رواية في ظلال الوادي الفصل الثالث 3 بقلم زيزي محمد


رواية في ظلال الوادي الفصل الثالث 3 بقلم زيزي محمد


                        "لقاء الجبابرة" 

زفرت "عائشة" في ضيق مكتوم، زفرةً أثقلت صدرها أكثر مما أراحته، وهي تُصغي إلى حديثه المتواصل الذي لا ينتهي؛ عن وحدته المزعومة وحاجته الدائمة للمال، وحزنه المدعي على موت زوجته "صفية"، وحرمانه القاسي كما يزعم من رؤية طفليه.

آلام كان يسردها بإتقان لكن في نظرها لم تكن سوى قشور هشة، لا تنطبع ولو ببوصة واحدة على ملامحه المتخمة بالمكر والدهاء، فوجهه طالما بث في قلبها خوفًا غامضًا لم تستطع تفسيره، لكنها باتت تُجيده اليوم؛ خوف من رجلاً لا يعرف إلا الأخذ، ولا يتقن سوى لعب دور الضحية.

كانت عيناها شاردتين وعقلها غارقًا في دوامة من الأسئلة الثقيلة، حتى انتبهت فجأة إلى صوته المستفز يخترق سكون الغرفة بنبرة وقحة:

-ها يا دكتورة قولتي إيه؟ أجيلك امتى؟ بكرة ولا أسيبك كمان يومين تكوني دبرتي الشهرية لا مؤاخذة.

تجمدت الكلمات في حلقها قبل أن تخرج، وكأن لسانها خذلها في اللحظة الأكثر احتياجًا للكلام، لكنها لم تُمنح فرصة الرد، إذ باغتته خالتها "شريهان" بضربة قوية فوق رأسه من الخلف، مستخدمة حقيبتها وهي تصرخ بانفعال حاد:

-لا مؤاخذة تاخدك يا بعيد، إيه يالا مبتشبعش فلوس، ده انت بتعبد الجنية عبادة، والله ربنا رحمها مراتك وماتت عشان متشوفش وشك العكر ده.

التوى فم شوقي بضيق ظاهر وتصلبت ملامحه لوجود تلك المرأة التي يكن لها كراهية دفينة، فكان حضورها ثقيلاً عليه، ونظراتها القاطعة تُربكه لذلك فضل الهروب كعادته، نهض سريعًا متجاهلًا إياها، ووجه حديثه إلى "عائشة" بنبرة حاول أن يُخفي فيها غيظه:

-همشي أنا يا دكتورة والف سلامة، وزي ما اتفقنا كمان يومين.

لكن "شريهان" لم تُمهله، تقدمت بخطوة حاسمة وأغلقت الباب قبل أن يخرج، ثم استدارت نحوه قائلة بحدة لا تعرف المواربة:

-بص بقى يا شوقي، لا يومين ولا يوم ولا عشرة مفيش فلوس تاني، إيه مشبعتش؟! خمس سنين بتلهف فلوس ومستغل الهبلة بنت اختي وأنا ساكتة، لكن لغاية هنا وخلاص، اللي نهبته خلاص حلال عليك، بس يا أخويا الفلوس اللي معاها خلصت واللي بقى يجي من العيادة بقى على قد اللي رايح، واديك شوفت اهي اتسرقت النهاردة واتضربت على راسها، يعني هتأجز في البيت، فمفيش فلوس.

عاد "شوقي" ببصره إلى عائشة، يرمقها بنظرة حادة مشوبة بالاستنكار، كأنها شريكته في هذه المؤامرة ضده، غلى الدم في عروقه ولم يستطع كبح غضبه أكثر، فانفجر صارخًا:

-لا، لا مؤاخذة احنا متفقين، تاخد مني عيالي تربيهم وآخد أنا فلوس عشان استحمل بعدهم عني.

شهقت "شريهان" بسخرية لاذعة، وألقت حقيبتها فوق الفراش الذي تجلس عليه "عائشة"، تلك التي تتابع المشهد في صمت قاتل وقلبها يخفق بعنف كطبول حرب داخل صدرها:

-تاخد مين يالا، انت اللي جيت واتحايلت وبوست الأيادي ولما بنت اختي الهبلة اتعلقت بالعيال اوي، انت بقى دوست وبقيت شايف إن الفلوس دي حق مكتسب، مع إن واحد غيرك كان يحط الجزمة في بوقه ويسكت ويحمد ربنا، إن عياله بيتربوا أحسن تربية وداخلين مدارس غالية وعايشين عيشة انت مكنتش تحلم تعيشهالهم.

تصاعد الغضب في أوردته حتى كاد يحرقه من الداخل، وشعر بسخط عارم وهو يواجه جبروت تلك السيدة التي لم تخشَه يومًا، ولم تنحنِ أمامه كما تفعل عائشة؛ تلك التي طالما قابلت مطالبه بالصمت والموافقة، لا عن ضعف خالص، بل عن خوف دفين من خسارة تعرف أنها لن تحتملها.

زمجر بصوت حاد واندفع بكلماته كالسكاكين، يحاول أن يستعيد بها سيطرته التي شعر بأنها تتفلت من بين أصابعه:

-وقصاد كده الدكتورة عايشة دور الأمومة اللي كانت هتفضل طول عمرها محرومة منه! أمال هي بتديني الفلوس ليه يا حاجة شريهان؟! مش عشان ما آخدش منها العيال وتتحرم منهم؟ ومتسمعش كلمة ماما عمرها كله ولا إيه يا دكتورة؟ مش كلامي صح بردو؟

تجمعت الدموع في عيني "عائشة" سريعًا، كأنها كانت تنتظر إشارة واحدة لتنهار، وضعت يدها فوق بطنها تقبض على ثيابها بقوة، محاولة كبح انفعالاتها حتى لا ينكشف انكسارها أمام ذلك الرجل الذي لم يرَ فيها يومًا سوى وسيلة.

لكن الذكريات القديمة زحفت بغدر إلى ساحة عقلها؛ ومضات موجعة من سنوات الحرمان، من ليالٍ باردة خالية من صوت طفل، ومن دعوات خافتة كانت ترفعها إلى السماء ثم تعود مكسورة، لم تكن تريد أن تتذكر… لكنها أُجبرت، 
فجاءت كلماته التالية كصفعة قاسية، فرفعت نظرها إليه لتجده يحدق بها بغلظة متعمدة، ثم أخرج عباراته بتمهل مقصود، وبشيء من التلذذ وهو يرى الصدمة ترتسم على وجهيهما:

-هقول تاني عشان شكل الدكترة مركزتش وكانت سرحانة، المرادي أنا مش جاي في عشر آلاف ولا حتى ١٥ ألف أنا جاي في ٥٠ ألف جنية، أنا تعبت من اللف والشغل عند الناس وآن الأوان استقر وافتح لي مشروع اتسند عليه.

ثم أدار وجهه نحو "عائشة"، التي بدت كمَن فقد القدرة على التنفس، وكانت نظراتها تتعلق بخالتها طلبًا للنجدة، لكنها لم تكن أقل صدمة منها، وقال ببرود جارح:

-ولو ماعكيش يا دكترة ومش قادرة، ساهلة خالص هاخد عيالي واتصرف أنا وفي مية ألف واحدة زيك كده يتمنوا يسمعوا كلمة ماما، يلا من غير سلام لا مؤاخذة.

غادر الغرفة صافقًا الباب خلفه بقوة، غير آبهٍ بكونهم في مستشفى، ولا بالأنفاس المكسورة التي تركها وراءه،
وضعت "عائشة" يدها فوق رأسها، وانسابت الكلمات من شفتيها هامسة ومشوشة، كأن عقلها تلقى ضربة أفقدته التوازن:

-هجيب منين المبلغ ده يا خالتو؟ أنا مامعيش هجيب منين؟!

رفعت "شريهان" حاجبيها باستنكار، وكانت أسرعهم تعافيًا من الصدمة، فقالت بحدة ممزوجة بالقلق:

-انتي اتجننتي؟! انتي موافقة على كلامه يا عائشة؟ سيبك منه ده واحد استغلالي وكلب، وانتي فاكرة إنه يقدر ياخدهم ويصرف....

قاطعتها "عائشة" بانفجار من البكاء، خرج صوتها مبحوحًا مجروحًا والصدمة لا تزال منقوشة على ملامحها:

-ياخد مين؟ دول عيالي أنا! أنا اللي ربيتهم وكبرتهم وسهرت عليهم، دول حبايبي ومقدرش استغنى عنهم، أنا عايشة عشانهم وهانحت في الصخر عشانهم، أنا لو بيعت هدومي وكل حاجة أملكها يبقى عشانهم، متحطنيش في مقارنة إني اسيبهم أبدًا...ده لا يمكن يحصل، لا يمكن يحصل.

ظلت تكرر الجملة الأخيرة دون وعي، كأنها تحاول إقناع نفسها قبل غيرها، ثم نهضت فجأة وقالت بلهفة يختلط فيها الخوف بالذعر:

-يلا بينا بسرعة نلحق نمشي قبل ما الولاد يرجعوا من النادي، وميلاقونيش ممكن يخافوا وميعرفوش يتصرفوا.

وما إن همت بالوقوف حتى داهمها دوار عنيف، فاختل توازنها وسقطت مغشيًا عليها فوق الفراش من جديد، بينما كانت الدموع لا تزال تشق أخاديدها فوق خديها الشاحبين،
فصرخت "شريهان" بفزع وهي تندفع نحو الباب، تستنجد بأحد الأطباء، وقلبها يخفق بخوف حقيقي هذه المرة… خوف من أن يكون الثمن أكبر مما تستطيع عائشة احتماله.

                                          ***
جلست "غالية" في أحد المقاهي الشعبية بمدينة المنصورة، حيث تختلط رائحة القهوة النافذة بدخان السجائر، وتتعالى همهمات الزبائن من خلفهما فكان المشهد عليها غريب ولم تكن تتخيل يومًا أنها ستكون بطلته، جلست إلى جوار تلك السيدة الغريبة، التي لم يمضِ على تعارفهما سوى ساعات قليلة منذ خروجهما معًا من قسم الشرطة، وكل ما قالته لها في الطريق لم يتجاوز جملة واحدة مبهمة: 

"أنا هساعدك تنتقمي وتجيبي حق أخوكي"

كانت "غالية" تشعر بأن قلبها معلق بخيط رفيع من القلق، يتأرجح مع كل نفس يخرج من صدرها، مر بصرها على الوجوه المحيطة بها، وجوه كثيرة وغريبة، لا تعرف أحدًا منها، فازداد شعورها بالاختناق، عادت ببصرها نحو تلك السيدة، واقتربت منها قليلًا.ثم همست بصوت مبحوح يشوبه ارتجاف لم تستطع إخفاءه:

-هو انتي تعرفي إيهاب أخويا؟

رفعت "أم ناصر" كوب الشاي إلى شفتيها، ارتشفت منه القليل بتأنٍ مقصود، ثم أعادته إلى الطاولة وكأنها تتعمد إطالة اللحظة، قبل أن تجيب بنبرة غامضة لم تُطمئن قلب "غالية" قيد أنملة:

-مش بالظبط، بس كنت أسمع عنه كل خير وأسمع إنه واد أمين وشهم وميعملش كده أبدًا.

التفتت "غالية" إليها بجسدها كاملًا، وكأنها تستعد لمواجهة غير معلنة، وقالت بنبرة حذرة تحمل حدة واضحة:

-بلاش لف ودوران، منين متعرفيهوش ومنين جايبة الثقة دي كلها في الكلام عنه، خليكي صريحة وقولي عايزة إيه؟!

ارتسمت على شفتي "أم ناصر" ابتسامة هادئة، لكنها لم تكن مريحة على الإطلاق، خاصةً حين تحدثت بلهجة جادة تحمل من القسوة ما يكفي لبث الخوف في نفس "غالية":

-أنا غرضي شريف يا بشمهندسة غالية، مش بشهمندسة بردو؟!

التوى فم "غالية" بتهكم واضح، وانفلت غضبها دفعةً واحدة، وقالت باستنكار حاد:

-لا بقى ده انتي تعرفينا اوي، انتي عايزة إيه؟

بدلت "أم ناصر" نبرتها، محاولة تخفيف حدتها بأسلوبٍ لطيف مراوغ، وكأنها تصطاد انتباه "غالية" كلمة كلمة:

-لا أنا مكنتش أعرفك بس عرفتك لما سمعت اللي حصل لأخوكي، فصعب عليا ودورت على عيلته وعرفت إنه سايب بنتين زي القمر وراه وهو مات غدر.

تجمدت "غالية" في مكانها، كأن الكلمات سقطت عليها كسكين بارد، تسارعت دقات قلبها حتى انعكس ذلك بوضوح على أنفاسها المتلاحقة، وقالت بصوت مكتوم تخرج منه شراسة الألم من عينيها الواسعتين:

-أخويا مات ازاي؟ ومين موته؟!

رمشت "أم ناصر" ببطء مصطنع، وأجابت بهدوء مستفز:

-وقع من البلكونة.

انفجر لسان "غالية" غضبًا، غير عابئة بفارق السن بينهما، فحين يُمس الأخ تسقط كل الاعتبارات:

-انتي هتستعبطي يا ست انتي؟ جيبتي إيه جديد يعني؟ ما ده اللي كله بيقولوه!

مدت "أم ناصر" يدها، وأجلستها مرة أخرى ولا تزال تلك الابتسامة الهادئة تزين وجهها، وكأنها تمتص غضب الأخرى بها لتزرع بدلًا منه شكًا قاتلًا:

-ما دي الحقيقة يا بشمهندسة هو مات فعلاً لما وقع من البلكونة، بس الأكيد إنه مكنش بيسرق، بس السؤال هنا أخوكي طلع فوق في الدور التالت بتاع الحاجة "فايزة عزام" وبالذات في شقة بنتها المطلقة يعمل إيه؟ وخصوصًا بقى إنه لا عمره طلع أبدًا عندها، يعني الليلة اللي طلع فيها وقع ومات فيها، يبقى في حاجة حصلت وخصوصًا كمان إن لما دعبست عرفت إن اللي كان في الشقة يومها لمياء بنت الحاجة فايزة ومصعب عزام ابن خالها.

اتسعت عينا "غالية" وهمست ببحة حزينة وهي تتخيل جسد أخيها وهو يهوي غدرًا:

-يعني هما زقوه ووقعوه؟

اقتربت "أم ناصر" منها أكثر، وخفضت صوتها حتى صار كالهسيس، ونبرتها متلاعبة مشبعة بالغموض:

-وممكن موتوه الأول وبعد كده وقعوه، ممكن شاف حاجة مكنش ينفع يشوفها فموتوه، العلم عند الله.

التفتت إليها "غالية" وصوتها يرتجف والدموع تلمع في عينيها:

-الطب الشرعي قال إنه مات لما وقع...

ضحكت "أم ناصر" ضحكة ساخرة قصيرة، ثم تنهدت بعمق وقالت بنبرة مشبعة بالحقد:

-يا حبيبتي هو انتي هتصدقي الطب الشرعي بردو؟ عيلة عزام تقدر تلعب في كل حاجة ويداروا على أي حاجة تخصهم لو كانوا هيتأذوا فيها، انتي متعرفيش موسى عزام ده يقدر يعمل إيه؟

رمشت "غالية" عدة مرات، وكأن عقلها يحاول لملمة خيوط متشابكة سقطت فوق رأسها دفعةً واحدة، ارتسمت الحيرة على وجهها، وتراجع جسدها قليلًا إلى الخلف قبل أن تسأل بحذر شديد، وكأنها تطرق بابًا تعرف أن ما خلفه ليس آمنًا:

-مين موسى عزام؟

لم تتغير ملامح "أم ناصر" لكن عينيها أظلمتا فجأة، كأن ذكر الاسم وحده استدعى ظلالًا ثقيلة من الذاكرة، مالت بجسدها للأمام وخفضت صوتها، وقالت ببطء متعمد:

-ده شيطان من شياطين الأنس، يسرق الكحل من عينك وانتي مش حاسة، يلبسك في مية مصيبة ويخلع منها هو زي الشعرة من العجين، ديب من ديابة وادي العرين، اللي بيرشه بالميه بيرشه بالدم، ده يا حبيبتي الكينج اللي بيحكم "نجمة رشيد" كلمته فوق الكل، وكل اللي ساكنين في رشيد يخدموه بعينهم، مش حبًا فيه، بس خوفًا منه، عيلة عزام دي أوسخ عيلة في تاريخ البشرية كلها لا مؤاخذة.

شعرت "غالية" بقشعريرة باردة تسري في جسدها، وكأن الاسم يحمل لعنة خفية، فعقدت حاجبيها وسألت بارتباك صادق وهي تنهض مجددًا باعتراض:

-وادي العرين إيه؟ ونجمة رشيد إيه؟ ومين عيلة عزام دول كمان؟

لوحت أم ناصر بيدها إشارة إلى المقعد، ونبرتها تحمل مزيجًا من الصبر والإنذار:

-اقعدي يا بشمهندسة؟ القصة طويلة وعشان احكيهالك لازم أيام وليالي، بس باختصار عيلة عزام دي مقسومة نصين، نص بيحكم "وادي العرين" والنص التاني بيحكم "نجمة رشيد" اللي انفصلت عن وادي العرين زمان، بينهم عداوات بالدم، كل كام سنة هنا بيموت ناس وهناك بردو بيموت ناس، بيكرهوا بعض وشغلهم كلهم شمال في شمال ده اللي اسمعه عنهم.

توقفت لحظة ثم أكملت بنبرة أكثر حدة:

-اللي بيحكم وادي العرين كبير عيلة عزام "عاصم عزام" واللي بيحكم نجمة رشيد  ابن عمه الأصغر منه بسنتين "موسى عزام" والاتنين يطوقوا العمى ولا يطيقوا بعض.

ابتلعت "غالية" ريقها لكنها حاولت التمسك بخيطٍ واهٍ من الأمل، وقالت بحسم متسرع:

-خلاص أنا أروح لعاصم ده واطلب منه يساعدني.

ضحكت "أم ناصر" ضحكة قصيرة خالية من المرح، وهزت رأسها ببطء:

-عاصم أسخم وأزل انتي كده بترمي نفسك في النار.

اشتعل الغضب في صدر "غالية" وارتفع صوتها وهي تسأل بعصبية:

-امال أروح لمين عشان يساعدني ويبرئ أخويا اللي ميت في تربته.

لم تتردد "أم ناصر" وكأن الإجابة كانت جاهزة منذ البداية:

-موسى عزام.

شهقت "غالية" دون وعي وحدقت فيها بذهول:

-نعم؟ عايزاني أروح لديب والشيطان برجليا؟!

أومأت "أم ناصر" برأسها وعيناها تلمعان بنظرة غامضة:

-اه هو نفسه، لإنه هو أكيد اللي مدبر الموتة دي لأخوكي هو اللي في إيده كل حاجة، أصله متعود يدوس هو وعيلته على الاضعف منه.

ساد صمت ثقيل قطعته "غالية" وهي تحدق في "أم ناصر" بشك صريح:

-انتي تعرفي إيه بالظبط عن موتة إيهاب، خليكي صريحة؟ ومستفادة إيه من ده كله؟

تنهدت "أم ناصر" بعمق وكأنها تزيح حملًا قديمًا عن صدرها:

-أعرف اللي قولتهولك، أخوكي كان شغال في ورش النجارة بتاعت عيلة عزام، وأنا ليا هناك حبايب وعيال حاطهم عيني هناك، وشكرولي في أخوكي وزعلانين على موته....

توقفت قليلًا ثم أكملت بنبرة خافتة:

-بس ميقدروش يتكلموا.

انقبض قلبها وسألت بقلق:

-ليه ميقدروش يتكلموا؟

-ما قولتلك اللي هيتكلم روحه هتطلع قبل ما يمس طرف واحد من عيلة عزام.

شعرت "غالية" بأن الأرض تميد تحت قدميها وقالت بصوت مخنوق:

-امال أنا هابرئ أخويا؟

نظرت إليها "أم ناصر" نظرة طويلة ثم قالت بجملة بدت كأنها ضربة خنجر:

-انتي مش محتاجة تبرأي أخوكي على قد ما المفروض تاخدي بتاره منهم.

تصلبت غالية في مكانها، كأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة المؤلمة، وحدقت في وجه المرأة المقابلة لها بعينين ضيقتين يختلط فيهما الغضب بالحذر، ثم قالت ببطء مشحون بالريبة والشك:

-الواضح إنك انتي اللي عايزة تاخدي بتارك مش أنا؟

لم يغب عن "أم ناصر" ذلك التوتر الذي يتسلل من نبرة صوت غالية، بل على العكس بدا وكأنه زادها نشوة خفية، فارتسمت على شفتيها ابتسامة انتصار، ولمعت عيناها بوميض شرس يشبه عيون الصقور حين تحاصر فريستها، وقالت بصوت منخفض لكنه حاد كحد السكين:

-اصمالله عليكي ذكية ولماحة.

ثم أمالت رأسها قليلًا وأضافت:

-بس مش تار بالمعنى الحرفي، أنا عايزة حد يكون عيني هناك، بس حد يكون متعلم ومش جاهل وذكي زيك كده يلقطها وهي طايرة، حقي هاخده بمعرفتي وهعرف أضربهم في مقتل.

توقفت لحظة وكأنها تسترجع سنوات طويلة من القهر المكبوت، ثم تابعت بنبرة أثقل وأقسى:

-أما انتي فتارك تار، أخوكي مات غدر وهما السبب في موته، هما لو كانوا موتوا حد مني كنت شربت من دمهم، لكن هما آذوني أذية كبيرة شوية، بس الفرق أنا مبنساش لو عدى سنين.

ظلت نظرات "غالية" معلقة بوجه تلك السيدة، تحاول سبر أغوارها المظلمة، وكأنها تنظر إلى هاوية بلا قاع، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها؛ هذه المرأة لا تتحدث عن انتقام عابر، بل عن حرب طويلة النفس، تُدار بالعقل لا بالعاطفة، وبالصبر لا بالاندفاع.

وقبل أن تنطق "غالية" بكلمة واحدة سبقتها "أم ناصر" بنبرة حاسمة لا تقبل الجدل، وهي تنهض من مكانها في ثبات:

-كفاية عليكي يا بشمهندسة، أنا بردو رحيمة وانتي زمان عقلك متشقلب، محتاجة أكيد تهدي وتفكري صح وتعرفي تقرري صح، الموضوع مش هزار.

خطت عدة خطوات إلى الأمام، ثم توقفت فجأة كأن فكرة ما قد أعادتها، فالتفتت بوجهها وقالت بابتسامة غامضة ومستفزة زادت من اضطراب غالية:

-يوم ما تيجي وتقرري وتبلغيني بموافقتك، تعرفي إن مفيش رجوع.

ثم أضافت، وكأنها تلقي الطُعم الأخير:

-متقلقيش أنا هوصلك تاني، بس أسيبك يومين تهدي، سلام يا بشمهندسة غالية.

غادرت بخطوات ثابتة نحو سيارتها، دون أن تلتفت خلفها تاركةً خلفها فراغًا مؤلمًا وأسئلة لا تنتهي.

بقيت "غالية" في مكانها، تنظر في أثرها بشرود تام، وكأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميها، فأخذ عقلها يضج بصراعٍ مرير، هل توافق على عرض قد يمنحها فرصة للأخذ بثأر أخيها من أفواه شياطين عزام، ولو كان الثمن أن تغوص في مستنقع لا خروج منه؟
أم ترفض وتظل أسيرة عجزها، بينما دم أخيها يصرخ في ذاكرتها كل ليلة؟
وإن اختارت المواجهة…فلمن ستترك "فريدة" أختها الصغرى، تلك التي لم تعرف من قسوة الدنيا سوى القليل، والتي لم يعد لها في هذا العالم سواها؟
وحينها أدركت بوضوح موجع، أن كلا الطريقين ينتهيان عند ذات المصير، "الهلاك ينتظرها… لا محالة".
                                             ***
في "وادي العرين".

حيث تُصاغ الهيبة من الدم، وتُحفر السلطة في الصخر قبل القلوب، كان قصر "آل عزام" شامخًا كقلعة لا تعرف الانكسار، يراقب الوادي بعين لا تنام، وفي أحد أجنحة القصر، وتحديدًا داخل مكتب عاصم عزام، فُتح الباب بهدوء متعمد، ودخل صاحبه بخطوات بطيئة تحمل غرورًا لا يحده سقف، وهيبة تضج في ملامحه الشرسة.

جلس فوق مقعده الجلدي العريض كما لو كان عرشًا خُلق له وحده، وكأن الأرض وما عليها تدور في فلكه، تدلت ابتسامة خبيثة من حافة شفتيه، ابتسامة رجل تذوق طعم الانتصار حتى الثمالة.

أخرج هاتفه وعبث به قليلًا بأصابع واثقة، ثم ألقاه فوق المكتب بإهمال متعمد، وعيناه مثبتتان على الشاشة بتركيز قاتل، انحنى قليلًا للأمام ثم همس بصوت منخفض يحمل سما مغلفًا بالهدوء:

-هتعمل إيه يا موسى لما تشوف أخوك حبيبك في حالته دي.

لم يكد صدى همسه يخفت حتى قاطعه طرق خفيف على باب المكتب، ودخل "فايد" ذراعه الأيمن، رجل في أوائل الأربعين من عمره، ملامحه قاسية اكتسبها من سنوات الطاعة والخوف، وقال بصوت عملي:

-كلمت صفية وقالت إن المدام مبتخرجش من البيت هي وأمها.

رفع "عاصم" بصره إليه ببطء ودقق في ملامحه نظرة طويلة أربكت "فايد" قبل أن يقول بنبرة شبه حادة:

-البت صفية أنا مش مرتاحلها، ركز معاها شوية يا فايد.

حمحم "فايد" بخشونة وتردد لحظة قبل أن يسأل بحذر شديد، وكأنه يختبر حافة سكين:

-مش مرتحالها هي ولا مش مرتاح لچيني هانم؟

في اللحظة ذاتها تغير الجو، رفع "عاصم" عينيه، ورمقه بنظرة محذرة كفيلة بتجميد الدم في العروق، ودون كلمة واحدة أخرج سكينه البارز، فتحه بحركة خاطفة ثم صوبه بقسوة في اتجاه "فايد".

مر السكين بمحاذاة وجهه، والفارق بين نصله وبشرته لم يتجاوز سنتيمترات قليلة، قبل أن يخترق التابلوه خلفه بقوة، مغروسًا كرسالة لا تُخطئ معناها، حينها شعر "فايد" بدقات قلبه تضرب صدره بعنف، وابتلع ريقه بصعوبة وهو ينظر إلى الخلف، لقد كان السكين ذا نقوش عربية بارزة، تتوسطه كلمتان محفورتان بوضوح «الهيبة…والعرين».

كلمتان لا تخترقان الخشب فقط، بل أي جسد أو عقل تسول له معارضة البارون "عاصم عزام" فعاد "فايد" ببصره ببطء شديد نحو "عاصم"، الذي نهض من مقعده بهدوء مرعب، وتقدم نحوه ثم انتزع سكينه من التابلوه وكأن شيئًا لم يكن، وقال بصوت منخفض لكنه قاطع يلعب على أوتار الخوف داخله:

-المرة الجاية هتلاقيها في نص راسك، انت عارفني عمري ما بخيب أبدًا في هدفي، المرة دي كانت تحذير بسيط، خد بالك من كلامك معايا بعد كده.

هز "فايد" رأسه عدة مرات بعنف، وكأنه يحاول تثبيت وعيه، ثم استأذن في الخروج بسرعة، وهو يجاهد لملمة شتات نفسه المبعثرة خلفه، ما إن أُغلق الباب حتى أضاء هاتف "عاصم" معلنًا عن رسالة نصية، فمال نحوه التقطه، وقرأ الرسالة المرسلة من موسى عزام:

-لو أخويا حصله حاجة، مش هيكفيني دم وادي العرين كله، هبعتلك ناس ياخدوه.

ابتسم "عاصم" ابتسامة واسعة، وأخذ يدير سكينه بحركات دائرية بطيئة، يتلذذ بالتهديد كما يتلذذ الصياد بفريسته،
ضغط على التسجيل وأرسل رسالة صوتية متعمدًا بث سخريته المعهودة:

-اخوك جه برجله في منطقتي، يبقى لما يروح انت اللي تيجي تاخده، وبعدين مش يمكن يكون عندي مفاجأة تانية ليك يا "حبيب القلب".

ألقى الهاتف على المكتب، وأطلق صفيرًا عاليًا كمن يحتفل بانتصارٍ مؤجل، خطا نحو مسجل قديم، أخرج شريطًا مهترئًا لفنانه المفضل جورج وسوف ووضعه داخله، فانطلق الصوت الأجش يملأ المكان، ممزوجًا برائحة الجلد والبارود.

جلس "عاصم" على أريكة كبيرة بنية اللون، أخرج سلاحه الناري الأسود، وبدأ بتنظيفه بعناية إلى جوار سكينه المميز.
فكانت تلك لحظته المفضلة هي أكثر لحظات الصفاء التي يمر بها وخاصةً قبل العاصفة، حيث تتراقص الفوضى في رأسه كسمفونية يعرف نهايتها جيدًا.

وكيف لا يبلغ ذروة سعادته، وهو على موعد مع خصمه الأثير؟ ابن عمه وعدوه اللدود، الرجل الوحيد القادر على إشعال دمه وإيقاظ وحشه الكامن…"موسى عزام"
                                           ***

أما في "نجمة رشيد"
فكان الوضع على النقيض تمامًا، هنا لم يكن ثمة موسيقى ولا صفير انتصار، بل هواء خانق مشحون، وأجواء متوترة كوتر مشدود على وشك الانقطاع.

كانت النيران تتصاعد في عقل "موسى"، تلتهم ما تبقى من صبره وهدوئه، وهو يستمع إلى صوت "عاصم"عبر الهاتف، في تلك الرسالة الصوتية المشحونة بالسخرية والاستفزاز،
كان صوته يتردد في أذنيه كصفعة متكررة، يضغط على جراح قديمة لم تُشفَ يومًا، ومع بلوغه نهاية الرسالة انفجر كليًا، فتفاجأ "عثمان" والده بصراخ حاد اندفع من صدر "موسى" كزئير مكبوت، قبل أن يبعثر كل ما فوق مكتبه بقبضته القوية.

تساقطت الأوراق وتحطمت الأدوات، وارتطمت الأشياء بالأرض محدثة ضجيجًا مفزعًا يعكس الهياج المفرط الذي بلغه "موسى" ولم يكتفِ بذلك,، فاندفع نحو زهرية زجاجية قريبة، أمسكها بعنف وألقاها أرضًا بقوة هائلة، فانفجرت إلى شظايا متناثرة، وكأنها تحاكي ما يحدث داخل صدره.

عندها خرج "عثمان" عن صمته ومراقبته، وقال بصيغة أمر حذرة، يحاول كبح العاصفة دون أن يستفزها:

-اهدى يا موسى، في إيه؟ الأمور مبتتحلش كده؟

توقف "موسى" فجأة ووقف كالثور الهائج، يحدق في والده بنظرات شرسة، بينما ومضات الماضي تضرب عقله بلا هوادة، ذكريات متداخلة وأصوات مدفونة، لكن صوتًا واحدًا كان الأعلى....صوتًا أنثويًا واحدًا يتردد داخله بلا انقطاع:

-موسى حبيب القلب.

شعور لاذع بالخسارة مزق نياط قلبه، قلب ظن لوهلة أنه مات منذ زمن، لكنه كان حيًا…ويتألم، أغمض عينيه بقوة، كأنه يحاول أن يخنق الذكرى، أن يمنعها من سحبه إلى هاوية يعرفها جيدًا.

لم يفتحهما إلا عندما شعر بيد والده تستقر فوق كتفه بلمسة مألوفة، وصوته ينساب بهدوء بدا زائفًا لكنه محسوب:

-اهدى عشان انت تعرف تفكر صح، وتشوف هتعمل إيه مع الكلب عاصم!

تعلق بصره بوجه أبيه لثوانٍ بدت أطول مما هي عليه، ثم اقترب منه بخطوات بطيئة، وكأن الأرض نفسها تضيق تحته،
فكان فكه مشدودًا وعروق عنقه بارزة، قبل أن يهتف من بين أسنانه بشراسة مكتومة:

-أنا المفروض أفكر اعمل إيه مع ابنك الـ*** اللي هيجبني الأرض، رايح وادي العرين برجليه الكلب وادى فرصة لواحد زي عاصم يبعتلي فيديو يكسرني بيه، لو ماتدخلتش مع الواد ده، أنا هوريه أسود أيام حياته، أسود من المخدرات اللي بيشربها.

ابتعد خطوة للخلف، وكأن الكلام نفسه لم يعد يكفي لتفريغ ما بداخله، مد يده وجذب سلاحه الفضي، لمع بريقه تحت الإضاءة، ثم دسه خلف ظهره بحركة اعتادها، وهو ينادي بصوت جهوري:

-صــــالــــح!

لم تمضِ ثوانٍ حتى حضر "صالح" مهرولًا، فالتفت إليه "موسى" وقال جملة واحدة قاطعة، لا تقبل نقاشًا:

-حضر العربيات والرجالة وفي ظرف دقيقتين الاقيك قدامي.

تحرك "موسى" بسرعة، لكن "عثمان" لحق به بخطوات متعثرة، وصوته يخرج مذعورًا يختلط فيه الخوف بالأبوة:

-انت فعلاً هتروح لعاصم برجليك يا موسى، انت اتجننت، ده مش بعيد يكون ناصبلك فخ ويموتك هناك.

شقت ابتسامة ساخرة فم "موسى" بصعوبة، ابتسامة لا تحمل مرحًا بقدر ما تحمل تهديدًا، التفت نحو أبيه وقال بنبرة غامضة وقاتمة:

-هو اللي بدأ واستفزني، يبقى يستحمل اللي مجهزهوله النهاردة، مش يمكن من الصدمة يقع يطب يموت فيها.

ثم استدار دون أن ينتظر ردًا، وانطلق بخطوات سريعة نحو سيارته السوداء العالية، فتح الباب بعنف وجلس خلف المقود، ثم لحق به "صالح" ليستقر بجانبه، بينما في الخلف اصطفت عدة سيارات أخرى تقل رجالًا مسلحين، وجوههم جامدة، وأيديهم قريبة من أسلحتهم.

وقف "عثمان" مكانه عاجزًا، ثم أغمض عينيه بفزع، ورفع يديه بالدعاء، يتمتم بكلمات متقطعة، قلبه يرتجف خشية أن يكون هذا الطريق بلا عودة، قطع عليه لحظته صوت أخته "فايزة" من خلفه، وهي تهتف بقلق واضح:

-هو موسى رايح فين يا عثمان؟

فتح عينيه وزفر بمرارة، ثم قال بصوت مثقل بالهموم:

-رايح وادي العرين، يقابل عاصم ويجيب مصعب ابن الـ *** من هناك.

ضربت "فايزة" صدرها بيدها وعيناها تتسعان بفزع:

-يالهوي هو عاصم خطف مصعب؟؟

هز "عثمان" رأسه نفيًا وقال بحنق مكبوت:

-لا، الكلب راح هناك برجليه عشان يشتري مخدرات وشكله وقع محسش بنفسه وعاصم مصوره فيديو وبعته لموسى وطالب موسى بنفسه يجيله.

شهقت "فايزة" وارتعشت شفتاها وهي تهمس بخوف صريح:

-يالــــهــــوي دي هتبقى مجزرة.

وفي تلك اللحظة كانت السيارات قد انطلقت بالفعل، تشق الطريق نحو وادي العرين، حاملةً معها غضب موسى وغضب آل عزام حين يبلغ ذروته، لا يترك خلفه سوى الخراب.

                                         ***
في وادي العرين...

وقف "عاصم" بشموخ أمام بوابة قصره العملاقة، ثابتًا كأنما نُحت من صخر، بينما اصطف خلفه عشرات الرجال المدججين بأسلحة مختلفة، يملؤون محيط السور كحلقة من نار.

أما الساحة الواسعة الممتدة أمام القصر، فقد أُفرغت تمامًا من البشر، إذ ما إن انتشر خبر مجيء "موسى" إلى قلب وادي العرين، حتى أدرك الجميع أن تلك اللحظة لن تمر دون أن تُراق فيها دماء، فآثروا السلامة واختفوا، جميعهم يحفظون رؤوسهم من طيش الرصاص.

إلا عاصم…بقي وحده في الواجهة، شامخًا كالجبل يضع يده داخل جيب سرواله بثقة متعمدة، ويرفع رأسه عاليًا، محدقًا في الأفق حيث بدأت قافلة سيارات سوداء تقترب، تتقدمها سيارة "موسى"، فمال "عاصم" برأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، حتى توقفت السيارات تباعًا.

هبط "موسى" أولًا بخطوات واثقة، ثم تقدم حتى وقف على مسافة قصيرة من "عاصم" ومن خلفه انتشر رجاله، مشهرين أسلحتهم باتجاه القصر ورجال "عاصم".
 
رفع "عاصم" أحد حاجبيه ببطء ثم قال بصوت منخفض يحمل تهديدًا صريحًا لا يقبل التأويل:

-قول لـ***** اللي جايبهم معاك مفيش حد يرفع سلاح على أرضي غير رجالتي، واللي يتجرأ ويرفعه يموت ويتدفن مكانه.

قبض "موسى" كفيه بقوة، إلا أن ملامحه ظلت باردة وجامدة كالجليد، لا تنطق بشيء، حتى مرت ثوانٍ ثقيلة قبل أن يرفع يده إشارة لرجاله، فأنزلوا أسلحتهم على مضض.

اقترب "عاصم" خطوة واحدة وهو يبتسم باستهزاء، يمرر بصره على جسد "موسى" العريض والقوي بنظرة متعمدة للإهانة، وقال بنبرة لاذعة:

-وحشتني يا حبيب القلب.

رفع "موسى" عينيه ليقابل الجحيم المتقد في عيني "عاصم"، فاشتعلت انفعالاته حتى كادت تنفلت من عقالها، لكنه تمالك نفسه مستحضرًا هدوءه القاتل الذي أتقنه جيدًا أمام أعدائه، وهتف بصرامة:

-بلاش شغل الحريم الـ**** اللي بتعمله ده يا عاصم، أخويا فين؟!

انفجر "عاصم" ضاحكًا بصوت عالٍ، ضحكة مستفزة اخترقت أعصاب "موسى"، ثم قال ببراءة زائفة:

-أخوك المدمن؟؟

جز موسى على أسنانه بقوة، يمنع نفسه بصعوبة من قتله في تلك اللحظة، فشعر بإهانة مؤلمة تهوي على صدره، والسبب أخيه، وما هي إلا لحظات حتى ظهر رجال "عاصم" وهم يسحبون "مصعب" بلا رحمة، ثم ألقوه أرضًا عند قدمي "موسى"، جسدًا فاقدًا للوعي لا يشعر بشيء.

نظر "عاصم" إلى الجسد الملقى، ثم قال بلهجة قاسية مشبعة بالتهديد:

-الواد ده مجنن العيال هنا بالفلوس وبيخليهم يتاجروا في المخدرات، لو مالمش نفسه هقتله قبل ما اقتل العيال اللي بتجبهاله، ده أخر تحذير ليك، لم أخوك يا إما تقتله وتخلص من عاره.

سكت قليلًا ثم تابع بحدة لاذعة:

-مش كفاية موسخ سيرة عيلة عزام وشرب مخدرات، ده أول تحذير...

سكت قليلًا ثم تابع بحدة لاذعة:

-هو العهد مش بيقول محدش يجي عندكم هنا؟ امال أخوك جاي ليه في الوادي؟!

أخرج مسدسه في حركة خاطفة، وصوبه نحو جسد مصعب ثم قال بنبرة مهددة:

-أنا كنت هقتله بس مرضتش قولت حرام لسه صغير اسيبه لشبابه..

ثم عاد يرفع المسدس وأدخله في سرواله من الخلف وهو يبتسم بسخرية مرعبة:

-كده كده هيموت من المخدرات، خلاص مخه لحس، أنا لو منك أموته واخلص من عاره، ومصايبه...مش هو بردو عامل مصايب قريب؟! 

التفت "موسى" إلى أحد رجاله، فأشار له بعينه، تقدم الرجل سريعًا وحمل مصعب، وانصرف به نحو السيارات، وما إن اطمأن على ابتعاد أخيه، حتى عاد يقترب من "عاصم"، وعلى شفتيه بسمة ساخرة مشوبة بالشماتة، وقال:

-على الأقل راجل ولما يموت من المخدرات محدش هيفتكره، بس مراتك مدوراها في فرنسا، وبتديك على قفاك كل قلم والتاني يا عاصم، حقيقي لما بعرف بحزن على...خيبتك.

في لمح البصر أخرج "عاصم" سكينه الشهيرة لكن "موسى" كان الأسرع؛ أمسك بيده بقوة مانعًا إياه، وأكمل حديثه بنبرةٍ قاتلة:

-مش هي بنت عمي بردو ومتربية بعيد عننا بس فيها نفس عرق الوساخة اللي فينا، يا أخي دي الجاحدة خلفت منك عيلين زي القمر ورميتهم للخدامة بتاعتها هي وجوزها تربيهم بمعرفتها.

 تجمدت ملامح "عاصم" وارتسمت الصدمة واضحة على وجهه، كأنه يسمع حديثًا لا يصدقه عقل، أما "موسى" ابتسم ابتسامة باردة، أخرج هاتفه وعبث به قليلًا، ثم أراه صورتين لطفلين ينزلان من حافلة مدرسة:

-عمر وليلة، كل يوم شيطاني بيقولي أجيبهم هنا وأدبحهملك في وسط الوادي، بس ارجع واقول أوانهم لسه مجاش، حرام يموتوا وهما لسه صغيرين، وابوهم مشبعش منهم.

حك "موسى" أنفه ببطء أمام جسد "عاصم" المتصلب، ثم ضحك ضحكة عالية واستدار متجهًا نحو سيارته، لوح بيده مودعًا، وترك خلفه "عاصم" واقفًا وحده، يتجرع ويلات الصدمة قطرةً قطرة، بينما يتهاوى داخله عالم كامل دون صوت.


                     الفصل الرابع من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة