رواية ليتنى لم احبك الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم شهد الشورى

رواية ليتنى لم احبك الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم شهد الشورى


ها قد أسدل الليل ستائره الأخيرة عن قلبٍ أنهكته العواصف، وها هو الفجر يطل، يعلن أن الحزن قد مضى، وأن الألم الذي استوطن الأرواح تلاشى كما تتلاشى قطرات الندى تحت وهج الشمس


لم يكن الطريق قصيرًا، ولا الأيام سهلة، لكن السعادة حين تتأخر يكون لها وقعٌ أعمق، وكأنها تأتي بعد اختبارٍ طويل لتثبت أن للصبر ثمارًا لا يقطفها إلا من أرهقته الخطوات


اليوم، وبعد رحلة انتظارٍ شاقة، يقف أمام مرآته كمن يتأمل ملامحه لأول مرة، يبتسم ابتسامة النصر، ابتسامة من نجا من الغرق بعد أن كاد البحر يبتلعه


ينظر إلى نفسه لا بعيون عابرة، بل بعيون امتلأت بالامتنان، فقد غُفِر له، وتطهرت أيامه من شوائب الماضي، وها هي الحياة تعود لتُهديه ما ظنه قد رحل إلى الأبد


ذلك اليوم، الذي كان نقطة تحول، لم يعد جرحًا ينزف، بل صار ذكرى تحكي كيف يُمكن أن يولد من الرماد قلب جديد لقد عاد الآن أكثر قوة، وأكثر صفاءً، يُمسك بسعادته بيدين ترتجفان رهبةً وامتنانًا، وكأن العمر كله كان مجرد انتظارٍ لهذه اللحظة


إنها النهاية التي لم يتخيلها، والبداية التي لم يحلم بها

النهاية للألم، والبداية للحب......وللحياة !!!


عودة بالزمن لذلك اليوم الذي احتجزت فيه قسرًا معه


تبادل الأربعة نظرات صامتة، قبل أن تفتح جيانا الباب، وما إن خرجت رونزي حتى قالت بهدوء، دون أن تنظر إليه :

خد من سمير أخويا ميعاد......وقابله


سألها بصدمة، وهو يتمنى أن يكون ما فهمه صحيحًا :

انتي موافقة صح، سامحتيني يا رونزي ؟؟


ارتسمت ابتسامة خفيفة على زاوية شفتيها، وقالت بهدوء وهي ما زالت تعطيه ظهرها :

لو لأ.....ماكنتش هقولك روح خد ميعاد من سمير


قالتها ثم خرجت بخطوات سريعة، هاربة من نظراته، خجلة متوترة، يعتصرها خوف خفي أن تندم على قرارها لاحقًا

ما جعلها تتراجع عن رفضها لمسامحته هو ذلك الندم الصادق الذي لمسته في حديثه، تتمنى حقًا ألا يأتي يوم تندم فيه على منحه فرصة جديدة


ما إن غادرت حتى انفجر الجميع بالضحك على هيئة آسر الذي كان يبتسم ابتسامة بلهاء واسعة، وعيناه تشعان سعادة


ربت فريد على كتفه ضاحكًا، وقد غمرته هو الآخر سعادة حقيقية لأجله، وربما شعر بها أكثر حين تذكر جيانا حين قالت له احبك وسامحته بعد عذاب، بعد ان تخيل يومًا أنه لن سيحظى بسماعها من جديد :

مبروك يا ابن خالي


احتضنه آسر بحماسة، وأخذ يمطرهم بكلمات الشكر، بعدها تحدث مع سمير وحددا يوم الغد ليتقدم رسميًا لخطبتها، وبالفعل أقاموا حفل الخطوبة بعد أسبوعين، واستمرت خطبتهما خمسة أشهر كاملة بناءً على رغبتها، وها هو اليوم أخيرًا.....يوم الزفاف الذي انتظره طويلًا


عودة للحاضر، حيث اقترب منه أكمل، وساعده على ارتداء الببيون السوداء، ثم احتضنه قائلاً بسعادة :

مبروك يا بن الغالي، ربنا يسعدك يا بني


بادله آسر العناق، وهمس بابتسامة حزينة تمنى لو أن والديه شهدا هذا اليوم معه :

الله يبارك فيك يا عمي


ابتعد أكمل، سامحًا لبقية الشباب بتهنئته، ثم غادر الغرفة متوجهًا نحو قاعة الزفاف في الفندق الكبير


في الجهة الأخرى، كان سمير يدخل غرفة الفتيات، وما إن وقعت عيناه على شقيقته، حتى ابتسم بحنان، كانت تدور حول نفسها بسعادة، تتأمل هيئتها في المرآة بفستان الزفاف الأبيض، بينما حنان وعليا والدة هايدي يلقيان عليها الورد الأحمر ببهجة غامرة


اقترب منها سمير، لثم جبينها قائلاً بحب اخوي :

مبروك يا قلب أخوكي.....الف مبروك


التمعت عيناها بالدموع، كذلك هو، احتضنته رونزي بامتنان وسعادة، ثم وضعت يدها بين يديه، لينزل بها إلى القاعة حيث ينتظرها آسر، وما إن رآها حتى تلألأت عيناه بالإعجاب والهيام، ودق قلبه بقوة حتى كاد يخرج من صدره

تسلمها من يد سمير الذي أخذ يوصيه عليها، فيما انطلقت الزغاريد من حنان وعليا، وتعالى التصفيق الحار من جميع الحضور

...........

بعد وقت، جلس المأذون بين آسر وسمير، يرددان خلفه بسعادة ما يقول، وما إن انتهى اخذ يقول خطبته التي تحث على المودة بين الزوجين، ثم ختم ذلك لجملته الشهيرة :

بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير


علت التصفيقات والزغاريد في المكان، واقترب الجميع ليهنئهما، بينما اقترب آسر من رونزي، مقبلاً جبينها بسعادة لا تخفى على عينيها


بعد قليل، كان يتمايل معها على أنغام الموسيقى، مستندًا بجبينه على جبينها، قائلاً بحب :

اخيرًا يا روني، بقيتي بتاعتي، انا بجد مش مصدق، حاسس كأني في حلم


ضحكت بخفوت، ثم قرصته بخفة، ليسألها بعبوس مازح :

ليه كده بس؟


ضحكت مرة أخرى قائلة بسعادة ومرح :

عشان تصدق يا قلب روني


قبل وجنتها بحنان، بينما استندت برأسها على صدره، يتمايلان معًا على أنغام الموسيقى، وكأن العالم كله اختصر في لحظة واحدة بينهما


بجانبهم، كانت جيانا تحاوط عنق فريد، وهو يحاوط خصرها بحب، يلقي عليها أعذب الكلام، لكن قاطعهما حضور ديما، التي اقتربت برفقة صديقها سيف، الذي دعته لحضور الزفاف


ابتسمت ديما بسعادة، تعرفهم على بعض :

فريد، ده سيف، كنا سوا في المدرسة في القاهرة، وكمان إحنا في جامعة واحدة، هو نقل مع عيلته إسكندرية من فترة صغيرة، وكمان كان جيه معايا القصر يومها !!!


صافحه فريد معرفًا عن نفسه، وفعلت جيانا المثل، لكن عيونها ألقت نظرات مشاكسة لديما، وقد فهمت من لمعان عينيها أن هناك مشاعر متبادلة بين الاثنين، خاصة بعدما قال سيف بهدوء لفريد :

ممكن رقمك، كنت حابب أتكلم معاك في موضوع مهم، والوقت دلوقتي مش مناسب زي ما حضرتك شايف


ابتسمت جيانا بسعادة، وقد خمنت ما يريده، بينما نظر فريد لشقيقته، التي خفضت وجهها خجلاً، وقد خمن هو الآخر مقصد سيف، أعطاه رقمه، ثم تابع الرقص مع جيانا، التي قالت بسعادة :

الظاهر إننا هنحضر فرح تاني قريب أوي


نظر لها بغيظ وغيرة، قائلاً :

جيانا !!!


قطبت جبينها قائلة بتعجب :

في ايه، اعتقد اللي عاوز يقوله معروف، خصوصًا من نظرات الاتنين لبعض انت مش ملاحظ


شعر فريد بالضيق وقال بحزن :

هي لسه صغيرة، وكمان هو لسه صغير، وأنا لسه مشبعتش منها، انا كنت بعيد عنها زمان اوي، ومش بعد ما بقينا قريبين من بعض، ييجي حد كده ياخدها مني، ويبعدها عني، انا بجد ندمان إني كنت بعيد عنها بسبب غيرتي منها يا جيانا زمان، قد ايه كنت غبي


ابتسمت له بحنان وقالت :

محدش يقدر يبعد أختك عنك، وكمان أنا مبسوطة أوي إن علاقتكم بقت كويسة


لثم جبينها بسعادة، وهو يهمس بخفوت في أذنها : بعشقك


بينما كان بجانبهم، يتمايل أيهم على نغمات الموسيقى برفقة تيا، التي تلمع عيناها بسعادة، شاكسها قائلاً :

فاكرة يوم الفرح، ولما طلعنا أوضتنا......


نظرت له بغيظ، ثم وكزته بصدره قائلة :

بس يا قليل الأدب


ضحك بقوة قائلاً بمكر :

طب بذمتك هو فيه في قلة ادبي !!


ضحكت عليه بخفوت، قائلة :

طب والله مجنون وقليل الأدب


رد عليها بحب وعشق :

بس بموت فيكي، ومجنون بيكي، والبوفيه فتح يلا بينا.....


قال الأخيرة بمرح وهو يسحبها خلفه، فضحكت بقوة على جنونه الذي تعشقه وبشدة !!!!

.........

بعد ساعات طويلة، دخل لمنزله وهو يحملها بين يديه، وعلى شفتيه ابتسامة عاشقة، أغلق الباب بقدمه، ثم توجه لغرفة النوم التي تزينت بالكامل بالورد الأحمر، وضعها على الفراش، مقبلاً جبينها مرددًا بسعادة وحب :

مبروك يا روني


أخفضت وجهها بخجل، ثم قالت بخفوت :

الله يبارك فيك


تحسس وجنتها بظهر يده قائلاً بابتسامة :

انا هخرج أغير هدومي في أوضة تانية، وانتي اتوضي عشان نصلي سوا


أومأت له بخجل، فغادر بعد أن أخذ ثيابه، لتفعل هي المثل، توضأت، وارتدت الرداء الخاص بالصلاة، وجلست على الفراش تنتظره، حتى دخل بعدما سمحت له بالدخول


بعد وقت، انتهى الاثنان من الصلاة، ليضع يده على رأسها مرددًا الدعاء، وما أن انتهى، قبل جبينها وسألها بحنان، مراعيًا خوفها :

جعانة، تحبي تاكلي؟


أومأت له بتوتر، فجذبها خلفه إلى المطبخ المصمم على الطراز الأمريكي، ووضع الطعام الذي أعدته حنان لهما، وجلس بها على قدميه، وهي خجلة، وظل يطعمها بحب وحنان، وبين حين وآخر يطبع قبلة صغيرة على وجنتيها، وبعد أن انتهيا من الطعام، ساعدته في تنظيف المكان


ثم، في لحظة، كانت بين يديه متجهة لغرفة النوم، وهو ينظر في عينيها ليطمئنها، وضعها على الفراش، مقتربًا برأسه من عنقها، يضع قُبلاته، ثم همس في أذنها بعشق يخصها وحدها :

بحبك


استوقفته عن ما يفعل قائلة برجاء :

وعد يفضل بيني وبينك لآخر العمر


رفع وجهه من عنقها، متسائلًا :

وعد إيه؟


تحسست وجنته بأناملها قائلة بحب ورجاء :

انك عمرك ما توجعني ولا أوجعك، ونفضل طول العمر سوا، والحب بينا عمره ما ينتهي يا آسر


وضع يده على يدها التي تتحسس وجنته، ثم جذبها لشفتيه مقبلاً إياها برقة، قبل أن يردد بحب :

وعد مني، كل لحظة من عمري الجاي هعيشها عشان أسعدك، وهفضل أحبك كل دقيقة في حياتي أكتر من اللي قبلها


كانت تلك آخر كلماتهم في تلك الليلة، وغرق الاثنان في بحور العشق اللامتناهي لبعضهما، حتى اختفت الدنيا حولهما، ولم يبقى سوى نبض القلوب وهمسات الحب، فيما سكنت الكلمات المباحة صمتًا مُقدسًا، كأن شهرزاد نفسها توقفت عن الكلام لتشهد على دفء هذا العشق الأبدي

........

داخل منزل سمير

انتفض بعيدًا عنها مرددًا بغيظ، وهو ينظر لفراش صغيرها الذي نقلته لغرفتهم :

مش كده بقى يا سي يونس، مش طريقة دي، ارحمني شوية عايز أستفرد بأمك


لكزته بذراعه، وهي تعتدل واقفة :

اتلم يا قليل الأدب انت !!!


زفر بغيظ قائلاً :

ما أنا ملموم أهو، لمي انت ابنك بس، بدل ما أرميه من البلكونة، كان مالي أنا بس ومال الخلفة، ما كنا تمام وزي الفل، رجعيه تاني، الواد ده أنا مش عايزة


ألقت عليه الوسادة الصغيرة، واكتفت بنظرة غضب له، وهي تهدد صغيرها برفق، أما هو، فابتسم بسعادة وهيام لها، وهو يحمل طفلهما بكل حنان، ممتن لأنها بحياته، وسعادته لا توصف لأنه لم يعد وحيدًا، بل أصبح لديه عائلة، وشقيقة تزوجت من أخيه ورفيقه الوحيد الذي يثق به

..........

بعد أن عاد الاثنان من الزفاف، أبدل ثيابه، ثم توجه لمكتبه لإنهاء بعض الأعمال، بينما ارتدت هي ثوبًا أبيض من الحرير طويل، بحمالات رفيعة، وتركت خصلات شعرها طليقة، وتعطرت ووضعَت بعض مساحيق التجميل الخفيفة


نظرت لهيئتها في المرآة برضا واستحياء، ثم خرجت من الغرفة، تحمل بيدها الصندوق الصغير، متجهة لمكتبه


طرقت الباب، وما إن سمح لها بالدخول، اقتربت وجلست بجانبه على الأريكة الجلدية، واخذت الملف الذي كان يعمل عليه بتركيز، ثم وضعت في يده الصندوق الصغير


سألها ايهم بدهشة :

ايه ده يا حبيبتي؟


ابتسمت تيا بخجل، قائلة :

هدية


ابتسم بحب، وهو يسألها :

بمناسبة إيه...؟!!!!


ردت عليه بخجل :

من غير مناسبة


التقط كف يدها مقبلاً إياه بحب :

تسلم إيدك يا حبيبتي


ابتسمت له بعينين لامعتين، وقالت :

افتحها


فتح الصندوق، ليجد بداخله ظرفًا صغيرًا ذو لون زهري، فسألها بتعجب :

ايه ده....؟!!!!!


ردت بابتسامة وعيون تلمع بالدموع :

افتحه


فتح الظرف ليجد عدة صور تشبه تلك التي يحصل عليها الوالدان حين يعلمان أنه سيرزقان بطفل قريبًا، نظر لها بصدمة، وسألها بقلب يكاد يتوقف من شدة خفقانه :

اللي بفكر فيه صح.....؟!!!!!!


أومأت له قائلة بسعادة ودموعها تنساب من شدة الفرح :

هديتي ليك هتشرف بعد تسع شهور من دلوقتي


توسعت عيناه بصدمة، لتتابع هي بسعادة :

هتبقى بابا يا ايهم


سألها بلهفة، وهو يحاوط وجنتها بيديه :

بتتكلمي بجد، انتي عرفتي إزاي، روحتي لدكتور ولا أقولك تعالي نروح دلوقتي


ضحكت على صدمته، قائلة بحب :

انا روحت لدكتورة امبارح، لاني كنت حاسة بشوية تعب، وعملت تحليل واتأكدت


بلحظة، كانت شفتيها أسيرة شفتيه بقبلة شغوفة عاشقة، ابتعد عنها بعدما شعر بحاجتها للتنفس، قائلاً بسعادة وهو يستند بجبينه على جبينها :

هتبقي أحلى ماما يا تيا


ضحكت بسعادة، ليسرع هو بفتح باب المنزل، صارخًا بعلو صوته :

هتبقى جد يا جمال، ابنك هيجيبلك حفيد، هبقى بابا يا بشررر


ضحك الجميع على جنونه، وهنأوه بسعادة، بينما أكمل سعيد، لكنه لم ينكر شعوره بالغيرة على ابنته، الذي يلازمه حتى الآن


انتهى اليوم وهما معًا، يحملها بين يديه، يبث لها عشقه الكبير، وسعادته التي لا توصف، بعدما علم أنها تحمل طفلهما في أحشائها !!!!


          الفصل السادس والثلاثون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة