
رواية قطة في عرين الاسد الفصل الرابع والثلاثون 34 ج1
بقلم منى سلامه
مفكرتيش هعمل ايه لو كان جرالك حاجه .. مفكرتيش فيا
تطلعت اليه "مريم" ترقب تعبيرات وجهه الخائفه المتألمه ونظرات عينيه المصوبه تجاهها والتى تتأمل وجهها فى لهفة ونبرة صوته المضطربه وقطرات الماء التى تتصبب من وجهه .. فجأة وجدت نفسها بين ذراعيه يضمها اليه بشدة كما لو كان يخشى أن تفلت منه .. شعرت بدقات قلبه المتسارعه وبأنفاسه المتلاحقه .. سمعته يتمتم بصوت خافت :
- الحمد لله .. الحمد لله
حاولت "مريم" التحرر من بين ذراعيه لكن "مراد" كان يطبق عليها بشدة ويداه تتشبثان بها بإحكام .. شعرت "مريم" بمشاعر كثيرة متضاربة .. لكنها أسكتت كل تلك المشاعر وسمحت لشعور واحد فقط أن يطفو ويسيطر على كل كيانها .. شعور الأمان الذى شعرت به وهى بين ذراعيه .. أغمضت عينيها لتنعم بهذا الشعور الذى لطالما افتقدته
طال عناقهما وكأن الوقت قد توقف وخلى العالم الا منهما .. لم يشعران إلا بالأمان الذى يشعر به كل منهما فى حضن الآخر .. لم يقطع عليهما تلك اللحظة الا صوت حراس المرفأ القادمون بإتجاه الحريق وأصواتهم تتعالى :
- هاتوا طفاية الحريق بسرعة
- حد يتصل بالمطافى يا شباب
شعرت "مريم" بالفزع عندما سمعت تلك الأصوات التى تعالت فجأة بالصياح .. نظر "مراد" الى الخلف حيث الرجال مقبلون فى اتجاههم ثم نظر اليها قائلاً بحنان :
- متخفيش
شعرت "مريم" بالإضطراب وبالحرج الشديد ابتعدت عنه وابتعد عنها .. التفت "مراد" يتحدث الى الرجال وهو يطبق على ذراع "مريم" بيده :
- اللانش بتاع واحد صاحبى أنا هكلمه حالا
التفت الى "مريم" وأعطاها مفاتيح السيارة قائلاً :
- اعدى فى العربية انتى وهى واقفلوها عليكوا كويس
أومأت برأسها وتوجهت الى "سهى" التى تجلس على أرض المرفأ تبكى .. وجذبتها من ذراعها وتوجهت بها الى السيارة تحت أنظار "مراد" الذى أخذ يساعد الرجال فى اطفال الحريق حتى لا يمتد الى اللانشات المجاورة له
أغلقت "مريم" السيارة من الداخل كما أمرها "مراد" ثم التفتت الى "سهى" التى جلست بجوارها فى المقعد الخلفى وقالت :
- انتى كويسة ؟
قالت "سهى" والدموع تتساقط من عينيها :
- ياريتك كنتى سبتيني أموت
هتفت "مريم" بحده :
- حياتك مش ملكك عشان تنهيها وقت ما تحبي .. حياتك دى ملك لربنا .. ربنا حرم علينا اننا ننهى حياتنا بإيدينا .. ربنا بيقول فى سورة النساء : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً" .. انتى بتهربى من ايه لايه يا "سهى" .. انتى فاكره بعد ما تموتى خلاص كده هترتاحى ؟ .. لا يا "سهى" فى حياة تانية بعد الموت .. حياة أبديه .. هتتحاسبي فيها عن كل اللى عملتيه فى الدنيا .. النبي صلى الله عليم وسلم قال : "مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً" .. وقال كمان : " مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة "
صمتت "مريم" قليلاً ثم قالت :
- ليه تموتى على ذنب كبير زى ده .. انتى مش عارفه ان من مات على شئ بُعث عليه يوم القيامة ؟
قالت "سهى" وهى تبكى :
- ازاى أعيش بعد اللى حصل ده يا "مريم" أنا اتفضحت خلاص وحياتى ضاعت
قالت "مريم" :
- أنا مش هقولك ازاى عملتى كده .. وازاى رخصتى نفسك كده .. وازاى سبتى واحد يضحك عليكي كده .. بس هقولك حاجة قولتهالك قبل كدة يا "سهى" انتى بعيد عن ربنا .. قربي منه ومش هتخسرى .. قربي منه يا "سهى" لان سعادتك فى القرب منه مش فى البعد عنه
قالت "سهى" ودموع الندم تغرق وجهها :
- أعمل ايه يا "مريم" قوليلى أعمل ايه
قالت "مريم" :
- استغفرى ربنا وتوبي يا "سهى" وعاهديه انك مش هتغلطى تانى أبداً مهما حصل .. لو توبتى بجد هتحسي ان نارك بردت شويه .. عارفه ان اللى حصل مش سهل .. بس انتى غلطتى يا "سهى" والغلط له تمن .. وغلطتك كبيرة وعشان كدة تمنها غالى .. بس اخلصى التوبة وخليكي مع ربنا .. وهو مش هيضيعك لو كنتى فعلاً معاه بقلبك وبكل جوارحك .. ربنا كبير ورحيم .. بس لازم تكونى صادقة فى توبتك .. وصادقة فى لجوئك له .. وصادقة فى ندمك وفى دموعك وفى دعائك
انتفضت "مريم" وهى تسمع طرقات على الزجاج خلفها .. التفتت لتجد "مراد" فتحت الباب فأعطاها غطائين واحد لها وواحد لـ "سهى" .. قال لها وهو يلقى نظرة على "سهى" :
- الأمور تمام ؟
أومأت برأسها فقال برقه وهو يتطلع الى عينيها بنظرة جعلت وجنتيها تحمران خجلاً وتهرب بعينيها :
- اقفلى الباب زى ما كان
أغلقت باب السيارة من الداخل .. وتابعته بعيناها الى أن اختفى عن أنظارها .. أفاقت من شرودها على "سهى" تقول :
- تفتكرى لو استغفرت ربنا هيسامحنى .. تفتكرى ممكن يسامحنى على كل الحاجات الغلط اللى عملتها .. انا غلطت كتير أوى يا "مريم"
قالت "مريم" بحنان :
- ربنا كبير أوى يا "سهى" وبيسامح ويغفر .. تعرفى ان ربنا بيتجلى فى السماء الدنيا وبينادى فى الثلث الأخير من الليل ويقول : "من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" .. متخيله ده .. متخيله ان ربنا سبحانه وتعالى هو اللى بيسأل مين عايز يستغفرنى عشان أغفرله ! .. ومحددش عن أى ذنب بيستغرفه .. يعني الكلام عام وشامل أى حد بيستغفر مهما كان الذنب اللى أذنبه
لفت "مريم" أحد الأغطيه حول "سهى" والغطاء الآخر حولها .. كانت أسنانها تصطك ببعضها من شدة البرد وهى الجالسه فى السيارة .. أخذت تفكر رغماً عنها فى "مراد" الواقف فى هذا البرد وملابسه مبتله تماماً .. حاولت أن تبحث عنه بعينيها لكنها لم تكن تراه من مكان جلوسها فى السيارة .. فجأة وجدت "سهى" تقول بخوف :
- "سامر"
تتبعت "مريم" نظرات "سهى" التى كانت مصوبة على "سامر" الذى أوقف سيارته على مقربه من سيارة "مراد" وأسرع الخطى الى داخل المرفأ.
اقترب "سامر" من "مراد" قائلاً فى لوعة :
- ايه اللى حصل يا "مراد"
نظر "سامر" مصدوماً الى اللانش المحترق والذى خمدت ناره بمساعدة "مراد" و الحرس .. فهتف فى الحرس بغضب :
- مين اللى عمل كده .. ازاى يبقى اللانش فى حراتكوا ويحصل كده .. اتصلولى حالاً بالمدير بتاعكوا .. أنا هوديكوا كلكوا فى ستين داهية
قال "مراد" بحزم :
- "سامر" ملوش داعى الكلام ده
جذبه "مراد" من ذراعه ليبتعد عن أسماع الرجال فقال "سامر" بغضب :
- أنا هوديهم كلهم فى ستين داهية
قال "مراد" بصرامة :
- "سهى" هى اللى حرقت اللانش
نظر "سامر" الى "مراد" بدهشة وقال :
- "سهى"
قال "مراد" بحده :
- أيوة ولعت فى اللانش وهى جواه
نظر اليه "سامر" مصدوماً وقد ألجم لسانه .. فقال "مراد" بعنف :
- أنا عارف ان تصرفاتك مش صح بس متخيلتش انها توصل للجواز العرفى
قال "سامر" ببرود :
- دى حياتى وأنا حر فيها
قال "مراد" بحده :
- اتفضل انهى الموضوع مع الحرس .. مش معقول هتعملها مشاكل ويحبسوها
أخذ "سامر" ينظر الى لانشه المحترق بغيظ شديد وهو يقول :
- استفادت ايه دلوقتى لما حرقته .. غبية
عاد "مراد" الى السيارة وركب خلف المقود .. وانطلق بسيارته .. سألته "مريم" :
- ايه اللى حصل
نظر اليها فى مرآة السيارة قائلاً :
- قولت لـ "سامر" انها هى اللى حرقته وكانت عايزه تنتحر .. وهو هيحل المشكلة مع الأمن
كانت "سهى" قد هدأت تماماً وألقت رأسها للخلف وقد خارت قواها .. مسحت "مريم" على شعرها فى حنان .. التفتت لترى عيني "مراد" مركزتان عليها فى المرآة .. شعرت بالخجل الشديد وهى تتذكر عناقهما منذ قليل .. قال "مراد" :
- على فين ؟
نظرت "مريم" الى "سهى" بشفقه وقالت :
- تحبي نروحك البيت يا "سهى" ؟
قالت "سهى" بضعف :
- أيوة ياريت تروحونى
قالت "مريم" بإهتمام :
- وهتقولى لأهلك ايه وهدومك مبلوله كده
قالت "سهى" بإبتسامه ساخرة حزينه :
- ده لو خدوا بالهم منى أصلاً .. زمانهم دلوقتى فى سابع نومه وفاكرين انى نايمه فى أوضتى
شعرت "مريم" بالأسى عليها .. أوصلها "مراد" الى بيتها .. فقالت لها "مريم" محذره :
- مش عايزة تصرفات مجنونة تانى يا "سهى" فكرى فى كلامنا كويس
قالت "سهى" بضعف :
- متخفيش .. ومعلش تبعتك معايا يا "مريم"
ثم نظرت الى "مراد" قائله :
- آسفه على تعبك يا أستاذ "مراد"
أومأ "مراد" برأسه .. نزلت "سهى" من السيارة ودخلت بيتها .. ونزلت "مريم" لتركب بجوار "مراد" وتركت الغطاء بالخلف .. فجذبه "مراد" ولفه على كتفيها .. شعرت بالحرج وتحاشت النظر اليه .. وصلا الى البيت .. كانت "مريم" تشعر بالتعب والإرهاق .. كان الجميع نيام .. صعدا الى الغرفة فحملت "مريم" ملابسها وهمت بأن تتوجه الى الحمام بالخارج فأوقفها "مراد" قائلاً :
- لا خليكي انتى هنا
حمل ملابسه وخرج من الغرفة .. أخذت دشاً وتوجهت الى الفراش وهى تجد صعوبة فى ابقاء عينيها مفتوحتان .. عاد "مراد" ليجدها تغط فى نوم عميق .. اقترب من الفراش مبتسماً ومسح بيده على شعرها برقه ودثرها جيداً .. ثم توجه الى الأريكه وهو يشعر بألم شديد فى ساقه .. نام على الأريكة وألقى نظره على "مريم" النائمة ثم خلع ساقه الصناعية بعدما اشتد به الألم وأصبح غير محتمل لكنه تركها مكانها تسد فراغ ساقه تحت الغطاء .. وغط فى نوم عميق .. بعد عدة ساعات شعرت "مريم" بشئ يداعب وجنتها فاستيقظت وفتحت عينيها بصعوبة لتجد "مراد" واقفاً بجوارها ويبتسم قائلاً :
- الفجر أذن يا كسلانه
لم تستطع فتح عينيها فأغمضتهما مرة أخرى وعادت للنوم .. وجدته يربت على كفتها برفق قائلاً :
- "مريم" قومى صلى ونامى تانى
استيقظت هذه المرة .. وخرجت من الفراش بتكاسل توضأت وصلت ثم عادت الى النوم مرة أخرى تحت نظرات "مراد" الحانيه
*********************************************
فى الصباح استيقظ "مراد" وهو يشعر بنغزات كالأشواك فى حلقة وظل يعطس كثيراً .. كانت "مريم" مازالت تغط فى النوم .. اقترب منها وأخذ ينظر اليها طويلاً ثم ارتدى ملابسه وتوجه الى الخارج .. جلس على الطاولة مع أمه فى الحديقة قائلاً :
- هما البنات لسه نايمين
قالت "ناهد" :
- أيوة محدش منهم بيصحى بدرى كده .. واضح ان "مريم" كمان لسه نايمة
قال "مراد" وهو يهم بالإنصراف :
- أيوة نايمة .. أنا ماشى يا ماما عايزة حاجه
قالت له بإستنكار :
- مش هتفطر
قال "مراد" :
- هفطر فى الشركة عندى شغل كتير النهاردة
عطس مرتين فنظرت له أمه بتفحص قائله :
- خد حاجة للبرد يا "مراد" شكلك بردت امبارح كان الجو برد
لوح لها قائلاً :
- حاضر .. يلا سلام
توجه "مراد" الى شركة "سامر" وطلب مقابلته فأذت له السكرتيرة بالدخول استقبله "سامر" وعلامات الإرهاق على وجهه قائلاً :
- معرفتش انام طول الليل وجيت هنا المكتب ألهى نفسي بأى حاجه وأول ما كلمتنى الصبح استنيتك ومرضتش أمشى
قال "مراد" وهو يجلس أمامه :
- "سامر" ايه الحكاية بالظبط
قال "سامر" بتبرم :
- مفيش اتجوزت عادى يعني .. دى كل الحكاية
قال "مراد" بإستنكار :
- هو العرفى بأه عادى دلوقتى ؟ .. ده مش جواز أصلاً
قال "سامر" بضيق :
- أنا بعتبره جواز
قال "مراد" بحزم :
- البنت كانت هتموت نفسها امبارح .. ده مأثرش فيك خالص كده ؟
هتف "سامر" بغضب :
- واحدة غبية هعملها ايه يعني .. حد يعمل عملتها السودة دى
تنهد "مراد" قائلاً :
- هى طبعاً غلطانه .. غلطانه انها حاولت الانتحار وغلطانه انها سلمتك نفسها بورقة ملهاش أى قيمة .. بس انت مشترك معاها فى الغلط ده وبتتحمل جزء من المسؤلية .. حاول تراجع نفسك يا "سامر" .. وتصلح الغلط اللى حصل ده
****************************************
استيقظت "مريم" ووجدت الأريكة فارغة حملت هاتفها واتصلت بـ "سهى" :
- صباح الخير ازيك يا "سهى"
قالت "سهى" بصوت مجهد :
- ازيك يا "مريم"
قالت "مريم" بقلق :
- عاملة ايه دلوقتى
تنهدت "سهى" قائله :
- كويسة يا "مريم" .. كويسة متقلقيش نفسك
- طيب يا حبيبتى أنا كنت بطمن عليكي .. مش عايزة حاجة منى ؟
- تسلمى يا "مريم" ربنا يباركلك انتى بجد بنت جدعة أوى ياريتنى صاحبتك من زمان وسمعت كل اللى قولتيهولى
قالت "مريم" :
- الوقت لسه مفاتش يا "سهى" فى ايدك تغيري كل حاجة وتخليها أحسن .. هقوم أفوق كده وأفطر وأرجع أكلمك تانى
- ماشى يا "مريم" هستنى اتصالك
- ماشى يا حبيبتى مع السلامة خلى بالك من نفسك
نهضت "مريم" متكاسله .. بدلت ملابسها ونزلت للأسفل لتجد "سارة" و "نرمين" و "ناهد" فى غرفة المعيشة :
- صباح الخير يا جماعة
- صباح النور
قالت "نرمين" :
- هقول لدادة "أمينة" تحضر الفطار كنا مستنيينك أنا و "سارة"
ابتسمت "مريم" وجلست فالتفتت لها "ناهد" قائله :
- شكلك مرهق
ارتبكت "مريم" قائله :
- يعني شويه
قالت "ناهد" :
- "مراد" برده كان شكله تعبان وهو نازل النهاردة وأعد يعطس كتير
شعرت "مريم" بالحزن لعلمها بأنه مريض .. وأخذت تفكر فى أحداث الأمس ووقوفه بملابس مبتلة فى الهواء الطلق بالتأكيد أصابته نزلة برد .. ودت لو اتصلت به لتطمئن عليه لكنها ما كانت لتجرؤ على فعل ذلك
*******************************************
توجهت "مريم" الى المطبخ حيث كانت دادة "أمينة" واقفة تؤدى عملها .. قالت لها :
- تحبي أساعدك
التفتت "أمينة" ونظرت الى "مريم" مبتسمة وقالت :
- متحرمش منك يا ست "مريم"
جلست "مريم" على الطاولة الصغيرة فى منتصف المطبخ وقالت لها :
- انتى عايشة هنا من زمان يا دادة
قالت "أمينة" بمرح وهى تكمل عملها :
- يوووه من زمان أوى .. من أول ما سي "خيرى" الله يرحمه اشترى الفيلا .. أنا اللى مربية سي "مراد" و "سارة" و "نرمين" .. دول ميقدروش يستغنوا عنى أبداً ولا أنا أقدر استغنى عنهم
ابتسمت "مريم" وقالت :
- ربنا يخليكي ليهم
التفتت "أمينة" اليها قائله :
- حتى لما الظروف داقت بيهم بعد موت سي "خيري" الله يرحمه مرضتش أسيبهم أبداً حتى وقت ما كانوا مش قادرين يدفعولى مرتبي والفيلا دى كانت مرهونه وخسروا كل حاجة
عقدت "مريم" حاجبيها وهى تستمع بإهتمام فأكملت "أمينة" بحماس :
- قولت أبداً لو هشتغل بأكلى وشربي بس مش مهم المهم مبعدش عنهم أبداً مهما اتعرض عليا من فلوس فى بيوت تانية
ابتسمت "مريم" لإخلاص المرأة فأكملت "أمينة" بفخر :
- سي "مراد" هو اللى رجع كل حاجة زى ما كانت .. طبعاً راجل من ضهر راجل .. وقدر يقف على رجله ويرجع الفيلا دى ملكهم وقدر يكبر الشركة لحد ما بقت حاجة كبيرة أوى
ابتسمت "مريم" وهى تلاحظ اعجاب "أمينة" بـ "مراد" الذى ربته وكبرته .. قالت "أمينة" كمن تبوح بسراً :
- بصراحة لما عرفت ان سي "مراد" اتجوز فرحت أوى أوى ده كان مقاطع الجواز ومبيطقش سيرته
ضيقت "مريم" عينيها وهى تحاول استنباط ما ترمى اليه المرأة .. سألتها "مريم" بإهتمام :
- هو "مراد" ومراته الأولانيه اطلقوا من امتى ؟
قالت "أمينة" :
- اطلقوا من ست سنين
شعرت "مريم" بالدهشة ست سنوات ولم يفكر فى الزواج مرة أخرى .. تُرى أكان يحبها الى هذه الدرجة ؟ .. لماذا طلقها اذن ؟ .. كانت تفكر فى اجابات لتلك الأسئلة فى حيرة عندما أخرجتها "أمينة" من حيرتها قائله :
- ربنا يسامحها بأه سابته وراحت اتجوزت واحد تانى .. بس هى الخسرانه عمرها ما هتلاقى حد زى سي "مراد" لا فى أخلاقه ولا فى حنيته .. هى اللى مش وش نعمه
فكرت "مريم" .. اذن فزوجته هى التى تركته .. تُرى لما فعلت ذلك .. لم ترد سؤال "أمينة" أكثر حتى لا تشك فى الأمر .. فهى زوجته وهى أكثر شخص من المفترض أن يعرف كل شئ عنه .. شردت وهى تحاول أن تخمن اجابات الأسئلة التى تدور فى رأسها
*******************************************
عاد "مراد" من الخارج وهو يشعر بأن التعبت قد أخذ منه مبلغه .. ازداد العطس وازدادت ارتاجفة جسده وشعوره بالوهن .. اتقبلته "ناهد" قائله :
- شكلك تعبان أوى
قال "مراد" معانداً :
- لا أنا كويس هاخد حاجة للبرد وأدخل أنام
هاتفت "ناهد" قائله :
- انت لسه مخدتش حاجه للبرد .. بتستهبل يا "مراد" ما أنا قايلالك الصبح
قال "مراد" وهو يصعد الدرج :
- نسيت كنت مشغول هاخد دلوقتى
توقف والتفت الى أمه قائلاً :
- فين "مريم" ؟
قالت "ناهد" وهى تنظر اليه بإمعان :
- فى المطبخ
نظر "مراد" فى اتجاه المطبخ ثم التفت الى أمه وقال بصوت هادئ :
- هى كويسة ؟ يعني مش تعبانه ؟
هزت "ناهد" رأسها نفياً وهى مازالت تنظر اليه الى أن صعد الدرج الى غرفته .. دخلت "ناهد" المطبخ لتجد "مريم" جالسه تتحدث مع "أمينة" فقالت لها :
- "أمينة" لو سمحتي هاتى حاجة للبرد عشان "مراد"
شعرت "مريم" بالقلق وقالت :
- هو تعبان أوى
نظرت اليها "ناهد" قائله :
- أيوة شكله تعبان أوى وكالعادة نسي ياخد الدوا طول اليوم
خفق قلبها قلقاً .. قالت "أمينة" :
- ربنا يشفيه ويعافيه ياخد الدوا ده ويتدفى وهيبقى الصبح زى الفل
اخذت "ناهد" الدواء وصعدت الى غرفة "مراد" أمرته بالنوم على الفراش وأن يتدفى جيداً .. قال "مراد" :
- حاضر
قالت "ناهد" وهى تتحسس جبينه :
- حرارتك عالية أوى يا "مراد" تحب أتصل بـ "أحمد"
قال وهو يعطس :
- لا أنا كويس
قالت "ناهد" بحنق وهى تشير للفراش :
- طيب لو سمحت نام وريح نفسك على ما أعملك شوربه دافيه
توجه "مراد" الى الأريكة وهم بالنوم فوقها فقالت "ناهد" بإستنكار :
- هتنام على الكنبة
نظر اليها نظرة ذات معنى فامتقع وجهها بعدما فهمت ترتيبات النوم الخاصة بهما .. همت بالخروج من الغرفة فوجدت فى وجهها "مريم" التى شعرت بالقلق يراودها وأرادت الإطمئنان على "مراد" .. خرجت "مريم" وأغلقت الباب خلفها وهى ترمقهما بنظراتها .. ابتسم لها "مراد" قائلاً :
- انتى كويسه ؟
نظرت اليه بأسف قائله :
- أنا آسفه على اللى حصل ده .. كل ده بسببي
ظل محتفظاً بإبتسامته وقال وهو يرمقها بحنان :
- فداكى
شعرت بالخجل وتعالت خفقات قلبها وقالت بإرتباك :
- تحب أعملك حاجة
قال "مراد" وهو يرمقهما بنظرات التى لم تبتعد عنها لحظه :
- تعرفى تعملى لمون سخن
ابتسمت قائله :
- أيوة أعرف
ابتسم قائلاً :
- لو مش هتعبك اعمليلي كوباية
أومأت برأسها وتوجهت الى المطبخ .. رأت "ناهد" تعد لـ "مراد" طبق حساء فتوجهت الى الثلاجة واخرجت الليمون وشرعت فى اعداد كوب الليمون الساخن .. نظرت "ناهد" الى ما تفعله وابتسامه صغيره على شفتيها فتعمدت ان تتلكأ فى اعداد الحساء .. صعدت "مريم" الى غرفة "مراد" الذى سمعته يعطس بقوة فشعرت بالحزن لأجله .. أعطته الكوب فاعتدل قليلا فى جلسته وأخذ يرمقها بنظراته .. خجلت من الوقوف امامه فى مرمى نظراته هكذا فإلتفتت لتخرج .. أوقفها قائلاً :
- راحه فين
قالت بإرتباك وهى تتحاشى النظر اليه :
- نازله تحت
صمت قليلاً ثم قال :
- طيب براحتك
نظرت اليه قائله :
- لو عايز حاجه عرفنى
قال "مراد" بتردد :
- يعني لو كنتى فاضية ومكنش يضايقك اعدى نتكلم سوا
جلست "مريم" على الفراش قبالته .. أخذ رشفه من كوبه قائلاً :
- زميلتك عامله ايه دلوقتى
تنهدت "مريم" بأسى وقالت :
- كويسه .. اتكلمت معاها الصبح وكلمتها تانى من شوية
قال"مراد" بحنق :
- مش عارف ازاى فى بنات ساذجين للدرجة دى
قالت "مريم" بحزن :
- نصحتها كتير .. بس هيا كانت بتسمع من غير ما تنفذ .. هى مش وحشة من جوه هى مشكلتها انها جاهلة بأمور دينها .. وأى حد يقولها حاجة بتصدقها
تذكرت "مريم" كيف قصت عليها "سهى" اليوم ما حدث من "خالد" و "سامر" وكل تفاصيل علاقتها بهما .. قال "مراد" :
- أنا اتكلمت مع "سامر" بس واضح ان الموضوع بالنسبه له مكنش أكتر من مجرد نزوه
قالت "مريم" بحده :
- بس حرام عليه هو فهمها ان ده جواز وانه حلال لحد ما يتقدملها ويكتب عليها .. بجد حرام عليه هى صدقته .. غلطانه ومليون غلطانه بس هو كمان مكنش أمين معاها من الأول وأقنعها بحاجة غلط وحرام .. حرام عليه بجد
ثم قالت برجاء :
- مينفعش تتكلم معاه تانى وتحاول تقنعه بموضوع الجواز .. أنا عارفه ان الموضوع مش فى ايدك وانه مش سهل .. بس بطلب منك بس انك تحاول معاه تانى
قال "مراد" بجديه :
- هعمل اللى هقدر عليه بس مش هقدر أوعدك بحاجه
قالت "مريم" بلهفه :
- ان شاء الله كلامك معاه تانى يجيب نتيجة
أخذ "مراد" يتأمل ملامحها بإمعان فأبعدت عينيها عنه .. سألها فجأة :
يتبع ج2