رواية في ظلال الوادي الفصل الرابع 4 بقلم زيزي محمد


رواية في ظلال الوادي الفصل الرابع 4 بقلم زيزي محمد


                    "الخطيئة الأولى"

مر يومان لم يذق "عاصم" خلالهما طعم النوم، يومان ثقيلان كالصخر جاثمان على صدره، لا يزال يجالس غرفة مكتبه كما لو كانت قفصًا ضيقًا، يطالع تفاصيلها بشرود تام، وكأن الجدران تحفظ أسراره، والأثاث يشهد على انكساراته الصامتة.

كانت أكثر صور الانتقام بشاعة تمر أمام عينيه القاتمتين، وقد ازدادتا غموضًا وشراسة مخيفة منذ مواجهته مع "موسى"، تلك المواجهة التي لم تترك خلفها سوى رماد يتطاير في داخله، ونار تتأجج بلا رحمة.

حتى مَن في القصر تلاشى حضورهم احتياطًا؛ فهدوؤه لم يكن إلا نذير عاصفة، وأنفاسه المنتظمة لم تدل على سلام أو اتزان، بل على دمار قادم لا يُبقي ولا يذر.

تتابعت أفكاره في تسلسل منطقي حيكت خيوطه بيديه، فكرة تلد أخرى وكل فكرة تحمل بين طياتها مشهدًا من مشاهد الانتقام القاسي، صورًا دامية لا تعرف الرحمة،
الجميع…الجميع سينال نصيبه من غضبه إن صدق حديث "موسى"، وإن كان هذان الطفلان أطفاله حقًا ومن صلبه، يحملان دمه واسمه دون أن يدري.

طرق الباب طرقًا خفيفًا، ثم دخل "فايد" مساعده بخطوات هادئة محسوبة، يحمل ملفًا بيده، وما إن وقف حتى أخرج أنفاسه ببطء شديد، وكأنه يستعد لإلقاء حجر في ماء راكد، قبل أن يقول بكلمات ثابتة، رغم إدراكه التام أن خلف تلك الكلمات زلزالًا سيضرب سيده:

-راقبنا شوقي، مالوش شغلانة معينة، بيتردد على دكتورة كل شوية، واحد صاحبه قالنا إنه بياخد منها فلوس وميعرفش ليه...الدكتورة في حالها وعايشة مع خالتها و.....

قاطعه "عاصم" بنبرة حادة قاطعة، وهو يضرب بيده على سطح مكتبه، علامة واضحة على نفاد صبره وضيق صدره:

-انــــجـــز.

ابتلع "فايد" ريقه ثم تابع سريعًا وكأنه يلقي بحممه دفعة واحدة:

-ولادك يا عاصم باشا، ولادك فعلاً حبايبنا ساعدونا وهما في تدريبهم في النادي وعرفنا ناخد منهم عينة من شعرهم وعملنا تحليل زي ما أمرت وطلعوا ولادك.

أغمض "عاصم" عينيه بقوة، وكأن الجملة صفعته من الداخل، وراح يطرق بأصابعه فوق المكتب ببطء ثقيل، يستمتع للصمت الغرفة في حالة غريبة تلبسته.

تعابيره بقيت هادئة حد الرعب، هدوء غير طبيعي فازداد تعجب "فايد"، لكنه آثر الصمت في ظل السكون الذي خيم على الغرفة ولكنه سكون لم يدم طويلًا.

فتح "عاصم" عينيه فجأة وقال بنبرة شرسة، باردة كحد السيف:

-شوقي تجيبه النهاردة، بس تجيبه بمعلمة متخليهوش يحس بحاجة.

ثم أضاف بتهديد خافت لكنه قاتل:

-لو مجاش قول على نفسك يا رحمن يا رحيم.

أشار "فايد" بعينيه علامة الفهم، وانصرف على الفور لينفذ الأمر، بينما عاد "عاصم" يستند بظهره إلى المقعد، يطلق ابتسامة شريرة لا تحمل سوى القهر، وهمس لنفسه لأول مرة بصوت مبحوح، كمَن ينزف من الداخل وهو يفكر في انتقام يليق بخيانته:

-ماشي يا ولاد الـ*** من النهاردة أنا عاملكم الأسود.

مد يده إلى الهاتف وعيناه تستقران على الصور الملتقطة لطفليه، ظل يدقق في ملامحهما ويكبر الصورة تارةً ويصغرها تارةً أخرى.

الصغير يشبهه حد التطابق؛ ذات النظرة وذات التحدي المبكر، حتى أنه لم يكن بحاجة إلى تحليل لإثبات الأبوة، لكنه فعله ليُسكت قلبه أو ما تبقى منه.

أما الصغيرة فكانت خليطًا موجعًا من ملامحه وملامح والدتها، مرآة لذنبٍ لم يرتكبه بيديه، لكنه يدفع ثمنه الآن،
فبقيت ملامحه جامدة وصلبة كالصخر، لم يبتسم، ولم يشعر بأي حنان، ربما لأن سنوات الوحدة والهجر حفرت داخله فراغًا لا يُملأ، وربما لأن الحياة انقطعت عن فؤاده، فتحول إلى قلب متحجر لا يعرف الدفء.

ربما جف بئر الحنان في صدره، ولم تبقَ قطرة واحدة يمكن أن يروي بها أطفاله، وربما كانت الصدمة أعنف من أن تُستوعب وأكبر من أن تُحتضن، فوقف عاجزًا أمامها، لا أبًا ولا عدوًا، بل رجلًا تكسر كل ما فيه دفعة واحدة.
                                       ***
في نجمة رشيد…

دخلت "لمياء" بهو القصر الفسيح بخطوات محسوبة، كأن الأرض تحاسبها على كل حركة، وعيناها الواسعتان تجوبان المكان بحثًا عن مصعب؛ ذلك الذي اختفى منذ عودته من وادي العرين اختفاءً يثير الريبة، اختفى كما يذوب الملح في الماء، لا رسالة ولا اتصال يطمئن قلبها القلق.

كان غيابه غريبًا ومريبًا إلى حد جعل النوم يجافي عينيها ليالي متتابعة، فقررت أن تترك شقتها وبنايتها، وتأتي إلى القصر بنفسها رغم خوفها الدائم من مواجهة موسى؛ ذلك الرجل الذي لا يعرف للرحمة طريقًا، ولا يعترف بصلة قرابة أو وشيجة دم.

وقفت في منتصف البهو، تتلفت حولها ثم رفعت بصرها نحو الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، حيث غرفة مصعب، فراودها ظن ثقيل بأن "موسى" أو خالها "عثمان" قد قررا حبسه مجددًا بحجة علاجه من المخدرات، لتلك المرة التي فقدت عددها.

فمصعب كثير الهروب وكثير الفشل...عديم الإرادة، عبدٌ لمزاجه، وعقله لم يعد يقيم في واقعه إلا نادرًا، لذلك حسمت أمرها وصعدت درجتين، لكن جسدها تيبس فجأة، كأن الدم تجمد في عروقها، حين سمعت صوته يأتي من خلفها، وما كان سوى "موسى" الذي كان رائقًا على غير عادته، خاليًا من أي حشرجة:

-متتعبيش نفسك يا لمياء هو مش فوق، هو في الاوضة اللي تحت الأرض لو تحبيه تزوريه معنديش أي مانع؟!

التفتت "لمياء" بفزع حقيقي، وقلبها يكاد يقفز من بين أضلاعها، لتجده مستندًا إلى أحد الجدران يبتسم تلك الابتسامة الساخرة التي تحمل جاذبية قاتلة لمعظم فتيات رشيد…عداها هي، رغم أنها أصغر منه بثلاث سنوات، وأكبر من مصعب بإحدى عشر عامًا، إلا أن شيئًا واحدًا كانت متيقنة منه دومًا وهو أن موسى لا يُعجب… موسى يُخاف، فهو ذئبٌ بشري لا ينبض قلبه بذرة رحمة.

-مكنتش طالعة لمصعب، كنت بدور على أمي، مشوفتهاش؟!

اقترب "موسى" منها بخطوات متمهلة ومحسوبة، حتى وقف أمامها تمامًا، ثم انحنى قليلًا متعمدًا استنشاق الهواء قربها، وقال بصوت هادئ لكنه مخيف، زرع الذعر في قلبها:

-بشم ريحة الكدب لو من على بعد أميال، وبعرف الكدابين وبعرف أفرقهم كويس، تقدري تقولي عامل دكتواره فيهم، وانتي أول واحدة فاهمك وعارفك وعارف كويس أوي أنك متقدريش تعيشي من غير ما تحوري وتلفي وتدوري يا....يا بنت عمتي.

رفعت حاجبيها تطالعه باستنكارٍ يليق بدم آل عزام، وردت بحدة حذرة:

-وأنا هكدب ليه يا موسى؟ وبعدين أنا خلاص من اليوم إياه وأنا مبكلمش مصعب ولا ليا علاقة بيه.

اتسعت عينا "موسى" قليلًا، ثم عاد خطوة إلى الخلف وقال بهدوء شرس أربكها:

-لسه بردو مش راضية تقولي الصراحة يا ليمو، ومين زق الواد وموته وليه أصلاً طلع عندك؟!

زفرت "لمياء" بخفة وكأنها تفرغ ما بقي من صبرها، ثم اندفعت تقول وهي تتراجع خطوتين للخلف بنفاد صبر:

-رغم إنك سألت مليون مرة بس هقولك كان طالع يعملي سلك الدش بتاع التلفزيون من البلكونة، ومصعب شافه عندي وفهم غلط، فاتعصب وزقه والواد وقع مات، بس كده!

مط "موسى" شفتيه ببطء، وأمال رأسه جانبًا ومستمتعًا، ثم خفف نبرته وهو يبتسم بسخرية لاذعة:

-بس كده؟ دي طلعت بسيطة خالص! واحد بيشرب مخدرات ومخه مش في وعيه وايده مبقتش بصحتها هيزق واحد ويموته بسيطة فعلاً، أصل الواد كان طلع في عمل نبيل بيعمل سلك الدش، ومصعب الحمار فهم وجوده غلط، يااااه بسيطة اوي، قد إيه حلوة البساطة، يااااه لو كل الناس زيك كده! الدنيا كانت اتقل خيرها!

ثم ارتفعت ضحكاته عاليًا، ضحكات مجلجلة ملأت البهو، كأنها تتعمد أن تصفع أعصابها واحدة تلو الأخرى، فنظرت إليه "لمياء" بغيظ مكتوم، ثم قالت بحنق طفيف وهي تهم بالخروج، محاولة أن تنهي هذا العبث:

-انت شكلك رايق يا موسى على الآخر ومعندكش حاجة فبتتسلى عليا؟!

ابتسم ابتسامة أوسع، ابتسامة رجل وجد ضالته ورد بلا اكتراث:

-وفيها إيه ما اتسلى؟!، بنت عمتي وواخدة كل حاجة ببساطة، دي التسلية بعينها.

توقفت عند حافة البهو، واستدارت إليه مجددًا وعيناها تلمعان بغضب لم تعد قادرة على كبته:

-والله براحتك عايز تصدق صدق مش عايز بردو براحتك، وبعدين لما انت كل شوية تنطلي وتسألني حصل إيه في اليوم إياه، ظبطت كل حاجة ليه وكتمت على الخبر وقولت أن الواد كان هجام وبيسرق؟

ساد صمت قصير، ثم رفع موسى كفيه بحركة مسرحية، وكأنه يتلقى اتهامًا ظالمًا، وقال بنبرة مصطنعة تمزج السخرية بالاستياء:

-لا عيب، أنا كده أزعل! هو أنا معنديش نخوه، معنديش مروءة، اسلم بنت عمتي لحبل المشنقة بإيديا، ولا افضحها فضيحة إنها كانت بتطلع شباب عندها مثلاً!

ثم هز رأسه بأسى زائف وأضاف:

-بذمتك أنا كده؟ لا لا ده أنا أزعل واتقهر واجيب ناس تتقهر معايا.

تنهد تصنعًا وأردف بابتسامة مائلة:

-أنا غلبان اوي يا لمياء بس انتي اللي فاهماني غلط.

كانت كلماته تنساب بنعومة مريبة، كسم مذاب في عسل، تعرف طعمه جيدًا لكنها لا تملك إلا أن تسمعه حتى النهاية،
اقترب منها عدة خطوات مجددًا، حتى ضاق الفضاء بينهما، ثم انحنى قليلًا وهمس بتهكم، وفي عينيه لمعة استمتاع خبيثة؛ لمعة لاعبٍ ماهر يعزف على أوتار خصم أضعف منه:

-بصي وشوفي أنا بريء ازاي؟! بصي في عيني.

تراجعت "لمياء" خطوة دون وعي، وقلبها يخفق بعنف،
كانت تعرف تلك النظرة…نظرة رجل لا يبحث عن الحقيقة، بل عن السيطرة، رجل لا يكذب ليُصدق، بل يقول الصدق أحيانًا ليُخيف، رفعت ذقنها في تحدٍ أخير، لكنها شعرت رغمًا عنها بأن الأرض تميل تحت قدميها، وأن المواجهة معه لم تكن يومًا في صالحها.

تنهدت بثقل كبير كأن صدرها يفرغ سنوات من القهر دفعة واحدة، ثم رفعت عينيها إليه، متعمدة إظهار ضعفها وقلة حيلتها، فخرج صوتها ناعمًا ومكسورًا، أقرب إلى الرجاء منه إلى السؤال:

-ليه يا موسى كده؟ بتعاملني بالقسوة دي ليه؟

ترددت لحظة ثم أضافت:

-ده أنا بنت عمتك والمفروض تحتويني.

خفضت صوتها أكثر:

-فيها إيه لو أنا ومصعب بنحب بعض.

ابتسم أولًا ابتسامة باهتة وباردة، ثم انفجر ضاحكًا ضحكات رجولية خشنة، فكانت السخرية القاسية فيها تميل إلى العنف، وكأنها تمهد لما هو أسوأ، وبحركة خاطفة لم تمهلها حتى أن تستوعب ما يحدث، قبض على عنقها بقسوة، فاختنقت أنفاسها دفعةً واحدة، وتجمد جسدها تحت قبضته عاجزة عن الدفع أو المقاومة.

ارتسمت الصدمة على وجهها، واتسعت عيناها رعبًا، بينما قال بصوت منخفض ومشحون بالاحتقار:

-احتويكي؟ انتي؟

قهقه بخفة مرعبة ثم تابع:

-ده أنا احتوي عاصم ابن عمك ولا أني احتويكي.

اقترب أكثر حتى شعرت بأنفاسه تخنقها قبل يده:

-وبعدين انتي مستنيه مني إيه اعاملك بحنية مثلاً؟!

ابتسم ابتسامة جانبية خطرة:

-انتي عبيطة أنا لو بقيت طيب معاكي افهمي إني بجهز قبرك.

قبضت "لمياء" بكل ما تبقى لديها من قوة على معصمه، وأصابعها ترتعش فوق يده الضاغطة على عروق عنقها بلا رحمة، خرج صوتها متحشرجًا يعلو ويخفت، بينما هو استكمل هامسًا بجانب أذنها، وكأنه يزرع تهديده في روحها لا في سمعها فقط:

-مصعب انسيه.

توقف لحظة ثم أردف بوحشية باردة:

-لو كان آخر نفس في عمره وطلب يتجوزك هضربه بالنار ولا أنه يعملها.

ضغط أكثر ثم تابع:

-متلفيش وراه زي الحيّة، هتلاقيني دايمًا واقف في وشك وبحفر في قبرك بإيديا.

فجأة تركها ودفعها بقسوة، كأنها لا شيء...كأنها حثالة، فسقطت على الدرج خلفها، وارتطم جسدها بالحجارة الباردة، تلتقط أنفاسها بصعوبة وقد أيقنت للحظة أن نهايتها قد أتت لا محالة على يده، ظلت تنظر إليه من أسفل بعينين ممتلئتين رعبًا وكرهًا في آنٍ واحد.

ثم نهضت بصعوبة وبخطواتٍ غير متزنة، وجسد ما زال يرتجف، قالت بصوت مبحوح لكنه يحمل تهديدًا صريحًا وهي تركض نحو بوابة القصر:

-واقسم بالله لاكون قايلة لأمي على اللي عملته.

توقفت لحظة لتلتقط أنفاسها ثم صاحت:

-وإن مجبتش حقي هي وخالي، هروح لعاصم بنفسي واطلب حمايته وأبوظ العهد عليك.....وعلى رشيد كلها.

ثم انطلقت مغادرة بسرعة كبيرة، كأن القصر كله يلفظها من داخله، بينما وقف "موسى" يراقب أثرها بعينين خاليتين من أي ندم، وباستهجان واضح تمتم بسخرية باردة:

-هو في إيه؟ كل ما أكلم حد يقولي هروح لعاصم، ما يروحوا ده يوم المُنى.

ثم أضاف بملل قاتل:

-على الأقل هلاقي حاجة تسليني أحسن من الملل ده؟!

ظل "موسى" واقفًا في مكانه للحظات، والضحكة الباهتة ما تزال عالقة على شفتيه، ثم خبت ببطء كأن الملل عاد يلتهم ملامحه من جديد، فغادر نحو مكتبه وترك البهو الواسع، الذي لم يكن الصمت فيه هدوءًا…بل وعدًا مخيفًا، بأن ما كُسر في تلك اللحظة لن يُرمم، وأن المواجهة القادمة لن تُشبه ما قبلها أبدًا!

                                      ****
جلست "فريدة" إلى جوار أختها الكبرى، تراقبها في صمت حذر، فكانت "غالية" تحدق أمامها بشرود كامل، وقد تغلغل الحزن في ملامح وجهها الجميل، ذلك الجمال الذي بدا وكأنه انطفأ فجأة، كشمعة باغتها الهواء.

وغالية كانت حقًا جميلة، جميلة إلى حد جعل إيهاب يسعى دومًا لحمايتها، لا بعيونٍ زرقاء خاطفة، بل بعينين بنيتين واسعتين، تحفهما رموش كثيفة وملامح متناسقة، وبشرة بيضاء مشربة بالحمرة، وشفاه ممتلئة قليلًا، وشعرٍ بني يميل إلى الصفرة، فكانت الأجمل بينهم…والأكثر سوء حظ.

لم تُكمل تعليمها بسبب ضيق الحال، تركت جامعتها وانكمش حلمها مع الأيام، حتى لم يبقَ لها من الدنيا سوى أخ يتحمل عبئهم وحده "إيهاب" الذي وفر لهم لقمة العيش، ومسكنًا بإيجارٍ بسيط وخدمات تكاد تكون معدومة، وأختًا صغيرة لا تعرف بعد شيئًا عن قسوة الحياة، ولا عن توابع القدر المؤلمة.

انتبهت "غالية" على يد "فريدة" تلامس ذراعها برفق، وصوتها يخرج ببسمة حانية تخفي خوفًا كبيرًا:

-متتعبيش نفسك في التفكير، احنا مش في إيدنا حاجة نعملها والعيلة دي شكلها واصل.

التفتت إليها "غالية" بعينين تقدحان غضبًا وزفرت بقوة، حتى لفحت أنفاسها الساخنة وجه أختها:

-يعني إيه يا فريدة؟ يعني اسكت واسيبهم يقولوا على إيهاب أخوكي حرامي وهجام؟! 

ارتجف صوتها وهي تتابع:

-إيهاب اللي كان يخاف يدخل على جنية حرام، إيهاب الغلبان اللي ساب كل حاجة عشانا، إيهاب اللي كان ناقص يدخل جوه الحيط من كتر ما هو محترم ومتربي وعارف ربنا.

ارتفعت نبرتها بانكسار موجع:

-أنا أسيبهم واقعد ساكتة؟! نفسي أعرف قتلوا أخويا ليه؟ كانوا يسيبوه عايش وسند لينا!

وانهارت باكية لتحتويها "فريدة" بسرعة، كما تحتضن الأم صغيرها تربت على ظهرها، وصوتها يخرج متحشرجًا من كثرة بكائها هي الأخرى:

-امال هتعملي إيه يا غالية؟ هتسمعي كلام الست دي؟ أنا مش مطمنالها خالص!

ابتعدت "غالية" عنها قليلًا، ومسحت دموعها بعنف كأنها تمسح آخر آثار الضعف، وقالت بنبرة حاسمة:

-ولا أنا مطمنالها.

ثم أضافت بصلابة مفاجئة:

-بس هي كمان عايزة تنتقم منهم.

تنفست بعمق وتابعت:

أنا بس كل اللي أنا عايزاه دليل إنه أخويا مش حرامي وأنا هفضحهم وأروح ابلغ عنهم.

لمعت عيناها بعزم خطر:

-همشي وراها بس بطريقتي أنا ولو هي فاكرة إنها ذكية فأنا أذكى من اللي خلفوها ومش هسكت إلا لما أجيب حق أخويا.

رمشت "فريدة" عدة مرات بعدم فهم وقالت بقلق تائه:

-يعني هتعملي إيه؟ ازاي هتجيبي حق إيهاب؟

ابتعدت غالية خطوة وعيناها معلقتان بالفراغ، وقالت بشرود يغلبه التفكير:

-هي كلمتني النهاردة وقالت إنها هتقابلني، هروحلها واشوف هي عايزة إيه مني بالظبط، وعلى أساسه هعرفك.

نهضت غالية وقد حسمت أمرها، فهتفت فريدة بخوف حقيقي:

-طيب آجي معاكي؟ أنا خايفة عليكي؟

التفتت إليها غالية وملامحها أكثر ثباتًا مما كانت عليه قبل دقائق:

-لا خليكي متخافيش.

ثم قالت بنبرة مطمئنة رغم ما بداخلها:

-الموضوع لو كان قلق معاها مكنتش هوافق اروحلها.

ابتسمت ابتسامة باهتة وأضافت قبل أن ترفع حجابها فوق رأسها:

-خلي بالك بس من نفسك لغاية ما أرجع.

                                         ***

فركت عائشة عينيها بقوة وهي تمسك الورقة والقلم، تحاول حساب ما تبقى معها من مال، فكانت تجمع الأرقام وتعيد طرحها مرة تلو الأخرى، وكأن التكرار قد يخلق معجزة، لكن النتيجة كانت واحدة في كل مرة....لا مخرج.

كل الطرق مسدودة، ولا أمل في تدبير ذلك المبلغ، حتى الجمعية التي دخلتها مؤخرًا، لم تكن من أجل هذا اليوم، بل لسداد مصروفات مدرسة الأولاد الأجنبية، ولم يحن بعد موعد قبضها.

زفرت بقوة ثم ارتمت إلى الخلف على فراشها، كأن جسدها استسلم أخيرًا وبدت ملامح الحزن وقلة الحيلة واضحة على وجهها، وقبل أن يبتلعها الصمت، اخترقت خالتها شريهان وحدتها وهي تقول بنبرة هادئة تخفي عدم رضا واضحًا:

-ها يا عائشة فكرتي ولقيتي حل؟

هزت عائشة رأسها نفيًا واكتفت بالصمت، فجلست شريهان إلى جوارها وقالت بحنق صريح:

-يا بت ما تسيبني اجيبه هنا وأرنه علقة حلوة بشبشي هيخاف مني.

ابتسمت عائشة ابتسامة قهر وقالت بعجز ساخر:

-لو على الشبشب كان زماني موته من الضرب.

ثم أضافت بأسى:

-وكمان انتي عارفة أنا منبه عليه مايجليش هنا عشان الولاد ميشوفهوش خالص، مش عايزاهم أعرفهم إن الحقير ده أبوهم.

ضربت شريهان كفيها ببعضهما باستنكار وهزت رأسها بمرارة وهي تقول:

-لا حول ولا قوة إلا بالله، والله أنا ما عارفة هو في أب يقدر ميشوفش عياله خمس سنين يا ناس، كل همه على الفلوس بس؟!

-طماع يا خالتو وعبد للجنية.

قالتها عائشة بمرارة، كأنها تصف حقيقة لا تحتمل الجدل،
فالتفتت إليها خالتها وصمتت لحظة، ثم قالت بهدوء حذر وقد طرأت فكرة خطيرة على عقلها:

-ما تهربي يا بت بيهم وتروحي البيت اللي أبوكي سايبهولك، الله يسامحه عمل حاجة مفيدة قبل ما يموت.

ضحكت عائشة بسخرية موجوعة، وقالت بحنق خافت:

-اروح لأعمامي وأهل أبويا، ده أنا كل ما افتكر اللي حصل اتقهر على نفسي يا خالتو، وبعدين دول يخلوا حياتي جحيم، وهما عارفين كويس إن مبخلفش هيقولوا جبت العيال دي منين، لا لا يا خالتو ده مستحيل.

زفرت شريهان بقوة وكأنها تبحث عن أي خيط نجاة ثم قالت بتفكير آخر:

-خلاص بيعي البيت وادي شوقي فلوسه وأنا همضيه على تعهد عند المحامي ميقربش منك أبدًا.

اقتربت منها عائشة وقالت بصوت منخفض منكسر:

-وكإني محاولتش ابيعه قبل كده.

رفعت عينيها بحزن أضافت بألم:

-وأعمامي موقفين البيعة وكل حاجة، من جبروتهم عايزين ياخدوه كده ببلاش، ويطلعوا يتيمة زيي من غير ولا مليم.

التفتت إليها شريهان وقالت بنبرة تحذير صادقة:

-لو فكرتي تبيعه ليهم هزعل منك العمر كله، مش يبقوا يمرمطوا أمك المرمطة دي ويعيشوها أسود أيام حياتها، ويتهجموا عليها عشان خاطر البيت وانتي تديلهم البيت لو ادوكي كنوز الدنيا يا عائشة.

هزت عائشة رأسها إيجابًا، وربتت على كتف خالتها بحنو، وقالت بوعد صادق خرج من قلب مجروح:

-لو على جثتي مش هبيع ليهم البيت، مش بعد اللي شوفته منهم واللي عملوه فيا هوافق على أي حاجة هما عايزينها.

 أومأت خالتها بتفهم وكأنها تحاول بقوة أن تُبعد تلك الذكريات المؤلمة عن ذهن عائشة، ثم غيرت مجرى الحديث متسائلة:

-لسه بردو معرفوش مين اتهجم عليكي في العيادة وسرقها؟!

هزت عائشة رأسها نفيًا وقالت بصعوبة مؤلمة وهي تستحضر تلك اللحظة القاسية:

-لا مفيش أي أخبار، كان ملثم ومش باين منه أي ملامح.

 وقبل أن يستقر الصمت من جديد اندفع عمر وليلة نحوها، وقالا بصوت واحد، امتلأ بالرجاء وبراءة الأطفال، ما رقق قلبها رغماً عنها:

-مامي ممكن نجيب هدية لـميرال صاحبتي ونطلع عيد ميلادها بكرة؟

كادت الكلمات تخرج منها برفض قاطع؛ فخوفها لم يكن من الهدية، بل مما قد يواجهه طفلاها من معاملة جافة أو كلمة جارحة من الآخرين، لكن شريهان سبقتها وانطلقت تمسك بأيديهما بحماس وهي تضحك:

-يا خرابي وهي أمكم تقدر ترفضلكم طلب، يلا بينا ننزل المكتبة اللي تحت نجيبلها هدية حلوة بـ ٢٠٠ جنيىة عشان الميزانية.

وسحبتهما خلفها دون أن تنتظر قبولًا أو رفضًا من عائشة.
فزفرت بقوة ونهضت مسرعة خلفهم، تحاول إيقافها وهي تقول بضيق واضح:

-خالتو لو سمحتي، أنا لسه موافقتش...خالتو.

                                            ***

جلست "غالية" في المقعد الخلفي من سيارة "أم ناصر" ملاصقة لها، بينما كان السائق يتولى القيادة في المقعد الأمامي، ساد الصمت داخل السيارة صمت لا يقطعه سوى صوت احتكاك الإطارات بالطريق، وكأن الزمن نفسه قد تباطأ داخل ذلك الحيز الضيق.

 وبعد مرور ما يقرب من خمس عشرة دقيقة، لم تعد غالية قادرة على كبح ضيقها المتراكم، فزفرت بقوة وقالت بنبرة محتدمة لا تخلو من حدة:

-بس أنا من حقي أعرف إيه سر العدواة بينك وبينهم، عشان أقدر اعرف هساعدك ازاي؟

تنهدت "أم ناصر" بعمق وكأنها تستسلم لذكرى موجعة، ثم قالت بشرود مؤلم، وقد ارتسمت على ملامحها ظلال قسوة دفينة:

-تقدري تقولي عشموني بحاجة وبعدها غدروا بيا، وغدرتهم كانت وحشة، جرحتني، وأنا اللي يمس طرفي آكله بأسناني...

ثم التفتت ببطء نحو "غالية" وقد تغيرت نبرة صوتها إلى هدوء ماكر، ناعم في ظاهره وسام في باطنه، تسلل بخبث إلى خلايا عقل غالية دون استئذان:

-مش عايزة منك غير إنك تنقلي أخبارهم ليا، أي حاجة موسى بيفكر يعملها هو وابوه تيجي وتقوليهالي، وأنا في الوقت المناسب هقولك هعمل فيهم إيه، وفي الوقت ده انتي شوفي ازاي هتقدري توصلي لبراءة أخوكي ازاي؟

اتسعت عينا غالية باستنكار لاذع، وانفلتت منها ضحكة ساخرة تحمل مرارة الغضب أكثر مما تحمل سخرية وقالت:

-اه يعني اعملك اللي انتي عايزاه، وانتي متساعدنيش آخد بحق أخويا وأوصل لبراءته.

ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي أم ناصر، ابتسامة من تعرف جيدًا كيف تُدير خيوط اللعبة ثم قالت بثقة محسوبة:

-يا بشمهندسة غالية، يعني بذمتك لما أبعتك هناك وأظبط دخلتك لنجمة رشيد اللي مابيدخلش فيها إلا بعلم موسى ولو شك فيكي قولي على نفسك يلا السلامة، مش هيطردك لا هيقتلك، وده كله وبتقولي مش هساعدك، أما هدخلك رشيد بمعلمة وشغل عالي، ومش هخلي حد يشك فيكي، لغاية ما توصلي إنك تشتغلي عند موسى عزام نفسه.

تجمدت غالية في مكانها، وراحت الكلمات تتردد في رأسها كصدى بعيد، موسى عزام…الاسم وحده كفيل بأن يوقظ الخوف والريبة معًا، رفعت حاجبيها بشك واضح، وقالت بحدّة لم تستطع إخفاءها:

-وانتي إيه اللي خلاكي متأكدة إنه هيشغلني عنه؟!

لم تُجبها أم ناصر على الفور، بل أمالت رأسها قليلًا وحدقت في الطريق الممتد أمام السيارة، وكأنها ترى ما لا يراه غيرها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة، وقالت بصوت منخفض وواثق لا يقبل الجدل:

-عينه زايغة لامؤخذة، بيحب الطلة الحلوة وانتي طلتك هتعجب أمه.

اشتعل الغضب في عيني غالية، واستقامت في جلستها كمن تلقى إهانة غير مباشرة وقالت بحدة واضحة:

-ست انتي، انتي لو فاكرة لحظة إني ممكن امشي شمال تبقي غلطانة!

لم تنزعج أم ناصر بل قابلت حدتها بهدوء مريب، وقالت بنبرة عملية خالية من العاطفة:

-وانا قولت كده، أنا قولت بس طريقة دخولك، لكن انتي وشطارتك بقى متخليهوش يقرب منك.

ترددت غالية وارتعشت نبرتها رغماً عنها وهي تسأل بتوجس:

-يعني هو ممكن....ممكن يعني؟

هزت أم ناصر رأسها نفيًا بسرعة، وكأنها تقطع طريق الخوف قبل أن يتفاقم:

-لا...متخافيش مسمعتش عنه قبل كده، إنه مزواج أو مقضيها بس اسمع إنه بيحب البت الحلوة ميحبش يشغل بنات عنده شكلها لا مؤاخذة مش ولابد، موسى ده رايق اوي.

ساد صمت ثقيل، قبل أن تستأنف أم ناصر كلامها بنبرة أشد قسوة، وقد انخفض صوتها كأنها تحذرها من وحش كاسر:

-وخدي بالك إنه قتال قتلة، ومبيعملش حساب لبشر حتى أبوه نفسه.

انقبض قلب غالية وشعرت وكأن الهواء داخل السيارة أصبح أثقل، فقالت باضطراب لم تستطع إخفاءه:

-انتي بتخوفيني وبتخليني أرفض، مكملش في أي حاجة بفكر فيها.

التفتت أم ناصر إليها هذه المرة بوجه صارم، خالٍ من أي تلاعب وقالت بجدية حاسمة:

-لا أنا بعرفك انتي هتتعاملي مع مين بالظبط، الموضوع مش عادي ولا هما ناس عادية، خالص لازم تكوني حذرة وقبل ما تخطي الخطوة، تفكري فيها ألف مرة، وبعدين متقلقيش أنا هعرفك شخصية كل واحد فيهم، حتى عاصم نفسه رغم إنك مش هتتعاملي معاه.

ترددت غالية لحظة ثم قالت وكأنها تذكرت فجأة أمرًا مصيريًا:

-هتدخليني هناك ازاي أنا وأختي والدخول هناك صعب؟!

رفعت أم ناصر حاجبيها بدهشة خاطفة:

-إيه ده؟ هي أختك هتبقى معاكي؟

أجابت غالية بثبات ممزوج بعناد واضح:

-امال اسيبها لمين؟ ملناش غير بعض واللي هيسري عليا هيسري عليها، المهم إنها تكون جنبي.

تأملتها أم ناصر مطولًا وكأنها تزن قرارها في ميزان دقيق، ثم أومأت برأسها وقالت بنبرة حاسمة:

-وماله، طالما مالكة إيدك، من عنيا، هدخلك عن طريق واحدة حبيبتي هتشتغلي عندها خدامة كام يوم، وبعدها هقولك هتعملي إيه بالظبط وازاي هتتقابلي مع موسى.

شعرت غالية وكأنها على حافة هاوية مدببة، فاندفع شعور بالخوف حقيقي يسيطر عليها حتى إنها لم تشعر به عندما توفى والديها، فامتلأت عيناها بالدموع وهي تحدق أمامها في شرود تام، تقبض على يدها بقوة بالغة، كأنها تعتصر حقيبتها السوداء الصغيرة، فيما تسلل إلى مسامعها صوت تلك السيدة التي اقتحمت حياتها دون استئذان، وهمست بنبرة مبحوحة يغلفها السواد:

-لازم تاخدي حق أخوكي الغلبان من موسى عزام وعيلته يا غالية، أنتي مش ضعيفة ولا هما هيدوسوا عليكي عشان انتي وليه منكسرة مالكيش ضهر وسند، طول ما دماغك شغالة ودم أخوكي قدام عينك هتقدري تنتقمي منهم.

التفتت إليها ببطء وقد ازدادت لمعة الانتقام في عينيها شراسة وظلمة، فأخرجت الأخرى سلسلة ذهبية صغيرة، يتدلى منها نجم مرصع بفصوص لامعة، ولوحت بها أمام غالية على مهل:

-لو وافقتني، صدقيني عمرك ما هتندمي، السلسلة دي هي أمانك هناك، لازم تنسي إنك غالية عطية قاسم، انتي من النهاردة نجمة جلال الدين والسلسلة دي تفضلي لابساها ومتخافيش أنا ظبطتلك كل معلوماتك واسم غالية أنا همحيه من على وش الدنيا مؤقتًا، لغاية ما نشرب من دم عيلة عزام كلها، ولسه هظبط بيانات أختك متقلقيش.

اندثرت بقايا الخوف بين جنبات ظلمتها المخيفة، ولمع أمامها طريق من الأشواك، وفي نهايته انتقام ينتظرها من كل مَن سولت له نفسه الغدر بأخيها، ستجعلهم عبرة لكل مَن استباح لنفسه التجبر والظلم، ودفن إنسان بريء ليُحيي آخر فاسدًا لا يستحق أن يعيش ثانية واحدة.
                                         ***
في "وادي العرين".

تأرجح جسد "شوقي" يمينًا ويسارًا، معلقًا من قدميه ومرفوعًا إلى أعلى، كدمية بالية فقدت إرادتها، تساقطت من رأسه قطرات دم بطيئة، كأنها عد تنازلي صامت، ينذر باقتراب نهايته، فكان النزيف هادئًا لكنه خبيث، يسرق الحياة رويدًا رويدًا، بينما تشوهت ملامحه بفعل الكدمات الغائرة التي تركتها أيدي رجال عاصم، أولئك الذين فاجأوه بضربٍ وحشي منذ أن وطئت قدماه أرض الوادي.

لم يُتح له حتى أن يستوعب ما يحدث؛ فالمكالمة التي تلقاها من أحد أصدقائه، والتي استدعته على عجل بحجة ظهور صنف جديد من المخدرات، لم تكن سوى فخ محكم الإغلاق، أُعد له بعناية.

أطلق شوقي أنفاسه بصعوبة، وهو يحاول أن يثبت نظره على عاصم الجالس فوق مقعد خشبي قديم، فكان متكئًا في ثقة مستفزة، يضع ساقًا فوق الأخرى بعنجهية متعمدة، وفي يده سكينه يلمع نصلها تحت الضوء الخافت، تارة يمسحها بقطعة قماش، وتارة يديرها بين أصابعه بحركات دائرية بطيئة، كأنما يلاعب فكرة القتل نفسها.

صمت عاصم لأكثر من ساعتين كاملتين، لم ينبس خلالها بكلمة واحدة، بينما كان رجاله ينهالون على شوقي ضربًا، وكأنهم يهيئون جسده فقط، منتظرين اللحظة التي يتدخل فيها صاحب القرار.

وبصوت متحشرج، خرج من بين شفتي شوقي الممزقتين رجاء يائس:

-عاصم باشا، الرحمة ابوس ايدك، لو هتموتني موتني دلوقتي.

التفت عاصم ببطء ونظر إلى الفراغ أمامه ثم يمينًا ويسارًا، وكأنه يبحث عمن يُخاطب، قبل أن يقول باستنكار بارد:

-انت بتطلب الرحمة من مين؟

توقف لحظة ثم أمال رأسه بخبث وأضاف:

-مني؟

هز شوقي رأسه بعنف والدموع تختلط بالدم على وجهه:

-اه يا باشا....اه، لو مش عايز ترحمني، موتني وخلاص.

ابتسم عاصم ابتسامة جانبية لا تحمل سوى القسوة ثم قال:

-لا لو بتطلبها مني يبقى...حبيت، نزله يابني.

أنزلوه أرضًا كجثة نصف حية، فاقترب منه عاصم وانحنى قليلًا وقال بصوت ساخر:

-إيه يا شوقي مالك؟ تعبان ليه؟ خلي نفسك طويل، سكتنا لسه طويلة أوي أوي مع بعض، لدرجة إنك هتحفظ كل شبر هنا في الأوضة.

ارتجف شوقي وهو يهمس:

-ليه يا باشا؟ ليه أنا عملت إيه؟

ضحك عاصم ضحكة قصيرة ثم قال ببرود:

-لا...عملت كتير، لدرجة إن دماغك سحوتك وفكرت تكتب عيال عاصم عزام على اسمك يا كلب.

اتسعت عينا شوقي رعبًا:

-آآ...أنت...يا باشا، أنت عرفت، مش أنا....هما، اللي فكروا.

رفع عاصم يده إشارة للصمت:

-لا اهدى كده، واتكلم عِدل أنا عايز اسمع الحكاية من الأول، من أول سطر وانت كمان بتحكيها احكيها براحة أوي، عشان استمتع كمان وكمان.

اندفع شوقي يقبل يد عاصم وهو يرتجف بخوف كبير:

-بالله عليك يا عاصم باشا ارحمني، أنا يا باشا غلبان وبسمع الكلام، يا باشا مش أنا والله هما اللي قالولي أعمل كده، أنا كان مالي ومالي الحكاية السوده دي.

اقترب عاصم منه أكثر وقال بسخرية لاذعة:

-هما مين يا شقشق؟ صفية وچيني مراتي؟

ابتلع شوقي ريقه بصعوبة، وشعر بجفاف يحرق حلقه، كأن الكلمات نفسها تأبى الخروج، تردد لحظة ثم اندفعت منه الحقيقة مذعورة:

-اه يا باشا، هما والله، أنت كنت لا على البال وعلى الخاطر، لقيت البت صفية بتقولي إن چيني هانم لا مؤاخذة حامل منك والكلام ده حصل لما كانت غضبانة وعايزة تتطلق، فقولتلها ما تفرح عاصم بيه، قالت لا دي عايزة تحرق قلبه وتنزلهم، المهم يا بيه معرفتش تنزلهم.

قطب عاصم حاجبيه وصوته خرج حادًا كحد السكين:

-وبعدين؟

تنفس شوقي بعمق وكأن كل كلمة تُنتزع من صدره انتزاعًا:

-فهمتك إنها سافرت لأمها فرنسا، بس الحقيقة هي وأمها كانوا قاعدين في شقة في مصر والبت صفية كانت سابت شغلها هنا في القصر وسافرتلها تقعد معاها وتخدمها.

ضرب عاصم بيده على المقعد بعصبية وقال باحتقار:

-ما تنجز يا واطي، هو أنا بسمع فوازير رمضان؟

ارتعش شوقي وأسرع بالكلام خوفًا من أن يقطع صوته إلى الأبد:

-أنا جايلك اهو في الكلام يا باشا، المهم هي معرفتش تنزل العيلين ولبست فيهم، ومعرفش مين اقترح عليها تولدهم وتديهم لصفية تربيهم بمعرفتها، وفعلاً يا باشا البت صفية طمعت وفرحت وقالت ومالو، خدتهم من الست هانم وهما عمرهم لسه ساعات وسابت الست هانم وجت عاشت معايا
في شقتي في المنصورة الأول وثبتهم على اسمي، خوفت العيال تتشرد يا بيه.

توقف شوقي لحظة وكأن الكلمات خانته فجأة، ثم انكسر صوته وهو يواصل، فيما كان جسده يرتجف تحت ثقل الخوف واليأس، عندها ارتسمت على وجه عاصم ابتسامة ساخرة، وقال بنبرة تقطر تهكمًا:

-ياااا نبيل خالص يا شوقي وإيه كمان يا روح أمك، سمعني واشجيني.

ازدرد شوقي ريقه مجددًا، وقد أدرك أن الاعتراف لم يعد خيارًا، بل ضرورة أخيرة لتأجيل الموت:

-بس المسئولية كبرت عليا يا باشا ومعرفتش اربيهم تربية كويسة، فالدكتورة اللي كنت بشتغل عندها، مبتخلفش لا مؤاخذة، عرضت عليا تاخدهم وربتهم وكبرتهم، أروح اجبهملك يا بيه منها، اسمحلي بس اروح وأنا قبل طلعة النهار هتلاقيهم عندك.

لم يرد عاصم بالكلام، أخرج سكينه ببطء متعمد، فتح نصلها حتى صدر صوتًا معدنيًا حادًا اخترق الصمت، ثم أمسك بذراع شوقي فجأة، وبحركة قاسية كسرها، دوى صراخه في المكان، صراخًا هستيريًا مشبعًا بالرجاء والاستغاثة.

لكن عاصم لم يتأثر، اقترب منه أكثر وقال بتهديد لاذع، وصوته ثابت كأنه يتحدث عن أمر عابر:

-لا اهدى يا شوقي كده، هو أنا هسيبك بسهولة ولا فاكر إنك هتموت عادي كده، لا ده أنت موتك لازم تكون كبيرة وعبرة لأي حد يفكر إنه يدوس على طرفي، أنا عاصم عزام يالا فوق.

ثم وبحركة خاطفة لا تترك مجالًا للهرب، شق ذراعه الأخرى بالسكين، وانحنى فوقه حتى صار وجهه قريبًا من أذنه، وهمس بصوت مشبع بالتلذذ والقسوة:

-أنا هستناك انت يا معفن عشان تجيبلي عيالي، أنا هروح اخدهم حالاً من بيت الدكتورة بتاعتك نفسها، ولو قدرت تعارضني هجيبها هنا معاك تسليك.

ثم استقام عاصم ببطء، أعاد السكين إلى غمدها وكأنه يطوي صفحة لا تهمه، وأدار ظهره دون أن يلتفت، خفت الأضواء في المخزن، وبقي شوقي ممدّدًا على الأرض، أنفاسه متقطّعة كعد مكسور، ووعيه يتأرجح بين الإغماء والفزع.

و خارج الباب تردد صدى خطوات عاصم ثابتًا لا يعرف التردد، وهو ينوي الذهاب حالاً إلى حيث تسكن تلك الطبيبة عائشة.

                                           ***

وصل عاصم بعد ساعات من القيادة مع رجاله إلى حيث تسكن تلك الطبيبة، فكانت منطقة هادئة نسبيًا وبنايات بسيطة بالإضافة إلى بعض الأبراج، استعد للنزول فقال فايد:

-تحب اطلع معاك يا باشا؟

رد بنبرة جامدة:

-لا، خليك انت.

ترك سيارته وقبل أن يدخل للمدخل ارتفعت ضربات قلبه لأول مرة استعدادًا لمواجهة لم يكن يتخيلها حتى في أحلامه إطلاقًا، صعد درجات السلم بهدوء تام جدًا ولكنه تجمد فجأة مكانه عندما استمع إلى صوت بكاء وصوت آخر يتحدث، فوضع يده سريعًا على مسدسه دون لحظة تفكير.


                 الفصل الخامس من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة