رواية قطة في عرين الاسد الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم منى سلامه


رواية قطة في عرين الاسد الفصل الثالث والثلاثون 33
بقلم منى سلامه


جلست "مريم" فى المساء مع "ناهد" فى حجرة المعيشة يلعبان الشطرنج .. صاحت "مريم" مبتسمه :
- كش ملك
قالت "ناهد" :
- ياربي .. مفييش ولا مرة أكسبك فيها
ضحكت "مريم" قائله :
- قولت لحضرتك انى بعرف ألعبها كويس
قالت "ناهد" ضاحكة :
- مش محتاجة تقوليلى أديني شوفت بنفسي
ثم قامت قائله :
- ظبطيهم تانى مكانهم على ما أروح أعمل فنجان قهوة
نهضت "مريم" قائله :
- خليكي يا طنط وأنا هروح اعملها لحضرتك
قالت "ناهد" مبتسمه :
- لا دى قهوة عربي مش هتعرفى تعمليها .. يلا رتبي اللعبة على ما أرجعلك
جلست "مريم" تعيد القطع الى مكانها على لوح الشنطرنج .. دخل "مراد" الغرفة ونظر اليها والى ما تفعله .. ثم قال :
- بيقولوا بتعرفى تلعبي كويس
ابتسمت ابتسامه صغيره وقالت :
- يعني .. بيقولوا
فوجئت به يجلس قبالتها على الأريكة قائلاً بتحدى :
- طيب وريني شطارتك
تلاقت نظراتهما للحظات قبل أن تخفض "مريم" بصرها وتبدأ اللعب .. عادت "ناهد" لتجد "مراد" جالساً قبالة "مريم" يلعب معها فابتسمت وانسحبت الى غرفتها بهدوء .. بعد فترة من اللعب كانا كلاهما ينظر الى لوح الشنطرنج ويركز تركيزاً شديداً .. قال "مراد" دون أن يرفع رأسه :
- انتى ملكيش صحاب ؟
اندهشت "مريم" لسؤاله ونظرت اليه قائله :
- أيوة ليا
قال "مراد" وهو ينظر الى القطع المرصوصة أمامه بتركيز :
- أصلك لا طلبتى تزوريهم ولا طلبتى يزوروكى
قالت "مريم" بحرج وهى تنظر اليه :
- اتكسف اطلب انهم يجولى هنا .. وبعدين هى واحدة بس هى اللى قريبة منى وصحاب من زمان
قال "مراد" :
- "سهى" ولا "مى" ؟
اندهشت "مريم" لتذكره أسم الفتاتين فقالت بهدوء :
- "مى"
رفع "مراد" رأسه ونظر اليها قائلاً :
- و "سهى" ؟
قالت "مريم" بهدوء :
- زميلتى فى الشركة ومع بعض فى نفس المكتب بس مش صحاب أوى
أومأ برأسه وأعاد النظر الى اللعبة .. قال "مراد" بهدوء :
- تحبي تزوريها ؟
ابتسمت "مريم" قائله :
- أكيد .. دى "مى" وحشتنى أوى بجد
نظر اليها "مراد" مراقباً ابتسامتها وهو يقول :
- عندها اخوات شباب ؟
قالت "مريم" :
- لا هى بنت وحيدة
قال "مراد" :
- طيب ممكن أخدك ليها بعد بكرة لو تحبي
قالت بسعادة :
- خلاص تمام وأنا هتفق معاها على كدة
صمت "مراد" قليلاً ثم قال :
- مع انى شايف ان الأحسن هى تجيلك وممكن أبعتلها العربية بالسواق يجيبها لحد هنا ويوصلها تانى .. أقصد عشان تكونى أعدة براحتك معاها .. وأساسا أنا طول اليوم مش موجود يعني محدش فى البيت الا ماما والبنات
ثم قال وهو ينظر اليها بحنان :
- عشان أكون مطمن عليكي
شعرت "مريم" بخفقات قلبها تتسارع وهى تتطلع الى تلك النظرة الحانية فى عينيه .. وجدت الخوف يتسلل الى قلبها .. نهضت مسرعة وقالت :
- أنا تعبت وعايزة أنام تصبح على خير
غادرت الغرفة ونظرات "مراد" تتابعها .. لم تشعر برغبة فى النوم .. فوقفت فى الشرفة شاردة وهى تشعر بالضيق من نفسها ومن تلك المشاعر التى تعتريها بين الحين والآخر .. توجه "مراد" الى مكتبه وهو يفكر فى "مريم" وفى ردود أفعالها تجاهه .. حانت منه التفاته الى الدرج الذى يحوى قسيمة الزواج .. فتحه وأخرج القسيمة وفتحها وهو شادراً وأخذ يتطلع اليها لأول مرة منذ أن استلمها من المأذون .. كانت عيناه تمر على الكلمات فى تكاسل .. وفجأة اتسعت عيناه وتجمدت ملامحه وأخت دقات قلبه تتعالى بسرعة .. مرر عينيه على أحد السطور مرات ومرات الى أن تأكد بأن تلك الكلمات مكتوبة بالفعل وليس محض تهيآت .. هب من مقعده فجأة توجه الى غرفته وأغلق الباب خلفه بعنف .. كانت "مريم" لا تزال فى الشرفة دخلت فزعة من صوت الباب الذى انغلق بقوة .. نظرت الى "مراد" قائله :
- فى ايه ؟
نظر اليها "مراد" بحدة شديدة ورفع الورقه أمام عينيها دون أن يتفوه بكلمه .. قالت "مريم" بدهشة :
- ايه ده ؟
قال "مراد" بصوت يشوبه الغضب :
- قسيمة جوازنا
شعرت "مريم" بالخوف الشديد .. أيقنت بأنه اكتشف حقيقة كونها كانت زوجة لأخيه .. اقترب منها وعيناه تلمع غضباَ .. رجعت للخلف فى خوف فقال بصوت هادر :
- "ماجد خيري الهواري" .. انتى كنتى مراة أخويا ؟ .. مراة "ماجد" أخويا ؟
صمتت وهى لا تدرى ما تقول فصاح بغضب :
- انطقى .. انتى كنتى عارفة ان "ماجد" أخويا ؟
أومأت برأسها ايجاباً فازداد اشتعال النار فى عينيه وصرخ قائلاً :
- وليه ما قولتليش من الأول انك كنتى مراته
قالت "مريم" بإضطراب شديد وهى على وشك البكاء من شدة الخوف :
- عمتو .. عمتو "بهيرة" قالتلى متكلمش الا لما هى ترجع من السفر .. قالتلى مجبلكش سيرة أبداً عن الموضوع ده وهى هتقولك بنفسها
أخذ "مراد" يتطلع الى القسيمة مرة أخرى .. وكأنه لا يصدق ما يرى .. ولا يصدق ما يسمع .. قالت "مريم" بصوت خافت :
- أنا مش فاهمة هى ليه قالتلى مجبلكش سيرة .. بس حسيت ان فى حاجه خطيرة فى الموضوع وعشان كدة متكلمتش
ثم أكملت :
- انت كنت تعرف ان عندك أخ ؟
نظر اليها "مراد" بحده وقال بعنف :
- أيوة كنت عارف ان عندى أخ
صمت قليلاً ثم قال بجمود :
- بس اللى أعرفه انه مات من زمان .. من واحنا صغيرين
نظرت اليه "مريم" بدهشة وقالت :
- مين قالك كده .. مين قالك انه مات وهو صغير
قال "مراد" بحيرة مشوبة بالحدة :
- بابا اللى قالى كده .. وعمتى كمان قالتلى كده .. اللى أعرفه ان عندى أخ ومات واحنا صغيرين
شعرت "مريم" بالدهشة .. نظر اليها "مراد" قائلاً :
- كان عايش مع مين طول السنين اللى فاتت ؟
شعرت "مريم" بالتوتر .. تُرى أتخبره الحقيقة أم لا ؟ .. أتخبره بأمر أم "ماجد" الموجودة حاليا فى دار المسنين ؟ أم تخبره بالسر الأكبر والذى لم تطلع عليه أحد حتى الآن ؟ .. تًرى لماذا أخفوا عليه أمر أخوه ؟ .. لماذا أخبروه بأنه مات وهو صغير ؟ .. لماذا تجاهلوا وجوده وكأنه لم يولد أصلاً؟ .. ألهذا الأمر علاقة بوالدها ؟ .. قالت فى نفسها لا لن أخبره بأننى أعرف مكان أم "ماجد" ولن أخبره عن سرى الذى أحتفظ به لنفسى الى أن أفهم جيداً ما يدور حولى .. أخشى أن أخبره بكل ما أعرف فتنقلب الطاولة ضدى وأنا لا أفهم شيئاً مما يحدث .. لماذا كل هذه الأسرار؟ .. لابد من وجود سبب .. سبب جعل عمته تشدد عليها ألا تخبر "مراد" بنفسها عن أمر أخيه .. يجب أن أسبر أغوار الحقيقة وأصل اليها .. يجب أن أكشف كل تلك الأسرار التى تحيط بـ "مراد" و عائلته .. قالت بتوتر وهى تتحاشى النظر الى عينيه :
- معرفش كان عايش مع مين وهو صغير .. بس لما عرفته كان عايش لوحده
أومأ "مراد" برأسه وأشاح بوجهه عنها .. بدا وكأنه لا يستطيع النظر اليها .. غادر الغرفة .. وغادر المنزل كله .. ركب سيارته وهو يشعر بالإختناق .. يشعر بشئ ثقيل يجثم على صدره .. الفتاة التى تزوجها هى زوجة أخيه الراحل .. أخيه الذى ظن أنه مات وهو صغير .. لماذا أخفوا عنه أنه مازال على قيد الحياة .. لماذا يشعر بأن "مريم" مازالت تخفى عنه الكثير .. لماذا شعر وهو ينظر فى عينيها بأن هناك سر خطير تخفيه .. سر أكبر من أمر أخوه الذى لم يعلم عنه شيئاً طول تلك السنوات التى ظن فيها أنه ميت .. يجب أن يكتشف الحقيقة .. يجب أن يرغم "مريم" على اخباره بكل ما تعرفه .

*********************************************

أوقف "مراد" سيارته أمام النيل ولم يشعر بنفسه الا وآذان الفجر يصل الى مسامعه .. صلى الفجر وتوجه الى البيت .. كان الجميع نيام .. هم بالصعود الى غرفته لكنه أحجم عن ذلك توجه الى غرفة المكتب وافترش الأريكة ونام فوقها .. فى الصباح التف الجميع حول طاولة الطعام .. كان "مراد" يتحاشى النظر الى "مريم" الجالسه بجواره ويبدو على وجهه علامات الضيق .. أخذت "مريم" تختلس النظر اليه الى أن قام فجأة وقال :
- أنا ماشى
فى المكتب شعر الجميع بتوتر "مراد" وعصبيته فى القاء الأوامر على الموظفين .. حتى "طارق" لم يسلم من تلك العصبية .. صاح "مراد" :
- يعي ايه الشحنة تتأخر فى الجمارك .. أمال بس فالح سافر يا "مراد" وأنا فى الشركة بدايلك يا "مراد"
قال "طارق" بهدوء :
- انا مليش ذنب يا "مراد" وبعدين راجلنا اللى فى الجمارك بيقول ان التأخير على الكل
صاح "مراد" بغضب وهو يلقى بأحد الملفات على المكتب بعصبيه :
- وراجلنا ده مش قادر يتصرف .. وهى دى أول مرة نشحن فيها .. عمرنا ما اتأخرنا كده .. هو لو مش عارف يعمل شغله يقول واحنا نشوف حد غيره يعرف يمشى الشغل
نظر اليه "طارق" قائلاً :
- "مراد" انت مالك فى ايه بتشاكل دبان وشك ليه .. الراجل مغلطش وقولتلك التأخير على الكل
صمت "مراد" قليلاً ثم أخذ مفاتيحه وهاتفه وغادر المكتب فى عصبيه .. توجه الى سيارته ومشى بها على غير هدى .. كان يسير بسرعة عالية وهو يشق طريقه بين السيارات .. كان يشعر بغضب وضيق كبير بداخله .. شعر بأنه ناقم على "مريم" بشدة .. لأنها لم تخبره بأمر زواجها من أخيه .. وتركته يــ .....! حرك رأسه لينفض تلك الأفكار منه .. ظل يردد لنفسه .. هى كغيرها لا تساوى عندى شيئاً .. لا فرق عندى بينها وبين أى فتاة أخرى .. لم ولن اشعر باى شئ تجاهها .. قلبي كما هو لم يمسسه أحد .. ولن يستطيع أحد اقتحام أسواره

*********************************************

مرت عدة أيام كان يتحاشى فيها "مراد" ملاقاة "مريم" أو الحديث معها أو حتى النظر اليها .. وذات مساء عاد "مراد" الى البيت ودخل غرفة المكتب وأغلق الباب خلفه .. قالت "ناهد" بدهشة :
- مش عارفه ماله بقاله كام يوم عصبي جداً ومش طايق حد
قالت "نرمين" :
- أنا كمان لاحظت كده
قالت "سارة" :
- أكيد مشاكل فى الشغل .. انتوا عارفين "مراد" أى حاجه تهمه بياخدها على أعصابه
شردت "مريم" وهى تشعر بالضيق .. تًرى لماذا هو غاضب .. أغاضب لأنه لم يكن يعلم بأمر أخيه وبأنه مازال على قيد الحياة ؟ .. أم غاضب لأن "مريم" كانت زوجة أخيه الراحل ؟ .. ثم ما شأنه ان كانت زوجة أخيه أم لا .. فزواجها بـ "مراد" مؤقت وليس زواجاً حقيقياً .. نهضت "مريم" وأحضرت حاسوبها كانت تؤجل تلك المحادثة لكن الوقت قد حان ويجب أن تنهى عملها الذى طلبه منها .. طرقت باب غرفة المكتب فظنها والدته فقال :
- اتفضلى يا ماما
ظهرت الحدة فى نظراته عندما رفع رأسه ليجد "مريم" واقفه أمامه .. قالت "مريم" بصوت حاولت أن يبدو ثابتاً :
- انا خلصت الشغل ياريت حضرتك تشوفه قبل ما نوديه المطبعه
مد يده فأعطته الحاسوب وضعه على المكتب أمامه وظل ينظر اليه بعينان بدتا وكأنهما لا تريان ما أمامها ثم قال بقسوة :
- زى الزفت
شعرت "مريم" بالضيق من تعليقه الخالى من الذوق وقالت وهى تحاول التحكم فى أعصابها :
- ايه بالظبط اللى مش عاجبك فيه
قال "مراد" بعنف وهو ينظر اليها :
- كله .. كله مش عاجبنى
تنهدت "مريم" وحاولت كظم غيظها وقالت :
- يعني تحب أغير التصميم كله من أوله لآخره ؟
قال ببرود :
- أيوة .. واللوجو كمان
نظرت اليه "مريم" بحده وهى تقول :
- بس حضرتك قولتلى من كام يوم ان اللوجو ممتاز
قال "مريد" بعناد :
- غيرت رأيي .. عيدي كل حاجة تانى
صاحت "مريم" بحنق :
- وطالما مكنش عاجبك قولتلى ممتاز ليه كنت قولى انه وحش
قال "مراد" بحده :
- انتى مش هتعمليني أقول ايه وما أقولش ايه
قالت "مريم" بعصبيه وهى تحمل حاسوبها من أمامه :
- شوفلك ديزاينر غيري
نهض "مراد" من مكانه وأمسكها من ذراعها بعنف وصاح بغضب :
- يعني ايه أشوف ديزاينر غيرك وهو لعب عيال
قالت "مريم" بغضب مماثل وهى تتطلع الى عينيه :
- انتى ليه بتتعامل معايا كده .. مش ذنبي انى كنت مراة أخوك
ازدادت قوة قبضته على ذراعها الى أن ظهر الألم على ملامحها .. لحظات وخفف من قبضته ثم أزاحها تمام وتوجه الى مكتبه وجلس عليه وهو يسند رأسه الى قبضتى يده .. قال بحزم :
- اخرجى لو سمحتى
غادرت "مريم" المكتب وهى تشعر بالأسى صعدت الى غرفته فما كادت تفتح الشرفة لتقف فيها الا ووجدت "سهى" تتصل بها وتهتف وهى تبكى بحرقة :
- أنا ضعت يا "مريم"
هتفت "مريم" بدهشة :
- "سهى" بتقولى ايه
قالت "سهى" وشهقات بكائها تتعالى :
- أنا اتجوزت "سامر" عرفى
صاحت "مريم" :
- يا مصيبتى .. بتقولى ايه .. عرفى يا "سهى"
قالت "سهى" :
- المصيبة انه منفضلى خالص وبيخلى السكرتيرة تقولى انه مش فى المكتب ومسافر مع انى استنيته تحت الشركة وشوفته وهو بيركب العربية
ثم أخذت تصرخ وتصيح وقد بدا أن أعصابها قد انهارت تماماً :
- أنا ضعت يا "مريم" ضعت خلاص .. مش هيرضى يتجوزنى
كانت "مريم" تشعر بالألم وهى تستمع الى صرخات "سهى" وبكائها فأخذت العبرات تسقط على وجنتيها وهى تقول :
- حبيبتى اهدى هيحصلك حاجه
صاحت "سهى" وهى تصرخ :
- أنا مش عارفه أعمل ايه .. اعمل ايه دلوقتى .. لو أهلى عرفوا هيموتونى
قالت "مريم" بأسى :
- طيب انتى فين وأنا أجيلك
قالت "سهى" بصوت منهار :
- أنا خلاص قررت أموت نفسي فى المكان اللى ضيعنى فيه "سامر" ..هحرق اللانش اللى حياتى اتدمرت عليه .. اللانش اللى قالى انه أول مكان يشهد حبنا .. ده مكنش حب يا "سامر" ضحكت عليا يا "سامر"
ثم قالت بصوت باكى :
- ياريتنى كنت سمعت كلامك من زمان مكنش ده كله حصل .. ادعيلى يا "مريم" ان ربنا يرحمنى ويغفرلى .. بالله عليكي ادعيلى
أنهت "سهى" المكالمة فشعرت "مريم" بالفزع وأخذت تردد :
- "سهى"
عاودت "مريم" الإتصال بها بأصابع مرتجفة لكنها على ما يبدو أغلقت هاتفها .. نزلت "مريم" ببسرعة واقتحمت مكتب "مراد" وهتفت وهى تبكى :
- "مراد" الحقنى
هب "مراد" وقفاً والتف حول المكتب ووقف أمامها قائلاً :
- مالك يا "مريم" فى ايه ؟
قالت وهى تبكى :
- "سهى" زميلتى فى المكتب كلمتنى وقالتلى انها هتموت نفسها .. أنا خايفة أوى
قال "مراد" وهو يحاول استيعاب ما قالت :
- تموت نفسها .. ازاى يعني
قالت "مريم" بأسى :
- "سامر" صحبك اتجوزها عرفى
شعر"مراد" بالصدمة مما سمع فأخذت "مريم" تقول :
- قالتلى ان عنده لانش أخدها عليه وهى هتروح هناك دلوقتى وتولع فيه وفى نفسها
ثم قالت باكيه :
- أرجوك يا "مراد" ساعدنى
جذبها "مراد" من ذراعها وأمرها قائلاً :
- طيب اطلعى بسرعة غيري هدومك على ما أتصل بـ "سامر"
حاول "مراد" الاتصال بـ "سامر" مرات عديدة دون جدوى .. نزلت "مريم" مسرعة فقالت بلهفه :
- رد عليك
قال "مراد" :
- لا .. بس أنا عارف مكان اللانش بتاعه خدنا هناك قبل كده
انطلق "مراد" بسيارته وبصحبته "مريم" التى أخذت تستغفر ربها وتدعوه أن يحفظ "سهى" وينجيها .. كانت مضطربة للغاية وترتجف من شدة الخوف والفزع .. التفت اليها "مراد" يتطلع اليها .. أمسك كتفها بيده قائلاً :
- متخافيش هنلحقها ان شاء الله
أومأت برأسها وهى مازالت تدعو الله عز وجل .. سار "مراد" بأقصى سرعة الى أن وصل الى المرفأ .. أوقف سيارته فى الخارج ومن حسن حظهما أن "مراد" كان يمتلك زورقاٌ فى هذا المرفأ فأظهر التصريح للمسؤل ودخل الإثنان وهما يسرعان الخطى نظر "مراد" يميناً ويساراً ثم قال :
- مش فاكر هو يمين ولا شمال
قالت "مريم" بسرعة :
- كل واحد فينا يروح من طريق
نظر "مراد" الى "مريم" التى تبتعد وهو يشعر بالضيق لإضطراره تركها بمفردها .. ولكن حياة انسانه فى خطر ويجب انقاذها قبل فوات الأوان .. أخذت "مريم" تتطلع الى الزوارق واللانشات على جانبيها وهى تبحث بعينيها عن "سهى" .. الى أن توقفت فجأة .. كانت "سهى" واقفة على ظهر اللانش وتنظر الى البحر وتوليها ظهرها ..تمتمت "مريم" :
- الحمد لله .. الحمد لله
نادتها "مريم" :
- "سهى" .. "سهى"
لم تلتفت اليها "سهى" بل بدت وكأنها لا تسمعها
قفزت "مريم" بحذر الى ظهر اللانش وهى تشم رائحة نفاذه تنبعث من اللانش .. اقتربت من "سهى" قائله :
- "سهى"
لكن كل شئ حدث فى لحظه .. فى لحظة تركت "سهى" عود الثقاب المشتعل الذى تحمله لتحيط النيران باللانش من جميع الجهات وتتوسطه "سهى" و "مريم" التى أخذت تنظر الى النيران المشتعلة على حواف اللانش والتى تمنعها من المغادرة .. توجهت "مريم" مسرعة الى "سهى" وصاحت :
- ايه اللى عملتيه ده يا "سهى"
جذبتها "مريم" من ذراعها وصعدت لها الى سطح اللانش العلوى .. أمسكتها "مريم" من ذراعيها وصرخت فيها قائله :
- هو ده الحل فى نظرك .. انك تموتى بالشكل ده .. بدل ما تحاولى تستغفرى ربنا وتكفرى عن ذنبك .. عايزة تنتحرى يا "سهى"
بدت "سهى" وكأن قواها قد خارت من شدة البكاء فصاحت بها "مريم" وهى تقربها من الحافة :
- يلا نطى .. نطى بسرعة اللانش بيولع
فى تلك اللحظة اقترب "مراد" من اللانش ليرى "مريم" و "سهى" واقفتان على ظهر اللانش الذى تشتعل النيران به من جميع الجهات .. قفز قلبه من مكانه وشعر بالهلع وهو يرى "مريم" وسط النيران .. جرى فى اتجاه اللانش وهو يصيح :
- "مريم" .. "مريم"
صاحت "مريم" فى "سهى" :
- نطى يا "سهى"
نظرت اليها "سهى" بأسى ثم نظرت الى المياة وقفزت فيها ثم سبحت الا أن استطاعت الخروج من الماء
وقف "مراد" أمام اللانش الذى يحترق وهو يصيح بـ "مريم" الواقفة بالأعلى :
- نطى فى البحر يا "مريم"
نظرت اليه "مريم" ثم الى البحر تحتها .. شعرت بالخوف الشديد .. فهى لا تعرف السباحه .. وتخشى الماء .. ظلت متجمدة مكانها وهى لا تدرى ماذا تفعل .. النيران تحيط باللانش وتمنعها من الخروج .. وان لم تقفز فستطال النيران الدور العلوى الذى تقف فيه .. صاح "مراد" فيها :
- "مريم" .. نطى بسرعة
نظرت "مريم" مرة أخرى الى البحر المظلم تحتها وهى تبكى بصمت وتمتم :
- يارب ساعدنى
تقدمت خطوة لكنها خافت ورجعت الى الخلف وهى تمسك فى أحد الأعمدة وتبكى .. نظر "مراد" حوله فلم يجد أحداً يستنجد به .. ثم نظر الى "مريم" التى تقف تستند الى العمود باكيه .. ثم نظر الى النيران المشتعلة والتى كان أهون عليه من فقدانها .. خلع الجاكيت وغمره فى الماء ثم أمسكه من الخلف ورفعه الى رأسه يحتمى به ثم قفز وسط النيران المشتعلة والتى تتصاعد ألسنتها الى عنان السماء .. صعد الى الدور العلوى واقترب من "مريم" التى كانت ترتجف خوفاً .. نظرت اليه "مريم" بدهشة وتوقف بكائها وهى تقول :
- انت ازاى نطيت للمركب
وأمسك "مراد" رأسها بين كفيه ونظر اليها بفزع وقال لهفه :
- انتى كويسة ؟
أومأت برأسها وعيونها معلقة به لا تصدق أنه قفز فى النار من أجلها .. وجهها الى الحافة قائله :
- نطى يا "مريم"
قالت بخوف وهى تعاود البكاء :
- أنا خايفة .. مبعرفش أعوم
أحاطها "مراد" بذراعيه وطمأنها قائلاً :
- متخفيش أنا معاكى .. هنعد ل 3 وننط سوا
قبل أن يبدأ بالعد .. تمسكت به بشدة ونظرت اليه بخوف قائله :
- اوعى تسيبنى
قفز كلاهما الى الماء ثم أوقفها "مراد" وأحاطها بذراعه الى أن خرجت من الماء وقد تبللت ملابسهما تماماً .. أدارها اليه وصاح فيها بغضب وصدره يعلو ويهبط بسرعة :
- انتى مجنونة ازاى تعملى كده ؟
قالت بضعف وبصوت مرتجف ومازال قلبها يخفق بجنون :
- أنا طلعت المركب قبل ما هى تولع فيه .. مكنتش أعرف انها رشت فيه بنزين ومخدتش بالى من الكبريت اللى هيا مسكاه
قال "مراد" بألم وهو ينظر الى عينيها وقد غشت عيناه الدموع :
- مفكرتيش هعمل ايه لو كان جرالك حاجه .. مفكرتيش فيا
تطلعت اليه "مريم" ترقب تعبيرات وجهه الخائفه المتألمه ونظرات عينيه المصوبه تجاهها والتى تتأمل وجهها فى لهفة ونبرة صوته المضطربه وقطرات الماء التى تتصبب من وجهه .. فجأة وجدت نفسها بين ذراعيه يضمها اليه بشدة كما لو كان يخشى أن تفلت منه .. شعرت بدقات قلبه المتسارعه وبأنفاسه المتلاحقه .. سمعته يتمتم بصوت خافت :
- الحمد لله .. الحمد لله
حاولت "مريم" التحرر من بين ذراعيه لكن "مراد" كان يطبق عليها بشدة ويداه تتشبثان بها بإحكام .. شعرت "مريم" بمشاعر كثيرة متضاربة .. لكنها أسكتت كل تلك المشاعر وسمحت لشعور واحد فقط أن يطفو ويسيطر على كل كيانها .. شعور الأمان الذى شعرت به وهى بين ذراعيه .. أغمضت عينيها لتنعم بهذا الشعور الذى لطالما افتقدته 



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة