رواية قطة في عرين الاسد الفصل السادس والعشرون 26 بقلم منى سلامه


رواية قطة في عرين الاسد الفصل السادس والعشرون 26
بقلم منى سلامه


استيقظت "مريم" فجراً وتوضأت وارتدت اسدالها .. نظرت الى "مراد" النائم فى حيرة .. أتوقظه أم لا .. اقتربت منه .. يا الله ما أشد الشبه بينه وبين "ماجد" .. لم تكن لتجرؤ على النظر اليه وهو مستيقظ خشية أن يسئ تفسير نظراتها كما فعل من قبل .. لكنها الآن تتفرس فى ملامحه التى طالما أحبتها وعشقتها .. كان لديها عشرات الصور لـ "ماجد" لكن الصورة التى أمامها الآن حية تتنفس وتتحرك .. أخذت تتطلع الى ملامحه وهى تستعيد ذكرياتها مع "ماجد" .. وقفت دقائق عدة الى أن انفتحت تلك العينان لتنظران اليها فى ظلام الغرفة .. فزعت وانتفض جسدها ورجعت خطوة للخلف .. جلس "مراد" على فراشه وهو مازال ينظر اليها .. كانت تشعر بإضطراب وتوتر بالغ قالت بصوت مضطرب للغاية :
- الفجر .. وانت كنت نايم

كانت تتلعثم بشدة .. هربت من أمام ناظريه وخرجت من الغرفة وهى مغتاظه من نفسها بشدة .. صلت فى حجرة المعيشة وأيقظت البنات وأسرعت بالعودة الى الغرفة والتظاهر بالنوم قبل أن يعود "مراد" من المسجد

*********************************************
جلس "سامر" فى حجرة الإجتماعات فى انتظار حضور "مراد" و "طارق" .. دخل "طارق" واقترب من "سامر" قائلاً :
- ألف مبروك يا "سامر" وآسف جداً انى معرفتش آجى امبارح
جلس "طارق" قبالته فابتسم "سامر" قائلاً :
- ولا يهمك يا "طارق" .. "مراد" قالى امبارح
فتح "طارق" أحد الملفات التى أمامه وقال :
- ها ايه الأخبار بعت كام لوحة
ضحك "سامر" قائلاً:
- معظم اللوحات اللى كانت معروضة امبارح اتباعت
ضحك "طارق" قائلاً :
- كويس انى مجتش كان زمانك فلستنى .. أصلاً رسمك كتير بيعجبنى لو كنت جيت كنت خدتهم كلهم
قال "سامر" بخبث :
- سيبك انت من اللوح .. هو ايه اللى بيحصل بالظبط .. المزة بتاعتك لقيتها جايه امبارح مع "مراد"
قال "طارق" بإستغراب :
- مزة مين
ابتسم "سامر" وهو يغمز بعينه قائلاً :
- الديزاينر بتاعتنا اللى كل شوية تتحجج وتروح الشركة تشوفها
أغلق "طارق" الملف بعنف وهتف بـ "سامر" :
- انت قولت لـ "مراد" ايه ؟
قال "سامر" :
- ما قولتلوش حاجه عنك قولتله بس انى كنت رايح أظبطها وبعدين معجبتنيش
شعر "طارق" الضيق وهتف به :
- مكنش لازم تنطق أصلاً .. ممكن دلوقتى ياخد عنها فكرة غلط
قال "سامر" وهو يضيق عيناه :
- هى ايه الحكاية بالظبط
قال "طارق" بضيق :
- الحكاية ان "مراد" اتجوزها
هتف "سامر" بدهشة :
- ايه .. اتجوزها .. أنا كنت فاكرها صحبته
نظر اليه "طارق" بغيظ قائلاً :
- ليه من امتى كان "مراد" بيصاحب يعني .. انت مش عارف طبعه ولا ايه
قال "سامر" :
- ده أنا عكيت الدنيا آخر عك .. عشان كده حسيته غار لما قولته انى كنت رايح أظبطها
سأله "طارق" بإهتمام :
- غار ازاى يعني
قال "سامر" :
- مرضاش يخليها تتكلم معايا ولا حتى رضى يقف معايا وطول الوقت وهو واقف فى جمب معاها كإنه بيحرسها .. ولما حاولت أوجهلها كلام تانى استأذن وخدها ومشى
كان "طارق" يمعن التفكير فيما سمعه من "سامر"
كان "مراد" فى مكتبه وعلامات الالم على وجهه .. كان يشعر بألم شديد فى ساقه .. طوال الأيام الماضية لم يخلع ساقه الصناعية أبداً وذلك بسبب مشاركة "مريم" اياه غرفته .. لم يكن ليجرؤ على أن يظهر اعاقته أمامها .. كان يتحمل الألم أثناء نومه إلى أن اشتد به وأصبح لا يطاق .. فإضطر الى خلعها فى مكتبه .. وأمر السكرتيرة بإحضار "طارق" و "سامر" الى مكتبه .. بعد قليل حضر الاثنان فقال "مراد" محاولاً تجاهل الألم فى ساقه :
- خلونا نتكلم هنا
جلس الإثنان وقال "سامر" :
- طيب يا جماعة نتكلم الأول فى الماركة الجديدة والمشروع اللى متعطل ده
قال "طارق" موجهاً حديثه لـ "مراد" :
- "مريم" هتبتدى الشغل امتى الوقت مش فى صالحنا
اندهش "مراد" من شعور الضيق الذى راوده وهو يسمع اسم "مريم" من "طارق" بلا ألقاب .. ظهرت علامات الضيق على وجهه وتظاهر بالإطلاع على الملف الذى أمامه وهو يقول بجدية وحزم :
- اسمها "مدام" مريم
نظر اليه "طارق" بتمعن .. وظهر عليه الضيق هو الآخر .. فقال "سامر" :
- طيب هتبتدى الشغل امتى ؟
قال "مراد" وهو ينظر اليه :
- هتفق معاها النهاردة ان شاء الله
قال "سامر" :
- طيب تمام .. يبقى نجتمع معاها فى أقرب وقت ويفضل يكون بكرة عشان تبتدى هى الشغل من بكرة أو بعده بالكتير
نظر اليه "مراد" بحده وقال بحزم :
- مفيش داعى تيجى الإجتماع .. نتفق احنا التلاته على اللى احنا عايزينه وأنا هبلغها
قال "سامر" بتوتر :
- طيب تمام زى ما تحب أنا مكنش قصدى حاجه
تابع "طارق" "مراد" بعينيه والذى كان يبدو عليه العصبية ثم قال بهدوء :
- خلاص يا "مراد" زى ما انت قولت .. وعامة زى ما انت عارف ذوقى وذوقك واحد يعنى اتفق معاها انت على اللى انت شايفه وان شاء الله أنا و "سامر" مفيش اعتراض بالنسبة لنا
أومأ "مراد" برأسه دون أن ينظر اليهما .. وانتهى الإجتماع .. خرج "سامر" أولاً وقبل أن يخرج "طارق" بدا عليه التردد ثم التفت الى "مراد" قائلاً :
- اسمه "ماجد"
رفع "مراد" رأسه بحده ونظر الى "طارق" .. فأكمل "طارق" بهدوء :
- عامة هتلاقى عندك فى قسيمة الجواز كل بياناته لازم المأذون يكون كاتبها
قال ذلك ثم انصرف وترك "مراد" شارداً .. اذن فالإسم الذى كانت تردده "مريم" أثناء مرضها كان اسم زوجها .. تُرى أأحبته لدرجة أن تذكر اسمه فى مرضها وهو الذى توفى منذ أكثر من عام ! .. أيعقل انها مازالت تحبه حتى الآن ؟! .. أخذت الأسئلة تلاحقه دون أن بجد لها أى اجابه ..

************************************************

طرقت "ناهد" باب غرفة "نرمين" فتحت "نرمين" فى وجوم فقالت "ناهد" وهى تنظر اليها بإمعان :
- "نرمين" مالك .. بقالك يومين أعدة فى أوضتك ومش راضية تنزلى تعدى معانا .. فى ايه
قالت "نرمين" محاولة اخفاء ما تشعر به :
- مفيش يا ماما .. مصدعة شوية
اقتربت منها "ناهد" وتفحصت حرارتها وقالت :
- حرارتك عادية .. أمال من ايه الصداع اللى بقاله يومين ده
قالت "نرمين" بنفاذ صبر :
- خلاص يا ماما شوية وهيروح أنا هنام دلوقتى
قالت "ناهد" بحنان :
- طيب يا حبيبتى ولما "مراد" ييجى هخليه ياخدلنا معاد من الدكتورة ونشوف سبب الصداع ده ايه
قالت "نرمين" :
- ماما مفيش داعى أنا كويسة
قالت "ناهد" بإصرار :
- حبيبتى لازم نعرف سبب الصداع ده ايه ده بقاله يومين مش بيروح .. يلا نامى دلوقتى ولما ييجى "مراد" هصحيكى
دخلت "نرمين" وألقت بنفسها على الفراش وتركت لعبراتها العنان وهى تعلم جيداً أنه لا يوجد دواء فى العالم بإستطاعته أن يريحها ويشفى ما ألم بها .

************************************************

- كيفك يا ابنيتي وكيف جوزك
تلقت "مريم" اتصالاً من جدها وجدتها فكانت سعادتها غامرة وقالت :
- الحمد لله بخير يا جدو ازيك وازى تيته .. وعمو أخباره ايه دلوقتى
قال "عبد الرحمن" :
- امنيح يا بنيتي لا تجلجى .. من آخر اتصال بيناتنا وهو عم يتحسن يوم بعد يوم الحمد والشكر ليك يا رب
قالت "مريم" بتأثر :
- وحشتنى أوى يا جدو انت وتيته .. وازى "صباح" عاملة ايه
قال "عبد الرحمن " :
- امنييحه الحمده لله .. وانتى يا بنيتي وحشانا كتير ربنا يطمنا عليكي دايماً
اغرورقت عينا "مريم" بالعبرات بعدما أنهت المكالمة .. لكم اشتاقت اليهما بشدة ..

قال "عبد الرحمن" لزوجته :
- الحمد لله اطمنا عليها
قالت "زوجته: بأسى :
- وحشتنى جوى جوى يا حاج .. ياريت نبجى نروح نزورها جريب .. احنا علينا ليها حج بردك
قال "عبد الرحمن" وهو يتنهد بحسره :
- حج ليها ولأبوها .. ظلمته كتير جوى .. لولا ظلمى ليه كان زمانى عارفها من زمان .. ياريتنى كنت حوطت على "خيري" ولدى زى ما "سباعى" و "بهيرة" حوطوا على "خيري الهواري" .. كان زمانى متحرمتش منه ومن ولاده
قالت زوجته بحزن :
- ياما جولتلك يا حاج .. "خيري" راجل ويعرف ربنا بلاش تجسى عليه .. بس انت مكنتش بتسمع لحدا واصل
قال "عبد الرحمن" بأسى :
- كان الغضب والشك عميني .. والكلام اللى كنت عم بسمعه مكنش جليل .. كان لازمن أعرف انه بجه راجل وادرى بصالحه .. كان لازمن أبجى واثج فيه أكتر من اكده
قالت زوجته :
- خلاص يا حاج اللى فات مات .. ربنا يسامحنا كلياتنا .. كلياتنا أسأنا الظن فيه .. ربنا يجدرنا ونعوض بنته عن اللى عيميلناه فى أبوها الله يرحمه

**********************************************
دخل "سباعى" حجرة "جمال" بالمشفى وهتف قائلاً :
- كيفك دلوجيت يا ولدى
قالت زوجته الجالسه بجوار "جمال" تطعمه بيدها :
- امنييح يا حاج .. الحمد لله
قال "جمال" مبتسماً :
- امنييح يا بوى .. بس الوكل اللى عم توكلنى اياه أماى هو اللى هيجصف عمرى عن جريب
هتفت أمه فى عتاب :
- اكده يا "جمال" ده آنى عملالك الوكل ده بيدي ومرضيتيش حد يمد يده فيه غيري
قال "جمال" :
- تسلم يدك يا أماى
التفت "جمال" الى والده وقال :
- لسه مليجيوش اللى عيمل اكده يا بوى
قال "سباعى" وهو يجلس على أحد المقاعد :
- آنى لسه جاى من الجسم دلوجيت .. وعرفت انهم ليجيو سلاح مرمى فى صندوج الزبالة اللى جمب البيت .. عم يدوروا دلوجيت السلاح ده بتاع مين وبيجولوا هيبعتوه المعمل الجنائي عشان يعرفوا الرصاصة انطخت منيه ولا لا
قال "جمال" بغل :
- آه لو أعرف مين اللى طخنى كنت جتلته بيدي
قال "سباعى" نحذراً :
- سيب الحكومة تتصرف يا ولدى هما أدرى بشغلهم .. ولما يعرفوا اللى طخك هما اللى هيجيبولك حجك منييه محناش عايشين فى غابة عاد
صمت "جمال" وهو يفكر بالتوعد لمن جرؤ وأطلق عليه النار يوم عرسه

************************************************** *

عاد "مراد" فى المساء حاملاً أحد الملفات فتح الباب وتوجه أولاً الى مكتبه .. وضع الملف على المكتب وأخذ فى البحث عن قسيمة الزواج التى وضعها فى أحد أدراج المكتب .. قاطعه فجأة اتصال هاتفى ينبئه بخبر زرفت له عيناه الدموع .. وبكى قلبه ألماً وحسرة ... موت عمته "بهيرة"
شعر "مراد" بالأمل فى قلبه وروحه لقد افتقد حضناً حانياً لا تقل محبته لها عن محبة "ناهد" .. استرجع وقال :
- انا لله وانا اليه راجعون اللهم اجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها
قال "سباعى" بصوت باكى :
- الله يرحمها كانت ست مشفتش زييها .. الله يغفرلها ويرزقها الجنة
قال "مراد" وهو يحاول أن يفيق من صدمته :
- هجيلكوا حالا يا عمى
قال "سباعى" :
- بلاش تيجي يا ولدى .. عيلة المنفلوطي هيكون عينيهم مصحصحه لانهم هيبجوا عارفين ان أكيد "خيري" أو ولاده هيكونوا فى الدفنه
قال "مراد" بحزم :
- لازم أحضر دفنة عمتى يا عمى .. أنا جاى حالا
أغلق "مراد" الهاتف وهو يشعر بالحزن والأسى .. حملته قدماه بصعوبة الى أن توجه الى غرفة المعيشة حيث اجتمع الجميع وأنبأهم بهذا الخبر .. فتعالت الشهقات بالبكاء المرير .. كانت "مريم" تبكى تلك السيدة الطيبة من أعماق قلبها فلقد أحبتها ليس فقط لكونها أنقذتها من الزواج من "جمال" بل لأنها عمة "ماجد" لمست طيبتها وحنيتها فشعرت وكأنها افتقدت أمها للمرة الثانية .. أصرت "ناهد" على السفر مع "مراد" .. على الباب وقفت "سارة" تودعهما فالتفت "مراد" الى "سارة" الباكية قائلاً :
- مش هنتأخر يا "سارة" ان شاء الله هنرجع بكرة بالليل .. خلى بالك من أختك
صمت قليلا ثم قال :
- ومن "مريم"
أومأت "سارة" برأسها والدموع تنهمر من عينيها ..

دخلت "مريم" غرفة "مراد" وانهارت على الأريكة .. كانت تبكى "بهيرة" وتبكى الوضع الذى أصبحت فيه بمفردها .. فها هى منقذتها من هذا الزواج قد رحلت عن الدنيا .. جلست تسترجع وتدعو لها بالرحمة والمغفرة .. لم تشعر "مريم" بمضى الوقت وهى جالسه على الأريكة تحتضن قدميها الى صدرها .. أمسكت هاتفها الموضوع بجواها ونظرت الى الساعة التى تشير الى الثانية عشر الا خمس دقائق .. ياااه كم هى الآن فى أمس الحاجة لكلمة واحدة من كلمات "ماجد" .. تلك الكلمات التى تبث فيها الأمل وتحثها على الصبر وتطيب جروح روحها .. نظرت بلهفة الى تلك الأرقام وهى تتبدل كل دقيقة الى أن أتت اللحظة المنشودة .. قامت بلهفة وتوجهت الى الحقيبة الصغيرة التى تخفيها بين ملابسها فى الرف المخصص لها بالدولاب .. بحثت عن الخطاب الذى يحمل الرقم التالى .. أخذته بلهفة وجلست على الأريكة تحتضنه بين كفيها وتتعلق به كالغريق الذى يتعلق بقشة فى وسط بحر عميق مظلم .. همت بفتح الخطاب .. لكن يداها توقفت فجأة وتسمرت مكانها عندما وقع نظرها على الدبلة التى نقلتها "ناهد" من يدها اليمنى الى يدها اليسرة .. رفعت نظرها لتنظر الى فراش "مراد" وكأنها تنظر الى "مراد" نفسه .. توقف عقلها عن العمل للحظات ثم عاد ليعمل بسرعة جنونية .. أمن حقها أن تفتح هذا الخطاب ؟ .. هل هذا أمر صحيح ؟ .. أتعد هذه خيانة ؟ .. كيف خيانة وهذا ليس بزواج طبيعى ؟ .. حتى ولو لم يكن زواج طبيعى فهذا زواج أمام الله عز وجل ؟ .. هل لـ "مراد" عليها حقوق الزوج أم لا ؟ .. أليس من حق الزوج أن تحفظه فى نفسها ؟ .. أيصح أن تكون متزوجة من رجل وتقرأ خطابات رجل آخر ؟ .. هل هذه خيانة ؟ .. ظلت الأسئلة تقفز الى عقلها بسرعة لدرجة لم تستطع معها الإجابة على أى منها .. كيف لا تقرأ خطابات "ماجد" ؟ كيف تحرم منها ؟ .. تلك الخطابات هى سلواها الوحيدة فى هذه الدنيا؟ .. كيف تستطيع منع نفسها من فتح هذا الخطاب ومعرفة ما بثها اياه "ماجد" ؟ .. كيف تمنع نفسها من الشئ الوحيد الذى أبقاها محتفظة بعقلها بعدما آلم بها من مصائب ؟ .. كيف تمنع نفسها من الشئ الوحيد الذى يجعلها تتواصل مع "ماجد" كما لو أنه مازال حيا ؟ .. لكن كيف تخون "مراد" أمام الله إن كانت هذه بالفعل تعد خيانة ؟ .. أهذا فعلا محرم ؟ .. أهذه خيانة ؟ .. لا ولم ولن تكون خائنة .. تلك الكلمة القاسية لن تسمح بأن تنحدر لمستواها يوماً .. ظلت تحتضن الخطاب بين كفيها وفى عينيها ألم وحيرة كبيرة .. تقافزت العبرات من عينيها كل عبرة تصارع الأخرى لتسقط قبلها .. ظلت جالسه تحتضن الخطاب وهى لا تدرى ماذا تفعل .. وأخيرا حسمت أمرها ونهضت وأعادت الخطاب مرة أخرى الى الحقيبة بأيدٍ مرتعشة دون أن تقرأه .. أغلقت الدولاب ووقفت أمامه تسند جبينها اليه وقلبها يعتصر ألماً وقهراً وهو يقول : آسفة حبيبى لم يعد يحل لى قراءة خطاباتك الآن لأننى أصبحت زوجة لآخر .

دُفنت "بهيرة" وقد زرفت عليها دموع الرجال والنساء .. كانت "بهيرة" تتمتع بالحكمة ورجاحة العقل والطيبة وكان لها شعبية كبيرة وسط القبيلة .. صلى الجميع صلاة الجنازة وشيعوا جثمانها .. شارك "مراد" فى دفن عمته وقلبه يبكى قبل عيناه .. ظل يدعو لها ويستغفر لها الى أن حثه "سباعى" على مغادرة المقبرة .. توجه الجميع الى بيت "سباعى" كبير عائلة الهواري .. قدم "عبد الرحمن" واجب العزاء وجميع أفراد عائلة السمري الذين أحزنهم فقد تلك المرأة .. تجمعت النساء أيضاً فى بيت "سباعى" وقامت زوجته بواجب الضيافه .. بكت الكثير من النساء لفقدها فكل منهن تتذكر موقفاً طيباً من تلك المرأة فلكم ساعدت المحتاجين ورفقت بحال المظلومين ونصرت المستضعفين فكانت مثالاً للمرأة الصالحة .. فانهالت الدعوات لها بالرحمة والمغفرة

*************************************

أمضت "مريم" ليلها ساهرة وقد جفاها النوم .. خرجت فى الصباح لتجد "نرمين" و "سارة" جالستان فى الحديقة فلحقت بهما .. وجلست بجوارهما .. قالت "نرمين" بصوت باكى :
- مش قادرة أصدق انها ماتت واننا مش هنشوفها تانى
تمتمت "سارة" باكية :
- ربنا يرحمها
قالت "مريم" بتأثر :
- اللهم آمين .. بجد كانت ست طيبة أوى
ثم التفتت الى الفتاتان قائله :
- لازم تعملولها صدقة جارية يا بنات .. هو ده اللى هينفعها دلوقتى
أومأت الفتاتان برأسيهما فى صمت .. قالت "مريم" :
- بتصل بطنط "ناهد" كتير موبايلها مقفول .. هقوم أتصل بجدو وأشوف الأخبار ايه
قالت "سارة" :
- اتصلى بـ "مراد"
نظرت اليها "مريم" وأومأت برأسها بتوتر .. فهى لا تعلم رقم "مراد" وحتى لو علمت فما كانت ستجرؤ على الإتصال به .. اتصلت بجدها وعرفت منه أنهم انتهوا من دفنها .. لحظات واتصل "مراد" بـ "سارة" واخبرها أنهم سيضطرون للمبيت وسيحضرون فى الغد .. واتصل بمكتبه وأخبر سكرتيرته بسفره اليوم وبأن تعمل على الغاء كل مواعيده واجتماعاته لهذا اليوم ..

**************************************

- البقاء لله يا حبيبتى
قال "حامد" ذلك على الهاتف فهتفت "نرمين" بغضب وهى تغلق باب غرفتها جيداً :
- أفندم عايز ايه
قال "حامد" :
- تؤ تؤ اتكلمى معايا بإسلوب أحسن من كدة وإلا انتى عارفه كويس ايه اللى ممكن يحصل
أجهشت "نرمين" فى البكاء وقالت :
- انت عايز منى ايه حرام عليك .. "مراد" لو عرف هيقتلنى ويقتلك
قال "حامد" :
- وعشان ميعرفش هتعملى اللى هقولك عليه دلوقتى خاصة ان "مراد" مسافر يعني هتقدرى تتحركى بحرية
قالت بريبه :
- اعمل ايه
قال "حامد" :
- هتدخلى زى الشاطرة مكتب أخوكى هتلاقى عليه ملف اسمه "دراسات مصنع الملابس" هتجبيلى الملف وهكون مستنيكي فى العربية ادام الفيلا تيجي تسلميني الملف وامسح أدامك الصور ولا من شاف ولا من درى
قالت "نرمين" وهى تعاود البكاء :
- انت عاوزنى اسرق اخويا
- تؤ تؤ عيب عليكي دى مش سرقة
قالت "نرمين" بحده :
- لو لقى الملف مش موجود هيسألنا كلنا
قال "حامد" :
- متقلقيش يا قلبي انا هاخد منه نسخه وأرجعهولك تانى
قالت "نرمين" باكية :
- مش هقدر اعمل كده
قال "حامد" بغضب :
- طيب حلو اوى سلام بأه عشان عايز ابعت رسالة مهمة لاخوكى تجيبه من الصعيد على ملى وشه
هتفت "نرمين" بلهفه :
- لا استنى ارجوك اوعى تبعت حاجه لـ "مراد" ده هيموتنى
قال "حامد" ببرود :
- هستناكى ادام باب الفيلا الساعة خمسة .. خمسة ودقيقة هبعت صورك لاخوكى .. سلام يا حبي
أجهشت "نرمين" فى البكاء وهى لا تدرى ماذا تفعل اتلبي طلبه منها .. أم تخاطر بأه يرى "مراد" تلك الصور التى تم التلاعب بها والتى بالتأكيد ستثير جنونه ؟!


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة