رواية في قبضة العاصم الفصل الخامس عشر 15 بقلم سليا البحيري


رواية في قبضة العاصم الفصل الخامس عشر 15 بقلم سليا البحيري



في  ألمانيا / فيلا رامي السيوفي – جناح ليل

النهار يشرق بلون رمادي خفيف فوق نوافذ الغرفة الواسعة، المزيّنة بزهور بيضاء وورود بنفسجية.
رائحة العطور تعبق في الجو، والفتيات يتحركن بهدوء حول ليل التي تجلس أمام المرآة، عيناها الزرقاوان لا تبرقان بشيء سوى الغضب المكبوت.

تجلس إلى جوارها جميلة، زوجة خالها أدهم، وهي تحاول تهدئتها بابتسامةٍ خفيفة.
بينما كانت نيروز ترتّب خصلات شعرها الطويل بشيء من الشرود، وربى تجلس على كرسيها المتحرك، نظراتها تشعّ سعادةً خجولة وهي تتابع تفاصيل فستانها الأبيض البسيط.

صمتٌ قصير يقطعه صوت ليل الغاضب وهي تنهض فجأة:

ليل (بعصبية):
أنا مش فاهمة إزاي وصلت للمرحلة دي، يعني خلاص؟ كتب كتاب؟ بعد كل اللي عمله فيّا؟ بعد ما خطفني من بلدي، من أهلي، من أمي؟!

جميلة (بلطف):
ليل حبيبتي، أنا فاهمة وجعك، والله فاهمة، بس خالك اتكلم معاه… وصدقيني عاصم مش هيأذيك. هو بس... اتخبط، اتظلم، وبيحاول يصلح بطريقته.

ليل (تضحك بسخرية):
بطريقته؟! خطفني عشان يحميّني؟!
ده منطق جديد؟
لو كان عايز يحميني ماكانش روعني بالشكل ده.

نيروز (بهمسٍ حزين):
يمكن… يمكن هو نفسه مش عارف يحمي مين بالضبط. يمكن بيحاول يهرب من وجعه بطريق غلط.

تلتفت ليل نحوها بدهشة، تحدّق فيها:

ليل:
إنتِ بتدافعي عنه؟!

نيروز (تخفض نظرها بسرعة):
أنا… مش بدافع، بس… عاصم فقد كتير. ووقت الخسارة، الناس بتتصرف بغباء.

تتدخل جميلة، تضع يدها على كتف نيروز بلطف، ثم تقول بنبرةٍ هادئة حازمة:

جميلة:
خلاص كفاية حزن يا بنات، اليوم ده لازم يعدي بسلام. أدهم خاطر بكل حاجة علشان يجي لهنا، ومينفعش نرجّعه خايب.

ليل (تتنهّد):
بس أنا مش عايزة أتجوزه يا طنط، مش بحبه، وبخاف منه…
كل مرة بيقولي "أنا مش هأذيك"، بس عينيه بتقول العكس.

جميلة (تربت على كتفها):
ليل، أنا شفت كتير في حياتي، واتعلمت حاجة واحدة…
أوقات القدر بيربطنا بالناس الغلط علشان نعرف الصح بعدين.
خالك مش هيجبرك على حاجة، بس لو وافقتي النهارده، اعمليها علشان نفسك، علشان تطلعي من الموقف ده بكرامتك.

تسود لحظة صمت، الجميع يتأملها.
ربى تُصدر صوتًا خفيفًا — نغمة صغيرة حاولت بها التعبير، ودمعة تتلألأ في عينيها.
جميلة تبتسم وتقترب منها:

جميلة:
يا سلام يا ربى، حتى وإنتِ مش بتتكلمي، كلامك بيوصل من غير صوت. باين عليكي مبسوطة أوي النهارده.

ربى (تبتسم بهدوء وتلوّح بيديها نحو بيجاد الذي يظهر اسمه على الهاتف المحمول بجانبها)
تضحك نيروز:
نيروز:
طبعًا مبسوطة… عايشة قصة حب حقيقية، مش زينا إحنا، كلنا بنعيش نصّ حب ونصّ وجع.

ليل (تجلس ببطء على الكرسي وتغالب دموعها):
يا رب… لو فعلاً هو مظلوم زي ما بيقول خالي…
وريني الحقيقة، قبل ما أكرهه أكتر.

تقترب منها جميلة، تعدّل طرحتها البيضاء وتهمس لها:

جميلة:
خاليكي قوية زي دايمًا يا بنتي، وافتكري… مهما كانت البداية صعبة، أوقات النهاية بتفاجئنا.

نيروز (بصوتٍ مكسور):
يا ريت النهاية تفاجئنا بالراحة مش بالحزن.

تلتفت إليها ليل بنظرة دافئة، ثم تمسك يدها ويد ربى،
وتهمس ودموعها تلمع على خدّيها:

ليل:
يا رب… خلّي اليوم ده يعدّي، وما تخلّيش قلبي يندم.
*****************
في مصر فيلا الشرقاوي 
الهدوء يسود المكان، لا يُسمع سوى خرير النافورة القديمة في الحديقة الأمامية، وعصافير تتهيأ للمبيت على الأغصان.

تتوقف سيارة الأجرة أمام البوابة الحديدية الكبيرة، تنزل منها ريما بخطوات متثاقلة.
شعرها مرفوع بعناية لكن عينيها الحمراوين تكشفان عن ليالٍ بلا نوم. حقيبتها السوداء في يدها، ووجهها بلا ملامح — برود غريب يكسو كل تعبيرٍ فيها.
الحارس العجوز (بدهشة):
– مدام ريما! يا ألف مرحب! دي مفاجأة والله… حضرتك رجعتي من الجزائر؟

ريما (بابتسامة باردة):
– أيوه يا عم عبدو… افتح الباب، لو سمحت.

الحارس:
– طبعًا يا هانم، نورتِ الفيلا من تاني… ربنا يرجّعك بخير وسلامة.

(تدخل بخطواتٍ هادئة نحو الداخل، وعيناها تتفحّصان المكان وكأنها تراه لأول مرة. كل زاوية تحمل ذكرى طفولتها، وصوت والدها الذي لم تعد تستطيع سماعه دون أن يوجعها قلبها.)

[داخل الصالون الكبير]
الجد عبدالرحمن الشرقاوي جالس في مقعده الوثير، يضع نظارته وهو يقرأ الجريدة، وبجانبه كوب شاي بالنعناع.
حين يسمع وقع خطواتها، يرفع رأسه ببطء، ثم تتسع عيناه فرحًا.

الجد (بدهشة ممزوجة بالفرح):
– ريما! يا بنتي! دي مش ممكن! إزاي كده من غير لا تليفون ولا خبر؟

ريما (تتقدّم نحوه وتقبّل يده):
– وحشتني يا جدي…

الجد (يضحك بسعادة):
– وأنا أكتر يا روح جدك! شوفتوا يا ناس؟ دي ريما، بنت مراد، رجعت أخيرًا!
(ثم يتأملها قليلًا بقلق)
– بس مالك؟ وشّك متغير… التعب باين عليكي.

ريما (تجلس قبالته بهدوء مصطنع):
– يمكن السفر الطويل… أنا تعبانة شوية بس.

الجد:
– طب فين كامل؟ جوزك؟ كنت فاكركم هتيجوا سوا!

ريما (تشيح بنظرها وتبتسم ابتسامة صغيرة باهتة):
– هو… ما قدرش ييجي، عنده شغل مهم. جيت لوحدي المرة دي.

الجد (بحنان):
– آه… طيب، خير إن شاء الله. بس شكلك مش على بعضك يا بنتي. في حاجة مضايقاكي؟

ريما (بصوت منخفض):
– لأ، أبداً يا جدي… يمكن بس وحشتوني. حبيت أرجع أشوفكوا شوية.

الجد (يمد يده نحوها):
– ربنا ما يحرمني منك يا بنتي....
(يصمت قليلاً وهو يراقب عينيها)
– بس في حاجة جواكي، حاسس بيها، نظرتك مش زي زمان.

ريما (تغلق عينيها لحظة، ثم تفتحها بابتسامة حزينة):
– يمكن كبرت يا جدي… لما الواحد يعرف حاجات ما كانش لازم يعرفها، بيتغير غصب عنه.

الجد (مستغرب):
– حاجات؟ تقصدي إيه يا بنتي؟

ريما (تهز رأسها سريعًا):
– ولا حاجة… صدقني، ولا حاجة تستاهل. خلينا نحكي بعدين، لما أروق شوية.

الجد (بابتسامة حنون وهو يربت على يدها):
– زي ما تحبي يا ريما… خدي راحتك. بس أنا قلبي دايمًا معاكي.
(ثم ينادي الخادمة)
– يا فوزية، حضّري أوضة ريما فوق، ونظّفيها كويس، بنتي هتقعد معانا كام يوم.

ريما (بهدوء):
– مش كام يوم يا جدي… يمكن أكتر.
(تتأمل الفراغ بعينيها)
– يمكن أرجع أقعد هنا… للأبد.

الجد (يضحك وهو يظنها تمزح):
– للأبد؟ الله، يا ريت! دي أحلى هدية ليا قبل ما أموت.

ريما (بهمس وهي تنظر في عينيه):
– ما تقولش كده يا جدي… في ناس كتير لسه لازم يعيشوا ويكفّروا عن اللي عملوه… قبل ما تموت.
**********************

صوت خطوات نسائية خافتة على الرخام، تتبعه رائحة عطر مألوفة.
يدخل الجد عبدالرحمن وهو ما يزال يتحدث مع ريما حين يسمع صوتاً ناعماً يناديه من المدخل

نرمين:
– بابا؟ سمعت إن ريما رجعت! فينها؟

الجد عبدالرحمن (يبتسم بخفة):
– أهي قدامك يا نرمين، رجعت فجأة كده من غير لا تليفون ولا سلام!

(تتجه نرمين بخطوات سريعة نحو ريما، ملامحها متوترة لكن تخفيها بابتسامة دافئة.
تفتح ذراعيها وتعانق ابنتها بقوة.)

نرمين (بحنين حقيقي):
– حبيبتي! وحشتيني قوي يا روحي… ليه كده يا بنتي؟ ليه ما كلمتنيش قبل ما تيجي؟

ريما (بصوت منخفض، خالٍ من المشاعر):
– كنت محتاجة أرجع من غير ما حد يعرف.

نرمين (تتراجع قليلاً لتنظر إليها):
– ليه يا ريما؟ حصل إيه؟ وشك شاحب… كامل زعلك؟

ريما (تنظر إلى أمها نظرة طويلة، غريبة، تحمل شيئًا من الاشمئزاز المكتوم):
– لا، محدش زعلني.

الجد عبدالرحمن (يحاول كسر التوتر بابتسامة):
– خلاص يا بنتي، خدي راحتك شوية، وأنا أطلع أوضتي. أكيد تعبانة من السفر الطويل.

ريما (تبتسم له بخفة):
– شكرًا يا جدي، ارتاح إنت.

(الجد يغادر بهدوء، يترك خلفه صمتًا ثقيلاً بين الأم وابنتها.
نرمين تحاول أن تقترب أكثر، لكنها تشعر بأن شيئاً ما انكسر بينهما.)

نرمين (بلطف):
– طب إحكيلي يا حبيبتي… إيه اللي رجعك كده فجأة؟ كنتوا كويسين إنتي وكامل، مش كده؟

ريما (تضحك بسخرية خافتة):
– كنا كويسين… لحد ما الحقيقة وصلتني.

نرمين (تجفل قليلاً):
– حقيقة؟ أي حقيقة؟

ريما (تنظر في عينيها مباشرة):
– إنتِ مش حابة تسمعيها، صدقيني.

نرمين (تضحك بتوتر وهي تحاول السيطرة على نفسها):
– ريما، انتي مرهقة… يمكن فهمتي حاجة غلط.

ريما (بهدوء مخيف):
– لا يا ماما… المجهول ما بيتصلش بالغلط.

نرمين (تتجمد في مكانها، تهمس بصوت مبحوح):
– مجهول؟! أنهي مجهول؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه؟

ريما (تشيح بوجهها وتنظر إلى لوحة على الجدار):
– عن الحق… اللي ساكتين عليه بقالكم سنين.
(تتوقف لحظة، ثم تهمس وهي تبتسم بمرارة)
– غريبة، كنت دايمًا فخورة بيك يا ماما، لحد ما عرفت إن الصمت أوقات بيبقى أبشع من الجريمة نفسها.

نرمين (بصوت مرتعش):
– ريما، انتي بتظلِميني… أنا عملت كده علشانك… علشانكوا إنتو الاتنين!

ريما (تلتفت بحدة):
– علشاني؟! ولا علشانه؟ علشان الراجل اللي غرق في الدم وبقى قاتل وبتغطي عليه؟

نرمين (تتراجع خطوة، تحاول التماسك):
– ريما… اسكتي! الحيطان ليها ودان.

ريما (تضحك بخفوت وهي تهز رأسها):
– لا تقلقي، مش ناوية أفضحكم دلوقتي. مش هنا.
(ثم تهمس بنبرة جامدة)
– بس لما أتكلم… مش هيسكت حد بعدها.

نرمين (تدمع عيناها):
– بنتي، إنتي مش فاهمة… هو غلط، أيوه، بس فيه تفاصيل… فيه أسباب.

ريما (تقاطعه):
– أيوه… دايمًا فيه أسباب تخلي الناس تقتل وتكذب وتخون.
(ثم تقترب منها ببطء)
– بس مفيش سبب يخلي أم تفضل ساكتة على الدم.

نرمين (بصوت مكسور):
– كفاية يا ريما… كفاية بقى! أنا… أنا كنت بحميكم.

ريما (بنظرة قاسية):
– لأ، كنتي بتحمي نفسك…
(ثم تلتقط حقيبتها وتهمس وهي تتجه نحو الدرج)
– ما تخافيش، مش هعمل حاجة دلوقتي… بس صدقيني، الساعة دي قريبة قوي.

(تتركها وتصعد للطابق العلوي بخطوات هادئة،
بينما نرمين تقف في مكانها تبكي بصمت، تضع يدها على صدرها كأنها تخشى أن يسمع قلبها ما كانت تكتمه سنين.)

نرمين (تهمس لنفسها وهي تبكي):

> "ربنا يستر… البنت عرفت كل حاجة."
******************
في  فيلا “رامي السيوفي” – ألمانيا.
الحديقة الخارجية أُعدّت بعناية لهذا اليوم، مصابيح بيضاء صغيرة تلتف حول الأشجار، وموسيقى هادئة خافتة تنساب من مكبرات الصوت. الهواء بارد، والسماء رمادية كأنها تشارك في المشهد بخجل.

وقفت ليل بثوبٍ أبيض بسيط لكنه أنيق، وجهها شاحب، وعيونها ممتلئة بالغضب أكثر من أي شعور آخر. كانت نظراتها لعاصم باردة، لا تشبه أبداً نظرات عروس لعريسها.
بجانبها جلس خالها أدهم، بوجهٍ جامد يخفي خلفه توترًا لا يوصف.
أما عاصم، فكان يقف بهدوء وثقة، ببدلة سوداء، ملامحه صارمة لكنها تحمل شيئاً من الحزن المكبوت.

نيروز كانت في الجهة الأخرى، ترتدي فستاناً أزرق داكناً، تجاهد أن تخفي ألمها وهي تنظر إلى عاصم من بعيد. بجانبها سليم القيصري، الذي بدا عليه الارتباك، يبتسم بخجل وهو يحاول مواساتها بعينيه.

أما ربى فكانت على كرسي متحرك، فستانها الأبيض ينسدل برقة على ساقيها المشلولتين، ودموع الفرح تغمر عينيها وهي تنظر إلى بيجاد الذي لم يرفع نظره عنها منذ أن دخل المكان.

القاضي (بصوت رسمي):
بسم الله الرحمن الرحيم... نبدأ بعقد القران الأول بين السيد عاصم خالد القاسمي والسيدة ليل زياد الزهراوي.
هل أنتِ موافقة يا ليل؟

ليل (تنظر لأدهم بحنق):
خالـي... (بصوت خافت) أنت متأكد من اللي بتعمله؟

أدهم (بصوت منخفض لكنه حازم):
متأكد يا حبيبتي... صدقيني، هو مش زي ما تتخيلي. وافقي... علشان خاطري.

صمتت ليل للحظات، ثم أغلقت عينيها وكأنها تستسلم لقدرها.

ليل (بصوت مبحوح):
موافقة.

رفع عاصم عينيه نحوها للحظة، امتزجت في نظرته الراحة بالألم.

القاضي:
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.

صوت التصفيق الخافت يعلو، لكنه لا يحمل أي فرح حقيقي سوى في عيني ربى وبيجاد.

جميلة (تقترب من ليل وتهمس لها):
اعرف إنك متضايقة يا ليل، بس ثقي إن كل اللي بيحصل ده لحمايتك مش أكتر.

ليل (بحدة مكتومة):
حمايتي؟! من مين؟ من شخص خطفني من بلدي واتهم بابا بالقتل؟

جميلة (تخفض صوتها):
اصبري... خالك مش ممكن يرضى يزوجك إلا لو كان في حكمة ورا اللي بيعمله.

تتنفس ليل بعمق وتشيح بوجهها.

القاضي:
والآن... السيد بيجاد الراوي والسيدة ربى خالد القاسمي.

ربى تغمض عينيها، وبيجاد يمسك يدها برقة ويقبلها برهبة، والدموع في عينيه.

بيجاد (بصوت مرتجف):
موافقة يا ربى؟

ربى (تحرك رأسها بالإيجاب، ودموعها تنهمر).

القاضي:
بارك الله لكما وجمع بينكما في خير.

جميلة تبتسم بحرارة، ونيروز تمسح دموعها بصمت.

القاضي:
وأخيراً، السيد سليم القيصري والسيدة نيروز السيوفي.

نيروز تحاول الابتسام لكنها تفشل، ترفع رأسها وتنظر نحو عاصم للحظة، كأنها تودّعه بصمت، ثم تقول:

نيروز (بهدوء):
موافقة.

سليم القيصري يبتسم لها باحترام ويحني رأسه قليلاً، في نظراته وعدٌ بالحنان والصدق.

بعد انتهاء العقود الثلاثة، خيّم الصمت على المكان للحظات، كأن الجميع يحاول أن يصدق أن كل هذا حدث فعلاً.

أدهم (يتمتم لعاصم وهو يضع يده على كتفه):
خلصنا من أول خطوة... بس الطريق لسه طويل يا عاصم.

عاصم (ينظر أمامه بعزم):
الطريق بدأ للتو يا أدهم... بدأ الطريق اللي هينتهي بسقوط مراد الشرقاوي.

جميلة تنظر إليهما بقلق، بينما ليل تبتعد بخطوات بطيئة نحو الداخل، فستانها الأبيض يجر خلفه ظلالاً من الحزن والألم.
*********************
في  جناح العرسان في فيلا رامي – ألمانيا.
الجو هادئ، ضوء الشموع ينعكس على الجدران، والهواء محمّل برائحة الورد الأبيض والياسمين.
ربى تجلس على كرسيها المتحرك قرب النافذة، ترتدي فستانها الأبيض الناعم، شعرها منسدل، وعيناها تشعّان بلمعان خاص من السعادة والخجل.
بيجاد يقف خلفها، ينظر إليها كما لو كان ينظر إلى الحلم الذي تحقق أخيرًا.

بيجاد (بصوت مفعم بالدفء):
مين كان يصدق يا ربى... بعد كل اللي مرينا بيه، هتيجي ليلة زي دي؟
ليلة نكون فيها لبعض، بعيد عن الوجع والخوف والدموع.

يتنفس بعمق، يقترب منها بخطوات بطيئة حتى يجثو على ركبتيه أمامها.

بيجاد (بابتسامة حزينة):
كنتِ دايمًا تقولّي بعينيك إنك مش ناقصة حاجة...
بس أنا كنت شايف كل حاجة، كنت سامع صمتك بيصرخ.
كنت بشوف الحزن اللي بتحاولي تخفيه عن الكل... عن أخوك، عن نفسك.

يمسك بيدها برفق، يرفعها إلى شفتيه، ويقبّلها بخفة.

بيجاد:
بس خلاص...
من النهارده، الصمت مش هيكون لغتك الوحيدة، هخلي العالم كله يسمعك بطريقتي.

تتساقط دموع ربى بهدوء، شفتيها ترتجفان قليلاً، وابتسامة صغيرة تتشكل، بالكاد تُرى، لكنها صادقة.

بيجاد (يبتسم رغم الدموع في عينيه):
شوفت؟ حتى دموعك بتحكي أكتر من ألف كلمة.
أنا فاهمك يا ربى...
فاهم إنك فرحانة وخايفة، فرحانة بيا... وخايفة عليا.

يقف، ثم يدفع كرسيها برفق نحو السرير المغطى بالورود البيضاء، يجلس أمامها على الأرض، يضع رأسه على ركبتيها، وهي تلمس شعره بأطراف أصابعها المرتجفة.

بيجاد (بصوت مبحوح):
أنا بوعدك...
إن اليوم ده مش هيكون نهاية، ده بداية.
بداية جديدة ليكي، لجسدك اللي هيتحرر، لروحك اللي هتطير تاني.

ينظر إليها بعينين دامعتين، صوته يختنق بالعاطفة.

بيجاد:
هخليكي تمشي يا ربى...
هخليكي تمشي حتى لو اضطرّيت أتعلم الطب بإيدي.
مش هسيب مستشفى في ألمانيا ولا برّاها إلا وهعرف سر حالتك.
وهفضل جنبك كل لحظة، لحد اليوم اللي تقوم فيه رجلك وتجيلي لوحدك.

ربى تغلق عينيها والدموع تفيض على خديها.
تفتحها ببطء وتنظر إليه، بنظرة مليئة بالحب واليقين، كأنها تقول: "أنا مؤمنة بيك".

بيجاد (بابتسامة مؤلمة):
بس في وعد تاني... وعد لنفسي وليكي.
اللي عمل فيك كده... اللي دمّر حياتك...
مش هيعيش في سلام.
أنا مش هسيبه، يا ربى. مش بعد اللي عمله.

تتسع عينا ربى، نظرتها تصير قلقة، تمسك يده بقوة، كأنها ترجوه بالصمت.

بيجاد (ينظر إليها، ثم يتنهد):
ما تخافيش... مش هخلي الانتقام يسرقني منك.
بس هخلي الحق يرجعلك... بطريقتي، بهدوء، من غير دم.
أنا مش عايزك تبقي شاهدة على وجع تاني.

يصمت لحظة، ثم يرفع رأسه، يبتسم بحنان ويمسح دموعها بإبهامه.

بيجاد:
الليلة دي ليكي، يا ربى...
ليلة سلام، وراحة، وبداية حياة جديدة.

يقترب منها ببطء، يضع جبينه على جبينها، يهمس:

بيجاد:
بحبك... أكتر مما كنت أتصور إن القلب ممكن يحب.

ربى تغلق عينيها، وتبتسم بخجل، ودمعة تسيل على خدها.
الضوء الخافت ينعكس على وجهيهما، كأنهما اثنان خلقا ليتكاملا رغم كل شيء.
*******************
في  الجناح المخصص لسليم القيصري ونيروز – فيلا رامي / ألمانيا.
الساعة تقترب من منتصف الليل، الأجواء هادئة، لكن ثقل الصمت يملأ الغرفة.
الشموع الموزعة حول المكان تذوب ببطء، ورائحة الخزامى تنتشر في الجو.

نيروز تجلس على حافة السرير، ما تزال بثوبها الأبيض البسيط، تنظر إلى الأرض بعينين زجاجيتين، تغالب دموعها، تحاول أن تبدو متماسكة لكنها تفشل في كل مرة.
وسليم يقف عند النافذة، يداه في جيبيه، ينظر إلى الخارج بصمت، كأنه يعطيها المساحة لتتنفس بعد الليلة الطويلة.

سليم (بصوت منخفض، هادئ):
الليلة كانت طويلة...
يمكن أطول من أي ليلة في حياتك، صح؟

نيروز لا ترد، فقط تومئ برأسها بخفة، والدموع تلمع في عينيها.

سليم (يقترب منها بخطوات بطيئة):
أنا عارف إنك مش سعيدة...
ولا كنتِ عايزة اللي حصل،
بس صدقيني يا نيروز... أنا مش هنا علشان أكون عبء عليك.

يجلس على الكرسي المقابل لها، يترك بينهما مسافة احترام واضحة.

سليم:
أنا يمكن ما أكونش الحب اللي كنتِ بتحلمي بيه،
بس أقدر أكون الأمان اللي محتاجاه دلوقتي.

نيروز ترفع نظرها نحوه لأول مرة، عيناها محمرتان من الدموع.

نيروز (بصوت مبحوح):
الأمان؟
هو فين الأمان يا سليم؟
أنا كنت بحلم بحاجة بسيطة... نظرة، إحساس... بس كل ده راح.
كل حاجة راحت، حتى أنا...

صمت ثقيل يخيّم على المكان، وسليم يزفر بهدوء، ثم يمد يده نحو كوب الماء على الطاولة ويناولها إياه.

سليم (بلطف):
اشربي...
الدموع بتتعب، وأنا مش عايز أشوفك بتتألمي أكتر.

تأخذ الكوب منه بتردد، تشرب رشفة صغيرة، ثم تعيده، ويدها ترتجف قليلاً.

سليم (ينظر إليها بصدق):
بصّي يا نيروز...
أنا مش داخل حياتك علشان أمحي اللي بتحسيه،
ولا علشان أكون بديل لأي حد.
لكن أنا راجل،
ولو ربنا كتب إننا نعيش تحت سقف واحد،
فأنا عليّا واجب...
أصونك، وأحميك، وأخلي الناس كلها تشوف فيكي الاحترام اللي تستحقيه.

نيروز تدمع أكثر، وتخفض رأسها بخجل ووجع في آن واحد.

نيروز:
أنا آسفة...
أنا مش قادرة أديك حاجة،
ولا حتى ابتسامة حقيقية.

سليم (بلطف، بابتسامة خافتة):
ما طلبتش منك حاجة، يا نيروز.
كل اللي عايزه منك... إنك ترتاحي.
خلي الوقت هو اللي يتكلم، مش أنا.

يتنهد، ويقف، ثم يضع بطانية خفيفة على كتفيها.

سليم:
أنا هنام في الغرفة التانية اللي جنب دي،
لو احتجتي أي حاجة، أو حتى لو تعبتي من الصمت... ناديني.
مش لازم تتكلمي،
وجودي لوحده كفاية.

نيروز ترفع رأسها، تنظر إليه بعينين دامعتين، تقول بصوت خافت:

نيروز:
سليم...
إنت طيب أوي.
الطيبة دي بتوجّعني.

سليم (يبتسم نصف ابتسامة):
الطيبة مش ضعف يا نيروز...
دي بس طريقة مختلفة للحرب.
أنا بحارب كل يوم... بس من غير ما أؤذي.

يتجه نحو الباب، يتوقف لحظة، يلتفت إليها بابتسامة هادئة:

سليم:
نامي وانتِ مطمنة...
البيت هنا فيه راجل مش هيأذيك، ولا هيخليكِ تبكي تاني.

ثم يخرج بهدوء، تاركًا خلفه ظلال رجل اختار أن يكون سندًا لا قيدًا.
نيروز تتابعه بعينيها، يختلط في قلبها الامتنان بالحزن، وتهمس لنفسها:

نيروز (بهمس):
لو كان العالم كله زيك... يمكن كنت صدّقت إن فيّ عدل.

تغلق عينيها، والدمعة الأخيرة تنزلق على خدها، في هدوء يليق بانكسارٍ ناعمٍ يشبهها.
**********************

في ألمانيا – فيلا رامي السيوفي – الدور اللي فوق – أوضة عاصم وليل بعد كتب الكتاب

الأوضة فخمة وهادية، بس الهوا فيها متوتر كإنه بيتنفس غضب.
ليل قاعدة على طرف السرير، ضامة دراعيها على صدرها، ونظرتها نار.
أما عاصم، واقف قدام المراية بيظبط زرار قميصه الأبيض بكل برود، كأنه مش شايف العاصفة اللي واقفة قصاده.

ليل (بغضب مكتوم):
مش مصدّقة اللي بيحصل ده بجد… كتب كتاب؟! ده جواز غصب!

عاصم (بهدوء مستفز):
غصب؟ لأ يا آنسة… محدش غصبك على حاجة.
خالك بنفسه وكيلك، يعني الجواز قانوني وشرعي تمام.

ليل (رافعه حواجبها بسخرية):
شرعي؟!
تخطفني من بلدي ومن أهلي، وتتهم بابا بالقتل، وبعد كده تقولّي "زوجتك الشرعية"؟!
إيه المسخرة دي يا سيادة المحترم؟!

عاصم (يتنهد ويبتسم بسخرية خفيفة):
يا بنت الناس… العيال اللي بيعاندوا لازم يتعلّموا الأدب الأول قبل ما يتكلموا عن المسخرة.

ليل (بتقف غاضبة):
عيال؟! أنت بتكلّمني كأني بنت خمس سنين؟!

عاصم (بيقرب منها بخطوات بطيئة، وإيديه في جيبه):
أيوه… عشان بتتصرفي كده.
طفلة مدلّعة، متعودة الكل يدور حواليها.

ليل (بتزعق):
أنا مدلّعة؟!
أنت اللي مغرور ومتكبّر، فاكر نفسك ربّ الناس، والكل لازم يسمعك!

عاصم (بابتسامة جانبية باردة):
لو كنت ربّ الناس، كنت خلتّك تسكتي دلوقتي.

ليل (غاضبة):
جرّب!

عاصم (بيرفع حاجبه بسخرية خبيثة):
ليه؟ خايفة أقدر؟

ليل (بتتراجع خطوة، بس ترفع راسها بعناد):
أنا ما بخافش منك…
ولو فاكر إني هقبل الوضع ده، تبقى غلطان!
أول ما أرجع مصر… هطلّق!

عاصم (يقعد على الكرسي الجانبي، صوته هادي بس فيه قوة):
مش راجعة مصر قبل ما كل حاجة تخلص.
والطلاق؟
(يضحك ضحكة قصيرة)
هيحصل لما أنا أقول.

ليل (بتتقدّم نحوه بحدة):
مش أنت اللي هتقرر حياتي ولا مصيري!

عاصم (بثبات):
وأنا اللي بحمي حياتك دلوقتي.
فاهمة؟
الناس اللي كان ممكن يؤذوكي… أنا اللي بينك وبينهم.

ليل (بتهكم):
آه طبعًا… الخاطف الطيب اللي بيحمي ضحيته!
قصص كده كنت بشوفها في المسلسلات اللي ما تتشافش.

عاصم (يضيق عينيه وبيقرب منها ببطء، لحد ما تحس بأنفاسه):
وكان يعجبك الأبطال فيها… مش كده؟

ليل (ترتبك لحظة، بس تخبيها بعبوس):
أنت مش بطل… أنت كابوس.

عاصم (بابتسامة ناعمة فيها سخرية):
كابوس؟
تمام… بس خلي بالك، ساعات الكوابيس بتبقى الحقيقة الوحيدة اللي بتحميكي من الناس اللي فعلاً بيكرهوكي.

ليل (تشيح بوشها):
مش عايزة حمايتك.

عاصم (بصوت خافت عميق):
مش دايمًا اللي بنختاره هو اللي بينقذنا يا ليل.

يسود الصمت.
اللحظة تقيلة.
ليل تبص للأرض، نفسها متقطع من الغضب المكبوت،
وعاصم بياخد نفس عميق كأنه بيحارب نفسه عشان ما ينفجرش.

ليل (بهمس مبحوح):
أنا بس… عايزة أرجع.
عايزة حضن أمي.

عاصم (صوته يلين فجأة، بنغمة صادقة):
هترجعي…
بس بعد ما أخلّص كل ده.
أقسم لك.

ليل (بدموع في عينيها):
وأقسمت قبل كده لما خطفتني؟

عاصم (بهدوء):
لأ… المرة دي مختلفة.
المرة دي بحلف علشانك… مش عليكِ.

ليل تبصله ساكتة…
مش مصدّقة، بس في حاجة جواها بتتهز… زي خيط دفا خفيف وسط كل البرد.

عاصم (بابتسامة خفيفة):
دلوقتي نامي يا طفلة… الأطفال لازم يناموا بدري.

ليل (ترفع المخدة بتهديد):
لو ما خرجتش من الأوضة حالًا… هضربك بيها!

عاصم (يضحك لأول مرة بصدق وهو ماشي ناحيت الباب):
يا ربّي… فعلاً طفلة عنيدة.
(يهمس وهو بيخرج):
بس شكلها هتربّيني أنا كمان.

ليل تبص للباب اللي خرج منه،
وابتسامة صغيرة غصب عنها تطلع على شفايفها وهي تهمس:

ليل (بهدوء):
مغرور… بس غريب.
******************
الليل يغمر ألمانيا بسكونٍ ناعم، والثلج يتساقط بخفة خلف النوافذ الكبيرة. في الطابق العلوي من الفيلا، جلس رامي على طرف سريره، الغرفة شبه مظلمة، تضيئها فقط شمعة صغيرة على الطاولة بجانب صورة قديمة تجمعه بوالديه الراحلين. كان يرتدي قميصًا أسود مفتوح الأزرار قليلاً، وشعره مبعثر كأنه لم يلامس النوم منذ أيام.

يأخذ الصورة بين يديه... يمرر أصابعه على وجهيهما بابتسامة حزينة.

رامي (بصوتٍ منخفض):
كنتم دايمًا تقولولي “خلي بالك من نيروز يا رامي، هي روحك قبل ما تكون أختك”...
وها أنا، حافظت عليها زي ما وعدتكم.
حتى وهي كانت بتصرخ في وشي وتقولي إنها مش عايزة تتجوز... كنت عارف إنها محتاجة حد يحتويها، يوقف جنبها.
وسليم... سليم مش وحش يا بابا، مش وحش يا ماما.
هو طيب، بس الدنيا علمته القسوة قبل الأوان.

(ينخفض صوته أكثر، كأنه يهمس لروحه)
عارف يا ماما... هي يمكن دلوقتي مش سعيدة، يمكن بتبكي، بس سليم هيحبها...
وهي كمان هتتعلم تحبه، غصب عنها يمكن... بس هتحبه.

(يصمت لحظة، يبتسم وهو يحدّق في الصورة)
بتضحكي كده يا ماما؟ عارف، كنتي دايمًا تقوليني إن الحب مش لازم ييجي ناعم... أوقات بييجي زي المطر في عز العاصفة.
ونيروز... نيروز كانت دايمًا المطر بتاعي.

(يتنهد بعمق، يمرر يده على شعره، صوته يرتجف بخفة)
لو كنتوا هنا... كنتوا هتفتخروا بيا؟
ولا كنتوا هتزعلوا إن بنتكم الصغيرة اتجوزت من غير ما تضحك بجد؟

(صمت طويل، ثم يبتسم بحزن)
أنا حاولت... أقسم حاولت أحافظ عليها من الدنيا... ومن نفسها كمان.

(ينظر للصورة، بعينين دامعتين)
ادعولي...
ادعولي أقدر أحميها زي ما وعدتكم... لآخر يوم في عمري.

(يضع الصورة على صدره، يستلقي على السرير، يهمس قبل أن يغفو)
أحبكم... أوي.

*********************
في فيلا الزهراوي في مصر 
جلس زياد الزهراوي أمام المدفأة، يرتدي بدلة رمادية، وعيناه مرهقتان من السهر والتفكير.
أمامه جلس صديقه القديم، العميد آدم العطار، بملامحه الصارمة ونظرته الحادة التي لا يفوتها شيء.

يصب آدم القهوة في فنجانين، ثم يرفع نظره إلى زياد بصوتٍ منخفضٍ لكنه حازم:

آدم:
زياد... في حاجة مش داخلة دماغي.
أدهم سافر فجأة، من غير ما يبلغ حد، ولا حتى أنت عارف وِجهته. ومراد كمان تصرّفاته بقت غريبة جدًا...
تحب تفسرلي ده؟

(يتنهد زياد ويهز رأسه ببطء)
زياد:
والله يا آدم، أنا بقيت مش فاهم حاجة.
أدهم بقى منطوي، كلامه كله غامض... وكل ما أجيب سيرة مراد تلاقيه وشه اتبدّل كأنه شاف شيطان!
كنت فاكرها أزمة عابرة، بس واضح إن في نار ولّعت بين الاتنين.

(آدم يحدّق فيه، يحرك الملعقة في الفنجان ببطء، وعقله يعمل كآلة دقيقة)
آدم (بهدوء):
نار؟ ولا سرّ كبير بين الاتنين...؟
من فترة وأنا شايف خيوط بتتجمع حوالين مراد، خيوط وسخة ومليانة دم.
بس كل مرة أوصل لحاجة... تتنسف.
ملفات تختفي من النظام، تقارير تتغير، شهود يتراجعوا.
كأن في حد من جوّه الجهاز بيمسح كل أثر.

(زياد يضع فنجانه بعصبية على الطاولة)
زياد:
يعني أنت شايف إن في خيانة... من جوّه المخابرات نفسها؟!

آدم (ينظر له بثبات):
مش شايف... متأكد.
بس مش قادر أحدد مين.
وكل الطرق بتؤدي لشخص واحد... مراد الشرقاوي.

(زياد يقطب حاجبيه، صوته يرتجف قليلًا)
زياد:
مراد؟!
بس يا آدم، مراد صاحبي من أيام الجامعة... ده حتى كان بيعتبر أدهم زي أخوه.
يعني معقول...؟

آدم (ينحني قليلاً للأمام):
اسمعني كويس يا زياد...
في شغلنا مفيش “مستحيل”.
كل الناس عندها وجوه تانية... وأنا بدأت أشوف الوجه الحقيقي بتاع مراد.
وصدقني، مش هيعجبك أبدًا.

(يصمت زياد لحظات، ثم يحدّق في صورة على الطاولة تجمعه بـ ليل، ابنته المختفية)
زياد (بصوت مبحوح):
سبعة شهور يا آدم...
سبعة شهور وأنا كل يوم بصحى على كابوس اسمه "ليل".
 عاصم هو اللي خطفها، 
 بس لو كانت لسه عايشة؟ لو كانت بتتعذب في مكان مجهول؟

(آدم يضع يده على كتف زياد بثبات)
آدم:
هتتلاقى، زياد.
بس لازم تفضل عاقل...
أنا مش واثق إن عاصم اشتغل لوحده.
فيه حد تاني كان بيحرّكه من ورا الستار.
وكل ما أقرّب من الحقيقة... أسمع اسم "مراد" يتكرر قدامي.

(زياد ينظر له بدهشة وقلق)
زياد:
يعني عايز تقول إن مراد... ليه علاقة بخطف بنتي؟!

آدم (ببرود غامض):
ما قلتش كده...
لكن لما توصل الحقيقة، يا زياد،
هتكتشف إن اللي كنت بتسميه “صديق العمر” هو أول واحد باعك.

(يصمت الاثنان، وصوت المطر يعلو، يملأ الفراغ الثقيل في الغرفة...)

زياد (بصوتٍ خافت، موجع):
يا رب... احمي بنتي يا رب...
أنا حاسس إنها لسه حية... بس مش عارف فين.

(آدم يحدّق في المدفأة، وعيناه تلمعان بتفكير عميق)
آدم (يهمس):
وأنا هعرف فين... حتى لو اضطريت أقلب الدنيا على راسهم كلهم.
*********************
 – بعد خروج العميد آدم العطار
الليل ثقيل، والمطر لا يتوقف عن ضرب الزجاج كأنه يذكّره بكل ما فاته.
يقف زياد أمام النافذة الكبيرة، يراقب قطرات المطر تنحدر ببطء، وصدى كلمات آدم ما زال يدور في رأسه.

(يهمس لنفسه بصوتٍ خافتٍ متقطع، يحمل خليطاً من الذهول والخذلان)

زياد:
مراد... مراد الشرقاوي؟!
إزاي يعني؟!
يعني كل السنين دي... وأنا شايفه صاحبي، أخويا...
هو اللي كان السبب في كل دا؟

(يتنفس بعمق، يمرر يده على وجهه، كأنه يحاول طرد الكابوس)

زياد:
لا لا، يمكن آدم غلط... يمكن سوء فهم...
مراد مش كده، مراد عمره ما كان...
(يصمت فجأة، يحدّق في الفراغ وكأن ومضة من الذاكرة ضربت عقله)
...استنى...

(يتجه نحو مكتبه بخطوات مترددة، يفتح درجًا قديمًا، يخرج صورة تجمعه بـ خالد ومراد في شبابهم)
زياد (بصوتٍ مبحوح):
خالد... فاكر اليوم دا؟
كنا شباب، وكان مراد دايمًا هو اللي يضحكنا...
بس أنت كنت دايمًا تقول: “مراد مش سهل... عينُه فيها طمع”.
وأنا كنت أضحك وأقولك تبطّل ظنون.
يمكن كنت صح يا خالد... يمكن كنت صح!

(يجلس على الكرسي ببطء، ثم يضرب الطاولة بيده فجأة بقوة، تتناثر بعض الأوراق)

زياد (بغضبٍ مكتوم):
كل شيء بدأ بعد موتك يا خالد...
بعد ما مات رائد، ابنك، اتغير كل شيء!
عاصم كان لسه صغير، كان بييجي عندي البيت...
كان بيجري عليا أول ما يشوفني...
يناديني "عمو زياد"!
كنت بحس إنك لسه عايش من خلاله...
بس بعد شوية... فجأة اتبدّل.
بقى يشوفني بعين الكره...
كره مش طبيعي!
كأن حد زرع جواه سمّ!

(ينهض واقفاً، يسير ببطء وسط الغرفة، كأن كل خطوة تُعيد له ذكرى مؤلمة)

زياد (يهمس):
مين اللي عمل كده فيه؟
مين اللي لعب بعقله وخلاه يصدق إني قتلت أخوه؟
(يصمت لحظة، ثم يتسع بؤبؤ عينيه فجأة)
نديم...!

(يمسك رأسه بيديه، كأن الشرارة أخيراً اشتعلت داخله)

زياد (بحزم):
الشاب نديم اللي كان دايمًا مع عاصم...
كنت شايفه غريب، مش مريحني...
وكان دايمًا يظهر لما أكون قريب من عاصم.
مراد هو اللي قدّمه لعاصم... فاكر؟
فاكر يا زياد، يومها قالك "نديم ولد مؤدب وهيكون مفيد لعاصم"...
آه يا مراد، يا شيطان!

(يضرب بيده على المكتب، عروقه تتضخّم من الغضب)

زياد (بصوت مرتجف):
انت اللي خدعت خالد،
وانت اللي قتلت رائد،
وانت اللي سمّمت عقل عاصم وخليته يكرهني...
وانت اللي خطفت بنتي...
آه، أكيد انت اللي ورا كل دا.

(تدمع عيناه، يبتسم ابتسامة مريرة)

زياد (بصوتٍ متهدّج):
كنت بشوفك أخ، وطلعت شيطان لابس وش البني آدمين.
ما كنتش فاهم، بس دلوقتي فهمت.
ليه كل حاجة حواليّ بتتدمر؟
ليه كل خطوة كنت بخطوها كانت بتقربني من الهاوية؟
عشانك انت يا مراد...

(يتجه نحو الصورة المعلقة على الحائط — صورة تجمعه بمراد وخالد — ينتزعها بعنف، ينظر إليها طويلًا ثم يرميها في المدفأة.
تأكل النار أطراف الصورة ببطء، وتتصاعد رائحة الورق المحترق كأنها إعلان البداية...)

زياد (بصوتٍ غاضبٍ هادئ):
أقسم بالله يا مراد...
لو كنت انت السبب في اللي حصل لليل...
مش هسيبك تتنفس نفس واحد في الدنيا دي بعد كده.
اللعبة انتهت يا مراد... دلوقتي دوري أنا.
********************

النار ما زالت تتراقص في المدفأة، والهواء يعبق برائحة الورق المحترق.
زياد يقف ثابتًا في منتصف الغرفة، عيناه تائهتان في الفراغ... ثم يهمس بصوتٍ واهن:

زياد (بصوتٍ مبحوح):
ادهم...
كنت شايفك متغيّر الفترة الأخيرة...
كنت دايمًا لما تشوف مراد، عينيك تتملي غضب...
كنت بتقولي ، خاف منه... الراجل ده وراه حاجة مش طبيعية"...
وأنا؟!
أنا اللي كنت أقولك دايمًا "مراد صديقنا، ما تشكّش فيه يا ادهم، الحقد ملوش لازمة"...

(يتنفس بسرعة، يمرر يده على شعره بعصبية، ثم يضحك ضحكة قصيرة مجنونة، فيها وجع وسخرية)

زياد:
آه يا ادهم...
كنت شايف الحقيقة وأنا كنت الأعمى!
كنت بتصرخ، وأنا بسد وداني عن صوتك...
كنت بتشوف النار وأنا شايفها دفء!

(يضرب بيده على المكتب بقوة، تتناثر بعض الملفات، الأوراق تطير في الهواء)

زياد (بصوتٍ مرتجف يعلو تدريجيًا):
يا رب، إزاي ما فهمتش؟!
إزاي ما شفتش الخبث في عينه؟!
من أول يوم بدأ يقرّب مني ، كنت أقول "الراجل بيتعامل برجولة ووفاء"...
واللي في الحقيقة كان بيخطط لكل ده!

(يتجه نحو الرفّ، يلتقط إطار صورة فيها هو وليل الصغيرة، يضمها إلى صدره بقوة، صوته ينكسر تمامًا)

زياد (بصوتٍ متهدّج):
ليل... يا روحي...
بسببي انخطفِت...
بسبب غبائي!
بسبب طيبتي اللي كانت لعنة عليّا وعليكم...
أنا اللي سلمتكم للوحش بإيدي...
أنا اللي ضيّعتكم يا بنتي...

(يسقط على ركبتيه، والصورة بين يديه، دموعه تنهمر بلا توقف، ثم يضرب بقبضته على الأرض)

زياد (بغضبٍ جنوني):
مراد!
يا ابن الكلب!
خليتني أكره نفسي...
ضحكت عليا، سمّمت دم عاصم، وخليته يشوفني مجرم!
وخليت الناس كلها تصدّق كذبك!
سرقت مني بنتي، وصداقتي، وراحتي، ونومي...
سرقت حياتي كلها!

(ينهض فجأة، يركل الكرسي بعنف، يرتطم بالجدار ويسقط، تتناثر الأوراق والصور حوله، يصرخ بأعلى صوته)

زياد (بصوتٍ متفجّر):
أنا كنت أعمى... أعمى وصدقّتك!!
كنت أقول "مراد أخويا"...
وهو كان بيغرز السكين في ضهري بضحكة!!

(يتقدّم نحو المدفأة، يحدّق في النار المشتعلة كأنه يخاطبها)

زياد (بصوتٍ خافتٍ مشبع بالدموع):
خدت مني كل حاجة يا مراد...
بس فيه حاجة وحدة ما تعرفهاش...
لسّه عندي قلب بيحرقني كل يوم، ولسّه عندي بنت...
حتى لو في آخر الدنيا، حتى لو العالم كله ضدّي...
هلاقيها، وهرجعها...
وساعتها، انت اللي هتصرخ...
هتصرخ زي ما أنا بصرخ دلوقتي!

(يضرب بيده الزجاج الموضوع على الطاولة، يتحطّم، الدم يسيل من يده، لكنه لا يشعر بشيء)

زياد (بصوتٍ مبحوحٍ ومليء بالندم):
سامحني يا ادهم...
سامحيني يا ليل...
كنت غبي... غبي للدرجة اللي خلت كل حاجة تنهار حواليّا...
بس مش هسكت تاني... مش هسكت أبدًا.

اللي بدأها مراد...
أنا اللي هخلصها.

(تُغلق اللقطة على النار في المدفأة، تزداد اشتعالًا بينما وجه زياد يختفي بين الضوء واللهيب...
كأن النار لم تعد رمزًا للاحتراق فقط، بل بداية الانتقام.)
**********************

(صوت تكسير زجاج... بعده صوت مزهرية وهي بتتهشم على الأرض... وبعدين صرخة مكتومة.)
الفيلا غرقانة في ظلمة تقيلة، مافيهاش غير صوت الهوا اللي جاي من الجنينة يعافر في الشجر.

(تدخل حور جارية، لابسة ترينج غامق وشعرها مبعتر من الخوف.)
تفتح الباب بعنف، تلاقي زياد واقف في نص القوضة وسط فوضى…
الترابيزة مقلوبة، الورق ممزّع، صور العيلة متكسّرة على الأرض.
وشّه أحمر، عيونه مولّعة، ونَفَسه متقطع كأنه طالع من حرب خسرها.

حور (بفزع):
زياد!! يا رب في إيه اللي بيحصل هنا؟! ليه مكسّر الدنيا كده؟!

زياد (بصوت مبحوح، غاضب، ودموعه بتلمع):
كنت أعمى يا حور… أعمى وغبي ومغفّل!
(يضرب بإيده على المكتب)
سبع شهور! سبع شهور وليل ضايعة وأنا بدافع عن الشيطان نفسه!

حور (بتقرب منه بخوف):
شيطان إيه؟ بتقول إيه يا زياد؟ خوّفتني والله!

زياد (بعيون مليانة غضب ودموع):
مراد يا حور… مراد!
(يضرب على صدره)
أنا الغبي اللي صدّق صداقته، اللي فتح له بيته، واللي سابه يضحك عليا!
زرع الشك بيني وبين الكل!
أدهم كان شايف الحقيقة وأنا لأ!
كان بيقولّي “مراد مش نضيف” وأنا كنت أقولّه “ده أخونا”!
بس أنا ما سمعتش! ما سمعتش يا حور!

حور (مصدومة، بتغطي بؤها بإيديها):
مراد؟!
(بهمس خايف)
زياد، إنت بتقول إيه؟ شكلك مش في وعيك...

زياد (بينفجر صراخ):
في وعيي جدًا يا حور!
لأول مرة يمكن!
(يبص حواليه، عينه بتدمع)
رائد مات بسببه، عاصم اتقلب علينا بسببه، ليل اتخطفت بسببه!
كل حاجة... من وراه هو!

حور (بصوت بيرتعش):
بس… مراد؟! مستحيل!
(تمسك دراعه بحنية)
زياد، إنت بس متعصّب، تعال نهدّى ونتكلم بالعقل...

زياد (يزق إيدها بعنف، صوته متكسر من القهر):
العقل؟!
(يضحك بمرارة)
العقل اللي خلّى بنتي تتخطف وأنا مصدّق خاين؟!
مافيش عقل تاني!
أنا عايز عدل… عايز حقّي!

(يتجه بسرعة ناحية الخزنة المعدنية، يفتحها، يطلع منها مسدس أسود بيلمع.)

حور (تشهق بفزع):
زياد!! إيه ده؟! بتعمل إيه؟!
(تحاول تمسك إيده)
حط السلاح يا زياد! بلاش تهوّر! بالله عليك!

زياد (صوته واطي بس خطير):
اللي سرق بنتي… لازم يدفع التمن.
اللي لعب بينا… لازم يندفن بإيدي.

حور (بتمسك إيده بكل قوتها):
زياد، لأ! إنت مش قاتل!
إنت أب، إنت راجل طيب…
فكّر في ليل، لو عرفت إنك عملت كده، قلبها هيتقطع!

زياد (بيبص في عينيها، صوته مبحوح):
ليل ماتت من سبع شهور يا حور…
اللي عايش بعدها مش أبوها…
ده ظلّ فاضي.

(يزق إيدها برفق لكن بحسم، يفتح الباب بعنف ويخرج بخطوات سريعة)

حور (تجري وراه وهي بتعيط وتصرخ):
زياد!! ارجع يا مجنون!! اسمعني!!
زياد لأاااا! متروحش لمراد! متدمّرش كل حاجة!!
***********************

الطريق السريع – بعد نص الليل.
السماء مغيّمة والريح عاملة عاصفة كأنها بتحاول تمنع القدر يمشي خطوته.
أضواء العربيات بتلمع وتختفي فوق الأسفلت المبلول، وصوت الموتور عالي... زيه زي وحش هائج.

زياد  ماسك الدركسيون بإيده الاتنين، إيده بتترعش مش من البرد... من الغضب.
عينه زجاج... بتلمع كل ما النور يضرب فيها.
الطريق قدّامه ضبابي... زيه زي أفكاره،
بس صوته جواه واضح... حاد... زي السكينة.

زياد (بيتمتم وهو سايق بجنون):
مراد... يا ابن الكلب...
كنت وسطينا، تاكل وتشرب معانا...
(يضرب الدركسيون بقبضته)
كنت أخويا... وطلعت سُمّ!

(الموتور يصرّخ، والعداد الأحمر قرب يخلص.)

زياد (صوته متقطع، الدموع نازلة على وشه):
ليــل...
بابا جاي يا روح بابا...
مش هسيب اللي خطفِك يعيش،
والله ما يعيش!

(صورة ليل الصغيرة المعلقة في المراية الأمامية بتتهزّ مع كل مطبّ.)
زياد يمد إيده يلمسها...
صوته بيرتعش:
سامحيني يا بنتي... سامحيني إني كنت أعمى...

(لحظة سرحان... ثانية واحدة بس، لكنها كانت كفاية...)

إطارات العربية تصرخ على الأسفلت،
العربية بتزيّح ناحية الحاجز الجانبي،
وبعدين...

(اصطدام قوي)

تخبط في لوحة الطريق،
تتقلب مرتين تلاتة في الهوا،
شرار بيطير، والزجاج بيتهشّم زي النجوم اللي وقعت من السما.

الصمت...
وبعدين صوت المطر... بينزل بهدوء على حطام العربية.

زياد ممدّد، راسه مفتوحة شِعرِة دم على جبينه،
إيده لسه ماسكة المسدس،
وشفايفه بتتحرك بصوت واهن جدًا:

زياد (بهمس ضعيف):
ليـل...
بابا... جاي...

(إيده تقع، والمسدس يزحف على أرض العربية المعدنية المبلولة، يخبط بخفة...)

الليل بياكل كل حاجة.
المطر بيغسل الدم...
بس ما بيغسلش الندم.

*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة