
مهند: كنت واقف وهي عمالة تعيط وتصرخ وبتنادي على ستي. واقف مش قادر أقولها حاجة ولا عارف أعمل إيه. لو سمحتي يا آنسة، اهدي شوية، حرام اللي إنتِ بتعملي ده.
دهب رددت عليه ودموعي على وشي زي ماء من النار، نزلت تحرق كل حتة في جسمي. رديت بكل قهر وحزن علي ستي والحضن الحنين الوحيد اللي كان في حياتي.
_ومش حرام اللي أنا فيه؟ أنا ماليش حضن غيرها، ما فيش حد بيقولي «ما تخفيش يا دهب، أنا معاكي» غيرها، وما فيش حد بيطبطب على قلبي بكلامه غيرها. وهي كمان راحت وسبتني — هي كمان خانتني واتخلت عني.
مهند: سمعت كلامها، مش عارف ليه حاسس بوجع كل كلمة هي بتقولها. ما حسّيتش بنفسي غير وأنا خدتها في حضني وبحاول أحسسها بالأمان: «ما تخفيش يا دهب، أنا موجود وهفضل دايمًا معاكي، أنا مش هاسيبك». مسحت لها دموعها وبصّت ليّ باستغراب.
دهب: إنت مين؟ أنا ماعرفش إنت مين فعلاً، بس حسيت براحة كبيرة لما أخدني في حضنه. حسيت بالأمان فعلًا، زي ما يكون كنت عايزة حد يحضنّي ويقولي الكلمتين دول فعلاً.
مهند: أنا مهند، وأنا آسف علشان قربت منك بالشكل ده، بس ماكنش عندي حال تاني غير كده علشان تهدي حضرتك.
دهب بصت له وسكت وسيبت دموعي ترد بدالي.
مهند: إنتِ مين وفين أهلك علشان أوصلك ليهم؟
دهب: أنا دهب… والست— ماقدرتش أنطق الكلمة وفضلت أعيط. هو رد كأنه فاهمني.
مهند: البقاء لله وحده يا آنسة… بس الناس اللي أخدوا الست قالوا إنهم مش يعرفوكِ.
دهب: إنت بتقول إيه دي؟ ستي أم أمي وهي اللي مربّيتني هي وجدّي وخالي إسلام!
مهند: غريبة… ما هم بيكونوا أهلها ليه قالوا إنهم مش يعرفوها؟ ما حبيتش أوترها أكتر. طيب ممكن أنا اللي ما سمعتش كويس؟ اتفضّلي علشان أوصلك.
دهب مسحت دموعي وعدّلت الطرحة. الممرضة جات وشالت المحلول من إيدي، ومشيت معاه. ما أنا ماعرفش هو مين بس مرتاحة ليه، واتمنيت لو يفضل جنب مني… بس مين بيتمنى دهب؟ وطول الطريق دموعي ما نشفتش.
مهند: يا آنسة، تحبي أجيب لكِ حاجة تشربيها؟
دهب: لا، شكرًا.
مهند: مافيش داعي للشكر، ده واجبي.
وسكّت، وماكانش في صوت غير صوت عياطها ودموعها اللي نزلت. مش عارف ليه مش قادر أشوف دموعها. وبعد وقت وصلت القرية. فين بيتك يا آنسة؟
دهب: كنت قاعدة أفكر في ستي لما كنت قاعده معها، افتكرت كلامها وضحكتها، افتكرت دموعها اللي كانت بتنزل على دموعي، افتكرت كل حاجة كنت بعملها أنا وستّي. وفقت من تفكيري على صوت جنبِي: "دهب؟ ها، معليش بتقول إيه؟ ماخدش بالي."
مهند: كنت بقولك فين بيتك علشان أوصلك؟
دهب (بصيت حوالينا): ما أنا مش واخدة بالي إن إحنا بقينا في القرية. لا، اكتر خيرك لحد كده تشكر. نزلّني هنا وانا هاروح لوحدي. كفاية كده، وأنا بشكرك على كل حاجة.
مهند (مش عارف ليه زعل): لمّ تخيّلت إنّي مش هشوفها تاني، وماخدتش بالي أنا بقول إيه. لا، أنا مستحيل أسيبك.
دهب (بستغراب): مش فاهمة.
مهند: أنا قصدي إني مش هسيبك تنزلي وإنتي في الحالة دي. لازم أوصلك لبيتك وأطمن إنك كويسة ومع أهلك.
لقتها بصت باستغراب، بس أنا قلت لها إيه وأنا حتى مش عارف إيه اللي بيحصل. سبتها وبصيت من شباك العربية، وبعد شوية لقيتها بتقول: "هو أنت اسمك إيه؟"
مهند: بصيت لها: "أنا مهند محمد خطاب."
دهب: "إنت مش من هنا، صح؟"
مهند: "لا والله، أنا مش من هنا. أنا من مكان بعيد شوية عن هنا. أنا جاي علشان أشتري أرض العنب."
دهب: "هو أنت اللي هتكون مالك الجنينّة الجديدة؟"
مهند (بستغراب): مالك إيه؟ لا، أنا هاشتريها بس.
دهب: ما هو أي حد بيشتري جنينة العنب دي بنقول عليه مالك الجنينة.
مهند: آه، بس أنا بعد ما أشتري الأرض دي أنا هاشيل العنب ده كله.
دهب: إنت بتقول إيه؟ إنت عايز تشيل العنب ليه؟ ما تسيب ده؟ نص القرية مش بيأكل عيش غير منه، حرام عليك تقطع عيش الناس دي كلها.
مهند: بصيت عليها، ومن نظرة واحدة وعشان خوفها على أهل قريتها عرفتها قد إيه هي إنسانة جميلة مش بس شكل، وطبع وقلب كمان. بس أنا عايز الأرض علشان أعمل مشروع عليها.
دهب: بس مشروعك ممكن يقطع عيش ناس كتير. وانت لو ربنا كرمك ورزقك من نعيمه، ما فيش داعي إنك تقطع رزق غيرك. وزي ما أنا قلتلك، بسبب الجنينة دي كل واحدة في القرية بتأكل عيش منها وبتصرف منها على عيالها. وانت ممكن تشتري أرض تانية وتعمل مشروعك عليها.
اتكلمت معاه ونسيت كل حاجة أنا فيها لحد ما وصلنا قدام البيت، ولقيت كل أهلي القرية هناك علشان عزاء ستي. ودموعي نزلت تاني من غير أي رحمة، بتحرق في قلبي. ونزلت من العربية ودخلت البيت ودموعي على وشي، وما فيش واحدة من أهلي القرية جات قالتلي "الباقي في حياتك يا دهب" مفيش حد صعب عليه دموعي، ولا واحد طبطب على كتفي وقال "شدي حالك يا دهب". آه يا ربي قد ايه الإحساس اللي أنا فيه بيوجع. لقيت خالي إسلام جاي، فكرت إنه هاخدني في حضنه، جريت عليه وحضنته. وانا بتكلم بقهر وحزن علي ستي.
"ستي ماتت يا خالي، ما بقيش ليا حد غيرك انت وجدي جمال."
لقيت خالي ذقني من غير أي رحمة.
إسلام: إنتي إيه اللي جابك هنا يا بت؟ إحنا ما نعرفكيش.
دهب (بصت على خالي ودموعي نزلت): فكرت إنه بيهزر. ضحكت: "إيه يا خالي، هو إنت من كتر الزعل على ستي استني، أنا دهب بنت نوال أختك.
لقيت خالي مسكني من إيدي جامد وشدني ورا منه من غير رحمة. بقيت أتكعبل وأقع، بس هو من غير رحمة ما وقفش ثواني حتى ولقيته جاري راميني برة البيت قدام الكل وبصوت عالي:
إسلام: اسمعي يا بت، لو شوفك هنا مرة تانية أنا هقتلك، فاهمة؟
دهب: قومت من على الأرض ومن كتر الدموع مش شايفة بعيني. "إنت بتقول إيه يا خالي؟ أنا هروح فين؟ طيب أنا ماعرفش حد غيركم معقوله يا خالي بعد ما ربتني وكبرتني ترميني؟ بالله عليك يا خالي سبني، والله هاعيش خدامة، بس سبني في البيت."
رحت عند خالي وحضنته، قلت يمكن قلبه يحن ومش يرمني في الشارع زي ما أبويا وأمي ما عملوا فيّ. بس لا، ده واحد ربنا ما خلقش له قلب؛ ذقني جامد. بس ما لمستش الأرض المرة دي حد مسكني قبل ما أقع على الأرض. بصيت لقيت نفس الشاب اللي خد ستي للمستشفى. أتصدمت من كل حاجة بتحصل، وبصيت على الشاب ودموعي في عيوني بتاكل فيهم. رجعت بصيت على خالي: "طيب أنا هروح فين يا خالي؟ أنا ماعرفش حد ولا ليا حد غيرك أنت وجدي." جريت على جدي: "بالله عليك يا جدي خلّي خالي يخلّيني أفضّل في البيت، الله يخليك." بصيت لقيت جدي أداني ميتين جنيه في إيدي وقال:
جمال: "خدي دول وارجعي عند أبوكي يا دهب."
دهب: "إنت بتقول إيه؟ هو أنا أعرف اسمه إيه؟ حرام عليكم! ليه ترموني بعد ما ربتوني؟ ليه تاخدوني من الأول؟ كنتم أرموني زي ما أبويا ما رماني وخلاص. ساعتها كان أرحم لي. آه يا ربي، هو أنا عملت إيه في حياتي علشان يحصل معايا كل ده؟ أنا بتعاقب على ذنب مين؟"
واحدة من أهل القرية: "والله يا حاج جمال أحسن حاجة إنكم أخيرًا هتسيبوا البت دي تمشي."
دهب (بدموع وصوت عالي): "بس بقى حرام عليكم ارحموني! هو أنا مش إنسانة زي زيكم؟ وانتي يا خالتي أم شيرين، لو كانت شرين مكاني كنتِ قولتي كده؟ وانتي لو واحدة من بناتك كنتي قولتي كده؟" ومسحت دموعي: "ماشي، عايزين البت أم وش فقر تمشي؟ ماشي أنا همشي، بس افضّلوا فكرين الكلام واللي انتوا بتعملوه فيّا حصل لواحدة من بناتكم تعرفوا اي اللي كان بيحصل في دهب."
رحت عند جدي وحطيت راسي على إيده ودموعي نزله زي الشلال وقلت: "أنا ماشيه يا جدي، بس مش عايزة فلوس. خلّيني أشوف ستي آخر مرة."
وحطيت الفلوس في إيد جدي. لما شفت دموع جدي قلبي اتقطع. دموعي نزلت: "مالك يا جدي؟ والله أنا همشي بس، متزعلش نفسك."
جمال (ياخد دهب في حضنه): "سامحيني يا دهب. أنا مش قادر أعمل حاجة علشانك. سامحيني يا بنتي. امشي من هنا يا دهب، ووعي ترجعي للذل ده. عيشي حياتك وانسي."
دهب: "ماشي همشي، بس كان نفسي حد يقولي خليكي بس." مالقتش غير نفس النظرات من الكل، ما لقيتش نظرة حنان واحدة. رحت عشان أقبل ستي قبل ما أمشي.
إسلام: "إنتي رايحة فين؟"
دهب: "بالله عليك ما تحرمنيش من السلام. هسلم بس عليها وهطلع، ومش هتشوف وشي تاني والله العظيم."
واحدة: "اسمعي يا دهب، ستك—الله يرحمها—اتغسلت، وانتي ما ينفعش تلمسيها."
دهب: "ليه؟ أنا والله طاهرة وبصلي."
واحدة تانية: "لا يا دهب، إنتي مش طاهرة، وإحنا كلنا عارفين إيه اللي حصلك، علشان كده بنقولك ما ينفعش."
دهب: "بالله عليك يا خالي، مالكش دعوة بيهم وسبني أشوف ستي قبل ما أمشي."
بصيت لقيته ذقني وقعني على الأرض من غير أي رحمة. وصرخ في وشيء ما شوفتش في عيونه رحمه ولا حتي زعل علي موت أمه. زي ما يكون كان مستني الفرصة دي علشان يرمني في الشارع لكلب السكك تقطع فيا.
إسلام: "مش سامعة؟ بنقولك إيه! غوري في دهيا بقى يا شيخة. قرفتيني وقرفتي الناس فينا يا دِك القرف."