
ــ أنا قلبي حساه مقبوض يا مهجة، خايفة ميكونش بخير ولا يكون جراله حاجة.
ــ أنا واحدة حامل وفيا اللي مكفيني، وبعدين ما هو قلبك بس اللي خفيف غير كده مفيش حاجة وهو كويس متخافيش.
إتعدلت في قعدتها وبعدين قالت:
ــ ناديلي على مهران من برة.
ــ ليه يعني ؟
ــ عاوزة أفضل ابصله كتير علشان اللي في بطني يطلع شبهه.
ضحكت على تفكيرها وقولت:
ــ الله بمسيكي بالخير يا مهجة، فكرتيني بأيام ما كنت في بلدنا.
ــ عملتي إيه صح في موضوع جدتك؟
ــ موضوع الورث بتاعك.
ــ مش عايزة منهم حاجة صدقيني، كفاية إني نفدت منهم.
ــ بتحلمي، قال مش عايزة حاجة قال! إن شاء الله عبدالقادر يرجع بالسلامة ويجيب منهم حقك ولو رفضوا يبقى هما اللي اختاروا.
ــ كان نفسي يأخد إجازة يومين حتى يقضي معانا أول رمضان.
ــ شغلي الراديو يا مهجة بدل أم السيرة دي .
شغلته وأول حاجة سمعناها
" "ردًا على العدوان الغادر الذي قام به العدو ضد قواتنا في كل من مصر وسوريا، يقوم حاليًا بعض من تشكيلاتنا الجوية بقصف قواعد العدو وأهدافه العسكرية في الأراضي المحتلة."
تنحت وقعدت مكاني بعد ما كنت هقوم، أعصابي سابت قلبي وقع في رجليا.
ــ هي... هي كده الحرب بدأت؟! يارب رده ليا سالم.
قربت مهجة علشان تهديني بس.. بس أنا مفيش حاجة هتهديني ولا تريح قلبي غير إنه يرجع سليم.
ــ أكيد ربنا مش هيبسيبهم وحدهم وهينصرهم على العدو.
زاد بكايا وأنا بقول:
ــ أنتِ مش عارفة حاجة يا مهجة، هو قالي إنهم بيتجهزوا بس قال برضو إن التانيين أقوي منهم، أقوى بكتير، يا خوفي ليجراله حاجة، ده أنا أموت فيها.
بعد ما أعلنوا خبر النصر، الأرض ورجعت لصحابها بس هو فين؟
الحرب منتهتش، تسعتاشر يوم من غير ما يهدأ قلبي ولا يتطمن، كل شوية أسمع قرار ولا خبر، بس مش عارفة أتواصل معاه إزاي.
ربنا كان ملقي في قلبي ثبات وصبر والله ما عندي علم إزاي، سمعت عدد الشهداء اللي هما أكتر من عشرتلاف شهيد بس قلبي لسة ثابت، بدعي كل يوم وطول الوقت إنه يكون بخير، عندي ثقة في إن ربنا مش هيردني خايبة.
عم مجاهد دخل ومعاه مهران في إيده وقال:
ــ مش عايزة تشوفي عبدالقادر ؟
اتنفضت من مكاني وسألته بلهفة والدموع سبقاني:
ــ يعني هو كويس ياعم مجاهد؟ بخير ومجرالوش حاجة ؟
ــ هنروحله المستشفى.
ــ مستشفى إيه؟ هو ماله؟ مش سليم؟؟
ــ تعالي وانتِ هتعرفي.
لبست عبايتي ولفيت الشال وفي ثانية كنت ماشية معاه.
ــ طيب أخد مهران معاي ؟
ــ سيبيه هنا عند أم سالم، إحنا مش هنطول.
روحت معاه المستشفى فعلاً، بقدم رجل وبأخر التانية خوف، وبحاول في نفس الوقت إني أروح له بسرعة علشان اتطمن عليه.
أول ما دخلنا العنبر اللي هو فيها أنا جريت عليه، وقفت وأنا خايفة أقرب منه لأوجعه.
كانت رجله لحد ركبته ملفوفة بشاش ودراعه مربوط.
قربت وأنا بعيط وهو باصص لي باشتياق:
ــ كده توجعني عليك وتغيب كل ده؟
ميلت عليه من ناحية دراعه السليم وحضنته وقعدت أعيط، كل الصبر والثبات اللي كانوا عندي راحوا .
ـــ شوفي بقى قولت أما أعرف أنا غالي عليكي ولا لاء.
ضحكت من بين دموعي وقولت:
ــ مفيش أغلى منك .
قعد أسبوع في المستشفى وبعدها طلع وروحنا.
لقيت مهجة ومرات عم مجاهد ومرات أخو عبدالقادر كانوا في البيت مستنيينا ومجهزين الأكل ومروقين الدنيا وكمان واخدين بالهم من مهران.
لثواني كنت هعيط لما شوفتهم عملوا كل ده وتعبوا روحهم.
بعد ما دخلت مع عبدالقادر علشان يريح بعد ما خد العلاج وكان هينام فطلعت.
ــ أنا مش عارفة أشكركم إزاي والله أنا تعبتكم معايا، والله ما كان لازم تتعبوا روحكم كدا وأنا كنت هرجع واخلص بدل ما تعبتكم.
نزلت دمعة من عيني فقامت مهجة وحضنتني وطبطبت عليا وقالت:
ــ طب والله عنينا ما يتعزوا عليكي بدور، أنتِ بنت حلال وتستاهلي.
قالت مرات عبدالله أخو عبدالقادر:
ــ ده إحنا نخدمك برموش عنينا، ده أنتِ مرات عبدالقادر والسبب بعد ربنا في نجاتي أنا وعبدالقادر الصغير.
كانت شايلاه على إيدها وقربت وقالت:
ــ شوفي بيبتسم لك أهو حبك.
ابتسمت ليهم ورجعت شكرتهم تاني، في نفس اللحظة اللي لقيت أم عبدالقادر طالعة من المطبخ ومهران ماشي جنبها وماسك إيدها.
بصيت لمهجة باستفهام وأنا مش عارفة هي بتعمل إيه هنا فطبطبت على إيدي وأنا مش فاهمة ردة فعلها ولا سبب وجود أم عبد القادر.
مدت إيدها فسلمت عليها، بعدها قعدت على أقرب كنبة وقالت:
ــ متبصيش كده، أنا عارفة إنك مستغربة وجودي بعد كل ده.
سكتت ومرديتش وأنا مستنياها تكمل.
ــ عرفت يا بنتي إن الواحد مش قد إنه يخسر ضناه علشان شوية عِند، حتى لو بيبان إني جافة، بس خوفي على ضنايا ومن إني اخسره كفيل يخليني أشيل كل ده واحطه على جنب، واعترف إنك جدعة وأصيلة وإني كنت ظلماكي، أنا محقوقة لك.
ــ متقوليش كده يا عمة، كلنا بنغلط وربنا بيغفر لينا ويعفو ويسامح هنيجي إحنا البشر ونتجبر؟
مفكرة إن اذاها البسيط ليا يعتبر أذى!
دخلت عنده بعد ما كلهم مشيوا، نيمت مهران على الكنبة اللي في نفس الأوضة اللي هو بينام فيها وأنا رصيت مخدات وقعدت جنبه.
كان بيإن من الألم وبدأ يصحى.
ــ أنت كويس؟ في حاجة وجعاك؟
ــ رجلي، الحرق اللي فيها كإنه قايد نار.
ــ طيب الحكيم قايل كفاية اللي خدتها قبل ما تطلع وبعدها تأخد واحدة تانية بس مش دلوقتي.
ــ الدكتور.
ــ أنت فايق تصحح اختلاف الثقافات اللي بيناتنا وسايب المهم.
حاولت أخرجه من التفكير في جروحه وسألته:
ـــ قولي بقى الحرب بدأت إزاي ؟
حاول يتعدل فسندت المخدة وراه وساعدته يتعدل، حاولت فيه يأكل بس مرضيش فسكت وقعدت اسمعه.
ــ قعدنا سنين نجهّز… تدريب للجنود، تطوير سلاح، ودراسة لكل حاجة عند العدو.
كنا بنحسبها بالورقة والقلم… إمتى نضرب؟ وإزاي؟ وعلى أي أساس؟أهم حاجة كانت عنصر المفاجأة.
ماينفعش ندخل حرب وهم مستنيينا.
فبدأنا نختار وقت مناسب، يوم يكون فيه العدو مش مركز، وفي نفس الوقت جنودنا جاهزين.
لحد ما استقر الرأي على يوم 6 أكتوبر… اللي وافق يوم عيد عندهم، وده كان جزء من الخطة.
الساعة 2 الضهر… دي برضه ماجاتش كده وخلاص.
اتحسبت على أساس ضوء الشمس، وحركة الطيارات، وكل التفاصيل الصغيرة.
وأول ما الساعة جت…
اتفتح ضرب مدفعي مكثف على طول الجبهة… تمهيد قبل أي حركة.
في نفس اللحظة، الطيران انطلق يضرب أهداف محددة جوه سينا… مواقع مهمة للعدو.
بعدها على طول، بدأت القوات تعبر القناة.
دي كانت أصعب خطوة في الخطة كلها.
كنا عاملين حساب الساتر الترابي… وفعلاً استخدمنا الميه علشان نفتحه، ودي كانت فكرة بسيطة بس فعالة جداً.
واللي حصل بعدها…
إن القوات قدرت تثبت مواقعها بسرعة، وترفع العلم.
وقتها بس… قدرنا نقول إن البداية نجحت.
ــ وأنت اتصابت إزاي بقى؟