
نورا عبدالعزيز
بعنــــوان " يـد صغيــرة بحجــم العالـم "
كان "أنس" جالسًا مع المصممين بصحبة "يونس" داخل غرفة الأجتماعات ليقول "أنس" بهدوء:-
-يبقي زى ما أتفقنا وإن شاء الله نعمل شغل كويس
خرج الجميع من الغرفة وخلفهم "يونس" وكان يضع الهاتف على أذنه كى يتحدث به فرأى "فلك" تسير إلى الخارج بوجه شاحبًا وتسرع فى خطواتها، دلف إلى مكتبه وقد بدأ يغضب بسبب تجاهل "قدر" إلى أتصاله وكأنها تتعمد أغضبه بتجاهلها له، تأفف وهو يلقي الهاتف على مكتبه ويتمتم بأختناق:-
-لما أشوف أخرتها معاكي يا قدر
وقف من مكانه بضيق وحمل هاتفه ثم أخذ سترته من فوق المقعد وخرج من المكتب وأثناء مُغادرته قال بشجن :-
-أنا ماشي يا هالة
خرج من المكتب ثم وقف من مكانه ينتظر المصعد وبداخله يشتعل غاضبًا وهو يشعر بأن مسافة البُعد بينه وبين "قدر" تزداد أكثر وأكثر بسبب أفعالها أولًا تخطط للتخلص من طفلهما والآن تتجاهله تمامًا، مل من أنتظر المصعد ليسلك الدرج غاضبًا حتى وصل إلى الطابق الأول فدُهش عندما رأى "فلك" جالسة على الدرج كطفلة صغيرة وتتكأ برأسها على الحائط جانبًا بتعب مُنهكة فنزل درجتين فى هدوء لينتبه إلى الحقنة الفارغة بجوارها على الأرض ليدرك بأن قلبها المريض يؤلمها ويُصعب أمر العمل عليها والحركة الكثيرة تُجهدها، تنحنح برفق وهو يصل للدرجة التى تجلس عليها فرفعت رأسها بتعب لترى وجهه فقالت:-
-أنا مأخدتش بريك النهاردة مش بتهرب من شغلي
قالتها بخوف منه أن يفصلها عن عملها لكنها دُهشت من فعلته عندما جلس جوارها ومدد قدميه للأمام وقال ببرود:-
-بس أنا بتهرب من شغلي عادى
أخرج سيجارته وقداحته وقبل أن يشعل السيجارة نظر إليها بتوتر ثم أعاد السيجارة إلى جيبه وقال:-
-هبقي أشربها بعدين
نظرت للأمام بحرج من وجودها الآن وهى السبب فى تقيد حريته من شرب سيجارته لتقول بملل:-
-ممكن تشربها مش هى اللى هتصعب الموضوع
وضع السيجارة فى جيبه وهو يقول:-
-على فكرة لو تعبانة ممكن تأخدي أذن عادى إحنا مش فى جيش
ضحكت بعفوية خافتة رغم تعبها فألتف ينظر إلى ضحكتها و"فلك" ترفع يدها إلى صدرها المُنهك بسبب قلبها الضعيف، كانت "فلك" جميلة بحق تشبه طفلة لم تتجاوز العشرين بكل شيء بها، بسمتها تزيل الهموم وتريح القلب والروح تحمل طاقة إيجابية وتفاؤلية ليقول بهدوء:-
-قومي روحى
وقف من مكانه كى يغادر وهكذا "فلك" وخرجا الأثنين من باب الدرج الحديدي، كادت أن تفتح سيارتها لكنه قال قاطعًا لها:-
-هتعرفي تسوقي
ضحكت بسخرية من قدرها ثم قالت:-
-أتعودت
أشار إليها ببرود قائلًا:-
-تعالي أنا هوصلك
بعد ألحاح كبير منه واقفت بنهاية الأمر ليأخذها فى طريقه إلي منزلها وقال:-
-أنا مش حشري ولا بدخل فى اللى ميخصنيش بس ليه دائمًا سايبة علاجك فى العربية
تنهدت بحزن شديد وبدأت تتحدث بلهجة واهنة وصوت مبحوح:-
-مبحبش حد يعرف بمرضي، الشفقة توجعنى أكثر من قلبي المريض، عيون الناس بتوجع وتجرح مش كل الناس ممكن تتفهم أنك شايل حمل كفاية وبتحمد ربنا على قدر أنت مالكش أختيار فيه، لو صدفت وحد فتح شنطتي زمليتى أو حتى لو تعبت محبش حد يشوف علاجي
كان يستمع إليها وهو ينظر نحوها تارة وإلى الطريق تارة، حتى أنه شعر بأن حديثها ينطبق عليه، هو يعلم جيدًا أنه مريض بـ "غزل" لكن فور أن علمت زوجته بهذا المرض بدأت تتغير عليه وتتجاهله والآن تعايره بمرضه لذا قررت التخلص من طفله الذي تحمل بأحشاءها فماذا إذا علم الغريب عن مرضه، ليس الجميع رحماء بالغير فى أقدار لم يختارها أحد بل كُتبت عليه، تحدث بنبرة غليظة قائلًا:-
-عندك حق، بس سامحينى يعنى أنتِ بيجي عليكى وقت ولازم تأخدي العلاج أفرضي مكنتيش جنب عربيتك هتتعبي أكتر
تبسمت بأنكسار وقالت:-
-يبقي نصيبى وسيبها على الله
أشارت إليه بيدها إلى أحد المباني وقالت:-
-أنا هنزل هنا؟
نظر إلي يدها ليراها تضع الضمادة التى وضعها على مكتبها ليشير إليها بنعم وأوقف السيارة، ألتفت "فلك" إليه وقالت بلطف:-
-شكرًا يا أستاذ يونس تعبتك معايا
كاد "يونس" أن يجيب عليها لكن أتاهما صوت "فارس" وهو يضرب بيديه على باب السيارة بقوة وانفعال شديد قائلًا:-
-يا نهار أبوكي أسود أنزليلي، أنزليلي أنتِ والافندي اللى معاكي دا
فتح باب السيارة بغضب كالعاصفة القاتلة، فزعت "فلك" برعب تملكها حين رأت وجه أخاها وعينيه التى تبث شرارة نارية مُلتهبة، بينما استشاط "يونس" غضبًا من هذه الطريقة وصوت هذا الرجل الذي جعل جميع المارة ينظرون إليهم، جذب "فارس" اخته من معصمها بقوة ليضغط على جرحها الناتج من حريق أمس، طريقة أخراجه لها جعلت "يونس" يفقد اعصابه ليترجل من سيارته بأنفعال شديد وهو يقول:-
-ايه دا أنت متخلف؟
التف "فارس" إليه بضيق وهو يجيب بحدة شديدة قائلًا:-
-وأنت مين بقي يا سبع الرجال، عرفتيه منين دا يا بنت *** وحياة أبوكي لأربكي من جديد
كادت أن تتحدث بحرج شديد من كلماته وتصرفاته أمام "يونس" وقبل أن تلفظ حرفًا اسكتها "فارس" بصفعة قوية على وجهها مما جعل "يونس" يخرج عن شعوره ولا يشعر بشيء إلا وهو يلكمه بقوة فى وجهها وأسقطه أرضًا لتفزع "فلك" من رد فعله رغم شعوره بالأمان والسعادة لأول مرة يتصدى له أحدًا من أجلها، دائمًا ما كان يأتي بعد الصفعة الكثير والكثير، اتسعت عيني "فارس" على مصراعيها ليقف من مكانه وقبل ان يستقيم أستقبل ركلة قوية فى بطنه من قدم "يونس" دفعته بعيدًا عنهما، ليأخذها "يونس" من يدها وقال بضيق:-
-أركبي
أدخلها السيارة وهى فى حالة من الذهول وألتف "يونس" كي يصعد سيارته بينما "فارس" يمسك بطنه من الركل وصُدم عندما رأي أخته بداخل السيارة ليقف مُسرعًا لكن قدم "يونس" كانت الأسرع حين هرب بسيارته معها بعيدًا وكأنه ينتشلها من جحيمها المُميت دون أن يهتم لزوجته او رد فعلها، لم يفكر بشيء بهذه اللحظة سوى أخذ "فلك" معه بعيدًا وبعيدًا عن العالم أجمع.......
****************
كانت "قدر" جالسة بغرفتها فى المنزل وبداخلها غضب شديد منه وتضع يدها على بطنها ثم قالت:-
-أنا قرفانة حتى أشيلك جوايا
تأفف بأختناق وهى عاجزة عن فعل شيء، ما زال جزء صغير منها يرغب بهذا الطفل لأنها أم وهو قطعة من روحها، دلفت الخادمة بلطف وقالت:-
-الجواب دا وصول لأستاذ يونس
أتسعت عيني "قدر" بصدمة قاتلة وبدأ الشك يضرب قلبها فربما جاء هذا الجواب من امرأة أخرى إليه، ترجلت من فراشها سريعًا وأخذت الظرف من يد الخادمة بقوة ولهفة، لتشقه بيديها وتفتحه وكان الجواب بداخله صور لمكان على البحر وتذكرتين طيران وجوازين السفر لتفتحهم وصُدمت عندما رأت جواز سفرها وهو أيضًا لتدرك بأنه كان يعد لها مفاجأة وهى لا تفكر ولا ترى سوى خيانته التى لم يرتكبها بل مرض يتملكها، تنهدت بضيق من فعلتها وألقت الظرف على الفراش ثم أخذت الهاتف وأتصلت به رغم أتصالاته الكثيرة بها مُنذ الصبح وهى تتجاهله...
****************
كان يقود سيارته بصحبتها وهو لا يعلم إلي أين يذهب أو ماذا حدث له ليأخذها هكذا بعيدًا ويخرج عن شعوره فقالت بتعجب وما زالت مُصدومة من فعله:-
-أنت رايح على فين؟
أجابها بضيق شديد قائلًا:-
-فى شقة بتاعت أنس أخويا فاضية ممكن تقعدي فيها لأن أنا مقدرش أوديكى شقتى أنا راجل متجوز ومراتي مجنونة
كادت أن تجيب لكن قاطعهم أتصال "قدر" فأوقف السيارة على جانبًاَ وقال:-
-ثواني
ترجل من سيارته ليجيب عليها قائلًا:-
-أيوة يا قدر دا ما أفتكرتي تشوفي ال12 مكالمة اللى اتصلت بيكي فيهم
أجابته بحدة قائلة:-
-أنت مين اللى قالك أنى هسافر مع شخص مريض زيك؟
أغمض عينيه بضيق شديد من كلماتها القليلة التى تحمل الكثير من الوجع له، تمتم ضاحكًا بسخرية شديد من حاله:-
-مريض زي، وأنتِ عرفتي منين أنك هتسافري معايا.. متقوليش أنك فتحتي الظرف عشان بتشكي فيا
ضحكت هى الأخرى بسخرية من دورها مثله وقالت:-
-أكيد دا أنا مش بشك أنا مُتأكدة حياتى أنك بتخوني، لا ومش بعيد كمان تكون مع واحدة دلوقت
نظر إلى السيارة و"فلك" بالداخل فهى تعتبر مساعدته لها خيانة، ألم تكتفي بأهانته وإذلاله بمرضه لتدفعه هى إلى خيانتها بسبب أفعالها، هو يسعى جاهدًا فى إصلاح الأمر بينهما لكن هى تفعل كل شيء لتخريب حياتهما، أجابها بلهجة قوية مُنتقمًا منها:-
-أيوة مع واحدة يا قدر وأقولك على حاجة، أسمعى صوتها
فتح باب السيارة وظل واقفًا لتقول "فلك" بلطف شديد:-
-لو خلصت تليفونك خلينا نمشي
أومأ إليها بنعم ثم قال بصوت خافت لم تنتبه له "فلك":-
-سمعتى، أقفلي يا قدر ومتستنيش واحد مريض زي النهاردة أنا هبات برا البيت النهاردة
أغلق الخط دون أن يترك لها مجال للجواب وأنطلق بسيارته فى حين أن بداخله بركانًا ناريًا مُلتهب بسبب كلماتها وإهانتها، سمع صوت ضحكات كثيرة من الخلف وهو يعلم مصدرها جيدًا ثم أتاه صوت "غزل" تقول:-
-أيه رأيك بقي يا حبيبي؟ إن شاء الله تكون مبسوط بحياتك اللى بتتهدم على دماغك دى
حاول جاهدًا تجاهلها وهو ينظر إلى "فلك" بطرف عينيه بخوف من أن يفقد سيطرته ويستجيب إلى "غزل" وتعلم "فلك" بمرضه لكن "غزل" كانت تفعل كل شيء لتفقده سيطرته حتى تعلم "فلك" بمرضه وتهرب بعيدًا عنه لتقول:-
-لا متقلقش أنا وراك وراك لحد ما تهرب منك، أنا مش هبلة زى قدر وهسيبك كدة لما واحدة غيرى تأخدك منى، أنت بتاعي أنا وبس يا يونس
هز رأسه بضيق وقد بدأ يظهر عليه التوتر الشديد والأرتباك و"فلك" لا ترعي أى أهتمام لـ "يونس" فى صمته ولا تعلم أنه الآن داخل صراع قوي، تابعت "غزل" وهى تجلس بينهم الأثنين:-
-تفتكر قدر هتسكت على اللى عملته دا، ولا أنا ممكن أستني زى الهبلة اللى فى بيتك لما واحدة تاني تظهر فى حياتك وتخطفك منى ومتقولش أنك بتساعدها لأن أنك تساعدها وتصعب عليك وتتخانق عشانها كدة لو سيبتك هيقلب حب يا سبع الرجالة
تأفف بتعب شديد وهو يكاد يصرخ فى وجهها لكنه ينظر إلى "فلك" الجالسة جواره وتقيد لسانه، نظرت "غزل" إلي "فلك" مثله ثم قالت بسخرية:-
-عجباك فى أيه وهى شبه السحلية كدة، حتى لو حلوة شوية دى صاحبة مرض أنت ناقص
فقد أعصابه من كلماتها وقال صارخًا:-
-وأنا أيه مش مريض
فزعت "فلك" من صرخته وألتفت إليه بعد أن كانت تنظر إلى الطريق من النافذة فى صمت، تأفف بضيق شديد ثم أوقف السيارة فوق الكوبري وترجل منها مُسرعًا، وصل إلى حافة الكوبري ونظر إلى مياه النيل ثم جلس على الأرض، تابعت "فلك" بنظراتها حتى رأته يجلس على الأرض ويغمض عينيه الأثنين بقوة ويضع يديه على أذنه ربما يساعده هذا فى التخلص من صوتها الذي يضربه، شعرت "فلك" بقلق شديد من رؤيته هكذا فى الطريق وكل من يمر ينظر إليه مُعتقدين أنه مريض، فتحت باب السيارة وترجلت وهى تسير نحوه، جلست "غزل" جواره وقالت بحزن:-
-لا يا يونس أنت مش مريض أنت حبيبى أنا وأنا بحبك
ما زال يسمع صوتها بوضوح وأنسداد أذنيه لم يكن حل فهى بداخله وصوته عالقًا فى عقله وصدره، ذرفت دمعة من عينيه بضعف وغزل تقول:-
-متعيطيش يا يونس أنت عارف أنت غالي عندي قد أيه، أنا مقصدش أقول أنك مريض بس أنا مقدرش أخسرك و....
تلاشي صوتها تمامًا وشعر "يونس" بشيء دافيء ناعمًا يلمس وجنته، فتح عينيه بخوف من أن تكون "غزل" أصبحت حقيقة وهذه الخرافة تضارب عقله دومًا فلم يشعر بها بهذا الدفء من قبل لكنه دُهش عندما رأى "فلك" من تجلس جواره على الأرض وتجفف دمعته بلطفها، تطلع بها بذهول تام وهى تبادله النظر داخل عينيه لكن ببراءة ودفء قادرًا على أحتواءه وأنتشاله من أوهامه وأوجاعه وتلاشت "غزل" تمامًا مع لمس "فلك" لوجنته، تمتمت "فلك" بقلق شديد عليه:-
-أنت كويس؟ لو حاسس أن فى حاجة تعباك ممكن نروح المستشفى
لم يجد جواب علي كلماتها فظل صامتًا يحترق بالداخل فى هدوء تام، تابعت "فلك" ببراءة وهى تقدم له المساعدة كما يفعل دائمًا إليها:-
-لو مريض ممكن نروح لدكتور
أراد أن يبكي كطفل صغير فهو لا يحمل مريض يمكن علاجه بالدواء أو تقلل ألمه بعلاج يدونه الطبيب له، تسائل كثيرًا ماذا سيكون رد فعلها عندما تعلم برؤيته للأوهام ويتحدث مع أشخاص لا وجود لهم، بالتأكيد ستراه كما تراه "قدر" أقرب شخص له وأكثر شخص يحبه لكن بعد علمها بمرضه تلاشي الحب وظهر الكره والأشمئزاز بداخله تجاهه..
**************
علم "أنس" بما حدث بين "قدر" و"يونس" بعد أن أتصلت به لتخبره بخيانة اخاه لها وأنها لن تتحمل هذا الشيء كثيرًا، لكن الآن أكثر سؤال خطرت على عقل "أنس" من هذه المرأة التى كانت بصحبته؟ فهو يعلم جيدًا أن أخاه ليس بخائن ولا يقترب من امرآة سوى هذه الشخصيات التى تظهر فى عقله الباطن بسبب مرضه، لكن كون "قدر" سمعت صوتها فهى لم تكن من صُنع عقله بل امرأة بحق؟، خرج من مكتبه ليذهب إلى مكتب "فلك" فأخبرته "هالة" بأن "يونس" وافق على طلب أستأذئنها لأنها تشعر بالمرض، مما أدهش "أنس" وبدأ يُشك فى الأمر، رن هاتفه بأسم "يونس" ليقول:-
-أيه اللى أنت هببته دا؟
أتاه صوت "يونس" يضحك بسخرية ثم قال:-
-هو أنا مفيش حاجة بتحصل فى بيتى إلا لما توصلك، قولها تكبر شوية وتتعلم تحفظ أسرار بيتها شوية
صاح "أنس" بغضب شديد قائلًا:-
-أنت مُتخلف؟ أنت بتصلح ولا بتخرب
تجاهل "يونس" حديثه قائلًا:-
-أنا عايز مفتاح شقة مصر الجديدة
شعر "أنس" بالعجز من هذا الحديث وعناد أخاه ليقول بضيق:-
-هتلاقيه مع البواب يا يونس، صحيح مين اللى كانت معاك وأنت بتكلم.....
أغلق "يونس" الخط دون أن يترك المجال لأخاه أن يسأل، نزل "أنس" من العمارة ليغادر الشركة فرأي سيارة "فلك" أمام العمارة مما أدهشه فكيف غادرت "فلك" بدون سيارتها ليبتسم بعفوية وهو يقول:-
-يا سعيد
جائه البواب فسأل بحماس شديد وهو يتصل برجل الصيانة قائلًا:-
-متعرفش أيه اللى بايظ فى العربية
أجابه سعيد بجدية قائلًا:-
-لا هى مش بايظة يا بيه دى الأستاذة صاحبتها مشيتي مع يونس بيه
أتسعت عينيه على مصراعيها بصدمة ألجمته وتكرر حديث "قدر" فى أذنيه ووجود أخاه مع فتاة ومُنذ قليل طلب مفتاح شقته المُغلقة مما جعل الأفكار السيئة تقفز إلى عقل "أنس" ليغلق الخط قبل أن يجيب مركز الصيانة...
*****************
خرج "يونس" من الشرفة ليراها ما زالت واقفة أمامه ولم تجلس ليقول:-
-واقفة ليه؟ أقعدي
أجابته "فلك" بضيق شديد قائلة:-
-أنا مقولتلكش أنى عايزة أجي هنا ولا حتى دور لي على مكان أقعد فيه
تنهد بضيق شديد ثم قال بصراخ غاضبًا:-
-عايزاه تروحي لبغل اللى بيضربك
نظرت "فلك" له بأنكسار ليقول بضيق شديد ونبرة جادة:-
-باين؟ باين أوى أنه هو اللى بيضربك أنا مفيش مرة صادفتك غير وعلى وشك أثر الضرب ويا عالم باقي جسمك فيه أيه من همجيته، دا دا اللى ظاهر قدامي وقدام الناس كلها، بيستقوى عليكي لأنه ضعيف لما قفتله قبل كتكوت مبلول
تجمعت الدموع فى عينيها بأنكسار وحزن شديد ثم قالت بضعف:-
-بس أخويا وماليش غيره، لو ليا غيره من هفضل أكيد محدش بيرضي بوجعه وإهانته وذله لكن هروح فين، هروح فى شقة مفروشة مع واحد متجوز وحرام أقعد معاه فى مكان لوحدي
ألتفت كي تغادر وهى تبكي بوجع وتمتم قائلة:-
-أتذل وأتهن لكن معملش حاجة حرام ولا سمعتي تبقي على كل لسان وأنا نقدرة مساعدتك ليا لكن مينفعش
أسرع خلفها ليغلق الباب قبل أن تغادر ونظر إليها قائلًا:-
-أستني بس، دى مش شقة مفروشة دى شقة أهلي اللى أتربت فيها وملكنا، وأنا مش هقعد معاكي أنا هنزل أجيبلك أكل وحاجات من السوبر ماركت وهمشي وهسيبلك المفتاح وكمان ممكن تقفلي على نفسك من جوا
ذرفت الدموع من عينيها بضعف وقد بدأت فى الأنهيار فلم يعاملها أحد برفق ورحمة هكذا من قبل ثم قالت بلهجة واهنة:-
-ولما أبات برا البيت بعد الخناقة اللى حصلت فى الشارع بينك وبينه الناس هتقول عليا أيه؟ أنا أيه رأى الناس ميهمنيش ما دام مبعملش حاجة غلط ولا بغضب ربنا بس أنا شخص أيامه معدودة والموت بيخط على بابه ليه أموت والناس بتجيب فى سيرتي بالشر
ربت على كتفها بلطف وهو يقول:-
-أهدئي طيب، بعد الشر بس أنتِ لو مُت هتموتي بسبب ضربه ليكي فعلقة بيديها لك ممكن ضربة تموتك لكن أنا لو مكانك هعيش مبسوط وأفرح وأعمل اللى يبسطنى وبس
رفعت رأسها للأعلي نحوه وأقتنعت قليلًا بكلماته ليقول:-
-أدخلي وأنا هنزل أجيب حاجات من السوبر ماركت وأجيبلك عشاء وخلي المفتاح معاكي عشان تطمني أكثر
نظرت للمفتاح مُطولًا ثم أخذته بضعف ودلفت للداخل فى حين أنه غادر المكان، تجولت بالصالة والصالون حتى دق الباب لتذهب كى تفتح ثم دلف "يونس" مُحملًا بالكثير ليضعهم على السفر وقال:-
-أنا همشي وهتلاقي هدوم فى الدولاب جوا بتاعت والدتي ممكن تغيري لو تحبي
نظرت للطعام ثم قالت:-
-أنت ممكن تأكل قبل ما تمشي، أنا مش هأكل كل دا لوحدي
أومأ إليها بنعم وجلس معها يتناولا الطعام لكنه صُدم عندما رأي "غزل" تجلس على المقعد المقابل له وتقول:-
-أن شاء الله يكون الأكل معها حلو ويفتح النفس
نظر إلى "فلك" بقلق ثم إلى "غزل" فقالت "غزل" بأهتناق شديد:-
-يعنى يوم ما تفكر تخوني وتقهر قلبي يكون مع واحدة بتموت، ما هي هتموت وتسيبك ومش هيبقى لك غيرى
قذف "يونس" طبق السلطة فى وجهها بانفعال صارخًا:-
-أخرسي
نظرت "فلك" بذعر وخرجت منها صرخة قوية بعد فعلته لترتجف بقلق، هرب "يونس" من أمامها إلى الغرفة المجاورة فظلت واقفة مكانها، لا تفهم شيء ولم يصرخ دومًا بعد صمت طويل لتنتبه لكلمته "أخرسي" فهى تتذكر جيدًا بأنها لم تتحدث، سمعت صوت بكاء ضعيف فألتفت وهى تسير نحو الغرفة بقلق وفتحت الباب لتراه جالسًا هناك على الأرض، يبكي بضعف شديد وكل هذا بسبب أخاه مُنذ أن واجهه "أنس" بحقيقة "غزل" وكونها وهم فى عقله وأصبح أضعف ودائمًا خائفًا من الجميع لا يصدق أن هناك من سينعته بالمجنون، أقتربت "فلك" بقلق عليه وهى لا تفهم شيء مما يحدث معه وجلست على الأرض أمامه وتطلعت به ثم قالت:-
-أنت كويس؟
أعطاها رابطة عنقه بضعف وقال:-
-أربطي عيني
حدقت "فلك" برابطة عنقه بعد أن أستمعت إلى جملته وقالت:-
-أنت بتشوف أيه بتهرب منه أوى كدة ومش عايز تشوفه
صمت ولم يعقب على كلمتها فقالت بعفوية وبسمة رُسمت على شفتيها بدفء:-
-بتحبها؟
عقد حاجبيه فعدم فهم وقال بتساؤل:-
-هى مين؟
ضحكت "فلك وهى تجلس بجانبه وقالت بإيجابية:-
-اللى بتشوفها ومحدش بيشوفها غيرك
أتسعت عينيه على مصراعيها بذهول من كلماتها وكونها تعلم بحقيقته ليسألها بتلعثم شديد:-
-أنتِ ..
ضحكت بلطف قائلة:-
-أنا عارفة، عارفة أنك بتحبها وبتشوفها عادى ومش بقول عليك مجنون ولا حاجة، أكيد هتخف فى يوم أنت بس مش لاقي اللى يقف جنبك لحد ما تخف
تتطلع "يونس" بلطف شديد وهو يشعر بأحتواء ولأول مرة يفهم معنى الأمان ليقول بشرود تام فى عينيها وبسمتها التى أدخلت السلام الداخلي إلى صدره:-
-تتجوزينى...
فتح عينيه بدهشة ألجمته من هذا المنام البسيط ليراها تجلس أمامه وهو نائمًا على الأرض وتضع يديها أعلى ركبتها وتتكأ برأسها عليهما مُنتظرة يقظته فقالت:-
-أخيرًا فوقت
كانت تبتسم بلهفة وعلى وجهها ملامح الخوف والقلق الذي تملكها لتقول:-
-خوفتنى عليكي لما سمعت صوت خبط ودخلت لاقيتك مغمى عليك
ظل ينظر إليها وهو شاردًا فما رأه وطلبه للزواج منها فوضعت يدها على جبينه بقلق من أن يكون صمته سببه المرض أو أصابه شيء، كانت يديها دافئة وناعمة رغم صغارها إلا أن هذه اليد حملت إليه السلام الذي لم يشعر به فى هذا العالم أجمع ليتمتم بنبرة دافئة وعينيه لم تفارق عينيها قائلًا:-
-تتجوزينى يا فلك؟!
سقطت أرضًا للخلف من صدمتها وعينيها تحدق به كأنه صعقها بصاعقة كهربائية شلت حركتها وجمدت لسانها........