحدثا بعقلانية: طول عمري مديكم مساحة شخصية تختاروا الطريق إللي تمشوا فيه؛ لإني كنت واثق في اختياراتكم، بس بعد اختيارك لرشدي بدأت أعيد النظر، لكن إنك تتجوزيه بالسرعة دي لا، طبعا مش موافق.
اقتربت منه تتطلع له بعينين لامعتين بالدموع برجاء: لو سمحت يا بابا أحترم قراري أنا بحب رشدي عايزة أتجوزه، وبعدين سواء اتجوزنا دلوقتي أو بعدين مش هتفرق، فترة الخطوبة معمولة علشان نعرف بعض وأنا عارفة كل حاجة عنه من قبل الخطوبة، دى قراري وأنا مسؤولة عنه.
زمجر بدهشة وغضب: يعني إيه مسؤولة عنه؟ يعني أشوفك بترمي نفسك في النار بنفسك واقولك برافو؟!
أجابته وهي ترفع رأسها بثقة: أنا مسؤولة عن القرار ده، وأنا بس إللي هدفع التمن لو كان قرار غلط زى ما حضرتك بتقول، بس أنا واثقة في رشدي وبحبه، ولو سمحت وافق.
صمت والدها وهو يتفحص ملامحها المتوسلة وأيضا الحاسمة، يرمقها بسخط لا يعرف كيف يثنيها عن قرارها، فتنهد وقال بجدية: تمام يا مي، أنا هوافق، وأنتِ مسؤولة عن قرارك، أتمنى يكون قد ثقتك ومتندميش.
كلماته وغادر لغرفته، بينما بقيت هي متوقفة في مكانها، وابتسامه سعيده تسللت إلي وجهها شيئا فشيئا، شعرت بإرتياح يملأ صدرها، ومسحت دمعة فرح هربت على خدها.
أخرجت هاتفها من جيب بيجامتها بسرعة وارتجاف، وضغطت على اسم رشدي، وانتظرت قليلا حتي جاءها رده بلهفه من الطرف الآخر: عملتي ايه يا مشمش طمنيني؟!
ردت بصوت مليئ بالبهجه: بابا وافق يا رشدي!
وقف من مكانه بحماس، وعدم تصديق: بتتكلمي بجد؟!
ضحكت بارتياح وفرحة: أيوة والله بجد وافق!
هز رأسه بسعادة: خلاص بكرة نتقابل ماشى؟
أجابته بفرحة كبيرة: ماشي أنا فرحانة أوي يا رشدي.
رد عليها بصوت ملئ بالحماس: وأنا كمان مش مصدق، وهموت من الفرحة! أشوفك بكره يا مراتي سلااام.
أغلقت الهاتف وابتسامتها لا تفارق شفتيها، تمشي بخفة نحو غرفتها كأن الفرح يرفعها عن الأرض. جلست على الفراش وأطلقت تنهيدة دافئة، تتحسس خدّها حيث ما زالت بقايا ابتسامتها، وتهمس بثقة غامرة: «مستحيل تخذلني يا رشدي.»
التفتت إلي وسادتها واخدتها في حضنها كما لو كانت تحمل كل فرحتها بين ذراعيها، وهمست مرة أخرى، بنبرة أكثر عمقا وطمأنينة: أنا مصدقاك ومطمنة، وعارفة إنك عمرك ما هتكسفني. وبتحبنى أكتر ما بحبك.
على إتجاه آخر عند رشدي
تحرك رشدي ووقف امام المرآة والهاتف ما زال في يده بعد انتهاء المكالمة.
وقف ثابتا أمام انعكاسه كأنه يرى نفسه للمرة الأولى، كانت عيناه تلمعان بفرحة نادرة، وابتسامة مرتجفة ظهرت على شفتيه.
رفع رأسه قليلا، حدق مباشرة في المرآة، وقال بصوت خرج منه كإعتراف صادق: «مستحيل أخذلك يا مي»
ارتكز بيد واحدة على حافة الطاولة، وكأنه يحاول التماسك من شدة المشاعر التى تعصف بداخله، تنفس بعمق، ثم مال رأسه صوب المرآة، يحدث صورته بثقة جديدة لم يعتادها: «وأنا متأكد، إنك هتساعديني أتغير، وهتبقي السبب إني أبقى أحسن»
لمعت عينيه لحظة، كأنه يرى نسخة مستقبلية منه مختلفة، أقوى، أنضج.
فيلا سليم وماسة، 8:00 صباحا.
السفر
جلسا يتناولان فطورهما بهدوء.
تساءل سليم وهو يسكب لنفسه الشاي: هتعملي إيه النهارده؟
أجابته وهو تتناول قطعه من الخبز: ولا حاجه هخلص محاضراتي وهروح لماما، وأنت؟
أجابها بابتسامه هادئه: عندي شغل كتير، ممكن تخليكي هناك لحد ما أخلص وأجي أخدك.
هز رأسها موافقه، ودخلت سحر ووضعت طبق البيض أمامهم بهدوء ورحلت، فوضعت ماسة يدها على فمها، وشعرت بغثيان مفاجئ.
سليم بقلق: مالك؟
جابته بوهن وحيرة: مش عارفة، حاسه عايزة أرجع، مش طايقة ريحة البيض، شكله بايظ متاكلش منه.
أمسك صحن البيض وشمه: ريحته عاديه مفيش حاجة.
هزت رأسها باعتراض وإصرار: لا يا سليم بايظ وريحته وحشه أوي، شيله أوعى تاكل منه!
ثم تنهدت ببطء، ونادت على إحدى الخادمات: لو سمحتي شيلي ده، وهاتي طبق جبنة قديمة تاني.
رفع حاجبه بتعجب: جبنة قديمة؟! عالصبح؟
ماسة بابتسامة صغيرة: طعمها حلو أوى، أنا هروح لماما مخصوص علشان أجيب من عندها، بتعملها تحفة.
هز رأسه مبتسما: بألف هنا، بس متكتريش علشان متتعبيش.
جاءت الخادمة بالجبنة، فامسكت ماسه بالطبق وكأنها تستعيد طاقتها بعد الغثيان، وأخذت تتناولها بشراهة، وعيونها تتلألأ من المتعة.
بعد الانتهاء، خرجا معا إلى الخارج، وتوقفا أمام سيارتهما، نظر لها بتركيز: خدي بالك من نفسك، وسوقي على مهلك، وخليكي ماشية على الطريق إللي رحنا وجينا عليه.
ابتسمت وهي تضع نظارتها الشمسية على رأسها: حاضر متقلقش، أنت هتفضل كل يوم تقولي نفس الكلام؟
ضحك بخفة، وقرص خدها بطريقة مازحة: آه علشان أنتِ مجنونة، ويتحاف منك!
ضحكت دون رد، وصعدا إلى سيارتهما، وكل واحد توجه إلى وجهته، وبالطبع كان ذلك القناص يراقبهما خطوة بخطوة.
أوقفت سيارتها داخل الحرم الجامعي، وبالطبع لم يستطع القناص فعل شيء في الداخل، فظل ينتظرها لتخرج
مجموعة الراوى،11:00صباحا
غرفة الاجتماعات
كان الجميع يجلس حول الطاولة المستديرة،والأوراق أمامهم بينما يشرح رشدي بحماس مشروعه الجديد المتعلق بالمدارس والجزء الخيري المصاحب لها.
وحين انتهى من عرضه، رفع عزت الأوراق وهو يبتسم بسخرية: أول مرة تجيبلي دراسة كاملة من غير نقص.
رشدي بثقة: ما أنا اتعلمت بقى يا باشا، لازم لما أقدم، مشروع تكون دراستي مستوفية.
تدخلت فايزة، ووجهها يحمل استغرابا صريحا: بس احنا مالنا ومال المدارس؟ إحنا ملناش علاقة بالكلام ده.
حاول إقناعهم: إزاي يعني؟ ما احنا شغالين في المقاولات، وبنبني مدارس في المدن اللى بنملكها.
هزت فريدة رأسها موضحه: مظبوط بس الإدارة مبتكونش لينا، إحنا بنبنيها بس، لكن نظام التعليم وكل ده مبنفهمش فيه، إحنا بنأجرلهم الأرض، وهما بيديروا، انت هنا عايز تعمل العكس.
رفع حاجبه معترضا: طب وإيه المشكلة لما ندخل في الإدارة كمان؟
عزت بسخرية لازعه: المشكلة إنك مختار المشروع ده مخصوص عشان ترضي الست مي، مش لانك مقتنع بيه، وكمان عامل جزء خيري من إمتى الإيد اللي بتاخد بتدي؟
ارتفع صوت رشدي معترضا: مين قال إني بعمل كده علشان مي؟
نظر له عزت نظرة عميقة لازعه: حتى معندكش الشجاعة تعترف.
اضاف بتبرة لا تتحمل الناقش: المشروع ده مرفوض أنا مش هدخل في حاجة مش فاهم فيها، علشان ارضي خطيبتك.
تنفس رشدي بعصبية: على أساس يعني لو حصلت مشكلة في المدارس اللي بنبنيها مش هتبقى في وشنا ونتدخل؟
عزت بثقة: لا مش هندخل، لانها متخصناش إحنا مجرد أرض ومباني ولو حصلت مشكلة بتاعتهم هما يحلوها، احنا ملناش علاقة.
رشدي بنبرة متوترة: يعني حضرتك رافض المشروع بشكل نهائي
أغلق عزت الملف: وبدون نقاش.
ضغط رشدي على أسنانه: تمام أنا هعمله لوحدي.
ضحك طه بخفة: وهتجيب منين الفلوس اللى تمول بيها مشروع ضخم زي ده؟
رشدي بإصرار: هعمل قرض وهسدد من أرباح المشروع لما يكبر.
قاطعه سليم بابتسامه: وتعمل قرض ليه واحنا موجودين، الفكره حلوه جدا، وأنا ممكن أدخل معاك بنسبة وياسين كمان هيبقى معانا.
نظر ياسين حوله بدهشة وابتسامة: أنا بتدبس، بس ماشي معنديش مشكله.
عزت ساخرا: ودى من إمتى؟
نظر له سليم بثبات: انت زعلان عشان بنتعاون مع بعض يا باشا؟
عزت بابتسامه بارده: لا مبسوط طبعا، ده كان هدفي وحلمي من زمان اشوفكم كلكم ايد واحده،. بس مستغرب سليم ورشدي؟! غريبة.
رشدي بسماجه: وهتستغرب الفتره الجايه اكتر.
ثم وجه نظراته لسليم: أنا موافق يا سليم، خلينا نظبط اجتماع تاني أنا وأنت وياسين ونبتدي شغل.
هز رأسه موافقا: تمام.
علقت فريدة بنبرة ساخرة: والله مي بتعمل المعجزات، بقب رشدي بيعمل اعمال خيريه وبيفكر في الايتام؟! انا لو كان حد قال اني ممكن اسمع جمله زي دي زمان كنت هقولهم أنتم مجانين.
ضحكت مني قائلا: سوري يا رشدي بس اللي انت بتعمله ده، بالنسبه لنا معجزه فعلا.
نظرت له فايزة بجدية، وقالت بنبرة ذات معني: معجزه فعلا، علشان كده خد بالك من مي كويس يا رشدي، وحافظ عليها علشان تفضل في التقدم المبهر ده.
نظر لها بتوتر، وفهم ماذا تقصد جيدا، فهي تلعب علي مشاعره، وتضغط عليه من النقطه التي توجعه؛ لكي تظل فكره قتل ماسه الشيء الوحيد الذي يمكنه النجاه به.
تنهد وأجابها بابتسامه سمجه: متقلقيش يا هانم، اكيد هحافظ عليها، أومال هتجوزها ليه؟!
زفر سليم بملل وأراد وضع حد لذلك الهراء، فتنهد قائلا: طب خلونا نركز في شغلنا بقي.
وانتقل الاجتماع لمشاريع أخرى، حتى انتهى بعد وقت طويل، وبدأ الجميع بالخروج والتوجه إلي مكاتبهم
فيلا عائلةماسة،2:00ظهرا
غرفة المعيشة
انساب الضحك عاليا في الغرفة، وكانت ماسة تجلس بين والديها تمسك طبق الحلوى وتأكل منه بشراهه وتلذذ.
قالت بمرح وهي تبتلع قطعة: اقسم بالله عمتي دي فظيعة! أنا أصلا نفسي أروحلهم البلد، وأقعد كام يوم هناك بعد الأسبوع ده، وحشتوني.
ابتسم مجاهد، وهز رأسه مؤيدا: انتِ فعلا محتاجة تروحي تشوفي أهلك وناسك، بقالك سنين مشوفتيهمش، وأنا مش عايزك تقطعي صلة رحمك يا بنتي، أنتِ ملكيش غيرهم بعد عمر طويل ليا.
قاطعته بلهفه: بعد الشر عنك يا بابا، بلاش الكلام ده.
أشار لها بيده مهدئا: يا بنتي دى سنة الحياة وكلنا هنموت، ومش بيبقي غير العيلة سند للست، خليكي قريبة منهم، أهلك ناس كويسين، يعني لو حصل حاجة يبقوا معاكي ويقفوا في ظهرك، متزعليش مني عيلة جوزك مش كويسين، ربنا يهديهم.
هزت رأسها موافقه وهي تتناول الحلوه بنهم: حاضر والله، أول ما الأسبوع بتاع سليم يخلص، هقوله، وهو مش هيقولي لأ.
وضعت سعدية يدها على صدرها وكأنها تخفف نبضا قلقا: يعني هو كده جوزك ما شاء الله عليه، رجع زي زمان يا ماسة وبقي كويس معاكي؟
هزت رأسها بإبتسامة، والراحة تتسلل لملامحها: آه الحمد لله، والدكتور كمان قالي مع الجلسات هيساعدنا أكتر علشان نبقي كويسين مع بعض.
تساءلت سعديه بدهشه: ايه دي رحتوا للدكتور؟
هزت راسها: أيوه روحنا امبارح، واتكلم معانا وقال الحمد لله مشكلتنا مش كبيرة ومش هتاخد وقت.
ربتت سعدية على ركبتها بحنان: ربنا يسعد قلبك يا بنتي، ويسهلك أمورك يارب.
ماسة بابتسامة خفيفة: ده كمان هيوديني المجموعة، وروحنا الجامعة مع بعض، وعمل حاجات كتير علشاني، حتى الحراس بقوا يمشوا ورايا من غير ما أحس بيهم.
تنفس مجاهد بارتياح: ربنا يهديكوا لبعض ويهدي سركم يا رب، والله جوزك كويس يا ماسة، حافظي على بيتك يابنتي.
زمت شفتيها قليلا، وقالت بصدق داخلي وتمنى: نفسي كمان إخواتي يسامحوه، ونرجع زي زمان، والله سليم بيحبهم وندم على اللى عمله معاهم.
مجاهد بضيق: سيبي إخواتك، هم اتدلعوا على الآخر، وعايزين حد يشد عليهم شدة محترمة.
وفي تلك اللحظة، دخلت سلوى، تحمل حقيبة بيدها.
سلوى بابتسامة: مساء الخير.
وما إن وقعت عيناها على ماسة حتى تبدلت نظرتها، بينما ماسة أشاحت بوجهها للاتجاه الآخر بضيق، لم يفت الأمر على سعدية، التي ضمت حاجبيها بشك ظاهر.
تساءلت سعديه: جيتي بدري النهارده يعني؟!
سلوى بارتباك وهى تتحاشي النظر لماسه: أيوه، هشتغل فوق.
وقفت ماسة فجأة، وأمسكت الحقيبة بقوة: طب أنا همشي.
أشار مجاهد بيده: ماتقعدي شويه يا بنتي، دى أنتِ لسه جايه!
هزت راسها برفض: لا معلش، همشي علشان سليم ميضايقش، هبقي أجيلكم تانى، سلام.
قبلت والديها، ثم خرجت دون أن تنطق بكلمة لسلوى وكأنها هواء.
تابعت سعدية خروجها بنظرة طويلة، التفتت سريعا نحو سلوى، وهي تتساءل بشك: هو في إيه؟ في حاجه بينك وبين أختك؟!
هزت راسها، وقالت بتهرب: مفيش حاجة، أنا طالعة أوضتي.
لكن سعدية لم تسمح لها بالصعود، وقالت بنبرة حادة: تعالي هنا يا بت! فهميني في ايه، أنا أصلا مخنوقة منك، اقعدي وقولي إيه اللي حصل؟ مزعلة أختك ليه؟
صرخت سلوى بحدة مكبوتة: وليه متقوليش إن هي اللي مزعلاني؟
سعدية بنبرة تهكميه لازعه وهي تمصمم شفيفها: وهي ماسه بتعرف تزعل حد؟ دي نسمة! إنما أنتِ أعوذ بالله! قوية زي عمتي!
تنهد مجاهد معترضا: وإيه لازمته الكلام ده دلوقت؟
ردت عليه سعدية بشدة: اسكت أنت يا راجل.
انفجرت سلوى ببكاء: أنت عارف بنتك عملت فيا إيه؟ ضربتني بالقلم في وسط المطعم!
سعديه بدهشه: ماسة ضربتك؟!
هزت راسها بدموع: اه.
مجاهد بنبرة هادئه، يحاول ان يفهم: وماسة هتضربك ليه يا سلوى؟! قولتي لها إيه يخليها تضربك؟ ده أنتم كنتوا روح واحدة!
رفعت ذقنها، وعينيها تلتمعان غيظا: مقولتلهاش حاجة، كنت بعاتبها! انها إزاي سامحت سليم بسرعة كده؟ وحاولت تفتح معايا موضوع مكي بس قولتلها متتكملش معايا وإن أنا مش معدومة الكرامة زيها!
اتسعت عينا مجاهد، وصاح بنبرة حادة: أنتِ قولتيلها الكلام ده؟!
هزت راسها بثبات واقتناع: آه قولت، وقولتلها كمان إنها خانتنا! وإن مينفعش تسامحه بعد اللي عمله فيها وفينا! ولو انتم بقي موافقين على اللى عمله فيكم انا لا، مش عشان بيصرف علينا نقبل الإهانة.
توقف مجاهد صفعها صفعة هزت الغرفة.
صرخت سلوى مذهولة: أنت بتضربني يا بابا؟!
ازداد صوته صلابة وهو يمسك شعرها: وهكسر عضمك كمان! بتكلمينا كدة ليه؟! علشان بتصرفي على البيت؟ وأنا مبشتغلش؟ لا ده أنا أربيكي من الأول تاني!
تدخلت سعدية بسرعة، محاولة تهدئته: اهدى يا مجاهد، سلوى طول عمرها كدة، والله يا بنتي لو اتجوزتي مش هتعمري وهتطلقي.
واضافت بعقلانية: أختك كانت هربانة! ولو متجوزه غير جوزها ورجعت كانوا هيقتلوها، مهما كان السبب، ولا عيشتنا ف مصر نستك الاصول، وبعدين أنتِ ليكي عين تتكلمي بعد ما شجعتيها وساعدتيها تهرب دى بدل ما تعقليها، كان ليه حق يخاف منك.
غلي الدم في وجه سلوي، وقالت بانفعال: ودى يبرر اللى عمله مع عمار، والبهدله اللى بهدلهالنا !؟
سعدية بتهكم وحده: ما الراجل جه واعتذر، وأخوكي طول لسانه عليه، وإنتِ كنتي واقفة! ايه هيكون قلبك على عمار أكتر مني ومن أبوكي!
انفجر مجاهد مرة أخرى: مش سليم اللي هيمنعك من أختك المره دي، أنا اللي همنعك! علشان أنتِ بقيتي قليلة الأدب وعيارك فلت، وأنا هعرف أزاى أربيكي من أول وجديد.
حبست سلوى دموعها، ثم قالت الجملة التي فجرت كل شيء بغضب: أنتم متعرفوش حاجة، سليم اللى عمالين تهزقوني بسببه دى واحد قواد ومافيا وشغله كله حرام في حرام !
ساد صمت ثقيل للحظات، حتى قاطعه تساؤل سعديه بصدمه: ايه اللي أنتِ بتقوليه دى يا بت؟! يعني ايه كلام ده؟!
رفعت سلوي حاجبيها متحدية، وعلى صوتها أكتر: زى ما سمعتي، قواد وبيبيع البنات وبيتاجر بيهم وبيشغلهم في الحرام؟! ودى اللى خلى ماسه تهرب منه.
صرخ مجاهد غاضبا: هي حصلت تتبلى على الراجل؟!
رفع يده وصفعها صفعة ثانية، ثم قبض على شعرها بقسوة، حاولت الإفلات، لكنه احكم قبضته عليها وانهال عليها ضربا، كانت تصرخ وتدافع عن نفسها بضعف، وهي تقول بحرقه وبكاء: أنا بقول الحقيقة! سليم قواد وعندكم ماسه اسألوها لو مش مصدقيني.
صرخ مجاهد بغضب، وهو يهم بضربها مجددت: إيه اللي بتقوليه على جوز أختك ده يا بت اتلمي؟!
نظرت له سعدية نظرة حانقة: موتها يا مجاهد! يا ريتني كنت بركت عليكي وأنا بولدك وموتي يا شيخة!
انفجرت سلوى بصراخ ممزق بالبكاء: تموتيني ليه؟! عشان بقول الحقيقة! أمال فاكرين ماسة هربت ليه؟!
ما هي هربت عشان رشدي هددها بقتلنا! وقالها إن سليم بيشتغل في كل حاجة حرام، مخدرات وسلاح وبيع بنات! ووراها كل حاجه بعنيها، ما أنا لمحتلك قبل كده يا ماما قوليلوه!
صمتت سعدية فجأة وسرحت، وكأن ذكرى قديمة ضربتها فجأة، بينما اندفع مجاهد نحو سلوى ليضربها، فقفزت سعدية أمامه، تمد ذراعها وتقول بتوتر: استنى يا مجاهد! البت شكلها بتتكلم بجد فعلا! اصبر.
زمجر مجاهد بصدمه: جد إيه يا مخبلة إنتِ كمان أنتِ هتعومي على عوم بنتك؟!
صرخت سلوى بصوت متهدج والدموع تملئ وجهها: والله يا بابا ده اللي حصل! علشان كده مكنتش عايزة أرجع لمكي! وعلشان كده زعلت من ماسة! مكنتش حابه أبدا، إن أختي ترجع لواحد كل فلوسه حرام! وعلشان كده ماسة قالتلكم وقتها متقربوش من فلوس سليم !
تراجع مجاهد خطوة للوراء، وملامحه تجمدت من الصدمة: أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟!
انفجرت سلوى في بكاء مرير، تكاد تختنق: أنا هقولكم كل حاجة بس بالله ما حد يعرف! لو رشدي ولا صافيناز عرفوا إحنا هنتموت! هيقتلونا زي ما خبطوك بالعربية، دي مكانتش حادثة كانوا بيهددوا ماسة بيكم!
تجمد الجميع في مكانه، كأن الأرض اهتزت تحت أقدامهم من هول الصدمه، فما تقوله سلوى الآن اصعب من أن يصدقه عقل!
سعدية بصوت مختنق بالدموع: بتقولي إيه يا بت يا سلوى يعنى أخواتك في خطر!؟
ابتلعت سلوى ريقها وأخذت نفس: اقعدوا وهحكيلكم.
جلسوا، ووجوههم تعتريها الصدمه، وقلوبهم تتخبط من شدة الخوف، بدأت سلوي بسرد كل شيء، وكل كلمة كانت تسقط فوق صدورهم كالحجر، وبعد أن انتهت، كان الذهول قد غطى وجهم تماما.
مجاهد بصدمه: يعني العربية مكانتش صدفة؟ ورشدي كان عايز يقتلني؟
مسحت سلوي دموعها: أه، ويوسف كمان.
هزت سعديه رأسها بتردد: ما يمكن رشدي بيكدب؟
رفعت سلوي رأسها: وحادثة ماسة؟ والعصابة اللي طلعت عليهم؟ وحادثة بابا؟ السم اللي اتحطلي، كله كان من رشدي!
شهقت سعديه بخوف، وهي تولول بفزع وقهر: يا لهوي، يا لهوي، حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم! ربنا يوجع قلبهم على أقرب مليهم! يا حبيبتي يا بنتي كل دى شيلاه في قلبك واحنا منعرفش؟!
هز مجاهد رأسه بعصبية رافضا: لأ لأ، أنا مش مصدق! الرجالة اللي بتبيع بنات وبيشتغلوا في البطال، بيبقوا معروفين! وسليم لأ مستحيل يبقي كده!
رفعت سلوى كتفها: معرفش بقى.
مجاهد بحدة: طب ليه محكتوش لسليم؟!
سلوى بتوتر وخوف: علشان هددوا ماسة بينا، وقالولها متقولش علشان ميقتلوناش، وخبطوك بالعربيه يومها.
مجاهد، بنبرة راجل له خبرة في الحياه: ما لو كلامه حقيقي، مكانش هددكم كده! ده يأكد إن كلامهم فشوش! اسمعي مني يا بنتي الشعر الأبيض ده شاف كتير!
سعدية بارتعاش وهي تحاول تمالك نفسها: أنا مش فاهمة حاجة، يعني أختك دلوقت مهددة بالقتل، وأنتم كلكم كده؟!
سلوى بتأكيد: أيوه! وعشان كده مش عايزاها ترجعله، ده خطر عليها!
وقفت سعديه فجأه وقالت بخوف وفزع: يالهوي ياني، أنا هروح لماسة وأفهم منها!
صرخت سلوى بخوف: لأ! مينفعش حد يعرف أصلا!
سعدية بقوة واعتراض: بس يا بت اسكتي! أنا هروحلها افهم منها، مش هقعد كده!
مجاهد بحذر: بالراحة وخدي بالك وأنتِ بتفهمي من البت.
هزت سعدية رأسها: متخافش.
ثم تحركت لأعلي، والخوف يتعقب خطواتها.
بقي مجاهد ينظر لسلوى وقال بحكمه ولوم: بس حتى لو زعلانة وخايفة على أختك، متقوليلهاش الكلام اللي قولتيه دي، يمكن هي عارفة حاجة، وجوزها مظلوم، أنا متأكد إنه هيكون مظلوم، أصل تهديدهم ليكم ده علشان سليم ميعرفش!!! حاجة متخشش النفوخ، دول ناس خايفة، معنى كده إنهم خايفين كدبتهم تتكشف!؟
أجابته موضحه: هما خايفين منه فعلا، وقالوا إنه لو عرف هيقتلهم، علشان كشفوا سره لماسة.
هز راسه بعدم اقتناع: يا سلام، ما كان ممكن تقول عرفت من اي حته؟ قلبي مش مرتاح، وبرضو الراجل ده لا يمكن يبقى ممشي نسوان في الباطل أبدا، تيجي بس أمك ونشوف
قصر الراوي،3:00عصرا
كان الهول الواسع يغمره ضوء خافت يتسلل من النوافذ العالية، ينعكس على الأثاث الفاخر فيمنحه مهابة إضافية، جلست لوجين إلى جوار والدتها شقيقتها نغم، مع عزت وفايزة وياسين، في جلسة بدت خليطا بين السعادة المعلنة والرسمية الحذرة.
نهي بابتسامة مهذبة رغم اعتراضها الخفيف: أنا مكنتش حابه أبدا إن الموضوع يجي بالسرعة دي، بس الولاد أخذوا القرار ومتمسكين بيه ومش عايزين يتراجعوا، وأنا دايما بحب أدي للوجين مسؤولية قراراتها.
أومأت فايزة وقالت بنبرة أرستقراطية محايدة: احنا كمان مكناش حابين السرعه دي، خصوصا زي ما حضرتك فاهمة لسه كان في انفصال، بس أهم حاجة عندي هي سعادة ياسين، غير كده مش مهم، مادام ياسين ولوجين هيكونوا مبسوطين خلاص.
نهى بابتسامة رسمية: مظبوط يا هانم.
تساءل عزت بهدوء: طب اتكلمتوا في التجهيزات ولا لسه؟
نظر ياسين إلى لوجين أولا بابتسامة مطمئنة، ثم عاد ببصره إلى الموجودين: النهارده لوجين هتشوف الأوضة، علشان لو حابة تغيرها أو تغير الديكورات، ومهندس الديكور جاي كمان ساعتين عشان نبدأ.
فايزة باقتراح: أنا من رأيي يا لوجين تاخدي أوضه تانية، وبلاش الأوضه دى.
لوجين بثبات: هشوف وأحدد الأول، لو حضرتك بتتكلمي علشان دي كانت أوضة هبة، فطبيعي يكون ليها ذكريات ولمسات في كل ركن، زى ما أكيد برضو كان ليها ذكريات في الهول اللى قاعدين فيه ده برضو، بس صدقيني أنا مبفكرش بالمنظور ده خالص، ولو الديكور عجبني مش هغيره، الحاجة الوحيدة اللي لازم أغيرها هي السرير، لأن نفسيا مش هقدر أنام عليه لكن غير كده مش مهم.
ابتسمت فايزة ابتسامة صغيرة: تفكيرك عقلاني مش عاطفي.
ضحكت نهى بخفة: خالص لوجين عاطفية جدا، بس ليها كده شوية آراء معينة بتبان عقلانية، إنما هي عاطفية جدا جدا.
تدخل عزت بلطف: فايزة سيبيهم يعملوا اللي هم عايزينه، المهم يكونوا مبسوطين، شوفي المكان اللي تحبيه يا لوجين القصر تحت أمرك.
وفي تلك اللحظة، ظهر رشدي، اقترب بخطوات واثقة وابتسامة واسعة، تعلن حضوره قبل كلامه.
قال بعتاب مازح وهو يشير لياسين: أخص عليك يا ياسين إيه الخيانه دى، مش اتفقنا نبقى مع بعض؟
ثم حرك عينيه نحو الجميع: مساء الخير، أنا رشدي أخو ياسين الكبير.
بادلته الرؤوس تحية مقتضبة، فيما تبادل ياسين ورشدي نظرة تحمل ابتسامة صغيرة.
تقدم رشدي نحو لوجين بخفة: مبروك يا قطة يا شيرازي.
ضيقت عينيها مازحة: أنا قطة شيرازي؟
ضحك ياسين: هو هيتجنن يوم ما ينادي حد باسمه، هيتحرق، مسمينا كلنا أسماء غريبة.
سألت نغم بفضول: ويا ترى مسميك إيه بقى يا ياسو؟
سبقهم رشدي بالإجابة بفخر: ملاك عيلة الراوي.
انفجر الجميع بالضحك للحظة.
ضرب رشدي كتف ياسين ضربة خفيفة: مقولتليش ليه إنك هتجيب لوجين النهارده؟ كنت قولت لمي تيجي.
ياسين بنبرة ضيق محببة: قولتلك، وانت اللي مش مركز.
هز رشدي رأسه ضاحكا: مسقط خالص فعلا، بس ملحوقه هروح اكلم مي تيجي تشوف المهندس هي كمان.
تساءل عزت بتعجب: هي مي وافقت أصلا؟ راشد وافق؟!
هو رأسه بثقة واضحة: أيوه وافق، والفرح هيبقى فرحين.
التفت إلى لوجين بابتسامة أوسع: إيه رأيك يا لوجين؟ لما مي تيجي تتعرفي عليها ونخرج كلنا، وتبقي معاها في التجهيزات والحاجات بتاعتكم دي، هي ملهاش صحاب بنات جدعان، فخليكي أنتِ معاها.
لوجين بابتسامة لطيفة: مفيش مشكلة، أنا أصلا حابة أتعرف عليها وأتعرف على ماسة وعلى منى وعليكم كلكم، متحمسة.
صفر رشدي باعجاب: اووه اجتماعية! إشارة مش مبشره، انتِ كده تمام.
ضحكت لوجين وهي لا تفهم قصده: يعني إيه بس؟
أشار لياسين: هو هيبقى يفهمك.
تساءلت نغم فجأة، بنبرة يقلقها الوقت: طب قررتوا هتعملوا الفرح فين؟
أجاب ياسين بهدوء مطمئن: في فندق في الهرم، مكان جميل جدا، أخويا سليم عمل فيه فرحه.
لوجين بحماس: أنا عارفه المكان، تحفة.
لكن توتر نغم لم يهدأ: بس بجد حاسة إن الأسبوع قليل اوي، هنلحق نعمل فيه كل حاجة؟
ابتسم ياسين بثبات: متقلقيش يا نغم، كل حاجة هتتظبط، هيبقى في ضغط شوية، بس كله هيتم في معاده متقلقيش، المهندس جاي كمان ساعتين، والصايغ برضو عشان الشبكة، وبكره تروحوا الأتيليه تختاروا الفساتين اللي تعجبكم، ولو عايزين فستان من بره مفيش مشكلة، لسه قدامنا أسبوع ونقدر نعمل فيه كتير.
نظرت نغم إلى لوجين وقالت بخفوت: بس لوجين كانت حابة تعمل فرحها في قاعة مفتوحة على البحر، ويبقى بالنهار، وكلنا نلبس أبيض، يعني كانت في أفكار مختلفة خالص عن القاعة والحاجات الرسمية دي.
وقبل أن تنطق لوجين، قالت فايزة بنبرة واضحة المعالم، تحمل لطفا شكليا وصلابة داخلية: لا الكلام ده مينفعش خالص، تقدري تعملي الحفلة دي بعدين، إنما إحنا عندنا ناس مهمين جدا هيحضروا، فلازم الفرح يكون على نفس المستوى الاجتماعي بتاعنا، مش كده يا مدام نهى؟
أومأت نهى بسرعة: بتاكيد
ساد الصمت لثواني قصيرة، حتى قاطعته فايزه بنبرة تحمل لطفا ظاهرا وسلطة خفية، وهي تلتفت إلى ياسين: يلا يا ياسين خد عروستك ووالدتها وأختها يلفوا في القصر ويشوفوا الأوضة.
اوما ياسين ونهض: ماشي يلا بينا.
نهضوا جميعا وساروا عبر ممرات القصر الواسعه، وأصوات خطواتهم تردد في المكان، وعيونهم تتأمل القصر منبهرين بجماله واتساعه.
أما رشدي فتمتم: أنا هروح أكلم مي أنا كمان أقولها تيجي.
هزت فايزة رأسها موافقة، بينما ابتعد رشدي نحو الحديقة، أخرج هاتفه، واتصل بمي وهو يقف بجوار شجرة عالية.
على الجانب الآخر، منزل عائلة مي
في اللحظة ذاتها، كانت مي جالسة في الريسبشن مع والدها راشد، وأخويها حاتم وحازم، ومعهم تقى زوجة حازم. أجواء التوتر طغت على المكان.
حاتم غاضبا: يعني إيه تتجوزي بالسرعة دي؟ بتتكلمي إزاي؟ بابا، إنت وافقت إزاي؟
راشد بهدوئه المعتاد: خليها تعمل اللي هي عايزاه.
حاتم انفجر: لا يا بابا! في حاجات ماينفعش نسيبها تعمل اللي هي عايزاه كده!
تدخلت مي بضيق واضح: لو سمحت يا حاتم، ده قراري. وأنا ملزمة بيه، وبعدين اتجوزنا بعد شهرين ولا بعد أسبوع، إيه الفرق؟ كل اللي عملته إني قدمت فرحي شوية مالها يعني؟
تقى حاولت تهدئة الجو: إحنا بس مش عارفين رشدي اتغير ولا لسه.
ضحكت مي بحدة ممزوجة بالسخرية: على فكرة، ممكن يعمل نفسه متغير طول الخطوبة كلها، وبعد الجواز يبان على حقيقته، وبعدين هو هيبقى جوزي أنا. اتغير ما اتغيرش دي مش مشكلتكم.
حاتم بنبرة تهديد خفيف: مي لو سمحتي اتكلمي براحة وبأسلوب أحسن.
حازم رفع يده مهدئا، وصوته امتلأ بحنان الأخ الذي يخاف على اخته: استنى يا حاتم بصي يا مي، إحنا بنحبك وبنخاف عليكي إنك تتجوزي واحد زي رشدي ده لوحده مقلق، إحنا اصلا ما كناش قابلين بيه، فـ تقرري تتجوزي بسرعة؟ الجواز ماينفعش فيه أي خطوة متسرعة.وبلاش الحب يعميكي.
رن هاتف مي فجأة، اسم رشدي ظهر متكررا،
نظرت مي للشاشة، ثم تجاهلت الاتصال، مرة بعد أخرى.
في الحديقة، حدق رشدي في هاتفه باستغراب، ثم أرسل لها رسالة قصيرة: كلميني ضروري… أنا جاي لك.
قرأت مي الرسالة، ثم أغلقت الهاتف رفعت عينيها نحو عائلتها، وقالت بحدة: يا جماعة، لو سمحتوا، احترموا قراري، أنا مش راجعة فيه، وما حدش يتكلم على رشدي بالطريقة دي تاني، إنتو محسسيني إني هتجوز شيطان! هو بني آدم، كان بيغلط لأنه اتربى على الغلط كان بيشرب وبطل، كان يعرف بنات وأنا متأكدة إنه بعد عنهم، عايزين إيه تاني؟ ده إنسان اتغير عشاني بيحبني بجد.
توقفت لحظة ثم استأنفت بإصرار: كل ده اعتراضكم؟ إنه كان بيشرب؟ الحمد لله بطل، البنات؟ ما فيش ولد ما يعرفش بنات. المهم بعد ما عرفني بطل.وبعدين عندكم يمنى! بنت خالتنا، جوزها اللي كنا شايفينه ملاك خانها وضربها بعد أسبوع، الراجل يا إما يطلع ملاك ويتحول لأسوأ واحد، يا إما العكس اللي تخافوا منه يطلع ما فيش أحسن منه.
تنهد راشد بعمق قال بحكمه: إحنا بنحاول نواعيكي ده واجبنا بس خلاص يا مي اعملي اللي انتي عايزاه. أنا بس قلبي مش مطمن، انتي بنتي الوحيدة..
صمت للحظه وهو يركز النظر في ملامحها بحب:
بس اسمعيني لو حصل أي حاجة، عمري ما هقولك ده اختيارك. بابي مفتوح لك دايمًا، وأتمنى من قلبي إن رشدي يستاهل وقفتك دي.
التفت لأبنائه بنبرة حاسمة: محدش ليه دعوة أنا موافق أختكم هتتجوز الخميس الجاي.
نظر حاتم إلى حازم بصدمة، بينما تبادلت تقى نظرة معهم تطلب إنهاء النقاش.
وقفت مي وقالت بهدوء متماسك: أنا هروح أجهز. رشدي هيعدي عليا، هنقعد مع مهندس الديكور. تقى تيجي معايا؟
أجابت تقى باعتذار: لا الولاد جايين من الدروس، ولازم إذاكر معاهم.
مي بإيماءة مختصرة: تمام. عن إذنكم.
دخلت غرفتها، أمسكت الهاتف واتصلت برشدي: إيه يا رشروشي، معلش كنت بتكلم مع إخواتي.
جاءها صوته من السيارة، ممتلئا قلقا صادقا: المهم إنك كويسة. أنا اتخضيت. أنا في العربية اجهزي بقى.
مي بابتسامة خفيفة: حاضر.
في الريسبشن، ظل التوتر مسيطرا.
حازم بصوت منخفض: يا بابا أنا قلقان.
نهض راشد وهو يلتقط مفاتيحه: أختك عنيدة وما بتسمعش الكلام سيبوها لما تتقرص هتعرف إن الله حق.
تقى بنبرة لائمة خفيفة: ما يمكن يطلع كويس! مكبّرين الموضوع بدل ماتتمنوا لها الخير بتتمنوا حاجة وحشة؟
أجابها حاتم بصدق: يا تقى إحنا خايفين عليها دي أختنا الوحيدة وحساسة.
تقى بحنان: إن شاء الله يطلع إنسان كويس، وبعدين انتو في ضهرها.
حازم آخر جملة، بنبرة نصف غاضبة نصف خائفة: طب بس يعمل لها حاجة، قسما بالله لاكسره.
فيلا ماسة وسليم
غرفة نوم ماسة
ماسة متمدد على الأريكة تتناول الفشار وهي تتابع التلفاز على احد الأفلام، بابتسامة حين سمع طرق خفيف على الباب.
دخلت الخادمة ليزا قائلة بهدوء: ماسة هانم والدتك منتظركي في الأسفل.
توقفت ماسة، النظرة في عينيها تتسع بدهشة: ماما؟
نهضت مسرعة، وهبطت إلى الأسفل. كانت سعدية تنتظرها في منتصف الصالون، ملامحها متوترة.
ماسة بصوت يقلق: ماما في إيه؟
سعدية بتوتر وهي تقترب من منه تسألت: باعتلك على تليفونك مش بتردي ليه؟
ماسة بتوتر يخرج من عينيها قبل شفتيها: والله سايباه على الشاحن.
اقتربت سعدية منهمسة: جوزِك هنا؟
هزت راسها برتحاف: لأ بس في الطريق في ايه يا ماما قلقتينى؟!
أمسكت سعدية يدها بقوة خفيفة: عايزاكي في مكان أمين.
اوما ماسة بقلق شديد: في إيه يا ماما؟ انتي قلقاني اوي
سعدية وهي تضغط على معصمها: خلصي، بس تعالي.
تنهدت ماسه باستسلام، وسحبتها من يدها، وتحرك ودخلت بها إحدى الغرف، ثم أغلقت الباب بإحكام.
قالت بتوتر: اتكلمي في بقى انت موتراني اوي
نظرت سعدية إليها مطولا: إيه اللي بينك، وبين أختِك؟
ارتبكت نظرة ماسة للحظة:ووما سالتيهاش هي ليه؟
سعدية بنبرة ذات معنى: سألت وقالت كلام غريب.
تحركت ماسة، بعد الخطوات وهي تتحدث من ظهرها بنبره متوتره مرتبكه: غريب ازاي يعني؟ التفتت له قالت بنبرة منزعجة بضجر:
دي غلطت فيا وفي سليم، وزعلانة عشان رجعت له! وبتقول إني خنتكم.
اوما سعدية برفض بصوت أعمق: لا مش هو ده بس أختك بتقول إنك متهددة، وإن سليم، بيمشي في الحرام.
اتسعت عينا ماسة، هرولت نحوها وضعت يدها على فمها لتكتم شهقة مرعوبة: بس بس اسكتي! ماينفعش تقولي كده بس! بس!
انهمرت دموعها دفعة واحدة.
حدقت فيها سعديّة بدهشة قاسية وهى تضرب على احد قدميها: يبقى كلام أختك صح؟
جلست ماسة على الأرض، كأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها، انفجرت بالبكاء: مكنش لازم تعرف، مينفعش حد يعرف مينفعش.
جلست سعدية أمامها، صوتها يخرج بصعوبة: فهميني يا بنتي أنا قلبي هيقف.
رفعت ماسة رأسها بصعوبة، نظرتها منهارة: لا مش هينفع، والله ماهينفع! سلوى غبية، كانت فاكرها بتصون السر!
سعدية بوجع وانهيار: متوجعيش قلبي يا ماسة فهميني. إخواتِك وأبوكي في خطر!
ماسة بتوسّل وهي تبكي وكانها لا تستطيع ان تتنفس برعب يظهر في ملامح وجهها ونبره صوتها:
طول ما السر ما اتكشفش، محدش هيتأذي، أبوس إيدك يا ماما، متقوليش لحد
امسكت يديها وأخذت تقبلها برجاء وانهيار: ابوس رجلك ماينفعش حد يعرف ابوس ايدك يا ماما الموضوع ده ما ينفعش حد يعرفه ما ينفعش حد يسمع بيه اصلا.
ربتت سعدية على ظهرها بحنان أم خائفة لتهدئها:
طب خدي نفس واحكيلي براحه بس وصلي كدة على النبي براحه.
هزت ماسة رأسها موافقة، ودموع تغطي وجهها،
ثم بدأت تروي كانت كلماتها تتدفق، ومع كل جملة كانت دهشة سعدية تكبر، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة.
اتسعت عينا سعدية، ويدها ترتجف بدات ان تلطم على وجهها برعب: يا نهار أسود، يا نهار أسود ومنيل!
مدت ماسة يدها وهي تمسح دموعها بهلع امسكت يدها لمنعها من اللطم يتوسل بتوتر: ماما بالله عليكي، وطي صوتك، اهدي ماينفعش حد يسمع ولا يحس بحاجه، والله العظيم ممكن يقتلوكم انا خايفه.
سعدية بعينين مذهولتين وهي تخرج كلمات بصعوبه:
إنتي فاهمة إنتي بتقولي إيه؟ ده ده جوزِك!
هزت ماسة رأسها نفيا سريعا: لأ لأ سليم مش بيشتغل كده! وبعدين هو تاب!
سعدية تحاول تستوعب: تاب إزاي يعني؟ مش إنتي بتقولي رشدي وريكي صور؟
وهى تحاول اخذ أنفاسها بين دموعها: أيوه، ورني حاجات، وأنا لما قعدت مع نفسي فكرت وحسيت ان ممكن يكون جزء من اللى قال صح، خصوص بعد الحادثه بتاعتي بس اللي عمري عمري ما صدقه، إن سليم يكون قواد
أضاف بنبرة مهتزه بوجع وخذلان: إنما الباقي أنا شفته، شفت الآثار والألماس..
تبسمت كالغريق الذي يستنجد بقشه: بس سمعته وهو مع مكي، قال إنه تاب. وانا مصدقاه.
رفعت سعدية عينيها وضغطها يهبط تحدث بنبره تشبه الفقدان الوعي وعينيها غير مستقره: يا ماسة أنا مش فاهمة، حاجة يابنتى انت عايزه تقولي ايه يا بنتي يعني اخواتك ممكن يموتوا.
نزعت سعدية حجابها وهي تترنح
اتسعت عينا ماسة صرخت: ماما!! ماما!
تحرك ماسة نحو الخارج وهى تركض بأنفاس مثقله، حتى المطبخ، وهي تصرخ بصوت واحد: سحر مما ماما سحر ماما سحرررر
التفتت لها سحر بخضه: في ايه؟!
ماسة بتوتر ووجهها شاحب بتلعثم: اعملي لماما ميه بسكر بسرعه تعبانه خالص.
سحر وهي تمسح على وجهها بلهفه: حاضر يس اهدى، انت وشك اصفر كده ليه!! ده انت اللي محتاجه ميه بسكر.
ماسه وهي تضع ايديها على صدرها بتعب: يلا بس.
هزت سحر رأسها بسرعه: حاضر حاضر.
بحثت ماسة في الأدراج عن أي شيء له رائحة كولونيا،كحل فوجدت زجاجة صغيرة والتقطتها بسرعة. خرجت مسرعة، بينما سحر خلفها تحمل كوب المياه بالسكر.
غرفة التى بها سعدية
كانت سعديه تجلس على الارض وهي تسند ظهرها على المقعد وشبه غائبه عن الوعي.
اقتربت منها ماسه وجلست امامها بخضه بدات أن تضع الكولونيا على يديها وتمسح على وجهها.
بينما سحر ناولت ماسة كوب الماء بالسكر: افتحي بوقك يا ماما يلا اشربي يا حبيبتي
احتست القليل بدأت سعدية تستعيد وعيها ببطء.
ماسة، وهي تمسح على صدرها بقلق:ماما إنتي كويسة يا حبيبتي؟
أومأت سعدية إيجابا نظرت لها ماسة نظرة ذات معنى تمتمت بحركت شفايف: أوعي، قدام سحر، تقولي كلمة.
سحر بلطف: الحمدلله على سلامتك يا ست الحاجة.
ماسة وهي تحاول تهدئه نفسها: ماما سحر، روحي. ولو لما سليم يجي تعالي قوليلي فورا.
أومأت سحر وخرجت.
جلست ماسة على الأرض برايحيه، أمسكت يد سعدية، وضعت الكولونيا عليها ثم ناولتها كوب:اشربي المية دي اهدي اهدي يا ماما وحياتي.
سعدية بصعوبة وهي تمسك الكوب بين يدها:
اللي إنتي بتقولي ده، دماغي ما استحملوش
جوزي اتضرب بالعربية بجد؟وابني كان في واحد هيقتله؟ وبنتى اتحطلها سم، وانتى بهدلوكي كدة؟ امال اعملوا في عمار ايه فجاه..
سكتت عدلت من جلساتها تسعت عينيها وقالت برعب: والقضية؟ اوعى يابت يكونوا هم اللي عملوها!
هزت راسها بسرعه موضحه: لأ مش هما رشدي قالي.
سعدية بانهيار وهي تحاول تجميع الحديث: يعني، انتي يا ماسة مع سليم بس عشان تحمينا؟
هزت راسها بسرعه موضحه: لا طبعا في السنة اللي اتحبست فيها هناك، كنت قاعدة خايفة عليكم منهم، إسماعيل، هو اللي هددني بقضية عمار، وإنه ممكن يفتحها في أي وقت، انا كان كلي خوفي من سليم بس لو انتوا جيتوا في اي وقت ممكن يعمل لكم حاجة، غير كده ماكانش في اي حاجة ثانيه.
سعدية تنهيدة موجوعة:انا قلبي حاسس إن جوزك مظلوم.
مسحت ماسة دموعها وهي تهز رأسها بايجاب ممزوج بثقه: ايوه وأنا قولتلك انه هو تاب فعلاً انا سمعته وهو بيتكلم مع مكي، وانا ندمت اني قولت لسلوى.. على انها تبعد عن مكي.
أمسكت يدها وهي تركز النظر في ملامحها بدموع وندم: بس والله العظيم يا ماما اقسم بالله في الاول دماغي مكنتش قادره تستوعب الضغوط اللي عملها رشدي فيا، خليتني مشتته اوى اللي كان مخليني شوية حاسه اني في جزء من كلام رشدي صح الحادثه وخطفي، بس خلاص انا بحاول اصلح غلطه عملتها من غير قصد، حتى لو هم مش بريئين 100% وماضيهم مش بريء، بس اهم حاجه الحاضر والمستقبل انهم تابوا صح يا ماما مش ده المهم.
مسحت سعدية دموعها حاولت اخذ نفسها بنوع من الحكمه: إنتي لازم تقولي له، أبوكي قال إنهم خايفين من اللحظة دي عشان كده هددوكي ؟ لحد إمتى؟ هتفضلي مخليهم كسرينك ومخوفينك.
مسحت ماسة دموعها حاولا تهدئه امها برغم انها هي من تحتاج ذلك بشدة: متخافيش يا ماما، أنا هقولك انا ناوي على ايه.
على اتجاه اخر في قصر الراوي،
كانت لوجين تتحرك داخل غرفة ياسين برفقة والدتها نهى وأختها نغم، وياسين يراقبها بصراحة.
لوجين وهي تتفقد الغرفة بهدوء: الأوضة حلوة وكبيرة، بس بصراحة الديكورات كلها محتاجة تتغير ألوان الستائر، السرير، احنا ماينفعش ناخد جزء من الأوضة اللي جنبنا؟
ياسين بابتسامة هادئة: ينفع بس هتاخد وقت أكبر واحنا مسافرين، الهاني ومون هيتكفلوا بالموضوع ده.
نغم، مستفسرة: طب إنتي حابة تعملي الديكور إزاي؟
لوجين بعينين متحمستين: أنا عايزة الديكور كله مودرن، ويكون بألوان فيها بهجة. لما يجي المهندس هنشوفه، وبصراحة يا ياسين… محتاجة الاثاث كله يتغير.
ياسين بلطف: اللي إنتي عايزاه حاضر.
لوجين، مقتربة منه: قولي لي غرفة نالا فين؟
ياسين مطمئن: أوضه اللي جنبنا على طول.
لوجين بفكرة مبتكرة: طب إيه رايك نعمل باب مشترك؟ عشان لما أحب أروح تيجي يبقى الموضوع أسهل.
هز رأسه مؤيداً: فكرة حلوة.
الفتت حولها متساله باهتمام: هي فين أصلاً؟ وحشتني خالص يا روحي.
تنهد موضحا: خرجت مع فريدة النهارده، أنا لسه محتاج أتكلم معاها بخصوص جوزنا.
نهى مستفسرة: البنت هتعيش معاكم؟
هز رأسه بإيجاب: أيوه كنت فاتحت لوجين في الموضوع ده، وهي عندها خلفية.
لوجين بهدوء له معنى: أنا محتاجة أتكلم معاك فعلا في الموضوع ده.
اوما براسه: تمام ، خلينا نكمل الجولة
على الجانب الآخر عند مي
كانت مي قد انتهت من تبديل ملابسها، أمسكت حقيبتها وتحركت نحو الخارج.
قالتوهي تتحرك متوجه نحو الباب: بابا، أنا نازلة مع رشدي عشان مهندس الديكور.
راشد باقتضاب:طيب.
في تلك اللحظة رن هاتف مي، نظرت للشاشة، أجابت بسرعة:الو؟ ايه يا رشدي؟ انت فين؟
جاءها صوت رشدي: أنا تحت لسه، كنت هتصل بيكي.
مي: طيب… أنا نازلة لك.
رد بسرعة وبصوت أقرب للمزاح:
لا استني… أنا هطلع أسلم عليهم، أنا كل مرة باجي آخدك من تحت وبمشي عيب.
توترت مي للحظة، ونظرت حولها وكأن الجو كله ضد هذه الفكرة. ابتعدت قليلا وقالت بصوت خافت متوتر: ليه يعني؟ خلينا نمشي عشان مانتأخرش على المهندس ولوجين.
ضحك بخفوت: يا ستي أنا هطلع دقيقة واحدة، عيب.وبعدين لسه بدري مش إخواتي كلهم موجودين. خلاص أنا بركن وطلع على طول.
أغلق الهاتف.
زفرت مي بضيق، لا تعرف ماذا تفعل تخشى أن يقول أحدهم شيئا يضايق رشدي أو أن يفهم شيئا خطأ.
تحركت بسرعة نحو الصالة حيث يجلس والدها وإخوتها وقفت أمامهم، مرتبكة، قالت بنبرة تنبيه ورجاء: بقول لكم إيه رشدي طالع يسلم عليكم، بالله عليكم ما حدش يكلمه بأسلوب مش حلو.
رفع راشد حاجبه باستغراب، وقال بهدوء جاف:
وأنا من إمتى بقابل حد وحش في بيتي؟
ازدادت مي اضطرابا: أنا آسفة يا بابا، ماقصدش كده. بس يعني، يمكن غصب عنكم تقولوا كلمة تضايقه.
تنهد راشد وشاح بوجهه نحو اتجاه آخر.
التفتت مي نحو إخوتها بنبرة أكثر صراحة:
حاتم لو سمحتم. ما تكسفونيش وما تقولوش أي حاجة ممكن تضايقه، والله لو عملتوا كده هزعل منكم.
حاتم بقلق واضح: يا رب يكون يستاهل كل الحب ده.
جلست مي بجانبه قالت بثقة: يستاهل وأكتر كمان.
وبعد دقائق قليلة، جاء رشدي بالفعل فتحت له كريمة الخادمة الباب دخل بابتسامة هادئة:مساء الخير عاملين إيه؟
راشد باحترام رسمي: الحمد لله يا رشدي. اتفضل.
صافح رشدي إخوة مي واحدا تلو الآخر.
راشد بتهينه: مبروك على الصفقة والشغل الجديد، مي حكيتلي.
ابتسم رشدي: الله يبارك فيك، أنا بس حبيت أسلم عليكم عشان كل مرة باخد مي من تحت وبمشي على طول.
تقى بلطف: طب اتفضل اقعد، هتفضل واقف كده؟ تشرب إيه؟
ابتسم رشدي باعتذار: لا والله احنا لازم نمشي، المهندس مستنينا بعد إذنكم.
هز الجميع رؤوسهم بإيجاب.قال راشد قبل أن يهم رشدي بالخروج: خد بالك منها يا رشدي.
رشدي بابتسامة واثقة: ماتوصيش على مي روح قلبي بعد إذنكم.
راشد وهو ينظر لها: يلا يا حبيبتي.
تحركت مي معه، وقلبها يدق بتوجس،حمدت الله سرا أن الأمر مر بسلام نسبي.
تقي، وهي تنظر للخارج: على فكرة والله أنا حاسة إنكم ظالمينه شكله إنسان كويس.
راشد، بصوت منخفض بلا حماس:هنشوف.
على الجانب الآخر…
أثناء سيرهما نحو المصعد، نظر رشدي إلى مي:
أنا اتفقت مع لوجين إنكم هتكونوا سوا تختاروا الفساتين وتظبطوا ديكورات القاعة وكل حاجة، فما تزعليش لو خدت القرار ده من غير ما أسألك.
هزت مي رأسها بلطف: لا أبدا أنا أصلا نفسي أتعرف عليها.
دقق رشدي النظر في ملامحها، وكأنه التقط شيئا خفيا: شكلك متضايقة… في حاجة؟
ابتسمت رغمًا عنها: لا خالص أنا تمام.
ظل ينظر لها وهو يدخل المصعد. بدا غير مقتنع.
خرجا إلى السيارة. صعدت مي أولا، ثم هو وبدأ يقود.
كانت مي صامتة، وجهها مجهم بالضجر ينظر إليها كل بضع ثوانٍ، متأكد أن شيئا ما ليس على ما يرام.
رشدي باهتمام تسأل: مش هتقولي لي برده مالِك؟
إجابته بنبرة مكتومه وهي تنظر امامها: مافيش حاجة يا رشدي، أنا تمام.
هز رأسه نافيًا: لا انتِ مش تمام، فيكي حاجة،يلا قولي مالِك.
تنهدت بانزعاج: عادي يعني يا رشدي، شدة معاهم شوية.
أوقف السيارة جانبًا، التفت نحوه فجأة، تساءلت بتعجب: واقف ليه؟
فك حزام أمانه وانحنى عليها قليلا نحوها
شدة معاهم ليه؟
قالت بلهجة استهجان: مش حابه اتكلم في الموضوع ده
رشدي بإصرار: هو ايه اللي مش عايزة تتكلمي
لا هتتكلمي في ايه مالك؟!
تنهد بحزن وضيق: مش عاجبهم إن احنا نتجوز بسرعة.
رفع حاجبه متعجبا: هو انتي مش قولتي إن باباكي وافق امبارح؟
هزت راسها بإيجاب قالت بتوضيح منزعج بنبرة حزينه: آه وافق… واصلا إحنا مكملين عادي، بس انت عارف لما حد يقول لك موافق، بس كل شوية يأنبك بالكلام انه مش عجبه؟ عارف لو كان فرض
واني افضل اقنع فيهم بالنسبالي ده أحسن مية مرة من الطريقة بتاعتهم دي.
تسأل مستفسرا: طب ايه مشكلتهم؟
تنهدت بتعب: شايفين إننا ماينفعش نتجوز بسرعة عشان انت لسه ما تغيرتش اوي بس أنا مقتنعة إن إحنا صح.
ابتسم رشدي وأمسك يديها يحاول تهدئتها:
طب وماله؟ عندهم حق والله العظيم توقعت إني هقعد اتحايل على أبوكي واخواتك وأبعت بابايا واخواتي وامي عشان يقنعوهم وبرضه مايقتنعوش، موافقة باباكي بسرعة كانت حاجة ما صدقتهاش. وبعدين هم عندهم حق يا مي...
صمت للحظه ثم قال بعقلانية
هم مايعرفونيش كويس. تواصلي كله كان بيكي انتي وده غلط.ط هم لازم يعرفوني كويس. هم ليهم حق يحموكي انتي بنتهم الوحيدة ورقيقة وحساسة لو انتي بنتي هخاف عليكي وهعمل زي والدك…
أضاف بتبرة مازحه:
ويمكن أكتر هخلي الواد جوزك يحفي لحد ما وافق.
ضحكت مي بخفوت رغم عنها: بس أنا ما كانش نفسي يبقوا عاملين كده.
ركز النظر في عينيها: بتثقي فيا ولا لأ؟
تبسمت بثقه:آه… بثق فيك طبعًا.
بتهوين وهو يمسح باصبع يده فوق يدها: خلاص… اضحكي بقى، انتي عروسة. هتروحي مكشرة كده؟ والبت لوجين ضحكتها من هنا لحد لهنا. عايزك تضحكي كده. ورغم إنك حتى وإنتِ مكشرة قمر… بس أنا بحب ضحكتك أكتر.
ضحكت بخجل: خلاص بقى.
مد يده وشد وجنتها بخفة: أيوه كده. أنا مش عايزك تفكري في أي حاجة غير الفرح عايزك تبقي هادية… وجميلة فكري في الفستان، القاعة، السفر، كل حاجة حلوة ده هدفك ماشي؟
مي بصوت يحمل ضيقًا خفيفا: ماشي، بس هم كل شوية يرخموا بالكلام، وأنا عارفة إنهم هيفتحوا الحوار تاني.
رشدي نبرته هادئة وواثقة:
عادي خالص يا مي. يفتحوا الكلام، ويعترضوا، لحد آخر لحظة، هيفضلوا يعترضوا وهيفضلوا يقولولك: فكري بلاش تتسرعي، بلاش الحب يعميكي،
المهم إنك عارفة انتي عايزة إيه، واخدة قرارك.
مش مهم الكلام اللي حواليكي، ومش ده الكلام اللي كنتي دايما بتقولي لي؟ ماتسمعش كلام حد، خلي عندك ثقة في نفسك، ماتخليش حد يهزمك ولا يغير قناعاتك ولا يوجعك.
مي بنبرة منخفضة بتاثر: بس أنا مش واخدة على الكلام ده منهم…
ابتسم رشدي وهو يلمح التوتر في عينيها: هم بيعملوا كده عشان خايفين عليكي والله وزي ما قلتِ لك هم مش عارفيني كفاية ولو حتى عارفيني أي أب بيعمل كده خصوصا لو عنده بنت زي القمر زيك.
خلاص بقى ميشمشتي الحلوة اضحكي.
لم تستطع منع نفسها من الابتسام: خلاص فعلا مش هخلي أي حاجة تعكر مزاجي، أنا هفكر في فرحي وبس.يلا سوق.
ضحك بخفة وهو يعيد يده للمقود:أيوه كدة، شطورة.
تنهد، وعدل جلسته، وربط الحزام مجددا قاد السيارة، بينما شيء آخر كان يشغل عقله بصمت.
فيلا سليم وماسه
احد الغرف الإستقبال
كانت ماسة وسعدية مازال يجلسان على لارض ماسة تروي لها ما تريد فعله.
هزت سعدية رأسها بتوتر، ممسكة كف ماسة:
يا ماسة، والله يا بنتي أنا مش عارفة اقولك إيه؟! كان مستخبي فين يا ضنايا؟ اعملي كده شوفي!
نهضت وهي تحاول لملمة نفسها، تهز كتفيها قليلا:
أنا هقوم أمشي بقى عشان أهدي أبوكي وفهمه، إلا الراجل كان هيتجنن.
نهضت ماسة وتوقفت أمامها تشير بإصبَعها بتنبيه ورجاء:ظأهم حاجة ولا حرف يتقال لإخواتي، سلوى تشدي عليها عشان وحياة ربنا المرة الجاية مش هيبقى قلم لا، دي هتبقى مصايب.
تعال صوت سعدية بتهكم لازع، ترفع حاجبها: اختك اتعوجت، وحياة ربنا ما هسيبها إلا لما تتعدل.
ربتت على صدرها بحنان الأم، تميل بجسدها قليلا اضافت:
سيبك منها انتي، وخليكي مع جوزك، خلي بالك منه، احكيلي بسرعة، ماتخافيش يا بت متبقيش جبانه كدة؟! طلع جبانه لمين؟
انتي بنت سعدية هلال: متخافيش كدة ومسكي نفسك، أمك معاكي وراكي في ظهرك، اتكلمي معاه يا بنت وعرفيه، عايزين نعرف الحق من الكذب.
ارتسمت على شفتي ماسة ابتسامة محبه، صوتها يتهز بثقة وحب: والله يا ماما حتى لو كله حق، وكل اللي قاله رشدي طلع حقيقة عن سليم مسامحه.
ركزت النظر في ملامحهها، عيناها تلمع بثقه تابعت:
أنا… أنا سمعته وهو بيقول لي يا ماما إنه تاب، تاب من سنين كتير، من ساعة ما اتجوزني. وأنا بصدقه.
ربتت على شعرها وظهرها بحنان، تبتسم:
قد كده بتحبيه؟! أمال يا بت، كنت بتعملي كده ليه معاه؟! ونشفت ريقها.
اغرورقت عينيها بدموع الحب وتأثر، تميل برأسها للأمام: لأني بحبه، ياماما، بحبه أوي ماكنتش أتوقع أبداً إن هو يهددني بيكم زي ما رشدي قال لي: مش في مثل بيقول لك الزعل على قد المحبة هو ده حصل زعلى منه على قد محبتي ليه، وانا حبي ليه كبير اوي مالوش نهايع ولا وصف.
هزت سعدية رأسها باستهجان وكره، تدعو بصوت منخفض: رشدي ده إن شاء الله هيشوف اللي اتعمل فيكي باذن الله
رفعت عينيها لأعلى بدعاء أم حقيقي، تنظر للسقف:
إن شاء الله يدوق من نفس الكأس اسمعها مني يا رب هو وأخته وأمه وأبوه يتعمل فيهم اللى اتعمل في بنتى ان شاء الله، النوم يخصمه وقل الراحه والمرض وتبقي حياتم كلها مشقه وعذاب
ماسة بطيبة، تمسح دمعة هربت من عينها: حرام يا ماما، ماتدعيش على حد الله يسمحهم حسبي الله ونعم الوكيل بس.
زمجرت سعدية وهي، تشد على كفها: اسكتي يا بنت انتي، دول يستاهلوا الشنق، إن شاء الله جوزك يفعصهم كده تحت رجليه قريب، ويدوق من العذاب، اللون بحق اللي عملوه فيكي يا ماسة، يا بنت سعدية انتي بس اتشجعي وقولي لسليم على اللى عملوا رشدي و
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ببطء، دخل سليم .