
رواية وربحت رهان حبك الفصل التاسع عشر 19
بقلم ملك سعيد
بقلم ملك سعيد
اجتمعت العائلة في تلك الليلة، وكان كل فرد منهم منشغلًا بالحديث مع من يجلس إلى جواره؛
فمنهم من كان يتحدث في شؤون العمل، مثل رعد ووالده، ومنهم من كان يمزح ويضحك، مثل ديما وعلي، ومعهما مروة ومحمود وفاطمة، ومن كان يراقبهم بحقد، مثل عايدة وعليا، أما أدهم، فكانت عيناه معلقتين بديما، وهو يفكر في الطريقة التي سيتمكن بها من الإيقاع بها في حبه...
أما الجد، فكان شارد الذهن، كل تفكيره منصبًّا على كيفية فتح موضوع زواج ديما من رعد أو من أدهم، وكيف سيفتحه، لأنه متأكد أنه لو طرحه الآن فستتحول هذه الجلسة العائلية الهادئة إلى شجار كما حدث في المرة السابقة .
فتنهد بقوة، ثم قال بهدوء:
" بما إننا اتجمعنا مع بعض بعد المدة دي كلها، فأنا قررت أفتح الموضوع اللي من المفروض كان يتفتح من زمان "
تبادل محمود وياسر وفؤاد نظرات قلقة، فقد أدركوا تقريبًا ما الذي ينوي والدهم الحديث عنه، بينما نظر باقي أفراد العائلة إلى الجد باستغراب، ينتظرون ما سيقوله .
شعر رعد في داخله أن جده على وشك فتح موضوع زواج ديما منه أو من أدهم، فتملكه القلق من رد فعلها، وتذكر ما حدث في المرة الماضية حين رفضت ديما الأمر رفضًا قاطعًا، وانتهى اليوم حينما صفعها أمام الجميع، فتنهد بعمق، ونظر إلى جده في انتظار ما سيقوله بقلق واضح .
قال الجد بصوت حازم، رغم القلق الذي يملأ صدره:
" أكيد كلكم بتسألوا نفسكم موضوع إيه اللي بتكلم عنه… الموضوع اللي بتكلم عنه هو موضوع جواز ديما "
أغمض رعد عينيه بتعب وخوف، بينما وقفت ديما فجأة، وقالت برفض قاطع:
" لا يا جدي، بيتهيألي إني قولت المرة اللي فاتت إني رافضة الموضوع ده، فبلاش تفتحه بعد إذنك "
فتح رعد عينيه ونظر إليها بحزن؛ حزن على الموقف الذي وُضعا فيه، وحزن عليها لأنها ستُجبر على الموافقة على قرار جدها، وحزن على نفسه لأنه يحبها ويريدها زوجة له، لكن ليس بهذه الطريقة .
كما اشتعل داخله شعور بالغيرة من أدهم، فهي الآن مطالبة بالاختيار بينهما، لكنه حاول السيطرة على نفسه، فغضب ديما وحده كان كافيًا .
ظهر الاستنكار على وجوه الجميع، فالتفت الجد إلى ديما وقال بهدوء:
" ديما، تعالي ورايا على أوضتي… عايز أتكلم معاكي على انفراد "
ثم توجه إلى غرفته تحت أنظار العائلة، نظرت ديما إلى والدها بحزن، فاقترب منها وأمسك وجهها بين يديه بحنان وقال:
" مش عايزك تخافي… انا مستحيل أجبرك على حاجة إنتِ مش عايزاها، انا معاكي دايمًا في كل قراراتك، دلوقتي روحي اسمعيله، وبعدين أيًا كان رأيك كلنا هنوافق عليه تمام؟ "
هزت رأسها وغادرت إلى غرفة جدها تحت نظرات الجميع، بين غيرة عليا، وقلق علي، ونظرات الحب والخوف من رعد، وترقب أدهم....
______________________
دلفت ديما للغرفة بعدما طرقت على الباب بخفة، وتلقت أذنه للدخول، وجدته يجلس على الأريكة السوداء بكل ما يمتلكه من وقار، فأشار لها بالجلوس جانبه، فأقتربت منه وجلست بجانبه، وبدأ الجد اقناعها بطريقته الخاصة....
____________________
وبعد مرور نصف ساعة، خرج الجد وبجواره ديما التي كانت تنظر إلى الأرض وتفرك يديها بتوتر، فقال الجد بجمود:
" انا اتكلمت مع ديما لحد ما وصلنا لحل وسط "
سأله علي بقلق:
" واللي هو؟ "
أجابه الجد:
" خلال ست شهور ديما هتتعامل مع رعد وأدهم وتتعرف على شخصيتهم، وبعدها هي اللي هتقرر هتتجوز مين "
رفعت ديما رأسها والتقت عيناها بعيني رعد، لكنه كان ينظر إليها بصدمة وقلق، فخفضت عينيها سريعًا، وانسحبت إلى غرفتها، بينما غادر رعد السرايا بصمت، وابتسم أدهم بخبث قائلًا في سره:
" شهور علشان تختار مين هتتجوز فينا و ٦ شهور لتنفيذ الرهان وبعد ما تخلص ال ٦ شهور دول اكيد انا الي هكون كسبان "
____________________
يقف مستند على سيارته، بمكان مظلم خالي من البشر، الظلام كان يحيط بالمكان إلا من ضوء مصابيح سيارته، كان يتذكر حديث الجد والمهلة التي وضعها كي تختار ديما بينه وبين أدهم .
تذكر ديما التي تهربت بعيونها عنه، من الخوف أو الحزن لا يعلم، لكنه يعرف أن قصتهم تصعب كل يوم عن قبله، يكفي انه دخل بالرهان لأجلها، والأن سيضطر للإنتظار ستة أشهر، كي يعرف قرارها، ومن اختارت هو أو أدهم .
اعتدل بوقفته وهو يمسح على وجهه بتعب ثم قال:
" ليه ليه؟! لازم ادخل في رهان و استنى ٦ شهور على أمل اني اكسب حبها واتجوزها... ليه قصة حبي بدأت بالصعوبات دي؟ ليه متكونش زي أي قصة حب سهلة انتهت بجواز الطرفين ويعيشوا بسعادة، بس لا انا مش هستسلم ابدًا ومستعد ادخل كل يوم في تحدي أو رهان شكل واستنى لسنين قدام بس تبقى معايا وبس لإني مش هقدر اشوفها مع غيري ابدًا "
انهى حديثه وزفر بتعب، ثم ركب سيارته وقادها عائدًا لسرايا المنشاوي....
_____________________
سألها علي بشك:
" يعني إنتِ موافقة على اقتراح جدي؟! "
اجابته بعدما زفرت بقلة حيلة:
" مكنش عندي حل غير ده "
احتضنها وأخذ يمسد على شعرها بحنان، ثم قال:
" يعني إنتِ مرتاحة بقرارك ده؟! "
هزت رأسها بإيجاب وهي تقول:
" ايوا "
" وده اللي انا عايزه راحتك وبس "
انهى حديثه وهو يقبل جبينها، ثم خرج من الغرفة، تاركًا ديما تستلقي على السرير، وتضم الوسادة لها، تفكر بنتائج قرارها....
_______________________
" صباحًا "
وصل كلًا من أحمد وسوزي إلى الصعيد، وبقلب كل منهم قلق من ردة فعل العائلة من عودتهم، كان أحمد متيقن أن عائلة سلمى لن توافق على عودتهم لبعض، وخاصًة بعدما فر في يوم زفافهم، وسوزي كانت تخشى من خسارة أحمد، تخشى من عودته لسلمى وخاصًة بعدما تغير تعامله معها الفترة السابقة إلى البرود والجفاء، فقررت قلب حياة سلمى إلى الجحيم...
اتجه أحمد بسيارته لسرايا المنشاوي، فقد قرر مواجهة عائلة سلمى أولًا ثم مواجهة عائلته .
_____________________
كانت تجلس سلمى رفقة ديما بالحديقة، يتحدثوا عن ما حدث ليلة أمس بإندماج، فقطع حديثهم صوت فتح البوابة الحديدية ودخول سيارة سوداء، لم يستطيعوا تحديد صاحبها، الذي من المؤكد ليس من أفراد العائلة .
كانت الصدمة من نصيب سلمى عندما وقع بصرها على أحمد وهو يترجل من السيارة، ثم تبعته فتاة لم تستطيع تحديد هويتها بعد، لاحظت سوزي عيون أحمد المرتكزة على سلمى، هي لا تعرف شكل سلمى تحديدًا لكنها عرفتها من نظرات أحمد الموجهة لها، وملامح الصدمة المرسومة على وجه الأخرى، فرمقتها بحقد وغيرة...
انتبهت ديما لتخشب سلمى بمكانها، وملامح الصدمة البادية على وجهها، فنظرت للأشخاص الغريبة بقلق وهي تسأل سلمى باستغراب:
" سلمى إنتِ كويسة؟! ومين دول؟! إنتِ عارفاهم؟! "
لم ترد سلمى عليها، فكان كل تركيزها على أحمد زوجها، من تركها وحيدة في أهم يوم بحياة أي فتاة، فكانت الصدمة تحتلها .
تملك القلق من قلب ديما عندما لم تتلقى ردًا من سلمى، فإتجهت للداخل بخطوات سريعة كي تخبر أي أحد بأمر هؤلاء الغرباء،
وسط ركضها اصطدمت بجسد صلب، فكادت أن تسقط أرضًا، لكن التقطتها يدان قويتان قبل سقوطها، اغمضت عيناها بخوف لكنها فتحتهما ببطء عندما شعرت بيد تحيط خصرها، فوجدت رعد أمامها يتأملها بنظرات لم تستطيع تحديد معناها، غامت في عيونه، لكنها تذكرت أمر سلمى مما جعلها تبتعد عنه سريعًا وهي تقول:
" رعد تعالى معايا بسرعة "
رمت حديثها وهي تمسك يده وتركض عائدة للخارج، وسط نظرات رعد المستغربة من حالتها تلك، فسألها بقلق:
" في إيه يا ديما وبتجري كده ليه؟! "
كاد أن يسقط من سرعة ركضها، فصاح بها بغضب:
" إنتِ يا مجنونة بالراحة هقع "
ردت عليه بغيظ وهي ما زالت تركض:
" هرد عليك رد مش هيعجبك بس خليه لبعدين "
وصلت للحديقة ووقفت هي تلتقط أنفاسها بصعوبة، وأشارت على سلمى وهي تقول لرعد:
" شوف سلمى مالها مش عارفة إيه اللي حصلها فجأة بسبب الناس دي "
انهت حديثها وهي تشير جهة أحمد و سوزي الذين اقتربوا من سلمى بمسافة صغيرة، عندما وقع نظر رعد على أحمد تحولت ملامح وجهه من الاستغراب للغضب، فتذكر حالة سلمى بعد هروب أحمد بعد زفافهم بساعة تقريبًا، وانهيارها وبكاءها بسببه، وحديث الناس على شقيقته بالسوء، لم يشعر بنفسه إلا وهو يدفع يد ديما عنه، ويركض جهة أحمد بسرعة وغضب .
أمسكه من ياقة قميصه ولكمه بكل ما يمتلك من قوة، وسط نظرات الصدمة من ديما و سلمى، حتى سوزي التي ابتعدت عن أحمد عندما أبصرت اقتراب رعد منهم .
اقتربت ديما من رعد بسرعة كي تبعده عن أحمد، وسط نظرات سلمى الجامدة، وهي تتذكر كل ما مرت به وشعرت بتشفي عندما شاهدت ضرب رعد لأحمد أمامها .
بينما أحمد كان يحاول تهدئة رعد ببعض الكلمات والاعتذار منه، لكن رعد لم يهتم بتوسلاته وأكمل ضربه بعنف، لكنه توقف عن ضربه عندما وصل له صوت الجد الغاضب:
" ابعد يا رعد "
ابتعد رعد عن أحمد بنفور، واقترب من سلمى مدخلًا إياها داخل أحضانه عندما لاحظ حالتها تلك، وسط نظرات ديما المراقبة لهم بصمت، فإقتربت سوزي من أحمد كي تطمئن عليه فكان أحمد ينظر ناحية الجد بخوف فوجده يسأله بغضب:
" إيه اللي جابك يا ابن صالح بعد اللي عملته ليك عين تيجي هنا "
نهض أحمد وهو يستند على سوزي بضعف، ثم اجابه بثبات ظاهري:
" انا انا جيت علشان اخد مراتي.... "
يتبع....