رواية في ظلال الوادي الفصل السادس 6 بقلم زيزي محمد


رواية في ظلال الوادي الفصل السادس 6 بقلم زيزي محمد


ظلت تنظر إليهما وكأنهما شخصان غريبان لا ينتميان إلى كوكب الأرض، لبرهة بدت فيها شاردة ومذهولة، ثم وفي لحظة اندفاع وغضب ممزوجة بلمحة من التهور، جذبت شفرتها التي لم تعد تفارقها في الآونة الأخيرة، وانطلقت نحو شوقي، تمسك بتلابيب سترته وتجذبه إليها بعنف، قبل أن تمد الشفرة نحو عنقه وهي تهدر بقسوة:

-انت فاكرني هخاف، لما تجيب شوية اللمامة دول وجاي تفرد عضلاتك عليا، واقسم بالله لو حد فكر بس مجرد التفكير يقرب من عيالي هاكله بأسناني.

مط شوقي شفتيه بملل، وقال بصوت خافت يحمل تحذيرًا:

-يا دكتورة بلاش تهور وانفدي برجلك، عضلات إيه لامؤاخذة؟! انتي هتروحي في داهية لو مدتهوش عياله.

هتفت من بين أسنانها وقد بلغ الغضب ذروته، قائلة بغيظ مشتعل:

-ده أنا اللي هوديكوا في داهية يا شوية حرامية.

أخرج عاصم يده من جيب سرواله بعدما كان يراقب المشهد بهدوء شديد، وقد وجد اللحظة المناسبة للتدخل، اقترب منها ووضع يده فوق يدها الممسكة بالشفرة، وقال بنبرة ساخرة هادئة:

-اهدي يا دكتورة أحسن السلاح يطول.

ثم أنزل يدها برفق وأشار إلى شوقي برأسه ليبتعد، فامتثل الأخير وهو يترقب لحظة الإفراج عنه، بينما عادت هي لتجلس فوق مقعدها بهدوء ظاهري، ولكن ساقيها كانتا تهتزان بعنف فاضح لتوترها، وعيناها تراقبان الرجلين بحذر واحتقان.

وفي المقابل عاد عاصم وجلس بكل عنجهية فوق أحد المقاعد، منتظرًا أن تهدأ، وبعد لحظات رفعت "عائشة" بصرها إليه، فوجدته يشبك ساقًا فوق الأخرى بثبات مريب، يحدق فيها ببرود وكأنها لوحة معلقة على جدار، لا إنسانة يتفجر في صدرها اضطراب وعاصفة من المشاعر، فزادها ذلك ارتباكًا وتوترًا، وآثرت الهروب بنظراتها بعيدًا عنه، لتستقر حيث يقف شوقي.

وهناك، انفجر الغضب…غضب لم يكن يعكس سوى جزء ضئيل مما يعتمل في صدرها، فقالت بنبرة حادة حاولت أن تُلبسها ثوب التماسك:

-بص يا شوقي لو فاكرني هبلة وهصدق الكلمتين العبط اللي انت جاي تقولهم تبقى غلطان، انت جاي تستعبط وجايب واحد صاحبك عامل عليا حوار إنه أبو ليلة وعمر؟ إيه عبيطة مثلاً عشان هصدق!

تنفس "شوقي" بحدة، وقد ضاق صدره من هجومها الذي رآه أحمق ومستفزًا، فتقدم خطوة نحوها، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم أشار بيده إلى عاصم الذي كان يتابع المشهد بمتعة ظاهرة، وكأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا أُعد خصيصًا له.

-لا ده مش صاحبي، ده عمي وعم الناس عاصم باشا عزام.

توقف لحظة ثم أمال رأسه قليلًا، وأشار إلى وجهه المشوه بالكدمات، وإلى عينيه المنتفختين، وذراعه الأيسر المُجبر، ورأسه الملفوف بالشاش الطبي، وكأن جسده بأكمله شهادة حية على ما يريد قوله.

-يا دكترة معلش خلي عندك بُعد نظر، إيه مش شايفة وشي مش باينله ملامح ازاي؟ لازم تصدقي وبعدين احنا هناخد العيال منك بالذوق بالعافية هناخدهم.

وهنا فاض الكيل بها، فقبضت على زهرية صغيرة ودفعتها نحوه بعنف، ارتطمت الزهرية برأسه بقوة، مما جعله يتراجع للخلف وهو يصيح بأعلى صوته متألمًا:

-اه راسي، هو أنا ناقص، اه...

ظل يتأوه بصوت مرتفع، فنهره عاصم بحدة وهو يردد بنبرة خشنة أدهشتها:

-خلاص يالا هي حكاية، مكنتش خبطة يعني، اطلع برة يلا.

سارع شوقي بالخروج، وما إن أُغلق الباب خلفه حتى التفتت إليه، تنظر نحوه بتوتر وغل ممتزجين في نظرة غاضبة، ثم قالت بنبرة مكتومة بالغضب:

-انت عايز إيه؟ عيالي محدش هياخدهم مني، معلش انت جاي تدور على عيالك دلوقتي؟ كنت فين من زمان؟! كنت فين وهما بيتعلقوا بيا وبتعلق بيهم.

رد عليها بانفعال مكبوت، وقد اشتدت ملامحه وتصلبت:

-هو انتي حد قالك إني سايبهم بمزاجي، هو مش قالك إنه أخدهم من ورايا؟ انتي بتحاسبيني على أساس إيه؟ وبأنهي وجه حق عايزة تحرميني منهم!!

قطبت حاجبيها وحدقت فيه بعناد متحد، قبل أن ترد بحدة لا تخلو من الألم:

-وانت بأنهي وجه حق عايز تحرمني منهم؟

رمقها باستنكار ناري ورد بنبرة صلدة:

-أنا ابوهم، انتي بتقولي إيه؟

ردت بنفس نبرته وكأنها لا تقوَ على مجابهته سوى بالردود:

-وأنا أمهم....عارف يعني إيه؟

زفر بهدوء وهو يميل برأسه في عدم رضا واضح:

-اللي اعرفه إنك مجرد واحدة....

لم تمنحه فرصة لإكمال كلماته، اقتربت منه حتى كادت المسافة بينهما تتلاشى تمامًا، وفي لحظة كانت أقرب إلى الجنون منها إلى الوعي، اندفعت نحوه بعنف انفجاري، موجهة شفرتها سلاحها الأعرج الذي لم يعد يُعول عليه  مباشرة إلى عنقه.

لم تعبأ بنظرات الاستنكار النارية التي صوبها نحوها، ولم يردعها خطر اللحظة ولا عواقبها، مالت عليه بكل ما تحمله من هياج وانفلات، فيما تثور خصلات شعرها حول وجهها كأنها تشاركها غضبها وتمردها، تعلن رفضها القاطع لكل ما يحدث، ولكل ما يُدبر في الخفاء لانتزاع أغلى ما تملك.

فكان صدرها يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسها متقطعة كأنها تخرج من بين أنياب مفترسة، بينما تتزاحم في داخلها مشاعر الخوف والغيرة....الغضب واليأس، والأمومة الجريحة التي تستميت دفاعًا عن صغارها، ثم قالت بصوت متحشرج، يختلط فيه التهديد بالرجاء:

-لو كنت فاكر إنك ممكن تنكر وجودي في حياتهم ده في أحلامك، وهقولهالك للمرة المليون عيالي محدش هياخدهم مني أبدًا أبدًا.

تنفس ببطء شديد، كأنه يتعمد استفزازها بهدوئه، والتحمت نظراته بنظراتها الشرسة التحامًا صامتًا مشحونًا بكل ما لم يُقال، ثم قال بنبرة هادئة تخفي خلفها خبثًا بارعًا:

-اهدي عشان نتكلم واعرف اراضيكي كويس.

ازدادت قبضتها قسوة وضغطت بالشفرة أكثر فوق عنقه، بينما كان تركيزها قد انعدم تمامًا؛ لم تعد ترى أمامها سوى صورة أطفالها وهم يُنتزعون من بين ذراعيها، هتفت بشراسة، وكأنها تستنكر مجرد الفكرة:

-تراضيني؟ ليه هو أنا هرضى بفلوس مثلا؟ بقولك دول عيالي، أنا اللي مربايهم، انت هتاخدهم مني ازاي وانت ماتعرفش هما بيحبوا إيه وبيكرهوا إيه؟ انت ماتعرفش عنهم حاجة.

ورغم أن الشفرة في نظره كانت سلاحًا ساذجًا لا يُعتد به، ورغم الألم الخفيف الذي شعر به عند عنقه، إلا أن السخرية تسللت إلى داخله بمرارة، فهو الرجل الذي تخشاه الرجال، والذي لا يعترف إلا بالسلاح الناري سلطانًا وهيبة، لم يجرؤ أحد يومًا على تثبيته في مكانه، أو إجباره على السكون، ومع ذلك ها هي امرأة تقف أمامه، لا تحمل سوى شفرتها الصغيرة، وقد نجحت فيما لم ينجح فيه غيرها، لا لأنها أقوى، بل لأنها لا تخاف ولا ترى أمامها سوى أطفالها،
فقال بنبرة أقل حدة، محاولًا استعادة زمام الأمور:

-طيب اهدي وابعدي اللي انتي ماسكاه ده، عشان نعرف نتكلم كويس، ونوصل لحل يراضيني ويراضيكي.

ابتعدت بعد لحظات من التفكير وجلست أمامه تنظر إليه بصمت، فأخذ منديلاً ورقيًا وقام بوضعه فوق مكان الشفرة بعنقه، فوجدها جرحت جزء بسيط جدًا، قام بمسح قطرات الدم بهدوء أثار أعصابها، وخاصة عندما تحدث بنبرة غامضة:

-مش عايز منك غير إنك تعرفيهم أني أبوهم، شوفتي طلبي بسيط ازاي؟

ثم صمت قليلاً وسأل بنبرة مكتومة:

-هما يعرفوا إن شوقي أبوهم؟ شافوه قبل كده؟ اتعاملوا معاه؟

هزت رأسها نفيًا وقالت بصوت متحشرج:

-لا، عمرهم ما شافوه، بس يعرفوا أبوهم اسمه شوقي.

تنفس ببطء وكأن جزءًا ثقيلًا قد أُزيح عن صدره، فانخفض بصره نحو الأرض برهة يفكر خلالها بصمت مثقل بالتردد، قبل أن يرفعه مرة أخرى ليصطدم بنظراتها المرتجفة، حيث يتغلب الرجاء على بقايا ملامحها المرتبكة، كطفل يتشبث بخيط أمل أخير.

للمرة الأولى رق قلبه لإنسان، وشعر بأن القسوة التي اعتاد الاحتماء بها تتصدع أمام ارتباكها وذعرها الأمومي، لم يستطع تنفيذ ما كان قد عقد العزم عليه، فآثر أن يخفف من حدة الموقف محاولًا تهدئتها، تحدث بنبرة هادئة رخيمة، على النقيض تمامًا من طبيعته الحادة وشخصيته الصلبة، وقال ببساطة أدهشتها:

-بصي يا دكتورة أنا مش عايز أضايقك، بس أنا من حقي ولادي أعرفهم وهما يعرفوا أبوهم، دول من صلبي، مش هقدر اسيبهم واعيش كإنهم مش موجودين، صدقيني صعب.

لو سمعه أحد رجاله في تلك اللحظة، لأصيب بصدمة عصبية من فرط التغير الذي طرأ عليه، فبدا رجلًا مختلفًا تمامًا هادئ الطباع ومتزن النبرة، لين القلب بملامح أقل قسوة وأكثر تهذيبًا، خصوصًا مع تلك الابتسامة الخفيفة التي رسمها على وجهه في محاولة لامتصاص غضبها، عاصم عزام الرجل الذي اعتاد أن يكون مصدر الخوف، أصبح الآن هو مَن يسعى لاحتواء غضب من أمامه لا إشعاله.

بدأ تأثير كلماته يظهر تدريجيًا على ملامحها، حيث انعكس على وجهها شيء من الاقتناع، أو ما بدا كذلك على الأقل، ولكن الحقيقة كانت مختلفة؛ فداخل عقلها لم يكن سوى اقتناع زائف، تمهيدًا للتفكير في حيلة جديدة تضمن لها الهروب بأطفالها بعيدًا عن قبضته.

ابتسمت برقة مصطنعة والتقطت أنفاسها ببطء متعمد، وكأنها تستجمع ملامح امرأة هادئة بعد عاصفة، ثم قالت بصوت ناعم يحمل مزيجًا من الامتنان والدهاء:

-حقيقي باين عليك إنسان محترم، مش زي الهمجي شوقي، أنا ارتحتلك اوي، أنا كل طلبي حاجة واحدة، متحرمنيش منهم.

رمقها بهدوء ثعلبي وقد أدرك بسهولة خطتها الساذجة، لكن ذكاءها المحدود في المراوغة أثار فيه شعورًا غريبًا من التسلية والمتعة، استمتع بلعبتها كما يستمتع صياد بحركة فريسة تظن أنها ما زالت تملك فرصة للنجاة، فجاراها في أسلوبها، ورد بنبرة منمقة تحمل لطفًا محسوبًا:

-أنا مقدرش احرمهم من أمهم اللي ربتهم، وبعدين جميلك ده هفضل شايله العمر كله، لغاية ما نشوف حل وسط يرضينا أنا وأنتي، الولاد أمانة في رقبتك ومهمتك تعرفيهم إن أبوهم اسمه عاصم عزام، ولو ممكن توريهم صورتي.

ثم اتجه بنظره نحو مكتبها ومد يده دون استئذان، والتقط هاتفها بهدوء وجرأة واثقة، قبل أن يعيده إليها وهو يقول بأسلوب مهذب شديد اللطف، يكاد يناقض خطورته الكامنة:

-ممكن تفتحيه؟!

كادت السخرية تلوح في عينيه خلف قناع البراءة، ولكنه تمكن بصعوبة من الحفاظ على ثبات ملامحه، خاصةً وهي تنفذ ما يريده دون مقاومة، وكأن إرادتها قد سُلِبت بالكامل، وبالفعل فتحت هاتفها وقدمته له بتردد خافت، فدون رقمه أولًا، ثم رفع الهاتف والتقط لنفسه عدة صور، قبل أن يبتسم ابتسامة شديدة اللطف وهو يقول:

-أنا أسف صورت نفسي كام صورة عشان توريها للولاد، وشكرًا ليكي وأكيد لينا كلام تاني مرة تانية، حافظي على الولاد ولو احتاجتي حاجة، كلميني فورًا، اوعي تترددي.

ثم نهض فظهر الفارق الواضح بين طوله وطولها، جسده الرياضي المشدود منحه هيبة ووقارًا طبيعيين، وكأن القوة جزء أصيل من تكوينه، فملامحه كانت حادة وصارمة، تحمل آثار نفوذ لا يُستهان به، وكأن السلطة تتربع فوق تفاصيل وجهه، فيما يلمع غرور القوة في عينيه بثقة وهدوء.

ومع ذلك بدا في نظرها شخصًا لطيفًا للغاية، لطيفًا أكثر مما ينبغي، لطيفًا على نحو يثير الاطمئنان وربما الخداع!!

-أنا مضطر امشي، عن إذنك.

نهضت تودعه وهي ما تزال مشدوهة ومسلوبة الإرادة، كأن حضوره قد أربك توازنها الداخلي بالكامل، خرج هو أولًا، وأشار برأسه إلى رجاله كي يتحركوا ويغادروا دون إثارة ذعرها، فامتثلوا لأمره في صمت منضبط.

وقبل أن يُغلق باب العيادة خلفه، التفت إليها وابتسم ابتسامة بريئة جدًا، ابتسامة بدت لها صافية وخالية من أي خبث ثم أغلق الباب بهدوء، بينما ظلت عائشة واقفة تحدق في أثره بشرود طويل، حتى أفاقتها يد السكرتيرة وهي تسألها بقلق وخوف:

-مالك يا دكتورة، الراجل ده عمل فيكي حاجة؟ وعايزين منك إيه لامؤاخذة؟ يالهوي ده الرجالة اللي معاه، تقولي قتالين قتلة، مجرمين مجرمين مفيش كلام.

هزت عائشة رأسها نفيًا قاطعًا، وقالت بصوت متحشرج، متأثرة برؤيتها السطحية وانطباعها المخادع:

-لا المجرمين دول تبع شوقي المجرم، لكن أستاذ عاصم باينه راجل محترم وذوق وجنتل مان كده.

لم تستطع السكرتيرة كبح فضولها، فعادت تسألها بلهفة واهتمام متزايد:

-أيوه هو بردو عايز منك إيه؟

انتبهت عائشة إلى نفسها فجأة، وكأنها تستفيق من شرود طويل، ثم قالت بلا مبالاة متعمدة، محاولة إخفاء الاضطراب الذي يعصف بداخلها:

-ولا أي حاجة، المهم أنا همشي، ورايا مشوار ضروري، قفلي العيادة كويس ومتاخديش أي حجز، أنا ممكن اطول في أجازاتي شوية، خلينا على تواصل تليفونات بقى.

بدت كلماتها عادية في ظاهرها، لكنها كانت تحمل في باطنها قرارًا مصيريًا لم تفصح عنه بعد، قرارًا نابعًا من خوف عميق، وغريزة أمومة متأهبة، وعزم صارم على حماية أطفالها مهما كلف الأمر.

دخلت غرفة الكشف بخطوات سريعة، وجذبت محتويات حقيبتها بيد متوترة، بينما تتسابق الأفكار داخل رأسها كأمواج مضطربة لا تعرف السكون، فكان قلبها يخفق بعنف، وصوت أنفاسها متسارعًا، وكأنها تفر من خطر غير مرئي لكنه حاضر بكل ثقله في وعيها.

غادرت العيادة على عجل، وتوجهت مباشرةً إلى خالتها شريهان وقد عقدت العزم على إبلاغها بكل ما حدث، وبقرارها الجديد الذي لا رجعة فيه أبدًا… قرار لم يكن مجرد ردة فعل عابرة، بل خطوة محسوبة لحماية أغلى ما تملك، حتى لو اضطرت إلى الهروب مجددًا أو كسر كل القواعد.
                                         ***
في "نجمة رشيد".

دخلت "فايزة" إلى قصر رشيد بخطوات واسعة غاضبة، يتصاعد الضيق من ملامحها بينما تجول بنظرها في أرجاء القصر الفسيح، كأن الجدران نفسها مسؤولة عن غضبها، كانت تبحث عن "موسى" بعينين متقدتين بالحنق، حتى لمحت الخادمة فاتجهت إليها بنبرة منفعلة وقاسية بعض الشيء:

-موسى فين؟

أطرقت الخادمة رأسها باحترام وردت بهدوء بالغ:

-نايم يا حاجة، وزي ما انتي عارفة منقدرش نصحيه.

اشتعل غضب فايزة أكثر وقالت بنبرة صارمة حادة:

-هو انا قولت صحيه؟ أنا سألت بس!

وقبل أن تتمكن الخادمة من تبرير موقفها، جاء صوت "عثمان" من الخلف، ممتزجًا بالقلق والاستفهام:

-في إيه يا فايزة متعصبة ليه؟

استدارت إليه "فايزة" والغضب يتدفق من ملامحها بلا مواربة، وما إن وقعت عيناها على مصعب الواقف بجانبه حتى قالت بعصبية متزايدة:

-متعصبة عشان موسى ابنك بيعامل لمياء بنتي معاملة مش كويسة يا عثمان، مع إنه المفروض ميعاملهاش كده، البت مخنوقة وزعلانة وعايزة تروح الوادي عند عاصم، بتقولي طالما مفيش احترام ليا يبقى أروح عند ابن عمي التاني.

ساد القصر لحظة صمت قصيرة، كأن الهواء نفسه احتبس مترقبًا ما سيحدث، قبل أن يأتي صوت "موسى" من الأعلى، حيث كان يقف عند الدرج ينظر إلى عمته باستنكار واضح، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة تخفي وراءها قدرًا من الاستفزاز، فقال بنبرة تهكمية:

-ما تروح، والله عاصم لو شاف وشها ليهرب من الوادي كله ويجيلي هنا.

أشارت فايزة إلى عثمان بعصبية واضحة، وقالت بنبرة مكتومة تحمل في طياتها عتابًا قديمًا ومرارة متراكمة:

-شوفت يا عثمان؟ شوفت ابنك؟ يعني ده جزاتي إن أنا وقفت معاك في العهد، أنا لولايا رشيد كلها مكنش ليها وجود دلوقتي.

نزل "موسى" الدرج بخطوات بطيئة متعمدة، وكأن كل خطوة تحمل قدرًا من التحدي والاستفزاز، وقال بنزق ظاهر وملامح لا تخلو من السخرية:

-ذلينا بقى يا عمتي، مكنش دي وقفة وقفتيها في الاول والآخر إلا عشان مصلحتك.

رفعت فايزة أحد حاجبيها باعتراض شرس، وعيناها تشتعلان بالغضب، فابتسم لها موسى ابتسامة بريئة زائفة، واقترب منها حتى وقف بجانبها قائلًا بنبرة تحمل استهزاء مغطى بالود المصطنع:

-انتي متعصبة ليه يا فوفه؟ 

ازداد الاستنكار على وجهها، وهي تتنقل بنظراتها بينهم ثلاثتهم في حيرة ممزوجة بالقهر، عندها مد موسى ذراعه ووضعها حول كتفها بحميمية زائفة، وأردف بصوت خافت مُشبع بالخبث والمكر:

-بذمتك بنتك متستاهلش المعاملة دي، اللي زي لميا دي لو سيبنالها الحبل مايل، عيارها هيفلت.

ارتفع صوت عثمان فجأة، وجاء حادًا وصارمًا كجرس إنذار:

-مــــوســــى!

رفع موسى عينيه نحوه باستنكار جامد، وقال بنبرة جافة تخلو من أي شعور بالذنب:

-إيه؟! أكذب يعني؟ ده حتى يبقى حرام، أدخل النار عشان أجاملكم؟ مش كفاية الذنوب اللي الواحد بيعملها، في الآخر هكذب وأنافق كمان؟

ابتعدت فايزة عنه فجأة، وكأن لمسته أشعلت نارًا داخل صدرها، فاشتعل غضبها أكثر، متوهجًا كشرارات لا تهدأ ولا تنطفئ، وقالت بلهجة حاسمة ممتلئة بالكرامة المجروحة:

-طيب بص بقى يا موسى، كلام كتير على بنتي مش هسمح بيه، ومعاملة متعجبنيش؟ مش بنتي بس اللي هتسيب رشيد!

وقبل أن تُكمل جملتها قاطعها موسى بابتسامة مستهزئة ولهجة مشبعة بالتسلية الساخرة:

-إيه انتي كمان هتسبيها؟! وطبعًا هتروحوا الوادي، أنا زهقت من الاسطوانة دي، أنا حاسس أبويا نفسه هيقولهالي في مرة.

ثم قطع حديثه فجأة، كأن فكرة مظلمة خطرت له في اللحظة نفسها، فتقدم بخطوات حازمة نحو منتصف البهو العظيم، حيث تتلاقى الأنظار وتتعاظم الهيبة، تغيرت ملامحه على نحو مقلق، وانقلبت سخريته إلى قسوة صريحة، وصار وجهه أكثر صلابة وتهديدًا، قبل أن يقول بنبرة عالية صارمة تخترق الصمت:

-اللي عايز يروح هناك يتفضل أنا مش ماسك حد، بس قبل ما يفكر يخطي البوابة هيلاقي طلقتي في نص راسه، ويبقى مات قضاء وقدر وإنا لله وإنا إليه راجعون، واوعدكم هعملكم عزا أجيبلكم مشايخ مصر كلها، وهزيعه في التلفزيون، مش هو أي حد بردو هيموت، عيلة عزام لازم يتعملها أكبر عزا في مصر كلها.

وصل التهديد إلى فايزة كطعنة مباشرة في كرامتها، فالتفتت نحو عثمان بعينين يختلط فيهما العتاب بالحزن والخذلان، وقالت بصوت مرتجف من القهر:

-انت ساكت يا عثمان؟ انت راضي كده؟ راضي على تهديد ابنك ليا، ابنك عايز يموتني.

وقبل أن يتمكن عثمان من الرد، اقترب موسى منها فجأة واحتضنها بطريقة أربكتها، حتى شعرت للحظة أن الأمان قد انقلب إلى خديعة، وأن الغدر يحيط بها من كل جانب، وذلك عندما وجدته يقول بصوت دافئ ظاهريًا، لكنه مشبع بالالتواء:

-بعد الشر عنك يا عمتي ده انتي روحي وقلبي، أنا أموتك! طيب وأسيبني لمين؟ ده مفيش حد محتويني زيك، ده أنا غلبان والناس كلها فاهماني غلط.

ارتفع جانب شفتي "مصعب" بابتسامة ساخرة، كأنه يرى اللعبة بوضوح، بينما ابتعد موسى قليلًا وقال بنبرة هادئة ظاهرها العتاب وباطنها التبرير الساخر:

-هي لمياء زعلانة ليه؟ عشان قولتلها مالكيش دعوة بمصعب تاني؟ طيب ما أنا ليا حق، من حقي أخاف وأحافظ على أخويا من الفساد والفتنة.

ضغطت فايزة على أسنانها بقهر شديد، وابتعدت عنه بعنف مكتوم، وقالت بنبرة مشتعلة بالغضب:

-والله امنع أخوك يجيلي بيتي يا موسى، اخوك هو اللي بيرمي نفسه على بنتي، لو عايز تلم حد لم أخوك الأول.

ثم التفتت نحو عثمان بنظرة ممتلئة بالمرارة والخذلان، وأضافت بعتاب لاذع:

-الف شكر يا أخويا، ألف شكر على التهزيق ده، لو عايز تشوفني تعالالي بيتي، لكن أنا القصر ده مش هعتبه تاني.

وانطلقت بخطوات واسعة نحو الخارج، تحمل في مشيتها كرامة مجروحة وقرارًا لا رجعة فيه، حاول عثمان اللحاق بها وإيقافها، لكن كلماته ضاعت قبل أن تصل، فوقف عاجزًا للحظة قبل أن يلتفت إلى موسى بغضب مكتوم وصوت مثقل باللوم:

-انت عاجبك لما كله يبعد عننا، طول ما فايزة في صفنا، هنضمن وجودنا، عايز تقلب علينا الترابيزة بعمايلك يا موسى، ما كنت تطلع المسدس وتضربها طلقتين ونخلص؟

امتعض وجه موسى وهو يعتلي الطاولة بلا اكتراث، مخرجًا مسدسه الفضي، يلوح به يمينًا ويسارًا كأنه لعبة بين أصابعه، قبل أن يقول بنبرة ساخرة تحمل قدرًا من التهديد:

-لا كله إلا صلة الرحم.

أردف مصعب من بين أسنانه، بحنق مكبوت وغضب يتصاعد:

-اه طبعًا، وانت الشهادة لله مؤمن أوي.

اتسعت ابتسامة موسى بسخرية باردة، وهو يرمقه بنظرة مستفزة:

-البيه فايق بس نعرف نكلمه ولا حضرتك طاير مع العصافير في السما؟

توقف مصعب عند أول الدرج والتفت نحوه بنزق حاد ونبرة متحدية:

-لا فايق وعارف انت بتعمل إيه كويس، بس أنا بقولهالك مش هتقدر تبعدني عن لمياء وهتجوزها حتى لو غصب عنك.

ارتفع حاجبا موسى باعتراض ساخر، وحدق فيه بتهكم لاذع:

-تتجوزها؟ دي قد امك يالا، دي لو كانت خلفت من طليقها كانت جابت شحط قدك يا عديم المفهومية، هي عملالك سحر أسود يالا، رد وقولي، ما هو مش طبيعي تمسكك بيها، ما هي مش حلوة لدرجادي؟ ولا هو المخدرات لحست دماغك وشايفها هيفاء وهبي.

اشتد غضب مصعب وقال بنبرة غليظة:

-ميخصكش يا موسى، أنت ميخصكش أي حاجة أنا بعملها، لا بحب مين؟ ولا بكره مين؟

ضحك موسى بخفة مستهزئة وهز رأسه ساخرًا:

-صحيح مراية الحب عاميه، بس لو هي هتلبسك في حيطة زي لمياء، أدغدغلك أم المراية يا حبيبي، متقلقش أنا موجود.

تقدم مصعب خطوة ونبرته تهتز بين الغضب والوعيد:

-لو قربت من لمياء هخسرك يا موسى.

اتسعت عينا موسى بدهشة تمثيلية، ورفع صوته بسخرية لاذعة:

-الحق يا حج، ابنك بيهددني؟! بيهددني أنا؟

ثم تغير صوته فجأة وانقلب إلى تهديد بارد مخيف:

-طيب ورحمة أمك الغالية في تربتها لو فكرت مجرد التفكير بس تقرب من لمياء، هجيبك انت وهي وهنزلكم تحت في القبر، وهوريكوا أسود أيام حياتكوا، أنا مجنون وأعملها...

فتح عثمان فمه محاولًا التدخل واحتواء الموقف، لكن موسى واصل حديثه بلا أدب، وهو يتجه نحو مكتبه بخطوات واثقة وصوت مليء بالتحدي:
.
-ولو أبوك اتدخل ووقف معاك، هنزله معاكم انتوا الاتنين، انا محدش يلوي دراعي.

ساد المكان صمت خانق، مشبع بالكراهية والصراع والتهديدات التي تجاوزت حدود المزاح وتحولت إلى نذر حرب داخل البيت نفسه، بينما بدا واضحًا أن ما يحدث لم يعد مجرد خلاف عائلي، بل بداية تصدع خطير قد ينفجر في أي لحظة

ثم أغلق موسى باب مكتبه بعنف خلفه، فاهتز الصمت في أرجاء القصر كما لو كان صدى لتهديد لم ينتهِ بعد، رفع مصعب حاجبيه بصدمة، ونظر إلى والده الذي بدا وجهه خاليًا من أي تعبير، جامدًا كتمثال يرفض الاعتراف بما يحدث حوله، فقال مصعب بنبرة مشحونة بالذهول والغضب:

-بابا، ده بيهددك؟ انت ساكت؟

رد عثمان ببرود سلبي، كأن الأمر لا يعنيه بالقدر الكافي:

-موسى لا يمكن يعمل كده يا مصعب، هو بس خايف عليك.

ضحك مصعب بسخرية موجوعة، ثم قال بنبرة تتفجر بالمرارة:

-بابا؟ انت لدرجادي سلبي معاه؟! وسايبه يتجبر علينا وعلى الخلق، عشان بس مش قادر تقف قصاده، خايف أحسن السلطة تروح منك، بابا موسى أول ما هيعض حد هيعضك أنت، هيعض اللي رباه على اللي هو فيه!

انتفض عثمان غاضبًا، وقد بدا عليه الضيق والانزعاج أكثر من القلق الحقيقي:

-انت اتجننت أخوك بس عشان متنرفز بس هو لا يمكن يعمل معايا أو معاك حاجة، أنت لما اتنيلت وشربت المخدرات وروحت الوادي برجلك، كان هيتجنن وخاف عليك، وراح لعاصم بنفسه رغم إنه كان ممكن يحصل مجازر بسببك.

زفر مصعب بقهر وصوته يختنق وهو يرد حدة ممزوجة بالألم:

-اه اقعد انت دافع عنه، ما أنت مبتعرفش تتدافع عن حد غيره، له يعمل فينا أكتر من كده.

ثم استدار مبتعدًا وقال بفتور مُنهك وكأنه يستسلم لمرارة أعمق من الغضب:

-أنا طالع أنام ومحدش يصحيني.

غادر المكان تاركًا خلفه صمتًا ممزوجّا بالخذلان، بينما بقي عثمان واقفًا وحده، محاصرًا بين خوفه من موسى، وعجزه عن مواجهة الحقيقة التي تتشكل أمام عينيه… حقيقة أن سلطته لم تعد كما كانت، وأن الخطر الأكبر لم يعد خارج القصر، بل ينبع من داخله.

                                           ***

وضعت شريهان يدها أسفل ذقنها وهي تهز رأسها بتفكير عميق، قبل أن تعود بنظرها مرة أخرى إلى الصورة التي التقطها عاصم لنفسه على هاتف عائشة، ظلت تتأمل ملامحه للحظات، ثم رفعت عينيها نحو عائشة من جديد، وكأنها تحاول قراءة ما خلف ملامحها المتوترة، وأخيرًا خرجت عن صمتها قائلة بشرود يحمل مزيجًا من القلق والتوجس:

-شكله مش سهل يا عائشة.

عقدت عائشة ما بين حاجبيها، وردت بنبرة تنفي فيها خوفها الظاهر:

-لا خالص، ده إنسان باين عليه أنه محترم وابن ناس، بدليل أنه مجاش أخد العيال مني غصب، وجاب شوقي يفهمني الحوار كله بعيد عن الولاد.

ارتفع حاجبا شريهان بدهشة وتساءلت باستغراب:

-طيب وانتي يا خايفة من إيه لما هو محترم  وابن ناس؟

اقتربت عائشة منها بخطوات مترددة، لكنها تحدثت بحسم واضح، وكأنها تحاول تثبيت قرار يخشى قلبها نفسه:

-مهما كانت درجة احترامه ومهما كان ابن ناس، دول ولاده يا خالتو وهياخدهم مني يعيشوا معاه، وبعدين أنا بردو في حاجة بتقولي شوقي بيكدب وبيعمل عليا حوار، وارجع وأقول عمر نسخة من اللي اسمه عاصم ده مش محتاجة شك أساسًا، المهم أنا مش هسيب نفسي لده كله، احنا لازم نمشي من هنا فورًا.

رمشت شريهان عدة مرات محاولة استيعاب القرار المفاجئ، ذلك القرار الذي بدا كأنه لا يقبل التراجع، ثم سألت بحذر:

-نمشي نروح فين؟

أطلقت عائشة زفرة طويلة مثقلة بالألم، وراحت تمرر بصرها في أرجاء الشقة التي أسست فيها تفاصيل حياتها حجرًا حجرًا، بعدما ظنت أن هروبها الأول من المنصورة سيكون بداية حياة أكثر أمانًا واستقرارًا، لكنها ها هي الآن مجبرة على الهروب مرة أخرى، فقالت بتيه يمتزج بالمرارة:

-نروح بيت أبويا اللي سايبه ليا، نقعد هناك فترة مؤقتة لغاية ما أشوف مكان تاني حلو ننقل فيه ونستقر، مفيش حل غير كده، أنا مش هسيب نفسي للوقت لغاية ما أبوهم ياخدهم مني يا خالتو.

زمت شريهان شفتيها بضيق ثم قالت بنبرة يختلط فيها القلق باللوم:

-بس كده أنانية يا عائشة، لو هو فعلاً أبوهم يبقى لازم هما يعرفوه وهو من حقه يشبع من عياله.

ارتعشت عينا عائشة وامتلأ بريقهما بالدموع، ثم تراجعت خطوة للخلف وكأنها تلقت صدمة موجعة، وهمست بصوت متقطع يحمل وجعًا دفينًا:

-طيب وأنا ذنبي إيه؟ أنا حبيتهم أوي يا خالتو، حبيتهم ومقدرش أعيش حياتي من غيرهم، أنا ممكن أموت فيها، أنا بنيت حياتي معاهم وعليهم، وجودهم في حياتي كل لحظة بحس إن ربنا بيطبطب على قلبي على كل اللي شفته.

صمتت لحظة قصيرة ثم انفجرت بالبكاء يتخلله قهر وحزن عميق:

-مين هيقولي مامي يا خالتو؟ مين هيطبطب عليا ويشيل همي زيهم، مقدرش اعيش من غيرهم، يعني أنا كده المفروض أعيش عمري كله من غير حتة عيل اتسند عليه.

وقفت شريهان بحزم محاولة أن تخفي ارتجاف صوتها وحزنها العميق على ابنة أختها، وقالت بنبرة صارمة:

-بطلي عياط يا بت، قومي يلا شوفي هنلم حالنا ازاي ونروح بيت أبوكي ده، أنا مش فاكرة الطريق اوي كنت مرة روحته زمان مع أمك وأبوكي قبل ما اتجوز عمك رحيم الله يرحمه، 
وشوفي هناخد إيه هنا من الشقة وهنظبط حالنا إزاي؟

نظرت عائشة إليها بعينين ممتلئتين بالقلق وسألت بتردد هش:

-مش أنا من حقي أحافظ على حقي فيهم يا خالتو؟

ربتت شريهان على كتفها بحنان وقالت بشفقة صادقة:

-اه يا روحي، ما أنا كمان مقدرش اعيش من غيرهم العيال دي، مين هيقرفني في عيشتي غيرهم، قومي يلا شوفي هنعمل إيه؟

تنفست عائشة بعمق ثم قالت:

-أنا كلمت شركة شحن هناخد شوية حاجات من هنا معانا، وهدفع إيجار الشقة دي مؤقت هبعتلهم كل شهر، بس العيادة هسيبها وهاخد الفرش اللي هناك معايا، فكرت لو فتحت عيادة هناك في البيت اللي هناك ده، واهو نعرف ندبر نفسنا الكام شهر دول.

شردت شريهان قليلًا ثم قالت بهدوء يحمل بصيص أمل:

-وماله فكرة حلوة، قومي يلا نلحق نجهز نفسنا، وشوفي هنقول إيه للولاد؟

أجابت عائشة بصوت منخفض يحمل حزنًا مستترًا:

-هقولهم إن أنا ورايا شغل هناك في المكان ده وخلاص.

                                         ***
في "نجمة رشيد".

هزت فايزة ساقيها بتوتر وهي جالسة أمام التلفاز، تحدق في شاشته بشرود طويل، بينما كانت كلمات موسى لا تزال تتردد في ذهنها بإلحاح مزعج، فتتشابك أفكارها وتزدحم داخل رأسها حتى كادت تفقد قدرتها على التركيز في أي شيء آخر، وبينما هي غارقة في دوامة تفكيرها، اقتحمت لمياء صمتها بعاصفة من الانفعال، وهي تصيح بانفعال حاد:

-لا يا ماما، اقسم بالله موسى لازم يتعلم الأدب على الكلمتين دول، ده عامل زي التور ودايس على الكل، ومحدش قادر يفتح بوقه.

التفتت فايزة نحو ابنتها بحدة، ترمقها بنظرة مشبعة بالحنق والاستنكار، وكأن كلماتها أشعلت فتيل غضبٍ قديم، وقالت بنبرة لاذعة:

-انتي عبيطة يا بت؟ مين ده اللي يتعلم الأدب؟ موسى؟! ده يعلمنا كلنا الأدب ويطلع عين اللي يخلفونا.

رفعت لمياء أحد حاجبيها في اعتراض ساخر، وردت بتهكم واضح:

-والله؟ وعشان كده نسكت بقى ونحط الجزمة في بوقنا، لا يا ماما، والله لو وصلت أرمي نفسي في حضن عاصم نفسه هعملها.

قهقهت فايزة بقوة ساخرة، ثم مالت برأسها قليلًا وقالت بنبرة منخفضة ممتزجة بالمرارة:

-فاكرة إن عاصم هيخدنا بالأحضان؟ ده أجن من موسى! يا بت عاصم لو شاف وشي هيموتني ومش هيسمي عليا، هو أنا ناسية لما وقف واتحايل عليا أقف معاهم وأنا رفضت وعاندت، المهم اسكتي خالص وعدي اليومين دول مع موسى عشان ده أهبل وممكن تلاقيه حابسنا انا وانتي وميعملش حساب لقرابة ولا دم.

ثم رفعت صوتها فجأة وقد بلغ مزاجها ذروة التوتر والغضب:

-شربات، فين الزفت الشيشية؟ مزاجي بايظ!

هرولت شربات التي كانت تقف جانبًا تستمع بحذر لكل كلمة، وقالت بسرعة:

-اهو يا ست هانم اتفضلي.

وضعتها بجوار فايزة وهمت بالمغادرة، لكن جرس الباب دوى فجأة في أرجاء المكان، فاندفعت شربات سريعًا وفتحت الباب، لتجد أحد قاطني نجمة رشيد من عائلة السوالمي واقفًا بارتباك واضح، وقال بهدوء ممزوج بالتحفظ:

-عايز الحاجة فايزة.

انتبهت فايزة إلى الصوت فهتفت بنبرة مرتفعة:

-مين يا شربات؟!

التفتت شربات وأجابت بدهشة:

-ده الحج فهمي السوالمي عايزك يا حاجة.

أشارت فايزة إليه بالدخول فدخل الرجل بخطوات هادئة تحمل شيئًا من الحذر، وجلست لمياء سريعًا وهي تُبعد الأرجيلة جانبًا في أحد الأركان، بينما جلس الحج فهمي على أقرب مقعد وقال بجدية.واضحة:

-معلش يا حاجة جيت من غير معاد، بس لامؤاخذة، احنا عايزين نوصل لحل.

رفعت فايزة حاجبها بشيء من الاستفهام الحاد:

-توصلوا لحل في إيه؟!

تنفس الرجل بعمق قبل أن يجيب:

-في بيتنا...بيت العيلة اللي في الوادي، لا قادرين نروح هناك عشان العهد، ولا قادرين حتى نبيعه، ولا عارفين نبعت مننا يفتحه يقعد هناك، وكل ما نكلم موسى بيه، ولا كأننا بنكلمه، 
وعاصم بيه منقدرش نفتح بوقنا معاه، وده ميرضيش ربنا بصراحة.

ضيقت فايزة عينيها بمكر خافت:

-مش ده البيت اللي بيقولوا تحته أثار؟!

ارتبك فهمي قليلًا وقال بسرعة:

-آثار؟! آثار إيه لامؤاخذة؟! هو احنا لينا في الكلام ده؟!

ابتسمت فايزة ابتسامة غامضة، وقالت ببرود مشوب بالدهاء:

-امال إيه اللي فكركم بيه فجأة يا حج فهمي، إلا عشان الآثار، بص لو جاي وفاكر إن أنا ممكن اتدخلك عند موسى فيفتح الله موسى مفيش مخلوق يمشي كلمته عليه، ولو على عاصم يبقى بتحلم انت عارف مفيش علاقة ما بينا والقطعية موجودة ليوم الدين.

تنفس الرجل بصعوبة وقد بدا أن الأبواب تُغلق أمامه واحدًا تلو الآخر، لكن فايزة اقتربت منه قليلًا وهمست بخبث:

-بس عندي فكرة لو نفذتها صح، ليا نسبة في أي حاجة هتطلعوها من البيت ده.

لمعت عيناه بمكر مماثل وقال بصوت خافت وهو يميل نحوها:

-إيه الحل يا حاجة؟ وعيني وعين عيلة السوالمي ليكي.

ابتسمت فايزة بخفة ورضا ثم قالت:

-الحل إن حد منكم لا سكن في رشيد ولا في الوادي قبل كده، يروح يفتح البيت هناك ويقعد ومحدش هيقدر يقوله انت بتعمل إيه؟ بس على شرط يقطع علاقته بيكم فترة، عشان عاصم غشيم شويتين لو شم خبر إنه له علاقة بأي حد من رشيد هيولع فيه وفيكم وفي البيت.

ثم مالت برأسها وأضافت بمكر أعمق:

-مش ابنك دكتور بردو وقاعد في مصر؟ خليه ينزل ويقعد هناك شوية.

نهض الرجل سريعًا وهو يهز رأسه برفض قاطع:

-لا ابني برة الحوارات دي لامؤاخذة، ابني دكتور وعايش عمره برة الوادي كله، أنا مش ناقص أخسره برصاصة طايشة من عاصم.

ابتسمت فايزة ببرود وقالت:

-بشوقك يا حج فهمي، أنا حبيت اساعدك لأحسن عاصم يستولى على البيت باللي تحته، أو موسى ده ديب ممكن يلعب لعبة ويقش كل حاجة.

تنفس الرجل بعمق ثم قال وهو يغادر:

-عن إذنك يا حاجة، طول ما البيت ملك السوالمي محدش هيقدر يمسه، سلام.

وغادر الرجل المكان، تاركًا خلفه آذانًا كانت تتنصت في صمت، وعقولًا بدأت تنسج خططًا خفية، وفي عيني فايزة كان المكر يتشكل ببطء، كعاصفة مكبوتة لم تبدأ بعد، لكنها تحمل في طياتها وعودًا بالخراب.

ما إن أُغلق الباب خلف الحج فهمي، حتى انطلقت شربات مسرعة، تتلفت حولها بحذر بالغ، قبل أن تخرج هاتفها وتُجري اتصالًا سريعًا بصالح الرجل الأيمن لموسى، بصوت خافت يحمل استعجالًا وخشية من أن يلتقط أحد كلماتها، 
وفي الداخل مالت لمياء نحو والدتها، وقد اشتعل الفضول في عينيها وهمست بمكر واضح:

-هو البيت ده فعلاً تحته آثار؟

هزت فايزة رأسها بإيجاب ثم مالت قليلًا للأمام وكأنها تبوح بسر قديم، وقالت بصوت منخفض:

-ياما...سمعت من عمك عثمان تحته كتير اوي.

اتسعت عينا لمياء بدهشة، ممزوجة بالطمع والرهبة:

-وموسى يعرف؟

-يعرف.

-وعاصم يعرف؟

-يعرف.

عقدت لمياء حاجبيها بدهشة أكبر وقالت بحدة:

-وسايبين البيت كده؟!

تنفست فايزة ببطء ثم أزاحت نظراتها بعيدًا وكأنها ترى ما هو أبعد من الجدران، وقالت بنبرة غامضة:

-الله أعلم كل واحد بيفكر في إيه؟ بس البيت ده اللي هيجيب الخراب للوادي من تاني.

                                            ***

في اليوم التالي…

وطأت قدما غالية وأختها فريدة أرض رشيد، برفقة رجل من رجال أم ناصر، أولئك الذين اعتادت أن تزرعهم في الأماكن الحساسة كعيون خفية ترصد وتجمع الأخبار، كان الرجل يؤدي مهمته بدقة وهدوء، فأوصلهما إلى منزل الحاجة فوقية صديقة أم ناصر، التي وافقت على استضافتهما بحجة الحاجة إلى مَن يساعدها في شؤون منزلها.

لكن خلف هذا الغطاء البسيط كانت خيوط لعبة معقدة تبدأ في التشابك، خطة مرسومة بعناية، حتى تصل في نهايتها إلى الهدف الأهم وهو الاقتراب من موسى عزام والعمل في قصره، حيث تتلاقى الأسرار وتُدار الصراعات في الظل.

سارت غالية إلى جوار الرجل، وعيناها تتنقلان بحذر بين البيوت التي تصطف على جانبي الطريق؛ منازل قديمة تحمل آثار الزمن، وأخرى في حال أفضل، وثالثة تبدو عليها علامات الثراء الفاضح، تباين عجيب أثار في داخلها شعورًا بالتحفظ، وزاد من وطأة الغربة التي تثقل صدرها.

كانت الوجوه التي تمر بها غامضة، نظراتها فاحصة بعضها فضولي، وبعضها الآخر يحمل شيئًا من الريبة، ما جعل قلبها ينقبض كلما خطت خطوة جديدة في هذه البلدة الغريبة، التي قطعت من أجل الوصول إليها رحلة طويلة أنهكت جسدها وأرهقت روحها.

أنصتت إلى الرجل وهو يهمس بصوت منخفض:

-القصر هناك على إيدك اليمين، وبيت الحاجة فايقة هناك في آخر الشارع.

هزت رأسها بإيجاب، لكنها ما لبثت أن تيبست في مكانها فجأة، عندما شق حصان أسود الطريق أمامهم على نحو مفاجئ، فتوقف في مواجهة مباشرة معها، في مشهد أربكها وأصابها بصدمة صامتة.

تراجعت غالية خطوة إلى الخلف بقلق ظاهر، بينما احتمت فريدة بها وقد ارتسم الخوف على ملامحها، وعيناها معلقتان بالرجل الجالس فوق الحصان بكبرياء نافذ، وهيبة توحي بالسطوة والسيطرة.

لكن الدم كاد أن يفارق عروق غالية حين سمعت صوت الرجل المرافق لهما، وهو يقول بتوتر واضح واحترام بالغ:

-موسى باشا تحت أمرك يا كبير.

تجمدت غالية في مكانها، ولم تجرؤ على رفع عينيها نحوه، بل أبقتهما منخفضتين بثبات مصطنع، خشية أن يلتقط ذلك الرجل المتجبر ملامحها، أو يقرأ سرها من نظرة عابرة، فقد سمعت عنه كثيرًا من أم ناصر وخاصةً عن قسوته ودهائه، وسطوته التي لا تُرد.

وفي تلك اللحظة شعرت أن خطوتها الأولى في رشيد لم تكن مجرد بداية لرحلة جديدة للثأر من أجل أخيها، بل دخولًا إلى عالم مليء بالمخاطر، حيث كل نظرة قد تكون فخًا، وكل كلمة قد تشعل حربًا.

                                          ***

بينما في وادي العرين.

نزلت عائشة من السيارة التي استأجرتها تنظر حولها بتيه ثم أدخلت رأسها لخالتها تسألها بتعب تجسد فوق ملامحها:

-أنهي بيت يا خالتو؟

نزلت خالتها تنظر إلى البيوت المتراصة وتحاول استذكار أي شيء، أي ملامح لزيارتها لذلك المنزل ولكنها لم تتذكر، فهزت رأسها بنفي وزفرت:

-لا مش فاكرة، هو في الشارع ده؟ ولا إيه؟ الكلام ده عدى عليه سنين.

ارتفع صوت السائق بنزق وأردف:

-لا يا دكتورة أنا تعبت والله سايق بقالي كتير، وبنلف حوالين نفسنا لا مؤاخذة، أنا وصلتكم البلد دوروا انتوا على البيت براحتكم.

رفعت شريهان حاجبيها باعتراض وقالت بغيظ:

-لا معلش ياعني، والعيال اللي نايمين ورا دول نعمل فيهم إيه؟ نشيلهم ونلف بيهم هما والشنط، ما انت هتاخد حقك.

اغمضت عائشة عيناها بإرهاق شديد وهي تلتفت حولها وقد حل المساء عليها وقضت ساعات اليوم بأكمله في السفر، وما إن وجدت سيدة تغلق محلها الصغير، فهرولت نحوها عائشة تسألها باهتمام:

-لو سمحتي بيت شوكت السوالمي فين؟

انقبضت ملامح السيدة وهي تشير بيدها قائلة:

-اهو يا حبيبتي في وشك، بس لامؤاخذة البيت مقفول من زمان، وعيلة السوالمي كلها قاعدين في رشيد.

زمت عائشة شفتيها ولم تفهم شيئًا فلم يكن يهمها أي شيء سوى البيت، فأشارت للسائق كي يتحرك خلفها حتى وقفا أمام منزل قديم إلى حد ما من طابقين، وله بوابة كبيرة، أخرجت ظرف كبير محكم به ورقة وعدة مفاتيح، فتحت البوابة فارتاح صدرها وابتسمت بلطف وهي تنظر للسائق:

-ساعدنا بس  وتطلع معانا الشنط والولاد.

                                         ***

خرج عاصم من دورة المياه وهو يجفف خصلات شعره بمنشفة صغيرة، وقد بدا مستعدًا للنوم بعد يوم طويل أنهكه جسديًا وذهنيًا، تأكد من أن كل شيء في مكانه، وكعادته أغلق هاتفه فور أن تطأ قدماه غرفته، فهو لا يسمح لأي شيء أن يوقظه أو يعكر صفو راحته.

وقبل أن يستسلم للنوم ويغمض عينيه، دوى طرق خافت على الباب، رفع حاجبيه باستنكار، ثم نهض بفتور واتجه لفتحه لكنه تجمد في مكانه حين وجد فايد يقف أمامه بملامح متوترة، فقال عاصم بحدة مشوبة بالقلق:

-في إيه؟ حصل حاجة؟

تنفس فايد باضطراب وأجاب:

-من الصبح والدكتورة مشيت هي وخالتها والولاد من البيت والرجالة مشيوا وراها بس تاهوا منهم، وخافوا ينطقوا ويقولوا...

لم يُمهله عاصم أن يُكمل، فسب بغلظة ثم أمسكه من ثيابه وجذبه نحوه بعنف وعيناه تقدحان شررًا:

-انت بتستعبط يا فايد، مشغل حريم معايا وأنا مش عارف؟!

 رفع فايد يديه في محاولة لتهدئته وقال بسرعة:

-اهدى يا باشا، ما هما لقوها في الآخر، والمفاجئة مش في كده، المفاجئة في اللي جاي؟

ضغط عاصم على فكيه بغضب:

-إيه؟ انجز؟

ابتلع فايد ريقه.ثم قال بصوت منخفض كأنه يخشى وقع كلماته:

-الدكتورة هنا في الوادي هي وخالتها والولاد، الدكتورة طلعت من عيلة السوالمي، عائشة شوكت السوالمي معرفش ازاي مع إني لما دعبست وراها كان اسمها عائشة غنيم وانت يا باشا شوفت بعينك اليافطة بتاعت العيادة بتاعتها، المهم يا باشا جت فتحت البيت وقعدت فيه، الدكتورة شكلها كانت هربانة منك، ومتعرفش إنك الكبير هنا.

ساد الصمت للحظة، لكن المكان امتلأ بتوتر واضح، بينما كانت عاصفة من الغضب والدهشة تتشكل في عيني عاصم… عاصفة توحي بأن القادم لن يكون هادئًا أبدًا.

-يا أهلاً، دي قصرت حاجات كتير اوي عليا.


                   الفصل السابع من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة