
رواية حبًا تغير مجراه الفصل الثاني والاربعون 42 ج1
بقلم مارينا مختار
دلف سيف بصحبة كارما إلى داخل القلب،ثم أخرج من جيب بنطاله علبة صغيرة بها خاتم من الألماس ،و ركع أمام كارما على إحدى ركبتيه،و فتح
.العلبة،ثم طلب منها أن تفتح عينيها
فتحت كارما عينيها ببطء،و اندهشت مما رأت،تجولت بعينيها في المكان باعجاب شديد،و ترقرقت الدموع في عينيها و هي تنظر إلى سيف الراكع أمامها،لم تشعر بأي شيئ آخر،كأن
.الدنيا توقفت عند هذه اللحظة
-سيف و هو ينظر إلى عينيها مباشرة و بنبرة هادئة مليئة بالحب:كارما أنا بحبك و هبقى أسعد واحد في الدنيا لو قبلتي تتجوزيني
لم تستطع كارما أن تمنع دموعها من السقوط،فهي لا تصدق ما تسمعه،و ما تراه.و لأول مرة،صرحت بحبها له
.فأومأت برأسها بالإيجاب
ابتسم سيف لها،و أمسك بيدها برفق،و ألبسها الخاتم،ثم نهض و استقام في وقفته،و جذب كارما برفق من يدها و ضمها إلى صدره ،و احتضنها بلطف شديد،تبادل الاثنان ذلك الاحتضان المليء بالحب و الحنان،و كأن العالم
.بأسره توقف عند هذه اللحظة
اقترب سيف من أذنها و همس لها- بنبرة دافئة:حدديلي ميعاد مع طنط عشان أجي أقابلها و بعد كده أجيب بابا و ماما
أومأت كارما برأسها بالإيجاب دون أن تنطق بكلمة،فقد كانت المفاجئة أكبر
.من أن تعبر عنها بالكلام
...........................
سعدت داليا بما قصته عليها ابنتها،و تمنت لها الخير،و دعت ربها بأن يوفقها في حياتها الجديدة،و أن يطمئن قلبها عليها،فهي كل ما تملك
.في هذه الدنيا
لكن رغم سعادة داليا لابنتها،إلا إنها كانت تشعر بالقلق، تخاف من ردة فعل تامر إن علم بموضوع كارما،فهي تعرف طبعه جيداً،لن يترك الأمر يمر مرور
.الكرام،دون أن يستغله ضدهم
......................
.... بعد مرور أيام
في فيلا المهندس أحمد و تحديداً في غرفة سيف
تأنق سيف في حلته السوداء ،و من أسفلها قميصه الأبيض الناصع...لم يرتدِ رابطة عنق،بل ترك أزرار القميص
.مفتوحة حتى مقدمة صدره
دلف سيف خارج غرفته بعد أن أتم استعداده،ثم توجه نحو الدرج و هبط إلى الأسفل،فوجد والديه جالسين في غرفة المعيشة،فاقترب منهما،و صافحهما
..سريعاً قبل أن يرحل و
-سيف:أنا خارج... ادعولي
-أحمد مبتسماً:ربنا يوفقك يا ابني،و يقدملك اللي فيه الخير
-ناهد:ربنا معاك و يسعدك،ابقى طمني عملت ايه، و جيب كده حاجة شيك و انت داخل
-سيف ضاحكاً:أكيد،حاضر....يلا سلام
-أحمد:سلام يا حبيبي
-ناهد:ربنا معاك
.....................
في منزل كارما
كانت كارما تقف أمام المرآة تطالع هيئتها،ارتدت فستاناً ضيقاً من اللون
الأزرق السماوي،ذو حمالات عريضة،مربع
.الصدر ما أبرز جمال عنقها
كان الفستان قصيراً من الأمام،يصل طوله إلى ما فوق الركبة، بينما انسدل من الخلف بذيل طويل أضفى عليه
.لمسة من الرقي و الأناقة
تركت كارما شعرها المموج ينسدل بحرية على ظهرها،و انتعلت حذاءً ذا كعبٍ عاليٍ من نفس لون الفستان
ما أكمل إطلالتها المتناسقة،و أضافت ،
لمسات خفيفة من مساحيق التجميل
.زادت من جمال ملامحها دون مبالغة،
بدت في تلك اللحظة كأنها أميرة خرجت من صفحات الحكايات...في
.كامل أناقتها و جمالها
...........................
وصل سيف إلى أسفل بناية كارما،صف سيارته بالقرب من المدخل،ثم ترجل منها و هو يمسك بيدٍ باقة وردٍ اختارها بعناية لكارما،و بالأخرى علبة
.حلوى فاخرة
اتجه سيف نحو المدخل،دلف إلى الداخل،ثم اتجه نحو الدرج و صعد إلى الطابق الذي تسكن فيه كارما،كان قلبه يخفق بشدة،حتى أنه شعر و كأن
.دقاته تصدح في أذنيه
وقف سيف أمام منزل كارما،أخذ نفساً عميقاً و زفره ببطء،محاولاً تهدئة ارتباكه،ثم مد يده بثبات و ضغط على
.زر جرس الباب
.....................
في الداخل
رن جرس الباب،فاستمعت كل من داليا و كارما إلى صوته،اضطربت كارما على الفور،و ركضت نحو المرآة تطالع هيئتها للمرة الأخيرة،ثم توجهت إلى
.الباب بخطى مترددة
فتحت داليا الباب،لتجد أمامها شاباً وسيماً،طويل القامة،ذات عينين بنيتين
.فكان كذاب حقاً،
دلف سيف إلى الداخل بخطى هادئة
،أعطى داليا علبة الحلوى،ثم التفت إلى كارما و قدم لها باقة الورد.ابتسمت
.له بخجل و شكرته
توجه سيف مع داليا إلى الصالون،بينما انسحبت كارما إلى المطبخ،متظاهرة
بالإنشغال باعداد مشروب،و قد أدركت أنها تترك لهما المساحة ليتحدثا على
.انفراد
..................
في الصالون
جلس سيف على طرف الأريكة،يحاول أن يبدو واثقاً رغم التوتر الذي يعتريه
:ابتسم ابتسامة خفيفة و
-سيف:ازيك يا طنط ،عاملة ايه؟
-داليا بابتسامة خفيفة:الحمد لله
-سيف و هو يحك عنقه بتوتر واضح:آآآ...أكيد كارما كلمتك عني؟
-داليا بنبرة ثابتة:أه طبعاً
-سيف:طب أنا هدخل في الموضوع على طول.أنا اسمي سيف أحمد المصري ،بابا مهندس و ليه شركة
....خاصة و
لم تستمع داليا إلى باقي حديث سيف
،لم تسمع شيئاً بعد اسمه.تجمدت،و كأن الزمن توقف."أحمد المصري"الإسم ضربها كصفعة،جعل قلبها يخفق بعنف
.ثم يهبط بثقله إلى قاع صدرها
.شعرت أن الهواء في الغرفة اختفى
لم تستطيع أن تستوعب ما سمعته كيف تراه بعد كل هذه السنين؟،
،كيف يكون هو ابن"أحمد"؟!،أخذت تتأمله بشدة،لم تعد ترى ذاك الطفل الصغير الذي تركته،صار شاباً ناضجاً
،طويل القامة،بصوته الرجولي و نظراته
كيف؟كيف كبر بهذا الشكل؟.الواثقة
متى مرت كل تلك السنوات؟لم تكن تصدق انه أمامها الآن.كانت تنظر إليه
و كأنها ترى وجهاً نسيت أنها كانت
تشتاق إليه بهذا القدر،و كأنه خرج من قلب الذكرى إلى واقع لا يُصدق،يقف
.أمامها...دون تمهيد،دون إنذار
كم اشتاقت إليه،كم تمنت أن تراه،و لو للحظة واحدة!،كانت تتمنى أن تحتضنه بشدة،أن تخبئه بين ضلوعها،أن تربت على كتفه و تعتذر له عن كل شيء
،عن كل ما فاته،عن كل ما حُرما
.منه
الدموع بدأت تترقرق في عينيها دون إرادة،جسدها بات ثقيلاً،و كل شيء في داخلها يصرخ دون صوت.كانت لا تشعر بشيء و كأن الدنيا توقفت عند هذه اللحظة،لم تكن تعرف كيف تتصرف الآن؟كيف تخبرهم؟ماذا تقول ؟،كيف تكون الصدفة قاسية إلى هذا الحد؟!كيف تسببت في جرح أقرب اثنين لديها؟،كانت الصدمة تفوق قدرتها
.على الإحتمال
لاحظ سيف الشرود العميق الذي غرقت فيه،و لاحظ تغير ملامحها و الدموع التي بدأت تملأ عينيها،فسألها
:بهدوء،و قد بدا عليه القلق
-سيف:في حاجة يا طنط؟حضرتك كويسة؟
انتبهت داليا لصوته،ذاك الصوت الذي تمنت أن تسمعه يوماً...لكن ليس في
.هذا الظرف،ليس بهذه الطريقة
تحاملت على نفسها،و سرعان ما مسحت دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة،و سألت بصوت مبحوح
:ضعيف،
-داليا بصوت مبحوح ضعيف:هو...هو انت...مامتك فين؟
تفاجأ سيف من السؤال،خاصة أنه يخص والدته بالتحديد، لكنه أجابها
:دون أن يفهم السبب
...سيف:ماما توفت و أنا صغير و -
لم تستطع داليا أن تصمد أكثر.نهضت فجأة من مكانها و حسمت أمرها في لحظة واحدة،و قالت بنبرة حازمة لا
:تحتمل النقاش
-داليا:هات أهلك و تعالى بكرة... زي دلوقتي
لم تضف حرفاً واحداً.استدارت مسرعة
،و ركضت نحو غرفتها،تغالب دموعها التي انفجرت بعنف،ثم أغلقت الباب
.خلفها بقوة
بقى سيف واقفاً في مكانه مذهولاً
،لا يفهم ما حدث.لماذا هذا الانهيار المفاجئ؟و لماذا طلبت حضور والديه إن لم تكن موافقة عليه؟،و كيف تكون موافقة و هي تنهار بهذه الطريقة؟
عشرات الأسئلة تدور في رأسه بلا
.إجابة
في تلك اللحظة،خرجت كارما من المطبخ،و قد رأت والدتها تنهار باكية و هي تدخل غرفتها،ركضت نحو الصالون
:و هي تسأل بقلق بالغ
-كارما:في ايه؟ايه اللي حصل؟ماما بتعيط ليه؟
-سيف مذهولاً:مش عارف،لقيتها فجأة كده
-كارما:طب هي قالتلك ايه؟و انت قلتلها ايه؟
-سيف:مفيش...عرفت نفسي عادي،و فجأة لقيتها كده!و الغريبة إنها قالتلي "هات أهلك و تعالى بكرة" ...أنا مش فاهم حاجة
-كارما باضطراب:طب انت هتعمل ايه؟
-سيف:مش عارف...خلينا على تواصل
،أنا همشي دلوقتي...سلام.ابقي طمنيني عليكي
غادر سيف و هو غارق في حيرته،ينما بقيت كارما واقفة في مكانها،تشعر و
.كأن الأرض تهتز تحت قدميها
انهمرت دموعها بصمت،كيف اليوم الذي
؟!حلمت به ينتهي هكذا
لم تنتظر أكثر،بل ركضت نحو غرفة
.والدتها،و فتحت الباب بعنف،لتفهم
.لتعرف الحقيقة التي قلبت كل شيء
.........................
في غرفة داليا
دلفت كارما إلى داخل غرفة والدتها بلهفة.كانت الغرفة شبه مظلمة،و الصمت يخيم على المكان،سوى صوت
.أنين خافت صادر من أحد الأركان
وجدتها منهارة،تبكي بصوت مكبوت
،جالسة على طرف السرير،و وجهها
.مدفون بين كفيها
اقتربت كارما منها ببطء ،و جلست بجوارها برفق،ثم مدت يدها و ربتت
...على ظهرها بحنان مرتعش و
-كارما بصوت باكي و خائف:في ايه يا ماما؟ليه عملتي كده؟
رفعت داليا رأسها ببطء،و عيناها غارقتان بالدموع،و نظرت إلى ابنتها
.بنظرة مكسورة لم ترَها من قبل
اعتدلت قليلاً في جلستها،و مسحت دموعها بارتباك،لكنها لم تستطع أن
.تتحكم في شهقاتها
-داليا بصوت متحشرج من شدة البكاء:أنا أسفة....أسفة يا بنتي...عمري ما كنت أتخيل إن ده يحصل، بس ...بس عايزاكي تكوني واثقة ان كل اللي عملته ده كان عشان بحبك، و عشان أحميكي.أوعي تزعلي مني في يوم.والله كل ده كان غصب عني
ثم جذبتها إلى صدرها و احتضنتها بقوة،و اعتذرت منها، و أجهشت في
.البكاء من جديد
لم تفهم كارما شيئاً،لكنها شعرت بثقل الكلمات،و ارتجف قلبها من نبرة
:والدتها
-كارما بصوت مرتعش:في ايه يا ماما؟أنا مش فاهمة حاجة
-داليا و هي تبتعد عنها قليلاً و تنظر إليها برجاء:بكرة...بكرة هتفهمي كل حاجة،بس دلوقتي... أنا محتاجة اقعد لوحدي شوية، معلش
نظرت إليها كارما بصمت،عيناها تمتلئان دموعاً لا تعرف لها سبباً.أطاعت طلب والدتها، و خرجت من الغرفة ببطء،و
.هي غارقة في دوامة من التساؤلات
ماذا تقصد؟،و لماذا كل هذا الإنهيار؟و ما سر الكلمات الغريبة التي لم تجد لها تفسيراً؟
خلف الباب المغلق،كانت داليا لا تزال تبكي،تنكمش على نفسها في ظلام غرفتها.تنهيدة مكسورة خرجت من
:صدرها،تبعتها كلمات مغموسة في ندم
كيف فعلت هذا،كيف تسببت في أذى أغلى ما تملك،فهي جرحت قلب
!!!! أولادها الإثنين
.العلبة،ثم طلب منها أن تفتح عينيها
فتحت كارما عينيها ببطء،و اندهشت مما رأت،تجولت بعينيها في المكان باعجاب شديد،و ترقرقت الدموع في عينيها و هي تنظر إلى سيف الراكع أمامها،لم تشعر بأي شيئ آخر،كأن
.الدنيا توقفت عند هذه اللحظة
-سيف و هو ينظر إلى عينيها مباشرة و بنبرة هادئة مليئة بالحب:كارما أنا بحبك و هبقى أسعد واحد في الدنيا لو قبلتي تتجوزيني
لم تستطع كارما أن تمنع دموعها من السقوط،فهي لا تصدق ما تسمعه،و ما تراه.و لأول مرة،صرحت بحبها له
.فأومأت برأسها بالإيجاب
ابتسم سيف لها،و أمسك بيدها برفق،و ألبسها الخاتم،ثم نهض و استقام في وقفته،و جذب كارما برفق من يدها و ضمها إلى صدره ،و احتضنها بلطف شديد،تبادل الاثنان ذلك الاحتضان المليء بالحب و الحنان،و كأن العالم
.بأسره توقف عند هذه اللحظة
اقترب سيف من أذنها و همس لها- بنبرة دافئة:حدديلي ميعاد مع طنط عشان أجي أقابلها و بعد كده أجيب بابا و ماما
أومأت كارما برأسها بالإيجاب دون أن تنطق بكلمة،فقد كانت المفاجئة أكبر
.من أن تعبر عنها بالكلام
...........................
سعدت داليا بما قصته عليها ابنتها،و تمنت لها الخير،و دعت ربها بأن يوفقها في حياتها الجديدة،و أن يطمئن قلبها عليها،فهي كل ما تملك
.في هذه الدنيا
لكن رغم سعادة داليا لابنتها،إلا إنها كانت تشعر بالقلق، تخاف من ردة فعل تامر إن علم بموضوع كارما،فهي تعرف طبعه جيداً،لن يترك الأمر يمر مرور
.الكرام،دون أن يستغله ضدهم
......................
.... بعد مرور أيام
في فيلا المهندس أحمد و تحديداً في غرفة سيف
تأنق سيف في حلته السوداء ،و من أسفلها قميصه الأبيض الناصع...لم يرتدِ رابطة عنق،بل ترك أزرار القميص
.مفتوحة حتى مقدمة صدره
دلف سيف خارج غرفته بعد أن أتم استعداده،ثم توجه نحو الدرج و هبط إلى الأسفل،فوجد والديه جالسين في غرفة المعيشة،فاقترب منهما،و صافحهما
..سريعاً قبل أن يرحل و
-سيف:أنا خارج... ادعولي
-أحمد مبتسماً:ربنا يوفقك يا ابني،و يقدملك اللي فيه الخير
-ناهد:ربنا معاك و يسعدك،ابقى طمني عملت ايه، و جيب كده حاجة شيك و انت داخل
-سيف ضاحكاً:أكيد،حاضر....يلا سلام
-أحمد:سلام يا حبيبي
-ناهد:ربنا معاك
.....................
في منزل كارما
كانت كارما تقف أمام المرآة تطالع هيئتها،ارتدت فستاناً ضيقاً من اللون
الأزرق السماوي،ذو حمالات عريضة،مربع
.الصدر ما أبرز جمال عنقها
كان الفستان قصيراً من الأمام،يصل طوله إلى ما فوق الركبة، بينما انسدل من الخلف بذيل طويل أضفى عليه
.لمسة من الرقي و الأناقة
تركت كارما شعرها المموج ينسدل بحرية على ظهرها،و انتعلت حذاءً ذا كعبٍ عاليٍ من نفس لون الفستان
ما أكمل إطلالتها المتناسقة،و أضافت ،
لمسات خفيفة من مساحيق التجميل
.زادت من جمال ملامحها دون مبالغة،
بدت في تلك اللحظة كأنها أميرة خرجت من صفحات الحكايات...في
.كامل أناقتها و جمالها
...........................
وصل سيف إلى أسفل بناية كارما،صف سيارته بالقرب من المدخل،ثم ترجل منها و هو يمسك بيدٍ باقة وردٍ اختارها بعناية لكارما،و بالأخرى علبة
.حلوى فاخرة
اتجه سيف نحو المدخل،دلف إلى الداخل،ثم اتجه نحو الدرج و صعد إلى الطابق الذي تسكن فيه كارما،كان قلبه يخفق بشدة،حتى أنه شعر و كأن
.دقاته تصدح في أذنيه
وقف سيف أمام منزل كارما،أخذ نفساً عميقاً و زفره ببطء،محاولاً تهدئة ارتباكه،ثم مد يده بثبات و ضغط على
.زر جرس الباب
.....................
في الداخل
رن جرس الباب،فاستمعت كل من داليا و كارما إلى صوته،اضطربت كارما على الفور،و ركضت نحو المرآة تطالع هيئتها للمرة الأخيرة،ثم توجهت إلى
.الباب بخطى مترددة
فتحت داليا الباب،لتجد أمامها شاباً وسيماً،طويل القامة،ذات عينين بنيتين
.فكان كذاب حقاً،
دلف سيف إلى الداخل بخطى هادئة
،أعطى داليا علبة الحلوى،ثم التفت إلى كارما و قدم لها باقة الورد.ابتسمت
.له بخجل و شكرته
توجه سيف مع داليا إلى الصالون،بينما انسحبت كارما إلى المطبخ،متظاهرة
بالإنشغال باعداد مشروب،و قد أدركت أنها تترك لهما المساحة ليتحدثا على
.انفراد
..................
في الصالون
جلس سيف على طرف الأريكة،يحاول أن يبدو واثقاً رغم التوتر الذي يعتريه
:ابتسم ابتسامة خفيفة و
-سيف:ازيك يا طنط ،عاملة ايه؟
-داليا بابتسامة خفيفة:الحمد لله
-سيف و هو يحك عنقه بتوتر واضح:آآآ...أكيد كارما كلمتك عني؟
-داليا بنبرة ثابتة:أه طبعاً
-سيف:طب أنا هدخل في الموضوع على طول.أنا اسمي سيف أحمد المصري ،بابا مهندس و ليه شركة
....خاصة و
لم تستمع داليا إلى باقي حديث سيف
،لم تسمع شيئاً بعد اسمه.تجمدت،و كأن الزمن توقف."أحمد المصري"الإسم ضربها كصفعة،جعل قلبها يخفق بعنف
.ثم يهبط بثقله إلى قاع صدرها
.شعرت أن الهواء في الغرفة اختفى
لم تستطيع أن تستوعب ما سمعته كيف تراه بعد كل هذه السنين؟،
،كيف يكون هو ابن"أحمد"؟!،أخذت تتأمله بشدة،لم تعد ترى ذاك الطفل الصغير الذي تركته،صار شاباً ناضجاً
،طويل القامة،بصوته الرجولي و نظراته
كيف؟كيف كبر بهذا الشكل؟.الواثقة
متى مرت كل تلك السنوات؟لم تكن تصدق انه أمامها الآن.كانت تنظر إليه
و كأنها ترى وجهاً نسيت أنها كانت
تشتاق إليه بهذا القدر،و كأنه خرج من قلب الذكرى إلى واقع لا يُصدق،يقف
.أمامها...دون تمهيد،دون إنذار
كم اشتاقت إليه،كم تمنت أن تراه،و لو للحظة واحدة!،كانت تتمنى أن تحتضنه بشدة،أن تخبئه بين ضلوعها،أن تربت على كتفه و تعتذر له عن كل شيء
،عن كل ما فاته،عن كل ما حُرما
.منه
الدموع بدأت تترقرق في عينيها دون إرادة،جسدها بات ثقيلاً،و كل شيء في داخلها يصرخ دون صوت.كانت لا تشعر بشيء و كأن الدنيا توقفت عند هذه اللحظة،لم تكن تعرف كيف تتصرف الآن؟كيف تخبرهم؟ماذا تقول ؟،كيف تكون الصدفة قاسية إلى هذا الحد؟!كيف تسببت في جرح أقرب اثنين لديها؟،كانت الصدمة تفوق قدرتها
.على الإحتمال
لاحظ سيف الشرود العميق الذي غرقت فيه،و لاحظ تغير ملامحها و الدموع التي بدأت تملأ عينيها،فسألها
:بهدوء،و قد بدا عليه القلق
-سيف:في حاجة يا طنط؟حضرتك كويسة؟
انتبهت داليا لصوته،ذاك الصوت الذي تمنت أن تسمعه يوماً...لكن ليس في
.هذا الظرف،ليس بهذه الطريقة
تحاملت على نفسها،و سرعان ما مسحت دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة،و سألت بصوت مبحوح
:ضعيف،
-داليا بصوت مبحوح ضعيف:هو...هو انت...مامتك فين؟
تفاجأ سيف من السؤال،خاصة أنه يخص والدته بالتحديد، لكنه أجابها
:دون أن يفهم السبب
...سيف:ماما توفت و أنا صغير و -
لم تستطع داليا أن تصمد أكثر.نهضت فجأة من مكانها و حسمت أمرها في لحظة واحدة،و قالت بنبرة حازمة لا
:تحتمل النقاش
-داليا:هات أهلك و تعالى بكرة... زي دلوقتي
لم تضف حرفاً واحداً.استدارت مسرعة
،و ركضت نحو غرفتها،تغالب دموعها التي انفجرت بعنف،ثم أغلقت الباب
.خلفها بقوة
بقى سيف واقفاً في مكانه مذهولاً
،لا يفهم ما حدث.لماذا هذا الانهيار المفاجئ؟و لماذا طلبت حضور والديه إن لم تكن موافقة عليه؟،و كيف تكون موافقة و هي تنهار بهذه الطريقة؟
عشرات الأسئلة تدور في رأسه بلا
.إجابة
في تلك اللحظة،خرجت كارما من المطبخ،و قد رأت والدتها تنهار باكية و هي تدخل غرفتها،ركضت نحو الصالون
:و هي تسأل بقلق بالغ
-كارما:في ايه؟ايه اللي حصل؟ماما بتعيط ليه؟
-سيف مذهولاً:مش عارف،لقيتها فجأة كده
-كارما:طب هي قالتلك ايه؟و انت قلتلها ايه؟
-سيف:مفيش...عرفت نفسي عادي،و فجأة لقيتها كده!و الغريبة إنها قالتلي "هات أهلك و تعالى بكرة" ...أنا مش فاهم حاجة
-كارما باضطراب:طب انت هتعمل ايه؟
-سيف:مش عارف...خلينا على تواصل
،أنا همشي دلوقتي...سلام.ابقي طمنيني عليكي
غادر سيف و هو غارق في حيرته،ينما بقيت كارما واقفة في مكانها،تشعر و
.كأن الأرض تهتز تحت قدميها
انهمرت دموعها بصمت،كيف اليوم الذي
؟!حلمت به ينتهي هكذا
لم تنتظر أكثر،بل ركضت نحو غرفة
.والدتها،و فتحت الباب بعنف،لتفهم
.لتعرف الحقيقة التي قلبت كل شيء
.........................
في غرفة داليا
دلفت كارما إلى داخل غرفة والدتها بلهفة.كانت الغرفة شبه مظلمة،و الصمت يخيم على المكان،سوى صوت
.أنين خافت صادر من أحد الأركان
وجدتها منهارة،تبكي بصوت مكبوت
،جالسة على طرف السرير،و وجهها
.مدفون بين كفيها
اقتربت كارما منها ببطء ،و جلست بجوارها برفق،ثم مدت يدها و ربتت
...على ظهرها بحنان مرتعش و
-كارما بصوت باكي و خائف:في ايه يا ماما؟ليه عملتي كده؟
رفعت داليا رأسها ببطء،و عيناها غارقتان بالدموع،و نظرت إلى ابنتها
.بنظرة مكسورة لم ترَها من قبل
اعتدلت قليلاً في جلستها،و مسحت دموعها بارتباك،لكنها لم تستطع أن
.تتحكم في شهقاتها
-داليا بصوت متحشرج من شدة البكاء:أنا أسفة....أسفة يا بنتي...عمري ما كنت أتخيل إن ده يحصل، بس ...بس عايزاكي تكوني واثقة ان كل اللي عملته ده كان عشان بحبك، و عشان أحميكي.أوعي تزعلي مني في يوم.والله كل ده كان غصب عني
ثم جذبتها إلى صدرها و احتضنتها بقوة،و اعتذرت منها، و أجهشت في
.البكاء من جديد
لم تفهم كارما شيئاً،لكنها شعرت بثقل الكلمات،و ارتجف قلبها من نبرة
:والدتها
-كارما بصوت مرتعش:في ايه يا ماما؟أنا مش فاهمة حاجة
-داليا و هي تبتعد عنها قليلاً و تنظر إليها برجاء:بكرة...بكرة هتفهمي كل حاجة،بس دلوقتي... أنا محتاجة اقعد لوحدي شوية، معلش
نظرت إليها كارما بصمت،عيناها تمتلئان دموعاً لا تعرف لها سبباً.أطاعت طلب والدتها، و خرجت من الغرفة ببطء،و
.هي غارقة في دوامة من التساؤلات
ماذا تقصد؟،و لماذا كل هذا الإنهيار؟و ما سر الكلمات الغريبة التي لم تجد لها تفسيراً؟
خلف الباب المغلق،كانت داليا لا تزال تبكي،تنكمش على نفسها في ظلام غرفتها.تنهيدة مكسورة خرجت من
:صدرها،تبعتها كلمات مغموسة في ندم
كيف فعلت هذا،كيف تسببت في أذى أغلى ما تملك،فهي جرحت قلب
!!!! أولادها الإثنين