
في إحدى الشقق الصغيرة، ذات غرفة ومطبخ وحمام وصالة صغيرة...
تقف فتاة في المطبخ وتقطع الخضار...لا يظهر سوى ظهرها، نحيفة ولكن جسدها ممشوق، قصيرة، ذات شعر قصير تصل أطرافه لكتفها ، ذا لونٍ أشقر قاتم مُختلط بخصلات باللون البني...
كانت تُدندن بموسيقى أغنية غريبة،رغم أنها لا تفهم معناها إلا أنها تدندن ما تتذكره...
رنّ جرس الباب، وتوقفت الفتاة عن ما تفعله، وإلتفت ليظهر وجهها الملائكي، شفاه مُكتظة وصغيرة، عيون بريئة ورموش متوسطة، وعدستيها ذات لون بني قاتم...خدود غضّة، وإبتسامة جميلة إحتلت ثغرها... كانت هي...كانت ليلى....
نفس ملامحها ونفس إبتسامتها ونفس كُل شئ الفرق الوحيد هو طول شعرها الذي أصبح قصير....ولكن هل هذه ليلى أم شبيهة ليلى؟
تحركت ببطئ شديد وهي تتحسس الحائط بيديها وعدسة عيناها تجول للأسفل...
وإتجهت ناحية باب الشقة ،ووقفت ثم قالت بنبرة صوتها الخفيفة:
_مين؟
_أنا يا نور إفتحي.
إبتسمت بخفة عندما تأكدت من الصوت وفتحت الباب،
وكانت واقفة فتاة بنفس حجم جسدها تقريباً،وشعر أشقر مثلها ولكن طويل، وبشرتها شِبه داكنة وجميلة..
دخلت الفتاة وهي تحمل بعض الأكياس، وناولتها لتلك الفتاة التي تُشبه ليلى، ودخلت الفتاة بتعب وجلست على الأريكة ووضعت يدها على شعرها، الذي كان باروكة أساساً ونزعتها عنها قائلة بتعب:
_فرهدت أنا النهاردة، رغم إن الجو برد، بس الشمس ملسوّعة..
نزعت الباروكة عنها، وكان شعرها أسود وكيرلي...
قالت ليلى وهي تبتسم وهي تلتمس الحائط وتتحىك لتأخذ الحاجيات للمطبخ:
_أهم حاجة حطيتي القُطة فين؟
نظرت الفتاة ناحيتها بغيظ وقالت:
_حطيتها ياختي في شارع مليان قطط، وفي ناس هناك بترمي أكل ليهم_ وضحكت بخفة _وقلّدت صوتك وإنتي بتناديها يا قُطّي، بلا وكسة.
ضحكت ليلى بخفة ،وقالت تلك الفتاة:
_هاتيلي معاكِ كُوباية ميّاه يا نور.
بعد دقيقة أحضرت شبيهة ليلى كوب الماء وهي تمشي ببطئ كي لا تتعثر بشئ، والغريب بأن عدستيها لم تأتي في عيون أو وجه تلك الفتاة الأخرى وقالت ليلى:
_إنتي بتشربي مياه كتير أوي يا سلمى.
نظرت لها سلمى وقالت:
_يمكن عندي جفاف وأنا مش عارفة.
ثواني ثُم إنفجروا من الضحك هما الإثنتان
وقالت ليلى والذي يعرفها الجميع هنا بإسم(نور) :
_آه صح، عندك جفاف عاطفي، مش جفاف قاحلي.
تنهدت سلمى بعد الكثير من الضحك، وإرتشفت من كوب الماء، وبعدها تذكرت شيئا وقالت:
_صحيح يا نور!...لسة معرفتيش حاجة عن عيلتك؟
جلست ليلى ويتضح عليها الحزن وقالت:
_لسة، أستاذ أشرف نشر صورتي على الفيس ومحدش إتصل بيه.
أعادت سلمى ظهرها للخلف ووضعت قدم على قدم وفردت ذراعها وقالت:
_أنا مش عارفة إيه النحس إل في حياتك دا؟...دا إنتي مش عارفة حتى حاجة عن نفسك يابنتي.
تنهدت ليلى،ولكنها قالت دون حتى النظر لسلمى :
_متحطيش رجلك كدا على الكنبة.
ضحكت سلمى بخفة وقالت:
_أنا مش عارفة بتعرفي إزاي بس وإنتي مش شايفاني!
ردت ليلى بخبث:
_عشان عارفة إنك جربوعة وبتعملي كدا على طول، دا حتى أُمك زهقت منك.
زفرت سلمي بغيظ، وبعدها نظرت لها وقالت:
_طب بصي بقى، أنا هبيّت معاكي النهاردة...بس النهاردة بس عشان بابا بيضايق، فا قوليلي بقى على حكايتك.
ضحكت ليلى بخفة وقالت:
_بقولك مش فاكرة حاجة وإنتي تقوليلي حكايتك؟
قالت سلمى وهي تستربع قدميها:
_يابنتي قصدي إحكيلي من اللحظة إل فوقتي فيها في المُستشفى.
سكتت ليلى لثواني،وهي ترفع يدها وتضعها على جبينها المجروح بجرح قديم وتستشعره...
أخذت نفس عميق، وبدأت تسترجع ذكريات ذالك اليوم المشئوم بالنسبة لها...
فــــــــــلاش ________ بـــــــــــاك
كانت الأصوات عالية، والهواء بارد كالصقيع، والأنفاس منقطعة ولكنها مسموعة...ولا يوجد أمامها سوى ضوء أبيض يسطع داخل عيناها...
تشتم الكثير من الروائح، وتستمع للكثير من الناس وصوت سيارات الشرطة أو الإسعاف تقريباً، وتستمع لنبض قلبها حتى...هذا القلب الذي ظن بأنه سيمو*ت اليوم، ولكنه تمسك في الحياة بأسنانه، ونبض مجدداً ليعيش....
أما عن الجسد فا هي تشعر بكل وغزة آلم تزلزل داخل عظامها، وشئ لزج على وجهها وذراعيها بل وجسدها بأكمله...
ولكن أُغلقت عيناها وحلّ مكان اللون الأبيض اللون الأسود،وأستولى الظلام على كُل شئ، على جسدها وعقلها وبصرها....ومازال القلب ينبض
"آريان"
"أُستاذة بطاطس"
"إنتي عايزة إيه ياليلى؟"
"عايزاك"
"تقعي في حُـبي!"
"مُستحيل، دا جنون"
"بس أنا حبيت...."
" قُطّـي"
شهقة قوية سحبت جميع أنفاسها للداخل، مع بذوغ عيناها بقوة. ورجفة أطرافها وصدرها التي تسيطر عليها تجعلها تشعر ببرودة لا تعلم مصدرها....ولكن مازال الظلام موجوداً، مازال مًنتشراً ولا ترى شيئا، بئساً...إين هي؟ومن هي؟ ولماذا لا ترى شيئاً؟
تسمع صوت أنفاسها، تسمع صوت همسات، صوت أجهزة بتصدر تكتكة مُزعجة...سامعة لكن مش شايفة، مُستوعبة لكن مش فاكرة.
_?are you all right
_هل أنتي بخير؟
شهقت بخوف عندما سمعت صوت رجولي، أمسكت بشرشف السرير الذي تجلس عليه، إغتمرت عيناها بالدموع وهي لا تعرف أين هي؟ ومن هي؟
رفعت يديها لا إرادياً لمكان الألم في رأسها، وشهقاتها مُرتجفة ومتقطعة ودموعها تسيل على خدها بغزارة...هي فاتحة عينها، لكن الظلام محاوطها...
_Please calm down, you are sick, and you should not exert yourself
_أرجوكي إهدئي،أنتي مريضة، ولا يجب أن تُجهدي نفسك هكذا.
بكت أكثر عندما سمعت ذالك الصوت مُجددا، مكانتش فاهمة حاجة، ولا قادرة تحدد دي أي لغة أصلاً، رغم إنها كانت تعرف إنجليزي كويس، بس دلوقتي مش عارفة شئ.
ولكنها تحدثت، وسمحت لصوتها المُرتجف بالخروج قائلة بنبرة خافتة مع دموعها الغزيرة:
_أ...أنا...فـ...فين؟
صمت الرجل لثواني وكأنه يستوعب لغتها، ثم قال بلغة تُشبه لُغتها:
_إنتي من مصر، مُو هيك؟...لهجتك زيهم.
ضغطت على رأسها أكثر بألم وهي لا تستوعب مُتمتمة:
_..إ...إيه؟
قال الرجل بهدوء:
_على العموم إنتي هون في مُستشفى خاص في "ميلانو" بإيطاليا، وجابك حدا هون، وحالتك كانت سيئة جداً....وأنا الطبيب المُختص.
غرزت أنمالها بشعرها وهي لا تفهم، لا تستوعب، لا تعرف...ولكنها قالت والدموع تغمرها:
_أ...ا أنا مـ...مـ. مش شـ...شايفة حا...حاجة لـيه؟
إستغرب الطبيب بشدة وإقترب منها وقال:
_إستني أشوف، يمكن أثر الغيبوبة.
قطبت حاجبيها قائلة بإستفهام :
_غـ...غيبوبة؟!
قال وهو يحرك ويشاور يده أمام وجهها:
_إيوا...بجالك 8 شهور في غيبوبة...وبصراحة إنتي عايشة بأعجوبة.
إرتجفت عيناها بدموعها المُلتصقة على رموشها الغزيرة وقالت:
_لـ...ليه؟!
قال وهو يُمسك رأسها، ويوجه مُصباح كهربائي صغير بإتجاه عيناها:
_لما جيتي كانت حالتك زي ما قولت،سيئة...كان في كسور في جسمك كله، وجروح غزيرة، لدرجة إن ملامحك مكانتش ظاهرة من كمية الدم إل عليكي....وعرفنا إنك وقعتي من فوق مبنى عالى...وبصراحة أنا مستغرب إنك لسة عايشة زي القردة ومَموتيش.
إستغربت حديثه ولكنها قالت بتعجب:
_قردة!
قال:
_المُهم عينك وجعاكي أو شي؟
ردت:
_لأ
إبتعد عنها مُتمتماً:
_إممم...تمام، أحب أبشرك بإنك إتعميتي.
إتصدمت وبرقت بعينها وهي تنظر للأمام فقط قائلة :
_إ...إنت بـ...بتقول إيه!!!
قال:
_أذنيكي كويسين، ومش طرشة على فكرة.
إستعجبت بجاحته، ولكن حزنها كان أكبر، ودموعها كانت أكتر وهي بتقول:
_ إ إيه إل حصل؟...ا أنا جيت هنا إزاي؟...و وأنا مين؟
تمتم الطبيب بعوج شفتيه:
_إهممم، كمان فاقدة الذاكرة...دا إنتي منحوسة خالص.
إستغربت وهي تبكي قائلة :
_نحس؟
قال:
_أيوا ياأُختاه، من أول يوم جيتي فيه والجو هوا وبرق وصواعق، والكهربة قطعت لخمس دقايق كمان!
أمسكت رأسها بين إيدها بألم قائلة :
_إنت مجنون!!!
قال:
_وعلى رأي المثل "المجانين في نعيم".
سكتت وهي لا تفهم شيئاً، ولا ترى شيئاً، ولا تعرف شيئاً....من هي؟ من أين؟ وكيف وصلت لهذه الحالة؟
قال ذالك الطبيب بإنزعاج:
_لو سمحتي، بلاش توسخي الفرشة بدموعك.
إنهارت أكثر من البكاء، ولم تستطيع الرد...وظل الطبيب ينظر لها وعلى ملامحه الضيق، ولكن ليس منها بل من حالتها المُشفقة...
تنهد وقال:
_خلاص يابنتي، إهدي شوى...ولك شو هيّدا؟..أنا هساعدك وأرجعك بلدك سليمة، ما تخافي.
قالت وصوتها يكاد يخرج من شهقاتها:
_ا أنا مش عـ...عارفة بـ بلدي فين؟
قال :
_إنتي غبية يا بجرة إنتي، ما قولتلك من مَصِر يا بهيمة...واضحة من لُغتك.
رفعت رأسها وهي لا تعلم أين تنظر وبكت أكثر قائلة :
_إنت بتشتمني؟
لف وجهه ساخراً وتمتم:
_يخربيت الفولاذ إل في عقلك الفارغ.
ضمت ساقيها لها وأعادت ظهرها للخلف ومازالت تبكي، ولا تستطيع التوقف، لا تعلم لما، فا في حالتها هذا كإنها مولود جديد خرج للحياة ليستكشفها وهو خائف منها...
إقترب منها الطبيب وقال:
_بس يابنتي، بس عشان السُكر إل فيكي.
رفعت رأسها قائلة :
_سُكر إيه؟
قال بسخرية غير مُدرك بأنه يزيد الطين بله:
_إنتي مريضة سُكر يا بهيمة.
إتصدمت ،وإنكمش قلبها أكثر، والدموع تتجمع في عينيها أكثر، والبُكاء يزداد.
تمتم الطبيب وهي ينظر لحالتها، ورأى بأنها علمت ما هو نوع المر*ض وقال:
_واضح إن معلوماتك الثقافية والطبية مازالت موجودة، لهيك إتطمني أظن في آمل.
رفعت عيناها وقالت بدموع:
_أ أنا هشوف تاني؟
قال وهو يُقلب بعض الأوراق:
_أكيد، بس محتاجة عملية بسيطة قد كِده.
قالت والآمل في عينيها:
_بجد!...هـ هتعملهالي؟
نظر لها بإنفعال وقال:
_وأنا كُنت أبوكي يا بجرة؟...العملية محتاجة مبلغ، وإنتي فترة إقامتك في المُستشفى إنتهت، وواحدة بحالتك أكيد مش فاكرة فلوسها فين؟ دا لو عندك فلوس أصلاً!
بكت أكثر بإحباط وقالت:
_أرجوك، ساعدني.
قال:
_بُصي يا بجرة، هبعتك بلدك وإشتغلي ولمّي فلوس، وأني هاجي مخصوص وأعملك العملية.
سكتت بحزن، ولم تستطيع التحدث، وفضّلت الصمت عن المحاولة، فقال الطبيب بهدوء:
_هتيجي ممرضة تساعدك باللبس، وغيري غياراتك، وهاجي أخدك للمطار.
قالت:
_بس أنا مش فاكرة حاجة، ولا عارفة حاجة...يبقى هروح مصر إزاي وأعيش فيها إزاي وأنا بالحالة دي؟
قال:
_إتطمني يابجرة، عندي جرايب في مصر، وهيهتموا بيكي،وهيساعدوكي تلاقي شُغل بحالتك ذي.
سكتت، وبعد ثانية سمعت صوت الباب بيتقفل، علمت بأن الطبيب خرج...لم تهدأ، بل إذدادت بكاءً وهي تحاول أن تتذكر من تكون، ولكن رأسها يؤلمها أكثر وأكثر...
ضمّت ركبتيها لصدرها أكثر، وإنهارت بالبكاء أكثر وهي تنظر حواليها ولا ترى سوى الظلام الذي يكسو عالمها...
"ليلى"
"إنتي عنيدة ياليلى"
"أنا عارفك أكتر من نفسك"
صرخت بقوة وألم وهي تُشدد قبضتها على رأسها ولا تعلم من أين تأتي تلك الاصوات المُزعجة الغير واضحة...
تساقطت دموعها أكتر،وإستندت على السرير وهي تزحف على مؤخرتها للأمام لتنزل من على السرير...لمست قدماها الأرض،ووقفت وهي تشعر بكُل ذرّة آلم في جسدها تلتوي قهراً وإرهاقاً....وتلتمس شئ خشن على، ذراعيها، وأرجلها ،ورأسها...
وتحركت بخطوات مهزوزة جداً، وهي تشوح بذراعيها للأمام كي لا تصتدم بشئ، ولكنها غير واعية لما تفعله....
فا تحركت بسرعة أكبر قليلاً، وصدر منها أنين عندما إلتوى كاحلها من الألم و إصتدمت بإحدى الطاولات المعدنية الموجودة بجانبها، ووقعت الصينية المعدنية على الأرض ووقعت ليلى على ركبتيها، وبدون قصد جرحت كف يدها من سكينة وقعت من الصينية المعدنية...
شهقت وسط دموعها التي لا تنتهي، وأمسكت يدها وهي تتحسسها لتشعر بشيء سائل ودافئ على أنمالها، وكان دمّها.
فُتح الباب،ودخلت المُمرضة وساعدتها على الوقوف والجلوس على السرير مُجددا، مما جعل ليلى ترتعب وهي لا ترى من يساعدها....وبدون وعي وبدون إرادة صرخت بقوة وهي تحاول دفع المُمرضة...
وكان الإنهيار واضحاً عليها...فا دخل الأطباء ومنهم ذالك الطبيب العربي وأعطاها حُقنة مُهدئة، وبالفعل بدأ مفعول الإبرة وبعد ثواني شعرت بالتعب والإرهاق ورخاء قواها، وبعد دقيقة غطّت بنوم عميق...
"أنـسة بـطـاطـس"
شهقت بقوة مُجدداً عندما أفاقت، ومازال الظلام يحاوطها ويُفزعها كُلما فتحت عيناها...
بكت مُجدداً وهي مُستلقية مكانها، ويصدر منها أنين بُكائها...
_يابنتي كِفاية بجى، زهقتيني والفرشة إتبهدلت.
سمعت صوت ذالك الطبيب مُجدداً، ولكنها لم تُجيب، بل وضعت مرفقها على عينيها، والرجفة واضحة في أنفاسها ورعشة جسدها.
تنهد الطبيب،وجلس على إحدى الكراسي بجانبها وقال:
_يابنتي لازم تحمدي ربك إنو إنتي بخير وعايشة، دا غير أنا مش فاهم إنتِ بتعيطي ليه وإنتي فاقدة الذاكرة، يعني ما في سبب مُحدد تبكي عليه.
لم تُجيب، فأخذ نفس وقال:
_البُكاء لن يُفيد، والحزن لا يُفيد...والسعادة ليست دائمة، ولكننا نعيش.
بدأت تهدأ قليلاً،وإستقامت لتجلس ونظرت أمامها بعيونها البهتانة وقالت بنبرة خافتة:
_ب بس أنا وقعت إزاي؟
قال:
_لا أحد يعلم، ولكن واضح إنك إنتحرتي مثلاً.
قالت:
_بس أنا هنتحر ليه؟
قال بسخرية :
_هو أنا أُمك عشان أعرف؟
تنهدت بضيق من حديثه الفظ، وسكتت وعدسات عينها للأمام، ولكنها لا ترى سوى الظلام...مرّت ثوانيٍ ثُم قالت:
_الساعة كام؟
قال:
_إحنا في العاشرة مساءً.
سكتت،وقام الطبيب وقال:
_إحمدي ربنا تاني عشان أنا طبيب عربي، لولايا ما قدرتي تتحدثي مع حدا هون...المًهم هتقعدي لبكرا الصبح وراح أخدك لبلدك.
خرج الطبيب،وظلّت ليلى مكانها تنظر للاشئ، تحاول أن تتذكر إسمها أو حياتها لكن لا تستطيع...كُلما تحاول التذكر رأسها يؤلما بقوة لدرجة البُكاء، فاتهدئ وتحاول عدم التذكر خوفاً من ذالك الآلم المُريع.
مرّت تلك الليلة عليها صعبة وظلّت تنظر للأمام تارة وتبكي تارة، وتغفو تارة، وتتألم تارة....
حتى جاء الصباح، ودخلت المُمرضة وساعدتها على إرتداء ملابس جديدة بدلاً من الملابس الطبية...
وأمسكت المُمرضة بذراعها وساعدتها على الحركة، ورغم آلام جسد ليلى إلا أنها فضّلت الصمت لترى ما سيحدث....
أخذها الطبيب خارجين من المُستشفى، وسمعت الكثير من الصوت السيارات والناس، وهذا هو الشارع.
دخلت في سيارة الطبيب والممرضة معها أيضاً وقررت الذهاب معهم لتساعدها أكثر.
وقاد الطبيب سيارته مُتجهاً للمطار....كانت ليلى فقط تزيح بعدستيها للأسفل، ولكنها تستطيع سماع كُل شئ...وتشعر بنسمات الهواء التي تنسدل على وجهها عندما فتحت لها الممرضة النافذة...
كانت تُفكر ولا تستطيع عدم التفكير....كيف وصلت لتلك الحالة؟ من هي؟ من أين هي؟ ولماذا هي هُنا بإيطاليا؟...آه يا إلهي...
وضعت يدها على رأسها مكان الشاش الأبيض بإنزعاج وآلم...وأخذت تستنشق الهواء بهدوء رغم قلبها الذي يلتوي حزناً وهي لا تعرف السبب، ولكنها حزينة...حزن بلا سبب!
ماذا تكون تلك الأصوات التي تسمعها عندما تنام، لمن ذالك الصوت؟ ولماذا لا تستطيع رؤية مصدر الصوت...فقط أصوات مُزعجة تُفقدها عقلها...
مرّ الكثير من الوقت، تقريباً ساعتين أو أكثر، حتى وصلو لمطار ميلانو بمدينة إيطاليا....ساعدتها المُمرضة على الخروج من السيارة..
بل وساعدها على الدخول للمطار حالما ينتهي الطبيب من الإجرائات اللازمة، وبأن ليلى لاجئة ومريضة وبحاجة للذهاب لبلدها.
مر الكثير أيضاً من الوقت وهي لا تعلم كم، ولكنهم أخذوها لغرفة ليكشفوا عليها وليتأكدوا من حالتها الصحية والمر*ضية، وبعدما أثبت لهم الطبيب بكل التقارير الطبية من المُستشفى وأنها مجهولة الهوية....وقررت الحكومة ألإيطالية و شركة الطيران مُساعدتها لتوصيلها لبلدها سالمة...
وطلب الطبيب الذهاب معها كي لا تضيع، وووافقوا بعدما قدّم جواز سفره وأحضر تذكرة له بالفعل، وصعدوا الطائرة بعد مرور الكثير من الوقت في درجة الركاب العادية.
وكانت ليلى تجلس بجانب النافذة، وبجانبها الطبيب في الكرسي المتوسط وبجانبه رجل آخر على الكرسي الأول.
كانت ليلى تائهة، وحزينة وضائعة داخل عقلها ولا تعلم شيئاً، إستيقظت على حديث الطبيب عندما مال عليها وقال :
_متقلقيش يابجرة، أنا معاكي، أنا إنسان مُحب للخير أصلا...يارب فلوسي إل دفعتها عشان آجي معاكي متروحش هدر بس.
حركت رأسها قليلاً لتستمع له جيداً وقالت:
_إنت بتقولي بجرة دي ليه؟
صمت قليلاً ثُم قال:
_بنتي في نفس عُمرك، ودايماً كُنت بناديها بجرة، وهي تبتسم.
قالت والدهشة على ملامحها:
_ليه؟ هو أنا واضح عليا كام سنة؟
قال بهدوء:
_أكتشفنا بتحاليل الدم إنك بين ال 18 والعشرين كدا.
قالت:
_وبنتك كانت في نفس سني؟
رد:
_إيوا.
قالت:
_وبتقولها بجرة وبتضحك!...مش بجرة دي يعني بقرة؟
كتم ضحكته وإبتسم قائلا :
_إيوا.
قالت:
_معنى كدا إنك عجوز يا جدو!
نظر لها وقال بإمتعاض:
_بس يابنتي، أنا لسة في عز شبابي وصحتي أحسن من الجوَّاد.
إبتسمت بخفة وبُهتان وقالت:
_كام يعني؟
قال بفخر رافعاً ذقنه:
_خمسين.
ضحكت فجأة غصب عنها وقالت بعدها بأسف وبعض السُخرية:
_أسفة، بس إنت صغير أوي...إفتكرتك أكبر من كدا.
رد بفخر بعدما أظهر الإستغراب:
_عارف.
قالت:
_وفين بنتك؟
صمت لثواني كثيرة، وكأنها متردد من الإجابة، ليس منها بل خوفاً من أن يدخل في دوامة حزنه مُجدداً وقال:
_إتو*فت من سنتين.
سكتت ليلى، وظلّت صامتة وهو صامت، ولكنها قالت بخفوت:
_إسمها إيه؟
_نور
صمتت قليلاً، ثُم حركت رأسها بخفة ثُم قالت:
_إسمي هيبقى نور.
نظر لها عاقداً حاجبيه وقال:
_شو قلتي؟
أعادت كلامها بإبتسامة خفيفة:
_إسمي هيبقى نور، بما إني مش عارفة إسمي الحقيقي.
ضحك بخفة قائلا :
_عايزة تسرقي إسم بنتي يعني!...بس بجرة لايقة عليكي أكتر.
عقدت حاجبيها بضيق وإغتظات قائلة :
_بطّل شتيمة بقى يادكتور، واحدة غيري كانت ردت عليك بعد لسانك إل بينقط عدم إحترام دا.
إبتسم بفخر قائلا :
_فخور بشخصيتي ومش ناوي أغيرها.
سكتت، وجعلت عيناها للأمام، فقط تنظر للظلام بداخلها...وضعت يدها على قلبها هامسة بخفة وحزن:
_أنا حزينة ليه؟...رغم إني رضيت بحالتي، بس حاسة إن قلبي لسة بيبكي!
مرّت ساعات طويلة، كانت بالنسبة لها سنين...وأخيراً نزلو من السيارة وهي تتشبث بذراع الطبيب وتمشي ببطئ وحذر، بعدما قام الطبيب بجعلها ترتدي نظارة شمسية..
شعرت بركوبها في سيارة، مثل الباص تقريباً....ومرت ساعة أخرى.
حتى نزلو من تلك السيارة وآخذها الطبيب وتحرك ناحية مكان...
كانوا واقفين أمام سوبر ماركت كبير جداً، مثل المول ولكن أصغر...
سمعت الطبيب يتحدث مع أحد وواضح أنه بيرحب بيه...
قال الطبيب بفرحة:
_ولله وليك وحشة يا أخي.
قال الرجل:
_إنت إل وحشتني، كُنت فين كُل دا يا جدع!
قال الطبيب:
_الشُغل ولله...المُهم ،أنا قاصدك في موضوع كدا، ومُتأكد إنك مش هترفضه.
قال الرحل وهو يضع يده على كتف الطبيب:
_وأنا مش هقدر أرفضلك طلب...كفاية إنك أنقذت حياتي.
قال الطبيب وهو يُشاور على ليلى:
_البنت دي مصرية، وعملت حادثة في إيطاليا، وبحثنا عن أهلها في إيطاليا كتير بس ما لقينا حدا، ويمكن هي طالبة وإجت تدرس مثلا بإيطاليا...المُهم أنا رجعتها بلدها وهي محتاجة وظيفة عشان تعمل عملية لعينها وترجع تشوف تاني.
نظر الرجل ليلى ودقق النظر بها لثواني، ثُم تنهد وقال:
_إممم، رغم إني مش محتاج عُمال، بس عشانك إنتا هخليها تشتغل عندي...وسلمى هتساعدها.
سكتت ليلى ومالت برأسها في الأرض بعدما شعرت بالحزن على نفسها...وسمعت ذالك الرجل ينادي أحد:
_يا سلمى...تعالي عايزك.
بعد ثوانٍ جائت فتاة في عمر ليلى تقريبا أو أكبر بشرتها حنطية داكنة وشعرها كيرلي والجمال يتضح من عينيها الواسعة، وتقدمت ناحية الرجل قائلة بإبتسامة هادئة:
_نعم يا أُستاذ أشرف.
قال أشرف بهدوء:
_معانا عاملة جديدة، إهتمي بيها وساعديها، لإنها حالة خاصة، وشوفيلها شُغل كويس هنا.
قالت سلمى وهي تنظر لليلى بإبتسامة:
_إسمك إيه يا عسل؟
نظر الطبيب لليلى، ورفعت ليلى رأسها قليلاً وقالت بنبرة خافتة بريئة:
_نور
إبتسم الطبيب بخفة، ثُم نظر لأشرف وقال بلهجته السعودية:
_هتعبك معايا ياخوي، بس هي محتاجة مكان إقامة...وراحة عشان لسة جايين من إيطاليا اليوم.
كاد أشرف على الحديث، ولكن قالت سلمى بسرعة:
_أنا عندي مكان كويس أوي، وقريب جداً من الماركت...عمارة صغيرة ملك واحدة صاحبتي، وهتوافق تأجر شقة لنور.
نظر لها الطبيب وقال:
_كتر خيرك.
قال أشرف بجمود:
_تمام، وأنا هتفق مع نور على المُرتب، وهساعدها على قد ما قدر في مصاريفها.
أومأ الطبيب،ونظر ناحية ليلى وقال:
_متقلقيش يا بجرة، هبقى أتواصل معاكي عن طريق أشرف، ولما تكملي مبلغ العملية هاجي وهعملها...ومتخافيش أنا سايبك مع ناس أمينة ومُحترمة.
إبتسمت ليلى بخفة،رغم أنها خائفة، ومُرتبكة، ولكنها أومأت.
أمسك الطبيب يدها وأعطاها شيئا يُشبه الحقيبة المُتوسطة وقال:
_ودي شوية غيارات ليكي، إعتبريها هدية مني.
شكرته ليلى...
وبعدها نظر لسلمى وقال:
_لو سمحتي يا حلوة، الأنسة معاها سُكر وبعض الإبر موجودة في الحقيبة وأظن هتكفيها لأسبوعين تلاتة يمكن، محتاج بس إنك تذكريها بالوقت ومواعيدهم.
أومأت سلمى بترحاب وإبتسام، وأكمل الطبيب ناظراً ليلى:
_كُلي طعامك بإنتظام يا نور، وما تكتري بالحلويات.
أومأت ليلى وشكرته مُجددا بإمتنان
وودّعها الطبيب،وودّع أشرف بعدما تحدث معه قليلاً وتحرك ذاهباً لموقف الباصات بعدما فعل ما يستطيع فعله من خير...كان يستطيع عمل العملية لها على حسابه، ولكنه قرر يتركها لتكتشف الحياة أكثر، ولتعتمد دائماً على نفسها كي لا تحتاج لأحد.
نظر أشرف لسلمى التي نظرت له أيضاً، ثُم نظروا على ليلى الذي تُميل برأسها للأسفل فقط وصامتة.
أمسكت سلمى يدها بخفة وقالت بإبتسامة:
_طب يلا، هاخدك البيت دلوقتي تاكلي حاحة وتغيري هدومك وبكرا نبدأ شُغل سوا.
أومأت ليلى، وأخرج أشرف مبلغ مالي من جيبه وأعطاه لسلمى قائلا بهدوء :
_هاتليها إل هي عايزاه، سواء كان علاج أو أكل.
شكرته سلمى وأخذت المال، وتحركت وهي تُمسك بذراع ليلى وتتحدث عن نفسها وحياتها بلطف وتمزح، وليلى تستمع وهي تتشبث بها، ومشاعرها مُرتبكة مُختلطة ببعضها، خائفة، وحزينة، ومُرتاحة، ومُضطربة...ولكنها صامتة.
وصلو بعد دقائق معدودة أمام عمارة قديمة قليلاً وضيقة الحجم قليلاً...
صعدوا للأعلى،وبعدما إافقت سلمى مع صاحبة المنزل، أخذت ليلى صاعدة للدور الرابع وهناك الشقة الصغيرة التي تخص ليلى.
دخلو الإثنتان، ووقفوا أمام الشقة...كانت عبارة عن صالة بها أريكة وبعض الأثاث، ومطبخ مفتوح على الصالة وحمام صغير وضيق، وغرفة صغيرة للنوم...كانت مقبولة، ولكن ليلى ستحتاج وقت كبير لتعتاد عليها.
قالت سلمى:
_البيت متبهدل شوية، خليكي واقفة هنا وأنا هنضّفه على السريع.
قالت ليلى:
_شكراً يا....
سكتت وهي لا تعلم إسمها أو لا تتذكره، ولكن قالت سلمى بإبتسامة هادية:
_سلمى، إسمي سلمى يا نور.
إبتسمت ليلى وسكتت،وقالت سلمى:
_على فكرة الشعر القُصير لايق عليكي أوي.
إستغربت ليلى،ورفعت يده لتلتمس شعرها، زحفت بأنمالها عليه للأسفل وبالفعل كان قصير جداً يصل لكتفها تقريباً...لا تعلم لما شعرت بلإستغراب وبعض الضيق ولكنها شعرت بأن هذا لم يكن طوله الحقيقي.
قالت سلمى:
_ياترا صابغاه ولا دا لونه الطبيعي؟
إستغربت ليلى أكثر وقالت:
_مش عارفة، هو لونه إيه؟
سكتت سلمى لثواني تستوعب بأنها لا تعلم لون شعرها حتى وقالت:
_أشقر....وفي شوية شعيرات من فوق لونهم بُني.
سكتت ليلى،وقالت سلمى:
_إنتي مش عارفة لون شعرك إزاي؟...محدش قالك قبل كدا؟
قالت ليلى والحزم يتضح من نبرة صوتها:
_أنا مش فاكرة حاجة عن نفسي أصلاً، أنا فاقدة الذاكرة وفاقدة بصري ومش عارفة أي حا....
صمتت بغصة في حلقها منعتها من الحديث، وتجمعت دموعها في عينيها بحزن وبعدها قالت على كُل شئ من بداية إستيقاظها بالمستشفى حتى الأن...
أشفقت سلمى عليها وقربت منها وأمسكت بيدها قائلة :
_متزعليش...دا قدر، ومكتوب...وربنا مش بيكتب شر لحد غير الظالمين...دا إمتحان صعب ولازم تعديه.
سكتت ليلى التي لا تعلم ديانتها ولا إسمها ولا هويتها حتى...ولكنها إرتاحت بذكر إسم الله، وأخذتها سلمى وأجلستها على الأريكة.
مرّ اليوم وسلمى معها ولم تتركها، ونظفت المنزل وأحضرت الطعام وأعطت ليلى علاجها سواء الإبرة أو علاج لجروحها الأخرى، ورغم أن ليلى لم تأكل سوى بعض اللقمات إلا آن سلمى لم تجبرها على تناول المزيد، فا هي تعلم حزنها وعدم إرتياحها بعد بالمكان ولا بحالتها تلك.
إتصلت سلمى على أهلها وإستأذنت إنها تبات مع ليلى، ووافقوا بعد إلحاح كبير منها...
وفرشت سلمى مرتبتين صغيرتين على الأرض في غرفة النوم الصغيرة...
وإستلقت هي وليلى عليها.
قالت سلمى بنعاس:
_نامي وإرتاحي بقى، بكرا عندنا شُغل كتير.
ردت ليلى بخفوت وعيناها للسقف:
_حاضر...شُكراً بإهتمامك بيا يا سلمى.
إبتسمت سلمى قائلة :
_العفو يا نور.
صمتت الإثنتان وأغمضت سلمى عيناها ونامت بالفعل من إرهاقها...وظلّت ليلى مُستيقظة قليلاً، غير مُعتادة على المكان بعد.
رفعت يدها ولامست خصلات شعرها الويفي الأشقر، وتحديداً لأطرافه وهي تشعر بأنه مقصوص بسبب حدة أطرافه...تنهدت وإعتدلت بإستلقائها جيداً...ثُم أغمضت عيناها بإستسلام للنوم.
فتحت عيانها بعد ثواني، ولكن الغريب بأنها واقفة في مكان مُظلم مُخيف وموحش....نظرت حولها وهي تحاول الإستيعاب....وفجأة وجدت بقعة بيضاء يشع منها نوراً أبيض ناصع...
إبتسمت حتى ظهور أسنانها وهي تظن بأنها تستطيع الرؤية...ركضت بكل سرعتها وهي فرحة لدرجة بُكائها...
ولكن لاحظت بأن البُقعة البيضاء تبتعد أكثر وآكثر وتبتعد عنها كثيرا وكأنها في نهاية العالم،ولكنها ظلّت تركض وتركض...ولكن لم تصل لشئ.
إختفت إبتسامتها ووقفت مكانها وهي تنظر للبقعة البيضاء وتلتقط أنفاسها...والحزن إحتل ملامحها مُجدداً وفقدت الأمل وإستسلمت، ولم تعد تستطيع المُقاومة والركض...
تساقطت دموعها وشهقاتها الخافتة تصدر منها بحزن وعيانها تنظر لتلك البُقعة....
_إجـري
شهقت بفزع عندما سمعت صوتً حاد ورجولي عميق يرن في أرجاء المكان...شعر قلبها بالخوف وهي لا تعلم السبب ولكن الخوف تسلل إليها وكإنها يعرف تلك النبرة جيداً....
_إهربــــي
كان الصوت أقوى ومُخيف أكثر، مما جعلها ترتعب...وتركض بالفعل للأمام غير واعية ممن تهرب أو من يتحدث...ولكنها خائفة وقلها ينبض بسرعة وتشعر بأحد يركض خلفها...تشعر بأن هُناك من يُلاحقها وهي لا تراه...
أنفاسها بدأت تضيق وهي تركض بسرعة وبسرعة وبسرعة، ولا تصل لتلك النقطة البيضاء، ولكنها لا تتجه لها الأن، بل تهرب من المجهول تهرب ممن يلاحقها وكأنها تهرب من المو*ت...
فجإة وقعت بقوة على الأرض لدرجة تألمها...تأننت بألم وصوت مختنق...وهي تشعر بخطوات خلفها تقترب منها...لفت وجهها بسرعة ونظرت لمن يُلاحقها...لم تجد آحد ولا أحد...نظرت حولها كثيراً ولم ترى أي شئ، حتى تلك البُقعة البيضاء إختفت ولكن صوته لم يختفي ما زال يضرب مسامعها وهي ترتجف وتنظر حولها على آمل معرفة صاحب الصوت...
_إهربي
_إجري
_إنجي بحياتك
_إجري لو عايزة تعيشي
_حاولي
صرخت بقوة وهي تُمسك رأسها بين يديها ليبتعد ذالك الصوت، صرخت...صرخت بكُل قوتها وبكلل حواسها وألمها و....
شهقت بقوة وفتحت عيناها وهي تنظر للأمام، ولكنها لا ترى سوى الظلام مُجدداً... جلست، وبكت بنحيب وإنهيار..
وإستيقظت سلمى على صوتها وجلست بجانبها بقلق قائلة :
_في إيه يا نور!...إنتي كويسة؟؟؟
قالت وسط بُكائها :
_مش عارفة...مش عـارفة.
وأكملت بُكائها دون سبب مُحدد هي لا تعرفه، وظلّت سلمى بجانبها تُربّت على كتفها بإشفاق على حالة تلك المسكينة.
بــــــــــــــــــاك
فاقت ليلى من حديثها وذكرياتها مع سلمى على رنين صوت ما، وكان صوت هاتف سلمى.
ردت سلمى وصمتت قليلاً ثُم قالت:
_خلاص جاية.
قفلت سلمى الهاتف وقامت وقفت قائلة :أنا هروح بيتي دلوقتي يا نور أشوف ماما عايزة إيه وأجي.
قالت ليلى بهدوء:
_ماشي، براحتك.
أومأت سلمى وقالت وهي ترتدي جاكتها الصوفي:
_متنسيش الحقنة بتاعتك ها، وهبقى أجبلك كمان مجموعة وأنا راجعة...وإلبسي دلوقتي عشان نروح الماركت.
قالت ليلى:
_حاضر...شُكراً يا سلمى.
ضحكت سلمى بسخرية قائلة :
_يابنتي بقالك خمس شهور بتُشكريني كُل ما تسمعي صوتي، خفي شُكرك دا شوية.
إبتسمت ليلى قائلة :
_كانت شهور صعبة، بس الحمد لله عدت على خير.
أومأت سلمى وودعتها وتحركت وخرجت من المنزل، ووقفت ليلى وتحسست الحائط بيدها وتحركت ناحية المطبخ ببطئ...أجل هي هُنا منذ ستة أشهر حتى الأن،تعمل وتصرف على نفسها وعلى علاجها وشرابها وطعامها، وما يتبقى تقوم بتدخيره لإجل العملية.
_مصر
_الساعة: 5:22 مساءً
_في إحدى الفنادق الفخمة
_وتحديداً في غُرفة واسعة وأنيقة ذات ديكور حديث وعالي الطراز.
وقف آريان أمام الشرفة الواسعة، ونظر للأمام بملامح مُتجمدة، ولكن داخل عقله صراعات كثيرة...معه وضده في آن واحد.
لقد رآى تلك الفتاة كانت تُشبهها في وزن جسدها وكان شعرها أشقر طويل، ولكنها لم تكن هي...لم تكُن ليلى،فالبتأكيد كيف لضحيته بالنجاة؟...عندما سمع تلك النبرة ظنّ بأنها هي تُناديه كأخر مرة، ولكنها لم تكُن هي...
ولأول مرة يكتشف بأنه تائه.....
وكأن الموج الذي بلون عينيه يضرب أفكاره ويجرفها لشاطئ السواد، ومُنتصف المُحيط يبتلعه لكي لا ينجو، ولكنه مازال يُحاول الهرب...ولكن من ماذا يهرب؟...هل من أفكاره؟ أم ماضيه؟ أم ضميره؟....أم ليلى؟
فاق من حبل أفكاره عِندما رنّ هاتفه...إلتقطه بهدوء من جيب بنطاله الأسود، واضعه على أذنه دون حديث، وجاءه الرّد من الهاتف :
_كم ستستغرق للقضاء عليه؟
_
أجاب بنبرته الثلجية:
_متى تُريدني أن أنتهي مِنه؟
_
صمت الرجل قليلاً وكأنه يأخذ وقتاً ليندهش من ثقة ذالك القاتل، فا قال آريان ببرود:
_أسرع، فا ليس لدي وقت.
_
قال الرجل بعدما جعل نبرته هادئة وموزونة:
_هو شخص قوي، والقضاء عليه صعب...ولكني سأرى ما تستطيع فعله، وخلال يومين فقط أُريد سماع خبر موته...وإبدأ من الغد وخذ الليلة إستراحة.
كان يعلم ذالك الرجل بأن يومين وقت قليل جداً، فا آريان يبحث عنه ويحضر معلومات عن ضحيته الجديدة وخاصة بأن هذه الضحية لم تكن عادية بل كان"وزير المالية" ولكنه أراد أن يختبر آريان ويرى إن كان حديث الجميع عليه صحيحاً أم لا، وبأنه يُنجز مُهمته بسرعة والخوف والتردد لا يعرف له مدخل....
وبالفعل لم يستغرق آريان ثانية حتى قال بهدوء:
_حسناً...لك ذالك.
_
وفي الجهة الأخرى إبتسم الرحل ورفع حاجبيه بإعجاب ودهشة، ولكن لنرى إن كان هذا سيستمر....
وأغلق آريان الهاتف، وألقاه على الأريكة وتحرك ناحية السرير وإستلقى عليه بعدما نزع جاكته الجلدي ووضعه على طرف نهاية السرير...
نظر للسقف وتخيل وجه ليلى أمامه تبتسم، تضايق وأغمض عينيه...وإستلقى على جانبه الأيمن...ولكنه ما إن فتح عينيه حتى وجدها مُستلقية بجانبه وتنظر له وعاقدة حاجبيها بغيظ منه وشفتاها السُفلية ممدودة للخارج.
سكن مكانه، ولم يستطيع التحرك ولم يرمش أو يجفل للحظة، ظلّ فاتحاً عينيه الهادئة ينظر لها، لم يُصدم ولم يندهش بل ظل هادئ، فا هذه ليست أول مرة يتخيلها بل هي المرة المليون...يعلم بأنها خيال ولكنه يُمعن التحديق في تفاصيلها الرقيقة...كان يعلم بأن خيالها ذاك حزين منه، لكن لما؟...ولماذا الأن؟
_إنت كدّاب
كان صوتها من تحدث، ولكن خيالها لم يفتح فمه حتى، فمن تحدث؟...هل كان الصوت يأتي من عقله فقط؟
_كدبت عليا
_وثقت بيك
_وخذلتني
_وغدرت بيا
_إنت أناني
_إنت وحش
_إنت شيطان
أغمض عينيه بقوة وغضب لا يعلم سببه، ولكنه إستقام وجلس على حافة السرير وأمسك رأسه بحده، لف وجهه ونظر لمكانها ولكنه لم يجد شئ ولم يجد خيالها حتى...صدره العريض يهبط ويعلو بحدة، زفكه وملامحه إشتدت...
قام وقف وإلتقط هاتفه، وأخذ مفاتيحه وتحرك خارجاً من الغرفة،بل من الفُندق بأكمله...
_في كُمباوند راقي، وتحديداً أمام إحدى الفيلات الفخمة والواسعة...يقف أمامها الكثير من الحراس حول الفيلا للحراسة.
وكان في بُقعة بعيدة ومُظلمة يقف آريان على إحدى المباني، ويراقب الفيلا بمنظاره...
ومعه تابلت يرسم علبه بدقة وكأنه يُصمم منزل، حتى صنع مُخطط للفيلا من الخارج ووضع آمامها بعض النقاط الحمراء وكأنها تمييز للحراس.
إنتهى من الرسم، وظلّ يراقب خطوات الحراس وتبادلهم مع بعضهم وفترة إستراحتهم، ومواعيد خروج الوزير ودخوله وعدد أفراد عائلته وعدد الخدم الموجودين....
إنتهى لليوم، وإستقام وإرتدى حقيبة ظهره ذات لونه المعروف، وتحرك وخرج من المبنى....وإتجه ناحية دراجته النارية ذات اللون الأسود القاتم الذي يلمع، صعد وإرتدى خوذته، وإنطلق بهدوء...
ظل يقود بالدراجة حواليٍ ربع ساعة، حتى وقف بسبب إشارة المُرور...
ثوانٍ ثُم تحركت السيارات، وإنطلق هو أيضاً....لم تمر دقيقة حتى.....
_سلـمــــى
توقف فجأة وبدون سابق إنذار عندما سمع صوتً يعرفه جيداً، رغم صوت السيارات والطريق والناس، إلا آنه سمعه وإستطاع تحديد مكانه...توقفت السيارات خلفه بقوة مُصدرة صوت إحتكاك الإطار بالطريق....صرخ بعض الرجال بغضب بسبب التوقف المُفاجئ، ورفع آريان كف يده للخلف دون النظر لهم وهو ينظر حوله فقط ليلتقط مصدر الصوت.
وجد مول كبير بدورين ولافتة كبيرة ومُنيرة بأضواء خضراء تُنير إسم المول.
تحرك بدراجته حتى وصل لهُناك، ولكنه لم يجد أي أحد، أو بالتحديد لم يجدها هي...
ولكنه وجد المول مفتوحاً وبعض الأشخاص يشترون منه بالداخل بما أنها حوائط المول من زجاج شفاف.
وضع دراجته في المكان المُحدد للركن، وترجل منها ونظر للمكان من حوله بهدوء وحذر، كان يشعر أن ما يفعله جنون، وأنه يتخيل أيضاً ولكنه يُريد التأكد...
دخل المول بهدوء واضعاً يديه في جيب جاكته الشتوي، بعدما نزع خوذته،و كانت ملابسه السوداء مُثيرة للشكوك من العمّال، رغم بأن ملابسه كاجوال وعادية، إلا أن نظراته تحوم بالمكان بشكل مُريب، لا يعلمون بأنه يبحث لا يستعد لهجوم مثلاً!
إقتربت منه فتاة وإبتسمت وهي تدقق في ملامحه الجذّابة وقالت:
_ممُكن تقولي بتدور على إيه؟...يمكن أقدر أساعدك!
لم ينظر لها حتى، وظل يجول بعينيه في الأرجاء يبحث عنها وهو واثق بأنه لن يجدها، ولكنه يُريد إرضاء ضميره المُتعطش لرؤيتها فقط، وهل يا ترى ضميره فقط من يُريد رؤيتها؟
_و عند الباب الخلفي للمول عند زقاق طويل وشبه مُظلم، واقفة ليلى بجانب الباب الخلفي وهي ترتدي ملابسها بنطالاً جينز واسع وبلوفر وردي...
_ياسلمى يلا بقى.
كانت تُنادي سلمى ليذهبن للمنزل بعدما إنتهى دوام عملهما، وهي لا تستطيع الذهاب لمنزلها بدون سلمى...
خرجت سلمى من الباب وهي تُعدل ملابسها وقالت:
_خلاص خلّصت الله، ما تهدي شوية.
قالت ليلى:
_عايزة أرجع البيت بدري عشان الإبرة، نسيت أجيبها معايا.
قالت سلمى وهي تشبك ذراعها بذراع ليلى وتتحرك:
_لو جرالك حاجة هصوت وألّم الناس متقلقيش.
ضحكت ليلى بخفة قائلة :
_وهعيش يعني أول ما الناس تتلم عليا؟
قهقهت سلمى قائلة :
_هيجيبوا في سيرتك، هو دا إل فالحين فيه.
سكتت ليلى وهُم يتحركون وليلى مُمسكة جيداً في سلمى وتمشي ببطئ وحذر...
وقفت سلمى مرة واحدة عندما تذكرت شيئاً وإتضح الدهشة على ملامحها قائلة :
_ينهار حلاوة...نسيت شنطتي.
وقفوا الإثنتان وقالت ليلى بسخرية:
_وبتقولي عليا إني فاقدة الذاكرة وناسية الأرض واليابس.
قال سلمى وهي تترك ذراعها بغيظ:
_ما إنتي إل إستعجلتيني وكُل شوية يا سلمى يا سلمى، وأهو نسيتها بالفلوس بالتلفون.
قالت ليلى بغيظ:
_ما إنتي إل بتلبسي في سنة.
ردت سلمى:
_المرة الجاية هطلعلك ملط.
ضحكت ليلى غصب عنها، وملامح سلمى كانت متغاظة ولكن فور ضحك ليلى لم تستطيع كبح ضحكتها أيضاً وضحكوا الإثنتان.
إتنهدت سلمى وقالت:
_خلاص، أقفي هنا دقيقة، وأنا هرجع أجيب الشنطة ونمشي.
قلقت ليلى ورمشت قائلة بإرتباك:
_لأ إستني،أنا....
قاطعتها سلمى وهي تعود للخلف بسرعة:
_دقيقة ولله يا نور، هاخدها جري...إستني.
كادت ليلى على الحديث، لكن سلمى جريت لمكان المول بسرعة كي تحضر حقيبتها وكي لا تتأخر على ليلى كثيراً...
إرتبذت ليلى أكثر، وثبتت مكانها وهي لا تعرف أين تذهب أو أين تتحرك في حالتها تلك وهي لا ترى شيئاً...
إبتلعت ريقها من برودة الجوّ وسكون المكان، وصوت السيارات الخافت الذي يأتي من بعيد...
ضمّت ذراعيها لصدرها، وضمت شفاهها السُفلية للداخل بخوف، ومازالت تنتظر سلمى... لكن
فجأة سمعت صوت غريب، صوت شئ يقع على الأرض مثل زجاجة وتتدحرج في المكان، ثُم سمعت همسات رجال، وخطوات أقدام لم تحدد عددها.
عادت خطوة للخلف بخوف، وقررت بأن تلتف وتعتمد على ذاكرتها وتعود للمول، ولكنها إلتفت كثيراً ولا تعرف من أي إتجاه تذهب وخاصةً مع توترها ورعشتها تلك.
_هههه،إلحق يالاا شوف لقيت إيه!
قلبها فُزع عندما سمعت صوت إحداهم وهو قريب منها، وسمعت شخصاً أخر يقول:
_أوبّا، إيه المكنة الحلوة دي.
سمعت صوتاً أخر يقول ويتضح بأنهم ثلاثة:
_مفيش حد في الشارع، إنجزوا وشوفو هتعملوا معاها إيه...
إتخضت بعد تلك الجملة وقد فهمت مقصدهم، ولفت وجريت بسرعة وهي تشوح بذراعيها للأمام ولا تعرف شيئا، ولا تعرف إل أين تذهب وخائفة من أن تصتدم بشئ ولكن خوفها من هؤلاء الوحوش أكبر.
ولكن للأسف وقعت بسبب حجر مُلقى على الأرض، وتعثرت ووقعت على ركبتيها بقوة...
تساقطت دموعها من الخوف وهي تصرخ بصوت مُرتجف وتستنجد بأحد:
_سلـــــــــــمى
سمعت صوت ضحكاتهم عليها، وظلّت تُحرك يديها على الأرض تبحث عن حقيبتها...
ولم تشعر بذالك الذي إقترب منها وشوّح بيده أمام عينيها ولم يجد أي رد فعل منها وهي مازالت تبحث عن حقيبتها وعلم بأنها لا ترى، فا ضحك ثُم قال:
_إلحق ياض، دي عمياة مش بتشوف.
قلبها قبض أكتر عندما سمعت صوته بجانبها، إتخضت وإلتفت بسرعة وقامت وقفت بخوف وركضت للأمام مُجدداً، ولكن....
إصدمت بشئ بقوة جعلتها تشهق بخفة وتعود للخلف خطوة غير مُتوازنة....لم يكن حائط ولكنه صلب، لم يكن حجر ولكنه قوي، لم يكن جماد بل يتنفس ويتحرك، كان بشرياً، ولكن من؟
_إنت مين؟
_إمشي من هنا أحسنلك.
سمعت أصوات هؤلاء الرجال يتحدثون مع أحد، لكن من؟...
إخرج إحدى الرجال سكينة من جيبه قائلا بحدة:
_إمشي يا حلو عشان مأعملش وشك خريطة....لم يتحرك ذالك الشخص، بل ظلّ يُحدّق بها...بـ ليلى.
ركض إحدى الشباب ناحيته وهو مُمسك بالسكينة...وكاد على طعنه في جانبه، ولكن....
في ثانية كانت تلك السكينة على رقبة صاحبها، عندما لف ذالك الرجل ذراعه بحركة خفبفة وسريعة قلبت الموازين....
وظهر وجه ذالك الرجل بسبب ضوء العمود، لم غاضباً ولكن هدوءه مُخيف، لم يكن مُتحركاً ولكن ثباته يدّب الرعب في قلوب الحاضرين، ملامحه حادة عيونه خطيرة وحركاته أخطر وبنيته واضحة، وقوته ظاهرة..
ذا عيون زرقاء تلمع كا سِنٍ حاد يُشبه سيفٌ صاعق.... إنه آريان..
رجعت ليلى للخلف وهي خائفة وتبكي ولا تعلم لما حلّ هذا السكوت الحاد، ماذا يحدث؟ وهل جاء أحدهم لينقذها؟ أما أنها مازالت ستكون ضحية؟
ضغط آريان بيده على يد ذالك الرجل المُوضوعة على رقبته وفي يده سكينته...صرخ الرجل عندما شعر بغرز السكين في رقبته..
وركض صديقيه الأخرين لإنقاذه، فا إذا بآريان يترك ذالك الشاب ولكن بعدما نتش منه سكينته، وإتجه ناحية الشاب الثاني، و إلتف وضربه بكوع ذراعه في مُنتصف وجهه.
ووقع الشاب بألم وهو يضم أنفه بيديه، ويحاول منع ذالك النزيف الذي يتساقط من أنفه.
تحرك بحركة خاطفة ناحية الشاب الثالث ووقف أمام دون حركة وهو ينظر له فقط...وإرتعب الشاب الثالت من نظرات ذالك الغريب التي تُشبه نظرات ديب يُحدق بفريسته...
إعتذر الشاب الثالث بسرعة ورجفة ولف وركض بسرعة خارجاً من ذالك الزقاق الذي كان سيشهد مقطع مو*ته،وأنا الشاب الأول صاحب السكين وضع يده على رقبته بألم يمنع نزيف رقبته رغم بأنه لم يكن كبيراً إلا أنه يؤلم وإن لم يُعالجه سيسوء الوضع.
ولكنه لم يستسلم وركض ناحية آريان ليضربه بوجهه، ولكن فجأة...وقع الشاب وهو لا يعي شيئاً أثر بوكس قوي إلتقطه من آريان، وقع الشاب على الأرض لدرجة إهتزازها ويُجزم بأن ضربة أخرى من ذالك الوحش ستنهى حياته.
فقام صاحبه الثاني بسرعة ذات الأنف المكسور وهو يلتقط بنظراته آريان الذي ينظر لهم فقط بهدوء تقشعر له الأبدان، وأخذ صاحبه الواقع على الأرض من أثر الضربة وتحركوا بسرعةوهم يعرجون ليخرجوا من ذالك الزقاق.
حرّك آريان ناظريه ناحية تلك الواقفة والخوف والرجفة واضحين على أطرافها، ظلّ يُمعن بملامحها وبكل تفصيل بدايةً من عينيها وطول شعرها الذي أصبح قصيراً جداً عن طوله الطبيعي وظل ينظر من أعلاها حتى لأسفل قدميها...كان يلاحظ تقلب عينيها للأسفل وبؤبؤتها لم تتجه له حتى الأن وكأنها لا...تراه.
تحرك ناحيتها خطوة واحدة، ولكنها سمعت تلك الخطوة وعادت للخلف بخضة وخوف حتى تعثرت بحجر أخر خلفها ووقعت على مؤ.خرتها...
إقترب منها ،وهي تزحف للخلف وتستمع لصوت الأقدام تقترب منها، ولكن إلتصق ظهرها بالحائط من خلفها مما جعلها تتوقف وتحاول السمع أكثر بإرتباك وبتقلب ملامحها وعينيها.
وقف هو أمامها مُباشرةً ونزل لمستواها وعينيه مازالت تُحدق بها ولا تفارقها لثانية، حتى منع نفسه من الرمش كي لا يُصدم بأن هذا حُلم، مازال يستوعب بأنها حيّة، مازال يسمع أنفاسها الذي يحفظها عن ظهر قلب، مازالت ملامحها كما هي...
شعر بشئ ساخن يحاوطه من صميم قلبه، شئ لا يعرف تفسيراً له، ولكنه ليس غاضب، أو مُتضايق بأن إحدى ضحاياه حيّة، بل مُرتاح، وهادئ...بل وأكثر من هذا.
تحدثت هي وهي ترتعش بسرعة وأنفاسها مسموعة مع نبرة صوتها المُتقطعة:
_سـ...سلمـى؟
لم يتحدث هو، بل ظلّ مكانه يُريح أُذنيه من سماع صوتها الخافت الذي وطالما كان يُحرك شيئاً بارداً داخله.
هدّإت من صوت أنفاسها المُرتبكة، وحاولت سماع شئ، أنفاسه صوته أي شئ، ولكن لم تستطيع، فا أنفاسه كانت مُتزنة وخافتة عكسها...ولكنها إستطاعت إشتمام رائحته الذي تغلغلت داخل أنفها إنكمش قلبها عندما شمّت تلك الرائحة شئ غريب يُدغدغ أنمالها...تلك الرائحة هادئة،روجولية، مُثيرة، ولكن مهلاً!...لمن تلك الرائحة؟ ولماذا تشعر بأنها تعرفها، تشعر بالراحة بمُجرد إستنشاقها...
وبالفعل هدأت أنفاسها وأنفها يتنفس ببطئ وهو يلتقط تلك الرائحة، شعرت بسببها بأن لا داعي للخوف وإختفت دموعها أيضاً دون إرادة أو تحكم منها، وكإن قلبها وحواسها تُعطيها إشارة للإطمئنان وبأن هذا ليس بشخص غريب.
أما هو عندما لاحظ هدوءها وعدم بكائها وتوازن أنفاسها، ظنّ بأنه عرفته وبأنها تعرف من هو ولكنها صامتة، لذالك قرر أن يُبادر هو.... :
_لـيـلـى..
إنتفض قلبها بمُجرد سماعه لذالك الأسم وذالك الصوت الأجش العميق، كان صوته خافتاً ولكن سكون المكان هو من جعلها تسمعه، بل أن صوته مسموع ولكنها تُفكر أكثر وأكثر عن الازم...
ولكنها لم تعي على نفسها وهي ترفع يدها ببطئ للأعلى لمصدر الصوت، لناحية ملامحه...وهو يُحدق بها فقط تاركها تفعل ما ستفعله، ولكن....
_نـــــــــــــور
توقفت فجأة عندما سمعت صوت سلمى يُناديها من بعيد...حركت رأسها لتستمع لمصدر صوت سلمى، وإستندت بيديها على الأرض ووقفت وهي تلتمس الحائط مُنادية بسرعة:
_سلمىىىىى
شوحت بإحدى ذراعيها للأمام مكان مصدر صوت ذالك الرجل ولكنها لم تلتمس شيئا وكأنه لم يكن يوجد أحد منذ البِداية...
سمعت صوت خطوات سرعة وكانت سلمى الذي رأتها وركضت ناحيتها بقلق قائلة وهي تنهج :
_سامحيني يا نور، معلش أنا أسفة مش هسيبك تاني ولله.
وإقتربت منها وحضنتها بسرعة، وربتت ليلى على ظهرها قائلةبخفوت:
_إنتي ?