
أحمد
طلعت من الأوضة وأنا مبتسم.
تقى... دي هتجنني.
كل ما أحاول أقرب تبعد ..بس .. ده بيضحكني أكتر.
دخلت المطبخ وبدأت أحضر الفطار.
بيض... جبنة... عسل... خبز.
وأنا بحضر... كنت بفكر في طرق أضايقها بيها.
خلصت وحطيت كل حاجة على ..الترابيزة.
وقعدت أستنى.
بعد شوية... سمعت صوت باب الحمام بيتفتح.
طلعت وشفتها.
لابسة جلابية بسيطة... وشعرها مفرود.
ووشها لسه عليه آثار المياه.
بصتلي وعيونها ضاقت:
__بتبص ليه كده؟
ابتسمت ابتسامة عريضة:
__بتفرج على مناظر ربنا الحلوة.
لفت عينيها:
__روح صلي ركعتين أحسن.
ضحكت:
__أصلي وأشكر ربنا إنك بقيتي مراتي.
نفخت بضيق ومشيت قعدت على الترابيزة.
قومت وقربت منها.
ووقفت وراها.
اتشدت:
__بتعمل إيه؟
مديت إيدي وأخدت الكوباية من قدامها:
__بحطلك الشاي.
حاولت تاخد الكوباية:
__أنا بعرف احط لنفسي.
رفعت الكوباية فوق:
__لأ... أنا حابب احطلك.
وقربت وشي من ودنها وأنا بهمس:
__ده واجبي... يا مراتي.
وشها احمر فوراً.
ودفعتني بقوة:
__أبعد يا أحمد!
ضحكت وسكبتلها الشاي:
__ حاضر يا ست الكل.
وحطيت الكوباية قدامها بس... بدل ما أقعد في مكاني.
قعدت جنبها... قريب.
بصتلي بحدة:
__في كرسي قدامي.
ابتسمت:
__عارف... بس أنا مرتاح هنا.
قالت بحده:
__أحمد!
رديت وأنا بسند ايدي ع خدي:
__نعم يا روحي؟
وشها احمر أكتر:
__متقوليش يا روحي!
قربت أكتر:
__ليه؟ إنتي مش روحي؟
بصت الناحيه التانيه وقالت:
__لأ!
مسكت إيديها وشديت عليها عشان متفلتش:
__طيب... قلبي؟
ردت بحزم:
__لأ!
__حياتي؟
قالت بنفس النبره:
__لأ!
__عمري؟
وآخر م زهقت قالت:
__أحمد بطل!
ضحكت وسبت إيديها:
__طيب... يا تقى.
نفخت بضيق
وبدأت تاكل وهي بتتجنب عيني.
بس أنا... مش هسيبها في حالها.
مديت إيدي وأخدت قطعة جبنة من طبقها.
بصتلي بغضب:
__إيه ده؟!
حطيت القطعة في بقي:
__جعان.
رد بعصبيه:
__ده طبقي أنا!
ابتسمت:
__وأنا جوزك... يعني اللي ليكي ليا.
عيونها اتسعت:
__في أحلامك!
قربت وشي من وشها:
__يعني لو جيت آخد بوسة...
وشها ولع:
__جرب!
ضحكت وقربت أكتر:
__أجرب؟
قامت بسرعة من على الكرسي:
__أنا خلصت أكل!
وجريت على الأوضة ..وأنا... قعدت أضحك.
ونديت عليها:
__بس إنتي ماكلتيش حاجة!
سمعت صوتها من جوا:
__شبعت!
رديت بتعجب:
__شبعت من إيه؟ شربتي نص كوباية شاي بس!
رد بصوت عالي:
__شبعت من وشك!
ضحكت أكتر:
__حبيبتي... الله يعزك
وقفت وروحت الأوضة.
فتحت الباب ..لقيتها واقفة وضهرها ليا.
قربت منها بهدوء ووقفت وراها.
ولفيتها بإيديا.
صرخت:
__أحمد!
حضنتها من ورا وحطيت دقني على كتفها:
__هتفضلي تجري مني لحد إمتى؟
حاولت تتخلص:
__سيبني!
رديت بثبات
__لأ.
حاولت تلفت تاني وهي بتقول:
__أحمد بقولك سيبني!
قربت وشي من خدها:
__بس أنا مش عايز.
حست بأنفاسي على خدها وجسمها اتشد.
همست:
__أحمد...
صوتها كان مختلف... أضعف.
ابتسمت:
__نعم يا قلبي؟
سكتت.
ولفتها بهدوء بقت وجهي لوجه.
بصيتلها في عينيها
عيونها كانت واسعة... خايفة... بس فيها حاجة تانية.
قربت وشي... ببطء.
وهمست:
__خايفة؟
بلعت ريقها:
__لأ.
ابتسمت:
__كداااابة.
وقربت أكتر.
لحد ما كاد وشي يلمس وشها.
وفجأة...
بعدت.
وضحكت:
__بهزر!
ومشيت بره الأوضة وهي... وقفت مكانها مصدومة.
ووشها أحمر زي الطماطم.
ونديت عليها:
__يلا يا تقى... افطري عشان هنخرج!
سمعتها بتصرخ:
__أحمد أنا هقتلك!
ضحكت وأنا برد:
__تعالي اقتليني... أنا مستني!
______________
أمل
الوقت في المستشفى... بيعدي ببطء.
كل ثانية فيها... بحسها كأنها دهر كامل.
كل دقيقة وكل لحظة... كانت بمثابة عمر كامل.
الجدران البيضا.
صوت الأجهزة.
ريحة المطهرات.
كل حاجة... كانت بتفكرني إني مريضة
جاد ... نزل الشغل.
ومبقاش يقعد معايا زي الأول.
أنا عذراه.
ما هو مش هيسيب شغله عشان يقعد معايا.
امال هنصرف منين؟
دي الحاجات اللي كنت بصبّر بيها نفسي ..عشان ما أنهارش.
وأحس بالوحدة من تاني.
كان بيوجعني... الوحدة والوجع.
بس كنت دايماً بحاول أكون أقوى.
لو مش عشاني ...يبقى عشان جاد.
اللي استحمل وبيستحمل حاجات هو مش سبب فيها.
ومش مضطر يستحملها.
بس... اختار يستحملها.
اختار يفضل جنبي.
ولو هدعي بحاجة... فهدعي إن ربنا يديم جاد في حياتي.
ويفضل دايماً منورها.
حتى لو أنا... في أحلك أوقاتي.
قعدت على السرير ...وبصيت للشباك.
الدنيا برّه كانت عادية.
الناس ماشية.
العربيات بتجري.
الحياة... مستمرة.
وأنا... هنا محبوسة في أوضة بيضا
بحارب عدو ...مش شايفاه.
تنهدت.
ومسحت دمعة هربت من عيني من غير ما أحس.
"يا رب... قويني.
قوي جاد.
وخلينا نعدي ده... سوا."
______________
جاد
طلعت من الشغل وأنا مرهق.
يوم طويل... ومتعب.
بس... مش قادر أشتكي.
أنا اللي اخترت إني أكمل شغلي.
عشان أقدر أصرف على العلاج.
ركبت العربية واتجهت للمستشفى.
بس قبل ما أطلع لأمل...
لازم أدفع أول دفعة في حساب المستشفى.
دخلت قسم الحسابات ..الموظفة استقبلتني
قولت بهدوء:
__أنا عايز أدفع دفعة في حساب مراتي.
أمل... في قسم الأورام.
فتحت الكمبيوتر وكتبت الاسم:
__تمام... لقيتها.
حضرتك عايز تدفع كام؟
رديت بهدوء:
__عايز أعرف الحساب كله كام الأول.
بصت في الشاشة... وسكتت شوية.
وبعدين قالت:
__الحساب لحد دلوقتي... 180 ألف جنيه.
قلبي وقف.
"كام؟!"
بلعت ريقي
180 ألف... ودي لسه البداية!
العلاج هيكمل شهور يعني... المبلغ ده هيزيد.
حسيت بضغط رهيب على صدري.
الموظفة سألتني:
__حضرتك هتدفع كام دلوقتي؟
فتحت شنطتي ..وطلعت الفلوس اللي جمعتها.
30 ألف.
ده كل اللي معايا.
أخدتهم وكتبت الإيصال:
__تمام... المتبقي 150 ألف.
أخدت الإيصال وخرجت من الأوضة.
وقفت في الممر.
وحطيت إيدي على راسي.
150 ألف... متبقي!!
ودي بس لحد دلوقتي!
ازاي هجيب الفلوس دي؟
الشغل... الشغل مش هيكفي.
المرتب بتاعي 15 ألف في الشهر.
حتى لو وفرت كله... مش هيكفي.
لازم... لازم أشوف حل.
أخدت نفس عميق.
وبدأت أفكر.
ممكن... ممكن أبيع العربية؟
لأ... محتاجها عشان أروح الشغل وأروح المستشفى.
ممكن... أستلف؟
من مين؟ الناس كلها ظروفها صعبة.
ممكن... أشتغل شغل تاني؟
بس... إمتى؟ أنا بالعافية بخلص شغلي ده.
حسيت بدوخة خفيفة.
وقعدت على كرسي في الممر.
وحطيت راسي في إيديا.
"يا رب... يا رب ساعدني.
أنا مش عارف أعمل إيه."
قعدت دقايق كده ..لحد ما هديت شوية.
قومت وقررت أطلع لأمل.
مش هقولها مش هخليها تقلق.
هي عندها مرض يكفيها.
أنا... هشوف حل.
لازم أشوف حل.
طلعت لأوضتها.
ودخلت بابتسامة مصطنعة:
__مساء الخير يا قمر.
بصتلي وابتسمت:
__أخيراً جيت!
قربت منها وبوست جبينها:
__وحشتي قلبي
وقعدت جنبها.
وأنا... بحاول أخبي القلق في عيوني.
بحاول أخبي الخوف.
والضغط اللي على كتفي.
عشان هي... متحسش بحاجة.
بصتلي شوية وقالت:
__إنت كويس؟
حاولت أبتسم:
__الحمد لله... طول ما إنتي كويسة، أنا كويس.
بصيتلها بترقب:
__مش إنتي كويسة برضه؟
ردت بتنهيدة:
__بحاول أكون كويسة ..حاسة إني بدأت أتخنق.
القعدة لوحدي مضايقاني أوي.
فاهمني؟"
قلبي اتقبض.
رديت بحزن وأنا بمسك إيديها بخفة:
__فاهمك طبعاً.
والله أنا لو بإيدي مسيبكيش لحظة.
بس ... لولا الشغل بقى ...
وقبل ما أكمل، قاطعتني وهي بتبتسم.
الابتسامة دي... اللي بتسحرني دايماً:
__حبيبي والله ... عارفة.
وأنا مش بلوم عليك.
أنا بس بفضفض ليك.
ابتسمت بهدوء.
وكملت:
__أنا لقيت حل لمشكلة ماما.
بصتلي باهتمام:
__حل إيه؟
ابتسمت وأنا بمسك ايديها:
__أنا كلمت الدكتور.
واستأذنته... لو مفيش خطر عليكي.
إنك تخرجي ساعتين تلاتة.
نروح نزور ماما... ونرجع على طول.
عيونها اتوسعت:
__ووافق؟!
هزيت راسي:
__آه... بس بشروط.
ولازم نكون حريصين جداً.
دموعها بدأت تنزل:
__جاد... جاد أنا...
صوتها اتقطع.
حضنتها وانا بربت ع ضهرها بحنيه:
__شششش... عارف.
عارف إنك وحشاها.
وهي وحشاكي.
بكت في حضني:
__أنا خايفة يا جاد.
خايفة تشوفني كده وتعرف.
مسحت على راسها:
__مش هتعرف.
أنا وعدتك... مش هتعرف هنلبسك حلو ..هنحطلك مكياج.
وهتبقي أحلى عروسة.
بعدت شوية وبصتلي بعيون حمرا:
__وشعري؟
شعري اللي خلاص مبقاش فيه غير كام شعرايه.. هتلاحظ.
ابتسمت:
__هتلبسي طرحة.
وتقوليلها إنك بتفكري تتحجبي.
فكرت شوية:
__تفتكر هتصدق؟
رديت بتأكيد:
__أكيد.
إنتي بنتها... وبتحبك.
مش هتشك في حاجة.
حضنتني تاني
__شكراً يا جاد... شكراً.
بوست راسها وانا بحضنها وقولت:
__مش محتاجة تشكريني.
ده أقل حاجة أقدر أعملها وبعدين انتي مراتي يا بت !..
وقعدنا كده في حضن بعض.
هي بتحلم بيوم السبت اللي هتشوف فيه مامتها.
وأنا... بدعي ربنا كل حاجة تعدي بسلام.