
كانت حكمت ممددة على الفراش، بعد ضربها المبرح من شكري عندما علم بهروب زمرد وشعر أنها هي التي ساعدتها، خاصةً عندما وجد جميع الأموال محولة لها، استخدم معها طريقته البذيئة عندما قام بإذابة مسحوق المخدر في فنجان القهوة حتى تعدل مزاجها، ولكنه أبى أن ترتشف منه رشفة واحدة قبل أن تخبره أين زمرد، هزت رأسها ترفض التحدث، ليثبت رأسها في يده بطريقة قاسية، وهو ينقض فوقها يتحدث من بين أسنانه، ساكبًا فنجان القهوة أمامها، لتشهق وهي تشعر بخيبة أمل، وأنه قد ينتهي بها المطاف عند هذه اللحظة، هي لم تخشى ذلك في سبيل أن تكون ابنتها سعيدة.
عاد ليجلس أمامها يواجهها بعينيه ونظراته مثل السم القاتل الذي يضعه في فنجان قهوتها لكي يميتها ببطأ بعد إخضاعها له بالكامل.
عندما سمع خليل الجلبة التي بالأعلى صعد مسرعًا ودلف إلى الغرف يحاول أن يحميها من براثنه ولكن نظر إليه شكري بقسوة ونبرته تعلو: اطلع بره يا خليل، ومتدخلش بيني وبينها!!
شعر خليل بقسوة نبرة والده وخشى أن يؤذيه إذا لم يمتثل لأوامره لأنه يعرف كم أن الآخر مجنون فامتثل خليل لأمره وخرج، لتستوعب حكمت حينها أنها لا مفر لها من شكري.
علي الجانب الأخر عند شقيقتها بسنت والتي علمت بهروب زمرد ولم يهمها الأمر: هاجر! الحقي يا بت.
انتبهت هاجر لحديثها وصمتت تنتظر أن تستمع إلى كارثة، فنظرت إليها بسنت في استهزاء: شكلك عارفة بس بعينك إنك تتجوزي خليل إلا لما شكري يعقد عليا الأول، أنا ميهمنيش زمرد قد ما يهمني شكري.
-ايه!
-زي ما سمعتي.
هزت رأسها برفض وهي تصر على رغبتها: بس هتجوز خليل حتى لو على زمرد، يا ماما أنا بحبه.
ردت عليها بسنت بحدة: الحب عندي بالعقل، والعقل بيقول إن خليل لا.
تنهدت هاجر بضيق من حديث والدتها
علي الجانب الأخر عند زوجة خال زمرد وهي تقنع ابنها: يا ابني أنا مش هقعدها هنا، أنا هبيتها في الشقة اللي جمبنا بس لازم نقف جمبها.
نظر لها في لوم وعتاب قائلًا: وهي أمها كانت وقفت جمبنا بعد وفاة بابا.
وضعت يدها على كتفه تحاول إقناعه وارجاعه للصواب
-أنا عمري ما حسبتها كده يا خير الله، طب ده حتى اسمك خير.
زفر بحنق قائلًا: طب وابنك بدر الدين؟
تذكرت بالفعل شقيقه ماذا ستفعل معه عند عودته خاصة أن الشقة المجاورة خاصته، ولا يسمح لأحد بالعبث بها.
وصلت إليهما زمرد وتعرفت عليهما، ورحبت بها زوجة خالها ترحيبًا حارًا، أما خير الله كان ناقمًا من وجودها، وانتهز فرصة دلوف والدته إلى المطبخ ليتحدث بغضب: أنتِ ازاي هتقبلي تعيشي هنا واحنا كلنا أولاد؟
رمقته بغضب هي الأخرى ولم تخجل بل ردت عليه بجرأة: بس أنتم أولاد خالي، وأسمع إنكم تعرفوا الحلال من الحرام زى خالي بالظبط، ولا خايف لا عينك تزوغ؟
هتف بها غاضبًا: أنا عمر ما عيني تزوغ على واحدة زيك.
تأخر الوقت لو كانت قابلته قبل وفاة والدها لكانت تأثرت، أما الآن انتهت كل المشاعر.
شعرت زمرد بالغضب وودت لو ذهبت لضربه ولكن تمالكت نفسها:
-أنت لو كنت إنسان محترم زي ما بتقول مكنتش فتحت السيرة دي ولا كانت تيجي على بالك.
اتسعت عينيه بصدمة واضحة ورد عليها في حدة: معاكي حق، عمومًا أنتِ حرة أنا كنت خايف عليكي .
التوى ثغرها بعدم فهم له: خايف عليا؟! من مين؟
ثم استطردت بلا مبالاة: أنا هربت من اللي خايفة منه.
ثم نهضت ووقفت بجانبه ليسألها: طب ووالدتك؟
أردفت بسعادة وهي تتذكر والدتها:
-ماما هتيجي وتعيش معايا.
عادت لملامحها الحزينة مرة أخرى عندما أتت صورة شكري في مخيلتها، توقفت الكلمات في حلقها وهي تبتسم بسخرية: أمل بس حاسة إنه مش هيتحقق، وهو هيعرف يقضي عليها.
كان يستمع إليها ويتعاطف معها حتى علم تأكدها من ضياع والدتها: هيقضي عليها؟! وأنتِ عارفة إنه هيعمل كده وساكتة وسبتيها؟ أنتِ ايه؟
أدمعت عيني زمرد بحزن:
-متلومنيش على حاجة أنا مليش ذنب فيها، هي اللي ضيعت نفسها وكان عندها استعداد تضيعني.
تنهد ثم أرظف بعتاب ولوم:
-وأنتِ طبعًا خوفتي على نفسك، طب مش خايفة يجيلك خبرها في لحظة، ساعتها هتسامحي نفسك وأنتِ مذنبة؟
قبضت زمرد علي ديها بعصبية من كثرة التفكير:
-مش هسامح نفسي، رغم إني مليش ذنب في أي حاجة هي عملتها، هي ضيعت نفسها بنفسها، في لحظة كان هيرمينا في الشارع.
ما زال يجزم في عقله أنها متورطة في إيذاء والدتها: تقومي تيجي عندنا، وهي تترمي في أي مكان صح كده؟
أدرات زمرد وجهها للناحية الأخري ليتحرك هو الأخر بإتجاه وجهها يريد أن يراها
-لا، مش صح.
حدث نفسه قائلًا بضيق: بتكذب الكذبة وتصدقها.
أخفض صوته: خليكي واضحة.
تندهت مطولًا ليبتسم وهو يتحدث بسخرية: مش قادر أصدقك، يمكن علشان دايمًا كنت بشوف عمتي قاسية.
تعلم أنه بحياته لم يثق بهم نظرًا لأمر والدها في ابتعاد والدتها عنهم.
-معاك حق، بس أنت مضطر تتقبل وجودي هنا، أنا مليش غيركم، وعشمانة في كرمكم.
هي لا تعرفه جيدًا، وهو يعتبرها مخطئة: طيب في حاجات لازم تعرفيها كويس عن عوايدنا.
أردفت بسعادة عندما شعرت أنه أخيراً وافق علي مكوثها هنا:
- وزمرد من أيدكم دي لأيدكم دي، مش هعارضكم أبدًا.
أردف بشغب:
-زمرد!!، وياقوت ومرجان، أنتِ جاية من المغارة بتاعت علي بابا؟!
امتلئت ضحكاتها أجراء الغرفة فهو استطاع أن يضحكها بأسلوبه
-أنا عرفت ليه أمي سمتني خير الله.
-مش أوي كده.
تعالت ضحكاته: ايه الثقة دي؟ وأنا اللي قلت هتكبي علينا جواهر.
-متزعلش، فعلًا مامتك سمتك كده لأنك شخصية كلها خير.
-مش مع كل الناس، مع اللي عندهم صراحة وبس، الخيانة ملهاش مكان في قلبي.
كانت تظن أنها ستجد منه استقبالًا حارًا مثل والدته، ولكن لم يحدث، ابتسمت بمرارة، ظنونها دائمًا تتغلب عليها الخيبات، قامت زوجة خالها بإعداد طاولة الطعام، والتي تتصدر منتصف الصالة، جلست زمرد وهي تنظر إلى صورة الرجل الذي كانت تريد دومًا الالتقاء به ووالدها يمنعها هي ووالدتها، خالها الحبيب، كل سبب القطيعة هو اعتقاد والدها في طمع خالها في أمواله، ولكن ماذا فعل بأمواله لم يأخذها مع إلى قبره، وتركها كإرث عائلي يبحر فيه الطمع.
عودة إلى هاجر ابنة خالتها بعد صدور فرمان بسنت أنها لن تتزوج من خليل، استقلت سيارة أجرة وذهبت إلى صديقتها ساندي، فلم يعد لديها قدرة على التفكير واتخاذ القرار، وصلت إلى البرج الذي تقطن فيه ساندي وما أن جائت تستقل المصعد حتى قطع طريقها البواب يخبرها بحزن أن سعيد قام ببيع الشقة، اتجهت هاجر نحو منزل والد ساندي فلم تجدها، حتى أنها لم تجد سيارتها، وأخبرتها والدتها أنها ترقد في المشفى بجوار والدها، ترددت هاجر كثيرًا في الذهاب اليها ولكنها ذهبت لتقف بجوارها
تقابلنا وجلست سويا بجوار بعضهما البعض إلي أن جاءت سيرة سعيد بالصدفة
- بتقولي ايه يا ساندي؟! سعيد هيطلقك؟! دي أخرة اللي عملتوه علشانه؟
كانت ساندي غير مستوعبة لما حدث لها من الأساس: هو أنتم كنتم متوقعين ايه؟! يا هاجر اللي اتاخد بسهولة سهل يتباع.
أشاحت هاجر بوجهها وهي غير مستوعبة لما حدث: بس ازاي؟ بعد ما عملتوا له ده كله!
ساندي بدموع منهمرة علي وجنتيها:
-علشان احنا عملنا له كل حاجة، متعبش.
أمسكت هاجر يدا ساندي تنظر لها بعدم استيعاب:
-أنا مش فاهمة هو مش سعيد ده كان بيحبك؟
ردت عليها ساندي: معدش بيحبني يا هاجر، أنا اتخدعت في سعيد.
هاجر بحزن:
-اتخدعتي؟!
شهقت ساندي بينما ترتمي في أحضان هاجر:
-أو كنت مخدوعة وعاملة نفسي مش شايفة.
أخذت هاجر تربت علي ساندي :
-اهدي يا ساندي، أنا مش هقدر ألومك لأن ده اختيارك.
كانت هاجر تتحدث بأسف لأنها كانت تشك في سعيد ونبهت ساندي
فاحتضنتها ساندي بحب: مش عايزاكي تزعلي مني لما اتصلتي واضطريت أقفل، بابا كان ساعتها تعبان، كمان أنا عارفة إنك حذرتيني من سعيد قبل كده.
كان لدى ساندي شقيق، ولكنه ترك المنزل منذ سنوات وسافر إلى اليابان مع أصدقائه بالرغم من رفض والده ومقاطعته، وهذا كله ما جعل والدها يرميها في أحضان سعيد حتى يحرم ولده من أمواله لعصيانه له، كانت والدتها دائمًا على اتصال به بدون معرفة أحد حتى ساندي، لأنها كانت تسرد كل شيء لوالدها، هنا لم تستطع والدتها إلا اخباره حتى يعود ويطلب العفو من والده.
-بتقولي ايه يا ماما؟! مين سعيد ده اللي بابا جوزوا لساندي؟ وكمان عمل علشانه كل ده طب ليه؟ كل ده علشان يحرمني من كل حاجة؟
-أنت تقدر تصفي شغلك عندك وتنزل حالًا؟ عندك ارتباط بشغل هناك؟ ولا الموضوع سهل إنك تقدر ترجع؟ أنا محتاجة لك وأبوك كمان.
كانت متوجسة من رده، ولكنه هز رأسه بالسلب: لا أنا شغال في اختراع الأجهزة وده شغل حر، وحتى لو عندي التزامات مفيش حاجة تمنعني عنكم.
كانت تريد إنقاذ الموقف بعودته ليقف بجوارهم: طب تعالى، انزل بس مصر وبعدين نشوف هنعمل ايه.
اتسعت عينيه بصدمة وأردف قائلًا: ايه! مش فاهم، هو أنا ممكن أكون غير مرغوب فيا؟
-أبوك يا عثمان، منعنا إننا نكلمك، بالرغم إني حاسة إنه نفسه يشوفك.
هز رأسه بقوة وهو يهتف بحسرة: هو عمره ما حبني من الأساس، طول عمري وجودي زى عدمه. مش عارف ايه مشكلته معايا، كل ده علشان سافرت وحققت حلمي؟
ردت والدته قائلة: علشان خاطري متزعلش.
صمت مطولًا لدرجة أقلقت والدته: ها هتعمل ايه، هتتراجع وهتتخلى عننا؟
رد عليها قائلًا: أنا نازل مصر يا ماما.
انتهت مقابلة هاجر وساندي، وعادت هاجر إلى المنزل لتجد بسنت والدتها تجلس لها بالمرصاد وتخبرها أنها رفضت عرض زواج خليل.
هاجر بصدمة وحسرة:
بتقولي ايه يا ماما؟ ازاي ترفضي خليل؟
لوت والدتها شفتيها قائلة: لو كان عايزك كان جه طلبك من بدري، مش يستنى لما زمرد تهرب.
استطردت والدتها وهي تريد استيعاب هاجر لحجم المشكلة التي ستقع بها: كان لازم أرفضه، أنتِ محتاجة راجل، مش دلدول وضعيف الشخصية منتظر حد يحل ليه مشاكله.
-هي زمرد هربت؟!
علمت بسنت أن خليل لم يخبر هاجر لتزيد الضغط على الوتر الحساس: يعني كان عندي حق أرفضه، شفتي مقالش ازاي إنها هربت، علشان صورته متتهزش قدامك.
قبضت هاجر على يدها بعصبية فأردفت بصراخ:
-مش أنتِ كمان كان نفسك تبعديها عنه علشان تتجوز ابنك حبيبك، أنتِ تفرحي وابنك يفرح وأنا لا.
أغمضت بسنت عينيها بتعب وأردفت قائلة: معدوش يلزمونا يا حبيبتي بعد ما خالتك أمنت بنتها.
هاجر بدموع الحسرة:
-بجد؟! طب هي أمنت بنتها وحبت تفرحها، أنتِ عملتي ايه؟
رمقتها والدتها بحزن وأردفت قائلة: كان نفسي أعمل علشانكم كتير، بس خالتك طلعت أنصح مني.
اختلاف كبير بين خالتها ووالدتها بالرغم من معاناة خالتها إلا أنها منحت ابنتها الحرية.
هاجر وهي تمسح دموعها:
-خالتي طول عمرها قوية، حتى بعد ما جوزها مات، كلنا فكرنا إنها خلاص انتهت بس أهي.
بسنت بقوة وقسوة:
-وبنتها يا هاجر، عمرها ما اتهزت زيك، لما قالت لا على خليل مش علشانك، علشان هي شيفاه مش مناسب.
عقدت هاجر حاجبيها بعدم فهم قائلة: هي هربت راحت فين؟ وأنتِ عرفتي منين؟
بسنت وهي تضع يدها علي خصرها:
-عند مرات خالك وأولادها خير الله، وبدر الدين، وبكره واحد منهم يلف دماغها ويتجوزها وهتوافق.
تعلم هاجر أنه لا يوجد توافق بين زمرد وأولاد خالها نهائيًا: لا اطمني، مش هيحصل، دي زمرد يا ماما مش زيي، مش أنتِ لسه قايلة.
رمقتها بسنت بشك وهي تقول: ليه بقي؟ ومالك متأكدة كده ليه؟ ومالهم أولاد خالك؟
هاجر بإستنكار:
-ملهمش، بس خير الله متدين وأراهنك أنه هيطردها، يمكن بدر الدين اللي يميل لها.
بسنت وهي تضرب علي كتف هاجر بقوة:
-يا شيخة؟! أنتِ قرياهم يعني؟ أنا كان نفسي في بدر الدين ليكي، بس يلا كله نصيب وأنا عارفة نصيبي.
ثم أمسكت بكتفيها تمسده بحنان تستخدم طرق تناقض تُشعر هاجر بالإشمئزاز:
هاجر يا بنتي اسمعي كلامي، اتجوزى اللي يقدر يدافع عنك، مش اللي يستنى حد يحلله مشكلته وأكبر مشكلة في جوازه.
تنهدت هاجر تحاول أن تستئنف ذلك الحديث:
-حاضر يا ماما، قوليلي بقى مش هتطمني على خالتي؟ لأحسن عمو شكري يعمل فيها حاجة، مهما كان ياما وقفت جمبنا .
امتلئت عينا بسنت بالحزن قائلة: خالتك هي اللي رفضت إني أقرب منها .
لتستطرد والدتها تنبهها بعدم الاتصال بزمرد: خير الله هيطمنا علي زمرد اوعي تتواصلي معاها.
أدمعت عينا هاجر فهي الآن بمفردها بدون ابنة خالتها: حاضر يا ماما، الظاهر لازم أكون لوحدي الفترة الجاية.