
بقلم نور كرم
هــــــنـــــد"!؟
قالها بصدمه وهو بالكاد لا يصدق أنها أمامه بحق، كم كان حلم فقط بأن تعبر قدماها باب مكتبه!
أعادت خصلاتها السوداء المموجه بحترافيه للخلف، وهي تخطو إليها بخطىّ ثابته وكأنها إحدا عارض الموضة،
عالت أبتسامة زائفة فوق ثغره المكتنز بأحمر الشفاه
الامع (ليب جلوس) ومدت يدها بترحيب وهي تقول:
_ عامل إيـه يا عاصم بيه!؟
رمق كفها الممدود... وهيئتها الخاطفة لأنفاس عاشقًا مثلُه، هاجت أنفاسه وكأنه يركض بلا هويدا، ورفع كفه المرتجف بمثل رجفة قلبه لـ يحتضن راحتيها بين كفيه بترحيب قائلاً كـ المسحور أمام مقتلاها:
_ أنتِ هنا بجد!؟.... أنتِ هند!؟
اذدرادت ريقها وحمحمت بحرج وهي تبعد يدها... فلوهلا شعرت بالأشمئزاز من لمسته وكأنه ملوث... ولكن بحق فهو ملوث بدمى الأبرياء!
خرجت الحديث من شفتيها بخجلاً طفيف ولكن مصطنع:
_ أيوه أنا... شكلك مش حابب مجيتي دي يا عاصم بيه بعد إذنك!!؟
كادت أن ترحل إلا أنه، وقف أمامها مددًا ذراعه امامها هاتفًا برجاء تعجبته بشدة وكأنه طفلاً يتوسل الي ولدته:
_ لا يا هند أرجوكِ أنـا مصدقت إنك جيتِ!.
أتفضلي، أقعودي... تحبي تشربي إيه.. قهوه.. عصير... لاتيه.. او أقولك نتغدى سوا أحسن!!
_ إيـه... إيـه ده كله؟!..
لا قهوة ولا عصير ولا حاجه!
قالت بهدوء مرتبك،لـ تضيف ضحكةٍ رقيقة جنانته قائلةٍ:
_ أنا جيت أتكلم معاك مش أكتر!
لم يُصدق ما تسمعه أذُنيه... فهوّ يعلم بأنها لا تحبُه ولا حتى تستلطفه... فلما كل هذا التغير الذي سيجعله يبتلا بالشلّل، من كثرة ما يشعـرُ به من مشاعرٌ مضطرابة!
جلست والخوف بعينيها، ولكنها حاولت مدرته بإبتسامة هادئة حالت محياها الرقيقة والمزينه برقة تشبه الفراشات... وبعضٌ من لامسات المستحضرات التي بلغتها رقة وأنوثى، تقسم بأن يومها هذا لن يخطوّا بسلام إن
رأها... مجنونها الخاص... غادرت البيت دون أن تُخبره حتى
لكن ماذا يجب عليها أن تفعل، فمن لما رأت دموعه وهي منهارة على حاله الذي تبّدل وذبل، يغدو هادئً ولكنها تعلم، بأن بداخله حربٍ ما بين قلبه الذي يقتلـه ألمٍ، وعقلًا يوبخهـوا عمدًا علي ما لم يصدقه...
أعادت خصلاتها المتمرده وأستفاقت علي جملته المحملا، بالأنبهار والشوق:
_ مش قادر أصدق إنك قدامي فعلاً، حاسس إني بحلم!؟
رنّت ضحكتها الأنوثية بخفى، كادت تقتل قلبه الولهان
وقالت بهدوء:
_ لا أبدًا، أنا حقيقة أوي وقدامك أهو!!
_ صدقيني الشركه والمكتب وكله الدنيا نورت، لما زورتني هنا يا أمرتي!!
قال بحبٍ خالص، لم تعرف لم تقزازت نفسها من كلماته... ألانه مجرمًا قاتلاً ومذبحًا للأبرياء، أم لأنه السبب الأساسي بقتل زوجها عمدًا وحرمنها منه لـ لليالي وأيامً الله وحده من كان يعلمها... ويعلم كم عانّت أيضًا!!
أم لانه سببٍ لمعناة زوجها وحبيبها الحالية والذي تسبب سعلوقٌ مثله، بأهباط عبراته بألم وحسرة علي من فقد.... من أحبته!!!
الف سؤال يدور برأسها، ولكن لم يشتعل بخاطرها غير فكرة الأنتقام... حيثُ واقفت من مرقدها، تحت نظراته
المتعجبه والمنبهرة
لـ توقف قلبة بحركتها العفوية ولكنها مرصوده..
وهي تجلس علي حفَّة مكتبه الوثير، والمحملاً بصورٌ كثيره تـخوص أوناس أفتقدهم قلبه !!
مسكت أحدهم وهي ترمقها بإبتسامه زائفة... فكان الايطار بين يدها يحمل آمرأة في غاية الرقي والجمال... عينها بلون الرمادي وجهه هادئً ومريح للغاية.. كانت خصلاتها مصفوفه علي جبينها بعنيا... تعجب من فتنتها بشده وخرجت الكلمات من جوفها تحمل بعضًا من الأنبهار قائـلة:
_ الله... مين الست الحلوة دي!؟
_ أمــــــي!
ردّ بحزن بدا على محياه، فهو حقًا يشبها كثيرًا... هو وسيمًا جدًا ولحدًا كبير، حتي أنه يتخطها جمالًا...
واضعت الإطار فوق المكتب من جديد... وبحركة منها وقع على الأرض مهمشًا...
لم تجد غير عيناه الجاحظه وهو يهبط الي مستواه يلملم
زجاجه المفتفت الي قطعًا صغيرة..
رغم ما لاحظته من ألم داخل مقتلاه، إلا إنها لم تشفق عليه لثانية فقط كانت تُطالعه ببرود قاتل
وكانها تتوعد له بأنه أول خيطٍ ينزف داخله منها
حملت محياها حزنٌ زائف وهي تقترب منه وتهتف:
_ يلهوي أنا... آسفة أوي مكنتش أقصُد... أبعد وأنا هلمهم... حقك عليّ!!
زافر بضيقٌ حاول أخفاءه ولكنه لم ينجح، فهذا الإطار... آخر ما تبقى من رائحة ولدته العزيزه...
اندفع يهتف بهدوء، راغم ضيق عيناه:
_ كنتِ جاية ليه يا هند!؟
لم تنكر بأن قلبها هُز بعنفٍ وخوفٍ داخلها، ولكنها تغلبت علي خوفها وهي تقترب خطوةٌ منه بهدوء،
تُطالع عينه ببراءه زائفة، ولكنها سلبت آخر ما تبقى من عقله...
فـ من يطالع تلك العيون الريميه ولا يغتاب عن هذا العالم بأكمله!
وقالت بهدوء جعل قلبه ينفجر داخلها:
_ أنا وفقت علي أننا نتجوز يا "عاصم"
اخلص عدتي... وأنا وإنت نتجوز!!
جحظت عينه بصدمه، ووقف أمامها جاحظ العينان كمان دقوّ بقدميه مسامير، ظلت شفَتيه فقط متفرقه وكأن الزمن قد توقف من عنده علي آخر ما أردفت بكل بساطة!
رد بتلعثمٍ مصدومًا لا يصدق ولا يعي لما تقول:
_ أنتِ قولتي إيـه؟.... تتجوزيني...؟! دي حقيقة أنا سمعت صح مش كده؟
أبتسمت أبتسامة واهنه، وهي تهز رأسها بتأكيدٍ تام وقالت:
_ أكيد.. أنا قولت كده... قولي رأيك إيه لسه عايز تتجوزني يا عاصم!؟
_ أنتِ مجنونه دي أكيد!!
قال بمنتهى السعادة، حتي أوشك علي ضمها إلا أنها أرتدَّت خطوةٌ للوّراء... وقالت بإبتسامة زائفة ودلال جعل قلبه ينفلت من بين أضلعه :
_ لا إنتَ بتعمل إيـه، لما نتجوز الأول... ساعتها هيبقا كلي ملكك!!
أستدارت بهدوء، وهي تبتسم بهدوء وقالت:
_ وبما إنّي عدتي لسه مخلصتش... هتبقا مجرد خطوبة قدام الناس كلها... قدام الناس كلها هبقا ملك يا عاصم!!
طرق قلبة بعنفٍ حتي أن عينه قد ادمعت بفرحة عارمة، لـ تنطلق كلماته مصدومه محملا بالعشق الخالص:
_ أنا مش قادر اصدق أن البنت اللي بعشقها جت لعندي عشان تقولي الكلام ده بنفسها!!
مش قادر اصدق إنها هتبقا مراتي.... أنا بحبك أوي يا هند بحبك أوي!!
قالها وهو يحاوط ذراعيه بين
قبضتيه يرمق عينيها المرتبكه بعشق وتوهان، وكانه يقف أمام الوحات الفنية...
ارتعش جسدها آثى لمسته علي ذراعيها،
حتي وأن باتت بريئة ولكنها تشمئزا فقط من رائحته ما بالك لمسته...!
أبعدت يدّه برتباك، وهي تبتسم لـ تهتف آخر كلماتها بهدوء وخجلًا طفيف جعلها كـ حبة الفراولة:
_ بعد إذنك بقا يا عاصم بيه... لازم أمشي... أحسن انا مقولتش لماما إني جاية هنا!
_ أستني أوصلك!؟
قالهاوعلي عجله، إلا أنها منعاته بلطفٍ قائله:
_ لاء... شكرًا أوي!!
ثم أضافت بدلال لم يعتاده، وهي تبتسم بهدوء تلك الابتسامه التي يعشقها حقًا:
_ وبعدين أنا مش عايزه حد يشوفني معاك...دلوقتي... عشان لما نعلن خطوبتنا... تبقا ضجة كبيره تفاجأ الناس كلها!!
أتسعت أبتسامتة ورفرف قلبة بسعادة عارمه.، فهي تفكر به حقًا!
لـ يُبدلها بحبٍ كبير وقال:
_ عندك حق... طيب... هو أنا هشوفك تاني أمتى!!
_قريب أوي يا عصومي!!
قالتها بدلال وهي تلقى له، قبلةٌ في الهوا... لـ يقف أمامها مثل المسحور
يُطالعها بعشقٌ ولهفة تتقفز في عيناه فرحًا...
لم يسألها عن سبب تغيرها هذا ولكن لا يهمه شيئًا الأن فهي الآن بين يداه ماذا يريد أكثر... بل وهي من جاءت له بكل أردتها...
فأكثر ما يطمنه أيضًا بأنه متاكدًا تمامًا بأن "علي" قد مات
فلا شيئًا يهابُه ولا حتى يخاف منه!!
جلس فوق كرسيه بفرحةٌ شديدة لا يصدق بأنها كانت هنا بل ووافقت علي الزواج منه...
يا الله أن كان مجرد حلم فلا أريد الأستيقاظ منه!
• • • •
وفي منزل "هند"...
كان يجول بالمنزل ذهابًا وإيابًا كـ المجنون... فمن. من أن أستفاق من غفوته وهو يبحث عنها.. يتصل ولا ردّ
قلبها ينهشه خوفً عليها لم تخبره بأنها ستذهب لـ إي مكان
_وبعدين يا علي مش بترُد!؟
قالت ولدتها بقلق وخوف شديد، اـ يزفر هو بغضب قائلاً بحيرة أشعلت قلبة:
_ لاء يا طنط.... أنا مش عارف هي راحت فين... خلاص مفيش خيار تاني أنا هدخل البس واروح لـ عاصم الكلب واللي يحصل يحصل!!
_ لاء يبني أستهدى بالله هيقتلوك!!
ردت ولدتها بخوفٍ بدا علي محياها المذعوره، لـ يتنهد هو بيأسٍ وقلة حيله قائلاً:
_ معنديش حل تاني يا أمي!!!
لازم اروح هند أهم مني ومن إي حاجه!
ولكن في لحظه قطعت صمت المكان.
صوت باب شقتهم الذي انفتح بهدوء، لـ تدلف هي منه بكل برود وكأنها لم تشعل قلبه وعقله بالخوف عليها،
لـ تجده يخطوا إليها بغضب هدرٌ بوجهها:
_ أنتِ كنتِ فين يا هانم، وإزاى تنزلي من غير متقوليلي... إزاي متبقيش شايله الهم كده وأنتِ عارفه إني مينفعش انزل عشان الرجاله اللي تحت البيت....
أنطقي ساكته ليه!!؟
رمقته بعينان دامعه وهي تتأوه من قبضته التي أعتصرت يدها بقوة، لـ تهتف برجاء:
_ آه يا على إيدي... أبعد وأنا هقولك علي كل حاجة أنا آسفة والله!!!
حاوط ذراعيها بعنف وهو يهزه بقوه، وصاح بوجهها بغضب:
_ تقوليلي إيـه... أنا لولا إنك دخلتي كنت هروح لعاصم... مفكرتيش فيّ ليه وأنا هعمل إية...
لما أصحى من النوم ولقي مراتي مش موجوده ولا قايلالي ولا قايله لـ أمها حتى تتطمن قلب الكلب اللي جنبها بكلمه.. تقولي إية هااا!!
دفعها بقوة وغضب، قبل أن تنفلت أعصابه أكثر،ويفعل شيئًا أخر يندم عليه كليهما...
ولڪن غضب قلبه يعمي عيناه بشدة، يعلم بأنه يؤلمها ولڪن لا يُضاهي حجم الخوف والألم بدخله
عاد إليها وهو يأمرها بصوتٍ حاد:
_ أنــطـــقــــــــي حالاً أنـتِ كُــنــتِ فــيــن؟
_ ڪُ... ڪُنت عند عاصم!!!
صرخت بوجهه، لـ تتابع بالم وكأنه هو من اخطى بحقها وليس العكس:
_ أرتحت ڪـده!!
_ عــــــاصـم!
قال بصدمه، قبل أن يجن جنونه مقتربًا منها حاوط ذراعيه بعُنفٍ مرةٌ آخرى وعاد ينفجر بوجهها:
_ بتقولي إيـــه!! إية اللي وداكي عنده وإزاي متقوليلش قبل متنزلي أنتِ مجنونه؟!... إزاي تروحي عنده برجلكِ؟
أفتـ.... أفترضي كان عملك حاجه؟ أفترضي كان أذاكِ ڪنت هعمل إيـه... أنا ڪُنت هعمل إيه مفكرتيش فيّ!!؟
_ ميعرفش يعملي حاجه... إنتَ عارف كويس أوي أنه مستحيل يأذيني... مش زايك... جي تتهجم عليّ من غير متفهم حاجه وكمان بتلومني وأنا عملت ڪده عشانك... وعشان وجعك ووجعي عليك!!
صراخت بوجهه بندفع، حطم قلبه حقًا ڪل مفعله لاتوه من فرطة خوفه عليها! وهي من تعاتبه هي من تركته معلقٌ بين الخوف الذي ينهشه والالم الذي يزداد أضعافٌ ممُثلا!
لم يضف كلمةٌ آخرى فـ الأن هي تضعه بوجه مقارنه بينه وبين ذاك الحقير القاتل... اتقصد بأنه يحبها أكثر منه أم أنه يغار عليها ويخاف أكثر منه..
أستدار وذهب من أمامها بخطىّ تطوي الأرض أسفله، فلم يكن صمته إلا ألم بدا علي محياه، والتي لاحظته هي لـ تستفيق بلحظه الأخيرة علي ما قالت... حاولت منعه من الذهاب بتبريرٍ:
_ علي أنـ....!
ولكنه لم ينعتها أهتمام.... بل ذعب من امامها حملاً ثنايه قلبٍ محطم...
رمقت طيفه بألم وحزن، لـ تقترب منها ولدتها لكزتها بكتفها الأيسر وهي توبخها بغضب:
_ إيـه اللي أنتِ قولتيه ده... الواد كان هيموت عليكِ، لو مكنتيش داخلتي كان هيلبس ويروح لـ زفت التاني... كان هيضحي بحياته عشانك... وأنتِ جايه تحطية في مقارنه!!
بينه وبين واحد حقير!!
_ يا ماما والله مقصد... هو مدنيش فرصه اشرحله.... وهجم عليّ زي المجنون!!
قالت بتبرير حزين، لـ تتنهد ولدتها بعمق وضربة رأسها بخفة وهي توبخها:
_ ما من خوفه عليكِ يا هبله، وبعدين هو عنده حق إزاي تنزلي من غير متقوليلو!!
_ يوه بقا يا ماما كنت عارفه إنه مش هيردى ينزلني من خوفه!
قالت بنفاذ صبر ضيقٌ شديد،لوت الأخرى شفتيها بستهكار وردت ببرود:
_ طيب يختي خوشي يلاا..... صلحي جوزك وبراحه هااا مش تصرخي في وشة وتقوليلو معرفش إيـه!!
_ بس هو مش طيقني دلوقتي، أنا هدخله بعدين!!
هتفت برتباك، لـ تردف أمها بأصرار أكبر:
_ بت متعلليش الضغط... خوشي اعتذري منه وبوسي رأسه... ده كان هيتجنن عليكِ!!
زفرت بحنق، لـ تدفعها ولدتها بخفة وهي تقول:
_ يلا روحي.... يباي عليكِ راسك ناشفه زي أبوكِ..
ذهبت من أمامها، لـ ترمق الأخرى السماء بعينها وقالت برجاء:
_ يا رب صفيهم علي بعض وأحرسهم دول ملهمش غيرك...
ثم تابعت بحزنٌ طفيف، أبتسامة واهنه فوق ثغرها وقالت بنبّرة مشتاقة:
_ يااااا الله يرحمك يبو هند... يحبيبي يلي من بعدك مشوفتش حد في حنيتك.. ولا في خوفك عليّ وحبك ليّ، طول عمري كنت بدعي لـ هند أن ربنا يرزقها براجل زيك.. يحرصها ويحطها في عينه وأديه أهو شايفه قدام عيني بيحبها وبيخاف عليها زيك بظبط...
جففّت عينيها بألم وهي تضيف أخر كلماتها برجاءٍ منكسر: _ الله يرحمك يا حبيبي... الله يرحمك يا أغلى وأحسن راجل شافيته عيني!!
• • • •
وفي غرفة هند....
كانت تقف عند الباب، تخاف بأن تخطو إليها، خطوةٌ أخرى فيبتلعها غضبه البدي علي محياه،
تنفست الصعداء، وجعلت حذاءها العال بهدوء، آهٍ كم أرتدأه مُتعب... أعادت خصلاتها بهدوء وخطت إليها بهدوء مرتبك... قلبها سينفلت من بين أضلعها شعورٌ بالذنب كاد ينهشها ألمٍ... جلست بجانبه بحذر وهي تلتفت له أعطته ظهرها وقالت بهدوء مرتبك:
_ ينفع تفكلي السوسته دي، مش عارفه أطولها!!
حول عينه بضجر، ودون النظر إليها حتى وقف من جلسته، ذاهبًا الي النافذة...
أشعل سجارته لـ ينفث دخانها بالهواء، فهي تستطيع أن ترى بأن ليس لُفلافه هو فقط المشتعل بل هو أيضًا يحترق...
تعرف بأنه يعشقها ولن يؤذيها... خطة إليها بخطىّ شبه راكضة وهي تدفن وجهها في ظهره تلفت ذراعيها حول خصره... حتى أدمعت عينيها بألم وقالت من بين نحيب صوتها المنكسر بنبَّرة يملأها الآسف:
_ أنــ... أنـا آسفة، يا على والله مكنش قصدي... كنت عايزه أساعدك لما شوفتك وإنت مكسور ملقتش نفسي غير إنّي لازم أنتقملك بأي طريقة... تقدار تساعدك!!
فلم تكن عبراتها شيئًا هين عليها، ولكنها يجب بأن تُعاقب علي ما قالت، هي وضعته بوجه مقارنه بينه وبين ذاك القاتل، كانت توبخه من أجل خوفه عليها وقلقه الذي بَّت ينهشه ويفتك به أربًا!!
أبتعد عنها بجفاء مصطنع، وجلس فوق الفراش وكأنه لا يرها...
حتى ظهر أمامه ماكنت ترتدي حتى أشتعل أكثر... من تلك الزينه التي تلفح وجهها الباكي... تبدو فاتنه" آه لقد رأها هكذا..! "
فرطِ التفكير بالأمر يجعله يشتعل...
وذاد قلبه لهفةٌ وهو يجدها تخطو إليها بخطى متردده حزينه، وكأنها أبنته التي أرتبكت خطئٍ مفضح وجاءت للتعتذر!
جلست علي طرف الفراش، وهي تصدر شهقاتٍ قوية، ويزداد نحيب صوتها وهي تهتف برجاء كـ الأطفال:
_ أنا آسفة يا على، ونبي خلاص سمحني... مكنش قصدي إني أزعلك كده.. مكنش قصدي إني أعمل حاجه من وراك بس كنت زعلانه عليك!!
_ زعلانه عليّ، ليه وهو أنا من الوليا مليش إيد ورجل اروح امسكه من ظومارت رقبته دلوقتي..
بس في حاجه اسمها عقل يا ست هانم... في حاجه اسمها أعقل اللي بعمله عشان مضيعش كل حاجه عملتها...
صاخ بغضب بوجهها، لـ يتابع بغيرةٌ تنهس قلبه وهو يمسك مندلاً يزيح بها تلك المستحضرات علي محياها بخشونه ألمتها:
_ وبعدين إيه الروج اللي أنتِ حطاه ده؟ وشعرك... ولبسك إزاي يا هانم تروحي تقبليه وأنتِ لابسه محزق وملزق كده لاء أنتِ لازم تتحجبي...!!
بكت عينها أكثر وعلت شقاتها كـ طفلٍ وديع ونطقت بحروفٍ مهزوزه:
_ حقك عليّ والله آسفة بس متعملش كده يا" علي"!
لم يتحمل أكثر، حتى وأن لم تعاقب بعد فهي وأكثر ما يكره هو أن يرى عينها تبكي..
لم يعي إلا وهو يجتذبها بهدوء حتي أرتمت بأحضانه، أندفعت تبكي بقوة وتشهق بشده حتى أطرق رأسها من الخلف قائلاً بتوبيخ بسيط:
_ خلاص بقا منا سمحتك أهو... ولا اقولك لاء مسمحتكيش... كان نفسي أعقبك بس متهونيش عليا يا مجنونه!!!
_ أنا آسفه يا حبيبي والله مقصد!
قالت من بين عبراتها، وهي تشتدُ من ضمها لعنقه.. لـ يتنهد هو بعمق قائلاً بنبَّرة ساخره مراحه:
_ آه حبيبي.... آهي أنتِ بتعرفي تلعبي علي أوتار قلبي بحبيبي دي لوحدها...
ضحكت من بين بكاءها، وهي تبتعد عنه أنشً ترمق عينه العاشقة بحزنٌ طفيف وخرجت كلماتها متقطعه:
_ يعني دلوقتي سمحتني صح!؟
هز رأسع بتردد وهو يضيق عينه قائلًا:
_ يعني مقدارش اقولك آه... غير لما تحكلي عملتي إي وأشوفه علي هوايه ولا لازم تتعقبي...
أبتسمت بحب وهي تقبل وجنتيه بدفء، وعادت تردف بهدوء:
_ حاضر هحكيلك!!
أخذت تقص عليه كل ما حدث، وكم كان لطيفٌ فلم يشك بها حتى...
كيف أخبرته بأنه موافقه علي الزوج منه، وكم الفرحه التي لحظتها بعينيه....
أنتهت من الحديث بتنهيدةٌ عميقة وهي تقول:
_ وبس كده يا سيدي هو ده كل اللي حصل!
أشتعلت عينه بضيقٌ طفيف حاول مدراته ولكنه لاحظته بتأكيد...
لـ تقطب حاجبيها بستنكار قائله:
_ حساك مدايق من حاجه؟
مـ... مـ هي دي خطتك من الأول؟!
إنّي أقدار أخدعه بأنه موافقه علي الجوز منه بشرط أن عدتي تخلص!!
هز رأسه بتأكيد علي ما تردف، ولكنه تابع بقلق:
_ خوفي دلوقتي مش علي العملية لأننا كده بقينا مضمونين... خوفى كله عليكِ يا هند... وأنا من جوايا بولع عشان شايفه قريب منك بإي طريقة!
_ فشرت يخويا... مين ده االي يقدار يلمس شعره مني، ده لو هو مجنونه ومريض نفسي... انا هربانه من مستشفى المجانين!!
قالت بفحيح أنثى يظهر، قدر جبروت قلبها المقتول، لـ يبتسم هو بحب فهو يعرفها هي شجاعه وعنيدة ولكن يخاف بالأخير تبقى حبيبته وزوجته الذي يهاب من وحشة العالم عليها... يهاب بأن يمسها مكروه...
وهو لا يلتحق بها فتلك الأوناس خطرين جدًا..
التفت له بضيقٌ وهي تقول:
_ فكلي بقا السوسته دي أتخنقت!!
أبتسم بحب وهو يزيح خصلاتها الذي قبض عليها لوهلا وقال بتحذير:
_ شعرك الجميل ده لازم يتغطى..
مسمحش لمخلوق غير يشوفه... ولابسك الضيق ده يوسع... عشان مقطعلكيش راسك الحلوة دي!!
ابتسمت بحب وهي تردف ببراءه زائفة جعلت قلبه يلين قليلاً:
_ حاضر يا حبيبي!!
فهي لم تعترض ولن تعترض علي الأكيد... حرار فستانها حتى ظهره ظهرها العاري... بقومة المتناسق والذي يزيد بتلك الشامه الذي يعشقها بشدة، أزاح خصلاتهت وهو يدفن وجهه في رقبتها من الخلف.. طبع قبلةٌ عميقه علي شامتها المطبوعه في رقبتها،وهمس بحب في أذنيها:
_ بحب أوي الحسنه دي... شكلها مغري!!
أبتسمت بحب، لـ تلتفت بوجهها وتصبح عينيها وشفتيها في مقابل شفَتيه وهمست بحب:
_ وهي كمان بتحبك علي فكره، وصحبتها بتحبك برضوا أوي...أوي!
قَبل شفها السفليه بعمق، وهو يهمس بهدوء وبنبَّرة مشاغبه:
_ وأنا بحبك أنتِ أوي أوي، وبغير عليكِ أوي أوي... كنت هموت النهارده يا هند متعمليش كده تاني
متخروجيش من البيت غير بأذني بعد كده، مهما شوفتي منهم قذاره... لسه مشوفتيش حاجه!!
_ حاضر يا حبيبي... من عيوني لـ حبيب عيوني!!
قالت بطاعه محبة، وهي تداعب أنفه بأنفها بمشاغبة وغمزة لطيفة من عينيها،
أبتعد للخلف وهو يربط ذراعيه أمام صدره وقال بحزنٌ زائف وكانه طفلها المدلال:
_ بس أنا مليش دعوة أنا لسه زعلان، صلحيني... يلا
!!
ازاح وجهه الي الجيه، الأخر لـ تعقد حاجبيها بحزن أيضًا فقد صدقته، لـ تقترب منه بهدوء جلست فوق قدامه.. وقالت بحب وهي تقبل وجنته برقة وخفة تشبه خفة الفراشات...
وقالت بحب وعينان بريئه:
_ حقك عليا يا لولي، والله مكنش قصدي اضيقك أبدًا..
طبعت قُبلة علي خده الأخر وهي تعود وتكمل بنفس النظرة ونفس النبَّرة:
_ أنا آسفة يا لولي بقا متزعلش مني!!
رمقها بحده، وعاد يرمقها بانف شامخه وقال بهدوء وكانها أحد المذنيبن وهو الملك الذي عفى عنها وأخيرًا:
_ خلاص خلاص مسامحك.. بس!!
توقف عن الكلام، لـ تقطب حاجبيه بتعجب وتقول:
_ بس إيـه!؟
ألتمعت نظرة المكر بعينه وهو يرمق جسدها المكشوف أمامه بسخاء خاصةٌ، عندما أختلعت ذاك الفستان الذي يعيقه عن النظر لمنظره المحبب، وهمس بنبّرة لعوبه أمام شفتيها بينما هو يضغط علي شِفَيه السفلية براغبه:
_ لازم تراضني بطريقتي المفضله!!
أبتسمت بأبتسامه شغوفة وهي تتعلق بعنقه أكثر وقالت بحماس ونبّرة يحملها العشق الخالص:
_ منحرف بس بحبك!!!
ضحكته العذبة والرجولية داوت أرجاء الغرفة، لـ تعيد خصلاتها بدلال الي الخلف وكانها معزوفه تلعب علي أوتار قلبها المتيم به حد الصميم، داعبت انفها بأنفه وقالت بمشاغبة:
_ بتحبني يا لولي!!!
أزاح حملاتها الخاصة بذاك التوب الذي ترتديه، لـ يظهر عنقها المرمري بسخاء دفن وجهه بها وهمس بعشقٌ جارف: _ بجنون... بحبك بجنون يا مجنوتني!!
جذبته الي أحضانها ، وهي تتلذذ بانفاسه الخشنه الساخنه تلفح عنقها بأكمله... لـ تتبابع بتوهان أمام عينه الشارده:
_ بتغير عليّ؟!
جذبها أسفلة فـي لحظه!
بعد أن أزاح عنها سيابها كلها ، سبت يدها بجانبي رأسها ومال يلتقط شفتيها بعمق شديد، وعاد يهمس بجنون:
_ بغير عليكِ...دانا بموت عليكِ...ده لو حد حاول يبصلك بصه أدفنه صاحي!!
أبتسمت بحب، وحرارت إحد يدها من قبضته، لـ تمسك لايقة قميصه وهي تحرار أزرازه بسرعة.... متلهفه بالراغبه
والتوهان به هو فقط!
خلعت عنه قمصيه، ومن ثم حاوطت عنقه بذراعيه وفي لحظه كانت تجذبه إليها بقوة، تلتقط شفتيه بعمق... قبلةٍ شغوفة كان كلاً منهم يبدالها للآخر بجرأه
أبتعد عنها بأنفاس لاهثه لـ يهمس بمشاغبة يملأها الشغف والحماس بالراغبه بالفتاك بها:
_ مجنونه بس بعشقك!!!
وعاد ينقض علي شفتيها من جديد!
• • • •
وبعد مرور أيامٍ بسلام…
مرّت الخطة عليهم بسلامٍ كذلك. كانت تخطو بخطواتٍ شبه راكضة نحو مكتبه، ، لكنّها توقفت فجأة في مكانها، تجمّدت تمامًا مثل صنم، حين تسلّل إلى أذنها صوته الحادّ والغامض يتسرّب من خلف باب المكتب:
_ التسليم يوم 25 في الشهر ده يا باشا ولا تقلق… في شمال سيناء… بس بصراحة مش هقدر أكون موجود، هتكون خطوبتي!
قالها بسماجة، قبل أن تتعالى ضحكاته الخشنة، المفعمة برجولةٍ وطيشٍ وهو يهتف شاكرًا:
_ الله يبارك ليك يا باشا… صراحة بعد التسليم نويت أعتزل… لأني هتجوز إنسانة محترمة، مش حابب لما نتجوز تعرف أي حاجة عن شُغلنا ده.
وبعدين أنا بعد العملية دي هقدر أكسب ملايين، أقدر أسافر بعدها وأأمّن نفسي كويس جدًا!!
جحظت عيناها، وتراجعت خطوة للخلف وقد تسلّل الفزع إلى أوصالها. وقفت لثوانٍ تتنفس سريعًا، تحاول لملمة أفكارها. لقد نجحت… خطتها نجحت. والآن أصبحت تعرف موعد التسليم…
لكن على أين؟ على أين؟!
رغم أنه يقبع أسفل الشركة متنكرًا في زي عامل نظافة، يراقب كل شيء خوفًا عليها… انسحبت هند إلى زاوية خالية، ويدها ترتجف وهي تُخرج هاتفها. عبثت بأنامل قلقة تبحث عن رقمه، ثم ضغطت زر الاتصال. جاءها رده خلال ثوانٍ معدودة، ليزيد قلبها اضطرابًا:
_ علي أنت فين… أنـ… أنا قدرت أعرف مكان التسليم يا علي!
_ هند…
هدر صوت عاصم من خلفها كالصاعقة، فارتجف جسدها كله، واتسعت عيناها قبل أن تلتفت نحوه ببطء، محاولة إخفاء ارتباكها:
_ عاصم!!
_ حبيبتي… بتعملي إيه هنا!؟
قالها بنبرةٍ مُحبة، نبرة أشعلت غضب الآخر الذي أغلق الخط فورًا حتى لا تقع في خطرٍ آخر هي في غنى عنه. اتسعت ملامحها دهشة لثوانٍ، قبل أن تضع يدها على صدرها محاولة ضبط أنفاسها، وتردّ بصوتٍ مرتعش:
_ أبدًا… كنت بدوّر على الحمّام… بس مش عارفة هو فين!؟
كذبتها كانت ساذجة لكنها مقنعة. ابتسم لها بحنانٍ وهو يقترب، يحيط ذراعيها بذراعيه، ويقول ضاحكًا بسخرية لطيفة:
_ حبيبتي… جايّة للآرشيف تدوري على الحمّام…
ابتلعت مزحته بمرارة؛ فهي لا تطيقه، ولا تحتمل اقترابه. ومع ذلك أخفت ضيقها، وأزاحت يده برفق وهي تتمتم:
_ ما أنا معرفش فين الحمّام… أول مرة أدور عليه!!
كان يتعجب دائمًا من صدّها الدائم له، كلما حاول لمسها ابتعدت عنه ببرودٍ قاتل، لا تعلم أن هذا الشيء يطعن قلبه، خاصةً وهو يدرك أنها لا تعشق قربه مثلما يعشقها هو.
تنهد بعمق وقال بنبرةٍ تحمل دفئًا لا تستطيع احتماله:
_ تعالي يا مجنونة، أودّيكِ الحمّام!!!
ازداد اشتعال وجنتيها بخجلٍ خفيف، لكنها لم تجد بُدًا من اتباعه بخطواتٍ متزنة كي لا تثير شكّه.
أوصلها إلى باب المرحاض، فدخلت مسرعة. وقفت أمام الصنبور، مدت يدها لتبلل رقبتها، أنفاسها المتلاحقة تكشف عمّا خاضته قبل قليل وكأنها كانت تُركض بلا هوادة. أغمضت عينيها قليلًا، ثم فتحت حقيبتها لتخرج هاتفها… لتجد رسالة جديدة من علي:
_ هند طمنيني… إنتِ كويسة؟
رفعت الهاتف وسجّلت بصوتٍ تحاول تثبيته رغم ارتجافه:
_ أيوه يا حبيبي بخير… متخافش. للحظة افتكرت إنه سمعني وأنا بقولك على وقت التسليم… بس مش مشكلة، لما أروح هبقى أقولك على كل حاجة!
استمع لرسالتها وزفر براحة، قبل أن يردّ:
_ تمام يا حبيبتي… أنا مستنيكي تحت أهو.
لو في أي خطر اتصلي بس!!
تفاعلت على رسالته بقلبٍ أحمر، ونظرت إلى انعكاسها في المرآة، تُرسل زفرات طويلة وتحمد ربها مرارًا. للحظةٍ ظنت أنها انكشفت هي وعلي… لكنّ الله ستر.
• • • •
وفي المساء، أعادها عاصم إلى البيت.
وما إن توقفت السيارة أمام منزلها حتى أسرعت هند تفتح الباب لتنزل، كأن الهواء خارج السيارة أرحم على صدرها من البقاء معه دقيقة إضافية… لكن يده امتدت سريعًا، تمسكت بيدها، ليجذبها نحوه بهدوء مشحون بشيءٍ لا يفهمه سواهما، وقال بنبرةٍ مفعمة بالحب:
_ رايحة فين؟ مش هتودعيني!!! ولا حتى تعزّميني على حاجة!؟
رفّت عينها للحظة، بحثت في ذهنها سريعًا عن كذبة جديدة. آه… إن الوقت معه يمرّ ببطءٍ خانق، وخاصةً حين تضطر لاختراع كذبة كل دقيقةٍ والأخرى كي تُبعده عنها دون أن تثير شكه.
تباطأت في سحب يدها منه، ونظرت إليه بنظرة مرتبكة تحمل ألف تبرير، ثم قالت:
_ إنت عارف إنه مينفعش تطلع… عشان ماما مش موجودة.
وكمان أنا… قاعدة لوحدي يعني… وست… والجيران! انت فاهم بقى!!!
هزّ رأسه بتفهم ظاهري، خطوة منه للأمام كانت كفيلة بأن يقترب من وجنتها، حتى أوشك أن يطبع قبلة خفيفة عليها…
لكنها ابتعدت بسرعة، كمن لُسع بنار، وقالت بنفورٍ حاد:
_ إنت بتعمل إيه لو سمحت يا عاصم!؟
قلتلك مليون مرة… مينفعش كده!!
أنا وإنت مينفعش يحصل بينا حاجة غير لما نتجوّز!!
ازدادت نظراته اشتعالًا، وكأنه كلما ابتعدت، ازداد رغبةً في الاقتراب. أما هي فلم تمنحه فرصة الرد، دفعت الباب وخرجت من السيارة بسرعة، مغلقة إياه بعنف…
وقف في مكانه للحظات، مستغربًا حدتها، يحاول فهم سبب كل هذا الهروب.
تحرك ليلحق بها، لكنّها ركضت إلى الأعلى بخفةٍ اضطرابها، تاركة خلفها عطرًا خفيفًا وقلقًا أثقل الهواء.
زفر بعمق وهو يراقب ظلها يصعد الدرج، ثم رفع حاجبه بابتسامة يشوبها العناد، وترك الكلمات تغادره كلها يقين:
_ مش مهم دلوقتي…
هخليكي مراتي قريب قوي، وساعتها… مش هتقدري تهربي كده… يا مجنونتي!!!
(هي البنت هند دي مجنونة كل الشوباب ولا إيه؟ أنا شاكه فيكِ 😂😂😂😂!)
• • • •
بعد مرور ساعة من عودتها…
كانت هند تجلس أمام علي، تحدّق به بتعجبٍ واضح.
فمنذ أن أخبرته بوقت التسليم وهو لا يهدأ، يجول أمامها ذهابًا وإيابًا، خطواته متوترة، وأنفاسه متلاحقة، كأنه يبحث عن حل في الأرض التي يمشي عليها.
رفعت صوتها أخيرًا، وقد ضاق صدرها من كثرة التفكير:
_ وبعدين يا علي هنعمل إيه دلوقتي؟ كفاية كده، ولا هفضل ماشية لي الكذبة دي!؟
قالتها بنفاد صبر، بينما جلس هو أمامها أخيرًا، واضعًا يديه على ركبتيه، ثم تنهد بعمق وهتف بفتورٍ ثابت:
_ لاء يا هند… لازم نفصّل في الخطة لحد يوم التسليم!!
ارتجف قلبها قليلًا، وشعرت أن القلق يلتف حولها من كل جهة، ليخرج صوت والدتها المرتبك من خلفهما، وهي تعبر عن خوفها الحقيقي:
_ وبعدين يا ابني… هنعمل إيه يعني…؟
تنهد علي مرة أخرى، وكأنه يحاول أن يهدئهما معًا، وقال بهدوءٍ محسوب:
_ مفيش يا طنط حاجة مخيفة… هي هتفضل معاه لحد يوم التسليم… مش أكتر!!
تنفّست الأم من جديد، زفرة طويلة امتلأت بالتوتر والتسليم معًا.
لكن…
ولم يكد الهدوء يستقر في المكان، حتى قطعه طرقات خفيفة على باب الشقة.
التفتت الأم نحو الباب، ثم قالت وهي تقف من مكانها ببطء:
_ دي أكيد أم شروق… بتخبط عايزة الحاجة بتاعتها.
هزّت هند رأسها موافقة، وظلّت تراقب أمها وهي تغادر الغرفة متجهة نحو الباب.
لكن…
ما إن فتح الباب، حتى اتسعت عينا الأم بصدمة حادة، تجمدت في مكانها تمامًا، وكأن الهواء توقف عن الحركة حولها.
هناك، واقفًا أمام العتبة…
كان عاصم.
نظرته كانت ثابتة، ولكنها حاده متعجبه من توجد ولدتها أمامه
خرج صوت الأم متقطعًا، مصدومًا لا يكاد يُسمع:
_ عاصم بيه…!؟
يتبع