رواية مرايا الحب الفصل الثالث 3 بقلم نورا عبدالعزيز


رواية مرايا الحب الفصل الثالث 3 بقلم نورا عبدالعزيز


أتسعت عينى "يونس" على مصراعيها وهو لا يصدق ما يراه وهذه الكلمة التى كتبتها بكل جراءة تطلب منه حريتها لتحلق بعيدًا عنه فى سماء أخرى خارج عالمه المُعتم، أغلق قبضته على الورقة بقوة أثناء مغادرته للغرفة بوجه غاضب كالثور الهائج، صعد سيارته بغضب شديد وأنطلق كالمجنون فى قيادته ذاهبًا إليها.. 

__________________ 

وصلت "فلك" إلى منزلها ودلفت بعد أن فتحت الباب بمفتاحها الخاص لتجد المنزل هادئًا لتبتسم بلطف قليلًا وتدخل غرفتها مُسرعة قبل أن يصل أخاها وزوجته من الخارج وتبدو نوبة الشجار والمشحنات، ألقت بحقيبتها على الفراش وأخذت حمام دافيء ثم اختبأت كطفل رضيع أسفل غطاءها بمنتصف فراشها وتبكي في صمت حتى شهقاتها لا تخرج من صدرها فقط دموع حارة تذرف على وسادتها حتى غفوت من نومها العميق بتعب شديد وهى لا تعرف ما ينتظرها بالغد أو إلى أين سينهي المطاف بها 

__________________ 

وصل “يونس” على منزل والد “قدر” وفتحت الباب له الخادمة وكان والد “قدر” ينتظره بالصالون وكأنه يعلم بأن زوج ابنته سيأتي قبل أن تشرق الشمس ولن ينتظر الصبح، تحدث “محمود” بلهجة جادة شديدة الحذر قائلًا:- 

-أقعد يا يونس 

جلس “يونس” بغضب سافر مكبوح بداخله وقال بنبرة قوية:- 

-عجبك عمايل بنتك دى؟  

أتاه صوتها من الخلف بانفعال شديد تقول:- 

-متعاتبش وتشتكي يا يونس، العتاب بينفع لما بيكون في أمل لفرصة تانية لكن إحنا مفيش بينا أملنا نرجع، أنا هطلق يعنى هطلق 

وقف “يونس” من مكانه وألتف إليها بوجه عابس محترق كادت نيران غضبه أن تلتهمها بنظراته وقال:- 

-أدينى سبب واحد للى حصل دا وتمسكك بالطلاق 

أتسعت عيني “قدر” بلهفة وخوفًا عليه عندما رأت جبينه المجروح والكدمة التي اصابته من أصطدام السيارة فأقتربت إليه بلهفة مُتناسية غضبها وخصامها له لتتطلع بجيبنه ثمسألته بقلق:- 

-أيه اللى عمل فيك كدة؟ 

تبسم والدها على قلق أبنته على زوجها وإذا كانت تنتفض رعبًا من القلق عليه فكيف ستهجره للأبد وتطالب بالرحيل بعيدًا عنه فقال بهدوء:- 

-طيب أنا هسيبكم لوحدكم شوية يمكن ربنا يهديكم  

غادر الغرفة ليمسكها “يونس” من ذراعها بقوة شديدة وهو يجذبها إليه بأنفعال مُتجاهلًَا سؤالها وقلقها فقال:- 

-أنتِ فاكر أنك بعمايلك دى بتلوي ذراعي يا قدر ولا هموت من غيرك ومش قادر على بعدك 

أستشاطت غضبًا من طريقة معاملته لها وتجاهلت قلقها ثم قالت بأنفعال وهى تجذب ذراعيها منه وقالت:- 

-وما دام ذراعك مبيتلويش جاي هنا ليه؟ ما تطلقني 

تبسم “يونس” بسخرية شديدة عليها ثم قال بنبرة باردة قاتلة لقلب امرأته الواقفة أمامه:- 

-أعملي اللى تعمليه أنتِ بتاعتي يا قدر وأنا مش هسيبك ولا هطلقك 

صاحت به بأنفعال شديد وعيناها تملأهما الدموع قائلة:- 

-لا مش بتاعتك أنت مشترتنيش ولا أخدتني جارية عندك  

كانت ترتجف بين يديه من القهرة والحزن، لأول مرة يراها بهذه الحالة التى يرثي بها، غاضبة جدًا ومنهارة أكثر بينما دموعها لا تجف أبدًا من عينيها ويديها رغم دافعها له فى صدره إلا أن أناملها مُتشبثة بقميصه وكأن لسانها يأمره بالرحيل وروحها تأمره بالبقاء، نظر "يونس" إليها وقلبه يتألم لرؤيتها بهذه الحالة ويشفق عليها كل أوردته الحاملة دمائها، قرب يديه من وجهها بلطف وقال بهدوء:- 

-أنا مش هسيبك يا قدر، مش هسيبك 

أرخت رأسها بيأس وضعف على صدره لتجهش باكية بقوة أكثر وهى لا حول لها وكأنه كالوبر الذي علقت بها ولا سبيل لتخلص منه، وضع يديه خلف رأسها بهدوء يربت عليها بحنان وهى تشعر بلمساته لكنها لا تقوى على إيقاف دموعها ووغزات قلبها تزداد أكثر وأكثر بضلوعها..... 

جلس “يونس” أمامها على الأريكة وهى تعالج جرح جبينه بعد نوبة من البكاء طويلة وما زالت أثرها على وجه “قدر” وعينيها المنتفخة وأنفها الحمراء فقال بلطف:- 

-متزعليش 

رفعت نظرها إليه بصمت لتقابل عينيه فتابع حديثه قائلًا:- 

-كنت جايلك والله بس عملت الحادثة دى  

أومأت إليه بنعم ثم قالت:- 

-ماشي 

وضعت اللاصقة الطبية على جبينه بعد ان طهرت جرحه وبدأت تفحص زوجها بعينيها خوفًا من أن يكون أصاب بشيء أخر ليقول:- 

-مفيش أصابات تانية 

كان يعلم جيدًا أن نظراتها المتنقلة في كل أنش بيه تبحث عن جرح أخر أصابه، يدرك جيدًا كم تحبه وربما هذا الحب هو السبب الوحيد في جعلها تغفر نزواته الكثير وأوهامه مع “غزل”، أخذت يده بين راحتى يديها وكانت متورمة قليلًا ليقول:- 

-أنا كويس 

حرجت معصمه بتلقائية ليتألم قليلًا فقالت بضيق:- 

-بطل تكابر المرض يا يونس 

وضعت له شاش ورباط طبي حول معصمه ثم أخذها إلي منزلهم... 

___________________ 

في اليوم التالي داخل شركة واى أيه  

بدأ المكان يمتلأ بالمؤظفين، دخل “يونس” إلى مكتب أخاه بتعجل وألقي إليه ملف “فلك” على المكتب وهو يقول:- 

-أول مرة وأخر مرة يا أنس، أتصل بيها عشان خاطر بس في مؤطف أعتذر عن العمل  

نظر “أنس” للملف وهو لا يفهم شيء من حديث أخاه ورأى صورة “فلك” ليعلم أن هذا ملفها الشخصية فتبسم بعفوية وهو يقول:- 

-ماشي  

غادر “يونس” من المكتب واتجه إلى مكتبه وكان بداخله فتاة جالسة على المقعد المقابل لمكتبه بتوتر شديد فقال بجدية وهو يسحب مقعده ويجلس عليه:- 

-أنا أسف لكن انا مبغيرش كلامي وما دام مرتبي مش عاجبك متشتغليش عندي 

كادت الفتاة ان تتحدث قائلة:- 

-أنا كان قصدى نتناقش 

قاطعها “يونس” بضيق شديد قائلًا:- 

-متكمليش أنا جبت مؤظفة غيرك  

ضحكت الفتاة بسخرية عليه ثم قالت:- 

-دا أنت بتتلكك بقي ما صدقت  

تبسم “يونس” بعفوية شديدة وهو يتذكر وجه “فلك” أمامه كأنها تجلس أمامه وقال:- 

-بصراحة اه وأنتِ جبتيها على طبق من ذهب 

كان مُتحمسًا جدًا لرؤيتها من جديد ومن داخله لا يفهم سبب هذا الحماس ربما إشفاق على حالتها ومرضها أو ربما لسبب أخرى لكن ما يدركه أنه نفس السبب الذي جعله يقبل تعويضها لما حدث بسيارته رغم أمتلاكه المال، غادرت الفتاة المكتب وهى تُتمم بالكثير من الحديث وهو لا يهتم لكل هذا.. 

___________________ 

في منزل “فلك”  

كانت جالسة على السفرة تفطر معأخيها و”سحر” زوجته في صمت ليقطع هذا الصمت سؤال “سحر” لها قائلة:- 

-مجبتليش المصروف ليه؟ لو معكيش قولى عادي  

تركت “فلك” الخبز من يدها وأخرجت المبلغ المحدد من جيبها فهى أخترت أعطى المال لزوجة أخيها عوضًا عن علاجها حتى لا تتعرض للذل والإهانة منها، وضعت المبلغ على الطاولة بكبرياء شديد تحت أنظار أخاها الذي لم يتفوه بكلمة مُعارضة زوجته وما تفعله بأخته ثم قالت:- 

-شكرًا أنا محبش أكل لقمة من جيب حد  

أكملت طعامها ببرود شديد فسأل أخاها ببرود أكثر قائلًتا:- 

-سلسلتك فين؟ 

وضعت يدها حول عنقها وهى تتذكر قلادتها الذكرى الوحيدة التي تملكها من والدتها ليمر ما حدث أمس أمام عينيها كشريط فيديو مصور وقالت بأختناق شديد:- 

-في العربية  

تركت طعامها بعد أن شعرت بالضيق من حديثه وتركها لقلادتها الحبيبة ثم وقفت ودخلت إلى المطبخ تصنع كوب من النسكافيه وعقدت ذراعيها أمام صدرها مُنتظر غليان الماء ثم قالت:- 

-مش هيبعها يا فلك، أكيد شكله كان بيقول أنه غنى مش محتاج فلوس لدرجة أنه يبيع سلسلتك 

كانت خائفة جدًا من أن يتخلص “يونس” من قلادتها وهى بمثابة تميمة حظها ومصدر قوتها بالحياة، كم تشعرها القلادة بألفة قوية وكأن والدتها بجوارها تدعمها، قطع شرودها صوت رنين الهاتف من الداخل فسكبت الماء في الكوب الخاص بها ذو اللون الوردي الذي يليق بشخصيتها وقلبها الدافيء ثم أخته وأسرعت إلى الداخل حتى تري الهاتف قبل أن يفصل لكنها رأته في يد أخاها، ألتقطته منه بقوة وهى تقول:- 

-أنت بتعمل أيه؟ 

كاد أن يتحدث لكنها لم تنتظر جوابه وفتحت الخط تجيب على هذا الرقم المجهول وقالت بضيق من تصرف أخاها:- 

-ألو 

أتاها صوت “أنس” من الجهة المقابلة عبر الهاتف:- 

-أنسة فلك 

نظرت إلى إخاها بضيق ثم جلست على الفراش ووضعت الكوب على الكمودينو أثناء جوابها:- 

-أيوة مين؟ 

كانت تعلم جيدًا بأنه “أنس” صوته المميز ونبرته اللطيف معها وحدهما كافيًا لتميزها له فقال بنبرة هادئة:- 

-معاكي أستاذ انس مدير شركة واى أيه كنتِ في الأنترفيو أمبارح 

أومأت إليه بنعم ثم قالت:- 

-أيوة 

تحدث بحماس شديد قائلًا:- 

-ممكن تعدي عليا في الشركة ضرورى لو يناسب كمان ساعة نتناقش في العقد وكمان انا بعتذرلك طبعًا على اللى صدر من أستاذ يونس 

رفعت نظرها إلى أخاها الواقف يراقبها بعينيه وكأنه ينتظر خطأ لها فقالت بجدية:- 

-تمام ساعة وأكون عند حضرتك 

أغلقت معه الخط ورفعت رأسها بقوة إلى أخاها لتقول:- 

-أنت أيه اللى دخلك هنا ومسكك تليفوني 

أتاها صوت “سحر” هذه الحية التي تنشر سمها في منزلهم تقول:- 

-لا يا فلك ميصحش تعلي صوتك على أخوكي وبعدين دا أخوكي وراجلك من حقه يعرف أنتِ بتكلمي مين وبتعملي أيه  

وقفت “فلك” من مكانها بغضب سافر ناظرة إلى زوجة أخيها تجيب على حديثها المسمومة قائلة:- 

-متدخليش يا سموية أنتِ محدش بيقوى عليا غير سمك دا 

صفعة قوية نزلت على وجهها من أخيها كرد فعل على كلماتها لتُصدم من فعلته وظلت تتطلع به بحزن شديد تعاتبه بنظراتها على فعلته وأنفاسها تعلو شيئًا فشيء، تطلع “فارس” بوجهها بضيق شديد ثم قال:- 

-أتكلمي معها بأدب وخلي بالك من كلامك، أنا مش لعبة عشان حد يحركني على كيفه  

غادر الغرفة تاركًا أخته الباكية في حالة حزين يرثي لها، جلست أمام المرآة تستعد للخروج مُتناسية ألمها فرأت علامات أصابعه على وجنتها لتذرف دموعها بحزن شديد، وبدأت بوضع مساحيق التجميل تخفي بهم أثر صفعته قدر الإمكان ثم بدلت ملابسها ورحلت من المنزل.. 

___________________ 

خرجت “قدر” من غرفة الجراحات مع صديقتها “صفاء” تقول:- 

-صدقينى حولت كتير يا صفاء مع يونس لكنه مبيتغيرش 

أجابتها “صفاء” بنبرة جادة قائلة:- 

-مينفعش يا قدر أنتِ لازم تأخدى موقف قبل ما تلاقيه بدأ في نزوة جديدة، مفيش حاجة أسمها يلف يلف ما دام في الأخر بيجي ليكي 

وصلا الأثنين إلى الكافيتريا ثم طلب كلا منهم قهوتها لتتابع “قدر” حديثها بضيق شديد وعجزها عن فعل أى شيء معه:- 

-صدقينى تعبت، أنا نفسي مش عاجبنى ولا مرتاحة بس يونس صعب متعرفيش تأخدي منه حق ولا باطل 

هزت “صفاء” رأسها بلا معارضة هذا الحديث لتقول “قدر” بحماس:- 

-أقولك أنا هروح له الشركة دلوقت بحجة أنى هبارك له على الشركة الجديدة 

نظرت صديقتها إليها بدهشة من موقفها لكن “قدر” لم تبالي فركضت مُسرعة إلى غرفة تبديل الملابس لتبدل ملابسها مُسرعة وأنطلقت بسيارتها إلى حيث شركته.. 

___________________ 

وصلت “فلك” إلى الشركة ودلفت بخطوات هادئة وكان المكان يعمه الأشخاص والجميع في حالة من الأنشغال، أتاها صوت فتاة تقول:- 

-أساعدك في حاجة 

ألتفت “فلك” إلي حيث الصوت وكانت فتاة جالسة على مكتب الأستقبال فقالت “قدر”:- 

-أنا عندي ميعاد مع أستاذ أنس 

أخذتها الفتاة إلى مكتبه، رأها “أنس” من خلف الزجاج وهى تدخل المكتب ليبتسم بعفوية إليها وبداخل شعور جديد عليه يجتاح صدره وعقله فقال:- 

-أتفضلي أرتاحي  

جلست “فلك” على المقعد بهدوء وهى ترمقه بنظرها، كان يعلم أن هناك شيء مُختلف بها ربما مساحيق التجميل فقال بحيرة:- 

-أنتِ متغيرة النهاردة 

نظرت “فلك” له بتعجب، تنحنح “أنس” بحرج من كلماته وقال:- 

-أنا أسف، نتكلم في الشغل 

تحدث معها عن العمل ووقعت عقدها معه لمدة سنة، دخلت الفتاة التي أستقبلتها وقالت:- 

-حازم الهوارى البلوجر وصل 

أستأذن “أنس” منها وهو يقول:- 

-هستأذنك نص ساعة بس، هالة شوفيها تشرب أيه؟ 

هتفت “فلك” بحرج قائلة:- 

-لا شكرًا 

غادر “ أنس” المكتب فجلست “فلك” تراقب الجميع من خلف الزجاج وكان جميع الفتيات التي أختارها “يونس” للعمل بدون حجاب وجميلات حتى أن كان جمالهم باستخدام مساحيق التجميل وحتى “هالة” كانت الأكثر جمالًا فكانت فتاة بمنتصف العشرينات وشعر أسود طويل كيرلي  يصل إلى منتصف ظهرها، وترتدي عدسات لاصقة رمادية اللون وجسدها ممشوق وطويلة القامة ترتدي بنطلون أسود وتي شيرت أزرق اللون تدخله في البنطلون وفوقه سترة نسائية بقط تصل لركبتها وكعب عالي ذو اللون الأبيض، أدركت أنها واثنتين أخريات محجبات بهذه المكان، مر أكثر من نصف ساعة ولم يأتي “أنس” فتح باب المكتب لترفع نظرها مُسرعة بعد ان أصابها الملل من الأنتظار ولم يكن “أنس” بل كان هذا الرجل الذي لم يغيب للوهلة واحدة عن عقلها وتفكيرها مُنذ الأمس، تتطلع “يونس” بها بعيني لامعة وهى كالمثل كأنها وردة ذابلة مُتعطشة للماء والآن نالتها، أقترب “يونس” بخطوات ثابتة منها وكان بيده فنجان قهوته وسيجارته بين سبابته والوسطى مٌرتديًا بدلة رسمية ذات اللون الزيتى وقميص أبيض، وقفت بحرج من مكانها ليقول “يونس” وهو يجلس على مقعد أخاه بنبرة جادة:- 

-أنتِ جيتي؟ 

أبتلعت لعابها بتوتر شديد من كلماته وتذكرت رفضه لها ثم قالت:- 

-أمشي لو حضرتك مش مرتاح 

أشار إليها بيده الأخرى لتجلس قائلًا:- 

-أقعدي يا فلك 

أنتبه لضمادة يده واللاصقة الموجودة على جبينه، قالت بأسف نادمة على ما حدث له بسببها:- 

-أنا أسفة على اللى حصل لحضرتك بسببي 

نظر إلى يده ببسمة خافتة ثم قال:- 

-متعتذريش دى حاجة بسيطة بس مراتي دكتورة فحبت تمارس مهنتها عليا 

أومأت إليه بخجل شديد وصمتت للحظات وعقلها لا يتوقف عن التفكير، ترغب بشدة أن تسأله على قلادتها لكنها تشعر بالحرج فقالت بتوتر ونبرة هامسة:- 

-حضرتك مبعتش السلسلة بتاعتى 

وضع يده في جيب سترته الداخلي ليخرج قلادتها من يساره وقال:- 

-مبعتهاش متخافيش 

تنهدت بأرتياح شديد وعينيها تنظر إلى القلادة بحنان وشوق كانها مُشتاقة لوالدتها وليست القلادة، نظر “يونس” إلى نظرتها وتبسم خلسًا علي وجهها الطفولي، فتح باب المكتب ودلفت “هالة” تقول:- 

-مستر أنس بيقولك أنه هيتأخر ربع ساعة 

أومأت “فلك” لها بنعم، تطلع “يونس” بوجهها وهى مُستديرة إلى “هالة” فأنتبه إلى علامات أصابع أخيها الخفيفة على وجهها ورغم محاولاتها في إخفاءها لكنه رأها جيدًا، غادرت “هالة” المكتب لتلتف “فلك” إليه ورأته ينظر للأسفل على فنجان قهوته بضيق ووجه عابس فقالت بحرج:- 

-أنا ممكن استني برا لو هضيق حضرتك 

كاد أن يتحدث بعد أن رفع رأسه لكن لسانه توقف عن التفوه عندما رأى “غزل” تقف خلفها تنظر إليه بغضب سافر وتقول:- 

-مضايق ليه يا يونس، هي دي بقي اللى شغلت بالك 

نظر إلى “ فلك” بتوتر شديد وهو يدرك تمامًا أن “غزل” وهم ولن يراها سواه ولن يسمعها أحد غيره فإذا تحدث الآن ستعتقد “فلك” بأنه مجنونًا، صرخت “غزل” به بأنفعال شديد:- 

-دى اللى جازفت بحياتك عشان  تنقذها ليه يا يونس؟ فيها أيه عجبك من اول مرة؟ جذبتك في أيه رغم أنك عارف أن أنس معجب بها؟ هي وصلت للبنت اللى أختارها أخوك 

لم يتمالك “يونس” أعصابه من قسوة حديثها فقال صارخًا بأنفعال شديد:- 

-غورى دلوقتي من وشي قبل ما أفقد أعصابي عليكي 

أتسعت عيني “فلك” على مصراعيها من كلماته، بينما “غزل” ضحكت ساخرة منه وقالت:- 

-وهتعمل أيه يا سبع الرجالة، لتكون فاكر أنى ممكن أسمح أنك تخوني وتدخل في نزوة جديدة وأنا في حياتك دا بُعدك يا يونس 

قذف فنجان قهوة بقوة من فوق المكتب لتفزع “فلك” من مكانها بصدمة شديدة ووقفت أمامه تتطلع بغضبه ثم قالت بخوف شديد من تحوله المُفاجيء:- 

-أنت مش طبيعي 

غادرت المكتب بحزن شديد فهى لم ترتكب أي ذنب تستحق أن يصرخ عليها هكذا، ضحكت “غزل” أكثر عليه مما أثار غضبه أكثر وأكثر وقالت:- 

-يا خسارة كل دقيقة حبتك فيها يا يونس 

تلاشت من أمامه ليهدأ قليًا ويبدأ يستوعب الموقف فتذكر “فلك” التي هربت من أمامه فخرج من المكتب مُسرعًا وسأل “هالة” عليها لتخبره بأنها أتجهت إلى المصعد، ذهب للمصعد خلفها وكان المصعد يغلق أبوابه لكنه وضع يده المصابة بين أبوابه فتألم لكنه تبسم بعد أن نجح في إيقافه، نظرت “فلك” له بعيني دامعة مُحاولة قدر الإمكان كبحهم بداخل جفنيها، دخل للمصعد فأغلق أبوابه لتتحاشي النظر إليه بضيق، تحدث “يونس” بحرج:- 

-أنا مقصودش اللى قلته  

رفعت نظرها إليه بحزن فتتطلع بعينيها وكانت كطير مكسور الجناحين مُلقي على الأرض يدهسه كل المارة، لم يرى أنكسار وضعف بهذا القدر من قبل فزوجته تملك جراءة وشجاعة لم يرى لها مثيل على عكس هذه الفتاة المُنكسرة، خجلت من نظراته فأبتعدت عينيها عن لقاء عينيه وقالت:- 

-حصل خير 

-مش عايز أكون سبب في تعبك خصوصًا أنى مقصودش فعلًا 

ضحكت “فلك” بسخرية شديدة من حالها فحتى أعتذار بغرض الإشفاق على حال قلبها المرض لتقول:- 

-هو أنا حالتى محتاجة كل الشفقة دى 

تنحنح بحرج شديد من كلماته التي سببت لها الحزن أكثر حتى جعلت دمعتها السجينة تذرف على وجنتها، ضغط على زر المصعد كي يُفتحه وقبل أن يغادر مد يده إليها بمنديل قائلًا:- 

-أمسحي دموعك وحاولي تحطي تلج على خدك عشان الميكاج مبيداريش 

خرج من المصعد لترفع “فلك” عينيها إليه بصدمة بعد أن رأى صفعتها ليغادر دون أن يلتفت وراءه إليها، مر في الرواق لكنه أستوقفه صوت يخطف قلبه مع كل حرف يلفظ به فكانت “قدر” تأتي من خلفه وتناديه:- 

-يونس 

ألتف إليها ورأي زوجته تسير نحوه مُرتدية تنورة سوداء طويلة وقميص نسائي أحمر وشعرها القصير مسدول على الجانبين، تحمل باقة من الورود فعلم أنها جاءت من أجل تهنئته على عمله الجديد، وصلت أمامه وهى تقول:- 

-عامل أيه دلوقت؟ 

وضع يده على جبينه بلطف وقال:- 

-بخير قولتلك دا خدش صغير 

خرجت “فلك” من المصعد لتراه واقفًا هناك مع هذه الفتاة، قدمت “قدر” الورود له وهى تقول:- 

-مبروك الشركة الجديد يا حبيبى 

تبسم إليها وهى تُحدثه وفور أنتهائها من الحديث وضعت قبلة على وجنته اليسري فخجلت “فلك” من رؤية هذا المشهد وغادرت، تبسم “يونس” على قبلتها ودلالتها ثم قال:- 

-الله يبارك فيكي يا قدري 

أخذها من يديها وصعد للأعلي مُتشابكين الأيادي، بحث “أنس” عليها في الشركة ولكن لم يجدها فسأل “هالة” عنها لتقول:- 

-هي مشيت وقالت هتستلم الشغل من بكرة 

أومأ “انس” إليها بضيق من مُغادرة “فلك” بعد أن انهى أجتماعه مُسرعًا قدر الإمكان لأجلها فيبدو أنه كما قال أخاها أن بداخله قد بدأ إعجاب من الوهلة الأولي بهذه الفتاة البريئة، صعدت “قدر” معه للمكتب وصافحت “أنس” برحب وهى تقول:- 

-مبروك يا أنس ، حقيقي بتمنى أشوف نجاحه وأنا متأكدة انه هيكون في أقرب وقت 

تبسم “أنس” إليها بعفوية وقال:- 

-أكيد ما دام معايا يونس هننجح 

تبسمت وهى تعانق ذراع ذراعها بيديها الأثنين بفخر شديد أنه زوجها، قال “أنس” بعفوية أكثر:- 

-أنا هسيبك بقى تتفرج على المكان مع يونس وأبقي قوليلي رأيك 

أومأت إليه بنعم فأنصرف “أنس” من المكان لتقف “قدر” أمام زوجها مباشرة وهى تقول بحماس ويدها تلمس صدره بعفوية قائلة:- 

-فرجني على المكان بسرعة وبعدها تطلبي بيتزاو.. 

توقفت عن الحديث عندما شعرت بشيء صلب أسفل يدها فنظرت إلى صدره ثم إليه بوجه فضولي بعد أن تلاشت بسمتها وقالت بتوتر:- 

-ايه دا 

تذكر “يونس” القلادة التي يحتفظ بها قُرب قلبه وظهر توتره على ملامح وجهها مما جعل “قدر” تشك بالأمر فوضع يدها في جيب سترته وهو واقفًا ساكنًا دون أن يعارضها أو يمنعها من فحص جيبه، أخرجت القلادة بصدمة وهى تحمل حرف f وهذا الحرف كفيلة أن يخبرها بانها ملك لمرأة أخرى فهذا ليس بحرفها لتتطلع بالقلادة بضيق شديد ثم رفعت نظرها إلى زوجها وقالت بسخرية:- 

-أنت مبتحرمش، مبتقرفش من نفسك 

صمت ولم يجيب عليها فصرخت بأنفعال شديد وهى تقول:- 

-أيه ذيل الكلب عمره ما بيتعدل  

تتطلع بها بضيق شديد وحقًا هذه المرة لم يرتكب أي خطأ ولم يخونها مع امرأة أخرى، ألقت بالقلادة في وجهه وهى تقول:- 

-مش كفاية عليا أنك مريض وأنا قلت معلش دا مرض وأستحملي كمان خاين  وكداب، لحد امتى هفضل أستحمل نجاستك وقذرتك، أيـــه مبتشبعش .... 

كان على وشك فقد أعصابه وسيطرته عليها وهى تحدثه هكذا ولحسن حظه أن زجاج المكتب كاتم للصوت إلا كان الآن جميع المؤظفين سمعه كلماتها وقبل أن يجيبها أستوقفه صمتها عن الحديث عندما فقدت الوعي بين يديه من قوة أنفعالها وصدمتها، أتسعت عينيها بصدمة وهو يراها بين ذراعيها فاقدة للوعي ولأول مرة تُهزم “قدر” فدايمًا قوتهاة وشجاعتها هما درع حمايتها وصمودها أمامه....... 

 
                    الفصل الرابع من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة