
-مش موافق يا ساندي.
أمام محاولات ساندي، كان سعيد صارمًا وحديثه حاد، فضلًا عن تعبيرات وجهه التي كانت أكثر استياءً، وهو يحدق بها بكل جمود، وهي واقفة أمامه ذليلة، بينما هو يجلس أمامها كأنه يجلس علي كرسي الحكم وبه سمات سطوة الحكام على الرعية، وهم يطيحون بكل متطلباتهم عرض الحائط، يجلس وهو يقلل من احترامها، واضعًا ساق فوق ساق بكل كبرياء وغرور، يشعل السيجار الذي لم يجرؤ يومًا على تدخينه أمامها، بل و ينفث الدخان في وجهها بكل شراسة: أنا مش عبيط يا ساندي.
-تاخد كام يا سعيد وتسيب لي المكتب؟
-اخد الفيلا بتاعت أبوكي يا ساندي وكده خالصين.
-مستحيل، كده أنا مش هلاقي مكان أعيش فيه، أنت أكيد مريض نفسي.
علي الجانب الآخر عند هاجر أتاها اتصال من خليل، احتارت فيما تفعل، أترد وتكسر كلمة والدتها، أم تذعن لأمرها، عاود الاتصال مرارًا فاضطرت للرد
-حبيبتي يا جوجو.
أغمضت عينيها بمرارة ثم فتحتهما ببطء تتنهد: نعم يا خليل.
بالرغم من فظاظتها إلا أنه رد عليها بكل حنو: قلب خليل من جوه، ليه مش بتردي عليا؟ الجميل كان نايم؟
-لا نوم ايه في الوقت ده، أنا كنت مستنية تليفونك وكنت مترددة أرد.
سألها لما كانت مترددة: طب ليه مترددة؟ مش عوايدك.
-أنت عارف عوايدي أهو، وعارف إني بكره إنك تخبي عني حاجة.
لم تعد هاجر الطفلة البريئة المشاكسة التي عهدها منذ أن عشقها بل تحولت.
-يعني لو قصدك على هروب زمرد، فأنا كنت متوقع إنها قالتلك بنفسها باعتبار أنها بنت خالتك.
زفرت أنفاسها بحنق لدرجة فاجئته؛ ليشعر بالحمل الثقيل الذي سيواجهه: الظاهر أننا هنوحش بعض كتير، وإن كلام مامتك صح، وهي بجد نجحت .
كان يريد أن تكون أمامه لكي يضمها بقوة ولكنها فلتت منه: بس عايزك تعرفي إني بحبك أوى يا هاجر، بس مش عارف أحميكي.
-وأنت كنت حبي الوحيد يا خليل، بس كلام ماما صح، أنا مينفعش أبقى مع إنسان سلبي.
حقًا الحديث عن بعد خسارة كبيرة للطرفين، القرب أحيانًا يمحي جميع الحواجز: بس هتفضلي دايمًا حبيبتي، وهغير من نفسي علشان أكون مناسب ليكي وأستاهلك .
-سلام يا خليل.
أغلقت الهاتف، والتفتت جانبًا لتجد والدتها فشردت في الفراغ أمامها تشعر بتمزق قلبها.
-كان لازم قلبي يتوجع، حلمت حلم كبير أنا مش قده، يا ريتني كنت سمعت كلامه لما قالي نكتب كتابنا.
أنهى خير الله عمله وعاد إلى منزله ووضع المفتاح في الباب ليفتحه ليجد من يمسك بذراعه: أنا بقول بعد كده ترن الجرس قبل ما تفتح بالمفتاح، يمكن أنا جوه ولابسة حاجة مش مناسبة يا خيرالله.
ابتسم بسخرية على مرحها: ما تخافيش ماما قالتلي إنك بره.
استطرد وهو يبتسم بخفة ويلفت انتباهها أنه يقوم بقرع الجرس أولًا: ازيك يا ماما، وحشاني، وأخيرًا طلبتي تشوفيني، بس يا خسارة معانا عزول .
-مساء النور يا خير الله، ها جبت معاك الحاجات اللي طلبتها ولا طنشت كالعادة؟
تمتم بداخله لأن كل طلباتها لزمرد وليست لها: طبعًا يا أمي جبت كل حاجة، ما هو مش هكسفك.
ردت عليه وهي ترمقه بغيظ: جرى ايه يا خير الله أنت عايز تكسفني؟
-ما هو كل اللي قلتي أجيبه للضيفة مش ليكي.
كان يتحدث وهو يرمق زمرد لتخطف والدته الأكياس: لم لسانك يا خير الله، زمرد مش ضيفة،عيب عليك، دي صاحبة بيت.
ابتسم بسخرية وهو ينظر إلى ضحكة زمرد البريئة: لا ضيفة، لسه مبقتش صاحبة بيت، يمكن يحصل في يوم من الأيام.
أخذت والدته ترمقه بنظراتها وضربات قلبها تعلو فرحًا من مجرد تلميحه: يحصل في يوم من الأيام؟!، ده يبقى يوم المنى، خصوصًا لو كان اللي في بالي .
رمقها خير الله بذهول، ثم تعالت ضحكاته: مخك ميروحش لبعيد أنا مش بتكلم عن نفسي.
شحب وجه زمرد وامتلئت عينيها بالدموع؛ لتنتبه والدته: أنا أسفة يا زمرد، أم بقى وبتهزر مع الحلوف اللي مخلفاه.
ابتسمت زمرد قليلًا وذهبت إلى غرفتها وخير الله مندهش من تعبيرات وجهها
-لسانك متبري منك، مد قدامي على المطبخ علشان تجهز معايا الغدا، هقطعلك لسانك زى السلطة.
-ايه!، وهي لزمتها ايه هنا ما تجهز هي معاكي، وفي الأخر تقولي مش ضيفة صاحبة مكان!
-أنت هتيجي معايا بما يرضي الله ولا أصوت و ألم الجيران عليك؟ وهي تتفرج على خلفتي النيلة يا أخويا.
-ما قولتلك بلاش تعيشيها وسطينا، أبسط شيء اعتذار بسيط منك لعمتي، اللي عمرى ما سمعت حتى صوتها.
-خير الله!، مش أنا اللي أعامل حد بمعاملته، ولعلمك هي أه كانت ممنوعه تزورنا بس على طول كانت بتودني في التليفون.
أطرق خير الله برأسه، وأردف قائلًا: أنا عارفك كويس يا ماما، والقول قولك.
عاد عثمان من الخارج وأسرعت والدته بإخبار والده حتى تيسر المقابلة بينهما، خشت في البدايه رفض الأب، ولكنها تفاجئت بامتثاله وتوقعت معاتبته له ولكن ما حدث كان مفاجئة
-عثمان، واحشني يا ابني، حقك عليا أنا بعدتك عننا.
مفاجأة أولى لوالدة عثمان وساندي، ولكن المفاجئة الكبرى هي جمود عثمان، الذي سأل والدته:
-أومال فين ساندي يا ماما؟ لازم أتكلم معاها بخصوص الزفت سعيد اللي أخد كل حاجة.
أضاع لهفة والده عليه: ليك حق طبعا متبصش في وشي.
-معلش.
كان عثمان يتصرف مع والده بطريقة غريبة، حيث تركه وخرج ليقابل ساندي وجلسا سويًا وقصت عليه كل شيء، فطمئنها: متخافيش يا ساندي، أنا أقدر أعمل حاجات كتير في سعيد من غير ما يحس إن أنا اللي عملتها، ثقي فيا وفي وجودي معاكم.
عقدت ساندي ما بين حاجبيها بعدم فهم، فكيفية رجوع حقها من سعيد شيء مبهم:
-ازاي؟!، بقولك باع الشقة والعربية ومش راضي يعطيني المكتب، احنا محتاجين معجزة.
جلس على مقعد قريب منها وقال: ايه رأيك ترجعيله لمدة شهر؟
-لا مستحيل، أنت أكيد بتهزر.
(نعم كيف هذا؟ أتلقي بنفسها في براثن سعيد مرة أخرى؟) حدثت نفسها
-أرجعله ازاي؟ وهستفيد ايه من رجوعي؟ وهل هيصدقني؟
-وجودي ومعرفته باللي بملكه هيخليه يصدق؛ لأنه طماع وهيحب الزيادة.
مجرد ذكر عودتها لسعيد يشعرها بالتقزز، جعلها تشعر بانقلاب في معدتها
-هرجع، بس برضه هرجع حقي اللي اتاخد ازاي؟ وهو جمد كل اللي أخده في رصيده.
ضيق عينيه بخبث ورأها تستنكر لدراسته: مش قلتلك ثقي فيا وفي قدراتي، وبعدين حلو رصيد البنك.
-مش فاهمة، هو في قانون يقول إن الزوجة ليها حق في رصيد جوزها؟
ابتسم لها بخبث لتصمت قليلًا وتتسع عينيها بذهول: تقصد أعرف من أي ورق الباسورد؟ طب أنت دورك فين؟
-باسورد ايه؟، حبيبتي أنا هاكر دولي محترف، بس محتاج يبقى قريب مننا .
صدمت من رده مما جعل ضحكاته تتعالى: يعني هتجيبه في وسطنا علشان تهكره، طب ما هو أكيد هيشك فينا.
انتفض عثمان بجسده وهو يفهمها مغزاه من وجود سعيد بجوارهم: هقولك السبب الرئيسي لوجوده في وسطنا، أنه هيتأكد أننا مش معانا الفلوس.
واستطرد قائلًا: هتتحول اليابان.
أثار تساؤلاتها ليرمقها وهو يتابع بصلابة: أول ما ههكر الحساب، هحوله علي حسابي في اليابان.
جحظت بعينيها ليواصل بإصرار: ومرة واحدة هيلاقي نفسه على الحديدة.
انفرجت أساريرها للخطة، وذهبت لتنفذها وتخبر سعيد برغبتها في العودة، فغر فاه بصدمة:
-ساندي!!، أنتِ بجد عايزانا نرجع؟ على كده أنا هروح أحب على أيد عثمان أخوكي، طول عمري كان نفسي أشوفه.
أومأت ساندي برأسها بصمت وهي ترى في عينيه الجشع.
-أبوكي عرف يربي بصحيح، كان نفسي أبويا يسفرني أتعلم بره.
ابتسمت له ساندي بسخرية، ودعته للعودة والمكوث في منزلهم، ولكنها لم تتناسى أمر العمل الذي سعت له بالرغم من رجوع شقيقها، ولكنها أرادت الاعتماد على نفسها.
دلفت للعمل في مكتب المحاسبة وتعرفت على نهاد لتصبح صديقة لها في العمل
-أهلًا يا ساندي، السي في بتاعك هايل، درجة جيد جدًا، بس مفيش خبرة، واضح إنك مش محتاجة.
-شكرًا يا نهاد، أنا فعلًا مكنتش محتاجة، أنا بابا عنده مكتب محاسبة كبير،حاليًا زوجي اللي ماسكه.
اندهشت نهاد من رد ساندي، وجرأتها في التصريح أن ما يمتلكه والدها يترأسه زوجها بالرغم من أنه لها، ولكن طبيعة العلاقة الجديدة بينهما تحتم عليها ألا تتسائل.
عادت ساندي الي المنزل وتناست أمر عودة سعيد، سمعت صوته يناديها لتشعر بالتقزز، ولكن عليها أن تتظاهر بالألفة فالتفتت تكتم ضيقها
-ساندي، وحشتيني.
لوت شفتيها بسخرية رغمًا عنها: أنا لحقت أوحشك ده أنا لسه شيفاك من سبع ساعات.
بالرغم من مرور سبع ساعات إلا أنها شعرت أنها كانت تراه منذ لحظات
-تعرفي إني لسه مش مصدق أننا رجعنا لبعض؟! بس أمك قابلتني مقابلة زفت.
-وأنا كمان مش مصدقة أننا رجعنا لبعض، البركة في عثمان بقى، صاحب عثمان علشان الكل يرضي عليك.
-علشانك أنتِ أعمل عفريت، وأمسح جوخ، أنا بحبك أوي يا ساندي، وأوعي اللي حصل بنا يأثر على اللي جاي.
-عمرى ما أزعل منك يا سعيد، حقك إنك تسيبني، كان ليا صديقة زمان تقولي الناس بتحب القوي مش الضعيف.
تلك الصديقه التي كانت دائمًا تضعف كبريائها وتترفع عليها وهي الآن ترى نفس عنفوان صديقتها في سعيد.
-يا ساندي ميبقاش قلبك أسود، أنا يعني كنت بعمل كده علشان مين؟، ما هو علشانا وعلشان أولادنا، كنت خايف أخوكي ياخده.
ابتسمت إليه فشعر أنها ما زالت تريده رغم كل شيء ليدلك كفيه بحماس: المهم بقي عايزين نقلبه في قرشين قبل ما يهرب تاني، ويا ريت لو يفضل هنا.
-طب ماما وبابا بعد اللي أنت عملته معاهم هيسيبوك تلعب في دماغه، ما أكيد هيوعوه.
سألته لتصدق ظنونها من إجابته: خلاص بلاش نقعد هنا أشتري شقة.
هتفت كلمة واحدة: باسمي.
اندهش لطلبها المفاجئ: مش واثقة فيا يا ساندي؟
ثم استطرد وهو يتحسس ذراعيها لعله يجد تأثير: هتكون باسمك يا ساندي، زي ما هرجع العربية باسمك.
ارتجفت، لينقذها دخول أخاها من الموقف: عثمان، تعالى أعرفك على سعيد.
صافحه وهو يضغط كفه: متخافش أصل بلعب رياضة.
ابتسم سعيد ابتسامة مهزوزة، بالرغم من طمعه في عثمان إلا أنه كان يخشى صلابته التي تمثلت في بداية لقائهم ومصافحته له.