رواية ليتنى لم احبك الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم شهد الشورى

رواية ليتنى لم احبك الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم شهد الشورى


صلوا على الحبيب المصطفى ❤️✨ 

_______


لقد جاء اليوم المنشود بعد طول انتظار

كان اليوم مميزًا، مليئًا بالسعادة التي غمرت الجميع بلا استثناء، حتى أكمل، رغم غيرته الشديدة على ابنتيه، لم يستطع إخفاء ابتسامته وهو يرى الفرح يكسو ملامحهما كالشمس المشرقة


الأنوار أضاءت المكان في بهجة أسطورية، والزغاريد والضحكات علت مع دقات الموسيقى، كل شيء يوحي بأن هذا الزفاف لن يُنسى مهما مرت السنين. أيهم وفريد بذلا كل ما بوسعهما ليجعلا هذه الليلة مختلفة، فها هما أخيرًا يحتفلان بتحقيق حلمهما الأكبر أن يجتمعا بحبيبتيهما بعد رحلة طويلة من المعاناة


جلس فريد بجوار المأذون، يده ترتجف وهو يضعها في يد أكمل، يردد كلمات العقد بلهفة تكاد تُفجر قلبه من فرط السعادة، وعلى الجانب الآخر كان أيهم يعيش ذات المشاعر، وحين صدح صوت المأذون بجملته التي طال انتظارها :

بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير


تعالت الزغاريد والتصفيق، وحمل كل عريس عروسه واخذ يدور بها وسط ضحكات الحضور، صاح أيهم بأعلى صوته :

اخييييييراً


بينما فريد مال برأسه نحو جبين جيانا، يهمس بعشق :

بحبك


ضمته بسعادة والدموع تلمع في عينيها، أما أيهم، فلم يكتفي بعناق رقيق، بل فاجأ الجميع بقبلة جريئة، لتشهق تيا بخجل تخفي وجهها في صدره، وسط ضحكات عالية من حولهما


لم يتمالك أكمل نفسه، فهتف غاضبًا وهو يهم بالاندفاع نحوه.:

ابن ال.....


لكن حنان أمسكت بذراعه ضاحكة :

خلاص يا أكمل، اهدى.....بقى جوزها خلاص


زفر بضيق وهو ينظر إليهم جميعًا، بينما احتضنته حنان بسعادة وعينيها تلمعان بالدموع، وهمست وهي تتابع البنات يتمايلن في الرقص مع أزواجهن :

كبروا بسرعة واتجوزوا يا أكمل....أنا مبسوطة جدًا، بس برده زعلانة، البيت هيفضى علينا من غيرهم، حتى لو ساكنين في نفس العمارة


شد على يديها ورد بحدة يغلفها حب دفين :

يفضى إيه؟! بناتي مش هيسيبو بيت أبوهم، ولو جوز الجزم اجوازهم مش عاجبهم أطلق بناتي واخدهم تاني


ضحكت حنان بخفوت، وهي تدرك أن غيرته لن تزول أبدًا :

مفيش فايدة


ابتسم أكمل وهو ينظر حوله براحة قلب نادرة، الجميع سعيد، البهجة تملأ الوجوه، أخيرًا تخلصوا من كل الأحزان التي أثقلت صدورهم، صحيح أن بعض الجراح لا تُنسى، لكنهم تعلموا أن يتعايشوا معها، والمهم أنهم الآن معًا، سندًا لبعضهم


غاص في ذكرى قريبة، قبل ليلة الحنة بيومين تحديدًا، حينما جلس أيهم وفريد أمامه وقد أعدا عقود التنازل، ينتظران توقيع تيا وجيانا، ابتسم وقتها، لكنه باغتهم بكلماته :

فلوس إيه اللي بناتي هياخدوها منكم؟ ده كان اختبار بسيط مني ليكم.،بناتي مش محتاجين فلوسكم ولا فلوس غيركم، طول ما أبوهم عايش وعلى وش الدنيا، وحتى لو مُت، عمرهم ما هيحتاجوا لفلوسكم، أنا سلمتكم بناتي، اغلى حاجة عندي، عمري كله، مش الفلوس هي اللي هيطمنوني انهم معاكم بخير ومبسوطين، أنا عارف إنكم كويسين، وعارف انكوا يجي منكم، وإلا ما كنتش اتنازلت وقبلت أحط إيدي في إيديكم وأسلمكم بناتي، عارف إن علاقتي بيكم كانت زي القط والفار، بس بكره كل واحد فيكم هيبقى أب، ويعمل اكتر مني، وبناتي أمانة في رقبتكم ليوم الدين، ولو فكرتوا بس تزعلوا بناتي، قسمًا بالله رقبتكم ما تكفيني، واللي حصل قبل كده كله لعب عيال مش حاجة جنب اللي هيحصلهم لو شعرة من بناتي اتأذت......انا هسلمكم بناتي بالمعروف يوم مل حد فيكم يحس انه مس قادر يكمل او انه وصل لحيطة سد يرجعلي ساعتها بنتي بالمعروف

..........

على أنغام الموسيقى، كان كلاهما يراقص حبيبته والفرحة تلمع كالنجوم في عينيه، لم يتوقف لسان كل واحد منهما عن الهمس بكلمات العشق، وكأنهما وحدهما وسط الزحام


اقترب فريد من جيانا، وانحنى بخفة ليطبع قبلة رقيقة على شفتيها، ثم همس بصوت مبحوح بالحب :

بحبك، بحبك بطريقة مهما قولت من كلام مش هعرف اوصفها يا جيانا !!!


ارتجفت ملامحها بخجل، فدفنت وجهها في صدره وهمست بارتباك :

قليل الأدب


ضحك فريد بحرارة، وصوته يختلط بالموسيقى، ثم رفعها من خصرها وأخذ يدور بها وسط ضحكات الحضور، وهو يصرخ بعلو صوته يعلن للعالم أجمع انه يعشقها :

بــــحــــبــــك


تعالت ضحكات الحضور وصفقاتهم، بعضهم يشاركهم السعادة ويدعو لهم بدوام العشق، وآخرون ينظرون بغيرة وحقد مكتوم، لكن لا يستطع احدًا انكار أن الحب في تلك اللحظة كان أقوى من أي شيء آخر

..........

بينما على الناحية الأخرى، كانت هايدي تدور برفقة سمير على أنغام الموسيقى، وبطنها التي بدأت بالبروز تحكي حكاية عمر جديد ينمو بينهما، ابتسامتها لم تكن مجرد انعكاس للحظة، بل كانت سعادة كاملة لم تتخيل يومًا أن تعيشها، لكنها تحققت بوجوده، ومن أجله


مال نحوها سمير بطريقته المشاكسة وهمس في أذنها :

عقبال ما نجوز ابننا يا أم نيازي


قطبت جبينها بضيق وضربت قدمها على الأرض بغضب طفولي، قائلة بتذمر :

بطل تقول الاسم ده، وبعدين انا هسمي ابني حبيبي قيس


قهقه ساخرًا وهو يشدها إليه أكثر :

آه ونجوزه واحدة اسمها ليلى......انسي مش هيحصل


لكزته بصدره، قائلة بغيظ :

مالكش دعوة، اسميه زي ما أنا عاوزة، ابني وأنا حرة فيه


رفع حاجبه بمكر، متمتمًا بعبث :

وهو ابنك لوحدك يعني، تكاثرتي ذاتيًا وحملتي فيه !!!


احمر وجهها خجلًا ونهرته بحدة :

اخرس يا قليل الأدب


غمزها وهو يضحك بخفة :

ما هي قلة أدبي دي اللي جابتلك قيس يا ام قيس


لم تستطع منع الضحكة التي أفلتت منها، ثم ارتمت بين ذراعيه، تهمس بصدق :

بحبك، وبحب جنانك وكل حاجة فيك يا سمير، ربنا يخليك ليا يا روحي


شدها إليه أكثر، وطبع قبلة حانية على وجنتها قبل أن يهمس بعشق صافي :

بموت فيكي، وبعشق التراب اللي بتمشي عليه يا قلب سمير

.........

بعد وقتٍ انقضى بين ضحكات الشباب ورقصهم معًا، فجأة انطفأت الأضواء في القاعة، فخيم الصمت لثوانٍ متوترة وبعد دقيقة، عادت الأضواء لتكشف عن شخصٍ يقف على خشبة المسرح، يمسك بالميكروفون، يبتسم بحب ولم يكن سوا.....فريد


رفع عينيه نحو الحضور ثم ثبت نظراته عليها مباشرة، وقال بصوتٍ يتخللته الحنين :

من سبع سنين قابلت أجمل بنت شافتها عيني، من سبع سنين كنت شخص غير اللي انتوا شايفينه دهؤ كنت واحد كل همه إنه يقضي الليلة الجاية مع بنت شكلها ايه، لحد ما شوفتها وسحرتني، لقيت نفسي بدل ما أنا اللي عاوز أوقعها في حبي عشان ارضي غروري لما رفضتني، لقيتني أنا اللي وقعت..... وقعت ومقومتش أبدًا، لا في يوم نسيت حبها، ولا قلبي وقف لحظة يدق ويعشق غيرها


توقف قليلًا، تنهد بعمق، والدمع يلمع في عينيه وهو يواصل :

الفرح ده، كان ممكن يحصل من زمان، لكن اللي أخره غبائي، وعدم تقديري للنعمة اللي كانت في إيديا، جرحتها، وسببت ليها ألم كبير، أنا اللي كسرت الوعد، وهي اللي فضلت قد وعدها وصانته، سافرت وبعدت، كان عندي امل انساها بس اللي حصل.....اني نسيت الأمل ده ولا يوم نسيت حبها، بالعكس كنت بغرق اكتر واكتر


صمت للحظات ثم قال بحب :

يمكن لو جمعنا القدر زمان مكنتش هكون مبسوط زي ما انا دلوقتي، لأني دلوقتي بالذات حاسس اني استحقك بجد


في تلك اللحظة، انزلقت دمعة من عينيه أمام الجميع دون أن يخجل، فقط لأجلها، فتابع بصوتٍ مبحوح :

النهاردة، هو أسعد يوم في حياتي، لأنها بقت معايا، جيانا مش مجرد حبيبة ولا زوجة، دي نفسي اللي بتنفسه، وروحي اللي عايش بيها، فريد الزيني ولا حاجة من غيرك يا جيانا

فريد......مينفعش يكون غير ليكي وبس


تقدمت جيانا نحوه ببطء، حتى وقفت أمامه، رفعت يدها برفق، تمسح دموعه بلمسةٍ مرتجفة، ابتسمت من بين دموعها قائلة بعشق :

وجيانا ماتنفعش تكون غير لفريد


ابتسم الحضور وصفقوا بحرارة، بينما علت بعض الصافرات المليئة بالفرح، أما أكمل، فقد ابتسم أخيرًا بارتياح، وقد غمر قلبه شعور بالاطمئنان، الخوف الذي كان يثقل صدره تبدد حين رأى دموع فريد، فدموع الرجل لا تنزل إلا لأجل من أحبها بصدق


ضمها فريد بين ذراعيه، لكنه أبقاها أمامه قليلًا، ينظر في عينيها بنظراتٍ مليئة بالوعد والصدق، قائلاً :

وعد مني....لآخر نفس فيا، هفضل أحبك وأصونكؤ عمري ما هيكون لغيرك، وعنيا عمرها ما هتشوف غيرك، كل يوم هحبك أكتر من اللي قبله، كل ثانية في حياتي هتكون ليكي وبس


ابتسمت جيانا من بين دموعها وقالت :

مصدقاك.....مصدقاك يا بن الزيني


تنهد بعمق ثم سألها بحب :

سامحتيني من قلبك ؟


أومأت برأسها، وابتسامتها تنبض بالحب، ثم أجابت بحنان :

سامحتك من قلبي.... قلبي اللي عمره ما عرف غير حبك، فريد الزيني قدر ينسي جيانا وجعها منه، وداوى كل جرح جواها، وماسابش في قلبها غير حبه....وبس

.........

على الناحية الأخرى، كان أيهم يناظر ابن عمه بسعادة حقيقية لأجله، فيما تيا كانت تقف بجواره تصفق بسعادة، حتى وضع يده على خصرها فجعلها تشهق بخجل، ابتسم بوقاحة وهو يقول :

ما ترجّعيلي البوسة اللي خدتيها مني من شوية، مش المفروض اللي ياخد من جد حاجة يرجعها.....رجعيهالي يلا


احمر وجهها حتى صار قانيًا، وردت عليه بحدةٍ وخجل :

يا سافل، يا قليل الأدب


شاكسها بحاجبيه ثم غمز بعينيه وهو يهمس :

كلها شوية وتشوفي قلة الأدب والسفالة على أصولها يا روحي


ارتبكت وهي تقول بتلعثم واضح :

مين قالك إني هروح معاك أصلاً، أول ما الفرح يخلص انا هروح مع بابا وماما


ضحك بخبثٍ وهو يرد عليها :

ده عند أم ترتر يا حبيبتي


صُدمت من عبارته الغريبة، لكنها سرعان ما انفجرت ضاحكة على تعبيره، ظل يتأملها بشغف ممزوج بالوقاحة وهو يقول :

الفرح ده كفاية عليه لحد كده، يلا بينا نطلع عشان نخش دنيا


دفعت صدره بيدها قائلة باستياء وارتباك :

انت طلعت قليل الأدب أوي


غمزها بعينيه مجددًا وأجاب بفخر :

حبيبتي، أنا مش سافل ولا قليل الأدب.....نا ما اتربتش أساسًا


اتسعت عيناها بدهشة وهي تسأله بسخرية :

ومالك فخور اوي كده انك متربتش وقليل الأدب وسافل


ضحك بصوتٍ عالٍ، يفيض مرحًا :

دي أحلى حاجة فيا، خصوصًا في حالتي انا وانتي


نظرت له بعدم فهم، ليقترب أكثر وهو يهمس بوقاحة :

ما هو لو واحد محترم أوي وبيتكسف، ومعاه واحدة زيك بتتكسف من أقل حاجة، يبقى مش هنشوف عيال في حياتنا


تسمرت مكانها، انفرجت شفتاها قليلًا من صدمتها بجرأته، ليزداد هو وقاحة وهو يثبت نظره على شفتيها قائلاً :

تقفلي بوقك بالحسنى، ولا ارزعك انا بوسة زي اللي خدتيها من شوية وهيتقفل بالحسنى برده


ردت عليه تيا فجأة :

حسنى دي تبقى امك !!!!!!!


صدم ايهم من تلفظها بتلك الكلمة، حتى هي شهقت بزهول تعتذر له قائلة بندم :

والله طلعت من كده مقصدش خالص خالص


اقترب منها حتى صار قريبًا جدًا ثم قال بوقاحة :

لسانك طول اوي......واللسان الطويل


شعرت بالغضب من اقترابه الوقح هذا، لكنها تابعت بتوتر :

بنقصه 


ردت عليها بوقاحة وهو يميل نحوها ينوي تقبيلها :

تؤ بنعضه !!!!


لقد فهمت مغزاه الوقح، رمقته بغضبٍ وخجل، ثم استدارت مسرعة لتغادر من أمامه، بينما انفجر هو ضاحكًا بسعادة وهو يلحق بها بخطواتٍ واثقة قائلاً بصوت عالي :

ياجماعة حد يشوفلي البت دي، واخدة قلبي ومش عاوزة ترجعه 


امسك بها يعانقها بسعادة والاخرى تبادله العناق على استحياء تحت نظرات والدها الفخور بها

...........

لم تتوقف عيناه عن استراق النظرات إليها طوال الزفاف، وكلما فعل ابتعد سريعًا كأنه يخشى أن تُفضحه نظراته، وهي أيضًا لم تستطع المقاومة، كانت تختلس النظر نحوه بين الحين والآخر، اشتاقت إليه رغم كل شيء


كلاهما كان يهرب من الآخر، هو لا يملك الجرأة ليقترب، ما زالت كلمتها الأخيرة له ترن في أذنه حين صرحت بكرهها الشديد له، فتركته مكسورًا، أما هي، فرغم شوقها الذي ينهش قلبها، لم تستطع أن تنسى ما فعله، لو لم يخطئ في حقها.... ربما كان هذا اليوم زفافهما أيضًا


حين رأت فريد يحتضن جيانا، ودموع السعادة تغمرهما وسط التصفيق، شعرت بوخزة في قلبها، أرادت أن تعيش تلك اللحظة، أن تُحاط بنفس البهجة التي تراها في عيون أيهم وتيا، سنوات طوال وهي محرومة من ذلك، وقلبها رغم كل ما حمله من حب له، لم يعرف كيف يغفر !!

........

انتهى الزفاف بعد وقتٍ طويل، وقبل أن يغادر فريد بصحبة جيانا، اقترب والده منه، احتضنه بقوة، وصوته يفيض بالحنان :

الف مبروك يا بني، ربنا يسعدك


لكن فريد ظل جامدًا، لم يتعود يومًا على الدفء منه، ما زال بينهما حاجز ثقيل، بل اكتفى بأن يومئ بصمت، فانعكس الحزن في عيني محمد الذي حاول أن يخفي ألمه وهو يلتفت إلى جيانا، يلثم جبينها ويبتسم قائلاً :

الف مبروك يا بنتي، ربنا يسعدكم


ابتسمت له جيانا بخجلٍ، ثم غادر محمد وفي داخله غصة لا تهدأ


أما جمال، فلم يتوقف عن توصية أيهم على زوجته، يكرر الدعاء لهما بالسعادة، فابتسم أيهم بخفة محاولًا التهرب من جدية الموقف قائلاً بمرح :

ايه يا بابا، هو أنا اللي ابنك ولا تيا، ده انت وصيت عليها أكتر مني انا


ضحك جمال ورد عليه وهو يربت على كتفه بمودةٍ ممزوجة بالمزاح :

هي بنتي، أما إنت، أنا متبري منك من زمان لأني معرفتش أربي


قهقه أيهم رافعًا رأسه بفخر :

تُشكر يا حاج


ضحكت تيا بخجل على مشاغبة الاثنين، فيما اقترب أكمل من بناته، جمعهن في حضنه كأنه يخشى أن يتركهن للحظة، وحنان تبكي بحرقة لا تستطيع كبحها، شد من عناقهن بحنانٍ أبوي عميق


ثم التفت بعينيه الحادتين إلى فريد وأيهم، وقال بنبرة تحمل تهديدًا واضحًا :

عارف يا زفت منك ليه، لو بناتي زعلوا بسببكم أو جرالهم حاجة، هاكلكم بسناني


انفجر الجميع بالضحك، وارتفعت الدعوات والتهاني، قبل أن يودع العريسَين العائلة وينصرفا وسط مزيج من الفرح والدموع !!!

...........

أخذ فريد يد جيانا بصمت، وضع القماشة السوداء برفق على عينيها طوال الطريق وهي لا تكف عن السؤال بقلق وفضول:

فريد، إنت واخدني على فين؟


ابتسم دون أن يجيب، وعندما اجتاز بوابة حديدية ضخمة أوقف السيارة أخيرًا وقال هامسًا :

استني بس يا حبيبتي.....مفاجأة


ترجل من السيارة، وفتح لها الباب يساعدها على النزول، كانت خطواتها حذرة وهي ما تزال تتساءل:

مفاجأة إيه ؟؟


قادها بخطوات قليلة للأمام، ثم أزال القماشة عن عينيها ببطء، ناظرًا لها بلهفة وهو يقول بابتسامة مترقبة :

فتحي.


توسعت عيناها بدهشة، شهقت من المشهد أمامها....

نفس الأرض التي حملت لهما أجمل الذكريات منذ سنوات، لكن هذه المرة أكثر سحرًا، الرمال مُزينة بالشموع المضيئة، والورد الأحمر متناثر في كل زاوية، حتى الكوخ الخشبي البسيط تحول إلى لوحة ساحرة


تقدمت جيانا بخطوات مترددة ثم صعدت درجات الكوخ، عيناها تلمعان وهي تدخل، لتجد الحوائط مغطاة بصور قديمة لهما معًا، وصور حديثة لها التقطها فريد خلسة، كل زاوية تنبض بالحنين والحب


دخلت غرفة النوم فارتجف قلبها من المشهد.....

الأرض مفروشة بالورد الأحمر، الفراش مزين، والحوائط تحمل المزيد من الصور، الشموع تملأ المكان بهالة دافئة، كانت تنظر حولها بدموع فرح، بينما كان فريد يقف خلفها، يراقب انبهارها وسعادتها بلهفة أكبر من أي فرحة عاشها


اقترب منها، وصوته يفيض عشقًا :

المكان ده ليه مكانة جوة قلبي وقلبك، ليه ذكرياتنا، حبيت يكون أول يوم لينا هنا، جددته وغيرت فيه حاجات بسيطة، اتمنى يكون عجبك


التفتت نحوه تعانقه بامتنان :

جميل اوي يا فريد


شدها لصدره، مقبلاً كتفها قائلاً وهو يحيط خصرها :

جميل عشان انتي فيه 


أسند جبينه على جبينها، صوته يرتجف بسعادة لم يعرفها من قبل :

مبروك عليّا إنتي، يا اجمل حاجة في حياتي


ابتسمت بخجل، وحين اقترب منها ليقبلها ابتعدت مرتبكة، واتجهت نحو الشرفة المطلة على البحر، قائلة وعيناها معلقة بالموج :

عارف نفسي في إيه؟


اقترب منها، ابتسامته رقيقة وصوته يفيض حبًا :

كل اللي نفسك فيه.....أوامر تتنفذ


أدارت وجهها نحوه بعفوية مجنونة :

ننزل البحر دلوقتي سوا


تجمد في مكانه، يحدق فيها مذهولًا :

بتهزري اكيد 


حركت رأسها نافية، ثم ركضت نحو المرحاض بخفة، تخبره أن يتجهز، خلعت فستانها بصعوبة لتجد ثوب سباحة بقطعة واحدة كان موضوعًا بين حقائب شهر العسل للغد، ارتدته وخرجت، وفي تلك اللحظة دخل هو ليبدل ملابسه محاولًا السيطرة على أنفاسه بعدما رآها هكذا لأول مرة !!!!!!

..........

بعد وقتٍ طويل قضياه بالمياه، كانت ضحكاتهما السعيدة تتردّدد في الأرجاء كأنها موسيقى لا تنتهي، ظلا يلهوان كالأطفال، ثم خرج هو من البحر حاملاً إياها بين ذراعيه، قبل أن يُنزلها على الأرض برفق، لتفلت منه نظرة طويلة محملة بالشوق والحنين، اقترب منها ببطء، يحيط وجهها بكفيه، وعيناه تبوحان بما عجز لسانه عنه، وما إن هم بأن يقترب منها أكثر حتى ابتعدت للخلف، بخجل شديد، قائلة بصوتٍ خافت وهي تتحاشى النظر إلى عينيه :

انا هدخل اخد شاور


ثم أسرعت نحو الحمام، تاركة ابتسامة مُتفهمة على شفتيه لما رآه من حيائها، بدل ثيابه، وجلس على الفراش ينتظرها


في الداخل، أدركت جيانا أنها نسيت إحضار ثيابها، فوقعت عيناها على قميصه الأبيض فقررت أن ترتديه، وبعد دقائق، خرجت، ليقع بصره عليها فتتسع عيناه اندهاشًا وانبهارًا

كانت تقف أمامه مرتدية قميصه الذي انسدل إلى ما قبل ركبتيها، وخصلات شعرها المبتلة تلتصق بوجهها، فيما كانت تحاول عبثًا أن تُطيل القميص بجذب أطرافه للأسفل


اقترب منها بخطوات هادئة، وكلما خطا نحوها خطوة، تراجعت هي خطوة أخرى، حتى وجدت نفسها وقد تلامس ظهرها بالحائط، بينما أنفاسها تتسارع من رهبة الموقف والاحراج، رفعت عينيها له بتردد وقالت بصوتٍ خافت :

مكنش فيه هدوم، ولقيت القميص بتاعك بس......


لكنها لم تُكمل، فقد أسكتها بنظرة محملة بالعشق، تلك النظرة التي جعلتها ترتجف في مكانها، رفع يده ليلمس وجنتها بخفة، ثم اقترب منها هامسًا، وصوته يقطر صدقًا :

بحبك


لم تحتج الكلمات بعدها إلى تفصيل، فقد ساد بينهما صمت أرق من الكلام، ودفء أعمق من أي تعبير، بقيا الاثنان معًا في سكينة، كأن العالم اختفى ولم يبقى سوى قلبين يبوحان لبعضهما بحبٍ طال انتظاره

وفي تلك اللحظة، صمتت شهرزاد عن الكلام المباح !!!

..............

كانت الغرفة تطل مباشرة على البحر، والنسيم يدخل عبر الشرفة ليلاعب ستائرها بخفة، في قلب هذا المكان، كان ايهم يحمل تيا بين ذراعيه، يمازحها بحاجبيه، وصوته لا يخلو من وقاحته المعتادة التي ألفتها منذ اللحظة الأولى، لكنه اليوم أخذ طابعًا من المشاكسة المرحة، مقلدًا المشهد الذي شاهده بأحد الأفلام :

طلعي ورقة وقلم ولابتوباتك وفاكساتك وسجلي أهم لحظة... أهم لحظة في حياتك الزوجية


نظرت له بحدة، وتراجعت خطوة إلى الوراء، قلبها يخفق بسرعة، بعدما انزلها بلطف إلى منتصف الغرفةؤ بدأ بإزالة سترته، ثم البيبيون، ثم فتح أزرار قميصه، فصرخت عليه فجأة بحدة نتيجة خجلها الشديد :

انت بتعمل ايه يا بني آدم انت


اقترب منها، مشاكسًا اياها، بعينين تلمعان بالوقاحة والمرح :

ايه بس يا روحي ده الليلة دي اصلا ليلة قلة الأدب والسفالة 


رفعت إصبعها بوجهه، تتراجع خطوة وراء خطوة، بتوتر :

والله لو ما اتلميت وفضلت محترم نفسك هتصل على بابا يجي ياخدني


ابتسم ابتسامة واسعة، وهو يقترب منها أكثر، صوته مليء بالثقة والجرأة :

بابا ايه بس ياجميل ما خلاص من هنا ورايح مفيش بابا اللي كان واقفلي زي اللقمة في الزور، دلوقتي بقى في ايهم يا روح ايهم وقلب ايهم


ثم غمزها بعينه، قائلاً بوقاحة :

ما تجيبي بوسة بدل الوقت الضايع ده


رفعت إصبعها ثانية، بحدة مزيفة تخفي خجلها وتوترها :

احترم نفسك


لم يهتم بكلماتها، واقترب أكثر، بينما كانت تتراجع ببطء حتى ركضت فجأة إلى المرحاض، وأغلقت الباب بالمفتاح، فنادى عليها ايهم بزهول :

تيا افتحي الباب......احنا فينا من كده


ردت عليه من الداخل بحدة وتوتر :

لا مش طالعة انت قليل الادب اوي


طرق الباب مرة اخرى قائلاً بفخر :

يا حبيبتي ما هي دي احلى حاجة فيا والله


زفرت بضيق، لم ترد، لكنه استمر بالمحاولة، محايلًا وكاذبًا :

طب افتحي طيب ومش هعملك حاجة وهقعد مؤدب خالص


جاءه صوتها المتوتر من الداخل :

احلف


تمتم بخفوت وهو يرفع رأسه للسماء :

سامحني يارب، مضطر أكدب وأخذها على قد عقلها


رد عليها بعلو صوته قائلاً :

اوعدك


صمت عم المكان للحظات، حتى سمع صوتها المرتجف :

هطلع بس هاتلي حاجة البسها


رد عليها بتزمر ووقاحة :

طب ما تطلعي تلبسي هنا، أنا عايز افتح السوستة ده، انا متجوز مخصوص عشان افتح السوستة


ردت عليه بحدة :

عشان تعرف انك كداب وقليل الادب


رد عليها بأسف مصطنع، صوته يمزج بين الدعابة والتمثيل :

زلة لسان يا روحي، سامحيني


لم ترد، فتابع بضيق، وهو يركل الأرض بقدميه :

اطلعي بقى و هاتي هدوم لنفسك وانا هطلع البس في الحمام اللي بره !!


غادر الغرفة، وما إن استمعت لصوت الباب يُغلق حتى زفرت بارتياح، ثم بدأت تفك ثوب الزفاف بصعوبة

دخلت لتستحم، وبعد قليل خرجت مرتدية قميصًا أبيض ناعمًا بحمالات رفيعة لم يكن أمامها غيره، وأسدلت فوقه الروب الخاص، ثم صففت خصلات شعرها على جانب واحد، محاوِلة أن تبدو أكثر تماسكًا مما تشعر به


لم تكد تمر دقائق حتى طرق الباب، فردت بتوتر، سامحة له بالدخول


دخل ايهم بلهفة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد في مكانه، يحدق فيها بذهول وافتتان، كأنما يراها للمرة الأولى، بل وكأنها أول امرأة خُلقت على وجه الأرض


اقترب منها ببطء، بينما هي تعود للخلف بخطوات قلقة، تعصر يديها توترًا، حتى أفلتت من بين شفتيه بتلقائية تلك الكلمات التي خطفت قلبها :

يا زهرةَ الليالي وسر السحرِ في السماءِ

كيفَ للقمرِ أن يَسطعَ، وأنتِ نبعُ النورِ والصفاءِ


ساد بينهما الصمت للحظة، لم يبقى سوى صوت أنفاسهما المضطربة، ابتسم لها ابتسامة هادئة يطمأنها، ثم رفع يده برقة، يبعد خصلات الشعر المتساقطة على وجهها، ليهمس بصدق وعشق :

بـحبـك


كانت كلماته كافية لتبدد خوفها شيئًا فشيئًا، تغمرها الطمأنينة، كأنها تستند على جدار من أمان، ومع كل همسة منه كانت تتلاشى رهبتها، ويغمرها شعور لم تعرفه من قبل.....

شعور جعل شهرزاد تصمت عن الكلام المباح


             الفصل الثالث والثلاثون من هنا 


لقراءه جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة