
في فيلا القيصري – القاهرة – قبل الغروب
المكان شيك وبسيط ودافي… شبه صاحبه قوي.
في المطبخ المفتوح، كانت نيروز واقفة، لابسة فستان بيت ناعم بلون هادي، وشعرها مرفوع كده بعفوية.
كانت بتحاول تعمل وصفة ألماني اتعلمتها أيام دراستها…
بس واضح إنها مش مركزة أوي.
توقف شوية، تبص قدامها في الفراغ.
نيروز (بهمس لنفسها):
– غريبة…
– إزاي القلوب بتتغير من غير ما نطلب منها؟
تتنهد، وترجع تقلّب في الحلة، وفجأة يُسمع صوت باب الفيلا وهو بيتفتح.
صوت خطوات مألوفة.
تتجمد لحظة… وبعدها تبتسم من غير ما تحس.
سليم القيصري يدخل، الجاكيت على دراعه، الكرافتة مفكوكة شوية، ملامحه باين عليها التعب…
بس عينيه تنوّر أول ما يشوفها.
يقف مكانه، يتأملها في هدوء.
ابتسامة دافية، صادقة…
ابتسامة واحد مستني اللحظة دي عمره كله.
سليم (بصوت واطي دافي):
– مساء الخير يا…
(يقف لحظة، وبعدين يكمل بابتسامة)
– يا بيتي.
نيروز تلف بسرعة، عينيها تلمع وهي شايفاه.
نيروز (بفرحة حقيقية):
– سليم!
– رجعت بدري النهارده.
تسيب اللي في إيدها على طول، تمسح إيديها بسرعة وتروح ناحيته.
هو يفتح دراعاته تلقائي.
توقف قدامه لحظة، كأنها لسه بتتعود على القرب ده…
وبعدين تميل وتحضنه.
حضن بسيط… بس مليان أمان.
سليم (وهو مغمّض عينيه):
– لو تعرفي…
– كل مرة أرجع وألاقيكي هنا، بحس إن الدنيا لسه فيها خير.
تبعد شوية، تبصله بابتسامة مكسوفة.
نيروز:
– كنت بعمل حاجة…
– مش عارفة هتعجبك ولا لأ.
يرفع حاجبه بابتسامة خفيفة.
سليم:
– طالما من إيدِك؟
– أكيد هتعجبني.
يبص حواليه وبعدين لها.
سليم (بنبرة حنونة):
– شكلك هادية النهارده.
نيروز توطي عينيها شوية، تفكر.
نيروز:
– يمكن…
– أول مرة مش حاسة إني تايهة.
يسكت لحظة، يستوعب كلامها كويس، من غير ما يضغط عليها.
يمد إيده، يرفع دقنها برفق شديد.
سليم:
– خدي وقتك يا نيروز.
– أنا مش مستعجل.
تتفاجئ بنبرته، وبصدق عينيه.
نيروز (بصوت مخنوق شوية):
– ليه صبور كده معايا؟
يبتسم… نفس الابتسامة اللي عرفتها من وهما صغيرين.
سليم:
– عشان حبيتك وإحنا أطفال.
– وإنتِ…
– تستاهلي الصبر كله.
عينيها تدمع شوية، بس تضحك عشان تخبي تأثرها.
نيروز (بمزاح):
– ده اعتراف متأخر قوي.
يضحك بهدوء.
سليم:
– المهم إنه جه في وقته.
يشدّها برفق ويقعدوا على الكنبة القريبة.
قاعدين جنب بعض، من غير استعجال… من غير توتر.
المرة دي تسند راسها على كتفه من غير تردد.
نيروز (بهمس):
– سليم…
– أنا مبسوطة إنك رجعت.
يحط راسه فوق راسها، ويضمها بجسمه.
سليم:
– وأنا مبسوط إني رجعت لمراتي.
الكلمة تقعد ما بينهم…
دافية… و حقيقيه
***********************
في فيلا الراوي
الفيلا هادئة على غير عادتها.
لا ضحكات، لا زيارات… فقط صمت ثقيل يشبه الندم.
في الصالون الكبير، كانت نوال تجلس على الأريكة، ظهرها منحنٍ قليلًا، عيناها شاردتان في الفراغ.
ملامح امرأة انهارت فجأة بعدما اكتشفت أن أقرب الناس لها كان أكثرهم حقدًا.
أمامها كوب شاي لم تمسه.
تدخل ربى بهدوء، تمشي بخطوات متأنية، ما زال أثر التعب ظاهرًا عليها رغم تحسّنها، لكنها ترفض الجلوس أو الراحة.
تحمل بطانية خفيفة.
ربى (بلطف شديد):
– الجو برد شوية…
– حابة أحطلك البطانية؟
ترفع نوال عينيها ببطء…
تنظر لربى نظرة طويلة، مختلطة بين الخجل، الذنب، والانكسار.
نوال (بصوت مبحوح):
– بعد اللي عملته فيك…
– لسه بتسأليني؟
تقترب ربى، تضع البطانية على كتفيها، ثم تجلس قربها.
ربى:
– أنا هنا…
– وده المهم.
تنزل دمعة من عين نوال دون مقاومة.
نوال:
– كنت عميانة…
– مش بس مخدوعة، لا…
– كنت قاسية، ظالمة.
تغلق عينيها بقهر.
نوال (بألم):
– كنت شايفة فيكِ اللي نقصني أنا…
– قوتك… صبرك…
– وكنت بكرهك بدل ما أتعلم منك.
تتأثر ربى، لكن نبرتها تبقى ثابتة، حنونة.
ربى:
– أنا عمري ما شلت منك حاجة، يا طنط نوال.
– ولا حتى لما وجعتيني.
تلتفت نوال إليها بصدمة.
نوال:
– إزاي؟
– وأنا كنت بهينك…
– وبقلل منك…
– وبعاملك كأنك عبء؟
تبتسم ربى ابتسامة صغيرة، صادقة.
ربى:
– يمكن لأني عارفة يعني إيه الإنسان يتوجع…
– ويستنى اللي يفهمه.
تنهار نوال تمامًا، تضع يدها على وجهها وتبكي بحرقة.
نوال (بانهيار):
– سامحيني…
– سامحيني يا بنتي…
– أنا أذيتك، وأنا كنت مفكرة نفسي أم…
– طلعت محتاجة أتعلم الرحمة من واحدة كنت بحسبها أضعف مني.
تمد ربى يدها، تمسك يد نوال بلطف.
ربى:
– الأم مش اللي ما تغلطش…
– الأم اللي تعترف وتصلّح.
ترفع نوال رأسها، تنظر لها بعينين محمرتين.
نوال:
– انتي…
– ليه بتعملي كده معايا؟
– ليه واقفة جنبي بعد كل اللي حصل؟
تأخذ ربى نفسًا عميقًا.
ربى:
– لأنك أم بيجاد.
– ولأن الوجع لما يكبر…
– ما ينفعش يتساب لوحده.
تدخل منذر بهدوء من باب الصالون، يقف دون أن يقاطع.
ينظر للمشهد بعينين دامعتين… فخر صامت.
منذر (بصوت هادئ):
– ربى…
– انتي ربنا بعثك لينا رحمة.
تنظر ربى له بابتسامة خجولة.
نوال تمسك يد ربى بكلتا يديها الآن، كأنها تخاف أن تضيع.
نوال (بحزم باكٍ):
– من النهارده…
– أنا مش هكون غير أمك.
– مش حماتك…
– أمك.
تميل ربى، وتضع رأسها على كتف نوال.
ربى (بهمس):
– وأنا محتاجة أم.
الصمت يملأ المكان…
لكن هذه المرة صمت شفاء، لا صمت وجع.
**********************
ما زالت ربى مسندة رأسها على كتف نوال،
ونوال تمسح دموعها ببطء، تحاول استعادة تماسكها.
فجأة…
يُفتح باب الفيلا بقوة نسبيًا.
صوت مرح من الخارج:
– يا جماعة؟
– هو الصالون ده مول عزاء ولا إيه؟!
تلتفت الثلاثة في نفس اللحظة.
يدخل بيجاد بخطوات واسعة، رابطة عنق مفكوكة، جاكيت على ذراعه، وابتسامة مستفزة محببة على وجهه.
ينظر للمشهد…
نوال بعينين محمرتين
ربى قريبة منها
ومنذر واقف بهدوء
يرفع حاجبيه بتصنع.
بيجاد (بتمثيل):
– أوه…
– شكلي دخلت على مشهد درامي من النوع اللي بيخلّي الراجل يهرب!
تحاول ربى كتم ابتسامة، لكن تفشل.
ربى:
– بيجاد!
يقترب بيجاد أكثر، ينحني قليلًا لينظر لوجه نوال.
بيجاد (بخفة دم):
– إيه يا ماما؟
– أنا غبت ساعة بس…
– الدنيا ولعت كده ليه؟
تنظر له نوال، تمسح دموعها بسرعة، تحاول التماسك.
نوال (بصوت متعب لكنه صادق):
– سيبك يا بيجاد…
– أنا كنت بغلط، وربى بتصلّح.
يرمش بيجاد بدهشة مصطنعة.
بيجاد:
– آه…
– يعني كده رسميًا بقى عندي زوجة ومُصلحة اجتماعية في البيت؟
تضحك ربى رغمًا عنها.
ربى (تحذيرية):
– بيجاد!
يتقدم بيجاد خطوة، يمسك يد ربى بحنان واضح.
بيجاد (بجدية خفيفة):
– على فكرة…
– أنا فخور بيكِ.
ثم يلتفت لنوال.
بيجاد:
– وفخور بيكِ إنتِ كمان…
– الاعتراف مش سهل،
– بس اللي يعترف، يقدر يبدأ من جديد.
تنظر له نوال طويلًا…
ثم تبتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة منذ أيام.
نوال:
– أنا كنت فاكرة إني ربيت ابن…
– طلع ربنا مربّي راجل.
يمد بيجاد ذراعيه فجأة.
بيجاد (بحركة مسرحية):
– طب بما إن الجو عاطفي كده…
– حد فيكم عنده مانع في حضن جماعي؟
– ولا نسيبها للموسم الجاي؟
يضحك منذر بصوت مسموع لأول مرة.
منذر:
– تعال يا مجنون.
يتقدم بيجاد، يحتضن ربى أولًا بحنان واضح، ثم يربت على كتف نوال.
بيجاد (بمزاح):
– بس يا جماعة…
– أي دموع تاني بعد كده
– تتحسب عليّ فاتورة علاج نفسي.
تضحك ربى،
وتضحك نوال بخجل…
ضحكة حقيقية هذه المرة.
*********************
في إيطاليا – فندق فاخر على أطراف ميلانو – جناح خاص
الليل كثيف،
المطر يضرب زجاج النوافذ الطويلة بعنف،
وأضواء المدينة تبدو بعيدة… باردة… كأنها لا تعترف بوجود من في الداخل.
مراد الشرقاوي يقف أمام النافذة،
كأس ويسكي في يده،
ملامحه متصلبة، عيناه محمّلتان بجنون لا يهدأ.
على الأريكة خلفه تجلس امرأة…
ساق فوق ساق، كارلا
ابتسامة باردة، عيون تلمع خبثًا.
امرأة تعرف كيف تبتسم وهي تطعن.
ترتشف كارلا من كأسها ببطء، تراقبه دون أن تقاطعه.
كارلا (بنبرة ناعمة خبيثة):
– من طريقة وقفتك قدّام الشباك…
– واضح إن اسم زياد لسه بيحرقك.
يشد مراد على الكأس حتى تكاد تنكسر.
مراد (بصوت منخفض مسموم):
– زياد ما خسرش كفاية.
– عاش… وهو فاكر نفسه انتصر.
– خد مني كل حاجة…
– اسمي، سمعتي، أولادي،
– وطلع نفسه ملاك!
تضحك كارلا ضحكة قصيرة.
كارلا:
– والملاك دلوقتي محمي…
– عيلة، مخابرات، أصدقاء.
– حتى الساندرو نفسه بدأ يزهق منك.
يلتفت مراد لها فجأة، عينه تلمع بجنون.
مراد (بحدة):
– الساندرو ما يخوفنيش.
– اللي يخوفني إن الوقت بيخلص.
تنهض كارلا، تمشي ببطء نحوه.
كارلا:
– عشان كده…
– لازم ضربة واحدة.
– سريعة.
– توجّع.
تقترب أكثر.
كارلا (بهمس):
– أكتر حاجة توجع الراجل…
– مش فلوسه.
– ولا اسمه.
– ولاده.
يبتسم مراد ابتسامة مرعبة.
مراد:
– ليل.
تسكت كارلا لحظة، ثم ترفع حاجبها.
كارلا:
– مرات عاصم؟
– بنت زياد المدللة؟
يضرب مراد الكأس على الطاولة بقوة.
مراد:
– هي مفتاحهم كلهم.
– زياد، أدهم، آدم،
– وحتى عاصم نفسه.
يمشي ذهابًا وإيابًا.
مراد (بعصبية):
– أنا اللي خلّيته يخطفها قبل كده.
– وأنا اللي أقدر أعملها تاني…
– بس المرة دي…
– مش سبع شهور.
تنظر له كارلا بتمعّن.
كارلا:
– انت عايزها رهينة؟
يلتفت لها، يبتسم.
مراد:
– لا.
– عايز زياد يعيش كل ثانية وهو حاسس إنه فقدها.
– عايزه يشوفها تتكسر…
– قدّامه.
تتقدم كارلا خطوة، تضع يدها على صدره.
كارلا (بارد):
– ده خطر.
– ولو الساندرو عرف…
يمسك مراد معصمها بقوة.
مراد:
– الساندرو لو قرر يخلص مني…
– أنا هكون خلصت منهم الأول.
تسحب يدها بهدوء، تبتسم.
كارلا:
– طيب…
– عايزها تتاخد إزاي؟
تلمع عينا مراد.
مراد:
– مش خطف تقليدي.
– حادث.
– اختفاء.
– حاجة تخليهم يدوّروا…
– وما يلاقوش.
يصمت لحظة، ثم يضيف بسمّ:
مراد:
– زي ما عملت في رائد.
تتجمد كارلا للحظة… ثم تهز رأسها ببطء.
كارلا:
– إنت مش عايز تنتقم…
– إنت عايز تحرق الدنيا.
يضحك مراد ضحكة منخفضة مرعبة.
مراد:
– الدنيا اتحرقت من زمان.
– دلوقتي دورهم.
********************
صمت ثقيل يسقط بعد جملة مراد الأخيرة.
كارلا تنظر إليه مطولًا… ليس خوفًا، بل فضولًا قاتلًا.
تتقدم خطوتين، تميل بجسدها على ظهر الكرسي المقابل له.
كارلا (بصوت هادئ لكن حاد):
– على فكرة…
– دايمًا كنت عايزة أسألك.
يرفع مراد حاجبه دون أن يلتفت.
مراد:
– عن إيه؟
كارلا:
– رائد.
تتصلب كتفاه لحظة… بالكاد ملحوظة.
كارلا:
– الكل بيقول إنه مات في مهمة.
– انفجار… فشل… ضحايا.
– قصة نظيفة زيادة عن اللزوم.
يلتفت لها ببطء.
نظرة قاتمة، قديمة، كأنها خرجت من قاع بئر.
مراد:
– وإنتِ مصدقة القصص؟
تبتسم بخبث.
كارلا:
– أنا مراتك…
– السرّية.
– يعني أكتر واحدة المفروض ما تكذبش عليها.
يصمت مراد.
يعود للنافذة، يضع يده على الزجاج.
مراد (بصوت منخفض):
– رائد كان غلطة.
تتسع عينا كارلا قليلًا.
كارلا:
– غلطة إزاي؟
يشرب مراد رشفة طويلة، ثم يضحك… ضحكة بلا أي مرح.
مراد:
– لأنهم ربّوه غلط.
– زياد…
– أدهم…
– حتى خالد.
تشد كارلا على الكرسي.
كارلا:
– تقصد إيه؟
يبدأ مراد الكلام، وكأنه يفتح قبرًا قديمًا.
فلاش ذكريات – بصوت مراد
مراد:
– من أيام الجامعة…
– وأنا دايمًا في ضلّهم.
يلتفت فجأة، صوته يعلو قليلًا.
مراد:
– زياد!
– الطالب المثالي…
– ابن العم اللي بابا يشوفه أحسن مني!
يضرب بيده على الطاولة.
مراد:
– عبد الرحمن…
– كان يشوف زياد ابنه الحقيقي.
– وأنا؟
– فاشل.
– عبء.
كارلا تتابع دون مقاطعة.
مراد:
– خالد…
– أدهم…
– أوائل الدفعة.
– شغل، طموح، نجاح.
– وأنا؟
– أعيد سنة ورا سنة.
يبتسم بمرارة.
مراد:
– حتى حور…
– كنت فاكر إنها ليا.
ترفع كارلا حاجبها.
كارلا:
– حور؟
مراد:
– طلعت بتحب زياد.
– واتجوزته.
تضحك كارلا ضحكة قصيرة ساخرة.
كارلا:
– فبقى الحقد حبّس؟
ينظر لها بحدة.
مراد:
– بقى نار.
يتحرك مراد في الغرفة، خطواته ثقيلة.
مراد:
– دخلنا شركة سوا.
– هما بدأوا من الصفر.
– وأنا داخل بشركة أبويا.
يتوقف.
مراد (بغضب):
– وبرضه فشلِت.
– لأنهم أنجح.
– أنضف.
– أقوى.
تقترب كارلا خطوة.
كارلا:
– وخالد؟
يتغير وجه مراد… قسوة باردة.
مراد:
– خالد كان لازم يختفي.
يصمت لحظة، ثم يقول بلا أي ندم:
مراد:
– مكابح.
– تعديل بسيط.
تشهق كارلا شهقة خفيفة، لكنها لا تتراجع.
كارلا:
– ومريم؟
مراد:
– خسائر جانبية.
تضع يدها على فمها، ثم تبتسم ببطء.
كارلا:
– وخلّفت وراك تلات أيتام.
يبتسم مراد.
مراد:
– عاصم…
– رائد…
– وربى.
يتنهد.
مراد:
– زياد وحور وأدهم وجميلة…
– حضنوهم.
– ربّوهم.
صوته يتحول إلى سخرية.
مراد:
– وربّوا رائد…
– على الشرف.
العودة للحاضر
كارلا تميل برأسها.
كارلا:
– وهو دخل المخابرات.
يهز مراد رأسه.
مراد:
– وغبي كفاية يدور ورا الحقيقة.
تقترب أكثر.
كارلا:
– لحد ما لقاك.
تتقلص شفتا مراد.
مراد:
– واجهني.
– بعينيه…
– كان شايفني قاتل أبوه.
يصمت لحظة.
مراد (بغضب مكبوت):
– نسِي إني اللي ربّيته!
– نسِي إني كنت أبوه بعد خالد!
تسأله كارلا بهدوء قاتل:
كارلا:
– فقررت تموته؟
يرفع مراد إصبعه.
مراد:
– لا.
– قررت أخلص منه.
ينظر لها نظرة مظلمة.
مراد:
– انفجار.
– فرقة كاملة.
– رامي…
– جواد…
– دم، نار، فوضى.
يبتسم.
مراد:
– وهو؟
– مات هناك.
تحدّق كارلا فيه.
كارلا:
– وإنت مصدق؟
يصمت مراد لحظة أطول من اللازم.
مراد (ببرود مصطنع):
– طبعًا.
لكن في عينيه…
شكّ.
تضحك كارلا بخفة.
كارلا:
– يمكن عشان كده مستعجل على ضربة زياد.
– حاسس إن الأشباح بتقرب.
يشد مراد على فكه.
مراد:
– آدم العطار…
– طول عمره شايفني.
– من أول يوم جامعة.
ينظر لها.
مراد:
– آدم…
– ورائد…
– وليل.
يبتسم ابتسامة شيطانية.
مراد:
– كلهم لازم يختفوا.
تضع كارلا يدها على كتفه.
كارلا (بهمس):
– والظلام؟
– مستعد تمشي فيه للآخر؟
ينظر لها، عينه تلمع.
مراد:
– أنا عمري ما طلعت منه.
**********************
الجو مشحون…
مراد ما زال واقفًا قرب النافذة، بينما كارلا خلفه بخطوة واحدة فقط.
قريبة بما يكفي ليشعر بأنفاسها… وبعيده بما يكفي ليخاف نواياها.
كارلا تبتسم ابتسامة صغيرة، بطيئة…
ابتسامة امرأة تعرف أكثر مما تقول.
كارلا (بصوت ناعم جدًا):
– قولي يا مراد…
يلتفت نصف التفاتة.
مراد:
– إيه؟
تميل برأسها قليلًا، وكأنها تفكر في سؤال بريء.
كارلا:
– لو…
– بس لو يعني…
تتوقف عمدًا.
مراد (بنفاد صبر):
– لو إيه؟
تقترب خطوة.
تتكلم ببطء قاتل.
كارلا:
– لو رائد…
– ما ماتش.
الصمت يضرب الغرفة كرصاصة.
مراد يضحك فجأة.
مراد (ساخرًا):
– حلوة.
– بقى أشباح دلوقتي؟
كارلا لا تضحك.
تنظر إليه مباشرة.
كارلا:
– أنا بسأل.
– ما قلتش إنه حي.
يتجمد ضحكه.
مراد:
– انفجار دمّر فرقة كاملة.
– مفيش حد يطلع حي.
ترفع كتفيها بخفة.
كارلا:
– المخابرات بتعرف تعمل معجزات.
– مش كده؟
يشد مراد فكه.
مراد:
– تقصدي إيه؟
تدور كارلا حوله ببطء… كأنها مفترس.
كارلا:
– أقصد…
– لو كان حي فعلًا.
تتوقف أمامه.
كارلا (بهمس):
– إنت هتعمل إيه؟
عيناه تظلم.
مراد:
– أدفنه بنفسي.
تبتسم…
لكن ابتسامتها ليست إعجابًا، بل تسلية.
كارلا:
– بنفس الطريقة؟
تقترب أكثر.
كارلا:
– انفجار؟
– ولا مواجهة؟
يتنفس مراد بحدة.
مراد:
– رائد لو حي…
– يبقى فاكر نفسه بطل.
تضحك ضحكة خفيفة.
كارلا:
– وهو فعلًا كان شايف نفسه كده.
تلمع عينا مراد.
مراد:
– كان بيبصلي كأني وحش.
تميل كارلا برأسها.
كارلا:
– يمكن لأنه شاف الحقيقة.
يصمت مراد ثانية أطول.
مراد (بحدة):
– الحقيقة بيد اللي يعيش.
تضع كارلا يدها على الطاولة، تنحني قليلًا.
كارلا:
– بس الحقيقة أحيانًا…
– بترفض تموت.
يراقبها مراد بقلق لم يعترف به من قبل.
مراد:
– ليه السؤال ده دلوقتي؟
ترفع حاجبها ببراءة مصطنعة.
كارلا:
– فضول زوجة.
– ولا ده ممنوع؟
تقترب من وجهه.
كارلا (بصوت منخفض):
– ولا يمكن…
– عشانك خايف؟
ينفجر غضبه.
مراد:
– أنا ما بخافش من حد!
تضحك بهدوء.
كارلا:
– أكتر ناس بتقول الجملة دي…
– هم أكتر ناس خايفين.
يمد يده ويمسك ذراعها بقوة.
مراد:
– لو رائد حي…
– مش هيشوف شمس يوم واحد.
لا تسحب ذراعها.
تنظر ليده، ثم لعينيه.
كارلا (بهدوء مرعب):
– جميل.
تقترب أكثر حتى تلامس جبهته.
كارلا:
– يبقى خلّيك مستعد.
يقطب حاجبيه.
مراد:
– مستعد لإيه؟
تبتسم ابتسامة باردة…
ابتسامة من يعرف السر ولا ينوي مشاركته.
كارلا:
– لأي مفاجأة.
تفلت ذراعها بهدوء، تتجه نحو غرفة النوم.
وقبل أن تختفي، تقول دون أن تلتفت:
كارلا:
– بالمناسبة…
– الأشباح لما ترجع،
– ما بترجعش لوحدها.
يظل مراد واقفًا مكانه.
النافذة أمامه…
لكن انعكاسه في الزجاج لم يعد واثقًا كما كان.
الشك دخل.
ولن يخرج بسهولة.
**********************
في سويسرا – حديقة المشفى –
رائد يجلس على مقعد خشبي، معطفه مفتوح قليلًا،
ينظر إلى يديه كأنهما لا تخصّانه.
رامي يجلس بجانبه، ليس قريبًا جدًا ولا بعيدًا.
يعرف هذه المسافة…
مسافة من يخاف أن يضغط على جرح لا يراه.
صمت طويل.
رائد (بصوت منخفض):
– المكان هنا هادي قوي…
– زيادة عن اللزوم.
يبتسم رامي بخفة.
رامي:
– الهدوء أحيانًا علاج…
– وأحيانًا عقاب.
يلتفت رائد إليه.
رائد:
– إنت دايمًا بتتكلم كده؟
رامي (مازحًا):
– لما أبقى قلقان… آه.
يصمت رائد ثانية، ينظر للأشجار.
رائد:
– إنت قلتلي إننا صحاب.
رامي:
– أكتر من صحاب.
يرفع رائد حاجبيه.
رائد:
– طب ليه مش حاسس؟
– المفروض أحس بحاجة… أي حاجة.
يتنفس رامي ببطء.
رامي:
– الإحساس مش دايمًا بييجي مع الذاكرة.
– أحيانًا بييجي قبلها… أو بعدها.
ينظر رائد للأرض.
رائد:
– أنا كل يوم بصحى…
– وحاسس إني ضيف في جسمي.
تشد ملامح رامي للحظة، ثم يخفيها.
رامي:
– كنت دايمًا بتكره الإحساس ده.
يلتفت رائد بسرعة.
رائد:
– يعني…
– ده كان بيحصل قبل كده؟
يتدارك رامي.
رامي:
– أقصد…
– ما كنتش بتحب تحس إنك تايه.
يهز رائد رأسه، غير مقتنع تمامًا.
رائد:
– بحس إن في حاجة ناقصة.
– مش ذكرى…
– حاجة أكبر.
ينظر لرامي بتركيز.
رائد:
– إنت متأكد إنك مش مخبي عليّا حاجة؟
الصمت هذه المرة أثقل.
رامي ينظر أمامه، لا إلى رائد.
رامي:
– متأكد إني لو قلت حاجة غلط…
– هتتعب.
رائد (بابتسامة شاحبة):
– أنا تعبان أصلًا.
يلتفت رامي إليه أخيرًا.
رامي:
– بس لسه عايش.
– ولسه بتضحك.
– ولسه بتبص للناس بنظرة طيبة.
يبتسم رائد بسخرية خفيفة.
رائد:
– الطيبة دي ملهاش تاريخ؟
يضحك رامي ضحكة قصيرة.
رامي:
– للأسف…
– تاريخ طويل.
ينظر رائد بعيدًا، ثم يقول فجأة:
رائد:
– إيلينا…
يستدير رامي نحوه فورًا، لكن دون توتر ظاهر.
رامي:
– مالها؟
رائد (مترددًا):
– لما بتدخل الأوضة…
– بحس إني بأمان.
يصمت قليلًا.
رائد:
– وده غريب…
– لأني ما فاكرهاش من قبل.
يرتاح رامي قليلًا.
رامي:
– الأمان مش محتاج ذاكرة.
ينظر رائد إليه بعينين متعبتين.
رائد:
– إنت شايفني مين دلوقتي يا رامي؟
– مريض؟
– ولا واحد تاني؟
يفكر رامي لحظة.
رامي:
– شايفك راجل بيحاول يفهم نفسه من جديد.
– وده أصعب من أي مرض.
يسود صمت دافئ.
يمر مريض آخر مع ممرضة، ضحكة خافتة في الخلفية.
رائد (بصوت خافت):
– لو…
– لو افتكرت؟
يبتلع ريقه.
رائد:
– هبقى مبسوط؟
رامي لا يجيب فورًا.
ثم يقول بهدوء صادق:
رامي:
– هتبقى قوي.
– وده أحيانًا أصعب من السعادة.
ينظر رائد إليه طويلاً.
رائد:
– أنا واثق فيك…
– رغم إني ما عارفكش.
تبتسم عينا رامي، وفيهما شيء يشبه الوجع.
رامي:
– وده كفاية دلوقتي.
ينهض رائد ببطء.
رائد:
– نرجع جوه؟
– الجو برد.
يقف رامي معه.
رامي:
– زي ما كنت دايمًا تقول…
– “اللي جاي أهم من اللي فات”.
يتوقف رائد فجأة.
رائد:
– أنا قلت كده؟
يتجمد رامي لحظة…
ثم يبتسم بهدوء.
رامي:
– آه.
– وكنت مصدقها.
يسيران معًا نحو باب المشفى.
رائد مشتّت…
ورامي يعرف أن كل خطوة هادئة الآن
هي حرب مؤجلة مع الحقيقة.
**********************
في مصر – جامعة خاصة – كافتيريا الجامعة – منتصف النهار
ضجيج الطلبة، ضحكات، فناجين قهوة، موسيقى خافتة.
لكن عند الطاولة القريبة من الزجاج…
الصمت أثقل من كل ذلك.
ليل تجلس، كوب القهوة بين يديها، لم تشرب منه.
نظرتها ثابتة، لكنها ليست هنا.
(داخل ليل)
«كان صوته مكسور… عاصم ما بيكسرش بسهولة.»
«كان طفل سعيد… أخ كبير… ضحك في حديقة بيت بابا.»
«رائد… مات؟ ولا مات جواهم بس؟»
«إزاي صدق إن بابا قاتل؟ إزاي صدق و خطفني؟»
ترمش فجأة، كأنها تعود من مكان بعيد.
زين يجلس مقابِلها، ساقه تهتز بلا توقف، يحدّق في هاتفه المغلق.
يمرر أصابعه على الشاشة دون أن يفتحها.
(داخل زين)
«نادين…»
«أمي اختفت فجأة.»
«مش سافرت سياحة… سافرت حرب.»
«مخابرات، أوروبا، ملفات… و ولا رسالة.»
«حتى بابا ما بيقولش غير: شغل.»
يزفر بحدة، ثم يرفع رأسه فجأة.
سليم الشرقاوي يجلس بجانب رؤى، كتفاه مشدودتان،
يمسك هاتفه، رسالة مفتوحة:
Victor Müller – International Criminal Lawyer
“We can reopen the case. But you must be ready.”
يضغط سليم على الشاشة بقوة حتى تكاد تنكسر.
(داخل سليم)
«أب؟»
«ده مش أب… ده عار.»
«قتل… دمّر… شر.»
«لو العدالة بطيئة… أنا لأ.»
رؤى تراقبه من طرف عينها.
وجهه الذي كانت تحبه صار قاسيًا… غريبًا.
(داخل رؤى)
«مش ده سليم اللي كنت أعرفه.»
«مش ضحكته… مش صوته.»
«الكره ده هيبلعه.»
«و أنا؟ هفضل جنبه ولا هضيع معاه؟»
تمد يدها ببطء، تتردد… ثم تسحبها.
الصمت يستمر.
زين يقطعه فجأة، بنبرة خفيفة لكنها متعبة:
زين:
– هو إحنا اتفقنا نسكت…
– ولا الصمت ده حصل لوحده؟
ترفع ليل عينيها ببطء.
ليل (بهدوء):
– في حاجات…
– الكلام عنها بيخوف أكتر من السكوت.
يهز زين رأسه.
زين:
– أمي مختفية…
– و أنا مش عارف أزعل ولا أفتخر.
تنظر له ليل، تتفهم.
ليل:
– أحيانًا الناس بتمشي…
– عشان تحمينا.
يضحك زين بسخرية قصيرة.
زين:
– أو عشان تحارب…
– و تسيبنا نتفرج.
ينظر سليم إليهما، يتدخل فجأة بنبرة حادة:
سليم:
– في ناس ما ينفعش نسيبها تعيش.
– مهما كان الثمن.
تلتفت رؤى إليه بسرعة.
رؤى:
– سليم…
ينظر لها، عينيه مظلمتان.
سليم:
– إنتِ شايفة اللي حصل؟
– ده مش خطأ…
– ده تاريخ دم.
تبلع ريقها.
رؤى:
– بس الكره مش حل.
يبتسم بسخرية جارحة.
سليم:
– أومال إيه الحل؟
– نسامح؟
– نعمل نفسنا مش شايفين؟
تخفض رأسها.
رؤى (بصوت منخفض):
– نخاف…
– بس منتحولش للي بنكرهه.
تسود لحظة صمت ثقيل.
ليل تضع الكوب على الطاولة أخيرًا.
ليل:
– عاصم قال لي امبارح…
– إن الكذب ممكن يبني حياة كاملة.
– و الحقيقة…
– ممكن تدمّرها.
ينظر الجميع إليها.
زين:
– و إنتِ؟
– عايزة الحقيقة؟
تفكر، ثم تجيب بصوت صادق:
ليل:
– عايزة أعيش…
– من غير ما أكره.
ينظر سليم بعيدًا.
سليم:
– أنا لأ.
يقف فجأة، يحمل حقيبته.
سليم:
– لو العدالة نايمة…
– حد لازم يصحيها.
ينصرف.
رؤى تتابعه بعينيها، لا تلحقه.
رؤى (بهمس):
– يا رب ما يضيعش.
زين ينظر إليها، ثم إلى ليل.
زين (بنبرة أخف):
– واضح إننا كلنا في امتحان…
– بس مش في المنهج.
تبتسم ليل ابتسامة باهتة.
ليل:
– و لا في الكافتيريا.
تمر مجموعة طلبة تضحك، الحياة مستمرة…
بينما الأربعة يعرفون أن شيئًا ما
بدأ يتصدع من الداخل.
*********************
إيطاليا – فندق فاخر مطل على البحر – جناح خاص – منتصف الليل
الغرفة مضاءة بنور خافت ذهبي.
الستائر نصف مفتوحة، والبحر في الخارج ساكن… هادئ أكثر من اللازم.
نادين تقف أمام المرآة.
شعرها مرفوع بإتقان عسكري، ثوب أسود بسيط، بلا مجوهرات.
وجهها جميل… لكن عينيها؟
عيني امرأة عاشت أكثر مما ينبغي.
ترفع يدها ببطء، تلمس ندبة صغيرة قرب عنقها.
تبتسم.
نادين (بهمس):
– أمس…
– كنت واقفة قدامه.
ينعكس في المرآة طيف رجل إيطالي أنيق… الساندرو.
صوته يتردد في ذاكرتها:
(صوت الساندرو – ذكرى):
– “Odiare così… non è debolezza. È memoria.”
(الكراهية بهذا العمق… ليست ضعفًا، بل ذاكرة.)
تضحك نادين.
ضحكة قصيرة… باردة… مرعبة.
نادين:
– ذاكرة؟
– لأ… ده تاريخ دم.
تستدير، تتجه نحو الطاولة، تفتح درجًا سريًا.
تخرج صورة قديمة…
رجل بزي لواء مخابرات.
وجه صارم… نظرة أبوية.
نادين (صوتها يلين لحظة):
– بابا…
تغلق عينيها.
(فلاش باك – متقطع):
صوت رصاص.
ملف يُغلق بعنف.
خبر عاجل.
اسم واحد يتكرر: مراد.
تفتح عينيها بعنف.
نادين (بغضب مكتوم):
– قتلت جليل نادين.
– قتلت اسمي.
– و فاكر إنك كده خلصت؟
تضع الصورة جانبًا، تلتقط كأس ماء… لا تشرب.
تنظر للبحر.
نادين:
– عمرك ما اكتفيت، صح؟
– دايمًا عينك على اللي في إيد غيرك.
تتذكر…
حور.
مريم.
جميلة.
تشد قبضتها.
نادين:
– نساء شريفات…
– و إنت؟
– ذئب جبان.
تضحك مجددًا… أطول هذه المرة.
نادين (بسخرية):
– حتى أنا…
– حاولت تمتلكني.
تتغير نبرتها.
تصبح أخفض… أخطر.
نادين:
– و كسرت بيتي.
– كسرتني قدام آدم.
تتجه للسرير، تجلس، تحدق في الفراغ.
نادين:
– صدقك…
– و أنا سكتّ عشان ابني.
تغمض عينيها.
نادين (بألم):
– زين…
– ما يعرفش إن أبوه و أمه اتفرقوا بسبب شيطان.
تفتح عينيها فجأة.
نادين (بحدّة):
– بس دلوقتي يعرف.
تنهض، تتجه للمرآة مجددًا.
تنظر لنفسها مطولًا… ثم تبتسم ابتسامة غير إنسانية.
نادين:
– الدولة مسكتك… و سابتك.
– القانون حبسك… و طلّعك.
تقترب من المرآة حتى يكاد أنفاسها تضرب الزجاج.
نادين (بهمس مخيف):
– بس أنا؟
– أنا مش دولة…
– ولا قانون.
تخرج هاتفًا مشفّرًا، تنظر لاسم محفوظ بدون اسم…
رقم فقط.
لا تتصل.
تغلق الشاشة.
نادين:
– لسه بدري.
تستدير نحو البحر، تفتح الشرفة.
الهواء يصفع وجهها.
نادين (بصوت ثابت، قاتل):
– يا مراد…
– كل اللي خدتهم مني، هرجعهم.
– مش بالعدالة…
– بالقصاص.
تضحك.
ضحكة بطيئة، عميقة، تجعل الغرفة أبرد.
نادين:
– و لما أمسك قلبك…
– هفهمك حاجة واحدة متأخرة.
تتوقف، تنظر للظلام.
نادين (بهدوء مرعب):
– إن في ناس…
– ما ينفعش تلعب معاهم.
الستارة تتحرك مع الهواء.
البحر ما زال هادئًا.
لكن في مكان ما…
مراد يقترب من نهايته
ولا يدري أن المرأة التي كسرها يومًا
هي التي ستنهيه.
***********************
في مصر – مخزن مهجور على أطراف المدينة – ليل
ضوء أصفر متقطع يتدلّى من سقف مرتفع متآكل.
المكان رائحته صدأ وزيت قديم.
في المنتصف…
نديم
مربوط إلى كرسي حديدي، يديه خلف ظهره، رأسه منخفض، يتنفس بصعوبة.
أمامَه يقف عاصم.
ساكن…
سكون مرعب.
على الجانبين:
سليم القيصري يضم ذراعيه، نظراته باردة.
بيجاد يقف متوترًا، فكه مشدود، عيونه تحرق نديم حرقًا.
صوت خطوات عاصم يقترب ببطء.
عاصم (بهدوء مخيف):
– تفتكر…
– أنا لما كنت ببص لك، كنت شايف إيه؟
يرفع نديم رأسه قليلًا، يحاول التظاهر بالقوة.
نديم (بصوت مبحوح):
– كنت شايف صاحبك…
لكمة مفاجئة
رأس نديم يرتد للخلف بقوة.
عاصم (بصراخ انفجر فجأة):
– لاااا!
– كنت شايف سمّ!
يتقدم خطوة أخرى.
عاصم:
– سم دخل حياتي.
– سم خلاني أشك في راجل ربّاني.
– سم خطف بنت مالهاش ذنب.
يقترب أكثر، ينحني حتى يكون وجهه أمام وجه نديم.
عاصم (باحتقار):
– كنت بتبص في عيني وتكذب.
– بتتكلم عن رائد… وانت عارف إنه بريء.
نديم يبلع ريقه.
نديم:
– أنا… أنا كنت بنفّذ بس.
بيجاد (بغضب):
– تنفّذ؟
– وانت بتقول لي إن عاصم وافق يجوز أختُه ليك؟
– كنت هتسرق بنت مشلولة يا قذر!
يضربه بيجاد بقبضة في بطنه.
نديم يصرخ.
نديم (باهتزاز):
– والله… والله ما كنت عايز!
سليم (ساخرًا ببرود):
– ما كنتش عايز؟
– وانت بتحاول تدخله في مخدرات؟
– وانت بتلفّق له قضايا؟
ينظر سليم لعاصم.
سليم:
– ده مش غلط…
– ده مشروع سقوط كامل.
عاصم يضحك… ضحكة قصيرة، مكسورة.
عاصم:
– تعرف أكتر حاجة بتقهر؟
– إني كنت ضعيف كفاية أصدّقك.
يمسكه من قميصه بعنف.
عاصم (بغليان):
– كنت بتقولي زياد قتل رائد.
– كنت بتقولي إن الانتقام هو الحل.
– كنت بتقولي إن الغدر رجولة.
يضربه مرة أخرى.
ثم مرة.
سليم يمسك بذراعه.
سليم:
– عاصم… خلّيه يتكلم.
عاصم يتنفس بصعوبة، يتراجع خطوة.
عاصم (بصوت منخفض قاتل):
– اتكلم.
– قول الاسم… مع إنّي عارفه.
نديم ينهار.
دموع، أنفاس متقطعة.
نديم (منهار):
– مراد…
– مراد الشرقاوي.
بيجاد يضحك بمرارة.
بيجاد:
– مفاجأة عمرنا.
نديم يسرع بالكلام.
نديم:
– هو اللي قال لي أقرّب منك.
– قال لي أزرع الشك.
– قال لي أخلّيك تشوف زياد شيطان.
ينظر لعاصم برجاء.
نديم:
– كان بيدفع كويس…
– وكان بيهددني.
عاصم يقترب ببطء.
عاصم:
– و أنا؟
– لما كنت بتدمرني، كنت بتهددك؟
يهز نديم رأسه بخوف.
نديم:
– لأ…
– انت كنت ضحية سهلة.
صمت ثقيل.
عاصم يرفع رأسه، عيناه تلمعان بوحشية.
عاصم (بهدوء مرعب):
– آخر مرة حد يقول عليّا ضحية.
يضربه ضربة أخيرة، ثم يستقيم.
عاصم (لسليم):
– خلّيه صاحي.
ثم ينظر لبيجاد.
عاصم:
– ده مش حساب…
– ده بس بداية.
ينظر لنديم نظرة احتقار خالصة.
عاصم:
– انت ولا حاجة.
– مراد هو الهدف.
يتجه نحو الباب.
قبل أن يخرج، يلتفت.
عاصم:
– و صدّقني…
– اللي جاي هيخلّيك تتمنى إنك ما كنتش عرفتنا.
الباب المعدني يُغلق بصوتٍ مدوٍّ.
نديم يبقى وحيدًا…
يرتجف.
والظلام يبتلعه.
************************
نديم يترنّح على الكرسي، وجهه متورم، أنفاسه متكسّرة.
عاصم يقف أمامه… لم يعد يرى شيئًا.
العالم كله اختفى.
بقي الذنب… والغضب.
عاصم (بصوت مكسور مجنون):
– انت مش إنسان…
– انت أقل من تراب الجزمة اللي كنت بتمشي بيها وانا مصدقك.
يضربه مرة أخرى.
سليم يحاول الإمساك بذراعه.
سليم:
– عاصم خلاص!
– كفاية!
عاصم يزيحه بعنف.
عاصم (صارخًا):
– سيبني!
– ده دمر حياتي!
بيجاد يقترب، يحاول أن يوقفه.
بيجاد:
– لو قتلته…
– مراد كسب.
عاصم يضحك ضحكة هستيرية.
عاصم:
– مراد كسب من زمان!
يخرج السلاح من حزامه فجأة.
الجو يتجمّد.
نديم يصرخ، صوته يخرج مبحوحًا.
نديم (منهارًا):
– لا… لا والله أنا عبد مأمور!
– هو اللي قال!
– مراد قال لي أدمّرك!
السلاح يرتجف في يد عاصم.
عيناه حمراوان… دمع وغضب.
عاصم (بهمس قاتل):
– وأنا هخلّص العالم من قذارتك.
يحاول سليم الإمساك بالسلاح.
بيجاد يمسك بذراع عاصم.
سليم (بصرخة):
– عاصم! افتكر ليل!
لكن عاصم لا يسمع.
يرفع السلاح…
وفجأة—
يد قوية، ثابتة، تمسك بيده من الخلف.
بحركة خاطفة…
السلاح يُنتزع.
صوت غاضب يهدر في المكان:
زياد:
– كفاية!!
الجميع يتجمّد.
عاصم (مصدوم):
– زي… زياد؟!
سليم وبيجاد ينظران بذهول.
بيجاد:
– ازاي…؟
– ازاي عرفت المكان؟!
زياد يتقدم، وجهه متصلّب، عيناه تحترقان.
زياد:
– أبوك الروحي ما بيتأخرش لما ابنه يضيع.
ينظر لنديم باحتقار، ثم يعود بعينيه لعاصم.
زياد (بغضب شديد):
– كنت هتضيع نفسك عشان إيه؟
– عشان كلب مذلول؟
– عشان واحد مراد رماه زي الخرقة؟
عاصم ينفجر.
عاصم (بقهر):
– انت مش فاهم!
– ده خلاني أكرهك!
– خلاني أصدق إنك قاتل!
صوته ينكسر.
عاصم:
– ده خلاني أخطف بنتك…
– كنت هدمّرها…
– كنت هدمّر نفسي.
زياد يقترب منه ببطء…
ثم يضع يده على كتفه.
زياد (بصوت أهدأ لكنه حازم):
– وأنا سامحتك من أول لحظة.
– لأني عارفك…
– وعارف إن اللي حصل ده مش انت.
عاصم ينظر له، عينيه تلمعان بالدموع.
زياد:
– بس لو كنت قتلت نديم…
– كنت ضيّعت كل حاجة.
– وكنت سيبت ليل على ذمة مجرم… مش راجل.
عاصم يرتجف.
عاصم (بصوت منخفض):
– أنا بحبها…
– والله بحبها.
زياد يبتسم ابتسامة حزينة دافئة.
زياد:
– وأنا شُفت ده بعيني دلوقتي.
يلتفت لسليم وبيجاد.
زياد:
– خدوا الكلب ده.
– هيتسلّم بالطريقة الصح.
ثم يعود لعاصم.
زياد (بحزم أبوي):
– مراد… أنا وهو حسابنا طويل.
– ولما نخلص من شره؟
يصمت لحظة، ثم يقول بثقة:
زياد:
– هاعمل لك ولليل فرح يهز البلد.
– وتبقى جوزها…
– رسمي، قدّام الناس كلها.
عاصم ينهار.
يمسك يد زياد بقوة.
عاصم (بصوت مكسور ممتن):
– سامحني… يا بابا.
زياد يشدّه إلى صدره.
زياد:
– طول ما انت راجل…
– عمرك ما تخاف من الغلط…
– تخاف بس من إنك تسيبه يكملك.
نديم يُسحب بعيدًا.
الظلام ينسحب قليلًا…
ويظهر خيط نور.
*********************
في الجامعة – قبيل الغروب
ساحة الجامعة بدأت تفضى.
السماء مائلة للبرتقالي، والهواء أخفّ من المعتاد… لكنه مشحون.
ليل تجمع كتبها داخل حقيبتها، شاردة قليلًا.
رؤى تقفل زجاجة الماء.
رؤى (بتنهيدة):
– نطلع؟ بابا مستنيني.
زين (وهو يقف):
– أخيرًا… دماغي هتنفجر من المحاضرات دي.
سليم كان ساكت. عينيه على الأرض، ذهنه بعيد.
ليل (مبتسمة بخفة):
– يلا.
وقبل أن تتحرك…
صوت أنثوي ناعم، متردد:
الفتاة:
– ليل… لو سمحتي؟
ليل تلتفت.
فتاة في نفس عمرها تقريبًا، مظهرها بسيط، ابتسامة ودودة زيادة عن اللزوم.
ليل:
– أيوه؟
الفتاة (بخجل مصطنع):
– أنا اسمي مروة…
– دكتورة المادة طلبت مني أسألك عن البحث، قالت إنك شاطرة فيه.
ليل تتردد لحظة.
رؤى (بارتياب خفيف):
– البحث؟ مش الدكتورة قالت الأسبوع الجاي؟
مروة (سريعًا):
– آه… بس هي مستعجلة شوية.
تنظر حولها بتوتر، ثم تخفض صوتها.
مروة:
– ممكن نمشي دقيقتين؟ المكان هنا زحمة.
ليل تنظر لرؤى وزين.
ليل:
– خمس دقايق وراجعة.
زين (ضاحك):
– ما تتأخريش… مش ناقصين مصايب.
ليل تبتسم، ثم تمشي مع مروة.
ممر جانبي خلف مباني الجامعة
الضجيج يخفّ.
الخطوات يتردد صداها.
ليل بدأت تحس بشيء غير مريح.
ليل (بحذر):
– المكان هنا فاضي قوي…
مروة (بتوتر واضح):
– أيوه… بس أسرع.
تصلان إلى بوابة حديدية نصف مفتوحة، خلفها ساحة مهجورة، أشجار كثيفة ومخزن قديم.
ليل تتوقف فجأة.
ليل:
– لأ…
– احنا مش هنكمل.
تستدير.
مروة (بحدة مفاجئة):
– استني!
تمسك بذراع ليل.
ليل تحاول الإفلات.
ليل (غاضبة):
– سيبيني!
في تلك اللحظة…
خطوات ثقيلة خلفهما.
رجل طويل، قبعة تخفي نصف وجهه، يقترب بسرعة.
ليل تتراجع بخوف.
ليل (بصوت مرتعش):
– مين ده؟!
مروة تبتلع ريقها، تنظر حولها بقلق.
مروة (بهمس متوتر):
– بسرعة… خلّص.
الرجل يخرج منديلًا مبللًا.
يمسك ليل من الخلف.
ليل (تصرخ):
– رؤى!!
تحاول المقاومة، تضرب، ترفس…
لكن الرائحة تخنق أنفاسها.
ليل:
– لا… لا…
صوتها يضعف.
العالم يبدأ بالدوران.
مروة تنظر حولها بذعر.
مروة:
– أسرع!
– لو حد شافنا إحنا انتهينا!
الرجل يحمل ليل المترنحة.
الرجل (بصوت خشن):
– اتحركي.
ليل عيناها نصف مفتوحتين…
آخر ما تراه:
أضواء الجامعة من بعيد… تختفي.
تسقط حقيبتها على الأرض.
قطع مفاجئ.
قفلة الفصل
في ساحة الجامعة…
رؤى تلتفت فجأة.
رؤى (قلق):
– ليل اتأخرت.
زين ينظر حوله.
زين:
– غريبة… خمس دقايق وعدّت.
سليم ينهض فجأة، قلبه ينقبض بلا سبب.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
الفصل السابع والعشرون من هنا