
"قطعة منه في رشيد"
اندفع عاصم إلى المخزن الواقع في الجزء الغربي من القصر بخطوات سريعة مشحونة بالغضب، يتبعه رجاله بوجوه متجهمة ونظرات متحفزة، وما إن وقع بصر شوقي عليه حتى تراجع إلى الخلف مذعورًا، رغم أن يديه وقدميه كانتا مكبلتين بسلاسل طويلة تحد من حركته وتضاعف من عجزه، فكان يدرك في أعماقه أن نهايته باتت قريبة، وأن اللحظة التي طالما خشيها قد حانت، فانكشف خوفه جليًا في ملامحه المرتجفة وعينيه المتسعتين رعبًا،
ارتجف صوته وهو يهتف بتوسل مذعور:
-فـ..في إيه يا عاصم بيه...
لكن عاصم لم يمنحه فرصة لاستكمال حديثه؛ إذ انحنى نحوه بعنف، وأمسك به بقوة ثم جذبه حتى أجبره على الوقوف منتصبًا رغم مقاومته الواهية، وقال بنبرة حادة تنضح بالوعيد:
-كدبت ليه يا ابن الـ*** ومقولتش إن الدكتورة من عيلة السوالمي؟
انعقد حاجبا شوقي في حيرة صادقة، ورد بارتباك ممزوج بالغباء:
-دكتورة مين يا باشا؟
ارتفعت نبرة عاصم حتى دوت في أرجاء المخزن القديم، وارتطم صراخه بالجدران المتآكلة:
-عائشة، دكتورة عائشة؟
هز شوقي رأسه نافيًا، وصوته يرتعش من شدة الخوف لا من قلة اليقين:
-لا مين قالك كده، هي مالها الدكتورة بعيلة السوالمي والوادي أصلاً؟
ابتسم عاصم ابتسامة شرسة مخيفة، ثم هز شوقي بعنف وهو يهتف باستهجان وغضب:
-يعني متعرفش إنها اسمها عائشة شوكت السوالمي، روحت وديت عيالي لواحدة من العيلة بنت الـ*** دي، روحت وديت عيالي لناس خانوا العهد وخانوا أبويا يا ابن الـ****.
تقطع صوت شوقي وهو يهز رأسه بهستيريا، وكأن الخوف قد أفقده القدرة على التفكير المنطقي:
-والله ما عملت كده، ولا أعرف إنها من عيلة السوالمي ولا إن ليها أصل من الوادي، يا عاصم باشا أنا كنت شغال عندها في عيادة المنصورة ممرض واللي اعرفه إنها كانت متطلقة، وعايشة مع خالتها ولا مؤاخذة مبتخلفش، والله ما أعرف غير إنها إسمها عائشة غنيم، يا باشا اليافطة وكل المنصورة عارفين إنها من عيلة غنيم.
ظل عاصم ينظر إليه لثوانٍ بدت وكأنها دهر كامل، بينما انقطعت أنفاس شوقي تمامًا تحت وطأة الترقب والخوف، ثم دفعه عاصم للخلف بعنف، ليسقط على الأرض كجثة هامدة، قبل أن يهتف من بين أسنانه بوعيد شرس:
-انت والأوساخ اللي مسافرين فرنسا أنا مش هسيبكم، وديني هخليكوا تتمنوا الموت ولا تطولوه يا شوية *****.
بصق فوقه بازدراء، ثم انطلق خارج المخزن بخطوات واسعة متوترة، وما إن ابتعد حتى توقف في ساحة مفتوحة، يلتقط أنفاسه بصعوبة، بينما تتصارع الأفكار داخل رأسه في دوامة مضطربة؛ بين رغبته العارمة في الانتقام من چيني عما فعلته به، وبين حاجته الملحة للاطمئنان على أولاده والتقرب منهما، والتأكد من سلامتهما قبل أن تبتلعه نار الثأر بالكامل.
كان قلبه يخفق بعنف وغضبه يتأجج كبركان على وشك الانفجار، بينما تحاول بقايا عقله التمسك بخيط رفيع من التعقل والصبر، ولكن قطع فايد خيوط شروده بصوته الهادئ:
-تحب نروح نجيب الدكتورة....
استدار عاصم نحوه بسرعة خاطفة، وعيناه تلمعان بشرر الغضب المعتاد:
-إياك! محدش يقربلها، ولا يجي جنبها ولا حد يفكر يأذيها، فايد اللي هيفكر بس يمسها أنا هطلع روحه في إيدي.
أومأ فايد بتفهم وهدوء، ثم انسحب سريعًا إلى الداخل، ليكمل تعذيب شوقي ويذيقه ألوانًا من العذاب تفوق قدرته على الاحتمال بأوامر عليا من عاصم.
***
جلست الصغيرة ليلة فوق أقرب مقعد، والاشمئزاز بادٍ على ملامحها وهي تتأمل المكان من حولها بنظرات نافرة، فكان المنزل قديمًا إلى حد يبعث على النفور؛ جدرانه باهتة متشققة، والغبار يغطي زواياه وأثاثه العتيق الذي بدا وكأنه ينتمي إلى زمن بعيد، فلم يكن في المكان ما يدل على حياة أو دفء، بل على العكس شعرت ليلة بأن شيئًا ثقيلًا قد انقبض داخل صدرها منذ أن وطأت قدماها عتبة ذلك البيت، وكأن الجدران نفسها تحمل خوفًا دفينًا.
نظرت نحو شقيقها عمر، فوجدته غارقًا في نوم عميق بين ذراعي شريهان، ملامحه هادئة بريئة لا تدرك بعد قسوة التغيير، أما عائشة فكانت تجلس على مقربة، وقد ارتسم على وجهها حزن عميق، كأنها تحمل فوق كتفيها ثقل الأيام وما آلت إليه حياتها، فالتفتت عائشة نحو ابنتها وقالت بصوت مبحوح أثقلته مشقة السفر والإرهاق:
-مالك يا ليلة؟
استدارت ليلة برأسها نحو والدتها، وتحدثت بحزن متردد تحاول أن تختار كلماتها بعناية حتى لا تغضبها:
-بصراحة يا مامي، البيت ده وحش اوي، وشكله يخوف، احنا ليه سيبنا بيتنا الجميل والكبير اللي هناك وجينا هنا؟
تنهدت عائشة بعمق، كأن الزفير يحمل في طياته همًا طويلًا، ثم أجابت بنبرة مقتضبة تخفي وراءها تعبًا وقلقًا أكبر:
-أنا عندي شغل هنا في البلد دي، معلش استحملي فترة صغننة، وبعد كده هنرجع تاني يا إما على بيتنا يا إما على بيت أجمل بكتير.
هزت ليلة رأسها باستسلام، بينما بقي عدم الرضا واضحًا على ملامحها الصغيرة، عندها مالت شريهان للأمام وقالت بجدية مشوبة بالطمأنة:
-استحملي يا ليلة، الليلة دي ومن بكرة هنضف ونروق وندخل الشمس للبيت، صحيح يا عائشة الفرش جاي امتى؟
أجابت عائشة وهي تحاول استعادة شيء من حيويتها:
-بكرة ان شاء الله، العصر الشركة المسؤولة هتبعته في عربيتين كبار مع بعض، احنا بكرة نجيب ناس تطلع الفرش القديم ده فوق السطح، ونظبط الدنيا قبل ما فرشنا يجي، عشان افضى للدور اللي تحت ممكن افتحه عيادة أطفال.
أومأت شريهان بتفهم، ثم نهضت وهي تحمل عمر بين ذراعيها بحنان، واتجهت به نحو أقرب غرفة لتضعه في الفراش وتمنحه قسطًا من الراحة بعد يوم طويل وسفر مرهق.
أما عائشة فظلت جالسة إلى جوار ابنتها، تحدق في الفراغ بشرود، فيما كانت كآبة مخيفة تتسلل إلى قلبها منذ لحظة دخولها ذلك المنزل، فشعرت وكأنها انتقلت إلى فصل جديد من حياتها لا تعرف نهايته، فصل تتداخل فيه المخاوف مع المسؤوليات والحنين مع الأمل الخافت.
مدت يدها برفق وربتت على شعر ليلة، محاولة أن تمنحها بعض الطمأنينة، بينما كانت هي نفسها في أمس الحاجة إلى من يطمئن قلبها.
***
في "نجمة رشيد".
فركت غالية رأسها بقوة بعدما داهمتها آلام متفرقة منذ اللحظة التي هيمن فيها موسى بحصانه الأسود على محيطها، حضوره الطاغي فرض نفسه على المكان بقوة، حاولت قدر الإمكان ألا تلتقي بعينيه أثناء حديثه مع الرجل الذي كان يساعدهما على الوصول إلى منزل السيدة فايقة صديقة أم ناصر، والتي استقبلتهما بوجه جامد يوحي بعدم الترحيب، وكأنها أُجبرت على استضافتهما رغمًا عنها،
فظهر امتعاضها جليًا في نبرة صوتها حين قالت بفتور واضح:
-يا حبيبتي قالوا إيه اللي رماكي على المُر؟ قالت اللي أمر منه! أنا بقى مش لاقية مُر غير إنك هبلة لا مؤاخذة، وماشية ورا أم ناصر في حاجة متخصكيش أصلاً، بس يلا المهم فوقي كده عشان موسى عزام ده عفريت رشيد، ممكن تلاقيه ناطط قاعد في وسطنا دلوقتي.
ارتجفت فريدة بخوف والتصقت نظراتها بأختها وهي تهمس بصوت مرتعش:
-غالية أنا خوفت.
أشارت الحاجة فايقة نحوها بغضب مكبوت، وقالت بحنق مكتوم:
-اهو ده غلط يا حبيبتي، واقسم بالله هتوديني في داهية معاكي، الله يخربيتك يا أم ناصر مكنش دي فلوس مسلفاهالي هتذلي اللي خلفوني بيها.
ساد الصمت لحظات وسط نظرات غالية المستنكرة، ثم عادت فايقة وهمست بنبرة تحذيرية أقرب إلى الرعب:
-انتي اسمك نجمة مش عايزين عك، الحيطان ليها ودان، وبعدين انتي فعلاً لازم تخافي، يا حبيبتي انتي مبتتعامليش مع حد عادي، ده موسى عزام ديب من ديابة عزام، انتي تأمني للشيطان ولا تأمنيله.
كتمت غالية أنفاسها بغيظ وقالت بضيق محتدم وهي تحاول السيطرة على أعصابها:
-ماشي يا حاجة فايقة حفظنا، وبعدين محصلش حاجة، الراجل بتاعك رد عليه لما سألوه عننا وقال خدامين يعني الخطة ماشية تمام، بعد إذنك بقى تورينا هنام فين، عشان احنا تعبانين.
نهضت الحاجة فايقة ببطء وقالت بنبرة هادئة لم تخلُ من الضيق:
-استنوا كلوا الأول، زمانكم ميتين من الجوع.
ثم دخلت إلى المطبخ تاركة خلفها جوًا ثقيلًا من القلق والترقب، فمالت فريدة نحو أختها وهمست بأسف صادق:
-أنا أسفة يا غالية، مكنتش اقصد، أنا بس لسه مش متعودة.
ربتت غالية على يدها بحنو ممزوج بالحزم، وقالت بتحذير لطيف:
-خدي بالك بعد كده يا فريدة، عشان كده أنا سيبت اسمك زي ما هو، عشان متتلخبطيش، أنا هنا نجمة وبس، وبعد كده متخافيش من حد، لو خوفتي خوفك هيظهر حقيقتك، اتعاملي كأننا جايين نشتغل هنا، وان شاء الله الموضوع مش هيطول، نجيب حق أخوكي ودليل براءته وبعدها المحكمة يبقى ليها الرأي الأخير.
أومأت فريدة بتفهم بينما عادت غالية إلى صمتها، تسترجع في ذهنها نبرة صوت موسى حين تفحصهما بجرأة مستفزة، وسخريته التي أصابتها في الصميم:
-هي رشيد مبقاش فيها ناس بيخدموا بقيتوا بتستوردوا من برة...
ثم تذكرت كيف حرك حصانه بجانبها، ومال نحوها هامسًا بسخرية وقحة:
-بس عالله تكون حاجة نضيفة.
انتفضت من شرودها وزفرت بحنق وهي تتمتم بغضب مكبوت، وكأنها توجه حديثها له وحده:
-يخربيتك، والله لو كان ليك يد في موت اخويا، والله ما أنا سايباك.
***
في قصر رشيد العملاق، انتفض موسى من مكانه فجأة، وكأن صاعقة ضربت كيانه، بينما كان يصغي إلى مساعده صالح، ارتسمت على ملامحه دهشة مشوبة بصدمة عميقة، قبل أن تبدأ ابتسامة بطيئة ماكرة في شق طريقها فوق وجهه القاسي، فقال بنبرة امتزج فيها التعجب بالسخرية:
-إيه؟ الدكتورة من عيلة السوالمي؟!
أومأ صالح برأسه بهدوء محسوب، وقد علت شفتيه ابتسامة شريرة تنبع من عمق نفس يقطنها ظلام كثيف وقسوة بلا حدود، ثم قال بنبرة متلذذة:
-كده الحكاية حلوة اوي يا موسى باشا، ناخد بقى عيلة السوالمي على حجرنا ونرازي في عاصم.
شرد موسى بذهنه لعدة دقائق، وغاص في دوامة من الأفكار والمخططات الخبيثة، ثم رفع عينيه الماكرتين، وقد اشتعل فيهما بريق المكر والطمع، وارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خبيثة توحي بنيات مظلمة، وقال:
-لا، اهدى وتأنى نشوف إيه اللي هيحصل، ما هو مش معقول لما عمتي تقولهم جيبوا حد منكم يسكن في البيت مجاش الوادي قبل كده يبجبوا حد بالسرعة دي، الموضوع ده في حاجة كبيرة أنا مش فاهماها، اصبر ونتفرج ونراقب لغاية ما تمسك الفولة وبعدها اجيب عيلة السوالمي هنا يترجوني ويبسوا رجلي عشان اقف جنبهم.
ساد صمت للحظات، ثم رفع رأسه من جديد وقال بصوت منخفض يحمل خبثًا متقنًا:
-لو جم وطلبوا يروحوا الوادي عشان يقابلوها يبقى البت دي متعرفش حاجة عن اللي بيحصل وجاية لقضاها.
عاد للصمت مرة أخرى قبل أن ترتفع نبرته بحيرة مشوبة بلذة غريبة:
-أنا متأكد إن البت دي بينها وبين أهلها مشاكل، كده هتولع وأنا هتبسط وارازاي في عاصم براحتي.
نهض من مكانه وهو يحرك دلاية ذهبية على هيئة نجمة تتدلى من عنقه بحركات عشوائية متعمدة، ثم أطلق ضحكة عالية ساخرة تخترق سكون القصر:
-عاصم زمانه واخد صدمة عمره...
ثم التفت إلى صالح الذي كان يستمع بصمت قاتل وإنصات مشوب بالحذر، وقال بنبرة مستهزئة:
-چيني لما ترجع هيعمل منها وجبات للغلابة، طيب والله كانت مزة وخسارة تتبهدل، عشان كده يا صالح كل يوم بتأكد إن الوحشة حظها أحلى من الحلوة.
صعد أولى درجات السلم بخطوات واثقة، ثم التفت إلى صالح مرة أخرى وسأله:
-مصعب فين؟
أجابه صالح بجدية:
-فوق في اوضته يا باشا زي ما أمرت، وعثمان باشا نايم من بدري.
أومأ موسى بهدوء بارد، ثم انطلق يصعد درجات السلم بخطوات هادئة ولكنها مشبعة بالغضب المكتوم، حتى وصل أمام غرفة مصعب، ففتحها دون أن يطرق الباب، لكنه لم يجده.
دارت عيناه في أرجاء الغرفة في بحث متوتر، قبل أن يزفر بغيظ شديد، ثم استدار بعصبية وبدأ يهبط درجات السلم بخطوات سريعة متلاحقة، حتى خرج من قصره واتجه مباشرة نحو منزل عمته القريب.
اقترب من البوابة بحذر حاد، ثم أخرج سلاحه الفضي من خلف ظهره ودفع البوابة بقدمه بقوة عنيفة، في تلك اللحظة انتفض مصعب الذي كان يجلس على مقربة شديدة من لمياء عند مدخل البناية، ممسكًا بأكياس صغيرة تحتوي على مخدرات، وكان على وشك تجرع جرعته، إلا أن دخول موسى فرض هيمنته الثقيلة على المكان، فارتد مصعب إلى الخلف برعب.
أما لمياء فقد صعدت سريعًا في محاولة يائسة للهرب، لكن موسى أطلق رصاصة طائشة نحوها، فتجمدت في مكانها وشعرت بالخوف يلتهم ما تبقى من ثباتها، وهي تتحسس جسدها بذعر لتتأكد أن الرصاصة لم تخترقه.
استدارت إليه مرتجفة، فوجدته يحدق بها بشر كامن في عينيه المخيفتين، ثم اندفع نحوها فجأة وجذبها من خصلات شعرها بعنف وهو يصيح بنبرة قاسية معنفة:
-هو أنا مش قايلك مالكيش دعوة بيه يا بت! انتي اللي بتجيبله المخدرات؟
اندفع مصعب نحوه محاولًا تخليصها وقال بتوتر شديد:
-لا لا يا موسى، أنا اللي جيبتها وجيت اشربها هنا عشان محدش يشوفني في القصر، لميا مالهاش دعوة.
هزت لمياء رأسها بقوة وهي تصرخ برعب:
-اه اه ماليش دعوة....يا مـــامــــا الحقيني.
صرخت بأعلى صوتها تستنجد بأمها، لكن موسى جذبها بقوة وجرها خارج البناية وسط صدمتهما، وهو يهددها بعصبية:
-لا وهتتعلم الأدب، طالما هي فكرت تفتحلك مكان تشرب فيه، أنا مش قايلك يا بت مالكيش دعوة بيه نهائي، أنا مش منبه على أمك وعليكي.
هبطت فايزة مسرعة على وقع صرخات ابنتها، تكاد تتعثر من شدة الفزع وهي تقول بارتجاف:
-في إيه؟ يا ساتر يا رب؟ في إيه يا لميا؟
لكنها تجمدت في مكانها حين رأت موسى يقبض على شعر ابنتها ويجرها بعنف إلى خارج البناية، ثم يسحبها في الطريق تحت صرخاتها المؤلمة، مما أدى إلى خروج الأهالي لمشاهدة قسوته، فكان يجرها في الطريق المؤدي إلى القصر بلا رحمة، بينما حاول مصعب إبعاده عنها، وراحت فايزة تصرخ مهددة:
-وحياة أمي يا موسى، ما أنا معدية اللي بيحصل في بنتي عادي كده، سيب البت يا موسى.
توقف موسى فجأة في منتصف الطريق، وأطلق عدة رصاصات في الهواء، فارتعب الجميع وسقطت فايزة أرضًا، ثم صاح بصوت جهوري مهدد:
-اللي هيفضل واقف بعد الثانية دي، روحه هتطلع النهاردة.
وفي لحظات خلا الطريق من الناس وأُغلقت الشرفات بقوة، بينما واصل موسى جر لمياء نحو القصر وسط توسلاتها ومحاولات مصعب وفايزة اللحاق به، وفي إحدى الشرفات، جذبت فايقة يد غالية وفريدة إلى الداخل وهي ترتجف:
-ادخلوا ليشوفنا، ده مجنون وممكن عادي يقتلنا.
قالت فريدة برعب:
-هي مين دي اللي بيعمل فيها كده؟!
أجابت بثقل وملامح مشدودة:
-دي تبقى بنت عمته واللي واقعه في الارض بتترجاه دي عمته فايزة.
تعلقت فريدة بعيني غالية التي بدت شاردة والخوف يكسو ملامحها الباهتة، وما إن دخلت فايقة غرفتها حتى اقتربت فريدة من أختها وقالت بتوسل:
-غالية يلا نمشي من هنا عشان خاطري، الراجل ده مجنون، شوفتي بيعمل إيه في قرايبه، ما بالك بقى لو عرف إننا بنكدب أو عايزين نتتقم منه، هيموتنا.
احتضنتها غالية وهدأتها وهي تربت على ظهرها:
-اهدي يا فريدة، احنا مش جايين ننتقم، احنا جاين نثبت براءة أخوكي ونشوف مين ظلمه وناخد حقه بالقانون.
رفعت فريدة رأسها بشك:
-هي الست دي قالتلك انتي داخلة في موضوع ميخصكيش قصدها إيه؟
هزت غالية كتفيها بحيرة:
-يمكن أم ناصر مفهمتهاش الحكاية كلها، وفاكراني جاية عشان خاطر أم ناصر بس.
مطت فريدة شفتيها بعدم اقتناع، لكنها آثرت الصمت من أجل أختها، ومن أجل أخيها إيهاب، الذي فعل من أجلهما الكثير… كثيرًا لدرجة أن المجازفة من أجله تبدو مستحقة مهما بلغ الخوف.
***
أما في قصر رشيد فقد اندفع موسى خارج القبو بخطوات سريعة وغاضبة، بعد أن أغلق الأبواب بيده على لمياء، تاركًا خلفه صرخاتها المرتجفة التي مزقت سكون المكان، واستقرت في القلوب كطعنة حادة، وما إن خرج إلى النور وبلغ بهو القصر الفسيح حتى وجد عمته ووالده ومصعب واقفين في مواجهته، يحاولون الوصول إلى القبو، ولكن رجاله كانوا قد شكلوا حاجزًا صلبًا منعهم من الاقتراب،
توقف موسى في منتصف البهو، ووقف بجسده منتصبًا وعيناه تقدحان شررًا من الغضب والتجبر، ثم قال بصوت جاف وقاطع لا يقبل جدالًا:
-اللي هيفكر يفتح بوقه، هيقضي الليلة جنبها، ومفيش حد يفكر يراجعني في قرار اخدته.
ساد صمت للحظة من قبله، قبل أن يلتفت نحو مصعب بنظرة تهديد قاسية، وأشار إليه بيده بحدة:
-قولتلك ابعد عنها، مرضتش، اشرب بقى شوف عملت إيه بسببك!
تنفّس مصعب بعنف وصدره يعلو ويهبط من شدة التوتر، وحاول التقدم نحوه وهو يقول بنبرة متوسلة ومختنقة:
-طيب خرجها يا موسى وأنا مش هاجي جنبها تاني.
لكن موسى لم يلتفت إليه، بل استدار وصعد الدرج بخطوات سريعة، تحت نظراتهم المذهولة والمستنكرة، وهو يرفع صوته متحديًا:
-لا مش هتخرج، وانت بردو مش هتيجي جنبها تاني.
ثم دخل غرفته وأغلق الباب بقوة، فاهتز المكان من شدة الإغلاق، مما أفزع فايزة ودفع الخوف إلى قلبها للحظة، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، ومسحت دموعها بعصبية، وقالت بصوت مبحوح يمتزج بالبكاء والغضب والتهديد:
-والله أنا ما هعدي اللي حصل ده بالساهل يا عثمان ولو هرمي نفسي وسط النار هعمل كده، وموسى لازم يتعلم الأدب على اللي عمله.
ثم اندفعت نحو الخارج بخطوات متسرعة، وقلبها يشتعل بالقهر والعزم، وقد عقدت نيتها على التوجه إلى الوادي لطلب النجدة من عاصم نفسه، بعدما بدا لها أن جنون موسى قد تجاوز حدود العقل، وارتفع فوق كل منطق حتى فاق السحاب.
***
في اليوم التالي...
بعد وقت طويلٍ أنهك جسدها وأرهق روحها، كانت عائشة قد أمضت ساعات في ترتيب أثاث شقتها الجديدة، ذلك الأثاث الذي وصل في الصباح الباكر، وبمساعدة بعض رجال شركة الشحن استطاعت نقل الأثاث القديم إلى سطح البناية، لتفسح المجال لما تبقى من ذكرياتها المنتقاة بعناية من شقتها التي تركتها خلفها، وكأنها تنتشل ما يمكن إنقاذه من حياة سابقة.
وقفت عائشة تستند إلى الجدار للحظة، تلتقط أنفاسها المتعبة، وعيناها تجولان في أرجاء الشقة، حيث بدا كل شيء متراكمًا فوق بعضه البعض في فوضى مرهقة، ولم تتمكن سوى من إنجاز غرفة واحدة حتى الآن.
كان عمر يساعدها بحماس ملحوظ، يتنقل بين الصناديق ويحاول ترتيب الأغراض بجدية تفوق عمره، بينما جلست ليلة في زاوية الغرفة، متذمرة تراقب ما يحدث بملل شديد، كأن الأمر برمته لا يعنيها، أما شريهان فقد تولت مسؤولية المطبخ، منشغلة بترتيبه وتجهيزه، وكأنها تحاول فرض نظام جديد على الفوضى.
تنهدت عائشة بعمق ثم تركت ما بيدها واتجهت نحو المطبخ، وهي تقول بصوت متعبٍ ومجهد:
-خالتو أنا جوعت، هنزل أجيب شوية طلبات للبيت وحاجات ناكلها ونبقى نكمل.
أومأت شريهان وهي تحاول تشغيل الفرن الكهربائي، وقد بدت على ملامحها علامات الاستغراب والانزعاج:
-ماشي، هو الفرن ده مبيشتغلش ليه هنا؟! يالهوي كده مش هعرف أعمل الطواجن اللي بحبها.
هزت عائشة رأسها بيأس خفيف وكأنها تشاركها الإحباط، ثم التقطت محفظتها الصغيرة وانطلقت خارج البناية بخطوات سريعة، وقد قررت أن تبدأ بمحل البقالة القريب، ثم تتجه إلى السوق لشراء الخضروات والفواكه اللازمة.
سارت بضع خطوات في الشارع القريب من المنزل، حتى لمحت محل بقالة متوسط الحجم، ليس صغيرًا حد الضيق، ولا كبيرًا حد الإرباك لكنه يفي بالغرض، دخلت وألقت التحية بهدوء، ثم بدأت تتفقد الأغراض التي طلبتها منها خالتها شريهان مسبقًا، تنتقي احتياجات المنزل بعناية، وتختار بعض الحلوى للأطفال، محاولة إدخال شيء من البهجة إلى قلوبهم وسط هذه الفوضى.
لكن قبل أن تُكمل جمع احتياجاتها، قاطعتها صاحبة المحل فجأة، وانتزعت الأغراض من أمامها بيد حازمة، وهي تقول بنبرة باردة خالية من الترحيب
-مش انتي بنت شوكت السوالمي؟
رفعت عائشة بصرها إليها بقلق مكبوت، وقالت بهدوء حذر:
-اه، في حاجة؟
أجابت السيدة بنبرة صارمة وهي تُبعد السلع عنها:
-اه لا مؤاخذة مفيش حاجة هتشتريها مني؟
رفعت عائشة حاجبيها باستنكار وعدم فهم:
-ليه؟
قالت السيدة بحدة:
-عشان ممنوع نتعامل مع أي حد من عيلة السوالمي، وأي عيلة غدرت وراحت رشيد، احنا أساسًا مش فاهمين هما ازاي سايبينك هنا وقاعدة عادي في البيت.
اتسعت عينا عائشة في حيرة، وحاول عقلها أن يستوعب كلمات لم تفهم منها سوى أمر واحد، أن عائلتها ارتكبت خطيئة جعلتها منبوذة بين الناس.
-وأنا لما اعوز اشتري حاجتي أروح فين؟
جاءها الرد من خلفها بصوت حاد، اخترق مسامعها وكيانها، فارتجف قلبها بعنف:
-متروحيش في مكان، الوادي كله تحت أمرك.
التفتت ببطء شديد لتقع عيناها على صاحب الصوت، فلم يكن سوى عاصم عزام، الرجل الذي يدعي أنه والد أطفالها، كيف عرف مكانها؟ كان يحدق بها بثقة متعجرفة، وكبرياء صريح، وابتسامة نصر بثت الخوف في قلبها، لكن صوت السيدة قطع صدمتها:
-تحت أمرك يا عاصم باشا.
التفتت عائشة إليها وهتفت باندفاع سريع:
-انتي تعرفيه؟
-إلا أعرفه، ده عاصم باشا عزام كبير الوادي كله، هو الآمر والناهي، وطالما قال الوادي تحت أمرك، يبقى نخدمك بعينيا.
في تلك اللحظة اختل توازنها، وشعرت بالأرض تميد من تحت قدميها حين أدركت الحقيقة المروعة، لقد هربت بكل سذاجة إلى عرينه، فبدأ وعيها يتلاشى وسقطت أرضًا، لكن يده سبقتها فالتقطها بسرعة، وسط نظرات الذهول من صاحبة المحل التي هتفت بخوف:
-هو أنا قولت حاجة غلط يا عاصم باشا؟
حملها بابتسامة باردة شقت ملامحه، وهو يهتف ببرود اعتاده أهل الوادي:
-متحشريش مناخيرك في اللي مالكيش فيه.
ثم خطا بخطوات واسعة نحو سيارته، ووضعها برفق شديد داخلها، قبل أن يستقل المقعد الأمامي وينطلق بسرعة نحو قصره، تاركًا خلفه العيون معلقة به في ترقب مشوب بالخوف والفضول، وهمسات تتصاعد كالدخان في الهواء، تحاول تفسير ما جرى دون أن تجرؤ على الجهر بالحقيقة،
أما عائشة فكانت غارقة في دوامة من الوعي المتلاشي، بين صدمة الواقع وارتطام الماضي الذي ظنت أنها تركته خلفها إلى الأبد.
***
في قصر رشيد اعترض مصعب طريق موسى بعدما رآه يهم بالخروج، فتقدم نحوه بخطوات متوترة، وعيناه تقدحان غضبًا مكبوتًا منذ زمن طويل، وقال بنبرة تحمل مزيجًا من القهر والانفجار المؤجل:
-موسى كفاية وخرج لميا، عيب كده يا أخي دي من لحمك ودمك.
توقف موسى أمامه واقترب بخطوات بطيئة لكنها محملة بالتهديد، ثم هتف بنبرة شرسة وحادة كالسوط:
-مش هطلعها، طول ما هي حاطك في دماغها، اللي هيفكر يأذيك هأذي أمه.
ضحك مصعب بسخرية موجوعة، ثم قال بمرارة وهو يضغط على كلماته:
-انت اللي بتأذيني على فكرة بعمايلك دي، أنا مش صغير يا موسى عشان تعمل فيا كده.
اشتدت ملامح موسى ورد بعنف متعجرف:
-هو أنا عملت فيك حاجة، أنا سايباك براحتك، سايباك بتعمل اللي انت عايزه، بتاخد فلوس وبتضيعها على صحابك الصيع والمخدرات، مش شايل هم حاجة، وكل ما أحاول أشيلك من القرف ده، تعند وتنزل أكتر.
رفع مصعب صوته لأول مرة وقد بلغ به الغضب ذروته:
-انت شايف أن الحرية وإن أكون كويس بالفلوس يا موسى؟ عارف دي مشكلتك فعلاً!! أنا مكنتش زمان عايز فلوس، كنت عايزك انت وأبوك معايا وواقفين جنبي، بس انتوا الطمع والسلطة والفلوس لحست دماغكم.
اشتعلت عينا موسى بغضب أعمى، واقترب أكثر حتى كاد يلتصق به وهدر بصوت مرعب:
-اكتم يالا بوقك ده عشان مكتمش روحك للأبد، يا معفن ده أنا واقف في وش الفيضان عشان احميك وتقولي طمع...طمع إيه يا كلب، كنت عايزنا نبقى خدامين عاصم وخدامين الوادي، عايزهم ياكلونا، عايزني اسكت على اللي عملوه فينا.
تنفس مصعب بعنف لكنه لم يتراجع، وقال بنبرة ثابتة رغم الألم:
-أنا مش عايزك تسكت ولا عايزك تقرب من حياتي، يا عم أنا عايز أفضل مع نفسي ومع حياتي ومتقربش منها يا موسى، أحب لميا اتجوزها أكرهها اسيبها مالكش دعوة، محدش له دعوة بيا.
قطب موسى حاجبيه ببرود قاتل ثم قال بصوت مظلم:
-هعتبر كأني مسمعتش حاجة، ولمياء دي انت مش هتسكت غير لما أموتها بأيديا.
تصلب مصعب ورد بحدة متحدية:
-اعملها وانت وقتها هتكون حكمت على نفسك، لما أنا وعمتك نروح نبايع عاصم ووقتها العهد هيبقى في صالحه وأرض رشيد هترجع للوادي ولحكم عاصم وتكون وقتها خدام عاصم عزام فعلاً.
انفجر موسى كبركان ودفعه بنظرة مشتعلة بالكراهية:
-اطلع برة يا كلب، أنا عمري ما أكون خدام حد، اطلع برة والزفتة بتاعتك هتفضل تحت الأرض عمرها ما تشوف النور تاني.
ظل موسى يدفع مصعب بعيدًا عنه بعنف متصاعد، وكأن نارًا مشتعلة كانت تتأجج في صدره، بينما أخذت شياطينه تعبث بعقله وتغذي رغبته الجامحة في قتله فورًا، فكانت أفكار الانتقام تتسلل إليه كسم بطيء، وتضغط على أعصابه حتى كادت تفقده السيطرة على نفسه.
وفي لحظة خاطفة عادت ومضات الماضي تضرب رأسه بلا رحمة، مستحضرة مشاهد لم تفارقه يومًا، مشاهد رآها بأم عينيه طفلًا صغيرًا، حين لم تكن الحياة رحيمة بعمره الغض، ولم تمنحه فرصة للبراءة أو النسيان، رأى من القسوة ما يكفي لتحطيم روح رجل ناضج، فكيف بقلب طفل؟!
ظلت تلك الذكريات تطارده طوال سنواته كوحش شرس، ينهش هدوءه كلما حاول أن ينسى، ويذكره دومًا بأن حياته لم تُخلق للطمأنينة بل للصراع، ومنذ تلك اللحظات الأولى، صار الانتقام هدفه الأوحد ومحركه الدائم، حتى وإن تطلب الأمر أن يغرق الوادي في صمت مؤقت يخفي تحته عاصفة أعنف وأقسى.
***
في قصر الوادي.
كانت عائشة فاقدة الوعي فوق إحدى الأرائك، شاحبة الملامح ساكنة كأن الصدمة قد سرقت منها القدرة على الإحساس، بعد أن باغتها وجود عاصم على حين غفلة، فانهارت تحت وطأة الخوف والذهول معًا.
أما هو فكان يجلس على مقعد قريب، ينظر إليها بشرود عميق، وعيناه غارقتان في دوامة من الأفكار المتشابكة، بين قسوة الماضي وتعقيد الحاضر، وكأن وجودها أيقظ داخله شيئًا كان يظن أنه دفنه منذ زمن بعيد.
قطع شروده دخول فايد بخطوات سريعة ومترددة، ثم مال نحوه وقال باقتضاب يحمل توترًا واضحًا:
-الحاجة فايزة واقفة على البوابة الكبيرة عايزة تدخل الوادي وتجيلك!
رفع عاصم عينيه نحوه للحظات صامتة، نظرة باردة لا تُقرأ بسهولة، فاقترب فايد أكثر وأردف بجدية مشوبة بالقلق:
-باينه موسى مبهدلهم، سمعت طراطيش كلام إنه جرجر لمياء في الشارع ودخلها في الاوضة اللي تحت القصر، بس محدش عارف ليه؟!
نهض عاصم بطوله الفارع دفعة واحدة، وهيبة حضوره تملأ المكان، ثم جذب فايد معه إلى أحد الأركان البعيدة عن عائشة، كأنه لا يريد لصوتها الغائب أو أنفاسها الخافتة أن تشهد ما سيقال، وقال بنبرة صارمة لا تقبل نقاشًا:
-اتصلي على اللي واقف حراسة على البوابة هناك، وخليه يديها التليفون.
أومأ فايد بصمت وأجرى اتصالًا سريعًا، ثم التفت إليه وقال بصوت منخفض:
-اتفضل يا باشا، الحاجة سامعاك.
التقط عاصم الهاتف وانطلقت كلماته غليظة وقاسية، ممتلئة بالقوة والتجبر، كأنها سلاحٌ مُشرع:
-لو فكرتي تيجي تطلبي مقابلتي أو إنك تدخلي الوادي، أنا مش هستنى لما موسى يقتلك، هقتلك بنفسي.
جاءه صوتها المرتجف من الطرف الآخر:
-اسمعني يا عاصم...
فقاطعها فورًا بحدة أشد ونبرة تحمل احتقارًا ومرارة قديمة:
-ولا كلمة يا خاينة، مش عايز أسمع منك حرف، أنا كنت معاهد نفسي إني اسمع صوتك وانتي بتطلعي في الروح، بس عشان أنا حاليًا عندي حاجة أهم منك، فـ هأجل عهدي معاكي شويتين.
ثم أغلق الاتصال في وجهها بلا تردد، واستدار نحو عائشة، إلا أنه توقف لحظة والتفت إلى فايد مرة أخرى، وقال بلهجة صارمة حاسمة:
-طول ما الدكتورة تبقى هنا متجيش ولا تقولي حاجة تنرفزني.
كتم فايد اعتراضه بصعوبة، واكتفى بإيماءة صامتة، ثم استدار مغادرًا بخطوات سريعة، وهو يتساءل في داخله عن هذا التحول المفاجئ في عاصم، عن ذلك الرجل الذي يبدو في لحظة قاسيًا متجبرًا، وفي لحظة أخرى غارقًا في صمت غامض.
أما عاصم فظل واقفًا مكانه، بملامح جامدة تخفي وراءها عاصفة لا تهدأ، رجلٌ لا يُمكن الوثوق به، يشبه بئرًا مظلمًا… لا يُرى قاعه، ولا يُعرف ما يخفيه في أعماقه.
***
بعد مرور دقائق طويلة، فتحت عائشة عينيها بتثاقل شديد، وقد داهمها ألم حاد كاد يفتك برأسها، حاولت استيعاب ما حولها، بينما الخوف يتسلل إلى صدرها شيئًا فشيئًا، وآخر ما كانت تتذكره هو وجود عاصم أمامها، ثم استسلمت بعدها لدوار مفاجئ أطاح بوعيها.
دارت عيناها في أرجاء المكان برعبٍ واضح، ورغم فخامة القصر المحيط بها واتساعه المهيب، إلا أن الرهبة كانت أكبر من أن يبددها جمال المكان، ولكن الرعب الحقيقي تجسد حين وقعت عيناها عليه جالسًا أمامها بنفس الوضعية التي رأته عليها من قبل، وكأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة.
كانت ابتسامة صغيرة تتدلى على شفتيه، تحمل مزيجًا غامضًا من السخرية والاهتمام، وقال بصوت هادئ يخفي تحته الكثير:
-الف سلامة، قلقتيني عليكي.
ثم اعتدل في جلسته واقترب منها ليجلس إلى جوارها على الأريكة، غير آبه بتحفظها الواضح، وناولها كوبًا من الماء وهو يقول بنبرة أكثر هدوءًا:
-نورتي وادي العرين كله يا دكتورة، أنا عاصم عزام كبير الوادي كله، لو أعرف إنك جاية كنت فرشتلك الأرض ورد.
اشتعل وجهها بالخجل والارتباك تحت وطأة نظراته الساخرة، وكأنها أدركت في تلك اللحظة حجم سذاجتها وخطتها التي بدت له مضحكة، فحاولت الرد لكن كلماتها خرجت مرتبكة وساذجة:
-أنا...أنا مكنتش أعرف إنك عايش هنا.
ارتسمت على وجهه ابتسامة أوسع، وقال بنبرة تحمل تهكمًا خفيفًا:
-طيب يعني ده جزاتي؟ تقابلي نيتي الخير بشر منك؟!
نظرت إليه بتحفظ محاولة الحفاظ على هدوئها رغم ارتجاف قلبها:
-أنا مأذتكش في حاجة يا أستاذ عاصم، أنا كنت بحافظ على حقي في ولادي.
رفع حاجبه قليلًا وقال ببرود محسوب:
-وأنا مقدمتش أي اعتراض على أنهم معاكي، بالعكس قولت جميلك في رقبتي، بس انتي هربتي وفاكرة أني مش هعرف اجيبك؟؟
اشتدت نبرتها قليلًا وظهر الضيق في عينيها:
-اسلوب التهديد ده أنا مبحبوش.
ابتسم ابتسامة جانبية وقال بثقة ثقيلة:
-أنا مبهددكيش، أنا لو كنت سايباهم معاكي فبمزاجي على فكرة، ومقدرش انكر وقفتك معاهم.
وفجأة انهارت دموعها وانكسرت صلابتها، فبكت بحرقة وهي تتوسله بضعف موجوع:
-أنا مش عايزى غير إنك متحرمنيش منهم، وميبعدوش عني ولا يبطلوا يقولولي ماما، أنا مش هقدر على بعدهم.
ناولها منديلًا ورقيًا وقال بنبرة غامضة لم تستطع تفسيرها رغم ما حملته من وعدٍ مبهم:
-طول ما أنتي في حمايتي وتحت طوعي، صدقيني عمري ما هقدر اعمل كده، وللمرة اللي معرفش عددها هقولك تاني جميلك معاهم عمري ما هقدر أنساه ولا هقدر أأذيكي، بالعكس هحافظ عليكي لغاية آخر نفس في عمري.
تنفست بارتباك.وقالت بصدق.ممزوج بالخجل:
-أستاذ عاصم انت ذوق اوي، وحقيقي أنا مش قادرة أكرهك أو أظن فيك ظن وحش، بس غريزة الأمومة جوايا، خلتني افكر اهرب بيهم هنا في بيت أبويا ومكنتش أعرف إنك كمان من هنا.
نظر إليها بتمعن وقال بصوت أقل قسوة وأكثر عمقًا:
-تأكدي أني زي ما انتي محتاجلي أنا كمان محتاجلك ومحتاجكك تعرفيني عليهم ويعرفوا إن أنا أبوهم.
ابتلعت ريقها وقالت بخوف صريح:
-وبعد ما يعرفوا ويقربوا منك، هتبعدني عنهم؟!
وقبل أن يجيب ارتفع صوت هاتفها باتصال مفاجئ، أخرجته سريعًا من جيب سروالها، فوجدت اسم خالتها على الشاشة، أجابت فورًا بقلق:
-ايوه يا خالتو...
لكن صوت صراخ خالتها المرتجف قطع كلماتها بعنف:
-انتي فين يا عائشة؟ يالهوووي الحقيني ليلة مش لاقياها، الحقيني مش موجودة في أي مكان.
وقفت عائشة فجأة واتسعت عيناها بصدمة، وانحبست أنفاسها وهي تقول بارتباك:
-يعني إيه مش لاقينها يا خالتو، هتكون راحت فين؟
اقترب منها عاصم بلهفة وقد تبدلت ملامحه إلى قلق حقيقي:
-في إيه، حد من الولاد جراله حاجة؟!
أبعدت الهاتف قليلًا وانهارت دموعها وهي تقول بصوت مرتجف:
-آآ أستاذ عـ...عاصم، ليلة مش موجودة، خالتو مش لاقياها.
انعقد حاجبا عاصم بقلق بالغ، وأخرج هاتفه بسرعة ليتواصل مع رجاله، لكن عينيه توقفتا فجأة عند رسالة واردة من موسى، فتحها بحدس ثقيل يخبره أن الأمر يخص طفلته.
وبالفعل ظهرت أمامه صورة لموسى جالسًا في حديقة قصره، وليلة في أحضانه تأكل تفاحة ببراءة، وقد التقطها موسى عن قصد واضح، ثم أرسلها إليه مرفقة بتسجيلٍ صوتي، يحمل في طياته ما يكفي لإشعال حربٍ جديدة.
ابتعد عاصم عن عائشة خطوات قليلة، بينما كان يستمع إلى التسجيل الصوتي الذي أرسله موسى، وصوتُه المهدد يتسرب إلى أذنيه كسم بطيء يشعل الدم في عروقه:
-بنتك حلوة اوي يا عاصم، بتحب التفاح، وحكيتلي تاريخ حياتها، تصور بسألها بابا اسمه إيه بتقولي شوقي، لو عايزاها تعالى خدها متخافش هخليهم يدخلوك.
ثم انتهى التسجيل بضحكة عالية، ساخرة ومستفزة إلى حد كاد يفتك بأعصاب عاصم ويدفعه للانهيار أمام عائشة، شد قبضته بقوة وتصلبت ملامحه، وارتسم في عينيه بريق خطير يشبه نذر عاصفة وشيكة.
للحظة بدا وكأنه على وشك الصراخ، أو تحطيم كل ما يحيط به، إلا أنه تمالك نفسه بصعوبة، وكبح بركان غضبه ثم استدار بخطوات سريعة وحازمة نحو الخارج، وقد عقد العزم على مواجهة لا تقبل التأجيل.
وخلفه ترك عائشة منهارة، تتحدث مع خالتها بصوت مرتجف، تسألها عن تفاصيل اختفاء الصغيرة ليلة، بينما تتصاعد شهقات بكائها، ويعلو صوتها المرتجف الممزق بالخوف.