رواية عشقت محتالة الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم سلمى جاد


رواية عشقت محتالة الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم 
سلمى جاد


عربيات الحراسة كانت محاوطة مدخل السجن، والجو كان كئيب ومقبض، سما القاهرة كانت مغيمة وكأنها بتعلن عن نهاية فصل أسود من رواية آل السويسي. أدهم نزل من العربية بخطوات تقيلة، لابس نظارته السوداء .

دخل المكتب المخصص لإنهاء إجراءات استلام الجثامين، وصوت وقع جزمته كان بيرن في الممرات الضيقة. أول ما فتح الباب، اتجمد مكانه.. ملامحه اتصلبت وعيونه ضاقت من الاستغراب.

محمود كان واقف هناك، ساند بإيده على المكتب وبيخلص تصريح الدفن. أدهم وقف مكانه لثواني مش مستوعب، وبعدين قرب منه وصوته طالع حاد زي الموس:
"محمود بيه؟! إنت بتعمل إيه هنا في وقت زي ده؟ وإيه اللي جابك سجن عشان تخلص إجراءات دفن عمي؟"

محمود بص لأدهم بنظرة هادية جداً، نظرة فيها حزن دفين وغامض، وطبطب على كتفه ببطء:
"مش وقته يا أدهم.. اهدى وخلص إجراءاتك، والجثة هتتحرك دلوقتي على الجامع ومنه للمقابر. هفهمك كل حاجة في وقتها."

أدهم سكت بضيق، وبدأ يوقع على الأوراق بآلية، وعينه جت بالصدفة على خانة الزيارات الأخيرة في الدفتر المفتوح قدامه.. شاف اسم محمود ،مكتوب بخط واضح بتاريخ أمس.

 أول ما خرجوا لباحة السجن الخارجية والجثة بدأت تتحمل في عربية الإسعاف، أدهم وقف قصاد محمود ومنعه يكمل مشيه:
"لأ.. لحد هنا وكفاية! .. إنت كنت هنا امبارح ليه يا محمود بيه؟ إيه اللي يخليك تيجي تقابل إبراهيم السويسي في زيارة خاصة؟ وبعدها الراجل يجيله أزمة قلبية ويموت؟ قولتله إيه خلاه يتصدم لدرجة تحيله أزمه قلبيه ويموت بعدها؟"

محمود بص في عين أدهم، ونظراته كانت غريبة.. ميكس بين الشفقة والحب والخوف، وقال بصوت واطي ومبحوح:
"صدقني يا أدهم.. الحقيقة اللي شايلها بقالها سنين تقيلة أوي على قلبي، ومكانها مش قدام باب سجن. إكرام الميت دفنه، خلينا نخلص الجنازة وندفن إبراهيم .. وبعد العزا، أوعدك هقعد معاك وأحكيلك كل حاجة من أول يوم لحد اللحظة دي."

أدهم سكت، مكنش قدامه غير إنه يوافق وهو جواه بركان هينفجر من التساؤلات.

__________________________________

في دار المناسبات، كان صوت الشيخ بيصدق بآيات الله في ختام العزا، والصوت ليه رنة بتهز القلوب وسط الفخامة والسكوت اللي حل على المكان. الناس بدأت تنسحب واحد ورا التاني، وكل اللي فاضل كان ريحة البخور وصوت الهوا وهو بيخبط في الستائر التقيلة.

أدهم كان واقف زي الجبل، عينه متبتة في الفراغ، لحد ما جميلة قربت منه وحطت إيدها على دراعه برقة. انتبه لها وبصلها، وقال بصوت واطي: "روحي أنتي يا جميلة.. انتي تعبتي أوي النهارده، السواق مستنيكي برة، أنا ورايا مشوار مهم هخلصه واجيلك."

جميلة بصتله بقلق وسألته: "مش هتروح معايا؟"

رد بجمود وهو بيضغط على إيدها: "لا.. هخلص حاجة وأجي."

بعد ما جميلة مشيت، القاعة فضيت تماماً، ومبقاش فيه غير أدهم ومحمود اللي كان قاعد في آخر القاعة، ضهره محني وكأنه شايل جبال فوق كتافه. أدهم مشي بخطوات رزينة وقعد جنبه، ساد الصمت ثواني قبل ما أدهم يقطعه بنبرة حادة:
"أنا سكت لحد ما اليوم عدي .. اتفضل يا محمود بيه، سامعك. قولي كل اللي عندك ."

محمود رفع راسه ببطء، عينه كانت مليانة وجع، وقال بصوت مهزوز: "أنا مش محمود بيه يا أدهم.. أنا أبوك."

الكلمة نزلت على أدهم زي الصاعقة، جسمه اتشد وعينه اتسعت بذهول وصدمة شلت لسانه. محمود كمل وهو بيحكي بمرارة عن يوم الحادثة، إزاي إبراهيم دبر كل حاجة وإزاي الكل افتكره مات، في حين إنه عاش سنين في الغربة بيتعالج وبيحاول يرجع، وإنه فضل مراقبه من بعيد عشان يحميه من غير ما يظهر في الصورة.

أدهم قام وقف فجأة بغضب بركاني، وصوته طلع هادر: "أنت بتقول إيه؟ أنت فاكر إن اللعبة دي هتدخل عليا؟ يعني إيه أنت أبويا؟ أنت متخيل إنك بعد السنين دي كلها هتيجي تقولي الكلمتين دول والمفروض أصدقك؟"

محمود وقف قصاده بضعف وقال: "لو مش مصدقني، نقدر نعمل تحليل DNA دلوقتي حالا، بس أنا مش محتاج ورق عشان أعرف ابني.. أنت حتة مني يا أدهم، والدم اللي في عروقك ده دمي."

أدهم كان بيتنفس بصعوبة، وصدره بيعلو ويهبط من كتر الانفعال، للاسف كان حاسس بصدق كلامه، مشاعره اللي كان بيحس بيها تجاه محمود والراحة الغريبة في وجوده كانت بتأكد الحقيقة دي، وده اللي كان بيجننه أكتر.

صرخ فيه أدهم بوجع: "وأنت كنت فين؟ كنت فين وأنا عمي بيأذي فيا؟ كنت فين وأنا بكبر وحيد ومقطوع من شجرة؟ كنت فين والليل بيعدي عليا وأنا بتمنى ريحة أب يسندني؟ جاي دلوقتي تقولي كنت بحميك؟"

محمود قرب منه وحاول يلمس كتفه: "يبني افهمني.. كنت لازم أمهدلك، كنت خايف من رد فعلك، كنت عايزك تحبني لشخصي الأول.."

أدهم نفض إيده بعنف وهز راسه بنفي: "تاني؟ لسه بتستنى؟ مكفاكش كل السنين اللي ضاعت؟ أنت كنت بتتفرج عليا وأنا بتكسر وبقوم لوحدي ... أنا مش مقتنع بحكايتك دي، ومش قادر أسامحك على كل ثانية عشتها يتيم وأنت موجود."

بص له نظرة أخيرة كلها خيبة أمل وغضب ومشي وسابه في القاعة لوحده، ركب عربيته وطار بيها وهو مش شايف قدامه، عقله مش قادر يستوعب إن حياته كلها كانت مبنية على كذبة، وإن السند اللي كان بيدور عليه طول عمره كان واقف جنبه طول الوقت ".

وقف أدهم بالعربية فجأة في طريق مقطوع وهادي، نزل منها وسند ضهره على الباب وهو بيرفع راسه للسما بتعب ونفسه عالي.. الصمت اللي حواليه كان بيخليه يسمع صوت أفكاره بوضوح. "معقول؟ محمود.. أبويا؟"

ضحك ضحكة مكسورة مختلطة بدموع محبوسة، كان جواه صراع رهيب؛ فرحة طفل لقى سنده بعد سنين يتم، وغضب راجل حاسس إنه اتخدع من أقرب الناس ليه. بس فجأة، وسط الدوشة اللي في عقله، لمعت فكرة زي البرق.. 

افتكر الشك اللي كان بياكل قلبه ناحية ياسمين. لو كلام شكوكه صح، ولو ياسمين طلعت فعلاً أخته، يبقى الليلة دي مليانة صدمات، دي ليلة ولادة عيلة السيوفي من جديد.

"لو طلعتي أختي يا ياسمين.. لو كل اللي ضاع رجع في يوم واحد".

من غير تفكير، ركب عربيته وانطلق بسرعة البرق، الكاوتش صرخ على الأسفلت وهو بيلف ويرجع في اتجاه المخزن اللي حابس منصور فيه. كان بيسوق وهو ضاغط على الدركسيون بقوة، وعينيه بقت زي الصقر اللي حدد فريسته...

وصل المخزن في وقت قياسي، الحراس اللي واقفين بيأمنوا المخزن اتنفضوا لما شافوا دخلة عربيته والتراب اللي غطى المكان. نزل أدهم بطلته المرعبة، ودخل لجو وهو بيقلع جاكيت البدلة ويرميه على الأرض، وبص لمنصور اللي كان مربوط ومرمي في ركن.

أدهم قرب منه، وسحب كرسي وقعد قدامه بمنتهى الهدوء اللي بيسبق العاصفة، ومال براسه وهو بيبتسم ابتسامة مرعبة:
" انطق، ياسمين تقرب لي إيه؟"

منصور رفع راسه بتعب، وبص لأدهم بضحكة صفراء رغم آلم جسمه:
"إيه؟ ابراهيم باشا نطق ولا إيه؟ مكنتش فاكر إنك هتعرف بالسرعة دي.."

منصور براسه لورا وهو بيضحك ضحكة مكتومة، صوتها طالع بالعافية مع نهجان صدره، وبص لأدهم بنظرة شمتانة وقال: "إبراهيم السويسي كان حاسبها بالملي يا أدهم بيه.. كان عارف إن كسر القلب أوعر من كسر العضم. أبوك ماماتش في الحادثة.. وياسمين؟"

سكت منصور للحظة ياخد أنفاسه، وكمل بتعب: "هو الي اتفق معايا أتبناها أنا ومراتي مقابل فلوس ،مراتي مكانتش تعرف حاجة ،كان فاكرة إننا هنتبني عادي بسب إننا مبنخلفش ،وعدى كام سنة ومراتي ماتت ،إبراهيم اللي كان بيدفعلي تكاليف أمله

أكلها وشريها وتعليمها ،بشرط إني معرفهاش حاحة وتفضل مختفية في بيتي ،حتي خروجها وإختلاطها بالناس يكون بحساب. بس لما السنين عدت والبت كبرت حليت ف عنيا ،لحد ما يوم حاولت أ..أ "
مقدرش يكمل الجملة بسبب لكمة أدهم على وشه بعنف.. لدرجة أسنانه طارت على الأرض ،والدم بدأ يحرج من فمة بغذارة.

أدهم غمض عينه بقوة، وكأن جبال الدنيا كلها نزلت فوق دماغه في ثانية واحدة.. الحقيقة كانت مرة، طعمها زي العلقم في حلقه. سابه وخرج من المخزن من غير ولا كلمة، ركب عربيته وساق بجنون، مكنش شايف الطريق، كان شايف سنين عمره اللي ضاعت في كذبة، والوجع اللي عاشه وهو فاكر نفسه وحيد.
__________________________________

علي دخل الأوضة بخطوات بطيئة من الارهاق، وأول ما عينه جت على ياسمين اللي كانت قاعدة مستنياه بلهفة، ملامحه الجامدة بدأت تتفكك تدريجياً بمجرد ما لمحها. ياسمين قامت من على السرير بسرعة، ووشها نور بابتسامة رقيقة غلبت شحوب التعب اللي كان لسه راسم أثره تحت عينيها.

علي فتح دراعاته بتلقائية، وياسمين اترمت في حضنه ودفنت وشها في صدره، ولف دراعاته حواليها بقوة وكأنه بيحاول يتأكد إنها حقيقة مش سراب من اللي شافه في أيام الرعب اللي فاتت. فضلت ثواني غرقانة في ريحته اللي بتطمنها، وهو بيتنفس بعمق وكأنه بيغسل صدره من ريحة الموت والعزا اللي كانت محاصراه.

ياسمين رفعت راسها وبصت في عينيه بحنان، ومسحت بصباعها على جفونه المرهقة:
"عامل إيه يا حبيبي؟ طمني عليك؟ شكلك تعبان أوي."

علي اتنهد تنهيدة طويلة طلعت من قلبه، وطبع بوسة هادية على جبينها:
"الحمد لله يا ياسمين.. طول ما أنا شايفك قدامي وبخير، أنا كويس. اليوم كان طويل وتقيل بشكل ميتوصفش."

ياسمين بدأت تفك له زراير القميص بحركات رقيقة ومهتمة، وقالت بصوت مليان شجن:
"أنا عارفة إنك مالحقتش تاخد نفسك.. يا دوب خرجنا من المستشفى ورجعنا، ونزلت رحت العزا مع أدهم علطول. جسمك محتاج يرتاح يا علي، إنت بقالك أيام على أعصابك ومبتنامش."

علي مسك إيدها اللي كانت بتفك الزراير وباس باطن كفها بعمق، وبص في عينيها بنظرة مليانة رعاية:
"كنت واقف في وسط العزا والناس بتمحي بعضها، وعقلي مكنش معاهم خالص.. كان معاكي إنتي. كنت بقول يا ترى ياسمين نامت؟ يا ترى أكلت؟ قلبي كان مقبوض عليكي ومكنتش عايز أسيبك لحظة واحدة بعد اللي حصل. كنت خايف ترجعي تخافي وأنا مش جنبك."

ياسمين دمعت من حنيته، وحطت كفوفها على خدوده وسندت راسها على صدره:
"قلبي كان حاسس بيك يا علي، ومكنتش عارفة أغمض عيني وأنت بره. أدهم بيه كان محتاجك جنبه، وإنت أصيل وعمرك ما كنت هتسيبه في محنة زي دي، خصوصاً إن إبراهيم رغم جبروته يفضل عمه .. بس خلاص يا حبيبي، إحنا هنا، في بيتنا، والباب مقفول علينا والأمان حوالينا."

علي ابتسم ابتسامة دافية شالت جبال من على كتافه، وشالها براحة وقعدها على السرير وقعد جنبها، وخدها في حضنه تاني بحيث راسها تكون على صدره، وبدأ يمسد على شعرها بانتظام:
"عارفة يا ياسمين.. اللحظة دي بالدنيا وما فيها. وجودك ده هو اللي بيخليني أقدر أكمل. بكرة الشمس هتطلع وهتكون بداية جديدة لينا، بعيد عن إبراهيم ومنصور ، وبعيد عن أي وجع."

ياسمين غمضت عينيها وهي بتسمع دقات قلبه المنتظمة، وهمست بصوت غلب عليه النوم:
"يارب يا علي.. يارب ميبعدناش عن بعض أبداً."

علي فضل باصص لها بهيام وهي بتغرق في النوم في حضنه، قرر يقفل عقله الليلة دي ويسكن لراحة حضنها. وبالفعل، ثواني وناموا هما الاتنين في عناق عميق، والهدوء لف الجناح وكأن القدر بيديهم هدنة قبل عاصفة الحقائق اللي هتبدأ مع أول خيط نور للصبح.

__________________________________

وصل القصر، دخل بخطوات مهزوزة، طلع جناحه وفتح الباب بتعب.. لقى جميلة قاعدة على السرير، ساندة ضهرها على المخدات بحذر عشان جرحها، وماسكة التابلت ومركزة في محاضرة الفيزياء اللي شغالة، بتحاول تلم اللي فاتها قبل الامتحانات. أول ما شافته، وشها نور بابتسامة رقيقة، لكن الابتسامة دي اختفت تدريجياً وهي شايفة منظره؛ شعره المشعث، قميصه اللي فك معظم زرايره، وعينه اللي فيها تيه وكسرة مش متعودة عليها فيه.

"أدهم؟ مالك؟ في إيه؟" سألته بخوف وهي بتحاول تتعدل.

أدهم مردش، قرب منها بهدوء غريب، شال التابلت والكتب من إيديها وركنهم على جنب، وارتمى في حضنها بقوة، دفن راسه في كتفها وكأنه طفل بيدور على أمان ضاع منه من سنين. جميلة اتجمدت لحظة من المفاجأة، لكنها بسرعة لفت دراعها حواليه وبدأت تطبطب على شعره بحنان وهي مش فاهمة حاجة، بس حاسة إن جبل السويسي النهاردة محتاج يسند قلبه وبس.

جميلة كانت حاسة بدقات قلبه السريعة اللي بتخبط في صدرها، وصوت نفسه العالي اللي كأنه طالع من وسط حريقة. بدأت تحرك إيدها على شعره بحنان، وبصوت واطي مليان خوف وحب سألته: "مالك يا أدهم؟ في إيه ؟"

أدهم مرفعش راسه، فضل دافن وشّه في كتفها وصوته طالع مكتوم ومبحوح: "طلع عايش يا جميلة.. السنين دي كلها كان بيتفرج عليا وأنا بتدبح، كان شايفني يتيم ومكسور وهو واقف على بعد خطوتين.. طلع محمود هو أبويا."

جميلة شهقت بصدمة، إيدها اتجمدت على شعره لثواني، وعينها اتسعت بذهول: "إنت بتقول إيه؟! محمود بيه.. أبوك؟ إزاي؟"

أدهم اتعدل فجأة وبصلها، عينه كانت حمرا ووشه شاحب، ضحك ضحكة مكسورة وهو بيسند راسه بإيده: "والأدهى من كدة.. ياسمين.. ياسمين طلعت أختي يا جميلة. شفتي اللعبة كانت قذرة لحد فين؟ عمي إبراهيم كان رابطنا كلنا بحبال من نار، كان مموت أبويا بالحيا، أختي قصاد عنيا وأنا مش عارف، وواهمنا كلنا إننا مقطوعين من شجرة."

جميلة لفت إيدها حوالين كفوفه اللي كانت بتترعش من الغضب المكتوم، وبصت في عينه بصدق: "أدهم.. أنا عارفة إن الصدمة فوق احتمالك، وعارفة إن الوجع كبير.. بس بص للجانب التاني، إنت مكنتش يتيم، السند اللي كنت بتتمناه طلع جنبك، والأخت اللي كان نفسك فيها طلعت هي البنت اللي كنت بتخاف عليها من غير ما تعرف ليه. ربنا رجعلك عيلتك في ليلة واحدة يا أدهم."

أدهم بص لها بغضب طفولي ومرارة: "رجعهم بعد إيه؟ بعد ما عمري ضاع في السواد؟ بعد ما شبعت ذل وقسوة؟ أنا مش قادر أسامح يا جميلة.. مش قادر أبص في وش محمود وأقوله يا بابا، ولا قادر أروح لياسمين وأقولها أنا أخوكي بعد كل اللي شافته وأنا مش جنبها."

جميلة قربت منه أكتر، وحطت راسها على كتفه، وقالت بنبرة هادية ومطمئنة: "الوقت هيداوي يا أدهم.. محمود بيه أكيد كان ليه أسبابه، والراجل ده بالذات ملامحه كلها حب ليك، جميلة قربت منه أكتر، ورفعت وشّه بإيدها عشان يبصلها، وقالت بصوت ناعم ومطمئن: "أدهم، اسمعني.. في حاجة لازم تعرفها. نادية، مرات محمود بيه، كانت حكت لي حاجات كتير قبل كدة، بس مكنتش فاهمة إن الكلام ده يخصك إنت."

أدهم سكت وانتبه لكلامها، فكملت جميلة وهي بتمسح على كتفه: "قالت لي إن محمود عاش سنين سودة في أمريكا.. الحادثة اللي عمك دبرها مكنتش سهلة، باباك خرج منها بجروح وحروق شوهت جسمه وملامحه بالكامل. نادية هانم حكت لي إنه قعد سنين بين أوض العمليات، وعمل جراحات كتير أوي عشان يقدر بس يقف على رجله ويرجع يعيش، وده السبب اللي خلى ملامحه تتغير لدرجة إنك معرفتوش لما شفته."

نزلت دموع بسيطة من عين جميلة وهي بتكمل: "كانت بتقولي إنه كان بيعيط بالليل وهو ماسك صورتك وفاكرك ميت، وبعد ما عرف إنك لسه عايش كان نفسه يرجعلك بس كان خايف يرجع وهو مش قادر يحميك، أو ترفضه، باباك مكنش جبان يا أدهم، محمود كان بيترمم عشان يرجع يلمك تحت جناحه تاني."

أدهم غمض عينه، وصورة محمود وهو بيطبطب عليه في الجنازة بعد ما عرف الحقيقة جت بين عينيه.. لمسته كانت فعلاً لمسة أب، والوجع اللي في عينه مكنش تمثيل.

جميلة كملت بحنان: "نادية قالت إن مفيش ليلة عدت عليه من غير ما يذكر اسمك، وإنه اتغرب واشتغل عشان يبني نفسه من الصفر، كل ده عشان لما يرجع، يرجع قوي ويقدر يواجه وياخد حقه وحقك. هو مسبكش بمزاجه، هو كان بيحارب الموت عشان يرجعلك."

أدهم اتنهد تنهيدة طويلة كأنها بتطلع نار من صدره، وبدأ صوته يهدى شوية: "يعني السنين دي كلها مكنش ناسي؟"

ردت جميلة بسرعة: "عمره ما نسي.. ده هو اللي فضل يراقبك من بعيد ويحميك من غدر إبراهيم. محمود بيه تعب أوي يا أدهم، والوجع اللي شافه في العمليات والغربة ميقلش عن الوجع اللي إنت شفته هنا."

أدهم سكت وبدأ يستوعب حجم التضحية اللي محمود عملها، وبدأ قلبه يلين لما جميلة كملت :" 
 الراجل اللي شاف ملامحه بتتغير عشان بس يفضل عايش لليوم ده.كان بيحرسك بقلبه قبل عينه. والفيزياء اللي كنت لسه بذاكرها من شوية بتقول إن لكل فعل رد فعل.. بس في القلوب، رد الفعل لازم يكون الرحمة. اهدا يا أدهم.. اهدا عشان تقدر تلم شتات العيلة دي من تاني."

أدهم سكت، وبدأ نفسه يهدى تدريجياً وهو مستسلم لحضنها، وكأن جميلة هي المرفأ الوحيد اللي رسا عليه بعد عاصفة هدّت كل ثوابته.

وفجأة، جميلة حست بألم وجمعت ما بين حواجبها باستغراب، وأصدرت "آه" ناتجة عن وجع وهي بتحط إيدها بتلقائية على جنبها مكان الجرح.

أدهم بص لمكان إيدها وتجمد مكانه، شاف البيجامة الوردي اللي لابساها بدأت تتلون باللون الأحمر القاني بالتدريج مكان الجرح. برق بعينه بخوف، شالها بحرص شديد كأنها قطعة زجاج نادرة ونيمها على السرير وطلب الدكتور بهلع.

لما الدكتور وصل، القلق كان مالي الأوضة، وأدهم كان بيتحرك زي المجنون بس بحذر مرعب. قرب من جميلة وبدأ هو اللي يفك البلاستر والشاش اللي غرق دم بقلب مقبوض، وكان كل شدة بسيطة بتحس بيها جميلة كان بيغمض عينه كأنه هو اللي بيتألم.

أدهم، برغم الموقف الصعب، غيرة السويسي جواه مهدتتش؛ غطى جسم جميلة بالبطانية بمنتهى الدقة، ورفع طرف البيجامة الوردي بحرص شديد بحيث ميكشفش غير مكان الجرح وبس، وعينه كانت بتراقب إيد الدكتور بحذر ونظرات حادة، وكأنه بيحذره من أي نظرة أو لمسة ملهاش لزمة. كان نفسه تكون فيه دكتورة هي اللي تعالجها، بس الوقت المتأخر ده والنزيف اللي شغال مسبلوش حل تاني غير إنه يبلع غيرته عشان ينقذ روحه.

الدكتور جهز أدوات التعقيم، محلول الملح والميكروكروم، وبدأ يكشف على مكان النزيف وبص لأدهم بأسف وقال:
"فيه غرزتين اتفكوا يا أدهم بيه.. واضح إن المدام عملت مجهود زيادة وضغطت على نفسها، وده اللي خلى الخياطة تفتح بالشكل ده."

أدهم في اللحظة دي بصلها بنظرة كانت خليط من الغضب المكتوم واللوم لنفسه؛ لأنه عارف إنها عملت كدة عشانه، نزلت العزا ووقفت واستقبلت ضيوف وتحركت كتير في القصر عشان تسنده في محنته.

جميلة كانت بتبص له بعيون مدمعة وبتحاول تكتم وجعها، لكن أدهم مكنش قادر ينطق بكلمة من كتر الخوف اللي كان لسه مسيطر عليه. الدكتور بدأ يعيد خياطة الغرزتين بمخدر موضعي، وأدهم كان واقف ساند راسها بإيده وبيمسح على شعرها بحنية، وعينه مراقبة الإبرة وهي بتدخل في جلدها الرقيق وصدره بيطلع نار. كان بيقسم في سره في اللحظة دي إنها مش هتلمس الأرض ولا هتغادر السرير ده لغاية ما تشفى تماماً، حتى لو اضطر يحبسها جوه حضنه طول العمر.

بعد ما الدكتور خرج، قفل الباب وراه ، ورجع قعد جنب جميلة على السرير. ملامحه اللي كانت جامدة وقاسية من شوية، انكسرت تماماً وهو بيبص لشحوب وشها وأثر الوجع اللي لسه مرسوم على ملامحها. سحبها براحة شديد ودخلها في حضنه، ودفن وشه في رقبتها وهو بيهمس بصوت مخنوق بالندم:
"أنا آسف يا جميلة.. أنا اللي ضغطت عليكي، وأنا اللي خليتك تشيلي همي. سامحيني يا حبيبتي، كان قلبي هيقف وأنا شايف دمك مغرق هدومك بسببي."

جميلة، رغم تعبها وأثر المخدر اللي بدأ يتقل عينيها، رفعت إيدها المرتعشة وحطتها على شعره، وبدأت تمسد عليه بحنان يطمنه. ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت بصوت ناعم زي الهمس:
"متقولش كدة يا أدهم.. إنت مالكش ذنب في أي حاجة. أنا اللي مكنتش قادرة أشوفك مكسور وواقف لوحدك في العزا وأسيبك."

جميلة سكتت لحظة وهي بتحاول تجمع قوتها، وبعدين مالت عليه وبست دماغه بوسة طويلة مليانة حب ودعم، وكأنها بتمسح ببيها كل السواد اللي شافه في يومه. أدهم غمض عينه واستسلم للمسة شفايفها، وحس إن الدنيا بدأت تهدا أخيراً.

سحب الغطا عليهم هما الاتنين، وضمها لصدره بحذر خرافى وكأنها أرق حاجة يملكها في الكون. جميلة غمضت عينيها وهي حاسة بدقات قلبه اللي بدأت تنتظم، وفي خلال ثواني، كان النوم غلبها من كتر الإرهاق. أدهم فضل باصص لها شوية وهو بيوعد نفسه إن الصبح هيكون بداية لصفحة جديدة، صفحة مفيهاش وجع ولا أسرار مدفونة، ونام هو كمان وهو متبت فيها، وكأن حضنها هو الحصن الوحيد اللي باقي له من ريحة السويسي
__________________________________

صباح يوم جديد، الشمس طالعة بس شايلة معاها ثقل أسرار السنين اللي فاتت. في جناح أدهم، كان الجو هادي. أدهم كان واقف قدام المراية بيلبس قميصه الأسود، ملامحه كانت جامدة وعيونه فيها تركيز غريب، وكأنه بيستعد لمعركة من نوع تاني.

جميلة حاولت تقوم من على السرير وهي بتكتم أنين وجع الجرح، أول ما أدهم لمح حركتها، ساب اللي في إيده وقرب منها بسرعة وسندها بإيديه القوية:
"رايحة فين بس أنا مش قولتك مفيش حركة ،أعمل فيكي ايه ؟أربطك في السرير عشان أضمن إنك متتحركيش أبدآ؟"

جميلة ماردتش، لكنها قربت منه بخطوات بطيئة وهي سانده عليه، ومدت إيدها الرقيقة وعدلت له ياقة القميص وبدأت تقفل الزراير اللي فوق بهدوء، رفعت عينيها فيه وسألته بصوت مليان خوف عليه:
"أدهم.. أنت كويس؟ حاسة إن في قلبك حمل جبال النهاردة."

أدهم رسم ابتسامة هادية عشان يطمنها، وهز راسه ببطء:
"أنا كويس طول ما أنتي ويزن بخير.. متقلقيش يا حبيبتي، شوية ترتيبات ومسائل قديمة لازم تخلص، وهرجع لك علطول."

جميلة بصت له بنظرة فاحصة وقالت بتمني: "بالتوفيق يا حبيبي.. خلي بالك من نفسك، وسلملي على ياسمين."

أدهم خد نفس عميق وكأنه بيشحن طاقته من ريحتها، وميل باس جبينها بوسة طويلة وطمنها، وساعدها تقعد في مكان مريح على السرير وسند ضهرها بالمخدات. خرج من الجناح بخطوات واثقة وركب عربيته، وانطلق بأقصى سرعة ناحية بيت علي ...
________________________________

أدهم ركن عربيته قدام عمارة علي، أخد نفس عميق بيحاول يهدي بيه ضربات قلبه اللي كانت مسموعة في ودنه، ونزل. طلع السلالم بخطوات تقيلة، ووقف قدام الباب لثواني قبل ما يمد إيده ويخبط خبطات هادية ومنتظمة.

ثواني وسمع خطوات جاية من ورا الباب، واتفتح وظهرت ياسمين بملامحها الرقيقة . أول ما شافته، عينيها وسعت باستغراب وقالت بأدب
"أدهم بيه ؟!"

أدهم التوتر بان عليه لما شافها ،وبلع رقه .وهو حاسس بنبضات قلبه بقت مسموعة في ودنه وقال :أزيك يا مدام ياسمين.. معلش جيت من غير ميعاد وبدري كدة، بس كنت عايز علي في حاجة ضروري."

أهلاً وسهلاً.. اتفضل حضرتك، علي لسه نازل يجيب مسكن لخالتو ؛عشان الجرح شادد عليها ، بس زمانه على وصول."

أدهم دخل بخطوات مترددة وهو بيقول بصوت واطي: "بعتذر لو أزعجتك "

ياسمين شاورت له على الصالون بترحاب: "البيت بيتك يا أدهم بيه، اتفضل استريح.. تشرب إيه؟"

أدهم حاول يعتذر: "لأ ملوش لزوم والله، أنا يدوب.."

ياسمين قاطعته بإصرار وكرم: "أبداً، والله ما يحصل.. لازم تشرب حاجة، قهوة؟"

أدهم اتنهد واستسلم لإصرارها: "خلاص، قهوة مظبوط، تسلم إيديكِ."

دخلت ياسمين المطبخ، وأدهم فضل باصص في أركان الشقة، بيشوف تفاصيل حياتها البسيطة اللي كانت بعيدة عنه سنين. ثواني ورجعت وهي شايلة صينية القهوة، حطتها قدامه وقعدت على الكرسي اللي قدامه بهدوء..

أدهم بدأ يرتشف من القهوة، وعينه عليها،
وأدهم بدأ يفتح الكلام بصوت هادي ومتردد:
"قلي لي يا  مدام ياسمين.. علي كان حكالي إن منصور ده هو اللي كان متبنيكي.. إنتي مكنتيش تعرفي أهلك الحقيقيين؟"

ياسمين نزلت عينيها في الأرض بحزن وقالت بصوت واطي:
"لا.. عشت عمري كله فاكرة إني ماليش حد، ومنصور كان محسسني إني مجرد  شئ تقيل عليه.. حتى لما عرفني إن ليا أهل، كان غرضه يكسرني ويساوم علي بيا وبس."

أدهم سكت لحظة، وبص لها بنظرة فيها حزن دفين وقال:
"تعرفي يا ياسمين.. الدنيا دي غريبة أوي، أحياناً بنعيش طول عمرنا بندور على حاجة وهي قدام عينينا.. أو بنحس بصلة غريبة بحد وبنكون مش فاهمين ليه قلبنا واكلنا عليه كدة."

ياسمين عقدت حواجبها بعدم فهم: "حضرتك تقصد إيه يا أدهم بيه؟".

أدهم حط فنجان القهوة من إيده، ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت مليانة شجن، وفجأة الكلام خرج منه بقوة واندفاع بدون حساب :
"أقصد إن الدم بيحن يا ياسمين.. أقصد إنك مش غريبة عني، وإن ابونا مامتش، وإني طول السنين دي كنت يتيم بالظلم.. وإنتي كنتِ وحيدة بالغدر."

ياسمين اتنفست بسرعة، ووشها بدأ يصفر من الصدمة: "إنت.. إنت بتقول ليه؟ انا مش فاهمةحاجة !!"

أدهم قام من مكانه ببطء، ونزل على ركبه قدامها وهي قاعدة، ومسك إيديها اللي كانت بتترعش بقوة، وعينه دمعت لأول مرة قدامها بصدق:
"أنا بقولك إن محمود المنشاوي هو نفسه محمودالسويسي.. أبويا.وأبوكي .. وبقولك إن الحقيقة اللي عمي إبراهيم حاول يدفنها طلعت للنور..، إنتي بنت عيلة السويسي.. يعني إنتي حتة مني.. إنتي أختي يا ياسمين."

ياسمين اتصنمت في مكانها، شفايفها كانت بتترعش وصوتها طالع مخنوق ومستنكر من هول المفاجأة: "أختك؟.. يعني إنت.. إنت أخويا؟ أدهم السويسي يبقى أخويا؟"

أدهم هز راسه بدموع وهو بيشدد على إيدها: "أيوة يا حبيبتي، أنا أخوكِ اللي مكنتش أعرف بوجودك، واليوم اللي عرفت فيه كنت هموت من الوجع إني كنت بعيد عنك كل ده ومخلي غريب زي منصور يأذيكي."

ياسمين قامت وقفت بذهول وهي مش شايفة قدامها، وأدهم قام معاها، وفجأة وبدون مقدمات، أدهم سحبها لحضنه بقوة رهيبة، حضن كان فيه سنين من الحرمان والوجع واليتم، وياسمين انفجرت في العياط وهي متبتة في قميصه وكأنها لقت أخيراً المرسى اللي هترتاح فيه.

وفجأة.. الباب اتفتح بعنف، ودخل علي وشايل أكياس العلاج، اللي وقعت منه أول ما شاف المنظر، عروقه برزت والغيرة والدم طلعوا لراسه في لحظة، رمى الحاجة من إيده والكياس اتفتحت على الأرض.

وبدون ما يفهم..علي قرب بخطوات سريعة وشكله كان يرعب، الغيرة عمت عينه عن أي منطق، ومد إيده يشد أدهم من قميصه وهو بيغلي. وفجاءة لكمة بقبضة إيده بقوة ،لدرجة أدهم رجع خطوات لورا من قوة الضربة .



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة