
"خسارة الجولة الأولى"
*قبل قليل*
خرجت "عائشة" من غرفتها بعد أن قضت ساعة أخرى وحيدة، تجوب أفكارها بحثًا عن حل لتلك المعضلة التي أثقلت صدرها وأرهقت ذهنها، حتى كادت أنفاسها تضيق بها، وما إن وطأت قدماها الصالة حتى فوجئت بفراغها التام؛ لا صوت سوى حركة عمر كعادته، جالسًا على الأرض يلعب بألعابه وحده، غارقًا في عالمه الصغير، غير عابئٍ بما يثقل عالمها.
اتجهت بخطوات هادئة نحو المطبخ، فاستقبلتها رائحة الحلوى الدافئة، وصوت السيدة أم كلثوم ينساب رخيمًا من مذياعٍ قديم، وكأن الزمن قرر أن يتوقف عند لحظة صفاء نادرة، فكانت خالتها شريهان تقف أمام الموقد، تتحرك بخفة وابتسامة دافئة على غير عادتها.
توقفت "عائشة" عند عتبة المطبخ، ترمقها بدهشة صامتة قبل أن يدفعها فضولها إلى السؤال:
-اقدر أعرف إيه اللي مخليكي سعيدة كده يا خالتو؟ ده أنتي لسه سايباني من ساعة وكنتي عادي مضايقة زيي.
التفتت "شريهان" إليها وعلى شفتيها بسمة مقتضبة تحمل قدرًا من اللامبالاة المتعمدة، وقالت:
-حسيت باكتئاب قولت اعمل أم علي تفرفشنا.
ارتسمت على وجه "عائشة" نصف ابتسامة باهتة، لم تلبث أن تلاشت وهي تستدير بعينيها في أرجاء المكان، تبحث عن صغيرتها ليلة:
-هي لولي نامت ولا إيه؟!
وضعت "شريهان" طواجن أم علي الصغيرة على الطاولة بعنف مكتوم، ثم قالت بصوت مرتفع يشي بالغضب والدفاع المسبق:
-بصي بقى البت ميرال صاحبتها قابلتنا واحنا طالعين من المكتبة وطلبت مني تاخد ليلة تساعدها في تعليق الزينة وأنا وافقت، إيه عايزاني اطلع ماليش قرار ولا رأي خالص، وبعدين أنا مبقدرش اكسر فرحة ليلة والبت عايزة تقف مع صاحبتها.
زمت "عائشة" شفتيها بضيق بالغ، وامتنعت عن التعليق، إذ بدا واضحًا من نبرة خالتها المندفعة أنها أغلقت باب النقاش تمامًا، وكأن أي اعتراض محتمل قد تم إعدامه سلفًا.
تقدمت خطوة إلى الأمام وقالت بنبرة صارمة، دون أن تنظر إلى شريهان التي سارعت بإدارة ظهرها، متظاهرة بالانشغال في إكمال الحلوى:
-عمر، اطلع نادي اختك وقولها كلمي ماما بسرعة.
أومأ "عمر" برأسه في طاعة، ثم انطلق ينفذ الأمر بينما جلست "عائشة" في مكانها، تحاول كبح غضبها، وتعد في رأسها الكلمات التي ستواجه بها ابنتها، فكانت تنوي حديثًا صارمًا يعقبه خصام وجيز، ساعة أو ساعتان على الأكثر؛ فهي لا تحتمل الفراق منها أكثر من ذلك مهما ادعت الحزم.
ولكن عودة "عمر" سريعًا، وملامح الضيق مرتسمة على وجهه الصغير، أربكت حساباتها إذ قال باقتضاب:
-عمو يامن الرخم مرضيش يدخلني، وقالي خلي مامتك تطلع تاخدها.
تجمدت ملامح "عائشة" وعقدت حاجبيها بقلق مشوب بالغضب، بينما كان "عمر" ينظر إليها بعدم فهم، متعجبًا من التحول المفاجئ في تعابير وجهها، فنهضت دون أن تنطق بكلمة، واتجهت إلى غرفتها بخطوات سريعة، أخرجت شفرة نسائية حادة وضعتها في جيب سترتها القطنية بحركة تلقائية، ثم اندفعت إلى الطابق العلوي وملامحها واجمة، وعقلها يعج بالأسئلة والشكوك.
طرقت الباب طرقات حادة متلاحقة، فما لبث أن فُتح، ليظهر "يامن" والد "ميرال" وعلى وجهه ابتسامة عريضة تنم عن رضا وثقة، وكأنه كان واثقًا من صعودها.
بادرت "عائشة" بالحديث، ونبرتها حادة لا تخلو من الغضب المكبوت:
-في إيه يا دكتور يامن؟ بعت عمر ياخد اخته، قولتله اطلع أنا اخدها، خير ان شاء الله؟!
اتسعت ابتسامته فبدت لها لزجة ومزعجة، ثم أفسح لها الطريق قائلًا:
-ادخلي ناديها، أصلها مش راضية تنزل ومُصرة تساعد ميرال في اوضتها.
زفرت "عائشة" بقوة وشعرت بحرارة تسري في صدرها، ثم تساءلت بحدة، وهي تطل بنظرها إلى الداخل قبل أن تخطو خطوة واحدة:
-هي مدام سالي هنا؟!
هز رأسه بصمت دون أن يعقب بكلمة واحدة، ثم ابتعد عن الباب قليلًا، كمن يفسح المجال ظاهريًا بينما يضمر نية مغايرة تمامًا، دخلت "عائشة" بخطوات حذرة، يكاد ثقلها يجرها جرًا، فيما كانت ضربات قلبها تعلو وتتصادم داخل صدرها بعنف أربك أنفاسها، فلم تشعر بالراحة إطلاقًا؛ ذلك الإحساس الخفي بالتهديد كان يلتف حولها كحبل غير مرئي، خاصة مع نظرات يامن المستمرة من خلفها، نظرات لم ترها بعينيها، لكنها شعرت بها تسري فوق جلدها وتُربك توازنها.
استدارت برأسها لتسأله عن غرفة ميرال، إلا أنها لم تُكمل التفاتتها، إذ باغتها فجأة بجذبة عنيفة نحو إحدى الغرف الجانبية، في تلك اللحظة شُل نصف جسدها من الصدمة، وتجمدت أطرافها حين وجدت نفسها محاصرة بين الجدار وجسده، ووجهه يقترب منها اقترابًا خانقًا، يقتحم مساحتها دون إذن.
فقال بصوت منخفض مشحون بلهفة مريضة:
-في إيه يا عائشة هو انتي ليه مش حاسة بيا خالص؟ أنا بقالي خمس سنين بلف وراكي وانتي ولا هنا، مش شايفاني لدرجة دي.
حاولت إبعاده بكل ما أوتيت من قوة، تدفعه بكفيها المرتجفتين بينما كان الغضب يتصاعد داخلها كبركان مكتوم، حتى شعرت أن صدرها على وشك الانفجار، وأن الكلمات قد تخرج منها نارًا لا صوتًا:
-ابعد عني انت اتجننت، ابعد أحسنلك، هصوت ومراتك هتيجي وهفضحك.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة مشوبة بالاستهانة، وكأن تهديدها لا يعني له شيئًا، ثم قال بنبرة هامسة أقرب إلى الهمس المسموم:
-هو انتي صدقتي إنها هنا، متخافيش البومة مش هنا، أنا مش عايز منك غير إنك توافقي، وافقي اتجوزك وهاخدك انتي والولاد وخالتك واقعدك بعيد عن هنا، ولو مش عايزة حد يعرف مش مشكلة اخدلنا شقة أنا وانتي ومحدش يعرف إيه رأيك.
في لحظة امتزج فيها الرعب بالاشمئزاز رفعت يدها وصفعته، فكانت تريدها صفعة قاسية وموجعة، تُفرغ فيها كل ما بداخلها من قهر وخوف لكنها خرجت ضعيفة ومرتعشة، كارتجاف روح تُنتزع قسرًا من أمانها.
رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين يملؤهما الاحتقار، وقالت بصوت موبخ، ثابت رغم ارتعاشها الداخلي:
-حقيقي انت أحقر راجل شوفته في حياتي، ومعندكش دم ولا بتفهم، رفضتك مرة واتنين وتلاتة إيه البعيد غبي مابيفهمش.
كانت كلماتها كسياط لاذعة، جلدت كبرياءه قبل جسده، ولكنها لم تكن تدري إن كانت ستكفي لردعه، أم أنها مجرد صرخة أخيرة في مواجهة ذئبٍ لم يشبع، ذئبٍ أعمته شهوته حتى لم يعد يرى في الرفض إلا تحديًا، ولا في الكرامة إلا عائقًا يجب سحقه.
غامت عيناه بوميض فج، خليط من الشهوة والغضب، ولم تشفع له صفعتها القاسية التي لطمت ما تبقى من رجولته الزائفة، بل زادته توحشًا، في تلك اللحظة أدرك أنه لا يريدها بقدر ما يريد كسرها وإذلالها....أن ينتصر عليها بأي ثمن.
لذا اندفع نحوها محاولًا لمسها، يده تمتد كأنها سلاح، وصوته يخرج شرسًا ومهددًا...محملًا بالقذارة:
-اهدي كده يا شوشو عشان لو صوتّي بردو، عيالي برة هيفهموكي غلط، والفضيحة كده كده هتحصل، هما عشر دقايق والدنيا هتبقى زي الفل.
حاول تقبيلها بكل الطرق، محاصرًا إياها بجسده بينما كانت هي تتحرك بهستيريا أحيانًا تتلوى وأخرى تدفعه ثم تضربه، فكانت أنفاسها متقطعة وقلبها يخفق كطائر محبوس يبحث عن ثغرة للنجاة.
وفي لحظة يأس مشحونة بالبقاء، مدت يدها داخل جيب سترتها وجذبت الشفرة ثم بحركة غريزية حادة صوبتها نحو يده، اخترق المعدن جلده فانفجر الدم، جرحًا عميقًا جعل صوته ينحبس في حلقه، وتأوه في صمت مؤلم، يتراجع خطوات عشوائية وهو يحدق في الدم المتدفق بذهول لم يستوعبه بعد.
لم تنتظر "عائشة" ثانية واحدة، اندفعت خارج الغرفة ترتجف، تهندم ثيابها بيد مرتعشة، وكأنها تحاول إعادة ترتيب جسدها قبل روحها، ثم صاحت بأعلى صوتها، فخرج مبحوحًا لكنه حاسم:
-ليــــــلـــــة، انـــتـــي فــــيـــن؟
خرجت "ليلة" مسرعة وقد انعكس القلق في عينيها الصغيرتين بسبب نبرة أمها المرتفعة:
-نعم يا مامي، أنا هنا أهو.
جذبتها "عائشة" بقوة إلى صدرها، واستدارت بها نحو باب الشقة، عقلها لا يرى إلا النجاة إلا أن إحساسًا خانقًا باغتها؛ بوجوده خلفها، تجمد الدم في عروقها، وتشبثت بابنتها وكأنها تتمسك بالحياة نفسها.
وفي لحظة لم تدرك إن كان الحظ فيها حليفًا أم شاهدًا صامتًا، انفتح باب الشقة ودخلت "سالي" زوجة "يامن" وقد عادت لتوها من عيادتها؛ وملامحها متجهمة من إرهاق العمل، توقفت فجأة وتجمدت نظراتها بين عائشة وابنتها ومظهر زوجها المرتبك من خلفهما.
شعرت "عائشة" بأن أنفاسها تضيق، وكأن الهواء انسحب دفعة واحدة من رئتيها، خاصة حين قالت "سالي" بصوت مرتفع، مشوب بالاستنكار والدهشة:
-الله الله إيه ده بقى يا دكتور يامن، بتعمل إيه دي في شقتي وأنا مش موجودة؟!
التفتت "عائشة" ببطء نحو يامن، فرأته يخفي يده المصابة خلف ظهره وملامحه متصلبة، أما صوته فخرج غليظًا ومحتقنًا وكأنه يفرض روايته بالقوة:
-هتكون بتعمل إيه يا سالي؟ جاية تاخد بنتها ونازلة!
لكن الدم الذي كان لا يزال يقطر، والارتباك الذي لم يستطع إخفاءه رغم محاولاته البائسة للتماسك، كانا أبلغ من كلماته جميعًا، لم تمر تلك التفاصيل الصغيرة دون أن تلتقطها عيون بريئة لم تُدرب بعد على الكذب، إذ خرج صوت "ميرال" من خلفه مرتجفًا بالصدمة:
-بابي إيدك متعورة جامد!
هز رأسه بهدوء مصطنع، وانحنى قليلًا ليكون في مستوى نظرها ثم ابتسم ابتسامة صغيرة زائفة، يطمئنها بها قبل أن يطمئن نفسه:
-اه يا حبيبتي، ايدي اتعورت من سكينة المطبخ.
لم تنتظر "عائشة" مزيدًا من المشاهد الزائفة، فجذبت ابنتها بسرعة، وكأنها تخشى أن تُنتزع منها، وتحركت نحو الخارج بينما خرج صوتها متهدجًا، مكسور الحواف من فرط التوتر:
-عن إذنكم.
وقبل أن تخطو خطوة واحدة نحو السلم، وقبل أن تبتعد عن بؤرة الاتهام، جاءها صوت سالي عاليًاو قاسيًا، يقطر حنقًا واستعلاءً:
-اه يا دكتورة يا محترمة عن إذنكم ونازلة، بعد ما تجرأتي وطلعتي بيتي في عدم وجودي، وعاملة الحجة بنتك.
ثم استدارت فجأة نحو صغيرتها ميرال، وصاحت فيها بحدة أفزعت الطفلة:
-هو أنا مقولتش البنت دي متعرفيهاش تاني ولا تصاحبيها.
عند تلك اللحظة فاض الكيل، واستدارت عائشة بحدة، وقد بلغ احتقانها ذروته واحمر وجهها من شدة الغضب لا من الخجل، وقالت بصوت مرتعش لكنه صلب:
-أنا ساكتلك وعاملة حساب للجيرة، لكن اقسم بالله كلمة كمان ومش هسكتلك، ولو على بنتي فـ والله بنتك هي اللي مُصرة تصاحبها رغم إن أنا منبه على بنتي مليون مرة متطلعش هنا ولا ليها دعوة ببنتك...
توقفت لحظة قصيرة وكأنها تلتقط أنفاسها، ثم تقدمت خطوة نحو سالي، ونظرت إليها بتلك النظرة المتعالية ذاتها، النظرة التي طالما استقبلتها منها، محملة بالانتقاص المقنع، والسم المغلف بالذوق المصطنع، ثم قالت ببرود قاطع:
-والحقيقة العيب مش في بنتك نهائي، العيب إن عندها أب وأم غير سويين نفسيًا.
لم تنتظر ردًا، أمسكت بيد ابنتها بقوة، وبدأت تهبط الدرج سريعًا وخطواتها متلاحقة، أما قلبها يسبقها بالخوف، ورغم ابتعادها لم تصمت سالي، بل ألقت كلماتها السامة خلفها...كلمات وصلت واضحةو جارحة، لا تخطئ هدفها:
-هستنى إيه من واحدة معندهاش راجل يلمها وبتدخل بيوت الناس في عدم وجود أصحابها.
لكن هذه المرة، لم يحتمل يامن وانفلتت أعصابه فجأة، فجذبها إلى الداخل بعنف مكتوم، وقال بنبرة متوترة يظهر فيها الضيق أكثر مما يظهر الدفاع:
-خلاص بقى يا سالي ادخلي، كفاية فضايح لغاية كده.
تلاشى اعتراضها وسط غضبه ومحاولاته لإسكاتها، حتى أغلق الباب بقوة، فكان صوت ارتطامه كأنه نهاية فصل كامل من الرعب، وفي الأسفل توقفت عائشة للحظة، تستند إلى الحائط وهي تتنفس بقوة، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وقد تجمعت الدموع في مقلتيها، لا من الضعف بل من فرط الرعب.
رعب أن يخرج أحد ساكني البناية، أو أن يسمع...أن يرى...أن تبدأ الألسنة في نهش سمعتها، فكانت تعلم بيقين موجع، أنه إذا انطلقت الشائعات، فلن تستطيع إسكاتها مهما علت الحقيقة.ومهما كان صوتها صادقًا.
-خشي جوه وأنا بعد شوية هدخل.
أومأت "ليلة" برأسها في صمت وحزن ممزوج بحرج واضح في نظراتها الصغيرة نحو والدتها، قبل أن تستدير وتدخل الشقة ببطء، وكأنها تخشى أن تتركها وحدها في تلك الحالة.
وما إن أُغلق الباب خلفها حتى انهارت عائشة جالسة على إحدى درجات السلم، جسدها ينكمش على نفسه، وكتفاها يهتزان وهي تكتم شهقاتها بجهد مضنٍ، فرفعت يدها المرتجفة تمسح دموعها بعنف، ليس رغبة في زوالها، بل كأنها تعاقب نفسها على ضعف ترفض الاعتراف به.
فكان القهر يعلو ساحة مشاعرها، كصخرة وُضعت فوق صدرها، تمنع عنها الهواء وتذكرها بعجزٍ قديم لم يُشفَ بعد،
وفي تلك اللحظة سُحبت قسرًا إلى دهاليز ذاكرتها.
تدفقت صور الماضي بعنف وضربت خلايا عقلها الهش بلا رحمة، تتزاحم دون استئذان، يتقدمها صوت طالما كرهته، صوت حاولت محوه مرارًا، دفنه تحت طبقات النسيان، لكنه يعود دائمًا، أكثر وضوحًا كلما ضعفت.
فرأت نفسها كما كانت يومها، تقف مذلولة ومكسورة الجناحين، في ليلة كان يُفترض أن تكون أسعد ليالي العمر، فستانها الأبيض لم يكن حينها رمزًا للفرح، بل كفنًا ناعمًا لامرأة تُسلم لمصيرٍ لم تختره.
تذكرت كيف وقفت عاجزة عن الصراخ وعن الهرب...عن الاعتراض، وكيف تعلمت في تلك الليلة الأولى أن الصمت قد يُفرض، وأن الكرامة يمكن أن تُدهس باسم الأعراف، وباسم الستر.
**
جففت خصلات شعرها بعناية، ووضعت القليل من مساحيق التجميل ولم تبالغ، فقط ما يكفي ليخفي ارتعاش عينيها ويمنحها شجاعة مؤقتة، فكانت تنظر إلى نفسها في المرآة بترقبٍ مشوب بالخوف، كأنها ترى امرأة أخرى لا تعرفها تمامًا.
انسدل على جسدها قميص وردي قصير ناعم الملمس، يلتصق بتفاصيلها بخجل أنثوي واضح، لقد كانت تلك المرة الأولى التي تتجرأ فيها على ارتداء شيء كهذا؛ فهي لم تُربَ يومًا على الجرأة ولا على المطالبة، لكن اليوم مختلف…اليوم مفترض أن يكون مختلفًا.
إنها ليلة زفافها على ابن عمها "الدكتور أحمد" طبيب الجراحة العامة، الرجل الذي أُخبرت طويلًا أنه نصيبها وأمانها، سمعت صوت باب المرحاض يُفتح، فالتفتت إليه بخجل فوري، لتراه يخرج مرتديًا منامته وملامحه جامدة، خطواته عادية كأن الليلة لا تعنيه، مر بجانبها دون أن يلتفت، وتوجه نحو الفراش ثم استلقى عليه في صمت بارد،
تجمدت في مكانها للحظات.
نظرت إليه بعدم فهم ثم عادت بعينيها إلى المرآة، تفحص نفسها مرة أخرى، كأنها تبحث عن خطأ ما، عن شيء لم تلاحظه، أعادت النظر إليه وهذه المرة تسللت إلى صوتها نبرة توتر واضح:
-أحمد هو أنت هتنام؟
التفت نحوها ببطء وبرود مقصود، ورمقها بنظرة مشمئزة، نظرة تعمد أن تكون جارحة، ثم قال دون تردد:
-اه هنام، انتي مستنيه يحصل بينا إيه يا عائشة؟ أنا لا يمكن ألمسك وأساسًا أنا مش هستفيد بحاجة منك لو لمستك وخليتك مراتي بجد، كده كده انتي أرض بور على رأي عمتي، يعني مفيش فايدة منك.
سقطت كلماته عليها كالسكاكين طعنة تلو الأخرى، حتى تجمدت ملامحها واتسعت عيناها بصدمة لم تستوعبها بعد، فشعرت كأن الأرض مالت من تحت قدميها، وقالت بصوت خافت غير مصدق:
-انت بتقول إيه؟
زفر بضيق وكأنه يمل من المشهد، ثم أجاب بنبرة حاسمة لا تعرف الرحمة:
-بقول اللي لازم تسمعيه من زمان، ويلا تصبحي على خير وعدي اليوم من غير أي مشاكل..
أدار ظهره لها وأسدل الغطاء وكأن الأمر انتهى، أما هي فبقيت واقفة في مكانها، القميص الوردي الذي ظنته رمزًا لبداية جديدة صار فجأة عبئًا متوحشًا، يذكرها بأنها في تلك الليلة لم تكن عروسًا، بل امرأة كُسرت كرامتها منذ اللحظة الأولى.
****
خرجت بعنف من فوهة ذكرياتها الأليمة، وكأنها تُنتزع قسرًا من غرق طويل، وانهارت باكية....بكاءً لم تحاول هذه المرة كبحه أو تجميله، وضعت رأسها بين يديها وأسندت مرفقيها إلى ساقيها، فكان جسدها منكمش وروحها عارية من أي قوة تدعيها أمام الآخرين.
همست بصوت متقطع وموجوع، يخرج من أعماق صدر أثقله القهر:
-حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا كلكوا، قهرتوني على نفسي.
ثم عادت تبكي بتشنج واضح، أحيانًا يختفي صوتها تمامًا كأن الحزن يخنقه، وأحيانًا يخرج متقطعًا وحادًا، كأن كل شهقة تحمل ذكرى لم تُنسَ.
وفجأة تسلل إلى سمعها صوت خطوات ثقيلة على السلم، خطوات جعلت جسدها ينتفض لا إراديًا، رفعت وجهها سريعًا بعينين حمراوين متورمتين، لكن قبل أن ترى أحدًا، جاءها صوت مألوف من الخلف، فكان صوت ليلة الذي بدا وكأنه يحمل ذنبًا أكبر من سنه:
-مامي حقك عليا، والله ما هعمل كده أبدًا.
ثم جلست ليلة إلى جوار والدتها، واقتربت منها بحذر طفولي، ترفع كفيها الصغيرتين لتربت بهما فوق شعر أمها ووجنتيها، ثم مالت برأسها قليلًا وهمست بصوت خافت يختلط فيه الخوف بالرجاء:
-هي شافتني لما كنت بشتريلها الهدية أنا وعمر وتيتة شريهان وطلبت مني أساعدها وقالتلي أنا معنديش صحاب غيرك يا ليلة، حبيت اساعدها بس مش هعمل كده تاني، المهم إنك متزعليش مني عشان خاطري.
شدت عائشة على شفتيها محاولة كبح دموعها، ثم مسحتها بعنف وكأنها ترفض أن تمنح الضعف فرصة للظهور، نظرت إلى ابنتها بعينين مرهقتين، وقالت بصوت مبحوح يفضح ما حاولت إخفاءه:
-خلاص يا ليلة مش زعلانة، بس متعمليش كده تاني واسمعي كلامي يا حبيبتي، شوفتي كلام مامتها وأسلوبها كان عامل ازاي؟
وقبل أن تتمكن ليلة من الاعتذار مرة أخرى، وجدت عائشة ذراعين صغيرتين تحيطان بعنقها من الخلف، وصوت عمر يعلو بتهديد بريء لا يخلو من الدعابة:
-مين زعلك يا ماما وأنا أضربه بالمسدس بتاعي؟
ضحكت عائشة رغم بقايا الحزن العالق في صدرها، وربتت فوق يده بحنان وقالت:
-لا خلي مسدسك لوقت عوزه، أنا هزقتهم ونزلت، المهم إن ليلة هتسمع كلام ماما.
ثم أضافت بنبرةٍ مازحة تخفي خلفها ضعفًا صادقًا:
-مع أني كنت ناوية أخاصمك ساعة بحالها، بس قلبي بيقولي لا مش هتقدري....تتصوري هقدر ولا إيه؟
اتسعت عينا ليلة بخوف صادق، وهزت رأسها سريعًا وهي تقول برجاء حزين:
-لا ولا دقيقة، عشان خاطري يا مامي مش هعمل كده أبدًا، صح يا عمر؟
تظاهر عمر بالتفكير ثم قال ببرود مصطنع:
-مش متأكد بصراحة!
رمقته ليلة بغيظ طفولي فغمز لها وهو يضحك عاليًا، ثم اندفع نحو والدته يقبلها مرارًا، حتى قاطعتهم شريهان بصوت يحمل ضيقًا ظاهريًا يخفي خلفه محبة خالصة:
-نكدتي على العيال يا عائشة حرام عليكي، قوموا يا ولاد عملتلكم بقى أم علي خطيرة.
زم عمر شفتيه في ضيق وهو يتمتم باحتجاج صبياني:
-يا تيتة شيري قولنالك مية مرة مبنحبش أم علي خالص، وبردو بتعمليها.
رمقته شريهان بنظرة حادة، وقالت بأمر لا يقبل النقاش، بينما ملامحها اللطيفة تناقض نبرتها الصارمة:
-طيب قوم انت واختك بقى ادخلوا ناموا، ومحرومين من حلوياتي لغاية أخر الأسبوع.
تمتمت ليلة وهي تنهض من مكانها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مازحة:
-الحمد لله بجد.
ثم انطلقت هي وعمر إلى الداخل، يركضان بخفة وقلق طفولي، يلتفتان خلفهما بين الحين والآخر خشية أن يصل إلى مسامعهما صوت شريهان، وما إن تأكدت الأخيرة من اختفائهما داخل الغرفة، حتى استدارت وجلست بجوار ابنة أختها، مائلة نحوها وهي تقول بمشاكسة تخفي خلفها حرصًا صادقًا:
-عجبك شغل الشحاتين وقاعدالي على السلم، ما تدخلي تعيطي جوه براحتك، ولا هو أي فرهدة وخلاص.
ضحكت عائشة بخفة محاولة أن تبدو بخير، وقالت بنبرة اعتذار مصطنعة لا تخلو من الامتنان:
-حقك عليا يا خالتو، المرة الجاية هاخد بالي.
لم تمنحها شريهان فرصة للمزيد من المزاح، بل جذبتها إلى صدرها بقوة، وعناقتها عناق يحمل دفئًا غامرًا، ثم قالت بصوت يفيض حنانًا وطمأنينة:
-يا عائش بكرة تروق وتحلى والله ولا تفكري في أي حاجة، ولو على شوقي والخمسين ألف اللي طالبهم طنشيه.
ثم أردفت بانفعال غاضب:
-هو الحمار ده يعرف إيه عن ولاده أصلاً ولا رباهم ولا حتى بيشوفهم ويعرف ملامحهم، مش من حقه يجي على الجاهز وياخدهم، طيب والله لو شوفته انط في كرشه.
ارتجفت شفتا عائشة وانكسر صوتها وهي تتمتم بنبرة باكية محترقة من فرط الخوف الذي يعصف بقلبها:
-بس هما ولاده يا خالتو، لو أخدهم غصب عني مش هقدر اقوله لا، أنا حاسة قلبي فيه نار من كتر الخوف، أنا هربت منه مرة، هقدر أهرب التانية لو مقدرتش أكمل الفلوس اللي طالبها.
ربتت شريهان فوق كتفها بحنان بالغ، ثم مالت تقبلها بلطف صادق، وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل الجدل:
-مش هنديله جنيه الكلب ده، ولا هنهرب ولو مسكتش هرازيه الحيوان ده، المهم متعيطيش كده، مبحبش اشوفك بتعيطي.
تنفست عائشة بعمق مرتجف، وخرج صوتها مكسورًا محمّلًا بوجع قديم يتراكم منذ سنوات:
-أول مرة أحس باليُتم وأحس إني ماليش ضهر اتسند عليه!
انتفضت شريهان في مكانها، ورفعت حاجبيها بغيظ مصطنع، وقالت بلهجة حادة تخفي خلفها حبًا جارحًا:
-اخص عليكي يا بت يا عائشة، امال أنا بعمل إيه في حياتك، ما أنا متنيلة ووسايبة بيتي في المنصورة وحياتي وقاعدة معاكي اهو.
ثم أردفت وهي تزفر بضيق:
-وبعدين بلا قرف الحمد لله ربنا خد أبوكي، وأمك بقى دي قدرها ونصيبها يا حبيبتي، قومي.....قومي كلي ام علي وانتي هتفرفشي.
ارتسمت ابتسامة واهنة على وجه عائشة، وقالت بصوت خافت:
-مبحبهاش يا خالتو.
لوحت شريهان بيدها في استسلام ساخر:
-حتى انتي، طيب قومي نامي زي عيالك، قرفتوني.
نهضت عائشة ببطء وجسدها مثقل بالهموم، وكأن كل خطوة تخطوها تحمل معها عبئًا جديدًا، وقبل أن تدخل الشقة، توقفت ورفعت رأسها قليلًا، وقالت بقهر طازج أُضيف لتوه إلى مأساتها التي لا تنتهي:
-صحيح احنا لازم ندور على شقة في أقرب وقت، سالي ويامن مش هيسيبوني في حالي، وممكن تضايق الولاد ولا حاجة وأنا مش هستحمل.
أجابت شريهان بلا مبالاة متعمدة، وكأنها تحاول تخفيف فكرة الانتقال بالسخرية:
-هي كده كده خربانة خشي يلا، أنا فيا حيل للنقل أصلاً.
دخلت عائشة الشقة وأغلقت الباب خلفها بهدوء منهك، بينما ظل صدى كلماتها عالقًا في المكان، يتردد بين جدران السلم كأنه شاهد صامت على ما قيل، ولم تكن تدري أن في الطابق الأسفل رجلًا يقف جامدًا، يستند إلى الدرابزين بيد مرتجفة، يستمع لكل حرف نطقته، ولكل ضحكة صدرت من طفليه… ضحكة لم يسمعها أبدًا من قبل.
تسمرت قدما "عاصم عزام" في موضعهما، وكأن جسده قد تحول إلى حجر، الصدمة شلت أطرافه، وسلبت منه القدرة على التفكير أو الحركة، فذلك الجزء في صدره الذي لطالما ظن أنه لا يفعل أكثر من ضخ الدم، تمرد فجأة وبدأ ينبض من جديد، نابضًا بألم حارق لم يختبره من قبل.
لم يكن يتوقع أن سماع صوتيهما فقط سيكسر قسوته، ولن يتخيل أن بضع كلمات بريئة ستسحب مشاعره بقوة إلى ساحة الشوق، وتدفعه دفعًا إلى الرغبة في رؤيتهما وفي ضمهما، في استعادة شيء ظنه مات داخله منذ زمن بعيد.
وما كان أكثر ما أوجعه ذلك التعلق الواضح بها، تعلق صادق وطبيعي، لا تشوبه رهبة ولا خوف، عندها فقط أدرك أنه لا يجرؤ على أخذهما لا الآن، ولا بالطريقة التي كان ينويها، كل الخطط التي رسمها انهارت في لحظة، وكل القسوة التي اعتاد الاحتماء بها تهاوت أمام حقيقة واحدة، أطفاله ليسوا معركة ولا غنيمة.
وقف "عاصم عزام" عاجزًا لا يجيد الحركة ولا تنفيذ قراره، عاصم الرجل الذي لم يُهزم يومًا، تذوق الهزيمة للمرة الأولى في حياته، لم تكن هزيمة أمام خصم بل أمام نفسه.
فاستدار فجأة وانطلق هاربًا، لا يعرف كيف سيعود إلى دائرة أطفاله دون أن يؤذيهم، ولا كيف سيتعامل مع ذلك الضعف الذي انكشف داخله على حين غفلة.
هبط درجات البناية بسرعة، صدره يعلو ويهبط باختناق خانق، ونار مشتعلة بالانتقام تتأجج في أعماقه، موجهة نحو كل من كان سببًا في إبعاده عن طفليه، وحرمانه من تلك الأحاسيس التي سرقها منه الزمن، توقف عند مدخل البناية، يحاول أن ينتظم في تنفسه وأن يستعيد قناع الصلابة، ألا يسمح لضعفه بأن يطفو على السطح.
لكن فايد اخترق دائرته واقترب منه وهو يسأله بقلق واضح:
-إيه يا باشا؟! انت كويس؟ مجبتهمش ليه؟
رفع "عاصم" بصره إليه، ونظرة طويلة مرهقة ارتسمت في عينيه، تختلط فيها مشاعر الغضب بالحيرة والانكسار، ثم قال بصوت أجش، وهو يتجه بخطوات ثقيلة نحو سيارته:
-الوقت اتأخر، خلي حد من الرجالة تقف هنا وتحرسهم، لغاية ما أشوف هعمل إيه.
لم ينتظر ردًا بل اختفى داخل سيارته وأغلق الباب خلفه بقوة، تاركًا فايد واقفًا في مكانه، يرمقه بنظراتٍ مستهجنة، لم يعتد أن يرى رب عمله هكذا؛ مترددًا ومهزوزًا، كأن الرحمة تسللت إلى قلبه عنوة، وخلخلت ما ظنه الجميع صخرًا لا يلين.
ولأول مرة لم يكن عاصم عزام مخيفًا، فقد كان أبًا خسر الجولة الأولى.
***
في "نجمة رشيد".
ارتفعت ضحكات موسى عاليًا، ضحكات مجلجلة تخترق المكان بحدتها، وهو يستمع إلى الرجل الذي كلفه بمراقبة عاصم، مال إلى الخلف قليلًا ثم اعتدل في مقعده كمن التقط صيدًا نادرًا، وقال بنبرة يملؤها الاستمتاع:
-قول تاني كده، إيه مخدهمش!
وانفجرت ضحكاته من جديد، ضحكات تحمل من الجنون بقدر ما تحمل من الشماتة، غمز لصالح الذي كان يقف قبالته بملامح جامدة، فقد اعتاد على تلك النوبات التي تصيب موسى، خاصة حين يكون عاصم طرفًا فيها وقال بسخرية لاذعة:
-مش معقول!....ده طلع قلبه قلب خسايه وأنا معرفش.
ثم زفر بضيق مصطنع والتفت إلى صالح وهو يقول بتذمر واضح:
-تصدق أنا زعلت، أنا كان نفسي اتفرج لما يبعت ياخد چيني من فرنسا هي وعمي ويدعكهم في بعض، يااااه متعة.
ثم أضاف وهو يغمض عينيه نصف إغماضة:
-الانتقام ده أحسن متعة ممكن يحسها إنسان يا صالح.
أومأ صالح برأسه موافقة مقتضبة، ثم أشار للرجل الواقف الذي بدت عليه علامات القلق من تقلب ملامح موسى بين لحظة وأخرى فأذن له بالمغادرة، انصرف الرجل مسرعًا، بينما ظل موسى شاردًا وبسمة عابرة تستقر على وجهه كقناع مؤقت، فمال صالح نحوه قليلًا وسأله بفضول حذر:
-هنعمل إيه مع عياله؟ تحب ناخدهم قبل ما هو ياخدهم؟!
انتبه موسى إليه فجأة واختفت خفة ضحكاته، وحل محلها جمود مخيف، رغم بقايا ابتسامة لم تبارح شفتيه، وقال ببرود متعمد:
-لا ولا أي حاجة خالص.
ثم أردف ببطء مقصود:
-هنسيبهم يتعلق بيهم ويحبهم وبعد كده نحسر قلبه واحدة واحدة عليهم.
ابتلع صالح ريقه وأومأ بتفهم صامت؛ كان يعرف أن هذا الهدوء أخطر من أي نوبة غضب، ثم حمحم بخشونة وقال بصوت منخفض:
-طيب عثمان بيه زعق ورفض إن مصعب بيه يقعد أكتر من كده تحت في الاوضة، وخرجه.
زفر موسى بقوة وعادت علامات الضيق تسيطر على ملامحه للحظات، قبل أن يتمتم ساخرًا:
-والله أنا حاسس إن ابويا هو اللي بيجبله المخدرات.
ثم التفت إلى صالح فجأة وقال بلهجة آمرة لا تحتمل النقاش:
-شدد على الواد ده وشوفه بيتعامل مع مين، ومين بيجبله الزفت ده.
اقترب قليلًا وأضاف بنبرة تهديد باردة:
-حتى لو كان أبويا نفسه قولي ومتخافش، وديني ما أنا سايبه في حاله إلا لما أعرف مين حطه على الطريق ده.
ارتفعت طرقات الباب، فأذن صالح بالدخول، ولم تكن سوى شربات، التي دخلت بخطوات مرتجفة، والرعب يكسو ملامحها بالكامل ثم قالت بتلعثم.واضح:
-آآ...أنا....أنا جيت يا باشا، آآآ...أقولك على حاجة لحظتها في بيت الحاجة فايزة وبالذات على الست لمياء.
لمعت عينا موسى بوميض خطير، وارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة، ثم أشار لها بالاقتراب وهو يقول بصوت جامد لا يخلو من عبثه المرعب:
-قربي كده وقوليلي لاحظتي إيه يا شوشو.
ثم أضاف بنبرة منخفضة متوعدة:
-بس واحدة واحدة وإياكي تنسي حاجة.
وتجمد الهواء في الغرفة وكأن الشر نفسه جلس يستمع.
***
في اليوم التالي…
كانت "غالية" جالسة فوق فراشها المهترئ، تحدق مطولًا في تلك البطاقة الشخصية التي تحمل اسمها الجديد، وكأنها تحاول استيعاب حقيقة ما أقدمت عليه، مرت أصابعها المرتجفة على حواف البطاقة ببطء، بينما تتزاحم داخل صدرها مشاعر متناقضة؛ فحينًا يتسلل إليها الخوف فيقيد أنفاسها، وحينًا آخر يشتعل داخلها لهيب الانتقام حتى تشعر بأنها لو امتلكت القوة الكافية، لما ترددت لحظة واحدة في القضاء عليهم جميعًا دون رحمة.
أطلقت زفرة عميقة مثقلة بكل ما تحمله من أوجاع، ثم خفضت بصرها نحو أختها الصغرى فريدة، التي كانت نائمة فوق ساقيها متشبثة بها بقوة، وكأنها تخشى أن تستيقظ لتجد نفسها وحيدة في هذا العالم القاسي، ارتسمت ابتسامة حانية على شفتي غالية، إلا أن الخوف امتزج بتلك الحنان، خوف عليها قبل أي شيء، ففكرة فقدان فريدة كانت كفيلة بأن تحطم ما تبقى من صمودها، في تلك اللحظة حسمت أمرها بصمت؛ ستظل بجانبها ستحميها، ولن تتركها وحدها مهما كان الثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب دراستها ومستقبلها الذي بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا.
قطع سكون اللحظة طرق متواصل على باب الشقة، طرق حاد أربك أفكارها، أبعدت رأس فريدة برفق، محاولة ألا توقظها، ثم نهضت بخطوات مترددة نحو الصالة، فتحت الباب لكنها تجمدت في مكانها من الصدمة عندما رأت من يقف أمامها.
-حسام؟!
نطقت اسمه بدهشة صريحة، فقد غاب عن حياتها منذ زمن طويل، زمن ظنت أنها طوت صفحاته بلا عودة.
ابتسم "حسام" عند رؤيتها، ابتسامة لم تسترح لها ثم دفع الباب بهدوء مصطنع رغم وقوفها أمامه ومحاولتها الصامتة لمنعه من الدخول، فتجاوزها دون اكتراث وجلس على أقرب مقعد قديم، تتآكله آثار الزمن وأخذ يتفحص الشقة بنظرات متفحصة، وسرعان ما عادت عيناه إليها واتسعت ابتسامته وهو يقول بنبرة فجة خالية من أي احترام:
-وحشتيني يا غالية.
لم تجبه على الفور بل تعمدت ترك الباب مفتوحًا خلفها، كرسالة واضحة ترفض بها وجوده، ثم جلست قبالته متصلبة الملامح، وقالت بنبرة جامدة لا تحمل أي ترحيب:
-البقية في حياتك.
لوى فمه بضيق من ردها الجاف، ثم مال بجسده إلى الأمام وقال بنبرة متبرمة:
-لسه زي ما انتي يا غالية؟ متغيرتيش أبدًا؟!
رفعت حاجبيها باستنكار ونظرت إليه بنظرة حادة، ثم ردت بنبرة لاذعة تقطر احتقارًا:
-واتغير ليه؟ طالما أنا صح يبقى مينفعش اتغير مع الناس اللي متستاهلش مني نظرة!
ثم تنهدت بهدوء ظاهري يخفي خلفه سخرية مريرة، وأضافت بنبرة متعمدة الاستفزاز:
-هو أبوك يعرف إنك جاي؟ ولا جاي من وراه؟!
لمعت عيناه بوميض غامض وقال بهدوء فج استنكرته:
-لا جاي من وراه، عشان اللي جايلك فيه مينفعش حد يعرفه.
عقدت غالية ذراعيها أمام صدرها، وحدقت فيه بنظرة متحفزة، ثم قالت بسخرية جارحة تخفي خلفها قهرًا متراكمًا:
-ويا ترى إيه اللي عايزني فيه؟ الشقة وأبوك أخدها مننا وطردنا، ومبقاش حيلتنا حاجة، عايز إيه؟
ابتسم حسام ابتسامة ملتوية، ثم قال بنبرة خبيثة وهو يحدق فيها دون مواربة:
-عايزك انتي...اه متبصليش، عايز اتجوزك بس في السر من ورايا مراتي وأبويا وأمي، وأنا أولى بيكي يا غالية، وصدقيني هنقلك نقلة تانية خالص ومش هخليكي عايزة حاجة.
تجمدت ملامحها للحظة ثم أطلقت ضحكة قصيرة ساخرة، وقالت باحتقار صريح:
-اه... ده من باب جحا أولى بلحم طوره.
قطب حاجبيه بضيق ثم قال وهو يلوح بيده بعصبية:
-والله! وكمان بتتريقي عليا؟! غالية أنا فكرت فيكي وصعبانة عليا، انتي جميلة جدًا بس حظك زفت، لا عيلة ولا سمعة كويسة، متزعليش مني يعني أخوكي ميت وجابلك العار، مكنش بيعمل عمل شريف، ده كان بيسرق، فوقي أصل شايف تناكة في نفسك مشوفتهاش في الملكة إليزابيث.
في تلك اللحظة شعرت غالية وكأن سكينًا غُرس في صدرها، نهضت واقفة بعنف وارتجف جسدها من شدة الغضب، وصرخت به بصوت مبحوح:
-عارف انت لو مقومتش حالاً خرجت، أنا هفتح دماغك يا حيوان وإيهاب أخويا أشرف منك انت، اصلاً انت طول عمرك بتغير منه، فجاي بقى ترمي كلمتين مالهمش صنف اللزمة، بس هقول إيه الواطي هيفضل طول عمره واطي.
ضحك بسخريةٍ مستفزة ورد ببرود مقصود:
-بلاش هلفطة كلام، هو أنا اللي تهمته بكده، ما الشرطة اللي اثبتت إنه كان بياكلها بالحرام، تصدقي أنا كنت مستغرب أبويا ليه طردكوا بس كان عنده بُعد نظر.
في تلك اللحظة خرجت فريدة من غرفتها، وملامحها تشتعل غضبًا بعدما استمعت لكل كلمة، تقدمت بخطوات سريعة، وصرخت فيه بانفعال:
-اطلع برة يا حيوان، اطلع زي ما طردنا أبوك، انا أخويا أشرف منكم كلكوا يا زبالة.
نظر إليها حسام باستخفاف ثم قال وهو يتجه نحو الباب:
-طالع يا حلوة، طالع بتطرديني من الجنة يعني، ده أنا كنت جاي أستر عليكوا، وعلى اختك اللي هتبور، وأخرتها هتتجوز واحد من نفس البيئة.
ثم خرج بالفعل وأغلق باب الشقة خلفه بقوة هزت الجدران،
انهارت غالية فوق المقعد، وانفجرت في بكاء عنيف، تهتز ساقاها بلا وعي، وكأن كل ما كُبت داخلها وجد طريقه أخيرًا للخروج، وبعد لحظات مسحت دموعها بعنف، ورفعت رأسها وعيناها تقدحان تحديًا، وقالت بصوت مرتجف لكنه حاسم:
-اقسم بالله لاندمكم كلكوا يا زبالة، أنا لو كنت خايفة إن اجيب حق إيهاب دلوقتي بقيت مصرة.
تناولت هاتفها بسرعة وأجرت اتصالًا بأم ناصر، التي ردت عليها فورًا، وما إن سمعت صوتها حتى قالت غالية بحدة وصوت متجهم:
-لو جهزتي نفسك أنا كمان جاهزة، ابعتي حد من عندك ياخد الورق اللازم عشان البطايق تتظبط، بس عندي شرط عندي..إيجار الشقة دي تفضلي تدفعيه عشان يوم ما احب اهرب من هناك الاقي مكان يأويني أنا وأختي.
أغلقت الهاتف وشعرت للمرة الأولى منذ زمن طويل أن طريق الانتقام لم يعد مجرد فكرة في رأسها، بل قرارًا بدأ يتشكل بوضوح مهما كان ثمنه.
***
في عيادة عائشة كانت تعمل هي والسكرتيرة على إعادة كل شيء إلى مكانه، محاولة محو آثار الحادثة الأخيرة استعدادًا لاستئناف العمل في اليوم التالي، ورغم انشغال يديها بالترتيب والتنظيف، فإن عقلها لم يهدأ لحظة واحدة؛ أفكارها تتزاحم بلا رحمة، وكلها تصب في اتجاه واحد، كيف ستدبر ذلك المبلغ الضخم لتضمن سكوت شوقي وتشتري به بعض الأمان المؤقت؟
لكن أفكارها تجمدت فجأة، وكأن الدم تجمد في عروقها، عندما اخترق أذنها صوت مألوف كابوسي جاء من خلفها:
-دكتورة عائشة.
تصلبت أطرافها في مكانها وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، ثم التفتت ببطء شديد وكأنها تخشى ما ستراه، وما إن وقع بصرها عليه حتى اتسعت عيناها رعبًا؛ كان شوقي يقف أمامها، لكن حاله تغير كثيرًا، وجهه ملطخ بالكدمات، إحدى عينيه متورمة بالكاد تُفتح، رأسه ملفوف بشاش طبي، إحدى يديه موضوعة في جبيرة، والأخرى تحمل جرحًا غائرًا لم يلتئم بعد.
تراجعت خطوة إلى الخلف بفزع، إلا أن ما زاد من توترها لم يكن مظهره وحده، بل وجود رجال غرباء يقفون خلفه، وإلى جواره رجل طويل القامة، عريض الكتفين وملامحه قاسية، ونظرته صلبة جامدة، وكأنه تمثال صُنع من صخر لا يعرف الرحمة.
ابتعدت خطوة أخرى تبحث بعينيها عن أي شيء يمكن أن تستخدمه للدفاع عن نفسها، وقالت بصوت متعثر مرتجف:
-انت جايب الناس دي تعمل فيا إيه؟ تضربني!
التوى فم شوقي بابتسامة ساخرة مشوهة، وهو يحاول فتح عينيه المتورمتين، ثم قال بنبرة تحمل مرارة واضحة:
-لا أنا اللي اتضربت، عايزين اوضة نكلمك فيها يا دكتورة أنا وعاصم باشا.
التفت بنظره إلى السكرتيرة التي كانت تمسك بالمقشة وتتجمد في مكانها من شدة الرعب، أشارت عائشة برأسها نحو غرفة الكشف، وتحركت بخطوات واهنة، مدت يدها لتفتح الباب لكن الرجل الطويل عاصم تقدم بخطوة وأغلقه مجددًا، ثم قال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:
-اللي هتسمعيه مش هتحبي حد تاني يسمعه.
وأشار برأسه نحو السكرتيرة، فلم تنبس عائشة بكلمة، واكتفت بإغلاق الباب في وجه فضولها القَلِق، اتجهت نحو مكتبها تحاول استدعاء ما تبقى من قوتها ورباطة جأشها، ثم قالت بنبرة تحذير تخفي خوفًا عميقًا:
-انت جاي ليه يا شوقي؟ أنا مالحقتش أدبرلك الفلوس.
انطلقت من شوقي ضحكة ساخرة امتزجت بالقهر والألم، وقال:
-لا فلوس إيه بقى، أنا لو عشت يبقى تمام.
قطع عاصم حديثه بنفاد صبر، وقال بلهجة آمرة حاول تخفيف حدتها من أجلها:
-قصر يالا وادخل في الموضوع على طول.
احمر وجه عائشة وتاهت نظراتها وهي تستمع إلى شوقي الذي اندفع بالكلام وكأن الخوف يسابق أنفاسه:
-من الآخر كده يا دكتورة، العيال اللي عندك دول يخصوا عاصم باشا عزام، دول ولاده وأنا كنت سارقهم لامؤاخذة منه، وهو ما يعرفش، فهو عايز ولاده عمر وليلة، وكتر خيرك على كده.
شعرت عائشة وكأن الأرض تميد من تحت قدميها، الكلمات اصطدمت بعقلها بعنف، فلم تستوعبها فورًا، وكأنها سمعت لغة غريبة عنها.
التفت شوقي إلى عاصم وقال بنبرة متوسلة مرتعبة:
-كده يا عاصم بيه؟ أنت كده في السليم، خد عيالك منها واعتقني لوجه الله، ولو مرضتيش اعمل فيها ما بدالك.
ساد صمت خطير في الغرفة، صمت كان أثقل من أي صراخ، بينما وقفت عائشة عاجزة عن الحركة، تشعر بأن عالمها كله ينهار دفعة واحدة، وأن الحقيقة التي انكشفت أمامها أخطر مما كانت تتخيل.